النص المفهرس

صفحات 421-440

الآية : ٢٥
٤٢١
سُؤَدَّةُ الَصلِّ
أي: أَلَا یا قوم اسجدوا، كما في قوله :
ألا يا اسلمي ذاتَ الدمالج والعِقْدِ (١)
ونظائرِه الكثيرة. وسقطت ألفُ ((يا)) وألفُ الوصل في ((اسجدوا)) وكتبت الياء
متصلةً بالسين على خلاف القياس، ووقف الكسائيُّ في هذه القراءة على ((يا)) وابتدأ
بـ ((اسجدوا))(٢)، وهو وقفُ اختيارٍ .
وفي ((البحر))(٣): الذي أذهبُ إليه أنَّ مثل هذا التركيب الواردِ عن العرب ليست
(ا)) فيه للنداء والمنادى محذوف؛ لأنَّ المنادى عندي لا يجوزُ حذفُه؛ لأنه قد
حُذِفَ الفعلُ العامل في النداء وانحذف فاعلُه لحذفه، فلو حذفنا المنادى لكان في
ذلك حذْفُ جملة النداء وحَذْفُ متعلّقِه وهو المنادَى، وإذا لم نحذفه كان دليلاً على
العامل فيه وهو جملةُ النداء، وليس حرفُ النداء حرفَ جوابٍ كـ : نَعَم وبلى
ولا وأَجَلْ، فيجوز حذف الجملة بعده كما يجوز حذفها بعدهنَّ لدلالة ما سبق من
السؤال على الجملة المحذوفة، فـ (يا)) عندي في تلك التراكيب حرفُ تنبيهٍ أكّد به
((ألا)) التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين، ولقصد المبالغة في التوكيد. وإذا
كان قد وُجِدَ التأكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظِ العامليْنِ في قوله:
فأصبحن لا يسألنني عن بما به(٤)
(١) وعجزه: وذاتَ الثنايا الغُرِّ والفاحِم الجَعْدِ، والبيت لأبي الأخيل العجلي كما في منتهى
الطلب ١٧٦/٨، ونُسب للعُدَيْل بن الفرخ العجلي كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي
٧٢٩/٢، وللتبريزي ١٢٦/٢، وقال أبو رياش كما نقل عنه التبريزي: ليست هذه الأبيات
للعُديل، وهي قصيدة طويلة لأبي الأخيل العجلي قالها في آخر أيام بني أمية، وجاء في
المصادر: الدماليج، بدل: الدمالج، قال المرزوقي: الدماليج: جمع الدملوج: وهي
المِعْضَد.
(٢) التيسير ص ١٦٧- ١٦٨، والنشر ٣٣٧/٢، والكلام من البحر ٦٩/٧.
(٣) ٧ /٦٩.
(٤) وعجزه: أَصَعَّد في عُلْوِ الهوى أم تَصَوَّبا، والبيت للأسود بن يعفر كما في المقاصد النحوية
للعيني بهامش الخزانة ١٠٣/٤ (طبعة دار صادر)، وهو دون نسبة في معاني القرآن للفراء
٢٢١/٣، وسر صناعة الإعراب ١٣٦/١، والضرائر ص ٧٠ و٣٠٣، والخزانة ٥٢٧/٩.
وجاء في بعض المصادر: يسألنه.

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٢٢
الآية : ٢٥
والمتَّفِقَي اللفظِ العاملين أيضاً في قوله:
فلا واللهِ لا يُلْفَى لما بي ولا لِلِمَا بهم أبداً دواءُ(١)
وجاز ذلك وإن عَدُّوْه ضرورةً أو قليلاً، فاجتماعُ غير العاملين وهما مختلفا
اللفظ يكون جائزاً. وليس ((يا)) في قوله:
يا لعنةُ الله والأقوام كلِّهم (٢)
حرفَ نداءٍ عندي، بل حرفَ تنبيهٍ جاء بعده المبتدأ وليس مما حذف فيه
المنادى لما ذكرناه. انتهى، وللبحث فيه مجال.
وعلى هذه القراءةِ يحتملُ أن يكون الكلام استئنافاً من كلام الهدهد إما خطاباً
لقوم سليمان عليه السلام للحثُّ على عبادة الله تعالى، أو لقوم بلقيس لتنزيلهم منزلةً
المخاطبين، ويحتمل أن يكون استئنافاً من جهة الله عزَّ وجلَّ، أو من سليمان عليه
السلام كما قيل، وهو حينئذٍ بتقدير القول.
ولعل الأظهرَ احتمالُ كونه استنئافاً من جهته عزَّ وجلَّ خاطب سبحانه به هذه
الأمة، والجملةُ معترضةٌ.
ويوقف على هذه القراءة على ((يهتدون)) استحساناً، ويوجبُ ذلك زيادةَ عدَّةٍ
آيات هذه السورة على ما قالوه فيها عند بعض، وقيل: لا يوجبها، فإنَّ الآيات
توقيفيةٌ ليس مدارُها على الوقف وعدمِه، فتأمل.
والفرق بين القراءتين معنًى: أنَّ في الآية على الأولى ذمًّا على ترك السجود،
وفيها على الثانية أمراً بالسجود. وأيًّا ما كان فالسجودُ واجب عند قراءة الآية،
(١) معاني القرآن للفراء ٦٨/١، والخصائص ٢٨٢/٢، وشرح المفصل لابن يعيش ٧/ ١٧
و٤٣/٨، والخزانة ٣٠٨/٢. قال البغدادي: وهذا البيت من قصيدة لمسلم بن معبد الوالبي
شاعر إسلامي في الدولة الأموية.
(٢) وعجزه: والصالحين على سمعان من جار، وهو في الكتاب ٢١٩/٢، والإنصاف ١١٨/١،
ومغني اللبيب ص٤٨٨، وشرح المفصل ٢٤/٢، وفيه: ويروى: والصالحون والصالحين
مرفوعاً ومخفوضاً.

الآية : ٢٥
٤٢٣
سُورَةُ النَّصْلِ
وزعم الزجَّاج وجوبه على القراءة الثانية (١)، وهو مخالفٌ لِمَا صرَّح به الفقهاء،
ولذا قال الزمخشريُّ: إنه غيرُ مرجوعٍ إليه(٢).
وقرأ الأعمش: ((هلَّا يسجدون))(٣) على التحضيض وإسنادِ الفعل إلى ضمير
الغائبين. وفي قراءة أبيٍّ: (ألا تسجدون)) على العَرْض وإسنادِ الفعل إلى ضمير
المخاطبين. وفي حرف عبد الله: ((ألا هل تسجدون)) بـ ((ألا)) الاستفتاحية و((هل))
الاستفهامية، وإسنادِ الفعل إلى ضمير المخاطبين، قاله ابن عطية (٤). وفي
((الكشاف)) ما فيه مخالفةٌ ما له(٥)، والعالم بحقيقة الحال هو الله عز وجل.
﴿الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْبَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يُظْهِرُ الشيءَ المخبوءَ فيهما كائناً
ما كان، فالخبُ مصدرٌ أريدَ به اسمُ المفعول. وفسره بعضهم هنا بالمطر والنبات،
ورُوي ذلك عن ابن زید.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب أنه فسَّره بالماء(٦).
والأَوْلَی التعمیم کما رَوَی ذلك جماعةٌ عن ابن عباس.
و ((في السماوات)) متعلِّقٌ بـ ((الخبء)). وعن الفرَّاء أنَّ ((في)) بمعنى ((مِن))(٧)،
فالجارُّ والمجرورُ على هذا متعلّقٌ بـ ((يُخرج))، والظاهرُ ما تقدم.
واختيارُ هذا الوصف لِمَا أنه أوفقُ بالقصة، حيث تضمَّنَتْ ما هو أشبهُ شيءٍ
بإخراج الخَبْءِ وهو إظهارُ أمرٍ بلقيس وما يتعلَّق به. وعلى هذا القياس اختيارُ
ما ذکر بعدُ من صفاته عزَّ وجل.
(١) معاني القرآن للزجاج ١١٥/٤، وفيه: ومن قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدة من القرآن، ومن
قرأ بالتشديد فليس بموضع سجدة.
(٢) الكشاف ١٤٥/٣، والكلام من حاشية الشهاب ٤٣/٧.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٧/٤، وذكرها السمين في الدر المصون ٦٠٤/٨ دون نسبة.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٧/٤، والبحر ٦٨/٧، وقراءة أبيّ ذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن
٢٩٠/٢، والزمخشري في الكشاف ١٤٥/٣ .
(٥) الكشاف ١٤٥/٣، وقد ورد فيه اختلافٌ في ألفاظ هذه القراءات ونسبتها.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ٢٨٦٨/٩.
(٧) معاني القرآن للفراء ٢٩١/٢.

