النص المفهرس

صفحات 361-380

الآية : ١٠
٣٦١
سُورَةُ النَّصْلِ
وهذا هو الصحيح - كما في ((الحواشي الشهابية)) - عند الأشعريّ(١).
وظاهرُ الآثار يقتضي أنهم عليهم السلام كانوا يخافون ذلك، فقد روي أنه عليه
الصلاة والسلام كان يُكْثِر أن يقول: ((يا مقلِّب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك)) فقالت
له عائشة ◌ُّ يوماً: يا رسول الله إنك تُكْثِرُ أن تدعوَ بهذا الدعاء، فهل تخشى؟
فقال بَّهُ: ((وما يُؤْمِنُني يا عائشةُ وقلوب العباد بين أُصْبُعينٍ من أصابع الرحمن، إذا
أراد يقلِّب قَلْبَ عبده [قلَّبه]))(٢).
وظاهرُ بعض الآيات يقتضي ذلك أيضاً، مثل قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وكونُ الله تعالى آمنهم من ذلك، إن أريد به ما جاء في ضمن تبشيرهم بالجنة،
فقد صحَّ أنَّ المبشرين بالجنة من الصحابة ظه كانوا يخافون من سوء العاقبة مع
علمهم ببشارته تعالى إياهم بالجنة، ويُعلم منه أنَّ الخوف يجتمع مع البشارة،
ولا يلزمُ من ذلك عدمُ الوثوق به عزَّ وجلَّ؛ لأنه لاحتمال أن يكون هناك شرطً لم
يُظْهِرْه الله تعالى لهم؛ للابتلاء ونحوِه من الحِكَم الإلهية. وإن أريد به ما كان
بصريح: آمَنتُكم من سوء العاقبة، كان هذا الاحتمالُ قائماً أيضاً فيه، ويحصل
الخوف من ذلك.
وإن أريد به ما اقتضاه جَعْلُه تعالى إياهم معصومين من الكفر ونحوِهِ، وَرَدَ أنَّ
الملائكة عليهم السلام جعلهم الله تعالى معصومين من ذلك أيضاً وهم يخافون،
ففي الأثر: لمَّا مُكِر بإبليس بكى جبرائيل وميكائيل عليهما السلام، فقال الله عزَّ
وجلَّ لهما: ما يبكيكُما؟ قالا: يا ربّ، ما نأمن مكرك. فقال تعالى: هكذا كونا
لا تأمنَا مكري(٣).
ولعل ذلك لأنَّ العصمة عندنا على ما يقتضيه أصلُ استنادِ الأشياء كلِّها إلى
(١) المصدر السابق.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦١٣٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٤)، وأبو يعلى (٤٦٦٩) من حديث
عائشة ثا، وما بين حاصرتين من هذه المصادر، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر .
أخرجه أحمد (٦٥٦٩)، ومسلم (٢٦٥٤).
(٣) أخرجه بنحوه أبو الشيخ في العظمة (٣٨٥) عن عبد العزيز بن أبي رواد قوله.

سُورَةُ النَّسُلِّ
٣٦٢
الآية : ١٠
الفاعل المختار ابتداءً، كما في ((المواقف)) وشَرْحِه الشريفِ الشريفيِّ: أنْ
لا يخلقَ الله تعالى في الشخص ذنباً. وعند الحكماء بناءً على ما ذهبوا إليه من
القول بالإيجاب واعتبارِ استعداد القوابل: ملكةٌ تمنعُ الفجورَ وتحصُل ابتداءً بالعلم
بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكَّد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي(١).
وهي بكِلًا المعنيين لا تقتضي استحالةَ الذنب؛ أمَّا عدمُ اقتضائها ذلك بالمعنى
الأول فِلأَنَّ عدمَ خَلْقِه تعالی إیاه ليس بواجبٍ علیه سبحانه لیکون خلقُه مستحيلاً
عليه تعالى، ومتى لم يكن الخلقُ مستحيلاً عليه تعالى فكيف يحصل الأمن من
المكر؟ وأما عدمُ اقتضائها ذلك بالمعنى الثاني فلأنَّ زوال تلك الملكة ممكنٌ أيضاً،
واقتضاءُ العلم بالمثالب والمناقب إياها ابتداءً وتأكُّدُها بتتابع الوحي ليس من
الضرورات العقلية، ومتى كان الأمر كذلك لا يحصل الأمنُ بمجرَّد حصول الملكة.
نعم قال قوم: العصمةُ تكون خاصِّيةً في نفس الشخص أو في بدنه، يمتنع
بسببها صدورُ الذنب عنه(٢). وقد يستند إليه مَن يقول بالأمن، ولا يخفى أنه لو سلُّم
تمامُ الاستدلال به على هذا المطلب فهو في حدِّ ذاته غيرُ صحيح.
ففي ((المواقف)) وشرحه: أنه يكذِّبُ هذا القولَ أنه لو كان صدورُ الذنب ممتنعاً
لمَا استحقَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام المدحَ بتَرْكِ الذنب؛ إذ لا مدحَ بترك ما هو
ممتنعٌ؛ لأنه ليس بمقدورٍ(٣) داخلاً تحت الاختيار.
وأيضاً فالإجماع على أن الأنبياء عليهم السلام مكلّفون بترك الذنوب مثابون
به، ولو كان صدورُ الذنب ممتنعاً عنهم لما كان الأمر كذلك.
وأيضاً فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠] يدلُّ على
مماثلتهم عليهم السلام لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية، والامتيازُ بالوحي،
فلا يمتنعُ صدورُ الذنب عنهم كما لا يمتنع صدوره عن سائر البشر (٤). اهـ.
وذكر الخفاجيُّ في ((شرح الشفاء)) عن ابن الهمام أنه قال في ((التحرير)):
(١) شرح المواقف للشريف علي بن محمد الجرجاني ٢٨٠/٨-٢٨١.
(٢) شرح المواقف: ٨/ ٢٨١.
(٣) في شرح المواقف: مقدوراً.
(٤) شرح المواقف ٢٨١/٨.

