النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٥٦
١٨١
سُورَةُ الجَنْعَة
وذو الجهلِ مَيْتٌ وهو ماشٍ على الثرى يُظَنُّ من الأحياءِ وهُو عديمُ(١)
ومعنى البعثِ على هذا: التعليم، أي: ثم علَّمناكم بعد جهلكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ أي: نعمةَ الله تعالى عليكم بالإحياء بعد الموت، أو
نعمتَه سبحانه بعد ما كفرتُموها؛ إذ رأيتم بأس الله تعالى في رميكم بالصاعقة
وإذاقتِكُم الموتَ. وتكليفُ مَن أُعيد بعد الموت ممَّا ذهب إليه جماعةٌ؛ لئلا يخلوَ
بالغّ عاقلٌ من تعبُّدٍ في هذه الدار بعد بعثة المرسلين. ومَنْ جَعَلَ البعث بعد الموت
مجازاً عن التعليم بعد الجهل، جَعَلَ متعلّق الشكر ذلك.
وفي بعض الآثار أنه لمَّا أحياهم الله تعالى سألوا أن يبعثهم أنبياء، ففعل،
فمتعلِّق الشكر حينئذٍ - على ما قيل - هذا البعثُ، وهو بعيد، وأبعدُ منه جَعْلُ متعلِّقه
إنزالُ التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم، وتفصيل شرائعهم بعد أن لم يكن لهم
شرائع.
وقد استدلَّ المعتزلةُ وطوائفُ من المبتدعة بهذه الآية على استحالة رؤية الباري
سبحانه وتعالى؛ لأنها لو كانت ممكنةً لما أخذتهم الصاعقة بطلبها .
والجواب: أنَّ أَخْذَ الصاعقة لهم ليس لمجرَّد الطلب، ولكن لِمَا انضمَّ إليه من
التعنُّت وفَرْطِ العناد كما يدلُّ عليه مَسَاقُ الكلام، حيث علَّقوا الإيمان بها. ويجوز
أيضاً أن يكون ذلك الأخذُ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى عليه السلام
وكلامِه إياه، أو نبوَّته، لا لطلبهم.
وقد يقال: إنهم لمَّا لم يكونوا متأهِّلين لرؤية الحقِّ في هذه النشأة، كان طلبُهم
لها ظلماً، فعوقبوا بما عوقبوا، وليس في ذلك دليلٌ على امتناعها مطلقاً في الدنيا
والآخرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ هذه المسألة بوجهٍ لا غبارَ عليه.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ عطفٌ على ((بعثناكم))، وقيل: على ((قلتم)). والأولُ
أَظْهَرُ؛ للقُرْبِ، والاشتراكِ في المسنَد إليه مع التناسُبِ في المسنَدِينِ في كون كلِّ
منهما نعمةً، بخلاف ((قلتم)؛ فإنه تمهيدٌ لها، وإفادتِه تأخيرَ التظليل والإنزال عن
(١) البيتان لابن السيد البطليوسي، وهما في وفيات الأعيان ٩٦/٣-٩٧، والوافي بالوفيات
٥٧٠/١٧، والبحر ٢١٣/١.

سُورَةُ الْبَّنَة
١٨٢
الآية : ٥٧
واقعةٍ طلبهم الرؤيةَ، وعلى التقديرين لا بدَّ لترك كلمة ((إذ)) هاهنا من نكتة، ولعلَّها
الاكتفاءُ بالدلالة العقلية على كون كلٍّ منهما نعمةً مستقلَّةً، مع التحرُّز عن تكرارها
في ((ظلَّلنا)) و((أنزلنا)).
و((الغمام)): اسمُ جنسٍ كحمامة وحمام، وهو السحاب، وقيل: ما ابيضَّ منه.
وقال مجاهد: هو أَبردُ من السحاب وأَرقُّ. وسُمِّي غماماً؛ لأنه يغمُّ وجهَ السماء
ويستره، ومنه الغُّ والغَمَم.
وهل كان غماماً حقيقةً، أو شيئاً يُشْبِهُه وسُمِّي به؟ قولان، والمشهورُ الأول.
وهو مفعولُ ((ظلَّلنا)) على إسقاط حرف الجرِّ، كما تقول: ظلَّلت على فلانٍ بالرداء،
أو بلا إسقاط، والمعنى: جعلنا الغمام عليكم ظُلَّة.
والظاهرُ أنَّ الخطابَ لجميعهم، فقد روي أنهم لمَّا أُمروا بقتال الجبَّارين
وامتنعوا وقالوا: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] ابتلاهم الله تعالى بالتِّيهِ
بين الشام ومصر أربعين سنة، وشَكَوا حرَّ الشمس، فلَطَفَ الله تعالى بهم بإظلال
الغمام، وإنزال المنِّ والسلوى(١).
وقيل: لمَّا خرجوا من البحر وقعوا بأرضٍ بيضاء عفراء ليس فيها ماءٌ ولا ظلِّ،
فشَكَوا الحرَّ نَوُقُوا به.
وقيل: الذين ◌ُلِّلوا بالغمام بعضُ بني إسرائيل، وكان الله تعالى قد أجرى
العادة فيهم أنَّ مَن عَبَدَ ثلاثين سنة لا يُحدِثُ فيها ذَنباً، أَظَلَّتْهُ الغمامة، وكان فيهم
جماعةٌ يُسمَّون أصحابَ غمائم، فامتنَّ الله تعالى عليهم لكونهم فيهم مَنْ له هذه
الكرامةُ الظاهرة والنعمةُ الباهرة.
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَّ﴾ المنُّ اسمُ جنسٍ لا واحدَ له من لفظه، والمشهورُ
أنه التَّرَنْجَيِين، وهو شيءٌ يُشْبِهُ الصَّمْغَ حلوٌ مع شيء من الحموضة، كان ينزل عليهم
كالطَّلِّ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كلِّ يومٍ إلا يوم السبتِ، وكان كلُّ
شخصٍ مأموراً بأن يأخذ قَدْرَ صاعٍ كلَّ يوم، أو ما يكفّه يوماً وليلة، ولا يدّخر إلا
(١) قطعة من خبر طويل عن ابن عباس أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٦٣)، وأبو يعلى
(٢٦١٨).

