النص المفهرس

صفحات 1-20

نُوعُ الفَافى
ء
في
تَفِي القرآن العَظِيمُ والِسُنْ المَثَانِى
تأليف
شِهَابُ الدِّينُ أبِيُ الثّناء
◌َحْمُودِبْن عَبْدَاللَّه الألوسيْ الْبُعْدَادِي
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَ هَذَا الجزء
مَاهِرْ جَبُوشٌ
سَاهُمْ في تحقيقه
مجمْ الدّينُ السّبْعَادِى
المجلدالثّانِ
مؤسسة الرسالة

~3
一

◌ُفَعُ المَعَانِى
ويرو
في
تفِ القرآن العَظِيمُ والِسَنْ المَانى
(٢)

٠
جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطّبْعَّة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَةُ وَالنَّشْر وَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
Al-Resalah
Publishing House
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com

سُورَةُ الْبََّمَِّ
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ لمَّا بَيَّن سبحانه فِرَقَ المكلَّفين، وقَسمهم إلى
مؤمنين وكفار ومذبذبين، وقال في الطائفة الأولى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) وفي الثانية:
(سَوَاءُ عَلَيْهِمْ) وفي الثالثة: (يُخَدِعُونَ اللَّهَ) وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا
وأخرى، فقال سبحانه في الأولى: (أُوْلَكَ عَلَ هُدَى مِّن رَّيْهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وفي
الثانية: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَ قُلُوبِهِمْ) (وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وفي الثالثة: (فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضَُّ) (وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانواْ يَكْذِبُونَ) أقبل عزَّ شأنه عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزًّا
لهم إلى الإصغاء، وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقِّي، وجَبْراً لما في العبادة من الكُلْفة
بلذيذ المخاطبة، ويكفي للنكتة الوجود في البعض.
و((يا)) حرفٌ لا اسمُ فِعْلٍ على الصحيح، وُضع لنداء البعيد، وقيل: لمطلَقٍ
النداء، أو مشتركة بين أقسامه، وعلى الأول ينادى بها القريبُ لتنزيله غيرَه؛ إمَّا
لعلوِّ مرتبةِ المنادي أو المنادَى، وقد ينزَّلُ غفلةُ السامع وسوءُ فَهْمِه منزلةً بُعْدِه، وقد
يكون ذلك للاعتناء بأمر المدعوِّ له والحثِّ عليه؛ لأنَّ نداء البعيد وتكليفَه الحضورَ
لأمرٍ يقتضي الاعتناءَ والحثَّ، فاستعمل في لازم معناه على أنه مجازٌ مرسَلٌ، أو
استعارةٌ تبعيةٌ في الحرف، أو مكنية وتخييلية.
وهو مع المنادى المنصوبٍ - لفظاً أو تقديراً - به؛ لنيابته عن نحو ((ناديتُ))
الإنشائيِّ، أو بناديتُ اللازمِ الإضمارِ لظهور معناه مع فَصْد الإنشاء= كلامٌ يحسنُ
السكوتُ عليه، كما يحسن فَي نحو: لا ونعم.
و((أيّ) لها معانٍ شهيرةٌ، والواقعةُ في النداء نكرةٌ موضوعةٌ لبعضٍ من كلّ، ثم
تعرَّفت بالنداء وتُوصِّل بها لنداءِ ما فيه ((أل))؛ لأنَّ (يا)) لا يدخل عليها في غير ((الله))
إلا شذوذاً؛ لتعذَّر الجمع بين حرفي التعريف؛ فإنهما كمِثْلين، وهما لا يجتمعان إلا
فيما شذَّ من نحو :

سُورَةُ الْبَقَة
٦
الآية : ٢١
فلا واللهِ لا يُلْفَى لما بي ولا لِلِما بهم أبداً دواءُ(١)
وأُعطيتْ حُكْمَ المنادَى، وجُعل المقصودُ بالنداء وصفاً لها، والتُزْمَ فيه هذه
الحركة الخاصةُ المسماةُ بالضمة - خلافاً للمازنيِّ فإنه أجاز نَصْبَه، وليس له في ذلك
سَلَفٌ ولا خَلَفٌ؛ لمخالفته للمسموع - وإنَّما التُزم ذلك إشعاراً بأنه المقصودُ
بالنداء، ولا ينافي هذا كونَ الوصف تابعاً غيرَ مقصودٍ بالنسبة لمتبوعه؛ لأنَّ ذلك
بحسَبِ الوضع الأصليِّ، حيث لم يطرأ عليه ما يجعله مقصوداً في حدٍّ ذاته، ككونه
مفسِّراً لمبهَمٍ، ومن هنا لم يشترطوا في هذا الوصف الاشتقاقَ، مع أنَّ النحويين -
إلا النَّزْر كابن الحاجب ـ اشترطوا ذلك في النعوت، على ما بُيِّن في محله.
و ((ها) التنبيهيةُ زائدةٌ لازمةٌ للتأكيد والتعويضِ عما تستحقُّ من المضاف إليه،
أو ما في حُكْمِه من التنوين، كما في ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] وإن لم يستعمل
هنا مضافاً أصلاً.
وكثر النداء في الكتاب المجيد على هذه الطريقة؛ لما فيها من التأكيد الذي
كثيراً ما يقتضيه المقام بتكرُّر الذكر، والإيضاح بعد الإبهام، والتأكيد بحرفِ التنبيه،
واجتماعِ التعريفين.
هذا ما ذهب إليه الجمهور، وقطع الأخفش - لضَعْفٍ نظره - بأنَّ أيًّا الواقعةَ في
النداء موصولةٌ حُذف صدرُ صلتها وجوباً (٢)؛ لمناسبة التخفيف للمنادى، وأيّد بكثرة
وقوعها في كلامهم موصولةً، وندرةِ وقوعها موصوفةً، واعتذر عن عدم نصبها حينئذٍ
مع أنها مضارعةٌ للمضاف بأنها(٣) إذا حذف صدرُ صلتها، كان الأغلبَ فيها البناءُ
على الضم، فحرفُ النداء على هذا يكون داخلاً على مبنيٍّ على الضم، ولم يغيِّره
(١) البيت لمسلم بن معبد الوالبيٍّ كما في الخزانة ٣٠٨/٢، وهو دون نسبة في معاني القرآن
للفراء ٦٨/١، والخصائص ٢٨٢/٢، وشرح المفصل ١٨/٧. قال البغدادي: اللام الثانية
في قوله: لِلِما، مؤكّدة للأولى. اهـ وذكر ابن يعيش أن حرف الجر لا يدخل على مثله، وما
ورد في هذا البيت شاذ لا يحمل عليه غيره.
(٢) والتقدير: يا الذين هم الناسُ، فيكون المرفوع بعدها - وهو الناس - خبر المبتدأ المحذوف
الذي هو صدر صلتها. الدر المصون ١٨٥/١ .
(٣) في (م): بأنه .