سُورَةُ النَِّ
٤٢٤
الآية : ٢٥
وقيل: إنَّ تخصيص هذا الوصف بالذكر لِمَا أنَّ الهدهد أرسخُ في معرفته
والإحاطةِ بأحكامه بمشاهدة آثاره التي من جملتها ما أودعه الله تعالى في نفسه من
القدرة على معرفة الماء تحت الأرض. وأنت تعلم أنَّ كون الهدهد أُوْدِعَ فيه القدرةُ
على ما ذُكر مما لم يجئ فيه خبرٌ يعوَّلُ عليه.
وأيضاً التعليلُ المذكورُ لا يتسنَّى على قراءة ابن عباس والستةِ الذين معه:
((ألا يسجدوا)) بالتخفيف، إذا جُعِلَ الكلام استئنافاً من جهته عزَّ وجلَّ، أو من جهة
سليمان عليه السلام.
وقرأ أبيٍّ وعيسى: ((الخبَ)) بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة(١).
وحكى ذلك سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد (٢).
وقرأ عكرمة بألفٍ بدل الهمزة، فلزم فتحُ ما قبلها، وهي قراءة عبد الله
ومالك بن دينار(٣)، وخرِّجَتْ على لغةٍ مَن يقول في الوقف: هذا الخبو، ومررت
بالخبي، ورأيتُ الخبا، وأجري الوصل مجرى الوقف.
وأجاز الكوفيون أن يقال في المرأة والكمأَة: المراة والكماة، بإبدال الهمزة
ألفاً وفتح ما قبلها، وذُكر أنَّ هذا الإبدالَ لغةٌ، وجوِّز أن يكون (الخبء)»(٤) من
ذلك، ومنعه الزمخشريُّ مدَّعياً أنَّ ذلك لغةٌ ضعيفةٌ مسترذلةٌ(٥). وعلِّل بأنَّ الهمزة إذا
سكن ما قبلها فطريقُ تخفيفها الحذفُ لا القلبُ، كما يقال في الكمْءٍ(٦): كمه.
وتعقّبه في ((الكشف» فقال: تخريجه على الوقف فيه ضَعْفان؛ لأنَّ الوقف على
ذلك الوجه ليس من لغة الفصحاء، وإجراءُ الوصل مجرى الوقف فيما لا يكثر
استعماله كذلك، وأما تلك اللغة فعن الكوفيين أنها قياس. انتهى.
(١) القراءات الشاذة ص١٠٩، والمحرر الوجيز ٢٥٧/٤، والبحر ٧ /٦٩.
(٢) الكتاب ٥٤٥/٣ و١٧٧/٤، والكلام من البحر ٦٩/٧.
(٣) القراءات الشاذة ص١٠٩، والمحرر الوجيز ٢٥٧/٤، والكشاف ١٤٥/٣، والبحر ٧ /٦٩،
والكلام منه .
(٤) في الأصل: الخبا.
(٥) الكشاف ١٤٥/٣ .
(٦) في الأصل: الكماء.

الآية : ٢٦
٤٢٥
سُورَةُ النَّصْلِ
وزعم أبو حاتم أنَّ (الخبا)) بالألف لا يجوز أصلاً، وهو من قُصور العلم؛ قال
المبرِّد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو، ولم يلحق بهم، إلا أنه إذا خرج من
بلدتهم لم يلْقَ أعلم منه(١).
وأشير بعطف قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٥) على ((يُخْرِجُ)) إلى
أنه تعالى يُخْرِجُ ما في العالَم الإنسانيّ من الخفايا كما يُخْرِجُ ما في العالم الكبير
من الخبايا؛ لما أنَّ المراد: يُظهر ما تُخفونه من الأحوال فيجازيكم بها، وذكر
((ما تعلنون)) لتوسيع دائرة العلم، أو للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى العلم الإلهي،
کذا قيل.
ويُشْعِرُ كلام بعضهم بأنه أشير بما تقدَّم إلى كمال قدرته تعالى، وبهذا إلى كمال
علمه عزَّ وجلَّ، وأنه استوى فيه الباطن والظاهر، وقدّم ((ما تُخْفون)) لذلك، مع
مناسبته لِمَا قبله من («الخبء)»، وقدّم وصفه تعالى بإخراج الخبء من السماوات
لأنه أشدُّ ملاءمةً للمقام.
والخطاب على ما قيل: إما للناس، أو لقوم سليمان، أو لقوم بلقيس. وفي
الكلام التفاتٌ.
وقرأ الحِرْميَّان والجمهور: ((ما يخفون وما يعلنون)) بياء الغيبة(٢).
وفي ((الكشاف)) عن أبيٍّ أنه قرأ: ((ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من
السماء والأرض ويعلم سركم وما تعلنون))(٣).
﴾ في معنى التعليل لوَصْفِه عزَّ وجلَّ
٣٦
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
بكمال القدرة وكمال العلم. و((العظيم)) بالجرِّ صفةُ العرش، وهو نهايةُ الأجرام
فلا جرمَ فوقه، وفي الآثار مِن وَصْفِ عظمه ما يبهرُ العقول، ويكفي في ذلك أنَّ
(١) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٢٠٧/٣ عن علي بن سليمان عن محمد بن يزيد المبرد،
ونقله المصنف من البحر ٧ / ٦٩ .
(٢) التيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٧/٢، وقرأ بالخطاب حفص والكسائي.
(٣) الكشاف ١٤٥/٣ .

