النص المفهرس

صفحات 101-120

الآية : ٣١
١٠١
سُورَةُ الْبَكَفَة
﴿فَقَالَ أَنْتُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ تعجيزٌ لهم، وليس من التكليف بما لا يطاق على
ما وُهم، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أمر الخلافة والتصرُّفِ والتدبيرِ وإقامةِ المعدلة بغير
وقوف على مراتب الاستعدادات ومقاديرٍ الحقوق ممَّا لا يكاد يمكن، فكيف يروم
الخلافةَ مَن لا يعرف ذلك، أو مَن لا يعرف الألفاظ أنفسها؟ هيهات ذلك أبعدُ من
العَيُّوق(١)، وأعزُّ من بيض الأُنوق(٢). وعندي أنَّ المراد إظهارُ عجزهم وقصورٍ
استعدادهم عن رتبة الخلافة الجامعةِ للظاهر والباطن، بأمرهم بالإنباء بتلك الأسماء
على الوجه الذي أُريدَ منها، والعاجزُ عن نفس الإنباء أعجزُ عن التحلِّي المطلوب
في ذلك المنصب المحبوب:
قُلَلُ الجبالِ ودونَهنَّ حُتُوفٌ
كيف الوصولُ إلى سعادَ ودونَها
والكفُّ صُفْرٌ والطريقُ مَخُوفٌ(٣)
الرِّجلُ حافيةٌ وما لي مركبٌ
والإنباء في الأصل: مطلقُ الإخبار، وهو الظاهر هنا، ويطلق على الإخبار بما فيه
فائدةٌ عظيمة ويحصل به علمٌ أو غلبةُ ظنٍّ. وقال بعضهم: إنه إخبارٌ فيه إعلام، ولذلك
يجري مجرى كلٌّ منهما. واختاره هنا - على ما قيل - للإيذان برفعةٍ شأنِ الأسماءِ،
وعِظَم خطرها، وهذا مبنيٌّ على أنَّ النبأ إنَّما يطلق على الخبر الخطير والأمرِ العظيم.
وفي استعمال ((ثم)) فيما تقدم، والفاءِ هنا، ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدمَ
عليه السلام وعدمِه في شأنهم، وقرأ الأعمش: ((أنبوني)) بغير همز(٤).
﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ أي: فيما اختلج في خواطركم من أنِّي لا أخلقُ خَلْقاً
إلا وأنتم أعلمُ منه وأفضل، وهذا هو التفسيرُ المأثور، فقد أخرج ابن جرير عن ابن
عباس ﴿ّ أنَّ الملائكة قالوا: لن يخلق الله تعالى خلقاً أكرمَ عليه منَّا ولا أعلم(٥).
وفي الكلام دلالةٌ عليه، فإنَّ ((ونحن نسبح)) إلخ، يدلُّ على أفضليَّتهم، وتنزيهُ الله
(١) كوكب أحمر مضيءٌ بحيال الثريا في ناحية الشمال، ويطلع قبل الجوزاء. اللسان (عوق).
(٢) الأنوق: العقاب والرخمة، و: هو أعز من بيض الأنوق؛ لأنها تحرزه فلا يكاد يُظفر به؛
لأن أوكارها في القلل الصعبة. القاموس (أنق).
(٣) البيتان نسبهما القنوجي في أبجد العلوم ٢/ ١٦٥ للإمام الشافعي.
(٤) البحر ١٤٦/١.
(٥) تفسير الطبري ١/ ٤٩١- ٤٩٢.

سُورَةُ الْبَقَة
١٠٢
الآية : ٣٢
تعالى وتقديسُه أو تقديسُهم أنفسَهم يدلُّ على كمال العلم أيضاً.
وقيل: إنَّ المعنى: إن كنتم صادقين في زَعْمِكم أنكم أحقُّ بالاستخلاف، أو
في أنَّ استخلافهم لا يليق، فَأَثْبِتوه ببيانِ ما فيكم من الشرائط السابقة. وليس هذا
من المعصية في شيء؛ لأنه شبهةٌ اختلجت وسألوا عمَّا يزيحها، وليس باختياريٍّ،
ولا يرِدُ أنَّ الصدق والكذب إنَّما يتعلَّق بالخبر، وهم استَخْبَروا ولم يُخْبِروا، لأنَّا
نقول: هما يتطرَّقان إلى الإنشاءات بالقصد الثاني، ومن حيث ما يلزم مدلولها، وإن
لم يتطرَّقا إليها بالقصد الأول ومن حيث منطوقُها .
وجواب ((إنْ)) في مثل هذا الموضع محذوفٌ عند سيبويه وجمهور البصريين،
يدلُّ عليه السابق، وهو هنا ((أنبئوني)). وعند الكوفيين وأبي زيد والمبرِّد(١) أنَّ
الجواب هو المتقدِّم، وهذا هو النقلُ الصحيح عمَّن ذُكر في المسألة، ووهم البعض
فعكس الأمر(٢).
ومَن زعم أنَّ (إنْ)) هنا بمعنى ((إذ)) الظرفيةِ فلا تحتاج إلى جواب، فقد وهم،
وكأنه لمَّا رأى عصمةَ الملائكة، وظنَّ من الآية ما يُخلُّ بها، ولم يجد لها محملاً
مع إبقاء ((إن)) على ظاهرها، افتقر إلى ذلك، والحمد لله تعالى على ما أغنانا من
فضله ولم يُحْوِجْنا إلى هذا، ولا إلى القول بأنَّ الغرض من الشرطية التوكيدُ لِمَا
نَبَّههم عليه من القصور والعجز، فحاصلُ المعنى حينئذ: أخبروني ولا تقولوا إلا
حقًّا كما قال الإمام(٣).
﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ استئنافٌ واقعٌ موقع الجواب، كأنه
قيل: فماذا قالوا إذ ذاك، هل خرجوا عن عهدة ما كُلِّفوه أو لا؟ فقيل: ((قالوا))
إلخ. وذكر غير واحد أنَّ الجمل المفتتحة بالقول إذا كانت مرتَّباً بعضُها على بعض
في المعنى، فالأفصح أن لا يؤتى فيها بحرفٍ اكتفاءً بالترتيب المعنوي، وقد جاء
في سورة الشعراء من ذلك كثير، بل القرآن مملوءٌ منه.
(١) في المقتضب ٢/ ٦٨، وذكر قوله وقول سيبويه أبو حيان في البحر ١٤٦/١.
(٢) الذي وهم فعكس هو المهدوي وتبعه ابن عطية كما ذكر أبو حيان في البحر ١٤٦/١، وينظر
المحرر الوجيز ١/ ١٢١ .
(٣) هو الرازي في تفسيره ١٧٨/٢ .