الآية : ٢١
٧
سُؤَدَّةُ الْبَكْفَة
وإن كان مضارعاً للمضاف.
ويؤيِّد الأولَ عدُ الاحتياج إلى الحذف، وصدقُ تعريف النعت والموافقة مع
هذا، وأنها لو كانت موصولةً لجاز أن توصل بجملةٍ فعليةٍ أو ظرفية، إلى غير ذلك
مما يقطع المُنصفُ معه بأرجحية مذهب الجمهور. نعم أُورد عليه إشكالٌ استصعبه
بعضُ مَن سَلَفَ من علماء العربية، وقال: إنه لا جوابَ له. وهو أنَّ ما ادَّعوا كونَه
تابعاً معرَبٌ بالرفع، وكلُّ حركةٍ إعرابيةٍ إنما تحدث بعامل، ولا عامل يقتضي الرفع
هناك؛ لأنَّ متبوعه مبنيٌّ لفظاً ومنصوبٌ محلاً، فلا وجهَ لرفعه.
وأقول: إنَّ هذا من الأبحاث الواقعة بين أبي نزار(١) وابن الشجري، وذلك أنه
وقع سؤال عن ضمة هذا التابع، فكتب أبو نزار أنها ضمةُ بناءٍ وليست ضمةً
إعراب؛ لأنَّ ضمة الإعراب لا بد لها من عامل يوجبها، ولا عامل هنا يوجب هذه
الضمة.
وكتب الشيخ أبو منصور موهوب بنُ أحمد(٢) أنها ضمةُ إعراب، ولا يجوز أن
تكون ضمةً بناء، ومَن قال ذلك فقد غفل عن الصواب، وذلك أنَّ الواقع عليه النداء
(أيُّ) المبنيُّ على الضم لوقوعه موقع الحرف، والاسمُ الواقعُ بعدُ، وإن كان
مقصوداً بالنداء، إلا أنه صفةُ ((أيّ))، فمحالٌ أن يُبنى أيضاً؛ لأنه مرفوعٌ رفعاً
صحيحاً، ولهذا أجاز فيه المازنيُّ النصبَ على الموضع، كما يجوز في يا: زيدُ
الظريفَ، وعلةُ الرفع أنه لمَّا استمَّر الضمُّ في كلِّ منادَى معرفةٍ، أشْبَه ما أُسند إليه
الفعل، فأُجريت صفته على اللفظ، فُرُفعت.
وأجاب ابن الشجري(٣) بما أجاب به الشيخ، وكتب أنها ضمةُ إعراب؛ لأنَّ
(١) الحسن بن صافي بن عبد الله بن نزار النحوي البغدادي، المعروف بملك النحاة، من كتبه:
الحاوي، والعمد، والمنتخب، توفي سنة (٥٦٨هـ) ودفن بمقبرة باب الصغير في دمشق.
وفيات الأعيان ٩٢/٢-٩٣، وإنباه الرواة ٣٠٥/١.
(٢) ابن محمد بن الحسن بن الجواليقي، إمام في اللغة والنحو والأدب، قرأ الأدب على
الخطيب التبريزي، من كتبه: شرح أدب الكاتب، والمعرب، توفي سنة (٥٣٩هـ).
وفيات الأعيان ٣٤٢/٥، وإنباه الرواة ٣٣٥/٣. وكلامه وكلام أبي نزار في أمالي ابن
الشجري ٣٦٤/٢ -٣٦٥.
(٣) في أماليه ٢/ ٣٦٧.

سُورَةُ الَفَة
٨
الآية : ٢١
ضمة المنادى المفردِ لها - باطِّرادها - منزلةٌ بين منزلتين، فليست كضمةِ ((حيثُ))
لأنها غيرُ مطّردة؛ لعدم اطّراد العلة التي أوجبتها: ولا كضمة زيد في نحو: خرج
زيدٌ؛ لأنها حدثت بعاملٍ لفظي، ولمَّا اّردت الضمة في نحو: يا زيدُ، يا عمرو،
وكذلك اطّردت في نحو: يا رجل، يا غلام، إلى ما لا يحصى، نزِّل الاطِراد فيها
منزلةَ العامل المعنوي الرافع(١) للمبتدأ، من حيث اطَّردت الرَّفعة في كلِّ اسم ابتُدئ
به مجرَّداً عن عامل لفظيٍّ وجيء له بخبر؛ كـ: عمرو منطلق، وزيد ذاهب، إلى غير
ذلك، فلما استمرَّت ضمة المنادى في معظم الأسماء، كما استمرَّت في الأسماء
المعربة الضمةُ الحادثة عن الابتداء، شبَّهتْها العرب بضمة المبتدأ فأتبعتْها ضمةً
الإعراب في صفة المنادَى في نحو: يا زيدُ الطويلُ، وجَمَع بينهما أيضاً أنَّ الاطّراد
معنىَ كما أنَّ الابتداء كذلك، ومن شأن العرب أن تحمل الشيء على الشيء مع
حصول أدنى مناسبةٍ بينهما، حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها، ألا ترى أنهم
أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء في قراءة مَن قرأ: ((الحمدُ للَّه)) بضم اللام،
وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في نحو: يا زيدَ بنَ عمرو، في قول مَن
فتح الدال من زيد؟ انتهى ملخّصاً .
وقد ذكر ذلك ابن الشجريِّ في أماليه وأكثر في الحطّ على ابن نزار، وبيَّن
ما وقع بينه وبينه مشافهة(٢)، ولولا مزيدُ الإطالة لذكرتُه بعُجَره وبُجَره، وأنت تعلم
ما في ذلك كلِّه من الوهن، ولهذا قال بعض المحقّقين (٣): إنَّ الحقَّ أنها حركةُ إتباع
ومناسبة لضمة المنادى، ككسر الميم من غلامي، وحينئذٍ يندفع الإشكال كما
لا يخفى على ذوي الكمال.
بقي الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت، هل هي للتعريف أم لا؟ والذي
عليه الجمهور - وهو المشهور - أنها للتعريف، كما تقدَّمت الإشارة إليه، ولما سئل
عن ذلك أبو نزار قال: إنها هناك ليست للتعريف؛ لأنَّ التعريف لا يكون إلا بين
اثنين في ثالث، واللامُ فيما نحن فيه داخلةٌ في اسم المخاطَب، ثم قال: والصحيح
(١) في الأصل و(م): الواقع: والمثبت من الأمالي.
(٢) في الأمالي ٣٦٨/٢-٣٧٤ .
(٣) هو الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٤/٢.