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٢٦
الآية : ٢٧
الكرسيَّ الذي نطق الكتابُ العزيز بأنه وَسِعَ السماواتِ والأرضَ بالنسبة إليه كحلقة
في فلاة(١) .
وهو عند الفلاسفة محدَّدُ الجهات، وذهبوا إلى أنه جسمٌ كريٌّ خالٍ عن
الكواكب، محيطٌ بسائر الأفلاك، محرٌِّ لها قسراً من المشرق إلى المغرب،
ولا يَكاد يعلم مقدارَ ثخنه إلا الله تعالى. وفي الأخبار الصحيحة ما يأبى بظاهره
بعضَ ذلك(٢). وأيًّا ما كان فبين عِظَمِه وعِظَمِ عَرْشٍ بلقيس بونٌ عظيم.
وقرأ ابن محيصن وجماعة: ((العظيمُ)) بالرفع(٣)، فاحتمل أن يكون صفةً للعرش
مقطوعةً بتقديرِ هو، فتستوي القراءتان معنًى، واحتمل أن يكون صفةً للرَّب.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فماذا فعل سليمان عليه السلام عند قوله
ذلك؟ فقيل: قال: ﴿سَنَظُرُ﴾ أي: فيما ذكرتَه، من النظر بمعنى التأمُّل والتفُّر،
والسينُ للتأكيد، أي: سنتعرَّفُ بالتجربة البتة ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ
جملةٌ معلَّقُ عنها الفعلُ للاستفهام.
وكان مقتضَى الظاهر: أم كذبتَ، وإيثارُ ما عليه النظم الكريم للإيذان بأنَّ كذبه
في هذه المادة يستلزمُ انتظامَه في سلك الموسومين بالكذب الراسخين فيه، فإنَّ
مساق هذه الأقاويل الملفَّقة مع ترتيبٍ أنيقٍ يستميل قلوب السامعين نحو قبولها من
غير أن يكون لها مصداقٌ أصلاً، لا سيما بين يدي نبيٍّ عظيم تُخشى سطوتُه،
لا يكاد يَصْدُر إلَّا عمن رسختْ قدمُه في الكذب والإفك، وصار سجيةً له حتى
لا يملك نفسه عنه في أيِّ موطنٍ كان. وزَعَم بعضُهم أنَّ ذاك لمراعاة الفاصلة،
وليس بشيءٍ أصلاً.
(١) أخرجه الطبري ٥٣٩/٤، وأبو الشيخ في العظمة (٢٢٤) من طريق زيد بن أسلم عن
أبي ذرِّ به مرفوعاً، وإسناده منقطع، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٥٠) عن مجاهد
قوله.
(٢) منها ما أخرجه أحمد (٨٤١٩) من حديث أبي هريرة له، وفيه: فإذا سألتم الله فسلوه
٠٠
الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ... ، وعن عبادة بن
الصامت عند أحمد أيضاً (٢٢٦٩٥) نحوه.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٩، والبحر ٧/ ٧٠.

الآية : ٢٨
٤٢٧
سُؤَدَّةُ النَِّّ
وفي الآية على ما في ((الإكليل)) قبولُ الوالي عذرَ رعيته، ودرءُ العقوبة عنهم،
وامتحانُ صدقهم فيما اعتذروا به(١).
وقوله تعالى: ﴿أَذْهَب ◌ِّكِتَبِى هَذَا فَأَلْقِّهِ إِلَيْهِمْ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لكيفية النظر الذي
وَعَده عليه السلام بعدما كتب كتابه في ذلك المجلس أو بعده، فـ ((هذا)) إشارةٌ إلى
الحاضر. وتخصيصُه عليه السلام إياه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء
الجنِّ الأقوياء على التصرُّف والتعرُّف؛ لِمَا عاين فيه من مخايل العلم والحكمة،
ولئلا يبقى له عذرٌ أصلاً.
وفي الآية دليلٌ على جواز إرسال الكتب إلى المشركين من الإمام لإبلاغ
الدعوة والدعاء إلى الإسلام. وقد كتب رسول الله وَّةٍ إلى كسرى وقيصر
وغيرِهما من ملوك العرب.
وقرئ في السبعة: ((فألقه)) بكسر الهاء وياءٍ بعدها، وباختلاس الكسرة،
وبسكون الهاء(٢). وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء وواو بعدها(٣).
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تَنتَّ، وحُمِلَ على ذلك لأنَّ التولِّيَ بالكلِّية ينافي قوله:
﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾﴾ إلَّا أنْ يُحمل على القَلْبِ كما زعم ابن زيد وأبو عليّ(٤)،
وهو غيرُ مناسبٍ.
وأَمْرُه عليه السلام إياه بالتنِّي من باب تعليم الأدب مع الملوك كما روي عن
وهب.
والنظر بمعنى التأمُّل والتفكّر، و((ماذا)) إمَّا كلمةُ استفهام في موضع المفعول
(١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٢٠١.
(٢) قرأ بسكون الهاء أبو عمرو وعاصم وحمزة وأبو جعفر، وباختلاس الكسرة قالون
ويعقوب وهشام بخلف عنه، وبكسر الهاء وبالياء الباقون، وهو الوجه الثاني لهشام.
النشر ٣٠٥/١-٣٠٦.
(٣) البحر ٧/ ٧٠.
(٤) البحر ٧/ ٧٠، وفيه: قال ابن زيد: أمره بالتولِّ بمعنى الرجوع إليه، أي: ألقه وارجع،
قال: وقوله: ((فانظر ماذا يرجعون)) في معنى التقديم مع قوله: ((ثم تولَّ عنهم)). وقاله
أبو علي، ولا ضرورة تدعو إلى التقديم والتأخير. اهـ.

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٢٨
الآية : ٢٩
لـ ((يرجعون))، ورجع تكون متعدِّيةً كما تكون لازمةً، أو مبتدأ وجملة ((يرجعون))
خبره. وإمّا أن تكون ((ما)) استفهاميةً مبتدأ، و((ذا)) اسم موصول بمعنى ((الذي))
خبره، وجملة ((يرجعون)) صلة الموصول والعائد محذوفٌ. وأيًّا ما كان فالجملةُ
معلَّقٌ عنها فعلُ القلب فمحلُّها النصبُ على إسقاط الخافض.
وقيل: النظر بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْظُرُونَا نَقَْيِسْ مِن نُِّكُمْ﴾
[الحديد: ١٣] فلا تعليق، بل كلمة ((ماذا)) موصولٌ في موضع المفعول، كذا قيل،
والظاهر أنه بمعنى التأمُّل، وأنَّ المراد: فتأمَّل وتعرَّف ماذا يردُّ بعضُهم على بعض
من القول. وهذا ظاهرٌ في أنَّ الله تعالى أعطى الهدهد قوةً يفهم بها ما يسمعه من
كلامهم. والتعبير بالإلقاء لأنَّ تبليغه لا يمكن بدونه. وجمع الضمير لأنَّ المقصود
تبليغُ ما فيه لجميع القوم، والكشف عن حالهم بعده.
﴿قَالَتْ﴾ أي: بعد ما ذهب الهدهدُ بالكتاب فألقاه إليهم وتنخَّى عنهم حَسْبَما أُمِرَ
به، وإنما طوي ذِكْرُه إيذاناً بكمال مسارعته إلى إقامة ما أُمر به من الخدمة، وإشعاراً
بالاستغناء عن التصريح به لغاية ظهوره.
روي أنه عليه السلام كتب كتابه وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه ودفعه إلى
الهدهد، فذهب به فوجدها راقدةً في قصرها بمَأُرِب، وكانت إذا رقدتْ غلَّقت
الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوَّةٍ وطرح الكتاب على نحرها
وهي مستلقية، وفي رواية: بين ثدييها. وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.
وقيل: أتاها والقادةُ والجنودُ حواليها، فرفرف ساعةً والناسُ ينظرون حتى
رفعت رأسها، فألقى الكتاب في حِجْرها، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت،
فقالت ما قالت.
وقيل: كانت في البيت كوَّةٌ تقع الشمس منها كلَّ يومٍ، فإذا نظرت إليها
سجدت، فجاء الهدهد فسدَّها بجناحيه، فرأت ذلك وقامت إليه فألقى الكتاب
إليها، وكانت قارئةً كاتبةً عربيةً من نسل يعرب بن قحطان، واشتهر أنها من نسل تُبَّع
الحميريِّ، وكان الخظُ العربيُّ في غاية الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة،
وهو المسمَّى بالخط الحميريِّ، وكان بحِمْير كتابةٌ تسمَّى المسند حروفُها مفصّلةٌ،