الآية : ٣٢
١٠٣
سُورَةُ الْبَرَة
و((سبحان)) قيل: إنه مصدر، وفعلُه سَبَح مخفَّفاً بمعنى نزَّه، ولا يكاد يستعمل
إلا مضافاً، إما للمفعول أو الفاعل (١)، منصوباً بإضمارٍ فعله وجوباً، وقوله:
سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به
وَقَبلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ (٢)
شاذّ كقوله:
سبحانك اللهم ذا السُّبحان(٣)
ومجيتُه منادّى ممَّا زعمه الكسائيُّ، ولا حجةً له.
وذهب جماعةٌ إلى أنه عَلَمٌ للتسبيح بمعنى التنزيه، لا مصدرُ سبَّح - بمعنى: قال
سبحان الله - لئلا يلزم الدور، ولأنَّ مدلول ذلك لفظ، ومدلول هذا معنى، واستدلَّ
على ذلك بقوله :
قَدْ قُلتُ لَمَّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ(٤)
إذ لولا أنه علمٌ لوجب صرفُه؛ لأنَّ الألف والنون في غير الصفات إنَّما تمنع
مع العَلَمية.
وأجيب: بأنَّ ((سبحان)) فيه على حذف المضاف إليه، أي: سبحان الله، وهو
مرادٌ للعلم به، وأبقى المضاف على حاله مراعاةً لأغلب أحواله، وهو التجرُّد عن
التنوين. وقيل: ((من)) زائدة، والإضافةُ لِمَا بعدها على التهكُّم والاستهزاء به.
ومن الغريب قول بعضٍ: إنَّ معنى ((سبحانك)): تنزيهٌ لك بعد تنزيه، كما قالوا
في (لبيك)): إجابة بعد إجابة، ويلزم على هذا ظاهراً أن يكون مثتَّى ومفردُه ((سُبحاً))
وأن لا يكون منصوباً بل مرفوع، وأنه لم تسقط النون للإضافة وإنَّما التُزم فتحها،
ويا سبحان الله تعالى لمَن يقول ذلك!
(١) والمعنى على الإضافة للفاعل: تنزَّهْتَ، وعلى الإضافة للمفعول: نسبحك نحن. الدر
المصون ٢٦٦/١ .
(٢) البيت في الكتاب ٣٢٦/١،، والخزانة ٣٨٩/٣، ورواية الكتاب: يعود له. والجودي والجمد
جبلان. والبيت نسبه سيبويه لأمية بن أبي الصلت، ونسبه صاحب الخزانة لورقة بن نوفل،
ثم قال: وقال بعضهم: هو لزيد بن عمرو بن نفيل، والصواب ما قدمناه.
(٣) الرجز في أمالي ابن الشجري ١٠٨/٢، والخزانة ٣/ ٢٥٠ (دار صادر).
(٤) البيت للأعشى في هجاء علقمة بن علائة، وهو في ديوانه ص٩٤، والكتاب ٣٢٤/١.

سُوَّةُ الْجَمَة
١٠٤
الآية : ٣٢
والغرض من هذا الجواب الاعترافُ بالعجز عن أمر الخلافة، والقصورِ عن
معرفة الأسماء على أبلغ وجه، كأنهم قالوا: لا علمَ لنا إلا ما علَّمتنا، ولم تعلِّمنا
الأسماء، فكيف نَعْلَمُها؟ وفيه إشعارٌ بأنَّ سؤالهم لم يكن إلا استفساراً، إذ لا علم
لهم إلا من طريق التعليم، ومن جملته علمُهم بحكمة الاستخلاف ممَّا تقدم، فهو
بطريق التعليم أيضاً، فالسؤالُ المترتّبُ هو عليه سؤالُ مستفسرٍ لا معترضٍ، وثناءٌ
عليه تعالى بما أفاض عليهم مع غاية التواضع، ومراعاةِ الأدب، وتَرْك الدعوى،
ولهذا كلِّه لم يقولوا: لا عِلْمَ لنا بالأسماء، مع أنه كان مقتضى الظاهر ذلك. ومَن
زعم عدمَ العصمة جعل هذا توبةً، والإنصافُ أنه يشبهها، ولكن لا عن ذنبٍ مخلِّ
بالعصمة، بل عن تركٍ أولى بالنسبة الى علوِّ شأنهم، ورفعةٍ مقامهم، إذ اللائقُ
بحالهم على العلَّات أن يتركوا الاستفسار، ويقفوا مترصِّدين لأن يظهر حقيقة
الحال.
و ((ما)) عند الجمهور موصولةٌ حُذف عائدها، وهي إمَّا في موضع رفعٍ على
البدل، أو نصبٍ على الاستثناء.
وحكى ابن عطيةً عن الزهراويِّ أنها في موضع نصب بـ ((علمتنا))(١) ويتكلَّف
لتوجيهه بأنَّ الاستثناء منقطع فـ ((إلا)) بمعنى لكن، و ((ما)) شرطية، والجواب
محذوف، كأنهم نفوا أوَّلاً سائر العلوم ثم استدركوا أنه في المستقبل أيَّ شيءٍ
علَّمهم عَلِموه، ويكون ذلك أبلغَ في ترك الدعوى كما لا يخفى.
تذييلٌ يؤكّد مضمون الجملة السابقة، ولمَّا نفوا
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾﴾
العلم عن أنفسهم أثبتوه لله تعالى على أكمل أوصافه، وأردفوه بالوصف بالحكمة
لمَّا تبيَّن لهم ما تبيَّن.
وأصل الحكمة: المنعُ، ومنه حَكَمةُ الدابة؛ لأنَّها تمنعها عن الاعوجاج.
وتقال للعِلْم لأنه يمنع عن ارتكاب الباطل، ولإتقان الفعل لمنعه عن طرق الفساد
والاعتراض، وهو المراد هنا لئلا يلزمَ التكرار، فمعنى الحكيم: ذو الحكمة،
(١) المحرر الوجيز ١٢١/١. والزهراوي هو أبو حفص عمر بن عبيد بن يوسف القرطبي، توفي
سنة (٤٥٤هـ). سير أعلام النبلاء ٣٢٢/١٦.

الآية : ٣٣
١٠٥
سُورَةُ الْبَقَة
وقيل: المُحْكِم لمُبْدَعاته. قال في ((البحر)): وهو على الأول صفةٌ ذات، وعلى
الثاني صفةٌ فعل(١). والمشهور أنه إن أريد به العليم، كان من صفات الذات، أو
الفاعل لِمَا لا اعتراضَ عليه كان من صفات الفعل، فافهم.
وقدَّم سبحانه الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة لمناسبةِ ما تقدَّم من
(أنبئوني) و((لا علم لنا))، ولأنَّ الحكمة لا تبعد عن العلم، وليكون آخرُ مقالتهم
مخالفاً لما يتوهّم من أوَّلها .
و ((أنت)) يحتمل أن يكون فصلاً لا محلَّ له على المشهور يُفيدُ تأكيدَ الحكم،
والقصرَ المستفادَ من تعريف المُسْنَد. وقيل: هو تأكيدٌ لتقرير المسنَدِ إليه، ويسوغُ
في التابع ما لا يسوغ في المتبوع. وقيل: مبتدأ خبرُه ما بعده.
و ((الحكيم)) إما خبرٌ بعد خبر، أو نعتٌ له.
وحذف متعلّقهما لإفادة العموم، وقد خصَّهما بعضٌ فقال: ((العليم)) بما أمرتَ
ونهيت، ((الحكيم)) فيما قضيتَ وقدَّرت، والعموم أولى.
﴿قَالَ يَادَمُ أَنْبِهُمْ بِأَسْمَابِهِمْ﴾ نادى سبحانه آدم باسمه العَلَم كما هو عادتُه جلَّ
شأنه مع أنبيائه ما عدا نبينا وَله حيث ناداه بـ ((يا أيها النبي)) و((يا أيها الرسول)) لعلوٍ
مقامه، ورفعةٍ شأنه، إذ هو الخليفةُ الأعظم، والسرُّ في إيجاد العالم (٢)، ولم يقل
سبحانه: أنبئني، كما وقع في أمر الملائكة، مع حصول المراد معه أيضاً - وهو
ظهور فضل آدم - إبانةً لما بين الرتبتين من التفاوت، وإنباءً للملائكة بأنَّ عِلْمَه عليه
السلام واضحٌ لا يحتاج إلى ما يجري مجرى الامتحان، وأنه حقيقٌ أن يعلِّم غيره.
أو لتكون له عليه السلام مِنَّةُ التعليم كاملةً، حيث أُقيم مقام المفيد، وأُقيموا مقام
المستفيدين منه. أو لئلا تستوليَ عليه الهيبة، فإنَّ إنباء العالم ليس كإنباء غيره،
والمراد بالإنباء هنا الإعلامُ لا مجرَّدُ الإخبار كما تقدم.
وفيه دليلٌ لمَن قال: إنَّ علوم الملائكة وكمالاتِهم تقبل الزيادة، ومَنَع قومٌ ذلك
في الطبقة العليا منهم، وحمل عليه ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤].
(١) البحر ١٤٨/١.
(٢) في (م): آدم.