الآية : ٢١
٩
سُوَّةُ الْبَكْرَة
أنها دخلت بدلاً من ((يا))، و((أيُّ)) وإن كان منادى إلا أنَّ نداءه لفظيٌّ، والمنادى
على الحقيقة هو المقرون بأل، ولما قصدوا تأكيدَ التنبيه، وقدَّروا تكريرَ حرف
النداء، كرهوا التكرير فعوَّضوا عن حرف النداء ثانياً ((ها)) وثالثاً ((أل))(١).
وتعقّبه ابن الشجري(٢) قائلاً: إنَّ هذا قولٌ فاسدٌ، بل اللامُ هناك لتعريف
الحضور، كالتعريف في قولك: جاء هذا الرجل، مثلاً، ولكنها لمَّا دخلت على
اسم المخاطَب صار الحكم للخطاب، من حيث كان قولنا: يا أيها الرجل، معناه:
يا رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب، فاكتفى
باثنين؛ لأنَّ أسماء الخطاب لا تفتقر في تعريفها إلى حضورٍ ثالثٍ، ألا ترى أنَّ
قولك: خرجتَ يا هذا، وانطلقتَ، وأكرمتُك، لا حاجةً به إلى ثالث؟ وليس كلُّ
وجوه التعريف تقتضي أن تكون بين اثنين في ثالث، فإنَّ ضمير المتكلم في: أنا
خرجت، معرفة إجماعاً، ولا يتوقف تعريفه على حضورٍ ثالثٍ.
وأيضاً ما قَصَّ من حديث التعويض يستدعي بظاهره أن يكون أصل يا أيها
الرجل - مثلاً - يا أيُّ يايا رجل، وأنهم عوَّضوا من ((يا)) الثانية ((ها)) ومن الثالثة
الألف واللام، وأنت تعلم أنَّ هذا مع مخالفته لقول الجماعة، خَلْفٌ من القول
يَمُجُّهُ السمع وينكره الطبع(٣)، فليفهم.
والناس: اسمُ جَمْعٍ على ما حقَّقه جَمْعٌ، والجموع وأسماؤها المحلَّةُ بأل
للعموم حيث لا عهدَ خارجيَّ كما يدلُّ عليه وقوعُ الاستثناء [منها](٤) والأصل فيه
الاتصالُ، وهو يقتضي الدخولَ يقيناً ولا يتصوَّر إلا بالعموم، ونحو: ضربت زيداً
إلا رأسه، وصمت رمضان إلا ◌ُشْرَهُ الأخيرَ، عامٌّ تأويلاً (٥). وكذا التأكيدُ بما يفيد
العمومَ، إذ لو لم يكن هناك عمومٌ كان التأكيد تأسيساً، والاتفاقُ على خلافه.
(١) أمالي ابن الشجري ٢/ ٣٦٤ .
(٢) في الأمالي ٣٦٩/٢.
(٣) أمالي ابن الشجري ٢/ ٣٧٠.
(٤) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/٢، وقال الشهاب: فإنه (يعني
الاستثناء) استفاض في العام حتى جعل معياره.
(٥) يعني بتقدير جمع معرَّفٍ بالإضافة كـ: أعضاء زيد، وأيام الشهر. حاشية الشهاب ٥/٢.

سُورَةُ اللَّفَقَة
١٠
الآية : ٢١
وشيوعُ استدلالِ الصحابة ﴿ه بالعموم كما في حديث السقيفة(١)، وهم أئمة الهدى.
ثم هذا الخطابُ في: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يسمَّى بالخطاب الشفاهي عند
الأصوليين، قالوا: وليس عامًّا لمن بعد الموجودين في زمن الوحي، أو لمن بعد
الحاضرين مهابطَ الوحي، والأول هو الوجه، وإنما يثبت حكمه لهم بدليلٍ آخر من
نصّ أو قياس أو إجماع، وأما بمجرد الصيغة فلا .
وقالت الحنابلة: بل هو عامٌّ لمن بعدهم إلى يوم القيامة.
واستدلَّ الأولون بأنَّا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو (٢): يا أيها الناس، قال
العضد: وإنكاره مكابرة(٣). وبأنه امتنع خطاب الصبيِّ والمجنون بنحوه، وإذا لم
نوجّهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب، فالمعدوم أجدرُ أن يمنع؛ لأنَّ
تناوله أبعد.
واستدلَّ الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول ◌َ ﴾ مخاطباً به لمن بعدهم، لم يكن
مرسلاً إليهم، واللازمُ منتفٍ، وبأنه لم يزل العلماء يحتجُّون على أهل الأعصار
ممن بعد الصحابة بمثل ذلك، وهو إجماعٌ على العموم لهم.
وأجيب: أما عن الأول؛ فبأنَّ الرسالة إنما تستدعي التبليغ في الجملة، وهو
لا يتوقّف على المشافهة، بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاهاً، وللبعض بنصب
الدلائل والأمارات على أنَّ حكمهم حكمُ الذين شافههم.
وأما عن الثاني فبأنه لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم، بل قد يكون لأنهم
علموا أنَّ حکمه ثابتٌ عليهم بدليل آخر (٤)، قاله غير واحد.
وفي شرح العلّامة الثاني للشرح العضدي(٥): إنَّ القول بعموم الشفاهي وإن
نسب إلى الحنابلة ليس ببعيد، وقال بعض أجلَّةِ المحقّقين: إنه المشهور، حتى
(١) يعني استدلالهم بقول النبي ◌ّله: ((الأئمة من قريش)) كما ذكر الشهاب في الحاشية ٥/٢،
وينظر فتح الباري ٧/ ٣٢، والتلخيص الحبير ٤٢/٤.
(٢) قوله: نحو، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٥/٢، والكلام منه.
(٣) شرح العضد لمختصر المنتهى لابن الحاجب ١٢٧/٢ .
(٤) المصدر السابق.
(٥) حاشية التفتازاني على شرح العضد لمختصر المنتهى ١٢٧/٢، ونقله المصنف بواسطة
الشهاب في الحاشية ٥/٢.