الآية : ٥٧
١٨٣
سُورَةُ الْبَقَة
يوم الجمعة، فإنَّ ادِّخارَ حصّة السبت كان مباحاً فيه. وعن وهب: إنه الخبز
الرُّقَاق.
وقيل: المراد به جميعُ ما منَّ الله تعالى به عليهم في التِّيه، وجاءهم عفواً
بلا تعب. وإليه ذهب الزجَّاج(١)، ويؤيِّده قولُهُ وَّهِ: ((الكَمْأةُ من المنِّ الذي منَّ الله
تعالى به على بني إسرائيل))(٢).
والسَّلوى: اسمُ جنسٍ أيضاً، واحدُها: سَلْواة كما قاله الخليل. وليست الألف
فيها للتأنيث، وإلَّا لَمَا أُنَّثْت بالهاء في قوله:
كَمَا انْتَفَضَ السَّلواءُ من بللِ القطرِ (٣)
وقال الكسائيُّ: السلوى واحِدةٌ، وجَمْعُها سَلاوَى. وعند الأخفش(٤): الجمعُ
والواحدُ بلفظ واحد، وقيل: جَمْعٌ لا واحدَ له من لَفْظِه.
وهو طائرٌ يشبه السُّمَانَى، أو هو السُّمَانَى بعينها، وكانت تأتيهم من جهة السماء
بُكرةً وعشيًّا، أو متى أَحبُّوا، فيختارون منها السَّمين ويتركون منها الهزيل.
وقيل: إنَّ ريح الجنوب تسوقُها إليهم، فيختارون منها حاجتَهم ويذهب الباقي.
وفي رواية: كانت تنزل عليهم مطبوخةً ومشويةً، وسبحان مَن يقول للشيء كن فيكون.
وذكر السَّدوسي(٥): أنَّ السَّلْوى هو العسلُ بلُغةٍ كنانةَ، ويؤيِّده قولُ الهُذلي:
وقاسَمَها باللهِ جهداً لأنتمُ أَلِذُّ مِنَ السَّلوَى إذا ما نَشُورُها (٦)
(١) في معاني القرآن ١/ ١٣٨.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٥)، والبخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩) من حديث سعيد بن زيد ره.
(٣) وصدره: وإني لتعروني لذكراك هزة، والبيت لأبي صخر الهذلي، وهو في العين ٢٩٨/٧،
وتهذيب اللغة ٦٩/١٣، والإنصاف لابن الأنباري ٢٥٣/١، وشرح المفصل ٦٧/٢،
والخزانة ٢٥٤/٣، ووقع في بعض المصادر: العصفور، بدل: السلواة.
(٤) في معاني القرآن ٢٦٨/١.
(٥) مؤرج بن عمر بن منيع، أبو فيد، من أعيان أصحاب الخليل، له: غريب القرآن، والأنواء،
والمعاني، وغيرها، توفي سنة (١٩٥ هـ) بغية الوعاة ٣٠٥/٢. وقوله في عرائس المجالس
للتعلي ص٢٤٧، وتفسير البغوي ١/ ٧٥.
(٦) البيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ١٥٨/١. قوله: نشورها، أي: نجتنيها.

سُورَةُ النَّفَة
١٨٤
الآية : ٥٧
وقول ابن عطية: إنه غلط(١). غلطٌ، واشتقاقُها من السلوة؛ لأنها لطيبها تسْلي
عن غيرها، وعطفُها على بعضٍ وجوه المنِّ من عَظْفِ الخاصِّ على العالمِّ اعتناءً
بشأنه.
﴿كُلُوا مِن طَيْبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ أَمرُ إباحةٍ على إرادة القول، أي: وقلنا، أو:
قائلين. و((الطيبات)): المستلَذَّات، وذكرها للمنَّة عليهم، أو الحلالات، فهو للنهي
عن الادخار.
و(من)) للتبعيض، وأَبعَدَ مَن جَعَلَها للجنس أو للبدل، ومثلُه مَن زعم أنَّ هذا
على حذف مضاف، أي: من عِوَضٍ طيبات، قائلاً: إنَّ الله سبحانه عوَّضهم عن
جميع مآكلهم المستلذَّة من قبلُ بالمنِّ والسلوى، فكانا بدلاً من الطيبات.
و ((ما)) موصولة، والعائد محذوف، أي: رَزَقْناكُموه. أو مصدرية، والمصدر
بمعنى المفعول.
واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعامَ بين يدي الإنسان
في إباحة الأكل، بل لا يجوزُ التصرُّف فيه إلا بإذن المالك. وهو أحدُ أقوال في
المسألة.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عطفٌ على محذوف، أي: فعصَوا ولم يقابلوا النِّعَم بالشكر،
أو: فظلموا بأن كفروا هذه النعمَ، وما ظلمونا بذلك، ويجوز - كما في ((البحر)) -
أن لا يُقدَّر محذوفٌ؛ لأنه قد صدر منهم ارتكابُ قبائح، من اتِّخاذِ العجل إلهاً،
وسؤالٍ رؤيته تعالى ظلماً، وغيرِ ذلك، فجاء قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ جملةً منفيَّةً
تدلُّ على أنَّ ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقصٌ ولا ضرر. وفي
هذا دليلٌ على أنه ليس مِن شَرْطِ نَفْي الشيء عن الشيء إمكانُ وقوعه؛ لأنَّ ظلمَ
الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه البنَّةَ(٢).
﴿وَلَكِنْ كَانُّوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ بالكفران، أو: بما فعلوا؛ إذ لا يتخطَّاهم
ضررُه. وتقديمُ المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفيُ السابق، وفيه ضربُ
(١) المحرر الوجيز ١٤٩/١.
(٢) البحر ٢١٥/١.

الآية : ٥٨
١٨٥
تهكّم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل؛ للدلالة على تماديهم في الظلم
واستمرارهم عليه. وفي ذكر (أنفسهم)) بجمع القلَّة تحقيرٌ لهم وتقليلٌ، والنفسُ
العاصية أقلُّ من كلِّ قليل.
﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُواْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةَ﴾ منصوبةٌ على الَّرفية عند سيبويه، والمفعوليةِ عند
الأخفش، والظاهرُ أنَّ الأمر بالدخول على لسان موسى عليه السلام كالأوامر
السابقة واللاحقة.
والقرية - بفتح القاف، والكسرُ لغةُ أهلِ اليمن -: المدينة، من قَرَيتُ: إذا
جمعت، سمِّيت بذلك لأنها تجمع الناس على طريق (١) المُساكنة، وقيل: إنْ قَلُّوا
قيل لها: قرية، وإن كثروا قيل لها: مدينة، وأنهى بعضُهم حدَّ القلَّة إلى ثلاثة.
والجمعُ: القُرى على غير قياس، وقياسُ أمثاله: فِعال؛ كظَبية وظِباء.
وفي المراد بها هنا خلافٌ جَمٌّ، والمشهورُ عن ابن عباس، وابن مسعود
وقتادةَ، والسديِّ، والربيع، وغيرهم، وإليه ذهب الجمهور: أنها بيتُ المقدس،
وقد كان هذا الامرُ بعد التِّيه والتحيُّر، وهو أمرُ إباحةٍ يدلُّ عليه عطفُ ((فكلوا)) إلخ،
وهو غيرُ الأمرِ المذكور بقوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ
لَكُمْ وَلَ نَرْئِدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] لأنه كان قبل ذلك، وهو أمر
تكليفٍ كما يدلُّ عليه عطفُ النهي، ومنهم مَن زعم اتِّحادهما، وجَعَل هذا الأمرَ
أيضاً للتكليف، وحَمَل تبديل الأمر على عدم امتثاله، بناءً على أنهم لم يدخلوا
القدس في حياة موسى عليه السلام.
ومنهم مَن ادَّعى اختلافَهما، لكنه زعم أنَّ ما هنا كان بعد التِّيه على لسان یوشع،
لا على لسان موسى عليهما السلام؛ لأنه وأخاه هارون ماتا في التِّيه، وفتح يوشعُ
مع بني إسرائيل أرضَ الشام بعد موته عليه السلام بثلاثة أشهر. ومنهم مَن قال: الأمرُ
في التِّيه بالدخول بعد الخروج عنه. ولا يخفى ما في كلِّ، فالأظهرُ ما ذكرنا.
وقد روي أنَّ موسى عليه السلام سار بعد الخروج من التيه بمَن بقي من بني
إسرائيل إلى أريحاء، وهي بأرض القدس وكان يوشعُ بن نون على مقدِّمته، ففتحها
(١) في (م): طريقة.

