النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٣٥ ١٢١ سُورَةُ الْبَقَة واسع كثير، وأَرْغَدَ القومُ: أَخْصَبوا وصاروا في رغدٍ من العيش، ونصبُه على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: أكلاً رغداً. وقال ابن كيسان: إنه حالٌ بتأويلٍ: راغِدينَ مرئَّهين. و ((حيث)) ظرفُ مكانٍ مبهَمٍ لازمٌ للظرفية. وإعرابُها لغةُ بني فقعس، ولا تكون ظرفَ زمانٍ، خلافاً للأخفش، ولا يُجزَمُ بها دون ((ما)) خلافاً للفرَّاء، ولا تضاف للمفرَد خلافاً للكسائيِّ، ولا يقال: زيدٌ حيث عمرو، خلافاً للكوفيين، ويعتقب على آخرها الحركاتُ الثلاث، مع الياء والواو والألف، ويقال: حايث على قلَّة. وهي هنا متعلِّقةٌ بـ (كُلا))، والمرادُ بها العمومُ لقرينةِ المقام وعدمِ المرجّح، أي: أيَّ مكان من الجنة شئتما، وأباح لهما الأكلَ كذلك إزاحةً للعذر في التناول ممَّا حظر. ولم تُجعل متعلّقةً بـ ((اسكن)) لأنَّ عموم الأمكنة مستفادٌ من جَعْلِ ((الجنة)) مفعولاً به له، مع أنَّ التكريم في الأكل من كلِّ ما يريد منها، لا في عدم تعيين السكنى، ولأنَّ قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [الأعراف: ١٩] يستدعي ما ذكرنا، وكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا نَقْرَيَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اُلَّلِينَ. ظاهرُ هذا النهي التحريمُ، والمنهيُّ عنه الأكلُ من الشجرة، إلا أنه سبحانه نهى عن قُرْبانِها مبالغةً، ولهذا جَعَلَ جلَّ شأنه العصيانَ المرتَّبَ على الأكل مرتّباً عليه، وعَدَلَ عن: فتأثمًا، إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر، ولم يكتف بأن يقول: ظالمين، بل قال: ﴿مِنَ الظَِّينَ﴾ بناءً على ما ذكروا أنَّ قولك: زيدٌ من العالِمين، أبلغ من: زيدٌ عالِمٌ؛ لجَعْلِه عريقاً في العلم أباً عن جدّ، وإن قلنا بأنَّ (كونا) دالَّةٌ على الدوام، ازدادت المبالغة. ومن الناس مَن قال: لا تقرَب - بفتح الراء - نهيّ عن التلبُّس بالشيء، وبضمِّها بمعنى: لا تَذْنُ منه، وقال الجوهريُّ: قُرُب - بالضم - يقرُب قُرْباً: دنا، وقَرِبْتُهُ - بالكسر - قُرباناً: دنوتُ منه(١). والتاء في ((الشجرة)) للوحدة الشخصية، وهو اللائق بمقام الإزاحة، وجاز أن يُراد النوع، وعلى التقديرين: اللام للجنس، كما في ((الكشف)). ووقع خلافٌ في هذه الشجرة؛ فقيل: الحنطة. وقيل: النخلة. وقيل: شجرة (١) الصحاح (قرب). سُوَةُ الْبَقَة ١٢٢ الآية : ٣٥ الكافور، ونسب إلى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه. وقيل: التين. وقيل: الحنظل. وقيل: شجرة المحبَّة. وقيل: شجرة الطبيعة والهوى، وقيل وقيل. والأَّولى عدمُ القطع والتعيينٍ، كما أنَّ الله تعالى لم يعينُّها باسمها في الآية، ولا أرى ثمرةً في تعيين هذه الشجرة. ويقال فيها: شجرة - بكسر الشين - وشيّرة بإبدال الجيم ياءً مفتوحة مع فتح الشين وكسرها، وبكلِّ قرأ بعض(١)، وعن أبي عمرو أنه كره: ((شيرة))، قائلاً: إنَّ برابرَ مكة وسودانها يقرؤون بها. ولا يخفى ما فيه. والشجرُ ما لَه ساق، أو كلُّ ما تفرَّع له أغصان وعيدان، أو أعمُّ من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿شَجَرَةٌ مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ﴾، إمَّا مجزومٌ بحذفِ النون معطوفاً على ((تقربا))، فيكون منهيًّا عنه و((كان)) على أصل معناها، أو منصوبٌ على أنه جوابٌ للنهي؛ كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه: ٨١]، والنصبُ بإضمار ((أن)) عند البصريين، وبالفاء نفسها عند الجَزْمي(٢)، وبالخلاف عند الكوفيين(٣)، و((كان)) حينئذٍ بمعنى: صار، وأيًّا ما كان تفهم(٤) سببية ما تقدَّم لكونهما من الظالمين(٥)، أي: الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية، أو نَقَصوا حظوظَهم بمباشرة ما يُخِلُّ بالكرامة والنعيم، أو تعدَّوا حدود الله تعالى. (١) القراءات الشاذة ص ٤، والبحر ١٥٨/١، والدر المصون ٢٨٤/١ - ٢٨٥. (٢) هو صالح بن إسحاق البصري، أبو عمر النحوي صاحب التصانيف، منها: كتاب الأبنية، وكتاب غريب سيبويه، وقد أخذ العربية عن سعيد الأخفش، واللغة عن يونس بن حبيب والأخفش، توفي سنة (٢٢٥هـ). سير أعلام النبلاء ٥٦١/١٠. وينظر قوله في هذه المسألة في الإنصاف في مسائل الخلاف ٢/ ٥٥٧، والبحر ١٥٩/١. (٣) يعني مخالفته لما قبله، لأن ما قبله أمر أو نهي أو استفهام أو نفيٌّ أو تمنٍّ أو عَرْضٌ، ألا ترى أنك إذا قلت: ايتنا فنكرمَك، لم يكن الجواب أمراً، وإذا قلت: أين بيتُك فأزورَك، لم يكن الجواب استفهاماً. الإنصاف ٥٥٨/٢ . (٤) قبلها في (م): من. (٥) في (م): لكونها من الظالمين. ومعنى العبارة أن الفاء سواء جعلت للعطف على النهي أو الجواب له، فالقرب من الشجرة - أي: الأكل منها - سبب لكونهما من الظالمين. ينظر تفسير البيضاوي١٤٢/١، وتفسير أبي السعود ١/ ٩١. الآية : ٣٦ ١٢٣ سُورَةُ الْبَقَة ولعلَّ القربان المنهيَّ عنه الذي يكون سبباً للظلم المخلِّ بالعصمة: هو ما لا يكون مصحوباً بعذر؛ كالنسيان هنا مثلاً المشارِ إليه بقوله تعالى: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ, عَزْمَا﴾ [طه: ١١٥]، فلا يستدعي حَمْلُ النهي على التحريم، والظلم المقولِ بالتشكيك على ارتكاب المعصية، عدمَ عصمة آدم عليه السلام بالأكل المقرون بالنسيان، وإن ترتّب عليه ما ترتَّب، نظراً إلى أنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء. نعم، لو كان ذلك غيرُ مقرونٍ بعذرٍ، كان ارتكابه حينئذٍ مخلًا، ودون إثبات هذا خَرْطُ القتاد. فإذَنْ لا دليلَ في هذه القصة على عدم العصمة، ولا حاجة إلى القول: إنَّ ما وقع كان قبل النبوة لا بعدها، كما يدَّعيه المعتزلة القائلون بأنَّ ظهوره مع عِلْمِه بالأسماء معجزةٌ على نبوَّته إذ ذاك، وصدورُ الذنب قبلها جائزٌ عند أكثر الأصحاب، وهو قول أبي هذيل وأبي عليٍّ من المعتزلة. ولا إلى حَمْلِ النهي على التنزيه، والظلمِ على نَقْصِ الحِّ مثلاً، والتزمَه غيرُ واحد. وقرئ: (تِقربا)) بكسر التاء، وهي لغةُ الحجازيين. وقرأ ابن محيصن: ((هذي)) بالياء(١). ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطِنُ عَنْهَا﴾ أي: حَمَلَهما على الزَّلَّة بسببها، وتحقيقُه: أصدر زلَّتهما عنها، و((عن)) هذه مِثْلُها في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ تَّوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤] والضمير على هذا للشجرة. وقيل: أزلَّهما أي: أذهبهما، ويعضده قراءة حمزة: ((فأزالهما))(٢) وهما متقاربان في المعنى، غير أنَّ أزلَّ يقتضي عثرةً مع الزوال، والضميرُ حينئذٍ للجنة. وعَوْدُهُ إلى الشجرة بتجوُّزٍ أو تقديرٍ مضاف، أي: محلّها، أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام = بعيدٌ. وإزْلالُه - عليه اللعنة - إياهما عليهما السلام، كان بكَذِبه عليهما، ومقاسمتِه إياهما، على ما قصَّ الله تعالى في كتابه. وفي كيفية توسُّله إلى ذلك أقوال، فقيل: دخل الجنة ابتلاءً لآدم وحواء. وقيل: قام عند الباب فناداهما، وأفسد حالهما. وقيل: تمثّل بصورة دابَّةٍ، فدخل ولم يعرفه الخَزَنة. وقيل: أرسل بعضَ أتباعه (١) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٤، والبحر ١٥٨/١. (٢) التيسير ص ٧٣، والنشر ٢١١/٢. سُوَّةُ الْبَقَة ١٢٤ الآية : ٣٦ إليهما. وقيل: بينما هما يتفرَّجان في الجنة؛ إذ راعهما طاووسٌ تجلَّى لهما على سور الجنة، فَدَنَتْ حواء منه، وتبعها آدم، فوسوس لهما من وراء الجدار. وقيل: توسَّل بحيَّة تسوَّرت الجنة، ومشهورةٌ حكاية الحية(١). وهذان الأخيران يشير أولُهما عند ساداتنا الصوفية إلى توسُّله من قبل الشهوة خارج الجنة، وثانيهما إلى توسُّله بالغضب، وتسوُّر جدار الجنة عندهم إشارةٌ إلى أنَّ الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيِّز القلبي من الشهوة. وقيل: توسُّله إلى ما توسَّل إليه إذ ذاك مثلُ توسُّله اليوم إلى إذلال مَن شاء الله تعالى وإضلالِه، ولا نعرف من ذلك إلا الهواجسَ والخواطر التي تُفضي إلى ما تفضي، ولا جَزْمَ عند كثير في دخول الشيطان في القلب، بل لا يعقلونه، ولهذا قالوا: خبرُ ((إنَّ الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم))(٢) محمولٌ على الكناية عن مزيدٍ سلطانه عليهم وانقيادِهم له، وكأنِّ بك تختار هذا القول. وقال أبو منصور: ليس لنا البحث عن كيفية ذلك، ولا نقطع القول بلا دليل(٣)، وهذا من الإنصاف بمكان. وقرأ ابن مسعود تظله: ((فوسوس لهما الشيطان عنها))(٤) والضمير في هذه القراءة للشجرة لا غير، وعودُه إلى الجنة بتضمين الإذهاب ونحوِه بعيدٌ. ﴿فَأَخَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيرٌ﴾ أي: من النعيم والكرامة، أو من الجنة. والأول جارٍ على تقديرِ رجوعٍ ضميرِ ((عنها)) إلى الشجرة، أو الجنة، والثاني مخصوصٌ بالتقدير الأول لئلّا يسقطَ الكلام. وقيل: أخرجهما من لباسهما الذي كانا فيه؛ لأنهما لمَّا أكلا تهافَتَ عنهما، وفي الكلام من التفخيم ما لا يخفى. ﴿وَقُلْنَا أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾ الهبوط: النزول، وعينُ المضارع تكسر وتُضَمّ، وقال المفضَّل: هو الخروجُ من البلد والدخولُ فيها، من الأضداد، ويقال في انحطاط المنزلة. (١) وهي من الأخبار الإسرائيلية كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٢) أخرجه أحمد (٢٦٨٦٣)، والبخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٥) من حديث صفية بنت حييٍّ ◌ُنا. (٣) ينظر تأويلات أهل السنة ٤٢/١. (٤) القراءات الشاذة ص٤. الآية : ٣٦ ١٢٥ سُورَةُ الشََّقَة و ((البعض)) في الأصل: مصدرٌ بمعنى القَطْع، ويطلق على الجزء، وهو ككلِّ ملازمٌ للإضافة لفظاً أو نية، ولا تدخل عليه اللام، ويعود عليه الضمير مفرداً، ومجموعاً إذا أريد به جمع. و ((العدوُّ) من العداوة: مجاوزةُ الحدِّ أو التباعدُ أو الظلم، ويطلق على الواحد المذكّر ومَن عَدَاه بلفظ واحد، وقد يقال: أعداء وعَدُوَّة. والخطاب لآدم وحواء؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] والقصةُ واحدة، وجمع الضمير لتنزيلهما منزلةً البشر كلِّهم. ولمَّا كان في الأمر بالهبوط انحطاطُ رتبة المأمور، لم يفتتحه بالنداء كما افتتح الأمر بالسكنى. واختار الفراء(١) أنَّ المخاطب هما وذرِّيَّتُهما، وفيه خطاب المعدوم. والمأثورُ عن ابن عباس ﴿ ومجاهدٍ وكثيرٍ من السلف: أنه هما وإبليس. واعترض بخروجه قبلهما. وأجيب بأنَّ الإخبار عما قال لهم مفرَّقاً، على أنه لا مانع من المعية. وقيل: هم والحية. واعتُرض بعدم تكليفها. وأُجيب بأنَّ الأمر تكوينيٍّ. والجملة الاسمية منصوبةُ المحلِّ على الحال المقدَّرة والحكم باعتبار الذريَّة، وإذا دخل إبليس والحية، كان الأمر أظهر، ولا يَرِدُ أنه كيف يقيَّد الأمر بالتعادي وهو منهيٍّ عنه؛ لأنَّا نقول بصرفٍ توجّهِ النظر عن القيد، كون العداوة طبيعيةً والأمورُ الطبيعية غيرُ مكلَّف بها، وإن كُلِّف فبالنظر إلى أسبابها، وإذا جُعل الأمر تكوينيًّا زال الإشكال، إلا أنَّ فيه بُعداً. وبعضهم يجعل الجملة مستأنفةً على تقدير السؤال فراراً عن هذا السؤال، مع ما في الاكتفاء بالضمير دون الواو في الجملة الاسمية الحالية من المقال، حتى ذهب الفراء إلى شذوذه، وإن كان التحقيق ما ذكره بعض المحفِّقين أنَّ الجملة الحالية لاتخلو من أن تكون من سبب ذي الحال، أو أجنبيةً، فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو؛ كـ: جاء زيد وأبوه منطلق، إلا ما شذَّ من نحو: كلَّمتُه فوهُ إلى فِيَّ. وإن أجنبيةً لزمتها الواو نائبةً عن العائد، وقد يجمع بينهما؛ كَقَدِمَ بِشْرٌ، وعمرٌو (١) في معاني القرآن ٣١/١. سُورَةُ الْجَنَة ١٢٦ الآية : ٣٦ قادمٌ إليه، وقد جاءت بلا ولا ؛ كقوله: عن اليسارِ وعن أيمانِنَا جَدَدُ (١) ثم انتصبنا جبالُ الصغدِ معرضةٌ وقد تكون صفةً ذي الحال كـ (تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] وهذه يجوز فيها الوجهان باطّراد، وما نحن فيه من هذا القبيل، فتدبر. وإفرادُ العدوِّ إما للنظر إلى لفظ البعض، وإمَّا لأنَّ وزانه وزانُ المصدر كالقَبول، وبه تعلَّق ما قبله، واللامُ - كما في ((البحر))(٢) - مقوِّيةٌ. وقرأ أبو حيوة: ((اهبطوا))، بضم الباء(٣) وهو لغةٌ فيه، وبهذا الأمر نُسخ الأمر والنهي السابقان. ﴿وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَّعُ إِلَى سِيرٍ ﴾﴾ أراد بالأرض محلَّ الإهباط، وليس المراد شخصَه الذي هو لآدمَ عليه السلام موضعٌ بجبل سَرَنْديب (٤)، ولحوَّاء موضعٌ بجُدَّة، ولإبليس موضع بالأبُلَّة(٥)، ولصاحبته موضعٌ بنَصيبين أو أصبهان أو سجستان . والمستَقَرّ: اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ ميميٍّ، ويحتمل - على بُعْدٍ - كونه اسمَ مفعولٍ بمعنى: ما استقرَّ مُلككم عليه وتصرُّفكم فيه، وأبعدُ منه احتمالُ کونِهِ اسمَ زمان، وهو مبتدأً خبرُه ((لكم))، و ((في))(٦) متعلِّقٌ بما تعلَّق به. والمتاع: البُلغة، مأخوذٌ من مَتَعَ النهارُ: إذا ارتفع، ويطلق على الانتفاع الممتدِّ وقتُه، ولا يختصُّ بالحقير. والحين: مقدارٌ من الزمان، قصيراً أو طويلاً، والمراد هنا: إلى وقت الموت، (١) البيت لغاسل بن غزيَّة الجُرَبي، وهو في كتاب التمام لابن جني ص١٢١، وشرح أشعار الهذليين ص ٨٠٧، ومعجم ما استعجم ٨٣٦/٣، ومعجم البلدان ١١٣/٢ برواية: ثم انصيبنا جبالُ الصُّفر معرضة ... ، وقوله: جَدّد بفتحتين: موضع في بلاد هذيل، وقد نقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٣٨/٢، قال الشهاب: ((جبالُ الصغد معرضة)) حال. (٢) ١/ ١٦٤. (٣) المحرر الوجيز ١٢٩/١، والبحر ١٦٢/١. (٤) جزيرة بأقصى بلاد الهند. معجم البلدان ٢١٦/٣. وتعرف اليوم باسم جمهورية سري لانكا. (٥) بلدة على شاطئ دجلة، وهي أقدم من البصرة. معجم البلدان ١/ ٧٧. (٦) في الأصل و(م): وفيه، والمثبت هو الصواب. ينظر الدر المصون ٢٩١/١- ٢٩٢. الآية : ٣٧ ١٢٧ سُورَةُ الشَّمَ وهو القيامةُ الصغرى. وقيل: إلى يوم القيامة الكبرى، وعليه تُجعل السكنى في القبر تمُّعاً في الأرض، أو يُجعل الخطاب شاملاً لإبليس. ويُراد الكلُّ المجموعيُّ. والجارُّ متعلّقٌ بـ (متاع))، قيل: أو به وبـ ((مستقرّ) على التنازع، أو بمقدَّر صفة لـ (متاع))، وهذه الجملةُ كالتي قبلها استئنافاً وحالية. ﴿فَلَّقََّ ءَدَمُ مِن زَبِّهِ كَلِمَةٍ﴾ المراد بتلقِّي الكلمات: استقبالُها بالأخذ والقبول والعملِ بها، فهو مستعارٌ من استقبال الناس بعضَ الأحبَّة إذا قدم بعد طول الغيبة؛ لأنهم لا يَدَعون شيئاً من الإكرام إلا فعلوه، وإكرامُ الكلمات الواردة من الحضرة الأخذُ والقبولُ والعملُ بها، وفي التعبير بالتلقي إيماء إلى أنَّ آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت في مقام البعد. و(من ربه)) حالٌ من ((كلمات)) مقدَّمٌ عليها. وقيل: متعلِّقٌ بـ ((تلقَّى)) وهو (١) مِن: تلقَّاه منه، بمعنى: تلقَّنه، ولولا خُلُوُّه عمَّا في الأول من اللطافة، لتلقَّيناه بالقبول. وقرأ ابن كثير بنصب ((آدمَ)) ورفع ((كلمات))(٢) على معنى: استَقْبَلَتْه، فكأنها مكْرمةٌ له لكونها سببَ العفو عنه، وقد يُجعل الاستقبال مجازاً عن البلوغ بعلاقة السببية . والمرويُّ في المشهور عن ابن عباس عيًّا أنَّ هذه الكلمات هي: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَاً أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ الآية [الأعراف: ٢٣] (٣). وعن ابن مسعود أنها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، لا إله إلا أنت، ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت(٤). وقيل: رأى مكتوباً على ساق العرش: محمد رسول الله، فتشفَّعَ به (٥)، وإذا (١) في (م): وهي. (٢) التيسير ص٧٣، والنشر ٢١١/٢. (٣) أخرجه عن ابن عباس الثعلبي كما في الدر المنثور٥٩/١، وأخرجه الطبري ٥٨٤/١ عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق ٤٤/١، والطبري ٥٨٥/١ عن قتادة. (٤) الكشاف ٢٧٤/١، وأخرج نحوه الطبري ١ / ٥٨٥ عن مجاهد. وينظر الدر المنثور ٥٩/١ - ٦٠. (٥) أخرجه مطولاً الطبراني في الأوسط (٦٤٩٨)، والحاكم ٦١٥/٢ من حديث عمر عظ ته، = سُؤَدَّةُ الْبَطَقَة ١٢٨ الآية : ٣٧ أُطلقت الكلمة على عيسى عليه السلام، فلْتُظْلقِ الكلماتُ على الروح الأعظم، والحبيب الأكرم ◌َ ﴿، فما عيسى، بل وما موسى، بل وما ... وما ... إلا بعضٌ من ظهور أنواره، وزهرةٌ من رياض نُؤَّاره(١)، وروي غير ذلك. ﴿فَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّبُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ التوبةُ أصلُها الرجوع، وإذا أُسندت إلى العبد كانت - كما في «الإحياء)» - عبارةٌ عن مجموعٍ أمورٍ ثلاثةٍ؛ علمٌ: وهو معرفةُ ضررِ الذنب، وكونِه حجاباً عن كلِّ محبوب. وحاَلٌ يُثْمِرُه ذلك العلم، وهو تألُّمُ القلب بسبب فوات المحبوب، ونسمِيه ندماً. وعملٌ يثمره الحال: وهو الترك والتدارُكُ، والعزمُ على عدم العَوْدِ. وكثيراً ما تطلق على الندم وحده؛ لكونه لازماً للعلم مستلزماً للعمل(٢). وفي الحديث: ((الندم توبة))(٣). وطريقُ تحصيلها تكميلُ الإيمان بأحوال الآخرة، وضررِ المعاصي