الآية : ٢١
١١
سُؤَدَةُ الْبََّقَة
قالوا: إنَّ الحق أنَّ العموم معلومٌ بالضرورة من الدين المحمدي، وهو الأقرب،
وقول العضد: إنَّ إنكاره مكابرة، حقٌّ لو كان الخطاب للمعدومين خاصةً، أما إذا
كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا، ومثله فصيح شائع، وكل
ما استُدلَّ به على خلافه ضعيف. انتهى.
وإلى العموم ذهب كثير من الشافعية، على أنه عندهم عامٌّ بحاقٌ لفظه ومنطوقه،
من غير احتياجٍ إلى دليلٍ آخر.
وقد قيل: إنه من قبيل الخطاب العامِّ الذي أجري على غير ظاهره كما في
قوله :
إذا أنت أكرمتَ الكريم مَلَكْتَه وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا(١)
هذا، وعلى كلِّ حالٍ ما روي عن ابن مسعود وعلقمةً من أنَّ كلَّ شيء نزل فيه
(يا أيها الناس)) مكيٍّ و((يا أيها الذين آمنوا)) مدنيٌّ(٢)، إن صحَّ ولم يُؤوَّل لا يوجب
تخصيص هذا العامّ بوجهٍ بالكفار، بل هم أيضاً داخلون فيه ومأمورون بأداء العبادة
كالاعتقاد، والأمرُ بالشيء أمرٌ بمالا يتم إلا به. وكونُ الإيمان أصلَ العبادات، ولو
وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعاً، مردودٌ بأنَّ الأصالة بحسَبِ الصحة لا تنافي
التبعية في الوجوب، على أنه واجب استقلالاً أيضاً، والعجبُ كيف خفي على
مشايخ سمرقند!
وهذا ما ذهب إليه العراقيون والشافعية، ويؤيده ظواهر الآيات؛ كقوله تعالى:
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ﴾ [فصلت:٦-٧] وقوله سبحانه:
﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٤]
قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
٤٣
سَلَڪَكُمْ فِي سَقَّرَ
وذهب البخاريون إلى أنهم مكلَّفون في حقِّ الاعتقاد فقط. وأبو حنيفة رَُّه لم ينصَّ
ظاهراً على شيءٍ في المسألة، لكن في كلام صاحبه الثاني ما يدلُّ عليها، ولعل
ذلك من الإمام لأنه لا ثمرة للخلاف في الدنيا؛ للاتفاق على أنهم ماداموا كفاراً
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢/ ١١ .
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٣٣٩/١ عن علقمة ومجاهد، وقال: وهذا يردُّه أن هذه السورة
والنساء مدنيتان، وأما قولهما في ((يا أيها الذين آمنوا)) فصحيح. وقال ٢٤٥/٧: وهذا خرج
على الأكثر.

سُورَةُ الْبَقَة
١٢
الآية : ٢١
يمتنع منهم الإقدام عليها، ولا يؤمرون بها، وإذا أسلموا لم يجب قضاؤها عليهم،
وإنما ثمرته في الآخرة، وهو أنهم يعذَّبون على تركها كما يعذَّبون على ترك الإيمان
عند مَن قال بوجوبها عليهم، وعلى ترك الإيمان فقط عند مَن لم يقل، وهذا في غير
العقوبات والمعاملات، أما هي نمتَّفقٌ على خطابهم بها .
والأمر بالعبادة هنا للطوائف الثلاث باعتبار أنَّ المراد بها الشامل لإيجاد
أصلها والزيادة والثبات، فـ ((اعبدوا)) يدل على طلبٍ في الحال لعبادة مستقلَّة،
وهي من الكفار ابتداءُ عبادة، ومن بعض المؤمنين زيادةٌ، ومن آخرين مواظَةٌ،
وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلاً في المفهوم وضعاً، فلا محذور في شيء
أصلاً، خلافاً لمن توهّمه فتكلَّف في دفعه.
وذَكَر سبحانه الربَّ ليشير إلى أنَّ الموجب القريبَ للعبادة هي نعمة التربية، وإن
كانت عبادة الكاملين لذاته تعالى من غير واسطة أصلاً سوى أنه هو هو، فسبحانه
من إليٍ ما أعظمه، ومن ربّ ما أكرمه!
﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الموصول صفةٌ مادحة للربِّ، وفيها أيضاً تعليلُ
العبادة أو الربوبية على ما قيل، فإن كان الخطاب في ((ربكم)) شاملاً للفِرَق الثلاث
فذاك، وإن خُصَّ بالمشركين وأريد بالربِّ ما تُعورف بينهم من إطلاقه على غيره
تعالى، احتمل أن تكون مقيِّدةً إن حملت الإضافة على الجنس، وموضِّحةً إن
حملت على العهد، ولا يبعد على هذا أن تكون مادحةً؛ لأنَّ المطلق يتبادر منه ربُّ
الأرباب، إلا أنَّ جَعْلَها للتقييد والتوضيح أظهر، بناءً على ما كانوا فيه، وتعريضاً
بما كانوا عليه، ولأنه الأصل فلا يترك إلا بدليل.
والخلق: الاختراع بلا مثال، ويكون بمعنى التقدير، وعلى الأول لا يتَّصف به
سواه سبحانه، وعلى الثاني قد يتصف به غيره، ومنه: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾
[المؤمنون: ١٤] ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اُلِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠] وقول زهير:
ولَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ
ـضُ القومِ يخلقُ ثم لا يفري(١)
(١) ديوان زهير ص٩٤، والصحاح (خلق). قال ثعلب شارح الديوان: الخالق: الذي يقدِّر
ويُهيئُ للقطع، يقول: فأنت إذا تهيأت لأمر مضيت له. وتفري، أي: تقطع.