سُورَةُ الْبَقَدَة
١٠٦
الآية : ٣٣
وأَفْهَمَ كلام البعض مَنْعَ حصول العلم المُرَقِّي لهم، فلعلَّ ما يحصل علم قالٍ
لا حال، والفرق ظاهرٌ لمَن له ذوق.
وقرأ ابن عباس: (أنبئهِم)) بالهمز وكسر الهاء. و((أنبيهم)) بقلب الهمزة ياء،
وقرأ الحسن: ((أنبهم)) كأَعْطِهِم (١).
والمراد بالأسماء: ما عجزوا عن علمها، واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها،
والضمير عائدٌ على المعروضين على ما تقدم.
﴿فَلَّا أَنْبَهُمْ بِأَسْمَاِهِمْ﴾ عطفٌ على جملةٍ محذوفة، والتقدير: فأنبأهم بها، فلمَّا
أنبأهم ... إلخ، وحذفت لفَهْمِ المعنى، وإظهارُ الأسماء في موقع الإضمار لإظهار
كمالٍ العناية بشأنها مع الإشارة إلى أنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيل
دون الإجمال، وعِلْمُهم بصدقه من القرائن الموجبة له، والأمر أظهر من أن يخفى،
ولا يبعد أنْ عرَّفھم سبحانه الدليل على ذلك.
واحتمالُ أن يكون لكلِّ صنفٍ منهم لغةٌ أو معرفةٌ بشيء، ثم حضر جميعُهم
فعرف كلُّ صنفٍ إصابته في تلك اللغة أو ذلك الشيء = بعيدٌ.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُونَ
جوابٌ لـ ((ما)) وتقريرٌ لمَا مَّ من الجواب الإجمالي، واستحضارٌ له على وجهٍ أبسطً
من ذلك وأشرح. ولا يخفى ما في الآية من الإيجاز؛ إذ كان الظاهر: أَعْلَمُ غيبَ
السماواتِ والأرض وشهادتهما، وأعلمُ ما كنتُم تُبدونَ وما كنتُم تكتمون، وما
ستُدون وتكتمون. إلا أنه سبحانه اقتصر على ((غيب السموات والأرض))؛ لأنه
يُعلم منه شهادتُهما بالأَوْلَى، واقتصر من الماضي على المكتوم؛ لأنه يعلم منه
البادي كذلك، وعلى المبدأ من المستقبل؛ لأنه قبل الوقوع خفي، فلا فرق بينه
وبين غيره من خفيَّاته. وتغييرُ الأسلوب حيث لم يقل: وتكتمون، لعله لإفادة
استمرار الكتمان، فالمعنى: أعلم ما تبدون قبل أن تبدوه، وأعلم ما تستمرُّون على
كتمانه. وذكر السيالكوتي أنَّ كلمة ((كان)) صلةٌ غيرُ مفيدة لشيء إلا محض التأكيد
المناسب للكتمان.
(١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٤، والمحتسب ٦٦/١، والبحر ١٤٩/١.

الآية : ٣٤
١٠٧
سُورَةُ الْجَنَة
ثم الظاهرُ من الآية العمومُ، ومع ذلك ((ما لا تعلمون)) أعمُّ مفهوماً لشموله
غيبَ الغيب، الشامل لذات الله تعالى وصفاته، وخصَّها قومٌ؛ فمِن قائلٍ: ((غيب
السماوات)»: أكل آدم وحواء من الشجرة، وغيب الأرض: قتل قابيل هابيل.
ومن قائلٍ: الأول: ما قضاه من أمور خَلْقِه، والثاني: ما فعلوه فيها بعد
القضاء.
ومن قائلٍ: الأول: ما غاب عن المقرَّبين ممَّا استأثر به تعالى من أسرار
الملكوت الأعلى، والثاني: ما غاب عن أصفيائه من أسرار الملك الأدنى وأمور
الآخرة والأولى.
وما أَبْدَوه؛ قيل: قولُهم: ((أتجعل فيها)). وما كتموه: قولُهم: لن يخلق الله
تعالى أكرم عليه منَّا، وقيل: ما أظهروه بعدُ من الامتثال، وقيل: ما أسرَّه إبليس من
الكبر، وإسنادُ الكتم إلى الجميع حينئذٍ من باب: بنو فلان قتلوا فلاناً، والقاتلُ
واحد منهم.
ومعنى الكتم على كلِّ حالٍ: عدمُ إظهار ما في النفس لأحدٍ ممَّن كان في
الجمع، وليس المرادُ أنهم كتموا الله تعالى شيئاً بزعمهم، فإنَّ ذلك لا يكون حتى
من إبليس .
وأبدى سبحانه العامل في ((ما تبدون)) إلخ، اهتماماً بالإخبار بذلك المرهِبِ
لهم، والظاهرُ عَظْفُه على الأول، فهو داخلٌ معه تحت ذلك القول، ويحتمل أن
یکون عطفاً على جملة «ألم أقل، فلا يدخل حينئذٍ تحته.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ﴾ الظرف متعلِّقٌ بمقدَّرٍ دلَّ عليه الكلام؛ كانقادوا
وأطاعوا، والعطفُ مِن عَظْفِ القصة على القصة، وفي كلِّ تعدادُ النعمة، مع أنَّ
الأول تحقيقٌ للفضل وهذا اعترافٌ به، ولا يصحُّ عطف الظرف على الظرف بناءً
على اللائق الذي قدَّمناه لاختلاف الوقتين، وجُوِّز على أنَّ نصب السابق بمقدَّر.
والسجود في الأصل: تذلَّلٌ مع انخفاض بانحناءٍ وغيره، وفي الشرع: وضعُ
الجبهة على قَصْدِ العبادة. وفي المعنى المأمور به هنا خلاف؛ فقيل: المعنى
الشرعي، والمسجودُ له في الحقيقة هو اللهُ تعالى، وآدمُ إمَّا قِيلة أو سبب.

سُوَّةُ الْبَعَة
١٠٨
الآية : ٣٤
واعتُرض: بأنْ لو كان كذلك ما امتنع إبليس، وبأنه لا يدلُّ على تفضيله عليه
السلام عليهم، وقوله تعالى: ﴿أَرَدَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] يدلُّ
عليه، ألا ترى أنَّ الكعبة ليست بأكرم ممَّن سجد إليها .
وأجيب: بالتباس الأمر على إبليس، وبأنَّ التكريم بجَعْلِه جهةً لهذه العبادة
دونهم، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على عظمة الشأن، كما في جَعْلِ الكعبة قبلة
من بين سائر الأماكن.
ومِن الناس مَن جوَّز كونَ المسجود له آدم عليه السلام حقيقةً، مدَّعياً أن
السجود للمخلوق إنما مُنع في شرعنا.
وفيه: أن السجودَ الشرعيَّ عبادة، وعبادةُ غيره سبحانه شركٌ محرَّمٌ في جميع
الأديان والأزمان، ولا أراها حلَّت في عصر من الأعصار.
وقيل: المعنى اللغوي، ولم يكن فيه وضع الجباه، بل كان مجرَّدَ تذلَّلٍ وانقياد،
فاللام إمَّا باقيةٌ على ظاهرها، وإما بمعنى ((إلى)) مثلها في قول حسان نظـ
:2
أَليسَ أوَّلَ مَنْ صلَّى لِقِبلتِكمْ وَأَعرَفَ النَّاس بالقرآنِ والسُّنَنِ (١)
أو للسبية، مثلها في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وحكمةُ الأمر بالسجود: إظهارُ الاعتراف بفضله عليه السلام، والاعتذار عمَّا
قالوا فيه، مع الإشارة إلى أنَّ حقَّ الأستاذ على مَن علَّمه حقِّ عظيم.
وغيَّر سبحانه الأسلوبَ حيث قال أولاً: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾، وهنا ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾
بضمير العظمة؛ لأنَّ في الأول خَلْقُ آدم واستخلافُه، فناسَبَ ذكر الربوبية مضافاً إلى
أحبُّ خلفائه إليه، وهنا المقامُ مقام إيرادِ أمرٍ يناسبُ العظمة. وأيضاً في السجود
تعظيم، فلمَّا أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنيّة عن التعظيم.
(١) البيت في مدح عليّ ظله، وهو في الاستيعاب على هامش الإصابة ٢١٨/٨ منسوب
الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، وفي الوافي بالوفيات ٣١٢/١٣ منسوب لخزيمة بن
ثابت الأنصاري ، ونسبه لحسان أيضاً البيضاوي في تفسيره ١/ ١٤١، ولم نقف عليه في
ديوانه .