فيها. وإذا أُسندت إليه سبحانه كانت عبارةً عن قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه، أو التوفيقِ لها والتيسير لأسبابها بما يُظْهِرُ للتائبين من آياته، ويُطلعهم عليه من تخويفاته، حتى يستشعروا الخوف فيَرجعوا إليه، وترجع في الآخرة إلى معنى التفضُّل والعطف، ولهذا عُدِّيت بـ ((على)). وأتى سبحانه بالفاء؛ لأنَّ تلقِّيَ الكلمات عينُ التوبة، أو مستلزمٌ له، ولا شكَّ أنَّ القبول مترتّبٌ عليه، فهي إذن لمجرَّد السببية. وقد يقال: إنَّ التوبة لمَّا دام عليها صحَّ التعقيب باعتبار آخرها؛ إذ لا فاصل حينئذٍ، وعلى كلِّ تقدير لا ينافي هذا ما روي عن ابن عباس ﴿ه أنهما بكيا مئتي سنة على ما فاتهما. ولم يقل جلَّ شأنه: فتاب عليهما؛ لأنَّ النساء تَبَعٌ يغني عنهنَّ ذكرُ المتبوع، ولذا طُويَ ذكرهنَّ في كثير من الكتاب والسنة. وفي الجملة الاسمية ما يقوِّي رجاء المذنبين، ويَجْبُر كَسْرَ قلوب الخاطئين، حيث افتتحها بـ ((إنَّ) وأتى بضمير الفصل، وعرَّف المسنَد، وأتى به من صيغ = وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع. (١) في (م): أنواره. والنُّوَّار كرمَّان: الزهر. القاموس (نور). (٢) الإحياء ٣/٤. (٣) أخرجه أحمد (٣٥٦٨) من حديث ابن مسعود الآية : ٣٨ ١٢٩ سُورَةُ الْبَقَة المبالغة، إشارةً إلى قبوله التوبة كلما تاب العبد، ويحتمل أنَّ ذلك لكثرة مَن یتوب عليهم. وجمع بين وصفي كونه توَّاباً وكونه رحيماً، إشارةً إلى مزيد الفضل، وقدَّم ((التواب)) لظهور مناسبته لِمَا قبله. وقيل: في ذكر ((الرحيم)) بعده إشارةٌ إلى أنَّ قبول التوبة ليس على سبيل الوجوب - كما زعمت المعتزلة - بل على سبيل الترجُّم والتفضُّل، وأنه الذي سبقت رحمته غضبه، فيرحم عبده في عين غضبه، كما جعل هبوط آدم سببَ ارتفاعه، وبُعْدَه سببَ قربه، فسبحانه مِن تَّوابٍ ما أكرمه، ومن رحيم ما أعظمه! وإذا فُسِّر التوَّاب بالرَّجَّاع إلى المغفرة كان الكلام تذييلاً لقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، أو بالذي يكثر الإعانة على التوبة كان تذييلاً لقوله تعالى: ﴿فَلَقَّ ءَادَمُ﴾ إلخ. وقرأ أبو نوفل: ((أنَّه)) بفتح الهمزة على تقدير: لأنه(١). ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كُرِّر للتأكيد، فالفصل لكمال الاتصال، والفاء في ((فتلقَّى)) للاعتراض؛ إذ لا يجوز تقدُّم المعطوف على التأكيد، وفائدته الإشارةُ إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة، وأنه يجب المبادرةُ إليها، ولا يُمْهِل فإنه ذنبٌ آخر، مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله عليه السلام وفراغ باله، وإزالةٍ ما عسى يتشبَّث به الملائكة عليهم السلام، وقد فُضِّل عليهم وأُمروا بالسجود له. أو كُرِّر ليتعلَّق عليه معنَى آخرُ غيرُ الأول؛ إذ ذكر إهباطهم أولاً للتعادي وعدمٍ الخلود، والأمرُ فيه تكوينيٌّ، وثانياً ليهتدي مَن يهتدي، ويضلّ مَن يضلّ، والأمر فيه تكليفيٍّ، ويسمَّى هذا الأسلوبُ في البديع: الترديد. فالفصل حينئذٍ للانقطاع؛ لتباين الغرضین . وقيل: إنَّ إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيهً على أنَّ الخوف الحاصل من تصوُّر إهباط آدم عليه السلام المقترنِ بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف، كافٍ لمَن له حزم وخلا عن عذر أن تَعُوقَه عن مخالفة حكمه تعالى، فكيف المخالفةُ الحاصلة من تصوُّرِ الإهباط المقترنِ بهما؟ فلو لم يعد الأمر (١) المحرر الوجيز ١٣١/١، وتفسير القرطبي ٤٨٥/١، وأبو نوفل هو ابن أبي عقرب، واسمه مسلم، وقيل: عمرو بن مسلم، وقيل: معاوية بن مسلم، روى عنه ابن جريج وشهبة وغيرهما. التهذيب ٤/ ٦٠٠. سُوَّةُ الْبَوَة ١٣٠ الآية : ٣٨ العطف ((فإما يأتينكم)) على الأول، فلا يُفهم إلا إهباطٌ مترتّبٌ عليه جميعُ هذه الأمور. ويحتمل - على بُعْدٍ - أن تكون فائدةُ التكرار التنبية على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادتُه لما كان ما كان، ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرَّداً عن التعليق بالسبب بعد إسنادٍ إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريبٌ من قوله عز شأنه: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧]. وقال: الجُبَّائي: إنَّ الأول من الجنة إلى السماء، والثاني منها إلى الأرض، ويُضْعِفه ذكرُ: ﴿وَلَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ مُسْنَقَرِّ﴾ عقيب الأول. و ((جميعاً)) حالٌ من فاعلِ ((اهبطوا))، أي: مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أوْ لا، وقد يُفهم الاتحادُ في الزمان من سياق الكلام، كما قيل به في: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وأَبْعَدَ ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدرٍ محذوف، أي: هبوطاً جميعاً (١). ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ لا يدخل في الخطاب غيرُ المكلَّف، وأدرج الكثيرون إبليسَ لأنه مخاطَبٌ بالإيمان. والفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر. و((إما)) مركّبةٌ من إن الشرطية و ((ما)) الزائدة للتأكيد، وكثر تأكيد الفعل بعدها بالنون، ولم يجب كما يدلُّ عليه قول سيبويه: إن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجئ بـ ((ما))(٢)، وقد ورد ذلك في قوله : فما التَّخَلِّي عن الخُلَّانِ مِنْ شِيَمِي(٣) يا صاحٍ إِمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَةٍ وقوله : فالله يحفظُ ما تُبقي وما تَذَرُ(٤) إمَّا أقمتَ وإمَّا كنتَ مُرتحِلاً (١) المحرر الوجيز ١٣١/١. (٢) الكتاب ٥١٥/٣. (٣) البيت في البحر ١٦٨/١، والدر المصون ٢٩٩/١، وأوضح المسالك ص٥٥٤، والخزانة ٤٣١/١١. (٤) البيت في شرح المفصل ٩٨/٢، والبحر ١٦٨/١، والخزانة ١٩/٤، وروايته في شرح = الآية : ٣٨ ١٣١ سُورَةُ الََّة وحَمَلَ ذلك مَن قال بالوجوب على الضرورة، وهو ممَّا لا ضرورة إليه، والقولُ بأنه يلزم حينئذٍ مزيةٌ التابع الذي هو حرفُ الشرط على المتبوع وهو الفعل، يدفعه أنَّ التابع ومؤكِّدَه تابع، فلا مزية، أو أنَّ ((ما)) لتأكيد الفعل في أوله، كما أنَّ النون إذا كانت تأكيداً له في آخره. وجيء بحرف الشكِّ إذ لا قَطْعَ بالوقوع، فإنه تعالى لا يجب عليه شيء، بل إن شاء هدى وإن شاء ترك. وقيل بالقطع، واستعمالُ ((إنْ)) في مقامه لا يخلو عن نكتة؛ كتنزيل العالِم منزلة غيره بعدم جَرْبِهِ على موجب العلم، ويُحسِّنه سَبْقُ ما سيق وقوعه من آدم. وقيل: إنَّ زيادة ((ما)) والتوكيدَ بالثقيلة لا يتقاعد في إفادة القطع عن إذا، نعم لا ينظر فيه إلى الزمان بل إلى أنه محقَّقُ الوقوع أُبهم وقتُه. وأنت تعلم أنَّ ما اخترناه أسلمُ وأبعدُ عن التكلّف ممَّ ذُكر، وإن جلَّ قائله، فتدبَّر. و((منِّي" متعلّقٌ بما قبله، وفيه شِبْهُ الالتفات، كما في ((البحر))(١). وأتى بالضمير الخاصِّ هنا للرمز إلى أنَّ اللائق بمَن هُدِيَ التوحيدُ الصِّرْف، وعدمُ الالتفات إلى الكثرة. ونُكِّرَ الهدى؛ لأنَّ المقصود هو المطلق، ولم يسبق فيه عهدٌ فيُعرَّف، وفي المراد به هنا أقوال، فقيل: الكتب المنزلة. وقيل: الرسل. وقيل: محمد لَّه ولعلَّ المراد هديُهُ الذي جاء به نُؤَّابه عليهم الصلاة والسلام. والفاء في ((فَمَنْ)) للربط، وما بعدُ جملةٌ شرطية وقعت جواباً للشرط الأول، على حدٍّ: إن جئتني فإنْ قدرتُ أحسنتُ إليك. وقال السجاونديُّ: جوابُه محذوف، أي: فاتَّبعوه. واختار أبو حيان(٢) كونَ ((مَنْ)) هذه موصولةً لِمَا في المقابل من الموصول، ودخلت الفاء في خبرها لتضمُّنها معنى الشرط. ووُضعِ المُظْهَر موضعَ المُضْمَر في ((هداي)) إشارة للعِلِّيَّة؛ لأنَّ الهدى بالنظر إلى = المفصل والخزانة : إمَّا أقمتَ وأمَّا أنتَ مرتحلاً فالله يكلأُ ما تُبْقي وما تَذَر قال البغدادي: هذا البيت مع استفاضته في كتب النحو لم أظفر بقائله. (١) ١٦٨/١. (٢) في البحر ١٦٩/١، وعنه نقل المصنف قول السجاوندي. سُوَّةُ الْجَفَقَة ١٣٢ الآية : ٣٨ ذاته واجبُ الاتِّباع، وبالنظر إلى أنه أُضيف إليه تعالى إضافةً تشريف أحرى وأحقُّ أن يُتَّبع. وقيل: لم يأت به ضميراً؛ لأنه أعمُّ من الأول؛ لشموله لِمَا يحصل بالاستدلال والعقل. ولم يقل: الهدى؛ لئلا تتبادر العينيةُ أيضاً؛ لأنَّ النكرة في الغالب إذا أُعيدت معرفةً كانت عينَ الأول، مع ما في الإضافة إلى نفسه تعالى من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرَّفاً باللام. والخوف: الفزعُ في المستقبل، والحزن: ضدُّ السرور، مأخوذٌ من الحَزْن: وهو ما غَلُظَ من الأرض، فكأنه ما غَلُظَ من الهمّ، ولا يكون إلا في الأمر الماضي على المشهور، ويُؤْوَّل حينئذٍ نحوُ ﴿إِ لَيَحْزُنُنِىّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ.﴾ [يوسف: ١٣] بعِلْم ذلك الواقع. وقيل: إنه والخوف كلاهما في المستقبل، لكنَّ الخوف استشعارُ هَمَّ لفَقْدِ مطلوب، والحزن استشعارُ غمٍّ لفَوْتٍ محبوب. وجُعل هنا نفيُ الخوف كنايةً عن نفي العقاب، ونفيُّ الحزن كنايةً عن نفي الثواب، وهي أبلغ من الصريح وأكَدُ؛ لأنها كدعوى الشيء ببيِّنةٍ، والمعنى: لا خوفٌ عليهم فضلاً عن أن يحلَّ بهم مكروه، ولا هُمْ يفوتُ عنهم محبوبٌ فيحزنوا عليه، فالمنفيُّ عن الأولياء خوفُ حلول المكروه والحزن في الآخرة، وفيه إشارةٌ إلى أنه يُدخلهم الجنة التي هي دار السرور والأمن، لا خوف فيها ولا حزن. وحينئذٍ يظهر التقابل بين الصنفين في الآيتين. وقال بعض الكبراء: خوفُ المكروه منفيٍّ عنهم مطلقاً، وأمَّا خوفُ الجلال ففي غاية الكمال، والمخلصون على خطر عظيم. وقيل: المعنى: لا خوفٌ عليهم من الضلالة في الدنيا، ولا حزنٌ من الشقاوة في العقبى. وقُدِّم انتفاءُ الخوف؛ لأنَّ انتفاء الخوف فيما هو آتٍ أكثر من انتفاء الحزن على ما فات، ولهذاصُدِّر بالنكرة التي هي أَدخَلُ في النفي. وقُدِّم الضمير إشارةً إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن، وأنَّ غيرَهم يحزن، والمراد بيانُ دوام الانتفاء، لا بيانُ انتفاءِ الدوام، كما يُتُوهَّم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً؛ لمَا تقرَّر في محلِّه أنَّ النفي - وإن دخل على نفس المضارع - يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام. الآية : ٣٩ ١٣٣ سُورَةُ الَكَفَة وذكّر بعض الناس أنَّ العدول عن: لا خوفٌ لهم، أو عندهم، إلى: ((لا خوفٌ عليهم))؛ للإشارة إلى أنهم قد بلغت حالهم إلى حيث لا ينبغي أن يخاف أحدٌ عليهم. وفي ((البحر)) أنه سبحانه كنى بـ: عليهم عن الاستيلاء والإحاطة، إشارةً إلى أنَّ الخوف لا ينتفي بالكلية، ألا ترى انصراف النفي على كونية الخوف عليهم، ولا يلزم من نفي كونية استيلاء الخوف انتفاؤه في كلِّ حال، فلا دليل في الآية على نفي أهوال القيامة وخوفِها عن المطيعين(١). وأنت تعلم أنَّ فيما أشرنا إليه كنايةً غنيةً عن مثله، وكذا عمَّا قيل: إنَّ نفي الاستيلاء للتعريض بالكفار، والإشارة إلى أنَّ الخوف مستولٍ عليهم. هذا وقرأ الأعرج: ((هدائْ)) بسكون الياء، وفيه الجمعُ بین ساکنین، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف(٢). وقرأ الجحدريُّ وغيرهُ: ((هُدَيَّ)) بقلبِ الألفِ ياءً وإدغامِها في الياء على لغة هذيل(٣). وقرأ الزهريُّ وغيره: ((فلا خوفَ)) بالفتح(٤)، وابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين(٥)، وكأنه حُذف لِنِيَّة الإضافة، أو لكثرة الاستعمال، أو لملاحظة اللام