الآية : ٢١
١٣
سُورَةُ الْبَقَة
ومن العجب أنَّ أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال: إطلاق
الخالق عليه تعالى محالٌ؛ لأنَّ التقدير يستدعي الفكر والحسبان.
وهي مسألةٌ خلافية بينه وبين الله تعالى القائل: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ﴾
[الحشر: ٥٤] وبقول الله تعالى أقول.
والموصول الثاني عطفٌ على المنصوب في ((خلقكم)). وقبل: ظرفُ زمانٍ
بكثرة، ومكانٍ بقِلَّة، ويتجوَّز بها عن التقدُّم بالشرف والرتبة.
والخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بالذين قبلهم: مَنْ تقدَّمهم في
الوجود، ومَن هو موجود وهو أعلى منزلةً منهم. وفي هذا تذکیرٌ لكمال جلال الله
تعالى وربوبيته، وفيه من تأكيد أمر العبادة ما لا يخفى، وقدَّم سبحانه التنبيه على
خلقهم، وإن كان متأخّراً بالزمان؛ لأنَّ علم الإنسان بأحوال نفسه أظهرُ، ولأنهم
المواجَهون بالأمر بالعبادة، فتنبيههم أولاً على أنفسهم آكَدُ وأهم، وأتى بالخلق
صلة، والصِّلاتُ لا بدَّ من كونها معلومةَ الانتساب عند المخاطَب، ولذا يغَّرف
الموصول عنده(١) بما فيها من العهد، واشترطت خبريّتها إشارة إلى أنه ليس في
المخاطبين مَن ينكر كونَ الخالق هو الله تعالى ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾
[الزخرف: ٨٧] أو ﴿مِّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وانفهامُ ذلك من
الوصف - بناءً على ما قالوا: الأخبارُ بعد العلم بها أوصاف، والأوصافُ قبل العلم
بها أخبار - مما قاله بعضُ المحقّقين. وإن كان هناك مَن لا يعلم أنَّ الله تعالى
خالقُه وخالقُ مَن قبله، احتيج إلى ادِّعاء التغليب، أو تنزيل غير العالِم منزلة العالم؛
لوضوح البراهين، فتخرج الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر.
وقرأ ابن السميفع: ((وخَلَق مَن قَبْلَكم))، وزيد بن علي ◌َ﴾ًا: ((والذين مَن
قبلكم)) بفتح الميم(٢)، واستُشكل لتوالي موصولين والصلةُ واحدة، وخرجت على
جَعْلِ (مَن)) تأكيداً لـ ((الذين))، فلا يحتاج إلى صلة، نحو قوله:
من النفر اللائي الذين إذا همُ تهابُ اللئامُ حلقةَ البابِ قعقعوا (٣)
(١) يعني عند المخاطب. ينظر حاشية الشهاب ٩/٢.
(٢) القراءتان في الكشاف ٢٢٨/١.
(٣) البيت لأبي الرُّبيس الثعلبي، كما في اللسان (لوي)، والخزانة ٨٤/٦، ودون نسبة في معاني

سُورَةُ الجَّفَقَة
١٤
الآية : ٢١
واعترض بأنَّ الحرف لا يؤكّد بدون إعادة ما اتَّصل به، فالموصول أولى
بذلك؛ إذ يكاد أن يكون تأكيده كتأكيد بعض الاسم، فـ ((مَن)) حينئذٍ موصولةٌ أو
موصوفة، وهي خبر مبتدأ مقدَّر، وما بعدها صلةٌ أو صفة، وهي مع المقدَّر صلةٌ
الموصول الأول، ويكون على أحد الاحتمالين نظير:
فقلتُ وأَفكرتُ الوجوهَ هم هم(١)
وتخريج البيت على نحو هذا. وقيل: ((مَن)) زائدة، وقد أجاز بعضُ النُّحاةِ
زيادةَ الأسماء، والكسائيُّ زيادةً ((مَن)) الموصولة، وجَعَل مِن ذلك:
وكفى بنا فضلاً على مَن غيرِنا
حبُّ النبيِّ محمدٍ إِيَّانا (٢)
وبعضهم استَشْكَلَ القراءة المشهورةَ أيضاً بأنَّ ((الذين)) أعيانٌ و((مِن قبلكم))
ناقصٌ ليس في الإخبار به عنها فائدة، فكذلك الوصلُ به إلا على تأويل،
وتأويلهُ أنَّ ظرف الزمان إذا وصف لفظاً أو تقديراً مع القرينة صحَّ الإخبار
والوصل به؛ تقول: نحن في يومٍ طيِّبٍ، وما هنا في تقدير: والذين كانوا مِن
زمانٍ قبل زمانكم. وقدَّر أبو البقاء(٣): والذين خَلَقهم مِن قبل خَلْقكم، فحُذف
الفعلُ الذي هو صلة، وأُقيم متعلِّقه مقامه، فتدبر.
القرآن للفراء ٨٤/٣. وذكره القالي في ذيل أماليه ص١٦٤ برواية: من النفر البيض الذين إذا
=
انْتَمَوْا ... ، وكذا ذكره الجرجاني في أسرار البلاغة ص١٢٠، إلا أن فيه: اعْتَزَوْا، بدل:
انتموا. قال البغدادي: ولم أرَ مَن رواه: من النفر اللائي الذين، إلا النحويين. وقعقعوا:
ضربوا الحلقة على الباب لتصوِّتٍ، و((هم)) يرتفع بمضمر يفسره قعقعوا، والتقدير: إذا
قعقعوا حلقة الباب هاب اللئام دقَّها؛ لأنهم ليسوا على ثقة من الإذن لهم كما يثق هؤلاء
النفر الرؤساء بأنهم یؤذن لهم.
(١) البيت لأبي خراش، وهو في ديوان الهذليين ١٤٤/٢، وصدره: رَفَوْنِي وقالوا يا خويلد
لا تُرَع.
(٢) البيت في ديوان كعب بن مالك طه ص٢٢١، ونسبه سيبوبه في الكتاب ١٠٥/٢
الأنصاري، وهو حسان ﴿ه كما ذكر الأعلم في شرح الشواهد ص٢٧٩، وقال: ويقال:
إنه لبشر بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري، وهو الصحيح. اهـ. والبيت دون نسبة في
المغني ص١٤٨، وحاشية الشهاب ٢/ ١٠.
(٣) في الإملاء على هامش الفتوحات الإلهية ٧٦/١.