الآية : ٣٤
١٠٩
سُورَةُ الْبَقَة
وقرأ أبو جعفر بضم تاء الملائكة إتباعاً لضم الجيم (١)، وهي لغة أَزْدِ شنوءة،
وهي لغة غريبةٌ عربيةٌ وليست بخطأ كما ظنَّ الفارسيُّ، فقد روي أنَّ امرأة رأت بناتها
مع رجل، فقالت: أفي السَّوْءَ تَنْتَنَّه، تريد: أفي السَّوءة أنتُنَّه(٢).
﴿فَسَبَدُوا إِلَّ إِيْلِيسَ﴾ الفاءُ لإفادة مُسارَعَتِهم في الامتثال، وعدم تثبُّطِهم فيه،
و((إبليس)): اسمٌ أعجميٍّ ممنوعٌ من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، ووزنُهَ: فِعليل؛ قاله
الزجَّاج(٣).
وقال أبو عبيدة وغيره: إنه عربيٍّ مشتقٌ من الإبلاس(٤)، وهو الإبعاد من الخير
أو اليأس من رحمة الله تعالى، ووزنه على هذا مفعيل(٥)، ومَنْعُهُ من الصرف حينئذ
لكونه لا نظير له في الأسماء.
واعتُرض: بأنَّ ذلك لم يُعدَّ من موانع الصرف، مع أنَّ له نظائر؛ كإحليل
وإکلیل، وفيه نظر.
وقيل: لأنه شبيهٌ بالأسماء الأعجمية؛ إذ لم يسمَّ به أحدٌ من العرب، وليس
بشيء.
واختلف الناس فيه، هل هو من الملائكة، أم من الجنِّ؟ فذهب إلى الثاني
جماعة، مستدلِّين بقوله تعالى: ﴿إِلَّ إِلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾ [الكهف: ٥٠] وبأنَّ
الملائكة لا يستكبرون، وهو قد استكبر، وبأنَّ الملائكة كما روى مسلم عن
عائشة ﴿ا: (خُلقوا من النور وخُلق الجنُّ من مارج من نار))(٦) وهو قد خُلق ممَّا
خُلق الجنُّ، كما يدلُّ عليه قوله تعالى حكاية عنه: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ.
(١) النشر ٢١٠/٢.
(٢) ينظر البحر ١٥٢/١، والدر المصون ٢٧٢/١.
(٣) في معاني القرآن له ١١٤/١، دون قوله: ووزنه فعليل.
(٤) ذكره عن أبي عبيدة النحاس في إعراب القرآن ٢١٢/١، والذي في مجاز القرآن ٣٨/١:
ولم يصرف إبليس لأنه أعجمي.
(٥) كذا ذكر، وفي تفسير الطبري ٥٤٣/١، وتفسير القرطبي ٤٤٠/١، ومجمع البيان ١٧٨/١،
والدر المصون ٢٧٦/١ أن وزنه على هذا القول هو: إفعيل.
(٦) صحيح مسلم (٢٩٩٦)، وأخرجه أحمد (٢٥١٩٤).

سُورَةُ الْبَرَ
١١٠
الآية : ٣٤
مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وعُدَّ تركُه السجودَ إباءً واستكباراً حينئذٍ؛ إمَّا لأنه كان ناشئاً
بين الملائكة، مغموراً بالألوف منهم، فغلبوا عليه وتناوله الأمر ولم يمتثل، أو لأنَّ
الجنَّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة، لكنه استغنى بذكرهم لمزيد شرفهم عن ذكر
الجن، أو لأنه - عليه اللعنة - كان مأموراً صريحاً لا ضمناً، كما يشير إليه ظاهر
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وضمير ((فسجدوا)) راجع للمأمورين
بالسجود.
وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى الأول، مستدلِّين بظاهر
الاستثناء.
وتصحيحُه(١) بما ذكر تكلُّفٌ؛ لأنه وإن كان واحداً منهم لكن كان رئيسَهم
ورأسَهم، كما نطقت به الآثار(٢)، فلم يكن مغموراً بينهم، ولأنَّ صَرْفَ الضمير إلى
مُظْلَقِ المأمورين، مع أنه في غاية البعد لم يثبت؛ إذ لم ينقل أنَّ الجنَّ سجدوا لآدم
سوى إبليس، وكونه مأموراً صريحاً، الآيةُ غيرُ صريحةٍ فيه، ودون إثباته خَرْطُ
القتاد، واقتضاءُ ما ذكر في الآية كونَه من جنس الجنِّ ممنوعٌ؛ لجواز أن يراد كونُه
منهم فعلاً، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ﴾ [الكهف: ٥٠] كالبيان له، ويجوز أيضاً أن يكون
(كان)) بمعنى صار، كما روي أنه مُسخ بسبب هذه المعصية، فصار جنِّيًّا(٣)، كما
مُسخ اليهود فصاروا قردةً وخنازير، سلَّمنا، لكن لا منافاة بين كونه جنًّا وكونه
ملكاً، فإنَّ الجنَّ كما يطلق على ما يقابل الملك، يقال على نوع منه على ما روي
عن ابن عباس ﴾(٤)، وكانوا خَزَنة الجنة أو صاغة حِلِيِّهم. وقيل: صنفٌ من
الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا، أو أنه يقال للملائكة جنٍّ أيضاً، كما قاله ابن
إسحاق(٥)؛ لاجتنانهم واستتارهم عن أعين الناس، وبذلك فسَّر بعضهم قوله
تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبَّأَ﴾ [الصافات: ١٥٨] وورد مثلُه في كلام العرب، فقد
قال الأعشى في سيدنا سليمان عليه السلام:
(١) يعني القول بأن إبليس من الجن.
(٢) ينظر ما ورد من آثار في ذلك في تفسير الطبري ٥٣٦/١-٥٣٨.
(٣) أخرجه الطبري ١/ ٥٤١ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه الطبري ٥٣٥/١-٥٣٧.
(٥) أخرج قوله الطبري ٥٣٨/١-٥٣٩ .