الآية : ٢٩
٤٢٩
سُؤَدَّةُ النَّْلِ
وكانوا يَمنعون من تعليمها إلا بإذنهم، ومن حمير تعلَّم مضر، وقد تقدَّم بعضُ
الكلام في ذلك(١).
واختار ابن خلدون القول بأنه تعلَّم الكتابة العربية من التبابعة وحمير أهلُ
الحيرة، وتعلَّمها منهم أهلُ الحجاز(٢).
وظاهرُ كونٍ بلقيس من العرب وأنها قرأت الكتاب يقتضي أنَّ الكتاب كان
عربيًّا، ولعل سليمان عليه السلام كان يعرف العربيَّ وإن لم يكن من العرب، ومَن
علِّم منطِقَ الطير لا يَبْعُدُ أن يعلم منطق العرب الذي هو أشرفُ منطق. ويحتمل أن
يكون عنده مَنِ يعَرَفُ ذلك، وكذا مَن يعرف غيره من اللغات، كعادة الملوك يكون
عندهم من يتكلّم بعدَّة لغاتٍ ليترجم لهم ما يحتاجونه.
ويجوزُ أن يكون الكتاب غيرَ عربيٍّ، بل بلغة سليمان عليه السلام وقلمِه، وكان
قلمُه كما نقل عن الإمام أحمد البوني(٣) كاهنيًّا، وكان عند بلقيس من ترجَمَه لها
وأَغْلمها بما فیه، فجمعت أشراف قومها وأخبرتهم بذلك، واستشارتهم کما حَگی
سبحانه عنها بقوله جلَّ وعلا: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِنْ أُلْفِىَ إِلَّ كِنَبٌ كَرِيمُ (®﴾ إلخ.
وأَقْدَمَ سليمانَ عليه السلام على كتابة الكتاب إليها كذلك قولُ الهدهد: ((وأُتِيتْ من
كلِّ شيءٍ))، والمترجِمُ من الأشياء التي يحتاج إليها الملك، وأنَّ اللائق بشأنه
وعظمته أن لا يترك لسانه ويتشبَّ بها في لسانها. ويحتملُ أنها كانت بنفسها تعرفُ
تلك الكتابة فقرأت الكتاب لذلك.
ورجَّح احتمال أن يكون الكتابُ غيرَ عربيٍّ بأنَّ الكتابة لها بالعربية تستدعي
الوقوف على حالها، وهو عليه السلام ما وقف عليه بعد.
وتعقّب بأنه دلَّه على كونها عربيةً قولُ الهدهد: ((جئتك من سبأ بنبأ يقين إنِّي
(١) ص١٨٤ من هذا الجزء.
(٢) مقدمة ابن خلدون ٥٠٣/٢ .
(٣) هو: أحمد بن علي بن يوسف البوني، تقي الدين، أبو العباس القرشي، من مصنفاته:
أسرار الحروف والكلمات، شمس المعارف ولطائف العوارف، ولطائف الإشارات في
أسرار الحروف العلويات، وغيرها، توفي سنة (٦٢٢هـ). هدية العارفين ٩٠/١، وكرامات
الأولياء ٣٠٦/١.

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٣٠
الآية : ٢٩
وجدتُ امرأة تملكُهم)» فإنه عليه السلام ممن لا يخفَى عليه كون سبأ من العرب،
والظاهرُ كونُ ملكتهم منهم.
ووَصَفتِ الكتاب بالكرم لكونه مختوماً، ففي الحديث: ((كرمُ الكتاب
خَتْمُه))(١). وفي ((شرح أدب الكاتب)): يقال: أكرمتُ الكتاب فهو كريمٌ، إذا
ختمته (٢). وقال ابن المقنع(٣): مَن كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخفَّ به.
وقد فسّر ابنُ عباس وقتادةُ وزهير بن محمد ((الكريم)) هنا بالمختوم،
وفيه - كما قيل - استحبابُ ختم الكتب(٤).
أو (٥): لكرم مضمونه وشرفه.
أو: لكرم مُرسِله وعلوِّ منزلته، وعلمتْ ذلك بالسماع، أو بكون كتابه مختوماً
باسمه على عادة الملوك والعظماء، أو بكون رسوله به الطير، أو لبداءته باسم الله
عز وجل، أو لغرابة شأنه ووصوله إليها على منهاجٍ غيرِ معتاد.
وقيل: إنَّ ذلك لظنِّها إياه - بسبب أنَّ الملقيَ له طير - أنه كتاب سماويٌّ. وليس
بشيءٍ.
وبناء ((أُلقي)) للمفعول لعدم الاهتمام بالفاعل. وقيل: لجهلها به أو لكونه
حقيراً. وقال الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه في ((الفصوص)): من حكمة بلقيس كونُها لم
تذكر مَن ألقى إليها الكتاب، وما ذاك إلا لتُعْلِمِ أصحابها أنَّ لها اتِّصالاً إلى أمورٍ
لا يعلمون طريقها، وفي ذلك سياسةٌ منها أَوْرثَتِ الحذر منها في أهل مملكتها
وخواصٌ مدبِّريها، وبهذا استحقَّت التقديم عليهم. انتهى.
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٨٧٢) من حديث ابن عباس ﴿يا بلفظ: ((كرامة
الكتاب ... )). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٩/٨: فيه محمد بن مروان السدي الصغير
وهو متروك.
(٢) الاقتصاب في شرح أدب الكتاب للبطليوسي ١/ ١٨٧ .
(٣) كذا في الأصل و(م)، وفيض القدير ٤/ ٥٥٠، وحاشية الشهاب ٧/ ٤٤، والكلام منه، وفي
الكشاف ١٤٦/٣، وتفسير القرطبي ١٥٢/١٦: المقفع.
(٤) في (م): الكتاب.
(٥) قوله: أو، ساقط من (م).