الآية : ٢١
١٥
سُورَةُ الْجَعَة
:((لعل)) في المشهور موضوعةٌ للترجّي وهو الطمع في
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
حصول أمرٍ محبوب ممكنِ الوقوع، والإشفاقِ وهو توقعُ مخوفٍ ممكن، والظاهر
التقابل فتكون مشتركة. وذكر الرضيُّ أنها للترجِّي، وهو ارتقابُ شيءٍ لا وثوقَ
بحصوله، فيدخل فيه الطمع والإشفاق.
والذي يميل إليه القلب ما ذكره بعض المحقّقين(١) أنها لإنشاءِ توقُّع أمرٍ متردِّدٍ
بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول، إما محبوب فيسمَّى رجاء، أو مكروه فیسمَّی
إشفاقاً، وذلك قد يعتبر تَحقُّقُه بالفعل إما من جهة المتكلم وهو الشائع؛ لأنَّ معاني
الإنشاءات قائمة به، وإما من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلة المتكلِّم في التلبُّس
التامِّ بالكلام الجاري بينهما، ومنه: ﴿أََّلَّهُ يَنَذَگِّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] وقد يعتبر
تحقُّقه بالقوة(٢) بضربٍ من التجوُّز، إيذاناً بأنَّ ذلك الأمر في نفسه مَئنَّةٌ للتوقُّع،
متَّصفٌ بحيثيةٍ مصحِّحةٍ له، من غير أن يعتبر هناك توقُّعٌ بالفعل من متوقّع أصلاً .
ففي الآية الكريمة إن جعلت الجملة حالاً من مفعول ((خلقكم)) وما عُطف عليه
بطريق تغليب المخاطَبين على الغائبين - لأنهم المأمورون بالعبادة - امتنع حملُ
(لعل)) على حقيقتها، لا بالنظر إلى المتكلِّم؛ لاستحالة الترجِّي على عالم الغيب
والشهادة الفاعلِ لما يشاء، ولا بالنظر إلى المخاطبين؛ لأنهم حين الخلقِ لم يكونوا
عالمين، فكيف يتصَّور الرجاء منهم؟! ولا يجوز جَعْلُها حالاً مقدَّرة؛ لأنَّ المقدَّر
حالَ الخلق التقوى لا رجاؤها، فلا بد أن يحمل على المعنى المجازيِّ، بأن يُشبَّه
طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابه ودواعيه بالترجِّي في أنَّ متعلق كلِّ واحد
منهما مخيَّر بين أن يفعل وأن لا يفعل، مع رجحان ما بجانب الفعل، فيستعمل
كلمة ((لعل)) الموضوع له فيه، فيكون استعارة تبعية.
أو تُشبَّه صورة منتزعة من حال خالقهم بالقياس إليهم بعد أن مكَّنهم على
التقوى وتَرْكِها مع رجحانها منهم، بحال المرتَجي بالقياس إلى المرتَجَى منه القادرِ
على المرتجی وترکِه مع رجحان وجوده، فيكون استعارةً تمثیلیة، إلا أنه ذکر من
المشبّه به ما هو العمدة فيه، أعني كلمة ((لعل)).
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٥٩/١.
(٢) القوة: التهيُّؤ الموجود في الشيء، وضده الفعل وهو بروز ذلك الشيء. معجم متن اللغة (قوي).

سُورَةُ الْبَغَة
١٦
الآية : ٢١
أو تشبَّه ذواتهم بمَن يُرجى منه التقوى، فيثبت له بعضُ لوازمه أعني الرجاء،
فيكون استعارة بالكناية.
وجَعْلُ المشبّهِ إرادتَه تعالى في الاستعارة والتمثيل نزغةٌ اعتزاليةٌ مؤسّسةٌ على
القاعدة القائلة بجواز تخلُّف المراد عن إرادته تعالى شأنه.
وبعضهم(١) قال بالترجّي هنا، إلا أنه ليس من المتكلِّم ولا من المخاطَب بل
من غيرهما، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]
لأنه لمَّا وُلد كلُّ مولودٍ على الفطرة، كان بحيث إن تأمَّله متأمِّلٌ توقّع منه رجاء أن
یکون متَّقیاً، وليس بالبعيد.
وإن جُعلت حالاً من فاعل ((خلقكم)) امتنعت الحقيقة أيضاً، وتعيَّنت بعضُ الوجوه.
وإن جُعلت حالاً من ضمير ((اعبدوا)) جاز إبقاءُ الترجِّي على حقيقته مصروفاً إلى
المخاطبين، أي: راجين التقوى، والمرادُ بها حينئذٍ منتهى درجاتِ السالكين، وهو
طرحُ الهوى ونبذُ السِّوى والفوزُ بالمحبوب الأعلى، وفي ذلك غايةٌ المبتغى،
والعروجُ فوق سدرة المنتهى. وقد شاع ذلك عند الأقصى والأدنى، وبذلك يصح
الترغيب، ويندفع ما قيل: إن اللائق بالبلاغة القرآنية أن يعتبر من أول الأمر غاية
عبادتهم وما هو لذةٌ لهم، أعني الثواب، لا ما يشقُّ عليهم وهو التقوى، وإن كان
مفضياً إليه، ووجهُ الدفع ظاهر.
وما قاله المولى التفتازاني من أنَّ تقييد العبادة بترجّي التقوی لیس له کثیرُ
معنى، إنما المناسبُ تقييدُها بالتقوى، أو اقترانُها برجاء ثوابها= يدفعه أنَّ في
الترجّي تنبيهاً على أنَّ العابد ينبغي أن لا يفتر في عبادته، ويكونَ ذا خوف ورجاء،
نعم قالوا: الحالُ قيدٌ لعاملها، وهو هنا الأمر، فإن قلنا: إنه أعمُّ من الوجوب، فلا
إشكال، وإن قلنا: إنه حقيقة في الوجوب، اقتضى وجوبَ الرجاءِ المقيَّدِ به العبادةُ
المأمورُ بها، ولعله ليس بواجب، والقولُ بأنه يقتضي وجوبَ المقيّد دون القيد (٢)،
فيه كلامٌ في الأصول لا يخفى على ذويه.
وما أُورد من أنه يلزم على هذا الوجه التوسُّط بين العصا ولحائها، فإنَّ ((الذي
(١) هو ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٥/١، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٢/٢-١٣.
(٢) في الأصل: القيد دون المقيد، والمثبت من (م)، وهو الصواب.