سُوَّةُ الْبَقَة
١٨٦
الآية : ٥٨
وأقام بها ما شاء الله تعالى، ثم قُبض، وكأنهم أُمروا بعد الفتح بالدخول على وجه
الإقامة والسُّكنى، كما يشير إليه قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا﴾ إلخ، وقولُه تعالى في
(الأعراف)): ﴿أَسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١]، ويؤيِّد كونَه بعد الفتح
الإشارةُ بلفظ القريب. والقولُ بأنها نزِّلت منزلة القريب ترويجاً للأمر، بعيدٌ، ولا
ينافي هذا ما مرَّ من أنه مات في التِّيه؛ لأنَّ المراد به المفازة، لا التِّهُ مصدرُ تاه يتيه
تيهاً - بالكسر والفتح - وتَيَهاناً: إذا ذهب متحيِّراً، فليُفهم.
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ أي: واسعاً هنيئاً، ونَصْبُهُ على المصدرية، أو
الحالية من ضمير المخاطبين. وفي الكلام إشارةٌ إلى حِلِّ جميع مواضعها لهم، أو
الإذنِ بنقل حاصلها إلى أيِّ موضعٍ شاؤوا، مع دلالة ((رغداً)) على أنهم مُرخّصون
بالأكل منها واسعاً، وليس عليهم القناعة لسدِّ الجوعة. ويحتمل أن يكون وعداً لهم
بكثرة المحصولات وعدم الغلاء. وأُخِّرَ هذا المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم
عليه السلام قبلُ، لمناسبة الفاصلة في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا﴾ .
والخلافُ في نصب ((الباب)) كالخلاف في نصب («هذه القريةَ))، والمرادُ بها على
المشهور أحدُ أبواب بيت المقدس، وتدعى الآن باب حِطّة، قاله ابن عباس.
وقيل: الباب الثامن من أبوابه، ويدعى الآن بابَ التوبة، وعليه مجاهد. وزعم
بعضهم أنَّها بابُ القُبَّة التي كانت لموسى وهارون عليهما السلام يتعبَّدان فيها،
وجُعلت قبلةً لبني إسرائيل في التيه، وفي وَصْفها أمورٌ غريبة في القصص، لا يعلمها
إلا الله تعالى.
وسُجَّداً: حالٌ من ضمير (ادخلوا)) والمراد: خُضَّعاً متواضعين؛ لأنَّ اللائق
بحال المذنبِ التائب، والمطيع الموافق،ِ الخشوعُ والمَسكنة.
ويجوز حَمْلُ السجود على المعنى الشرعي، والحال مقارنة أو مقدَّرة. ويؤيِّد
الثاني ما روي عن وهب في معنى الآية: إذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله تعالى،
أي: على ما أنعم عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على مَن كنتم منه
تخافون، وأعادکم إلى ما تحبُّون.
وقول الزمخشريٌّ(١): أُمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى
(١) في الكشاف ٢٨٣/١.

الآية : ٥٨
١٨٧
سُؤَدَّةُ الْبَرَة
وتواضعاً. لم نقف على ما يدلُّ عليه من كتاب وسنة.
وفسَّر ابن عباس السجودَ هنا بالركوع، وبعضُهم بالتَّطامن والانحناء؛ قالوا :
وأُمروا بذلك لأنَّ الباب كان صغيراً ضيِّقاً يحتاج الداخل فيه إلى انحناء. وفي
الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: ((قيل لبني إسرائيل: ﴿أَدْخُلُواْ
الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فدخلوا يزحفون على أَستاهِهِم))(١).
﴿وَقُولُواْ حِقَّةٌ﴾ أي: مسألتُنا، أو: شأنك يا ربَّنا أن تحطّ عنَّا ذنوبنا، وهي فِعْلَة
من الحَطّ؛ كالجِلْسَة، وذكر أبان(٢) أنها بمعنى التوبة، وأنشد:
فاز بالحِظّة التي جَعَلَ الل ◌ُ بها ذَنبَ عبدِهِ مغفورا(٣)
والحقُّ أنَّ تفسيرها بذلك تفسيرٌ باللَّازم. ومن البعيد قولُ أبي مسلم (٤): إنَّ
المعنى: أمرنا حِّة، أي: أن نحظّ في هذه القرية ونقيمَ بها - لعدم ظهور تعلّق
الغفران به، وترتُّبِ التبديل عليه، إلا أن يقال: كانوا مأمورين بهذا القول عند الحظّ
في القرية لمجرَّد التعبُّد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدَّلوه.
وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب(٥)، بمعنى: حُطّ عنَّا ذنوبنا حِظَّةٌ، أو نسألك ذلك،
ويجوز أن يكون النصب على المفعولية لـ ((قولوا))، أي: قولوا هذه الكلمة بعينها
- وهو المرويُّ عن ابن عباس - ومفعولُ القول عند أهل اللغة يكون مفرداً إذا أُريد به
لفظُه، ولا عبرة بما في ((البحر))(٦) من المنع. إلا أنهُ يُبعد هذا أنَّ هذه اللفظة
عربية، وهم ما كانوا يتكلمون بها، ولأنَّ الظاهر أنهم أُمروا أن يقولوا قولاً دالًّا
على التوبة والندم، حتى لو قالوا: اللهم إنَّا نستغفرك ونتوب إليك، لكان المقصود
(١) صحيح البخاري (٣٤٠٣)، وصحيح مسلم (٣٠١٥)، وهو عند أحمد (٨٢٣٠).
(٢) ابن تغلب، أبو سعد، وقيل: أبو أمية، الرَّبعي الكوفي الشيعي، الإمام المقرئ، وبدعته
خفيفة، روى له الجماعة إلا البخاري، توفي سنة (١٤١ هـ). السير ٣٠٨/٦. وقوله في تفسير
القرطبي ١٢٥/٢، والبحر ٢١٧/١.
(٣) البيت في تفسير القرطبي ٢/ ١٢٥، والبحر ٢١٧/١.
(٤) هو الأصفهاني، وقوله في تفسير الرازي ٨٩/٣.
(٥) القراءات الشاذة ص٥.
(٦) ٢٢٢/١.