الآية : ٣٠
٤٣١
سُورَةُ الْنَصِ
وتأكيدُ الجملة للاعتناء بشأن الحكم، وأمَّا التأكيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن
فلذاك أيضاً، أو لوقوعه في جواب سؤالٍ
٢٠
سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدَّرٍ، كأنه قيل: ممَّن هذا الكتاب، وماذا مضمونُه؟ فقيل: إنه من سليمان .. إلخ،
ويَحسُنُ التأكيد بـ ((إنَّ) في جواب السؤال، ولا أرى فرقاً في ذلك بين المحقَّق
والمقدَّر. ويعلم مما ذكر أنَّ ضمير ((إنه)) الأولَ للكتاب، وضميرَ ((إنه)) الثاني
للمضمون وإنْ لم يذكر.
وليس في الآية ما يدلُّ على أنه عليه السلام قدَّم اسمه على اسم الله عز وجل،
وعِلْمُها بأنه من سليمان يجوزُ أن يكون لكتابة اسمه بعدُ، وقد أخرج ابن
أبي حاتم(١) عن يزيد بن رومان أنه قال: كتب سليمانُ: بسم الله الرحمن الرحيم،
من سليمان بن داود إلى بلقيس ابنة ذي شرح وقومِها ((أنْ لا تعلوا)) إلخ.
وجوِّز أن يكون لكتابته في ظاهر الكتاب، وكان باطنُ الكتاب ((بسم الله)) إلخ.
وقيل: ضمير ((إنه)) الأول للعنوان، وإنه عليه السلام عَنْوَنَ الكتاب باسمه مقدِّماً
له، فكتب: من سليمان ((بسم الله)) إلخ، واستظهر هذا أبو حيان ثم قال: وقدَّم عليه
السلامُ اسمه لاحتمال أن يبدر منها ما لا يليق إذ كانت كافرة، فيكون اسمه وقاية
لاسم الله عز وجل(٢). وهو كما ترى.
وكتابة البسملة في أوائل الكتب مما جرت به سنَّة نبيِّنا وله بعد نزول هذه الآية
بلا خلاف، وأما قبله فقد قيل: إنَّ كُتُبَه عليه الصلاة والسلام لم تُفتتح بها، فقد
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وغيرُهما عن الشعبيِّ قال: كان أهل الجاهلية
يكتبون: باسمك اللهم، فكتب النبيُّ ◌َِّ﴿ أولَ ما كتب: باسمكَ اللهم، حتى نزلت:
وَبِسْمِ اللَّهِ بَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَاً﴾ [هود: ٤١] فكتب: بسم الله، ثم نزلت: ﴿اَدْعُواْ اللَّهُ أَوِ
أَدْعُوا الرَّحْمَنّ﴾ [الإسراء: ١١٠] فكتب: بسم الله الرحمن، ثم نزلت آية ((النمل)): ﴿إِنَّهُ,
مِن سُلَيْمَنَ﴾ الآية، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم(٣).
(١) في تفسيره ٩/ ٢٨٧٢-٢٨٧٣.
(٢) البحر ٧٢/٧.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٦/٥.

سُورَةُ الفَضْلِ
٤٣٢
الآية : ٣٠
وأخرج أبو داود في ((مراسيله)) عن أبي مالك قال: كان النبيُّ وَلفيه يكتب:
باسمك اللهم، فلما نزلت: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ) الآية كتب: بسم الله .. إلخ(١).
وروي نحوُ ذلك عن ميمون بن مهران وقتادة. وهذا عندي مما لا يكاد يتسنَّى
مع القول بنزول البسملة قبل نزول هذه الآية، وهذا القول مما لا ينبغي أن يُذْهَبَ
إلى خلافه، فقد قال الجلال السيوطيُّ في ((إتقانه))(٢): اختلف في أول ما نزل من
القرآن على أقوال: أحدها وهو الصحيح: (آقْرَأْ بِأَسْرِ رَيَّكَ) واحتجَّ له بعدَّة أخبارٍ
منها خبرُ الشيخين في بدء الوحي(٣)، وهو مشهور. وثانيها: (يَأََّا الْمُدَِّرُ).
وثالثها: سورة الفاتحة. ورابعها: البسملة. ثم قال: وعندي أنَّ هذا لا يعدُّ قولاً
برأسه، فإنه من ضرورة نزول السورة نزولُ البسملة معها، فهي أول آيةٍ نزلت على
الإطلاق. اهـ.
وهو يقوِّي ما قلناه، فإنَّ البسملة إذا كانت أول آيةٍ نزلت كانت هي المفتتح
لكتاب الله تعالى، وإذا كانت كذلك كان اللائقُ بشأنه وَّ ر أن يفتتح بها كتبه،
كما افتتح الله تعالى بها كتابه وجعلها أول المنزلِ منه.
والقولُ بأنها نزلت قبلُ، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم مشروعيتها في
أوائل الكتب والرسائل حتى نزلت هذه الآيةُ المتضمِّنة لكتابة سليمان عليه السلام
إياها في كتابه إلى أهل سبأ، مما لا يقدِمُ عليه إلا جاهل بقَدْرِه عليه الصلاة
والسلام.
وذَكَرَ بعضُ الأجلَّة أنها إذا كتبت في الكتب والرسائل فالأولى أن تُكتَب سطراً
وحدها .
وفي ((أدب الكتاب)) للصُّولي: أنهم يختارون أن يبدأ الكاتب بالبسملة من حاشية
القرطاس، ثم يكتب الدعاء مساوياً لها، ويستقبحون أن يخرج الكلام عن البسملة
فاضلاً بقليل، ولا يكتبونها وسطاً ويكون الدعاء فاضلاً(٤). اهـ، وما ذَكَر من كتابة
(١) المراسيل (٣٥).
(٢) ٧٦/١ -٨٠.
(٣) صحيح البخاري (٣)، وصحيح مسلم (١٦٠) من حديث عائشة قا.
(٤) أدب الكتاب ص٣٦. والصولي هو أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله البغدادي صاحب

الآية : ٣٠
٤٣٣
سُورَةُ الْفَضْلِ
الدعاء بعدها لم يكن في الصدر الأول، وإنما كان فيه كتابةُ: من فلان إلى فلان.
وتقديم اسم الكاتب على اسم المكتوب له مشروعٌ وإن كان الأول مفضولاً
والثاني فاضلاً، ففي ((البحر)) عن أنس: ما كان أحدٌ أعظمَ حرمةً من رسول الله اِلَّه
وكان أصحابُه إذا كتبوا إليه كتاباً بدؤوا بأنفسهم (١).
وقال أبو الليث في ((البستان)) له: ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز؛ لأنَّ الأمة قد
أجمعت عليه وفعلوه(٢). انتهى.
وظاهر الآية أنَّ البسملة ليست من الخصوصيات، وقال بعضهم: إنَّها منها لكنْ
باللفظ العربيٍّ والترتيب المخصوص، وما في كتاب سليمان عليه السلام لم تكن
باللفظ العربي وتُرجمت لنا به، وليس ذلك بیعید.
وقرأ عبد الله: ((وإنه من سليمان)) بزيادة واو، وخرَّجه أبو حيان على أنها عاطفةٌ
للجملة بعدها على جملةٍ: ((إنِّي ألقي))(٣). وقيل: هي واو الحال، والجملةُ حالية.
وقرأ عكرمة وابنُ أبي عبلة: ((أنه من سليمان وأنه)) بفتح همزة ((أنَّ) في
الموضعين(٤)، وخرّج على الإبدال من ((كتاب))، أي: أُلقيَ إليَّ أنه .. إلخ، أو على
أن يكون التقدير: لأنه .. إلخ، كأنها علَّت كرم الكتاب بكونه من سليمان، وبكونه
مصدّراً باسم الله عز وجل.
وقرأ أبيٍّ: ((أنْ من سليمان وأنْ بسم الله)) بفتح الهمزة وسكون النون، وخرِّج
على أنَّ ((أنْ)) هي المفسِّرة؛ لأنه قد تقدَّمت جملةٌ فيها معنى القول، أو على أنها
المخفَّفة من الثقيلة وحذفت الهاء(٥).
= التصانيف، حدث عن أبي داود السجستاني وثعلب والمبرد وغيرهم، توفي سنة (٣٣٥هـ).
سير أعلام النبلاء ٣٠٢/١٥.
(١) البحر ٧٢/٧، وعزاه العجلوني في كشف الخفاء ١/ ١٠٠ للبيهقي، وأخرجه الطبراني في
1
الکبیر (٦١٠٨) من حديث سلمان
(٢) بستان العارفين ص٦٣، والكلام من البحر ٧/ ٧٢.
(٣) البحر ٧/ ٧٢، وقاله أيضاً الزمخشريُّ في الكشاف ١٤٦/٣.
(٤) القراءات الشاذة ص١٠٩، والبحر ٧/ ٧٢، والكلام منه.
(٥) البحر ٧/ ٧٢، وقراءة أبيٍّ في القراءات الشاذة ص١٠٩.