الآية : ١٠
٣٦٣
سُوَرَّةُ النَّصْلِ
العصمةُ عدمُ القدرة على المعصية، أو خَلْقُ (١) مانع عنها غير ملجئ، ثم قال: وهو
مناسبٌ لقول الماتريدي: العصمةُ لا تُزيل المحنةَ، أي: الابتلاءَ المقتضيَ
البقاء الاختيار، ومعناه كما في ((الهداية)): أنها لا تُجبره على الطاعة ولا تُعْجِزُه عن
المعصية، بل هي لطفٌ من الله تعالى يحملُه على فعله ويزجُره عن الشرِّ، مع بقاءِ
الاختيار تحقيقاً للابتلاء(٢). اهـ.
وهو ظاهر في (٣) عدم الاستحالة الذاتية لصدور الذنب، ولعل ما وقع في كلام
بعض الأجلَّة من استحالة وقوع الذنب منهم عليهم السلام محمولٌ على الاستحالة
الشرعية، كما يؤذنُ به كلامُ العلامة ابن حجر في ((شرح الهمزية)).
وبالجملة: الذي تقتضيه الظواهرُ ويشهدُ له العقل أنَّ الأنبياء عليهم السلام(٤)
يخافون ولا يأمنون مكر الله تعالى؛ لأنه وإن استحال صدورُ الذنب عنهم شرعاً
لكنه غيرُ مستحيلٍ عقلاً، بل هو من الممكنات التي يصحُّ تعلَّقُ قدرة الله تعالى بها .
ومع ملاحظة إمكانه الذاتيّ، وأنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيءٌ، وقيامٍ احتمال
تقييد المطلق بما لم يصرّح به لحكمةٍ كالمشيئة، لا يكاد يأمنُ معصومٌ من مكر
الملك الحيِّ القيوم، فالأنبياءُ والملائكة كلَّهم خائفون، ومن خشيته سبحانه عز
وجل مشفقون.
وليس لك أن تخصَّ خوفهم بخوف الإجلال؛ إذ الظاهرُ العموم، ولا دليل على
الخصوص يعوَّلُ عليه عند فحول الرجال، نعم قد يقال بإمكان حصول الأمن من
المكر، وذلك بخَلْقِ الله تعالى علماً ضرورياً في العبد بعدم تحقّق ما يخاف منه في
وقتٍ من الأوقات أصلاً؛ لِعِلْمِ الله تعالى عَدَمَ تحقُّقِه كذلك وإن كان ممكناً ذاتيًّا،
ولعله يحصل لأهل الجنة لتتمَّ لَذَّتُهم فيها، فقد قيل:
فإنْ شئتَ أن تحيا حياةً هنيةً فلا تتَّخِذْ شيئاً تخافُ له فَقْدَا
ولا يبعدُ حصوله لمن شاء الله تعالى من عباده يومَ القيامة قبل دخولها أيضاً،
(١) في (م): وخلق، والمثبت من الأصل وشرح الشفا.
(٢) شرح الشفا ٣٩/٤. ووقع في (م): وتحقيق، بدل: تحقيقاً، وهو تصحيف.
(٣) في (م): على.
(٤) قوله: السلام، ساقط من (م).