سُورَةُ الْبَدَّة
١٨٨
الآية : ٥٨
حاصلاً، ولا تتوقف التوبة على ذكر لفظةٍ بعينها، ولهذا قيل: الأَوْجَهُ في كونها
مفعولاً لـ ((قولوا)) أن يراد: قولوا أمراً حاًا لذنوبكم من الاستغفار، وحينئذٍ يزولُ
عن هذا الوجه الغبار.
ثم هذه اللفظة على جميع التقادير عربيةٌ معلومةُ الاشتقاق والمعنى، وهو
الظاهرُ المسموع، وقال الأصم(١): هي من ألفاظ أهل الكتاب ولا نعرف معناها
في العربية، وذكر عكرمة أنَّ معناها: لا إله إلا الله. وهو من الغرابة بمكان.
﴿ِتَغْفِّرِ لَكُمْ خَطَيَلْكُمْ﴾ بدخولكم الباب سُجَّداً وقَولِكم حِطَّة. والخطايا أصلها
خَطايئ بياء بعد ألف ثم همزة، فأبدلت الياء - عند سيبويه(٢) - الزائدة همزةً لوقوعها
بعد الألف، واجتمعت همزتان، وأُبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً، وكانت الهمزة
بين ألفين فأبدلت ياءً، وعند الخليل: قُدِّمت الهمزة على الياء ثم فُعل بها ما ذكر(٣).
وقرأ نافع: ((يُغْفَر)) بالياء، وابن عامر بالتاء على البناء للمجهول، والباقون
بالنون والبناء للمعلوم(٤)، وهو الجاري على نظام ما قبله وما بعده، ولم يقرأ أحدٌ
من السبعة إلا بلفظ: ((خطاياكم)) وأمالها الكسائي(٥)، وقرأ الجحدري وقتادة:
(نُغْفَر) بضم التاء، وإفراد الخطيئة (٦). وقرأ الجمهور بإظهار الراء من ((نغفر) عند
اللام، وأدغمها قوم، قالوا: وهو ضعيف.
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ معطوفٌ على جملةِ ((قولوا حطة)) وذكر أنه عطفٌ
على الجواب، ولم ينجزم لأنَّ السين تمنع الجزاء عن قبول الجزم، وفي إبرازه في
تلك الصورة دون ((نَزِدْ» دليلٌ على أنَّ المُحْسِنَ يفعل ذلك البنَّة. وفي الكلام صفة
الجمع مع التفريق، فإنَّ ((قولوا حطة)) جمع، و((نغفر لكم)) و((سنزيد)) تفريق.
والمفعول محذوف، أي: ثواباً .
(١) أبو بكر، عبد الرحمن بن كيسان، شيخ المعتزلة، له تفسير عجيب، وكتاب خلق القرآن،
والرد على الملحدة، وغيرها. توفي سنة (٢٠١هـ). السير ٩/ ٤٠٢، واللسان ٤٢٧/٣.
(٢) الكتاب ٥٥٣/٣.
(٣) العين ٢٩٢/٤.
(٤) التيسير ص٧٣، والنشر ٢١٥/٢، وقراءة ((يُغْفَرْ)) قرأ بها يعقوب أيضاً من العشرة.
(٥) التيسير ص٤٨، والنشر ٣٧/٢ و٢١٥.
(٦) القراءات الشاذة ص٦، والبحر ٢٢٣/١.

الآية : ٥٩
١٨٩
سُورَةُ الْبَرَة
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوْ قَوْلًا غَيْرَ أَلَّذِى قِلَ لَهُمْ﴾ أي: بدَّل الذين ظلموا بالقول
الذي قيل لهم قولاً غيره، ((فبدَّل)) يتعدَّى لمفعولين؛ أحدهما بنفسه، والآخر بالباء،
ويدخل على المتروك، فالذمُّ متوجّهٌ، وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكون ((بدَّل)) محمولاً
على المعنى، أي: فقال الذين ظلموا قولاً .. إلخ.
والقول بأنَّ (غيرَ)) منصوبٌ بنزع الخافض، كأنه قيل: فغيَّروا قولاً بغيره، غيرُ
مرضيٍّ من القول.
وصرَّح سبحانه بالمغايرة، مع استحالة تحقّق التبديل بدونها، تحقيقاً
لمخالفتهم، وتنصيصاً على المغايرة من كل وجهٍ. وظاهر الآية انقسامُ مَن هناك إلى
ظالمين وغير ظالمين، وأنَّ الظالمين هم الذين بدَّلوا. وإن كان المبدِّلُ الكلَّ كان
وَضْعُ ذلك مِن وَضْعِ الظاهِر موضعَ الضمير للإشعار بالعِلَّة.
واختلف في القول الذي بدَّلوه، ففي الصحيحين أنهم قالوا: ((حبّةٌ في شَعَرة))(٢).
وروى الحاكم: (حنطة)) بدل ((حطّة)(٣). وفي ((المعالم)) أنَّهم قالوا بلسانهم: حطا
سمقاثا، أي: حنطة حمراء(٤) قالوا استهزاءً منهم بما قيل لهم، والروايات في ذلك
كثيرة، وإذا صحّت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين.
والقولُ بأنه لم يكن منهم تبديل، ومعنى ((فبدَّلوا)): لم يفعلوا ما أُمروا به، لا أنهم
أتوا بيدلٍ له، غيرُ مُسلَّم، وإن قاله أبو مسلم(٥)، وظاهرُ الآية والأحاديث تكذِّبه.
﴿فَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزَّا مِنَ الَمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٤﴾ وَضَعَ المُظْهَرَ
موضعَ الضمير مبالغةً في تقبيح أمرهم، وإشعاراً بكونِ ظلمِهم وإضرارِهم أنفسَهم
بترك ما يوجب نجاتها، أو وضعِهم غيرَ المأمور به موضعَه، سبباً لإنزال الرِّجز - وهو
(١) في الإملاء ١٤٨/١ .
(٢) في الأصل و(م): شعيرة، والمثبت من صحيح البخاري (٣٤٠٣)، وصحيح مسلم
(٣٠١٥)، وهو من حديث أبي هريرة ظه، وقد سلفت قطعة منه قريباً.
(٣) المستدرك ٢٦٢/٢، وهو من حديث ابن عباس با موقوفاً.
(٤) تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل ٧٦/١، وفيه: حطانا ... ، وما ذكره المصنف موافق
لما في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٥٠. وأخرج الطبري ١/ ٧٢٥ عن ابن مسعود أنهم
قالوا: هطى سمقائا ازبه هَزْبا، وهو بالعربية: حبةُ حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء.
(٥) قوله في تفسير الرازي ٣/ ٩١.

سُوَّةُ الْبَقَة
١٩٠
الآية : ٥٩
العذاب - وتكسَر راؤه وتُضمّ، والضمُّ لغةُ بني الصعدات، وبه قرأ ابن محيصن(١).
والمرادُ به هنا، كما روي عن ابن عباس: ظلمةٌ وموت، يروى أنه مات منهم
في ساعةٍ أربعةٌ وعشرون ألفاً .
وقال وهب: طاعونٌ عُذِّبوا به(٢) أربعين ليلة، ثم ماتوا بعد ذلك. وقال ابن
جبير: ثلجُّ هلك به منهم سبعون ألفاً. فإن فُسِّر بالثلج، كان كونُه من السماء
ظاهراً، وإن بغيره، فهو إشارةٌ إلى الجهة التي يكون منها القضاء، أو مبالغة في
عُلوِّه بالقهر والاستيلاء.
وذكر بعض المحقّقين أنَّ الجارّ والمجرورَ ظرفٌ مستقرٌّ وقع صفة لـ ((رجزاً))،
وابما كانوا يفسقون)) متعلّقٌ به لنيابته عن العامل علَّة له، وكلمة ((ما)) مصدرية.
والمعنى: أنزلنا على الذين ظلموا لظُلْمِهم عذاباً مقدَّراً بسبب كونهم مستمرِّين على
الفسق في الزمان الماضي، وهذا أَوْلى مِن جَعْلِ الجارِّ والمجرور ظرفاً لغواً متعلّقاً
بـ ((أنزلنا))؛ لظهوره على سائر الأقوال، ولئلا يُحتاجَ في تعليل الإنزال بالفسق - بعد
التعليل المستفاد من التعليق بالظلم - إلى القول بأنَّ الفسق عينُ الظلم وكرِّر للتأكيد،
أو أنَّ الظلم أعمُّ والفسق لا بدَّ أن يكون من الكبائر، فبعد وَصْفِهم بالظلم وُصفوا
بالفسق للإيذان بكونه من الكبائر(٣). فإنَّ الأول بضاعةُ العاجز، والثاني لا يدفع
ركاكة التعليل.
وما قيل: إنه تعليل للظلم، فيكون إنزالُ العذاب مسبَّاً عن الظلم المسبّب عن
الفسق، ليس بشيء؛ إذ ظلمُهم المذكورُ سابقاً، الذي هو سببُ الإنزال، لا يحتاج
إلى العلة.
وقد احتجَّ بعض الناس بقوله تعالى: ﴿فَبَذَّلَ﴾ إلخ، وترتُّبِ العذاب على
(١) القراءات الشاذة ص٥.
(٢) في الأصل و(م): غدوا، والمثبت من البحر ٢٢٥/١، والكلام منه، ومثله في زاد المسير
٨٦/١.
(٣) ومعنى الكلام: أن الظلم قد يكون من الصغائر وقد يكون من الكبائر، والفسق لا بدَّ وأن
يكون من الكبائر، فوصفهم به بعد وصفهم بالظلم ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من
الصغائر. تفسير الرازي ٩١/٣- ٩٢.