الآية : ٣٤
١١١
سُورَةُ البََّقَة
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلائِكِ تِسْعةً قِياماً لَدَيْهِ يَعْمِلُونَ بِلَا أَجرٍ (١)
وكونُ الملائكة لا يستكبرون وهو قد استكبر، لا يَضُرّ، إمّا لأنَّ من الملائكة
مَن ليس بمعصوم، وإن كان الغالب فيهم العصمةً على العكس منَّا، وفي عقيدة
أبي المعين النسفيِّ(٢) ما يؤيِّد ذلك، وإمَّا لأنَّ إبليس سلبه الله تعالى الصفات
المَلَكية، وألبسه ثيابَ الصفات الشيطانية فعصى عند ذلك، والمَلَكُ ما دام ملكاً
لا يعصي:
ومَن ذا الذي ياميُّ لا يتغيَّر(٣)
وكونُه مخلوقاً من نارٍ وهم مخلوقون من نورٍ غيرُ ضارِّ أيضاً، ولا قادح في
مَلَكِيَّتْه؛ لأنَّ النار والنور متَّحدا المادةِ بالجنس، واختلافُهما بالعوارض، على أنَّ
ما في أثر عائشة ؤُّ من خَلْقِ الملائكة من النور، جارٍ مجرى الغالب، وإلا خالفه
كثيرٌ من ظواهر الآثار؛ إذ فيها أنَّ الله تعالى خَلَقَ ملائكةً من نار، وملائكةً من
ثلج، وملائكةً من هذا وهذه(٤)، وورد أنَّ تحت العرش نهراً إذا اغتسل فيه جبريل
عليه السلام وانتفض، يُخلق من كل قطرةٍ منه ملك(٥). وأفَهْمَ كلامُ البعض أنه
(١) البيت في الأضداد لابن الأنباري ص٣٣٥، وتفسير الطبري ٥٣٩/١، والنكت والعيون
للماوردي ١٠٣/١، والمحرر الوجيز ١٢٥/١.
(٢) ميمون بن محمد بن محمد النسفي المكحولي الحنفي، مصنف التمهيد لقواعد التوحيد،
وتبصرة الأدلة، توفي سنة (٥٠٨هـ). الجواهر المضية ٥٢٧/٣ وكشف الظنون ٢٢٥/١،
و ٣٣٧.
(٣) وصدره: وقد زَعمَتْ أني تغيَّرتُ بعدها، والبيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص١٤٩ برواية:
یا عزُّ، بدل: ياميُّ.
(٤) أخرج أبو نعيم في الحلية٥/ ٢١٤ عن خالد بن معدان قال: إن في السماء ملكاً نصفه نار
ونصفه ثلج، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك كما ألفت بين هذه النار وبين هذا الثلج فألف
بین قلوب المؤمنین لیس له تسبيح غيره.
(٥) قطعة من حديث أخرجه العقيلي في الضعفاء ٥٩/٢-٦٠، وابن عدي في الكامل ٣/ ١٠٠٤،
وابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير عند تفسير الآية (٤) من سورة الطور، من طريق روح بن
جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ظُه، عن النبي ◌َّارِ. قال ابن
كثير: هذا حديث غريب جدّاً، تفرد به روح بن جناح هذا، وقد أنكر هذا الحديث عليه
جماعة من الحفاظ، منهم الجوزجاني والعقيلي والحاكم، قال الحاكم: لا أصل له من
=

١١٢
الآية : ٣٤
يحتمل أنَّ ضرباً من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات، وإنما يخالفهم
بالعوارض والصفات، كالبررة والفسقة من الإنس، والجنُّ یشملهما، وکان إبليس
من هذا الصنف، فَعُدَّه ما شئتَ: من ملكٍ، وجنٍّ، وشيطان، وبذلك يحصل الجمع
بين الأقوال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ثم المشهورُ أنَّ الاستثناء منَّصلٌ إن كان من الملائكة، ومنقطعٌ إن لم يكن
منهم، وقد علمتَ تكلَّفهم لاتِّصاله مع قولهم بالثاني، وقد شاع عند النحاة
والأصوليين أنَّ المنقطع هو المستثنى من غير جنسه، والمتَّصل هو المستثنى من
جنسه، قال القَرافيُّ في ((العقد المنظوم))(١): وهو غلطٌ فيهما، فإنَّ قوله تعالى:
ولا
﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةَ﴾ [النساء: ٢٩] و
يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْنَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] و﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا﴾ [النساء: ٩٢] الاستثناء فيه منقطعٌ مع أنَّ المستثنى من جنسٍ
ما قبله، فيبطل الحدَّان. والحقُّ أنَّ المتَّصل ما حُكم فيه على جنسٍ ما حكمتَ
عليه أوَّلاً بنقيض ما حكمت به، ولا بدَّ من هذين القيدين، فمتى انخرم أحدهما
فهو منقطع، بأنْ كان غيرَ الجنس، سواء حُكِمَ عليه بنقيضه أوْ لا، نحو: رأيت
القوم إلا فرساً، فالمنقطع نوعان، والمثَّصل نوعٌ واحد، ويكون المنقطع كنقيض
المتَّصل، فإنَّ نقيض المركَّب بعدم أجزائه، فقوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ) إلخ،
منقطعٌ بسبب الحكم بغير النقيض؛ لأنَّ نقيضه: ذاقوه فيها، وليس كذلك، وكذلك
(إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِجَرَةً) لأنها لا تؤكل بالباطل، بل بحقٍّ، وكذلك (إِلَّا خَفَأ)
لأنه ليس له القتل مطلقاً، وإلا لكان مباحاً، فتنوَّعَ المنقطعُ حينئذٍ إلى ثلاثة:
الحكمُ على الجنس بغير النقيض، والحكم على غيره به، أو بغيره، والمتَّصل نوعٌ
واحدٌ، فهذا هو الضابط.
حديث أبي هريرة ولا سعيد ولا الزهري.
=
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣١٩) وابن عدي في الكامل ١٠٤٦/٣ من حديث أبي سعيد
الخدري فه. وفي إسناده زياد بن المنذر، قال عنه يحيى: كذاب، وقال أحمد: متروك.
(١) واسمه: العقد المنظوم في الخصوص والعموم لأحمد بن إدريس القرافي، المتوفَّى سنة
(٦٩٤هـ). كشف الظنون ٢/ ١١٥٣. والكلام من حاشية الشهاب ٢/ ١٣٣.

الآية : ٣٤
١١٣
سُورَةُ الْبََّقَة
وقيل: العبرة بالاتصال والانفصال الدخولُ في الحكم وعدمِه، لا في حقيقة
اللفظ وعدمه، فتأمَّلْ تَرْشُدْ.
وأَفهمَ كلام القوم - نفعنا الله تعالى بهم - أنَّ جميع المخلوقات عُلويَّها
وسُفليَّها، سعيدَها وشقيَّها، مخلوقٌ من الحقيقة المحمَّديةِ وَّهِ، كما يشير إليه قولُ
النابلسيِّ قُدِّس سرُّه دافعاً ما يَرِدُ على الظاهر:
طه النبيُّ تكوَّنّتْ من نورِهِ كلُّ الخليقةِ ثم لو تركَ الغطا(١)
وفي الآثار ما يؤيِّد ذلك(٢)، إلا أنَّ الملائكة العلويِّين خُلقوا منه عليه الصلاة
والسلام من حيث الجمال، وإبليس من حيث الجلال، ويؤول هذا بالآخرة إلى أنَّ
إبليس مظهرُ جلال الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان منه ما كان، ولم يجزع ولم
يندم، ولم يطلب المغفرةَ لعِلْمِه أنَّ الله تعالى يفعل ما يريد، وأنَّ ما يريده سبحانه
هو الذي تقتضيه الحقائق، فلا سبيلَ إلى تغييرها وتبديلها، واستَشْعَر ذلك من ندائه
بإبليس، ولم يكن اسمه من قبل، بل كان اسمُه عزازيل، أو الحارث، وكنيته
أبا مُرَّة، ووراء ذلك ما لا يمكن كشفُه، والله تعالى: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى
السَبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]
وفي قوله تعالى: ﴿أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ
نوعُ إشارةٍ إلى بعض
٣٤
ما ذُكر، والجملةُ استئنافُ جواب لمَن قال: ما فَعَلَ؟ وقيل: إنَّ الفعلين الأوَّلين في
موضع نصبٍ على الحال، أي: آبِياً مستكبراً، و((كان من الكافرين)) مستأنفٌ أو في
موضع الحال، وقيل: الجمل الثلاثُ تذييلٌ بعد تذييل.
والإباء: الامتناع مع الأَنَفة والتمكُّنِ من الفعل، ولهذا كان قولك: أَبَی زيدٌ
الظلم، أبلغُ من: لم يظلم، ولإفادة الفعل النفيَ صحَّ بعده الاستثناءُ المفرَّغ
كـ ﴿وَيَأْبَىَ اللَّهُ إِلَّ أَن يُثَ نُرَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] وقوله:
أبى الله إلا عدلَهُ ووفاءَهُ
فلا التُّكْرُ معروفٌ ولا العُرْفُ ضائعُ(٣)
(١) في الأصل و(م): القطا، والمثبت من ديوان الشيخ عبد الغني النابلسي ٢٤٦/٢.
(٢) لم نقف على شيء من هذه الآثار، وكان الأولى بالمصنف رحمه الله أن يُعْرِض عن أمثال
هذه الأقوال التي لا فائدة منها، ولا دليل في الشرع عليها .
(٣) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٨٢.