سُوَّةُ النَّصَلِ
٤٣٤
الآية : ٣١
و ((أنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَّ﴾ يحتمل أن تكون مفسِّرةَ و((لا)) ناهية،
ويحتمل أن تكون مصدريةً ناصبةً للفعل و((لا)) نافية، وقيل: يجوز كونُها ناهيةً
أيضاً(١).
ومحلُّ المصدر الرفعُ على أنه بدلٌ من ((كتاب))، أو خبرٌ لمبتدأ مضمَرٍ يليقُ
بالمقام، أي: مضمونُه أن لا تعلوا عليَّ، أي: أن لا تتكَّروا عليَّ كما يفعل جبابرة
الملوك.
وقرأ ابن عباس ﴿ها في رواية وهب بن منبِّهِ والأشهبُ العقيليُّ: ((أن لا تغلوا))
بالغين المعجمة(٢)، من الغلوِّ وهو (٣) مجاوزةٌ الحدِّ، أي: أنْ لا تتجاوزوا
حدَّكم.
﴿وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ عطف على ما قبله، فإن كانت فيه ((لا)) ناهيةً فعطفُ
الأمر عليه ظاهرٌ، وإن كانت نافيةً و((أن)) مصدرية فعَطْفُه عليه من عَطْفِ الإنشاء على
الإخبار، والكلامُ فيه مشهور، والأكثرون على جوازه في مثل هذا.
والمراد بالإسلام الإيمانُ، أي: وأتوني مؤمنين، وقيل: المراد به الانقياد،
أي: ائتوني منقادين مستسلمين. والدعوةُ على الأول دعوةُ النبوّة، وعلى الثاني
دعوةٌ الملك. واللائقُ بشأنه عليه السلام هو الأول، وفي بعض الآثار - كما ستعلم
إن شاء الله تعالى - ما يؤيّده.
ولا يَرِدُ أنه يلزمُ عليه أن يكون الأمرُ بالإيمان قبل إقامة الحجة على رسالته
فيكون استدعاءً للتقليد؛ لأنَّ الدعوة المذكورة هي الدعوةُ الأولى التي لا تستدعي
إظهار المعجزة وإقامة الحجة، وعادةُ الأنبياء عليهم السلام الدعوةُ إلى الإيمان
أولاً، فإذا عُورضوا أقاموا الدليل وأظهروا المعجزة، وفيما نحن فيه لم يَصْدُرْ
معارضة.
(١) ذكر القولين في ((لا)) السمين في الدر ٦١٠/٨ ثم قال: القول بأنها للنفي لا يظهر؛ إذ يصير
المعنى على الإخبار منه عليه السلام بأنهم لا يعلون عليه، وليس هذا مقصوداً،
وإنما المقصود أن ينهاهم عن ذلك.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٩، والمحتسب ١٣٩/٢، والبحر ٧٢/٧.
(٣) في (م): وهي.

الآية : ٣١
٤٣٥
سُورَةُ النَّصْلِ
وقيل: إنَّ الدعوة ما كانت إلا مقرونةً بإقامة الحجة؛ لأنَّ إلقاء الكتاب إليها
على تلك الحالة التي ذكرت فيما مرَّ أوّلاً معجزةٌ باهرةٌ دالَّةٌ على رسالته عليه السلام
دلالةٌ بَيِّنَةً.
وتعقِّب بأنَّ كون الإلقاء المذكور معجزةً غيرُ واضح، خصوصاً وهي لم تقارن
التحدِّي.
ورجّح الثاني بأنَّ قولها: ((إنَّ الملوك)) إلخ صريحٌ في دعوة الملك والسلطنة.
وأجيب بأنَّ ذاك لعدم تيقُّنها رسالته عليه السلام حينئذٍ، أو هو من باب
الاحتيال لجَلْبٍ القوم إلى الإجابة، بإدخال الرَّوْعِ عليهم من حيثيةٍ كونه عليه السلام
ملكاً، وهذا كما ترى.
والظاهر أنه لم يكن في الكتاب أكثرُ مما قَصَّ الله تعالى، وهو إحدى الروايتين
عن مجاهد. وثانيتهما أنَّ فيه: السلامُ على مَن اتَّبع الهدى، أمَّا بعد فلا تَعْلُوا عليَّ
وأتوني مسلمين.
وفي بعض الآثار أنَّ نسخة الكتاب: من عبد الله سليمانَ بن داود إلى بلقيس
ملكة سبأ، السلامُ على مَن اتَّبع الهدى، إلى آخر ما ذكر (١). ولعلها على ما هو
الظاهرُ عرفتْ أنهم المعنُّون بالخطاب من قرائن الأحوال.
وقد تضمَّن ما قصَّه سبحانه: البسملةَ التي هي هي في الدلالة على صفاته تعالى
صريحاً والتزاماً، والنهيّ عن الترقُّع الذي هو أمُّ الرذائل، والأمرَ بالإسلام الجامعِ
لأمَّهات الفضائل، فيا له كتابٌ في غاية الإيجاز ونهايةِ الإعجاز.
وعن قتادة: كذلك كانت الأنبياء عليهم السلام تكتب جملاً لا يطيلون
ولا يُكثِرون.
هذا ولم أَرَ في الآثار ما يُشْعِرُ بأنه عليه السلامُ كتب ذلك على الكاغَد(٢) أو
الرقُّ أو غيرهما، واشتهر على ألسنة الكتَّاب أنَّ الكتاب كان من الكاغَدِ المعروف،
(١) وهي أيضاً رواية عن مجاهد أخرجها عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ١٠٦/٥ .
(٢) الكاغَد والكاغِد والكاغَذ والكاغِط: القرطاس، فارسي أو صيني معرب، يتخذ من الخرق
والقنَّب ونحو ذلك. معجم متن اللغة (كغد).