الآية : ٥٩
١٩١
سُورَةُ الْبَّرَة
التبديل، على أنَّ ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييرُه ولا تبديله بلفظ
آخر، وقال قوم: يجوز ذلك إذا كانت الكلمة الثانية تسدُّ الأولى، وعلى هذا جرى
الخلاف - كما في البحر (١) - في قراءة القرآن بالمعنى ورواية الحديث به، وجرى
في تكبيرة الإحرام، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك. والبحث مفضَّلٌ
في محلّه هذا.
وقد ذكر مولانا الإمام الرازي(٢) رحمه الله تعالى أنَّ هذه الآية ذُكرت في
(الأعراف))(٣) مع مخالفةٍ من وجوه لنكات:
الأول: قال هنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ُ لمَّا قَدَّم ذِكْرَ النِّعم فلا بدَّ من ذِكْرِ المُنعِم، وهناك:
﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به.
الثاني: قال هنا: ﴿أَدْخُلُواْ﴾ وهناك: ﴿أَسْكُنُوا﴾ لأنَّ الدخول مقدَّم، ولذا قدَّم
وضعاً المقدَّم طبعاً.
الثالث: قال هنا: ﴿خَطَيَئِكُمْ﴾ بجمع الكثرة، لمَّا أضاف ذلك القولَ إلى نفسه،
واللائقُ بُجُودِه غفرانُ الذنوب الكثيرة، وهناك: ﴿خَطِيّشَيْكُ﴾ بجمع القلّة؛ إذ لم
يصرِّح بالفاعل.
الرابع: قال هنا: ﴿رَغَدًا﴾ دون هناك؛ لإسناد الفعل إلى نفسه هنا، فناسب
ذكر الإنعام الأعظم، وعدم الإسناد هناك.
الخامس: قال هنا: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُقَدًا وَقُولُواْ حِقَةٌ﴾ وهناك بالعكس؛ لأنَّ
الواو لمُطْلَق الجمع، وأيضاً المخاطبون يحتمل أن يكون بعضُهم مذنبين، والبعضُ
الآخر ما كانوا كذلك، فالمُذْنبُ لا بدَّ وأن يكون اشتغاله بحظّ الذَّنْبِ مقدَّماً على
اشتغاله بالعبادة، فلا جَرَمَ كان تكليف هؤلاء أن يقولوا: ((حِطَّة)) ثم يدخلوا، وأمَّا
الذي لا يكون مذنباً، فالأَولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة، ثم يذكر التوبة ثانياً؛
(١) ٢٢٥/١، وينظر تفصيل هذه المسألة في تفسير القرطبي ١٢٦/٢.
(٢) في تفسيره ٣/ ٩٢-٩٤.
(٣) هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أَسْكُواْ هَذِهِ الْقَرَّبَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِقَةٌ
وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْنَيْكُمَّ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦١].

سُورَةُ الْبَّفَرَة
١٩٢
الآية : ٥٩
للهَضْمِ(١) وإزالة العُجْبِ، فهؤلاء يجب أن يدخلوا ثم يقولوا، فلمَّا احتمل كون .
أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين، لا جَرَمَ ذَكَرَ حُكمَ كلِّ واحدٍ منهما
في سورة أخرى.
السادس: قال هنا: ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ بالواو وهناك بدونه؛ إذ جعل هنا المغفرة مع
الزيادة جزاءً واحداً لمجموع الفعلين، وأمَّا هناك فالمغفرةُ جزاءُ قولِ ((حطة))
والزيادة جزاء الدخول، فَتَرْكُ الواو يفيد توزُّعَ كلّ من الجزاءين على كلٍّ من
الشرطين.
السابع: قال هناك: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾، وهنا لم يذكر ((منهم)) لأنَّ أولَ
القصة هناك مبنيٌّ على التخصيص بـ ((من)) حيث قال: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِاَلَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] فخصَّ في آخر الكلام ليطابق أولَّه؛ ولمَّا لم يذكر في الآيات
التي قبلَ ((فبدل)) هنا تمييزاً وتخصيصاً، لم يذكرفي آخر القصة ذلك.
الثامن: قال هنا: ﴿فَأَنْنَا﴾ وهناك ﴿فَأَرْسَلْنَآَ﴾ لأنَّ الإنزال يفيد حدوثه في أول
الأمر، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم، وذلك يكون بالآخرة.
التاسع: قال هنا: ﴿لَكُواْ﴾ بالفاء، وهناك بالواو؛ لِمَا مرَّ في ﴿وَكُلَا مِنْهَا
رَغَدًا﴾ وهو: أنَّ كلَّ فعلٍ عُطف عليه شيءٌ، وكان الفعل بمنزلة الشرط وذلك الشيء
بمنزلة الجزاء، عُطِفَ الثاني على الأول بالفاء دون الواو، فلمَّا تعلَّق الأكلُ
بالدخول، قيل في سورة البقرة: ﴿لَكُوا﴾ ولمَّا لم يتعلق الأكل بالسكون في
((الأعراف)) قيل: ﴿وَكُلُوا﴾ .
العاشر: قال هنا: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ وهناك ﴿يَظْلِمُونَ﴾ لأنه لمَّا بَيَّن هنا كونَ الفسقِ
ظلماً(٢)، اكتفى بلفظِ الظلم هناك. انتهى.
ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر، أمَّا في الأول، والثاني، والثامن،
والعاشر، فلأنها إنَّما تصحُّ إذا كانت سورة البقرة متقدّمةً على سورة الأعراف نزولاً
كما أنَّها متقدِّمةٌ عليها ترتيباً، وليس كذلك، فإنَّ سورة البقرة كلّها مدنية، وسورة
(١) يعني هضم النفس، كما في تفسير الرازي.
(٢) في تفسير الرازي: الظلم فسقاً.