سُورَةُ الَّفَة
١١٤
الآية : ٣٤
والفعل منه: أبى، بالفتح، وعليه لا يكون يأبى قياسيًّا، وقد سمع: أَبِيَ كَرَضِيَ،
فالمضارع حينئذٍ قياسيٍّ. والمفعولُ هنا محذوفٌ، أي: السجود.
والاستكبار: التكبُّر، وهو ممَّا جاء فيه استَفْعَلَ بمعنى تَفعَّلَ. وقيل: التكبُّر أن
يرى الشخصُ نفسَه أكبرَ من غيره، وهو مذمومٌ وإن كان أكبرَ في الواقع،
والاستكبارُ: طلب ذلك بالتشبُّع. وقدَّم الإباء عليه وإن كان متأخّراً عنه في الرتبة؛
لأنه من الأحوال الظاهرة، بخلاف الاستكبار فإنه نفسانيٌّ، أو لأنَّ المقصود
الإخبارُ عنه بأنه خالَفَ حاله حالَ الملائكة، فناسب أن يبدأ أولاً بتأكيد ما حكم به
عليه في الاستثناء، أو بإنشاء الإخبار عنه بالمخالفة، فبدأ بذلك على أبلغ وجه.
و((كان)) على بابها، والمعنى: كان في علم الله تعالى من الكافرين، أو كان
من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خَلْقِ آدم. وقيل: بمعنى صار، وهو
ممَّا أثبته بعض النحاة؛ قال ابن فُورك(١): وتردُّه الأصول، ولأنه كان الظاهرُ
حينئذٍ: فكان بالفاء.
ثم إنَّ كفره ليس لترك الواجب كما زعم الخوارج متمسِّكين بهذه الآية؛ لأنه
لا يوجب ذلك في ملَتنا على ما دلَّت عليه القواطع، وإيجابه قبل ذلك غيرُ مقطوع
به، بل باستقباحه أَمْرَ الله تعالى بالسجود لمَن يعتقد أنه خيرٌ منه وأفضل، كما
يدلُّ عليه الإباء والاستكبار.
وقال أبو العالية: معنى ((من الكافرين)): من العاصين.
ثم الظاهرُ أنَّ كفره كان عن جَهْلٍ بأن استردَّ سبحانه منه ما كان(٢) أعاره من
العلم الذي كان مرتدياً به حين كان طاووسَ الملائكة، وأظافرُ القضاءِ إذا حكَّتْ
أَدْمَتْ، وقِسِيُّ القَدَر إذا رمت أَضْمَتْ:
وكان سراجُ الوصلِ أزهرَ بيننا.
فهبَّتْ بهِ ريحٌ من البين فانْطَفَى (٣)
(١) محمد بن الحسن بن فورك، فقيه وأصولي شافعي، توّي سنة (٤٠٦هـ). طبقات الشافعية
للسبكي ١٢٧/٤. والكلام منقول من حاشية الشهاب ١٣٢/٢.
(٢) قوله: كان، من الأصل وليس في (م).
(٣) ذكره أبو حيان في البحر ١/ ١٥٤.

الآية : ٣٤
١١٥
سُورَةُ الْبَقَة
وقيل: عن عنادٍ حَمَلَهُ عليه حبُّ الرياسة، والإعجابُ بما أوتي من النفاسة،
ولم يَدْرِ المسكين أنه لو امتثل ارتفع قَدْرُه، وسما بين الملأ الأسمى فخرُه، ولكن:
إذا لمْ يكن عونٌ من اللهِ للفتى فأولُ ما يجني عليهِ اجتهادُهُ(١)
وكم أَرَّقتْ هذه القصة جفوناً، وأراقت من العيون عيوناً، فإنَّ إبليس كان مدَّةً
في دلالِ طاعتهِ يختال في رداءٍ مُوافَقتِهِ (٢)، ثم صار إلى ما ترى، وجرى ما به القلم
جری :
وكنَّا وليلى في صعودٍ من الهوى فلمَّا تَوَافَيْنا ثَبَتُّ وزلَّتِ (٣)
ومن هنا قال السادةُ الشافعيةُ والأشعرية، وبقولهم أقولُ في هذه المسألة: إنَّ
العبرة بالإيمان الذي يوافي العبدُ عليه، ويأتي مثَّصفاً به في آخر حياته وأولٍ منازلٍ
آخرته، ولذا يصحُّ: أنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى، بالشك، ولكن ليس في الإيمان
الناجز، بل في الإيمان الحقيقيِّ المعتبر عند الموت وخَتْم الأعمال، وقد صحَّ عن
أبي هريرة رَُّه كما أورده الزرقانيُّ: إنَّ مِن تمامِ إيمانِ العبدِ أنْ يَسْتثني(٤). إذ
عواقبُ المؤمنين مغيّيةٌ عندهم ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٢٨] وفي الصحيح
عن جابر: كان ◌َّهُ يُكْثِرُ من قوله: ((يا مقلِّبَ القلوب ثبّت قلوبَنا على دينك))(٥).
وخبرُ: ((مَن قال أنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى، فليس له من الإسلام نصيب))(٦)
(١) البيت في الديوان المنسوب إلى عليٍّ ◌َ﴿به ص٤٦، وفيه: فأكثر، بدل: فأول.
(٢) في (م): مرافقته.
(٣) البيت لأحمد الغزالي أخي حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وهو في الوافي بالوفيات ١١٦/٨.
(٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢٥٥/٤، والطبراني في الأوسط (٧٧٥٢)، وابن عدي في
الكامل ٢٤٤٤/٦ بلفظ: ((إن من تمام إيمان العبد أن يستثني من كلِّ حديث)). قال الذهبي
في الميزان ١٣٤/٤: هذا الحديث الباطل قد يحتج به العَرَقة الذين لو قيل لأحدهم: أنت
مسيلمة الكذاب؟ لقال: إن شاء الله.
(٥) أخرجه من حديث جابر أبو يعلى (٢٣١٧)، والحاكم ٢٨٨/٣-٢٨٩. وأخرجه أحمد
(١٢١٠٧)، والترمذي (٢١٤٠) من حديث أنس حظه. وأخرجه بنحوه أحمد (٦٥٦٩)،
ومسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو به. وينظر باقي شواهده في حاشية المسند.
(٦) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٥٠) من حديث أنس ظه وقال: وضعه [محمد] بن
تمیم .