في الاسم - على ما في ((البحر))(٦) - ليحصل التعادل في كون ((لا)) دخلت على المعرفة في كلا الجملتين، وهو على قراءة الجمهور مبتدأ، و((عليهم)) خبره، أو أنَّ ((لا)) عاملةٌ عملَ ليس، كما قال ابن عطية(٧)، والأوَّلُ أَوْلَى. عطفٌ على ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَايَتِنَّا أُوْلَبَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (فَمَن تَبع)) قسيمٌ له، كأنه قال: ومَن لم يتَّبعه. وإنَّما أُوثِرَ عليه ما ذُكر تعظيماً لحال الضلالة، وإظهاراً لكمال قبحها، أولأنَّ مَن لم يتّبع شاملٌ لمَن لم تبلغه الدعوة، (١) البحر ١٦٩/١ . (٢) البحر ١٦٩/١، وذكر القراءة أيضاً الطبرسي في مجمع البيان ١/ ١٩٨. (٣) المحتسب ٧٦/١، والبحر ١٦٩/١. (٤) وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في النشر ٢١١/٢، وذكرها عن الزهري ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٢/١. (٥) المحرر الوجيز ١٣٢/١، والبحر ١٦٩/١. (٦) ١٦٩/١، ويعني باللام أل التعريف. قال أبو حيان: فيكون التقدير: فلا الخوف عليهم. (٧) في المحرر الوجيز ١٣٢/١. سُورَةُ الْبَقَة ١٣٤ الآية : ٣٩ ولم يكن من المكلَّفين، فعدل عن ذلك لإخراجهم، أو لأنه(١) شاملٌ للفاسق، بناءً على أنَّ المراد بالمتابعة المتابعةُ الكاملةُ؛ ليترتَّب عليه عدمُ الخوف والحزنِ، فلو قال سبحانه ذلك لزم منه خلوده في النار، ولمَّا قال ما قال، لم يلزم ذلك بل خرج الفاسق من الصنفين، ويُعلم بالفحوى أنَّ عليه خوفاً وحُزْناً على قَدْر عدم المتابعة. ولو ◌ُعل قوله تعالى: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيَهِمْ) إلخ(٢) لنفي استمرار الخوف والحزن، وأُريد بمتابعة الهدى الإيمانُ به تعالى، كان داخلاً في: ((فمن تبع هداي»، إلا أنَّ أولياء كتاب الله تعالى لا يرضون ذلك ولا يقبلون، وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وإيرادُ الموصول بصيغة الجمع للإشارة إلى كثرةِ الكَفَرة، والمتبادرُ من الكفر الكفرُ بالله تعالى، ويحتمل أن يكون ((كفروا وكذَّبوا)) متوجِّهَين إلى الجارِّ والمجرور، فيُراد بالكفر بالآيات إنكارُها بالقلب، وبالتكذيب إنكارُها باللسان. و((الآية)) في الأصل: العلامةُ الظاهرة بالقياس إلى ذي العلامة، ومنه آية القرآن؛ لأنها علامةٌ لانقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها، أو لأنها علامةٌ على معناها وأحكامها. وقيل: سُمِّيت آيَةً؛ لأنَّ الآية تطلق على الجماعة أيضاً، كما قال أبو عمرو: يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم، وهي جماعةٌ من القرآن وطائفةٌ من الحروف. وذكر بعضهم أنها سُمِّيت بذلك لأنها عجبٌ يُتَعَجَّبُ من إعجازه، كما يقال: فلان آيةً من الآيات. وفي أصلها ووزنها أقوال؛ فمذهب سيبويه والخليل أنَّ أصلها: أَيَيَة بفتحات، قُلبت الياء الأولى ألفاً لِتَحرُّكها وانفتاح ما قبلها على خلاف القياس؛ كغاية وراية؛ إذ المطّردُ عند اجتماعِ حرفَي عِلَّةِ إعلالُ الآخر؛ لأنه محلُّ التغيير. ومذهب الكسائي أنَّ أصلها: آيِية؛ كفاعِلة، وكان القياس أن تُدغم كدابَّة، إلا أنه ترك ذلك تخفيفاً، فحذفوا عينها . ومذهب الفرَّاء أن وزنها فَعْلة بسكون العين، مِن تأيًّا القوم: إذا اجتمعوا، وقالوا في الجَمْعِ: آياء كأفعال، فظهرت الياء، والهمزةُ الأخيرة بدلٌ من ياء، والألفُ الثانيةُ (١) في (م): ولأنه. (٢) في (م): حينئذ، بدل: إلخ. الآية : ٣٩ ١٣٥ سُورَةُ النََّقَة بدلٌ من همزةٍ هي فاء الكلمة، ولو كان عينها واواً لقالوا في الجمع: آواء، ثم إنهم قلبوا الياء الساكنة ألفاً على غير القياس؛ لعدم تحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها(١). ومذهب الكوفيين أنَّ وزنها: أَبِيَة كَنَبِقَة فأعلَّت، وهو في الشذوذ كالأول. وقيل: وزنها فَعُلة بضم العين، وقيل: أصلها أَياة، فقُدِّمت اللام وأُخّرت العين، وهو ضعيف. وكلُّ الأقوال فيها لا تخلو عن شذوذ، ولا بِذْعَ فهي آية. والمراد بالآيات هنا: الكتب المنزلة، أو الأنبياء، أو القرآن، أو الدَّوالُ عليه سبحانه من كتبه ومصنوعاته، ويُنزَّل المعقولُ منزلةَ الملفوظ ليتأَتَّى التكذيب، وأتى سبحانه بنون العَظَمة لتربية المهابة وإدخالِ الرَّوعة، وأضاف تعالى الآيات إليها لإظهار کمالٍ قبح التكذيب بها . وأشار بـ ((أولئك)) إلى الموصول باعتبار اتِّصافه بما في حيِّز الصلة؛ للإشعار بتميُّز ((أولئك)) بذلك الوصف تميُّزاً مصحِّحاً للإشارة الحسِّيَّة، مع الإيذان ببُعْدِ منزلتهم فيه، وهو مبتدأُ خبرُه ((أصحاب)) وهو جمعُ صاحب، وجمعُ فاعل على أفعال شاذٌّ، كما في ((البحر))(٢). ومعنى الصحبةِ: الاقترانُ بالشيء، والغالبُ في العرف أن تُطلق على الملازمة. وهذه الجملة خبرٌ عن ((الذين))، ويحتمل أن يكون اسم الإشارة بدلاً منه أو عطفَ بيان، والأصحابُ خبرُه. والجملةُ الاسمية بعدُ في حيِّز النصب على الحالية؛ لورود التصريح في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِهَا﴾ [التغابن: ١٠] وجُوِّز كونُها حالاً من (النار)) لاشتمالها على ضميرها، والعاملُ معنى الإضافة أو اللام المقدَّرة، أو في حيِّز الرفع على أنها خبرٌ آخَرُ لـ ((أولئك))، على رأي مَن يرى ذلك. قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون مفسِّرةً لمَا أُبهم في ((أصحاب النار)) مبيّنةً أنَّ هذه الصحبة لا يُراد منها مطلق الاقتران بل الخلود، فلا يكون لها إذ ذاك محلٌّ من الإعراب(٣). (١) يعني أن حرف العلة لا يقلب حتى يتحرك وينفتحَ ما قبله. الدر المصون ٣٠٨/١، وحاشية الشهاب ٢/ ١٤٣. (٢) ١٦٠/١. (٣) البحر ١٧١/١. سُورَةُ الَكَفَرَة ١٣٦ الآية : ٤٠ والخلود هنا: الدوام، على ما انعقد عليه