الآية : ٢١
١٧
سُورَةُ الْجَنَة
جعل لكم الأرض)) موصولٌ بـ ((ربكم)) صفةٌ له، يجاب عنه بأنَّ القطع يهوِّن الفصل،
وإن كان هناك اتصال معنوي، وإن جُعلَ ((الذي جَعَل)) مبتدأً خبره ((لا تجعلوا)) كاد
يزول الإشكال ويرتفع المقال، ومع هذا لاشك في مرجوحية هذا الوجه، وإن أشعر
كلام مولانا البيضاوي بأرجحيته(١).
ثم لا يبعد أن يقال: إنَّ المعنى في الآية على التعليل؛ إما لأنَّ ((لعل)) تجيء
بمعنى ((كي)) كما ذهب إليه ابن الأنباريِّ وغيرُه، واستشهدوا بقوله:
فقلتم لنا كفُّوا الحروبّ لعلنا نَكُفُّ ووثَّقْتُم لنا كلَّ مَوْثِقٍ (٢)
أو لأنها تجيء للإطماع، فيُكْنَى به بقرينةِ المقام عن تحقَّقِ ما بعدها على عادة
الكُبرَاء، ثم يتجوَّز به عن كلِّ متحقِّقٍ كتحقّق العلة، سواء كان معه إطماع أم لا ،
على ما قيل.
ولا يَرِدُ أنَّ تعليل الخلق وهو فعلهُ تعالى مما لم يجوِّزه أكثر الأشاعرة، حيث
منعوا تعليل أفعاله سبحانه بالأغراض لئلا يلزم استكماله عز شأنه بالغير وهو محال.
لأنَّا نقول: الحقُّ الذي لا محيص عنه أنَّ أفعاله تعالى معلَّلة بمصالح العباد،
مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح، ومَن أنكر تعليل بعض الأفعال - لاسيما
الأحكام الشرعية كالحدود - فقد كاد أن ينكر النبوة، كما قاله مولانا صدر
الشريعة(٣)، والوقوف على ذلك في كلِّ محلٌّ مما لا يلزم، على أنَّ بعضهم يجعل
الخلاف في المسألة لفظيًّا؛ لأنَّ العلة إن فُسِّرت بما يتوقّف عليه ويستكمل به
الفاعل امتنع ذلك في حقِّه سبحانه، وإن فُسِّرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهراً مع
الغنى الذاتي، فلا شبهةَ في وقوعها، ولا ينكِرُ ذلك إلا جهولٌ أو معاند. وإنما لم
يقل سبحانه في النظم: تعبدون لأجل ((اعبدوا))، أو: اتقوا لأجل ((تتقون))،
ليتجاوب طرفاه، مع اشتماله على صنعة بديعة من ردِّ العجز على الصدر = لأنَّ
(١) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢/ ١١ .
(٢) تفسير الطبري ٣٨٧/١، والحماسة البصرية ٢٥/١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٧٧، وتفسير
القرطبي ٣٤٢/١، وحاشية الشهاب ١٥/٢. قال الشهاب: قوله: وثقتم ... إلخ، يقتضي
عدم التردُّد في الوقوع كما في الترجّي، وبهذا يتعين أنها بمعنى كي.
(٣) عبيد الله بن مسعود، فقيه حنفي، توفي سنة (٧٤٧). الفوائد البهية ص١٠٩ - ١١٠.

سُورَةُ الْبَقَة
١٨
الآية : ٢٢
التقوى قُصارى أمر العابد، فيكون الكلام أبعثَ على العبادة وأشدَّ إلزاماً. كذا
قيل، وفي القلب منه شيء.
وسبب حذف مفعول ((تتقون)) مما لا يخفى، وابن عباس ظُه يقدِّره: الشرك،
والضحاك: النار، وأظنك لا تقدِّر شيئاً.
ولما أمر سبحانه المكلَّفين بعبادة الربِّ الواجد لهم، ووَصَفَه بما وصفه،
ومعلومٌ أنَّ الصفة آلٌّ لتمييز الموصوف عما عداه، وأنَّ تعليق الحكم بالوصف مشعرٌ
بالعِلِّيَّة، أشعرت الآية أنَّ طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه العبادة
النظرُ في صُنْعِه، ولما كان التربية والخلْقُ اللذان نِيط بهما العبادة سابقين على
طلبها، فُهم أنَّ العبد لا يستحقُّ ثواباً حيث أُنعم عليه قبلَ العبادة بما لا يحصى مما
لا تفي الطاقة البشرية بشكره، ولا تقاومُ عبادتُهَ عُشْرَ عُشْرِهِ.
واستدلَّ بالآية مَن زعم أنَّ التكليف بالمحال واقع، حيث أمر سبحانه بعبادته
مَن آمن (١) ومَن كفر، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم
لا یرجعون، وقد تقدم الكلام في ذلك فارجع إلیه.
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشَا وَالسَّمَاءَ بِنَآءُ﴾ الموصول إما منصوبٌ على أنه
نعتُ ((ربكم) أو بدلُ منه، أو مقطوعٌ بتقدير: أَخصُّ، أو أَمْدَحُ، وكونُه مفعولَ
(تتقون)) - كما قاله أبو البقاء(٢) - إعرابٌ غتٌّ ينزَّه القرآن عنه، وكونُه نعتَ الأول
يَرِدُ عليه أنَّ النعت لا يُنعت عند الجمهور إلا في مثل: يا أيها الفارس ذو الجمة،
وفيه أيضاً غيرُ مجمَعٍ عليه. وإما مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ
خبرُه جملةُ ((فلا تجعلوا)) والفاء قد تدخل في خبر الموصول بالماضي، كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ﴾ [البروج: ١٠]
والاسم الظاهر يقوم مقام الرابط عند الأخفش، والإنشاءُ يقع خبراً بالتأويل
المشهور، ومع هذا كلِّه الأَولى تركُ ما أوجبه. وأَبردُ من يَخ(٣) قولُ مَن زعم أنه
مبتدأ خبره ((رزقاً لكم))، بتقدير: يرزق.
(١) في (م): من آمن به.
(٢) في الإملاء ١/ ٧٦.
(٣) كلمة فارسية معناها: ثلج أو جليد. المعجم الذهبي ص ٦١٨.