الآية : ٥٩
١٩٣
سُورَةُ الْبَرَ
الأعراف كلُّها مكية إلا ثمانِ آياتٍ من قوله تعالى: ﴿وَسْتَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾
[الأعراف: ١٦٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]، وقولُه تعالى:
﴿أَسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١] داخلٌ في الآيات المكية، فحينئذٍ لا تصحُ
الأجوبة المذكورة.
وأمَّا ما ذكر في التاسع، فيرِدُ عليه منعُ عدم تعلَّق الأكل بالسكون؛ لأنهم إذا
سكنوا القرية، تتسبَّب سكناهم للأكل منها كما ذكر الزمخشري، فقد جمعوا في
الوجود بين سكناها والأكل منها (١). فحينئذ لا فرقَ بين ((كلوا)) و((فكلوا)) فلا يتمُّ
الجواب.
وأما الثالث: فلأنه تعالى وإن قال في ((الأعراف)): ﴿وَإِذْ قِلَ﴾ لكنه قال في
السورتين: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وأضاف الغفران إلى نفسه، فَبحُكم تلك اللياقة ينبغي أن
يذكر في السورتين جمع الكثرة، بل لا شكَّ أنَّ رعاية ((نغفر لكم)) أولى من رعاية
((إذا قيل لهم)) لتعلَّق الغفران بالخطايا، كما لا يخفى على العارف بالمزايا.
وأمَّا الرابع: فلأنه تعالى وإن لم يُسند الفعل إلى نفسه تعالى، لكنه مُسنَدٌ إليه
في نفس الأمر، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين.
وأما الخامس: فلأنَّ القصة واحدة، وكونُ بعضِهم مذنبين وبعضهم غيرَ مذنبين
محقَّقٌ، فعلى مقتضى ما ذكر، ينبغي أن يذكر ((وقولوا حطة)) مقدَّماً في السورتين.
وأما السادس: فلأنَّ القصة واحدة، وأنَّ الواو لمُظْلَقِ الجمع، وقوله تعالى:
﴿تَّغْفِرْ﴾ في مقابلة ﴿قُولُوا﴾ سواء قُدِّم أو أُخِّر، وقوله تعالى: ﴿وَسَنَِّيدُ﴾ في مقابلة
﴿وَآَدْخُلُواْ﴾ سواءٌ ذكر الواو أو ترك.
وأما السابع: فلأنه تعالى قد ذكر هنا قبل ((فبدل)) ما يدلُّ على التخصيص
والتمييز، حيث قال سبحانه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُوا
مِن طَِّبَتٍ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ إلخ، بكافات الخطاب وصيغته، فاللائق حينئذ أن يذكر لفظ
((منهم) أيضاً.
(١) الكشاف ٢/ ١٢٥ .

سُؤَةُ الْبَدَة
١٩٤
التفسير الإشاري (٥٥-٥٩)
والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حاكاها، ما ذكره الزمخشريُّ
من أنه: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله
تعالى: ﴿أَسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ وقوله: ﴿فَكُلُواْ﴾ لأنهم إذا سكنوا
القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل
منها. وسواء قدَّموا الحِظّة على دخول الباب أو أخّروها، فهم جامعون في الإيجاد
بينهما. وتركُ ذكر الرغد لا يناقض إثباته. وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ
الْمُحْسِنِينَ﴾ موعدٌ بشيئين، بالغفران والزيادة، وطرحُ الواو لا يخلّ؛ لأنه استئنافٌ
مرتَّبٌ على تقدير قول القائل: ماذا بعد الغفران؟ فقيل له: سنزيد المحسنين،
وكذلك زيادة ((منهم)) زيادة بيان و((أرسلنا)) و((أنزلنا)) و((يظلمون)) و((يفسقون)) من
واد(١) واحد. انتهى.
وبالجملة، التفتُّنُ في التعبير لم يَزَلْ دأبَ البُلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة
شأن المتكلّم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوءٌ من ذلك، ومَن رام بيانَ سرِّ لكلِّ
ما وقع فيه منه، فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللَُّني، والله
يؤتي فضله مَن يشاء، وسبحان مَن لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ لموسى القلب ﴿لَنْ تُؤْمِنَ﴾ الإيمانَ
الحقيقيَّ حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان، ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ صاعقةُ الموت الذي
هو الفناءُ في النَّجلِّ الذاتي، وأنتم تراقبون أو تشاهدون، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم﴾ بالحياة
الحقيقية والبقاء بعد الفناء، لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله
عز وجل، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ غمام تجلِّي الصفات؛ لكونها حُجُبَ شمس الذات
المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ مَنَّ الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهابٍ
رذائلٍ أخلاقِ النفس؛ كالتوكل والرضا، وسلوى الحِكم والمعارف والعلوم
الحقيقية، التي يحشرها عليكم ريحُ الرحمة والنَّفحات الإلهية في تيه الصفات عند
سلوككم فيها، فَتَسْلون بذلك السلوى، وتنسون من لذائذ الدنيا كلَّ ما يُشتهى.
(١) في الأصل و(م): دار، والمثبت من الكشاف.

التفسير الإشاري (٥٥-٥٩)
١٩٥
سُورَةُ الْبَقَة
﴿كُوا﴾ أي: تناولوا وتلقّوا هذه الطيبات التي رُزِقتُموها حسب استعدادكم،
وأُعطيتموها على ما وُعد لكم.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ أي: ما نقصوا حقوقَنا وصفاتِنا باحتجابهم بصفات أنفسهم،
ولكن كانوا ناقصين حقوقَ أنفسهم بحرمانها وخسرانها، وهذا هو الخسران المبين.
﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: المحلَّ المقدَّس الذي هو مقام المشاهدة.
﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ﴾ الذي هو الرضا بالقضاء، فهو بابُ الله تعالى الأعظم ﴿سُغَدًا﴾
منحنين خاضعين لمَا يَرِدُ عليكم من التجلِّيات، واطلبوا أن يحطّ الله تعالى عنكم
ذنوب صفاتكم وأخلاقكم وأفعالكم، فإن فعلتم ذلك ﴿تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾: ((مَن
تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، ومَن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعاً، ومَن
أتاني يمشي أتيتُه هرولةً))(١) ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: المشاهِدين ما لا عينٌ رأت،
ولا أذنّ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، وهل ذلك إلا الكشفُ التامُّ عن الذات
الأقدس.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسَهم وأضاعوها، ووضعوها في غير موضعها اللائقٍ
بها ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ ابتغاءً للحظوظ الفانية والشهوات الدنيّة، ﴿فَأَلْنَا﴾
على الظالمين خاصةً عذاباً وظُلمْةً، وضيقاً في سجن الطبيعة، وأَسْراً في وثاق
التمنِّي وقيد الهوى، وحرماناً وذلَّا بمحبّة المادِّيَّات السُّفلية، والإعراض عن هاتيك
التجلِّيات العَليَّة، وذلك من جهة قَهْر سماء الرُّوح، ومنع اللَّطف والرَّوْحِ عنهم
بسبب فِسْقِهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى، كما ورد في
الأثر: ((استَفْتِ قلبك وإن أفتاك المُفتون))(٢) إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء. وهذا
هو البلاءُ العظيم، والخَطْب الجسيم:
أبداً من الحَدَقِ المِراضِ عياذُهُ
مَن کان یرغبُ في السلامةِ فلْيَكُن
نظرٌ يضُرُّ بقلبكَ اسْتِلْذاذُهُ
لا تخدعَّك بالفتورِ فإنَّهُ
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٤٢٢)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) عن
أبي هريرة ضل.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٤٤، وله شاهدٌ من حديث أبي ثعلبة الخشني عند أحمد
(١٧٧٤٢).