سُورَةُ الْجَمَة
١١٦
الآية : ٣٤
موضوعٌ باتفاق المحدِّثين، وأنا مؤمنٌ بغيره إن شاء الله تعالى.
هذا واعلم أنَّ الذي تقتضيه هذه الآية الكريمة، وكذا التي في ((الأعراف)) وابني
إسرائيل)) و((الكهف)) و((طه)) أنَّ سجود الملائكة ترتّب على الأمر التنجيزيِّ الواردِ
بعد خَلْقِهِ ونَفْخِ الروحِ فيه، وهو الذي يشهد له النقلُ والعقلُ، إلا أنَّ ما في
((الحِجر)) من قوله تعالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمٍَّ
فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ
٣٩
! فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِ فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ
تَسْنُونو
أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٢٨-٣٠] وكذا ما في ((ص) تستدعي ظاهراً ترتّبَه على ما فيها من
الأمر التعليقيٍّ من غير أن يتوسط بينهما شيءٌ غيرُ الخَلْقِ وتوابعه، وبه قال بعضهم،
وحَمَلَ ما في تلك الآيات من الأمر على حكاية الأمر التعليقي بعد تحقّق المعلَّق به
إجمالاً، فإنه حينئذٍ يكون في حكم التنجيز، و((ثم)) في آية ((الأعراف)» للتراخي
الرُّتبي، أو التراخي في الإخبار.
أو يقال: إنَّ الأمر التعليقيَّ لمَّا كان قبل تحقّق المعلَّق به بمنزلة العَدَمِ في عَدَمِ
إيجاب المأمور بِهِ، جُعل كأنه إنَّما حدث بعد تحقُّقه، فحُكي على صورة التنجيز.
ولمَّا رأى بعضهم أنَّ هذا مؤدٍّ إلى أنَّ ما جرى في شأن الخلافة، وما قالوا وما
سمعوا، إنما جرى بعد السجود المسبوق بمعرفة جلالة قَدْره عليه السلام، وخروج
إيليس من البَيْن باللَّعن، وبعد مشاهدتهم لكلِّ ذلك، وهو خرقٌ لقضية النقل، بل
خرقٌ في العقل، اضطُرَّ إلى القول بأنَّ السجود كان مرتين، وهيهات، لا يُصِلِحُ
العطَّارُ ما أفسد الدهر.
فالحقُّ الحقيقُ ما دلَّتْ عليه هاتيك الآيات، وما استدلَّ به المخالفُ لا يَنْتَهِض
دليلاً؛ لأنَّ الشرط إن كان قيداً للجزاء كان معناه: على تقدير صدقٍ إذا سوَّيته
أَظْلُب، بناءً على أنَّ الشرط قيدٌ للطلب، على ما صرَّح به العلامة التفتازانُّي من
أنَّ معنى قولنا: إن جاءك زيدٌ فأكرمه، أي: على تقديرٍ صدقٍ إن جاءك زيدٌ أطلب
منك إكرامَه، وإن كان الحكم بين الشرط والجزاء، فالجزاءُ الطَّبيُّ لا بدَّ من
تأويله بالخبر، أي: يستحقُّ أن يقال في حقِّه: أكرمه، وعلى التقديرين كان مدلول
﴿فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ﴾ طلباً استقباليًّا لا حاليًّا، فلا يلزم تحقّق الأمر بالسجود قبل
التسوية .

الآية : ٣٥
١١٧
سُورَةُ الجَزَة
نعم لو كان الشرط قيداً للمطلوب لا للطلب، يكون المعنى: الطلب في الحال
للسجود وقت التسوية، فيفيد تقدُّمَ الأمر على التسوية. وقولُ مولانا الرازي قُدِّس
سرُّه: إنَّ الآية كما تدلُّ على تقدُّم الأمر بالسجود على التسوية، تفيد أنَّ التعليم
والإنباء كان بعد السجود؛ لأنها تدلُّ على أنَّ آدم عليه السلام لمَّا (١) صار حيًّا صار
مسجوداً للملائكة؛ لأنَّ الفاء في ((فقعوا)) للتعقيب = لا يخفى ما فيه؛ لأنَّ الفاء
للسببية لا للعطف، وهو لا يقتضي التعقيب، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوْءِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله سبحانه: ﴿فَلَّفََّ ءَدَمُ مِن زَّبِهِ.
كَلِمَتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
ومن الناس من حَمَل نَفْخَ الروح في الآية على التعليم، لِمَا اشْتَهرَ أنَّ العلم
حياةٌ والجهل موت، وأنت في غنّى عنه، والله الموفق.
﴿وَقُلْنَا يَدَمُ أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ عطفٌ على: ((إذا قلنا)) بتقديرٍ إذ أو بدونه،
أو على: ((قلنا)) والزمان ممتدٍّ واسعٌ للقولين، وتصديرُ الكلام بالنداء لتنبيه المأمور
لِمَا يُلقَى إليه من الأمر، وتحريكِه لِمَا يُخاطَب به؛ إذ هو من الأمور التي ينبغي أن
یتوجّه إليها .
و((اسكن)) أمرٌ من السُّكنى بمعنى: اتخاذ المسكن، لا من السكون: ترك
الحركة؛ إذ ينافيه ظاهراً ((حيث شئتما))، وذِكْرُ متعلِّقه بدون في، وليس بمكان مبهم،
و((أنت)) توكيدٌ للمستكنَّ في ((اسكن))، والمقصدُ منه بالذات صحةُ العطف؛ إذ لولاه
لزم العطفُ على الضمير المتَّصلِ بلا فصل، وهو ممتنعٌ في الفصيح على الصحيح.
وإفادةُ تقرير المتبوع مقصودةٌ تبعاً، وصحَّ العطف مع أنَّ المعطوف لا يباشره
فعلُ الأمر؛ لأنه وقع تابعاً، ويُغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع.
وقيل: هناك تغليبان: تغليبُ المخاطب على الغائب، والمذكَّرِ على المؤنث،
ولكون التغليب مجازاً ومعنى السكونِ والأمر موجوداً فيهما حقيقة، خفي الأمر،
فإما أن يلتزم أنَّ التغليب قد يكون مجازاً غيرَ لغويٌّ، بأن يكون التجوُّز في الإسناد،
أو يقال: إنه لغوي؛ لأنَّ صيغة الأمر هنا للمخاطب، وقد استعملت في الأعم.
(١) في الأصل و(م): كما، والمثبت من تفسير الرازي ٢/ ٢١٢.