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٣٦
الآية : ٣٢ - ٣٣
وأنَّ الهدهد أخذه من طرفه بمنقاره فابتلَّ ذلك الطرفُ بريقه وذهب منه شيءٌ، وكان
ذلك الزاوية اليمنى من جهة أسفل الكتاب. وزعموا أنَّ قَطْعَهم شيئاً من القرطاس
من تلك الزاوية تشبيهاً لِمَا يكتبونه بكتاب سليمان عليه السلام، وهذا مما لا يعوَّل سمـ
عليه، ولسائرِ أربابِ الصنائع والحِرَفِ حكاياتٌ من هذا القبيل، وهي عند العقلاء
أحادیثُ خرافةٍ.
﴿قَالَتْ بَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ أَفْتُونِ فِىَّ أَمْرِى﴾ كرِّرَت حكايةُ قولها للإيذان بغايةِ اعتنائها
بما في حيِّزها. والإفتاءُ على ما قال صاحب ((المطلع)): الإشارة على المستفتي
فيما حدث له من الحادثة بما عند المفتي من الرأي والتدبير، وهو إزالةُ
ما حدث له من الإشكال، كالإشكاء: إزالة الشكوى. وفي ((المُغْرِب)): اشتقاق
الفتوى من الفتى؛ لأنها جوابٌ في حادثةٍ، أو إحداثُ حكم، أو تقويةٌ لبيان
مُشْكلٍ (١).
وأيًّا ما كان فالمعنى: أشيروا عليَّ بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث لي
وذكرْتُ لكم خلاصتَه، وقصدتْ بما ذكرتْ استعطافَهم وتطييبَ نفوسهم ليساعدوها
ويقوموا معها، وأكَّدت ذلك بقولها: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةٌ أَمْ حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ أي:
ما أَقْطَعُ أمراً من الأمور المتعلّقة بالملك إلا بمحضَركم وبموجبٍ آرائكم، والإتيانُ
بـ (كان)) للإيذان بأنها استمرَّت على ذلك، أوْ لم يقع منها غيرَه في الزمن الماضي،
فكذا في هذا، و((حتى تشهدون)) غايةٌ للقطع.
واستُدلَّ بالآية على استحباب المشاورة والاستعانة بالآراء في الأمور المهمَّة.
وفي قراءة عبد الله: ((ما كنتُ قاضيةً أمراً))(٢).
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكاية قولها، كأنه قيل: فماذا قالوا
في جوابها؟ فقيل: قالوا: ﴿نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَقِ﴾ في الأجساد والعدد ﴿وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾
أي: نجدةٍ وشجاعةٍ مُفْرِطةٍ وبلاءٍ في الحرب، قيل: كان أهلُ مشورتها ثلاثَ مئةٍ
واثني عشر رجلاً، كلُّ واحدٍ على عشرة آلاف، وروي ذلك عن قتادة.
(١) المغرب ٢/ ١٢٢.
(٢) الكشاف ١٤٦/٣، والبحر ٧٣/٧.

الآية : ٣٤
٤٣٧
سُؤَدَّةُ الْنَصِ
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف
قيلٍ، تحت يدِ كلِّ قيلٍ مئة ألف (١).
وقيل: كان تحت يدها أربعُ مئةِ مَلِكِ، كلُّ ملكِ علی کورةِ، تحت یدِ كلِّ ملكٍ
أربعُ مئةِ ألفِ مقاتلٍ، ولها ثلاث مئة وزيرٍ يُدبِّرون ملكَها، ولها اثنا عشر ألفَ قائدٍ،
كلَّ قائد تحت يده اثنا عَشَرَ ألف مقاتلٍ .
وهذه الأخبارُ إلى الكذب أقربُ منها إلى الصدق، ولعمري إنَّ أرض اليمن
لتكاد تضيقُ عن العدد الذي تضمَّنه الخبران الأخيران، وليت شعري ما مقدارُ عدد
رعيتها الباقين الذين تحتاج إلى هذا العسكر والقوَّاد والوزراءِ لسياستهم وضبطٍ
أمورهم وتنظيم أحوالهم؟!
﴿وَالْأَثْرُ إِلَّكِ﴾ تسليمٌ للأمر إليها بعد تقديم ما يدلُّ على القوة والشجاعة، حتى
لا يُتوهَّم أنه من العجز. والأمرُ بمعناه المعروفِ، أو المعنى: الشأنُ، وهو مبتدأ
و((إليك)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً له، ويقدَّر مؤخّراً ليفيد الحصر المقصودَ لفَهْمِه
من السياق، أي: والأمرُ إليكِ موكولٌ.
﴿فَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِنَ ﴾﴾ من الصلح والمقاتلة، نُطِعْكِ وشَّعْ رأيَكِ.
وقيل: أرادوا: نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة، وإليك
الرأيُّ والتدبير فانظري ماذا ترين نكنْ في الخدمة.
فلمَّا أحسَّتْ منهم الميل إلى الحرب، والعدولَ عن السَّنَنِ الصَّوابِ، شَرَعَتْ
في تزييف مقالتهم المنبئةِ عن الغفلة عن شأن سليمان عليه السلام حَسْبَما تعتقدُه،
وذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً﴾ من القرى على منهاج
المقاتلةِ والحرب ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بتخريب عماراتها وإتلافٍ ما فيها من الأموال
﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ﴾ بالقتل والأسر والإجلاء وغيرِ ذلك من فنون الإهانة
والإذلال، ولم يقل: وأذلَّوا أعزَّة أهلها، مع أنه أخصر؛ للمبالغة في التصيير
والجعل.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٥، والخبر فيه عن مجاهد، وليس عن ابن عباس كما ذكر
المصنف.

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٣٨
الآية : ٣٥
تصديقٌ لها من جهته عزَّ وجلَّ على ما أخرج ابن
٣٤)
﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
أبي حاتم عن ابن عباس ظه(١)، أو هو من كلامها جاءت به تأكيداً لِمَا وصفت من
حالهم بطريق الاعتراض التذييليّ وتقريراً (٢) له بأنَّ ذلك عادتُهم المستمرَّةُ، فالضمير
للملوك.
وقيل: هو لسليمان ومَن معه، فيكون تأسيساً لا تأكيداً. وتعقِّب بأنَّ التأكيد
لازمٌ على ذلك أيضاً؛ للاندراج تحت الكلِّية. وكأنها أرادت على ما قيل: إنَّ
سليمان ملكٌ والملوكُ هذا شأنُهم، وغَلَبَتُنا عليه غيرُ محقَّقةٍ، ولا اعتمادَ على العدد
والعدَّةِ والشجاعة والنجدة، فربما يغلبنا فيكون ما يكون، فالصُّلْحُ خيرٌ.
وقيل: إنها غَلَبَ على ظنِّها غَلَبتُه، حيث رأت أنه سخّر له الطيرُ فجَعَلَ يرسله
بأمرٍ خاصٍّ إلى شخصٍ خاصٍّ مُغَلَّقٍ عليه الأبوابُ، فأشارت لهم إلى أنه يغلبُ
عليهم إذا قاتلوه، فيُفْسِدُ القرى ويذلُّ الأعزَّةَ.
وأفسدت بذلك رأيهم وما أحسَّته منهم من الميل إلى مقاتلتِه عليه السلام،
وقرّرت رأيها بقولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
٣٥] ﴾ حتى
أعمل بما يقتضيه الحال، وهذا ظاهرٌ في أنها لم تثق بقبوله عليه السلام هديَّتها .
وروي أنها قالت لقومها: إن كان ملكاً دنياويًّا أرضاه المال وعملنا معه بحسب
ذلك، وإن كان نبيًّا لم يُرضِه المال، وينبغي أن تَّبعه على دينه.
والهدية: اسمٌ لِمَا يُهْدَى، كالعطية اسمٌ لِمَا يُعْطَى، والتنوينُ فيها للتعظيم.
و(ناظرة)) عطف على ((مرسلة))، و((بم)) متعلّقٌ بـ (يرجع))، ووقع للحوفيِّ أنه متعلِّق
بـ ((ناظرة))، وهو وهمٌّ فاحشٌ كما في ((البحر))(٣)، والنظر معلَّقٌ، والجملةُ في موضع
المفعول به له، والجملة الاسمية الدالَّةُ على الثبات المصدَّرة بحرفِ التحقيق
للإيذان بأنها مُزْمِعةٌ على رأيها لا يلويها عنه صارفٌ، ولا يُثْنيها عاطفٌ.
واختلف في هديتها؛ فعن ابن عباس أنها كانت مئةً وصيفٍ ومئةً وصيفة. وقال
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٧.
(٢) في (م): وتقرير، وهو خطأ.
(٣) ٧/ ٧٤.