الآية : ٢٢
١٩
سُورَةُ الْبَقَة
و ((جعَل) بمعنی صیَّر، والمنصوبان بعده مفعولاه، وقيل: بمعنى أَوْجَدَ، وانتصابُ
الثاني على الحالية، أي أَوْجدَ الأرض حالةً كونها مفتَرشةً لكم، فلا تحتاجون للسعي
في جَعْلها كذلك، ومعنى تصييرها فراشاً - أي: كالفِراش في صحة القعود والنوم عليها
- أنه سبحانه جعل بعضها بارزاً عن الماء، مع أنَّ مقتضى طَبْعِها أن يكون الماء محيطاً
بأعلاها لثقلها، وجعلها متوسطةً بين الصلابة واللِّين ليتيسَّر التمكُّن عليها بلا مزيدٍ
كلفةٍ، فالتصيير باعتبار أنه لما كانت قابلةً لما عدا ذلك فكأنه نُقلت منه.
وإن صحَّ ما نقل عن ابن عباس ظًّا: أنَّ الأرض خُلقتْ قبل خَلْقِ السماء غيرَ
مَدْخُوَّةٍ، فدُحيثْ بعد خَلْقِها ومُدَّتْ. فَأَمْرُ التصيير حينئذٍ ظاهر، إلا أنَّ كلَّ الناس
غيرُ عالمين به، والصفة يجب أن تكون معلومةً للمخاطَب. والذهابُ إلى الطوفان،
واعتبارُ التصيير بالقياس إليه، من اضطراب أمواج الجهل. ولا ينافي كرويَّتَها كونُها
فراشاً؛ لأنَّ الكرة إذا عَظُمْت كان كلُّ قطعةٍ منها كالسطح في افتراشه كما لا يخفى.
وعبَّر سبحانه هنا بـ (جَعَل)) وفيما تقدَّم بـ ((خلق))؛ لاختلاف المقام، أو تفتُّناً في
التعبير، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّوَّرِّ﴾
[الأنعام: ١] وتقديمُ المفعولِ الغيرِ الصريح لتعجيل المسرَّة ببيان كونٍ ما يعقبه من
منافع المخاطبين، أو للتشويق إلى ما يأتي بعده لاسيما بعد الإشعار بمنفعته،
فيتمكَّن عند وروده فضلَ تمكُّن، أو لما في المؤشّرِ وما عُطف عليه من نوع طولٍ
فلو قُدِّم لفات تجاوُبُ الأطراف.
واختار سبحانه لفظ ((السماء)) على السماوات موافقةً للفظ الأرض، ولَيس في
التصريح بتعدُّدها هنا كثيرُ نفعٍ، ومع هذا يحتمل أن يراد بها مجموعُ السماوات،
وكلُّ طبقةٍ وجهةٌ منها.
والبناء في الأصل مصدرٌ أُطلق على المبنيِّ، بيتاً كان أو قبَّة أو خباءً أو
طِرافاً (١)، ومنه: بنَى بأهله، أو على أهله، خلافاً للحريريّ(٢)؛ لأنهم كانوا إذا
(١) الطّراف ككتاب: بيت من أَدَم. القاموس (طرف).
(٢) يعني في تخطئته التعدية بالباء، حيث قال في درة الغوَّاص ص٢٢٩: يقولون للمعرِّس:
قد بنى بأهله، ووجه الكلام: بنى على أهله. اهـ. قال الشهاب في الحاشية ١٨/٢: الصحيح
جوازه سماعاً وقياساً. وينظر تفسير القرطبي ٣٤٥/١.

سُوَّةُ الْبَحَة
٢٠
الآية : ٢٢
تزوَّجوا ضربوا خباءً جديداً ليدخلوا على العروس فيه. والمراد بكون السماء بناءً
أنها كالقبة المضروبة، أو أنها كالسقف للأرض، ويقال لسقف البيت بناء، وروي
هذا عن ابن عباس
وقدَّم سبحانه حالَ الأرض لمَا أنَّ احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثرُ وأظهر،
أو لأنه تعالى لمَّا ذکر خَلْقَهم ناسب أن يُعْقبه بذکر أول ما يحتاجونه بعده وهو
المستقَرُّ، أو ليحصل العروجُ من الأدنى إلى الأعلى، أو لأنَّ خَلْقَ الأرض متقدِّمٌ
على خلق السماء، كما يدلُّ عليه ظواهرُ كثيرٍ من الآيات، أو لأنَّ الأرض لكونها
مسكنَ النبيين ومنها خُلقوا أفضلَ من السماء، وفي ذلك خلافٌ مشهور.
وقرأ يزيد الشامي: ((بساطاً)). وطلحة: ((مهاداً))(١). وهي نظائر، وأدغم
أبو عمرو لامَ ((جَعَلَ)) في لام ((لكم))(٢).
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ عطفٌ على ((جَعَل))،
و(مِن)) الأولى للابتداء متعلقةٌ بـ (أنزل))، أو بمحذوف وقع حالاً من المفعول، وقُدِّم
عليه للتشويق على الأول(٣)، مع ما فيه من مزيد الانتظام مع ما بعدُ، أو لأنَّ
السماء أصلُه ومبدؤه، ولتتأتَّى الحالية على الثاني إذ لو قُدِّم المفعول - وهو صار
نكرة - صار الظرف صفةً، وذكر في ((البحر)) أنَّ ((من)) على هذا للتبعيض، أي: من
مياه السماء(٤)، وهو كما ترى.
والمراد من السماء جهةُ العلوِّ أو السحاب، وإرادةُ الفَلَكِ المخصوص بناءً على
الظواهر غيرُ بعيدة، نظراً إلى قدرة الملك القادر جلَّ جلاله، وسَمَتْ عن مدارك
العقل أفعالهُ، إلا أنَّ الشائع أنَّ الشمس إذا سامتَتْ بعضَ البحار والبراري، أثارت
من البحار بخاراً رطباً، ومن البراري يابساً، فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة
تكاثف، فإن لم يكن البرد قوياً اجتمع وتقاطر لثقله بالتكاثف، فالمجتمعُ سحاب
والمتقاطِرُ مطر، وإن كان قوياً كان ثلجاً وبَرَداً، وقد لا ينعقد ويسمَّى ضباباً.
(١) القراءتان في الكشاف ٢٣٤/١.
(٢) التيسير ص ٢٠.
(٣) أي: قدم قوله: ((من السماء)) على (ماء)) على الوجه الأول - وهو تعلَّقه بـ ((أنزل)) - للتشويق.
(٤) البحر ٩٨/١.