سُورَةُ الْبَقَة
١١٨
الآية : ٣٥
وللتخلُّص عن ذلك قيل: إنه معطوف بتقدير: فليسكن، وفيه أنه حينئذٍ يكون من
عطف الجملة على الجملة، فلا وجه للتأكید.
والأمر يحتمل أن يكون للإباحة كاصطادوا، وأن يكون للوجوب، كما أنَّ النهي
فيما بعدُ للتحريم، وإيثاره على: اسكنا؛ للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم في
جميع الأوامر، وهي تبعِّ له، كما أنها في الخِلقة كذلك، ولهذا قال بعض المحقّقين:
لا يصحُّ إيراد ((زوجك)» بدون العطف، بأن يكون منصوباً على أنه مفعول معه .
والجنة في المشهور: دارُ الثواب للمؤمنين يوم القيامة؛ لأنها المتبادِرة عند
الإطلاق، ولسَبْقِ ذِكْرِها في السورة، وفي ظواهر الآثار ما يدلُّ عليه، ومنها ما في
الصحيح من محاَجَّة آدم وموسى عليهما السلام(١)، فهي إذن في السماء حيث
شاء الله تعالى هنا .
وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهانيُّ وأناسٌ إلى أنَّها جنةٌ أخرى خلقها الله
تعالى امتحاناً لآدم عليه السلام، وكانت بستاناً في الأرض بين فارس وكَرْمان(٢)،
وقيل: بأرض عدن، وقيل: بفلسطين كُورة(٣) بالشام، ولم تكن الجنةَ المعروفة.
وحَمَلوا الهبوط على الانتقال من بقعةٍ إلى بقعةٍ كما في ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]
أو على ظاهره، ويجوز أن تكون في مكان مرتفع، قالوا: لأنه لا نزاع في أنه تعالى
خَلَقَ آدم في الأرض، ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان نَقَلَهُ إليها
لكان أولى بالذكر، ولأنه سبحانه قال في شأن تلك الجنة وأهلها: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَا لَغْواً
وَلَا تَأْتِيمًا (٥َ إِلَّا فِيْلًا سَلَمَا سَلَمَا﴾ [الواقعة: ٢٥-٢٦] و﴿لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ﴾ [الطور: ٢٣]
﴿َمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقد لغا إبليس فيها وكذب، وأَخرج منها آدمَ
وحواء مع إدخالهما فيها على وجه السكنى، لا كإدخال النبيِّ ◌َّ ليلة المعراج،
ولأنَّ جنة الخلد دارٌ للنعيم وراحة، وليست بدارٍ تكليفٍ، وقد كُلُّف آدمُ أن لا يأكل
(١) صحيح البخاري (٣٤٠٩)، وصحيح مسلم (٢٦٥٢)، وأخرجه أحمد (٧٥٨٨)، وهو من
حديث أبي هريرة
(٢) ولاية مشهورة، وناحية معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان
وخراسان. معجم البلدان ٤/ ٤٥٤ .
(٣) الكورة: المدينة. القاموس (كور).

الآية : ٣٥
١١٩
سُؤَدَّةُ الْبََّفَة
من الشجرة، ولأنَّ إبليس كان من الكافرين، وقد دخلها للوسوسة، ولو كانت دارَ
الخلد ما دخلها ولا كاد؛ لأنَّ الأكابر صرَّحوا بأنه لو جيء بالكافر إلى باب الجنة
لَتَمزَّق ولم يدخلها؛ لأنه ظلمةٌ وهي نور، ودخوله مستتراً في الحيَّة - على ما فيه -
لا يفيد، ولأنها محلُّ تطهيرٍ فكيف يَحْسنُ أن يقع فيها العصيان والمخالفة، ويحلَّ
بها غيرُ المطهَّرين، ولأنَّ أولَ حَمْلٍ حواءَ كان في الجنة - على ما في بعض الآثار -
ولم يَرِدْ أن ذلك الطعام اللطيفَ يتولَّد منه نطفةُ هذا الجسد الكثيف.
والتزامُ الجواب عن ذلك كلِّه لا يخلو عن تكلُّفِ والتزام ما لا يلزم، وما في
حيِّز المحاجَّة يمكن حمله على هذه الجنة، وكونُ حَمْلِها على ما ذُكر يجري مجرى
الملاعبة بالدِّين والمراغمةِ لإجماع المسلمين غيرُ مسلّم.
وقيل: كانت في السماء، وليست دارَ الثواب، بل هي جنةُ الخلد. وقيل:
كانت غيرَهما. ويردُّ ذلك أنه لم يصحَّ أنَّ في السماء بساتينَ غير بساتين الجنة
المعروفة، واحتمالُ أنَّها خُلقت إذ ذاك ثم اضْمَحلَّت، ممَّا لا يُقْدِمُ عليه مُنْصِف.
وقيل: الكلُّ ممكن، والله تعالى على ما يشاء قدير. والأدلةُ متعارضةٌ،
فالأَخْوَطُ والأسلمُ هو الكفُّ عن تعيينها والقطعِ به، وإليه مال صاحب
((التأويلات))(١).
والذي ذهب إليه بعض ساداتنا الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم: أنها في
الأرض عند جبل الياقوت تحت خطّ الاستواء، ويسمُّونها: جنة البرزخ، وهي الآن
موجودة، وإنَّ العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم. ولو قالوا: إنها
جنة المأوى، ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء، كما ظهرت لنبيِّنا بَطّر - على
ما ورد في الصحيح في عرض حائط المسجد(٢) - لم يبعد على مَشْرَبهم، ولو أنَّ
قائلاً قال بهذا لقلت به، لكنْ للتفرُّد في مثل هذه المطالب آفات.
وكما اختلف في هذه الجنة اختلف في وقت خَلْقِ زوجه عليه السلام، فذكر
(١) ينظر تأويلات أهل السنة لأبي منصور الماتريدي ص ٣٧.
(٢) أخرجه أحمد (٢٧١١)، والبخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧) من حديث ابن عباس .
وفيه: (( ... إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذتُه لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)).

سُورَةُ الْبََّمَة
١٢٠
الآية : ٣٥
السُّدِّي عن ابن مسعود وابن عباس وناسٍ من الصحابة ﴿ه: أنَّ الله تعالى لمَّا أخرج
إبليس من الجنة وأسكنها آدم، بقي فيها وحده، وما كان معه مَن يستأنسُ به،
فألقى الله تعالى عليه النومَ، ثم أخذ ضلَعاً من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخَلَق
حواء منه، فلمَّا استيقظ وجدها عند رأسه قاعدةً، فسألها: مَن أنت؟ قالت: امرأة.
قال: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالت: لتسكنَ إليَّ. فقالت الملائكة تجربةً لعلمه: مَن هذه؟ قال:
امرأةٌ. قالوا: لم سُمِّيت امرأة؟ قال: لأنها خُلقت من المراء. فقالوا: ما اسمها؟
قال: حواء. قالوا: لم سُمِّيت حواء؟ قال: لأنها خُلقت من شيءٍ حيّ(١).
وقال كثيرون - ولعلِّي أقول بقولهم -: إنها خُلقت قبل الدخول ودخلا معاً،
وظاهرُ الآية الكريمة يشير إليه، وإلا توجّه الأمر إلى معدوم وإن كان في عِلْمِه تعالى
موجوداً، وأيضاً في تقديم ((زوجك)) على ((الجنة)) نوعُ إشارة إليه، وفي المثل:
الرفيق قبل الطريق. وأيضاً هي مسكنُ القلب، والجنةُ مسكنُ البدن، ومن الحكمة
تقديم الأول على الثاني، وأثر السُّدِّي ـ على ما فيه ممَّا لا يخفى عليك - معارَضٌ
بما روي عن ابن عباس ، قال: بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحواء
على سريرٍ من ذهب كما تُحْمَلُ الملوك، ولباسُهما النور، حتى أدخلوهما الجنة.
فإنه كما ترى يدلُّ على خَلْقِها قبل دخول الجنة.
﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ الضميرُ المجرورُ للجنة على حذف مضاف، أي:
من مطاعمِها من ثمارٍ وغيرِها، فلم يحظّ عليهما شيئاً إلا ما سيأتي. وأصلُ ((كُلا)):
اأُكلا بهمزتين؛ الأولى للوصل، والثانية فاءُ الكلمة، فحذفت الثانية لاجتماع المِثْلين
حذفَ شذوذ، وأُتبعت بالأولى لفوات الغرض، وقيل: حُذفا معاً لكثرة الاستعمال.
والرَّغَد بفتح الغين - وقرأ النخعيُّ بسُكونها(٢) -: الهنيء الذي لا عناءَ فيه، أو
الواسع، يقال: رغِدَ عيشُ القوم ورغُد - بكسر الغين وضمِّها -: كانوا في رزقٍ
(١) أخرجه بنحوه الطبري ٥٤٨/١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٢٠). ولفظه من تفسير
أبي السعود ٩٠/١. قال ابن كثير عند تفسير الآية (٣٤) من سورة البقرة: هذا الإسناد إلى
هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج
ليس من كلام الصحابة.
(٢) القراءات الشاذة ص ٣.