سُورَّةُ الْبَحْمَة
١٩٦
الآية : ٦٠
كذليلِهِ وغنيُّهُ شَحَّاذُهُ(١)
إياكَ من طمعِ المُنی فعزیزُهُ
﴿وَإِذِ أَسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ تذكيرٌ لنعمةٍ عظيمةٍ كفروا بها، وكان ذلك في التِّيه
لمَّا عطشوا، ففي بعض الآثار أنهم قالوا فيه: مَنْ لنا بِحَرِّ الشمس؟ فظلَّل عليهم
الغمام. وقالوا: مَنْ لنا بالطعام؟ فأنزل الله تعالى عليهم المنَّ والسَّلوى. وقالوا:
مَنْ لنا بالماء؟ فأمر موسى بضَرْب الحجر. وتغييرُ الترتيب لقَصْدِ إبرازٍ كلٍّ من
الأمور المعدودة(٢) في معرض أمرٍ مستقلٍّ واجب التذكير والتذكُّر، ولو روعي
الترتيب الوقوعيُّ لِفُهِمَ أنَّ الكلَّ أمرٌ واحدٌ أمر بذكره.
والاستسقاء: طلب السُّقيا عند عُذْم الماء أو قِلَّته. قيل: ومفعولُ ((استسقى))
محذوفٌ، أي: ربَّه، أو: ماءً، وقد تعدَّىَ هذا الفعل في الفصيح إلى المستسقَى منه
تارةً، وإلى المستسقَى أُخرى، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَسْتَسْقَنْهُ قَوْمُهُ ﴾
[الأعراف: ١٦٠] وقوله :
وأَبيضَ يُستَسقَى الغَمامُ بوجهِهِ ثِمالَ اليتامى عِصْمَةً للأراملِ (٣)
وتعديتُهُ إليهما مثلَ أن تقول: استسقى زيدٌ ربَّه الماءً، لم نجدها في شيء من
كلام العرب، واللام متعلِّقةٌ بالفعل وهي سبية، أي: لأَجْلٍ قومه.
﴿فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَبَرِّ﴾ أي: فأجبناه فقلنا ... إلخ، والعصا مؤنَّث،
والألفُ منقلبةٌ عن واو، بدليل عَصَوان، وعصوتُهُ أي: ضربتُهُ بالعصا، ويُجمع على
أُفْعُلِ شذوذاً وعلى فُعُول قياساً، فيقال: أَعْصٍ وعُصِيّ، وتَتْبعُ حركةُ العين حركةَ
الصاد(٤).
و((الحجر)): هو هذا الجسم المعروف، وجمعُهُ أحجار وحِجار، وقالوا:
(١) الأبيات لظافر بن القاسم الجذامي المعروف بالحداد، كما في معجم الأدباء ٣٢/١٢،
ووفيات الأعيان ٥٤٠/٢.
(٢) في الأصل و(م): المعدود، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٠٥/١، والكلام منه.
(٣) البيت لأبي طالب، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٢٨١، ودلائل الإعجاز ص١٨، والخزانة
٦٧/٢، وفيه: الأبيض هنا بمعنى الكريم، والثِّمال: العماد والملجأ والكافي.
(٤) فتصبح: عِصي بكسر العين، فله وجهان: ضم العين، وكسرُها إتباعاً. الدر المصون ١/ ٣٨٤.

الآية : ٦٠
١٩٧
سُورَةُ الْبَقَة
حجارة، واشتقُّوا منه فقالوا: اسْتَحْجَر الطين، والاشتقاق من الأعيان قليلٌ جدًّا.
والمرادُ بهذه العصا: المسؤول عنها في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِنِكَ
يَمُوسَى﴾ [طه: ١٧]، والمشهور أنَّها من آسِ الجنة، طولُها عشرةُ أذرعٍ طول موسى
عليه السلام، لها شعبتان تَتَّقدان في الظلمة، توارثها صاغرٌ عن كابر حتى وصلت
إلى شعيب، ومنه إلى موسى عليهما السلام. وقيل: رفعها له ملكٌ في طريق
مذین.
وفي المراد من ((الحجر)) خلاف، فقال الحسن: لم يكن حجراً معيَّناً، بل أيّ
حجرٍ ضربه انفجر منه الماء، وهذا أبلغ في الإعجاز وأَبْيَنُ في القدرة.
وقال وهب: كان يقرع لهم أقربَ حجر فتنفجر. وعلى هذا، اللامُ فيه للجنس.
وقيل: للعهد، وهو حجرٌ معيَّنٌ حَمَلَهُ معه من الطور، مكثَّبٌ له أربعةُ أوجهٍ ينبع
من كلِّ وجهٍ ثلاثةُ أعين، لكلِّ سِبطٍ عينٌ تسيل في جدولٍ إلى السِّبط الذي أُمرت أن
تسقيهم، وكانوا ستَّ مئةٍ ألفٍ ما عدا دوابَّهم، وسَعةُ المعسكر اثنا عشر ميلاً.
وقيل: حجرٌ كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب، فَدُفع إلى موسى. وقيل: هو
الحجر الذي فرَّ بثوبه، والقصةُ معروفة. وقيل: حجرٌ أُخذ من قَعْر البحر خفيفٌ
يشبه رأسَ الآدمي، كان يضعه في مَخْلاته، فإذا احتاج للماء ضربه. والروايات في
ذلك كثيرة، وظاهر أكثرها التعارض، ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمرٌ ديني،
والأسلم تفويض علمه إلى الله تعالى.
﴿فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْتَتَا عَثْرَةٍ عَيْنًا﴾ عَظْفٌ على مقدَّر، أي: فَضَرَبَ فانفلق، ويدلُّ
على هذا المحذوف(١) وجودُ الانفجار، ولو كان ينفجر دون ضربٍ لما كان للأمر
فائدة.
وبعضهم يسمِّي هذه الفاء: الفصيحة، ويقدِّر شرطاً، أي: فإن ضربت فقد
انفجرتْ، وفي ((المغني))(٢) أنَّ هذا التقدير يقتضي تقدُّم الانفجار على الضَّرْب،
إلا أن يقال: المراد: فقد حكمنا بترتُّب الانفجار على ضربك.
(١) قوله: المحذوف، ليس في الأصل.
(٢) ص٨٢١.