الآية : ٣٥
٤٣٩
سُورَةُ النَّعْلِ
وهب وغيره: عمدتْ بلقيس إلى خمس مئة غلام وخمسٍ مئة جاريةٍ، فألبست
الجواريَ لبسَ الغلمان؛ الأقبيةَ والمناطق، وألبست الغلمانَ لباس الجواري،
وجعلت في أيديهم أساوِرَ الذهب، وفي أعناقهم أطواقَ الذهب، وفي آذانهم أقرطةً
وشنوفاً (١) مرضَّعة بأنواع الجواهر، وحَمَلتِ الجواريَ على خمس مئة رمكةٍ،
والغلمانَ على خمس مئة برذون، على كلِّ فرس سرجٌ من الذهب مرصَّعٌ بالجوهر،
وعليه أغشيةُ الديباج، وبعثت إليه لَبناتٍ من ذهب ولبناتٍ من فضة، وتاجاً مكلَّلاً
بالدرِّ والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود، وعمدت إلى حُقِّ فجعلت فيه
درةً عذراء وخَرْزةَ جزْعٍ معوجَّة الثقب، ودعت رجلاً من أشراف قومها يقال له:
المنذر بن عمرو، وضمّت إليه رجالاً من قومها أصحابَ رأي وعقل، وكتبت معه
كتاباً تذكرُ فيه الهديةَ، وقالت فيه: إنْ كنت نبيًّا ميِّز بين الغلمان والجواري، وأخبِرْ
بما في الحُقِّ قبل أن تفتحه، ثم قالت للرسول: فإن أخبر فقل له: اثقب الدرة ثقباً
مستوياً، وأَدْخِلْ في الخرزة خيطاً من غير علاج إنسٍ ولا جنٍّ. وقالت للغلمان: إذا
كلَّمكم سليمان فكلِّموه بكلام فيه تأنيثٌ وتختُّكٌ يشبه كلامَ النساء، وأمرت الجواريَ
أن يكلِّموه بكلام فيه غِلْظةٌ يَشْبه كلامَ الرجال. ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل
إذا دخلتَ، فإن نَظر إليك نظراً فيه غضبٌ فاعلم أنه ملكٌ، فلا يهولنَّك منظرُه فأنا
أعزُّ منه، وإن رأيتَ الرجل بشاشاً لطيفاً، فاعلم أنه نبيٌّ فتفهَّمْ منه قولَه ورُدَّ
الجواب.
فانطلق الرجل بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان فأخبره الخبر، فأمر
عليه السلام الجنَّ أن يضربوا لبناً من الذهب والفضة ففعلوا، وأمرهم بعمل ميدانٍ
مقدارَ تسعِ فراسخَ، وأن يفرشوا فيه لَبِنَ الذهب والفضة وأن يُخلُّوا قَدْرَ تلك اللَّبِنات
التي معهم، وأن يعملوا حول الميدان حائطاً مشرفاً من الذهب والفضة، ففعلوا، ثم
قال: أيُّ دوابِّ البرِّ والبحر أحسن؟ فقالوا: يا نبيَّ الله، ما رأينا أحسنَ من دوابَّ
في البحر يقال لها كذا وكذا مختلفة ألوانُها، لها أجنحةٌ وأعرافٌ ونواصٍ، قال:
عليَّ بها الساعة. فأتوه بها، قال: شدُّوها عن يمين الميدان وشماله. وقال للجنِّ :
(١) جمع شَنْف: القرط الأعلى، أو ما علِّق في أعلى الأذن، وأما ما علِّق في أسفلها فقرط.
القاموس (شنف).

سُورَةُ الشَّمِ
٤٤٠
الآية : ٣٥
عليَّ بأولادكم، فاجتمع منهم خَلْقٌ كثير، فأقامهم على يمين الميدان وعلى شماله،
وأمر الجنَّ والإنسَ والشياطين والوحوش والسباع والطير، ثم قعد في مجلسه على
سريره ووضع أربعة آلافٍ كرسيٍّ على يمينه وعلى شماله، وأمر جميع الإنس والجنِّ
والشياطين والوحوش والسباع والطير، فاصطفُّوا فراسخَ عن يمينه وشماله.
فلمَّا دنا القوم من الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان عليه السلام، ورأوا
الدوابَّ التي لم يروا مثلها تَروثُ على لبن الذهب والفضة، تصاغرت إليهم
أنفسُهم، وخَّؤوا ما كان معهم من الهدايا .
وقيل: إنهم لمَّا رأو ذلك الموضع الخَاليَ من اللَّبنات خالياً، خافوا أن يُتَّهموا
بذلك، فوضعوا ما معهم من اللبن فيه. ولمَّا نظروا إلى الشياطين هالَهم ما رأوا
وفزعوا، فقالت لهم الشياطين: جُوْزوا لا بأس عليكم. وكانوا يمرُّون على كراديس
الجنّ والوحش والطير، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم بوجهٍ طَلْقٍ
وتلقّاهم ملقّى حسناً، وسألهم عن حالهم، فأخبره رئيسُ القوم بما جاؤوا فيه،
وأعطاه الكتاب، فنظر فيه وقال: أين الحُقُّ؟ فأُتي به فحرَّكه، فجاء جبريل عليه
السلام فأخبره بما فيه، فقال لهم: إنَّ فيه درَّةً غيرَ مثقوبةٍ وجَزْعةً معوجَّةَ الثقب. قال
الرسول: صدقتَ، فائقُبِ الدرَّة وأدخِل الخيطَ في الجزعة. فقال سليمان عليه
السلام: مَن لي بثَقْبِها؟ وسأل الجنَّ والإنس، فلم یکن عندهم علمُ ذلك، ثم سأل
الشياطين فقالوا: نُرسل إلى الأَرَضَة، فلما جاءت أخذت شعرةً بفيها ونفذت في
الدرَّة حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها: ما حاجتُك؟ قالت: تصيِّر رزقي
في الشجر. فقال: لكِ ذلك، ثم قال: مَن لهذه الخرزة؟ فقالت دودةٌ بيضاء: أنا لها
يا نبي الله. فأخذت الخيطَ بفيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر.
فقال: ما حاجتُك؟ قالت: يكون رزقي في الفواكه. فقال: لك ذلك، ثم ميَّز بين
الغلمان والجواري؛ أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ
الماء بيدها وتضربُ بها الأخرى وتغسلُ وجهها، والغلامُ يأخذ الماء بيديه ويضرب
به وجهه، وكانت الجارية تصبُّ الماء على باطن ساعديها، والغلامُ على ظاهره،
ثم ردَّ سليمان عليه السلام الهديةَ كما أخبر الله تعالى.
وقيل: إنها أنفذتْ مع هداياها عصاً كان يتوارثها ملوك حمير، وقالت: أريد أنْ