الإجماع، ومن البديع ما ذكره بعضهم أنَّ في الآيتين نوعاً منه يقال له: الاحتباك (١)، ويا حبَّذاه لولا الكنايةُ المغنية عما هناك. ﴿يَبِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىِّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ لطائفةٍ خاصَّة من الكفَرة المعاصرين للنبيٍّ وَّهِ بعد الخطاب العامِّ وإقامةٍ دلائل التوحيد والنبوة والمعاد والتذكيرِ بصنوف الإنعام، وجَعَلَهُ سبحانه بعد قصة آدم؛ لأنَّ هؤلاء بعد ما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللَّائح، وأُمروا ونُهوا وحُرِّضوا على اتِّباع النبيِّ الأمِّيِّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم، ظهر منهم ضدُّ ذلك، فخرجوا عن جنة الإيمان الرفيعة، وهبطوا إلى أرض الطبيعة، وتعرَّضت لهم الكلمات، إلَّا أنهم لم يتلقَّوها بالقَبول، ففات منهم ما فات، وأقبل عليهم بالنداء ليحرِّكَهم لسماع ما يَرِدُ من الأوامر والنواهي. و ((بني)): جمعُ ابن، شبيهٌ بجمع التكسير لتغيُّر مفردِه، ولذا أُلحق في فعله تاء التأنيث؛ كـ: قالت بنو عامر، وهو مختصِّ بالأولاد الذكور، وإذا أُضيف عمَّ في العرف الذكور والإناث، فيكون بمعنى الأولاد وهو المراد هنا. وذكر السيالكوتي: أنه حقيقةٌ في الأبناء الصُّلْبيَّة كما بُيِّنَ في الأصول، واستعماله في العامٌّ مجازٌ. وهو محذوفُ اللام، وفي كونها ياءً أو واواً خلافٌ؛ فذهب إلى الأول ابن دُرُستويه(٢)، وجَعَله من البناء؛ لأنَّ الابن فرعُ الأب ومبنيٌّ عليه، ولهذا يُنسب المصنوعُ إلى صانعه، فيقال للقصيدة مثلاً: بنت الفكر، وقد أُطلق في شريعة مَن قبلَنا على بعض المخلوقين: أبناء الله تعالى، بهذا المعنى، لكن لمَّا تصوَّر من هذا (١) هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كل واحد منهما مقابلُه لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنِّ قُلْ إِنِ أَفْتَرَتُهُ، فَعَلَنَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَا تُخْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] التقدير: إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم برآء منه، وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون. وكقوله: ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَنِعًا وَءَاخَرَ سَيِتًا﴾ أي: عملاً صالحاً بسيئ، وآخر سيئاً بصالح. ينظر البرهان للزركشي ١٢٩/٣، والإتقان للسيوطي ٨٣١/٢ - ٨٣٢. (٢) عبد الله بن جعفر بن درستويه، أبو محمد الفارسي النحوي تلميذ المبرد، له: الإرشاد في النحو، وشرح الفصيح، وغريب الحديث، وغيرها، وكان ناصراً لنحو البصريين، توفي سنة (٣٤٧هـ). سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٣١. الآية : ٤٠ ١٣٧ سُورَةُ الْبَّكْرَة الجهلةُ الأغبياء معنى الولادة، حُظر ذلك حتى صار التفوُّه به كفراً. وذهب إلى الثاني الأخفش (١)، وأيَّده بأنهم قالوا: البنوَّة، وبأنَّ حذف الواو أكثر، وقد حذفت في أبٍ وأخ، وبه قال الجوهري(٢). ولعلَّ الأول أصحُّ، ولا دلالةَ في البنوة؛ لأنهم قالوا أيضاً: الفتوَّة، ولا خلاف في أنها من ذوات الياء، وأمرُ الأكثرية سهل، وعلى التقديرين في وزن ابن، هل هو فَعَل أو فَعْل؟ خلاف. و (إسرائيل)) اسمٌ أعجميٌّ، وقد ذكروا أنه مرَّبٌ من ((إيل)) اسمٌ من أسمائه تعالی، و((إسرا)) وهو العبد، أو الصفوة، أو الإنسان، أو المهاجر، وهو لقبُ سیدنا يعقوب عليه السلام، وللعرب فيه تصرُّفات، فقد قالوا: إسرائيل بهمزة بعد الألف وياء بعدها، وبه قرأ الجمهور، وإسراييل بياءين بعد الألف، وبه قرأ أبو جعفر (٣) وغيره، وإسرائل بهمزة ولام، وهو مرويٌّ عن ورش(٤). وإِسْرَأَل [وإِسْرَئِل](٥) بهمزة مفتوحة ومكسورة بعد الراء ولام. و((إسرال)) بألف ممالة بعدها لام خفيفة، وبها ولا إمالة، وهي روايةٌ عن نافع(٦)، وقراءة الحسن وغيره: ((إسرائين)) بنون بدل اللام(٧)، كما في قوله: تقول أهلُ السُّوءِ لمّا جينا هذا وَرَبِّ البيتِ إِسْرائينا(٨) وأضاف سبحانه هؤلاء المخاطبين إلى هذا اللقب تأكيداً لتحريكهم إلى طاعته، فإنَّ في ((إسرائيل)) ما ليس في اسمه الكريم يعقوب، وقولك: يا ابن الصالح أطع الله تعالى، أَحَتُّ للمأمور من قولك: يا ابنَ زيدٍ - مثلاً - أطع؛ لأنَّ الطبائع تميلُ إلى (١) قوله في البحر ١٧١/١، والدر المصون ٣٠٩/١. (٢) في الصحاح (بنا). (٣) النشر ١/ ٤٠٠، والبحر١٧١/١، والكلام منه. (٤) البحر ١٧١/١، وذكرها الزمخشري في الكشاف ١/ ٢٧٥ دون نسبة، والمشهور عن ورش كقراءة الجمهور. (٥) زيادة من البحر. (٦) البحر ٣٧٢/١، والدر المصون ٣١١/١، والمشهور عن نافع كقراءة الجمهور. (٧) البحر ٣٧٢/١. (٨) البيت في المعاني الكبير ٦٤٦/٢، والبحر ١٧٢/١، وروايته في المعاني الكبير: يقول أهل السوق. سُؤَّةُ الْبَفَة ١٣٨ الآية : ٤٠ اقتفاء أثر الآباء وإن لم يكن محموداً، فكيف إذا كان؟ ويُستعمل مثلُ هذا في مقام الترغيب والترهيب، بناءً على أنَّ الحسنة في نفسها حسنة، وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئةَ في نفسها سيئة، وهي من بيت النبوة أسوأ. واذكروا: أمرٌ من الذكر، بكسر الذال وضمِها بمعنَى واحد، ويكونان باللسان وبالجنان، وقال الكسائيُّ: هو بالكسر لِلِسان، وبالضمِّ للقلب، وضدُّ الأول الصمت، وضدُّ الثاني النسيان. وعلى العموم، فإما أن يكون مشتركاً بينهما، أو موضوعاً لمعنّى عامٌّ شاملٍ لهما، والظاهر هو الأول. والمقصودُ من الأمر بذلك: الشكرُ على النعمة والقيامُ بحقوقها، لا مجرَّدُ الإخطار بالجنان، أو التفوُّهِ باللسان، وإضافةُ النعمة إلى ضميره تعالى لتشريفها، وإيجابٍ تخصيصٍ شكرها به سبحانه، وقد قال بعض المحقّقين: إنها تفيد الاستغراق إذ لا عهد، ولمناسبته بمقام الدعوة إلى الإيمان، فهي شاملةٌ للنعم العامة والخاصة بالمخاطبين. وفائدةُ التقييد بكونها عليهم، أنها من هذه الحيثية أدْعَى للشكر، فإنَّ الإنسان حَسُودٌ غَيُور. وقال قتادة: أُريد بها ما أنعم به على آبائهم ممَّا قصَّه سبحانه في كتابه، وعليهم من فنون النعمة التي أَجَلُّها إدراكُ زمن أشرف الأنبياء، وجَعْلُهم من جملة أمة الدعوة له. ويحتاج تصحيح الخطاب حينئذٍ إلى اعتبار التغليب، أو جَعْلٍ نِعَمِ الآباء نِعَمَهم، فلا جَمْعَ بين الحقيقة والمجاز كما وُهم. ويجوز في الياء من ((نعمتي)) الإسكان والفتح، والقرَّاء السبعة متَّفقون على الفتح، و((أنعمتُ)) صلةُ ((التي)) والعائدُ محذوف، والتقدير: أنعمتها. وقرئ: (ذَّكروا)) بالدال المهملة المشدَّدة(١) على وزن: افتعلوا. ﴿وَأَوْفُؤْ بِعَّدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ يقال: أَوْفَى وَوَفَى [ووفَّى] (٢) مخفَّفاً ومشدّداً بمعنى، وقال ابن قتيبة: يقال: أَوْفيتُ بالعهد ووفَيْتُ به، وأوفيتُ الكيلَ لا غير(٣)، وجاء أوفى بمعنى: ارتفع؛ كقوله : (١) القراءات الشاذة ص٥. (٢) زيادة من الدر المصون ٣١٢/١. (٣) أدب الكاتب ص ٤٣٧. الآية : ٤٠ ١٣٩ سُورَةُ الْبَرَة تَرْفَعَنْ ثَوبي شَمَالاتُ(١) ربَّما أَوفَيْتُ فِي عَلَم والعهد: يضاف إلى كلِّ ممَّن يتولَّى أحدَ طرفيه، والظاهرُ هنا أنَّ الأول مضافٌ إلى الفاعل، والثاني إلى المفعول، فإنه تعالى أمرهم بالإيمان والعمل، وعَهِدُ إليهم بما نَصَبَ من الحجج العقلية والنقلية الآمرةِ بذلك، ووَعَدَهم بحُسْنِ الثواب على حسناتهم، والمعنى: وأوفوا بعهدي بالإيمان والطاعة، أوفٍ بعهدكم بحُسْن الإثابة، ولِتَوسُط الأمر صحَّ طلبُ الوفاء منهم، واندفع ما قاله العلّامة التفتازانيُّ - على ما فيه - أنه: لا معنى لوفاء غير الفاعل بالعهد. وقيل - وهو المفهوم من كلام قتادة ومجاهد -: إنَّ كليهما مضافٌ إلى المفعول، والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة، أُوفٍ بما عاهدتكم من حسن الإثابة، وتفصيلُ العهدين قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَِّيلَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَأَدْخِلَنَّكُمْ﴾ إلخ [المائدة: ١٢]، ويحوج هذا إلى اعتبار أنَّ عهد الآباء عهدُ الأبناء؛ لتناسُبِهِم في الدِّين، وإلا فالمخاطَبون بـ ((أوفوا)) مَن(٢) عوهدوا بالعهد المذكور في الآية. وقيل: إن فُسِّر الإيفاءُ بإتمام العهد، تكون الإضافة إلى المفعول في الموضعين، وإن نُشِّر بمراعاته تكون الإضافة الأولى للفاعل والثانية للمفعول، وفيه تأمُّل. ولا يخفى أنَّ للوفاء عَرْضاً عريضاً، فأولُ المراتب الظاهرة منَّا: الإتيانُ بكلمتي الشهادة، ومنه تعالى حَقْنُ الدماء والمال، وآخرُها منَّا الفناء، حتى عن الفناء، ومنه تعالى التحليةُ بأنوار الصفات والأسماء، فما روي من الآثار(٣) على اختلاف أسانيدها صحةً وضَعْفاً في بيان الوفاء بالعهدين، فبالنظر إلى المراتب المتوسّطة، وهي لعَمري كثيرة. (١) البيت لجذيمة الأبرش، وهو في الكتاب ٥١٨/٣، والمقتضب ١٥/٣، والخزانة ٤٠٤/١١. العلَم: الجبل. والشمالات جمع الشمال من الريح. وصف أنه يحفظ أصحابه في رأس جبل إذا خافوا من عدوٌّ، فيكون طليعة لهم. شرح الشواهد للأعلم ص٥٢٤. (٢) في (م): ما. (٣) تنظر هذه الآثار في تفسير الطبري ١/ ٥٩٧-٥٩٨. سُورَةُ الْبَيْفَة ١٤٠ الآية : ٤٠ ولك أن تقول: أول المراتب منَّا توحيدُ الأفعال، وأوسطها: توحيد الصفات. وآخرها: توحيد الذات، ومنه تعالى: ما يفيضه على السالك في كلِّ مرتبةٍ ممَّا تقتضيه تلك المرتبة من المعارف والأخلاق. وقرأ الزهري: ((أُوَفِّ)) بالتشديد(١)، فإن كان موافقاً للمجرَّد فذاك، وإن أُريد به التكثير - والقلبُ إليه يميل - فهو إشارةٌ إلى عظيم كرمِه وإحسانه، ومزيدٍ امتنانه، حيث أخبر وهو الصادق أنه يعطي الكثير في مقابلة القليل، وهو صرَّح بذلك في قوله سبحانه: ﴿مَنْ جََّ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وانجزامُ الفعل لوقوعه في جواب الأمر، والجزم إمَّا به نفسه أو بشرط مقدَّر(٢)، وهو اختيار الفارسيِّ، ونصُّ سيبويه(٣). ﴿وَإِنَّنَ فَارْهَبُونِ (@) الرهبة: الخوف مطلقاً، وقيل: مع تحرٍُّ، وبه فارق الاتِّقاء؛ لأنه مع حزم، ولهذا كان الأولُ للعامَّة والثاني للأئمَّة، والأشبهُ بمواقع الاستعمال أن الاتِّقاء: التحقُّظ عن المَخوف، وأن يَجْعَل نفسَه في وقاية منه، والرهبة نفس الخوف، وفي الأمر بها وعيدٌ بالغ، وليس ذلك للتهديد والتهويل كما في: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِتْتُمٌ﴾ [فصلت: ٤٠] كما وهم؛ لأنَّ هذا مطلوبٌ وذاك غيرُ مطلوب كما لا يخفى. ((وإياي)»: ضميرٌ منفصلٌ منصوبُ المحلِّ بمحذوفٍ يفسِّره المذكور. والفاءُ عند بعضهم جزائيةٌ زُحلقت من الجزاء المحذوفِ إلى مفسِّره؛ ليكون دليلاً على تقدير الشرط، ويحتمل أن تكون مفسِّرة للفاء الجزائية المحذوفة مع الجزاء، ومَن أطلق الجزائية عليها فقد توسَّع، ولا يجوز أن تكون عاطفةً لئلا يجتمع عاطفان، واختار صاحب ((المفتاح)) أنها للعطف على الفعل المحذوف(٤). فإن أُريد التعقيبُ الزمانيُّ أفادت طلبَ استمرارِ الرهبة في جميع الأزمنة بلا تخلَّلٍ فاصل، وإن أُريد الرُّتبي كان مفادُها طلبَ الترقِّي من رهبةٍ إلى رهبة أعلى، ولا يقدح في ذلك اجتماعُها مع واو العطف مثلاً؛ لأنها لعطفِ المحذوف على ما قبله، وهذا الفاء لعطف المذكور على المحذوف، وكونُ ((فارهبون)) مفسِّراً للمحذوف لا يقتضي اتِّحادَه به من جميع (١) القراءات الشاذة ص٥، والمحتسب ٠٨١/١. (٢) تقديره: إن توفوا بعهدي أوفٍ. الدر المصون ٣١٤/١. (٣) ينظر الكتاب ٩٣/٣-٩٤. (٤) مفتاح العلوم للسكاكي ص ٢٥٠.