سُورَةُ الْبَّفَقَة
١٩٨
الآية : ٦٠
وقال بعض المتأخِّرين: لا حَذْف، بل الفاء للعطف، و((إن)) مقدَّرة بعد الفاء،
كما هو القياس بعد الأمر عند قصد السببية، والتركيب من قبيل: زرني فأكرمَك،
أي: اضرب بعصاك الحجر، فإن انفجرت فليكن منك الضرب فالانفجار.
ولا يخفى ما في كلِّ، حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في الأول: إنه غير
لائق بجلالة شأن النَّظْم الكريم (١). والثاني أدهى وأمرّ.
والانفجار: انصداع شيءٍ من شيء، ومنه: الفَجْر والفُجور، وجاء هنا:
((انفجرت))، وفي الأعراف: ((انبجست))، فقيل: هما سواء، وقيل: بينهما فرقٌ وهو
أنَّ الانبجاس: أولُ خروج الماء، والانفجار: اتساعه وكثرته. أو الانبجاس:
خروجه من الصُّلْب، والآخر: خروجه من اللَّيِّن. والظاهر استعمالهما بمعنىّ
واحدٍ، وعلى فرض المغايرة لا تعارض؛ لاختلاف الأحوال.
و((من)) لابتداء الغاية، والضمير عائدٌ على الحجر المضروب. وعَوْدُهُ إلى
الضرب و((من)) سببية، ممَّا لا ينبغي الإقدامُ عليه. والتاء في ((اثنتا)) للتأنيث،
ويقال: ثنتا، إلا أنَّ التاء فيها على ما في ((البحر)) للإلحاق، وهذا نظير ابنة
وبنت(٢). ولامها محذوفة، وهي ياء لأنها من ثنيت.
وقرأ مجاهدٌ وجماعةٌ، ورواه السعيدي(٣) عن أبي عمرو: ((عَشِرَةً)) بكسر الشين
وهي لغة بني تميم(٤). وقرأ [ابن] الفضل(٥) الأنصاري بفتحها(٦)؛ قال ابن عطية:
وهي لغة ضعيفة (٧). ونصّ بعض النحاة على الشذوذ. ويُفهم من بعض المتأخِّرين: أنَّ
(١) تفسير أبي السعود ١٠٦/١، ويعني بالأول القول بتقدير الشرط: فإن ضربت فقد انفجرت.
(٢) البحر ٢٢٩/١.
(٣) في الأصل و(م): السعدي، والمثبت هو الصواب، وهو نعيم بن يحيى بن سعيد أبو عبيد
الكوفي، من ولد سعيد بن العاص، روى القراءة عن عاصم وغيره، وعرض القرآن على
حمزة وأبي عمرو. طبقات القراء ٣٤٣/٢.
(٤) البحر ٢٢٩/١، والمشهور عن أبي عمرو الإسكان، كما ذكر أبو حيان. والقراءة بكسر
الشين ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦ عن الأعمش.
(٥) ما بين حاصرتين من البحر ٢٢٩/١، وهو العباس بن الفضل.
(٦) البحر ٢٢٩/١، ونسبت في القراءات الشاذة ص٦ للأعمش.
(٧) المحرر الوجيز ١/ ١٥٢.

الآية : ٦٠
١٩٩
سُورَةُ النَّفَةَ
هذه اللغات في المُركّب لا في ((عشرة)) وحدها، وعباراتُ القوم لا تساعده.
والعين: منبع الماء، وجُمع على أعين شذوذاً، وعيون قياساً، وقالوا في
أشراف الناس: أعيان، وجاء ذلك في الباصرة قليلاً كما في قوله:
أعيانـاً لها ومآقيا (١)
وهو منصوبٌ على التمييز، وإفرادُه في مثل هذا الموضع لازم، وأجاز الفرَّاء
أن یکون جمعاً. وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثني عشر سبطاً، وكان
بينهم تَضّاغُنٌّ وتنافسٌ، فأجرى الله تعالى لكلِّ سِبطٍ عيناً يَرِدُها لا يشركُه فيها أحدٌ
من السِّبطِ الآخر؛ دفعاً لإثارة الشحناء، ويشير إلى حكمة الانقسام قوله تعالى:
﴿قَدّ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ وهي جملةٌ مستأنفةٌ مُفْهِمةٌ على أنَّ كلَّ سبطٍ منهم قد
صار له مَشْرَبٌ يعرفه، فلا يتعدَّى لمَشْربٍ غيره.
و ((أناس)) جمعٌ لا واحد له من لفظه، وما ذُكر من شذوذ إثبات همزته إنَّما هو
مع الألف واللام، وأمَّا بدونها فشائعٌ صحيح.
و ((علم): هنا متعدِّيةٌ لواحد، أُجريت مجرى عَرَفَ، ووُجد ذلك بكثرة.
والمشرب: إمَّا اسمُ مكان، أي: محلُّ الشرب، أو مصدرٌ ميميٍّ بمعنى
الشرب، وحَمَلَهُ بعضُهم على المشروب، وهو الماء، وحَمْلُهُ على المكان أولى عند
أبي حيان(٢). وإضافةُ المشرب إليهم؛ لأنه لمَّا تخصَّص كلُّ مشربٍ بمَن تخصَّص
به، صار كأنه مُلكٌ لهم، وأعاد الضمير في مشربهم على معنى ((كلّ))، ولا يجوز أن
يعود على لفظها؛ لأنَّ ((كلّ)) متى أُضيف إلى نكرةٍ، وجب مراعاةُ المعنى، كما في
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَنِيمٍ﴾ [الإسراء: ٧١] وقوله:
وکلُّ أناسٍ سوف تدخلُ بینھم
دُوَيْهِيَةٌ تَضْفِرُّ منها الأناملُ(٣)
(١) البيت القعقاع بن عمرو، كما في تاريخ الطبري ٥٥٧/٣، وتمامه:
فيولاً أراها كالبيوت مغيرة أسمِّل أعياناً لها ومآقيا
(٢) في البحر ٢٢٩/١.
(٣) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص٢٥٦.

سُورَةُ الْبَقَة
٢٠٠
الآية : ٦٠
ونصَّ على المشرب تنبيهاً على المنفعة العظيمة التي هي سببُ الحياة، وإن
كان سَرْدُ الكلام يقتضي: قد علم كلُّ أناسٍ عينَهم. وفي الكلام حذف، أي:
منها؛ لأنَّ ((قد علم) صفةٌ لـ ((اثنتا عشرة عيناً)) فلا بدَّ من رابط. وإنَّما وَصَفَها به
لأنه معجزةٌ أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداولُ يتميَّز بها مشربُ كلٍّ من
مشربٍ آخر. ويحتمل أن تكون الجملة حاليةً، لا صفةً لقوله تعالى: (أَثْتَنَا عَشْرَةً)
لئلا يُحتاج إلى تقدير العائد، وليفيد مقارنة العلم بالمشارب للانفجار، والمشربُ
حينئذٍ العين.
﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ الهِ﴾ على إرادة القول، وبدأ بالأكل لأنَّ قوام الجسد
به، والاحتياج إلى الشرب حاصلٌ عنه. و((من)) لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون
للتبعيض. وفي ذكر الرزق مضافاً تعظيمٌ للمنَّة، وإشارةٌ إلى حصول ذلك لهم من
غير تعبٍ ولا تكلُّفٍ.
وفي هذا التفاتٌ؛ إذ تقدَّم ((فقلنا اضرب)) ولو جرى على نظم واحد لقال: مِن
رِزْقنا، ولو جُعل الإضمارُ قبل ((كلوا)) مسنداً إلى موسى، أي: قَال موسى: كلوا
واشربوا، لا يكون فيه ذلك.
والرزق هنا: بمعنى المرزوق، وهو الطعام المتقدِّم من المَنِّ والسلوى،
والمشروبُ من ماء العيون. وقيل: المراد به الماء وحده؛ لأنه يُشرَب ويؤكّل ممَّا
ينبتُ منه. ويضعِّفه أنه لم يكن أَكلُهم في التِّيه من زروع ذلك الماء، كما يشير إليه
قوله تعالى: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١] و﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾
[البقرة: ٦١]، ويلزم عليه أيضاً الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ إذ يؤول إلى: كلوا
واشربوا من الماء، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته، والأكل بإرادةٍ ما هو سببٌ
عنه، أو القول بحذف متعلِّق أحد الفعلين، أي: كلوا من رزق الله واشربوا من
رزق الله .
وقولُ بعض المتأخرين: إنَّ رزق الله عبارةٌ عن الماء، وفي الآية إشارةٌ إلى
إعجازٍ آخر، وهو أنَّ هذ الماءَ كما يروي العطشان يُشبع الجوعان، فهو طعامٌ
وشراب = بعيدٌ غايةَ البعد. وأقربُ منه أن لا يكون ((كلوا واشربوا)) بتقديرِ القول من
تتمَّة ما يُحكى عنهم، بل يُجعل أمراً مرتباً على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على