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٦٤
الآية : ١١
ولم تقم أمارةٌ عندي على حصوله في هذه النشأة لأحدٍ، والله تعالى أعلم، فتأمَّل
ذاك والله تعالى يتولَّى هداك.
وروى الإمام عن بعضهم أنه قال في معنى الآية: إنِّي إذا أَمرْت المرسلين
بإظهارِ معجزٍ فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلَّق بإظهار ذلك، وإلَّا فالمرسَلُ قد يخاف
لا محالةَ(١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ الاستثناءُ
فيه منقطعٌ عند كثيرٍ، إلا أنه رُوي (٢) عن الفرَّاء والزجَّاج وغيرِهما أنَّ المراد بمن
ظلم: مَن أذنب من غير الأنبياء عليهم السلام(٣)؛ قال صاحب ((المطلع)): والمعنى
عليه: لكنْ مَن ظلم من سائر العباد ثم تاب فإنِّي أغفرُ له.
وقال جماعة: إن المراد به: مَن فرطتْ منه صغيرةٌ ما، وصدر منه خلافُ
الأَوْلَى بالنسبة إلى شأنه من المرسلين عليهم السلام. والمراد استدراك ما يختلجُ
في الصدر من نفي الخوف عن كلِّهم وفيهم مَن صدر منه ذلك، والمعنى عليه: لكنْ
مَن صدر منه (٤) منهم ما هو في صورة الظلم ثم تاب فإنِّي أغفر له، فلا ينبغي أن
يخاف أيضاً. وهو شاملٌ - على ما قيل - لمن فعل منهم شيئاً من ذلك قبل رسالته،
وخصّه بعضُهم بمن صدر منه شيءٌ من ذلك قبل النبوة، وقال: يؤيِّده لفظةُ ((ثم))
فإنها ظاهرةٌ في التراخي الزماني. ولعل الظاهر كونُه خاصًّا بمن صدر منه بعد
الرسالة؛ لظهور المرسَل في المتلبِّس بالرسالة لا فيمَن يتلبّس بها بعدُ، أو الأعمّ.
وكأنَّ فيما ذكر على الوجهين الأوَّلين(٥) تعريضاً بما وقع من موسى عليه السلام من
(١) تفسير الرازي ٢٤/ ١٨٤.
(٢) كذا جاء: إلا أنه روي، والصواب: وقد روي، فإن ما سيأتي مؤيِّدٌ لانقطاع الاستثناء،
وينظر البحر ٦ / ٥٧ .
(٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٨٧، ونقله عنه أبو حيان في البحر٦ / ٥٧، وقول الزجَّاج في معاني
القرآن له ٤/ ١٠: ((إلَّا)) استثناء ليس من الأول، والمعنى والله أعلم: لكن من ظلم ثم تاب
من المرسلين وغيرهم.
(٤) قوله: منه، ساقط من (م).
(٥) ويعني بهما: القولُ بشموله لمن فعل منهم شيئاً من ذلك قبل الرسالة، والقول بتخصيصه
بما قبل النبوة.

الآية : ١١
٣٦٥
سُورَةُ النَّصْلِ
وَكْزِهِ القبطيَّ واستغفارِهِ، وتسميتُه ظلماً مشاكلةٌ لقوله عليه السلام: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾
[القصص: ١٦].
ولم يجعلوه على هذا متصلاً مع دخول المستثنى في المستثنى منه أعني
المرسلين مطلقاً؛ لأنه لو كان متصلاً لزم إثباتُ الخوف لمن فرطت منه صغيرةٌ
ما منهم لاستثنائه من الحكم وهو نفي الخوف عنهم، ونفيُ النفي إثباتٌ، وذلك
خلافُ المراد، فلا يكون مثَّصلاً بل هو شروعٌ في حكم آخر.
ورجَّح الطيبيُّ ما قاله الجماعة بأنَّ مقام تَلقِّي الرسالة وابتداءِ المكالمة مع
الكليم يقتضي إزالةَ الخوف بالكلِّية، وهو ظاهرٌ على ما قالوه.
وروي عن الحسن ومقاتلٍ وابن جريجٍ والضحَّاك ما يقتضي أنه استثناءٌ
متَّصلٌ، والظاهر أنهم أرادوا بـ ((مَن)) مَن أراده الجماعة، وفي اتصاله على
ما سمعت خفاءٌ.
وربما يقال: إنَّ مَن يطلقُ الاتّصال عليه في رأي الجماعة يكتفي في الاتصال
بمجرَّدِ كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فإنْ كَفَى فذاك، وإلا يُلتزم (١) إثباتُ
الخوف، ويُجعل ((بدَّل)) عطفاً على مستأنفٍ محذوفٍ، كأنه قيل: إلا مَن فرطت منه
صغيرةٌ فإنه يخاف، فمن فرط ثم تاب غُفر له فلا يخاف. وحاصلُه: إلا مَن ظلم
فإنه يخاف أولاً ويزولُ عنه الخوف بالتوبة آخِراً.
وعن الفرَّاء في روايةٍ أخرى عنه أنه استثناءٌ متَّصلٌ من جملة محذوفة، والتقدير:
وإنما يخافُ غيرُهم إلَّا مَن ظلم(٢).
وردَّه النحاس بأنَّ الاستثناء من محذوفٍ لا يجوزُ، ولو جاز هذا لجاز أن
يقال: لا تضرب القومَ إلَّا زيداً، على معنى: وإنما اضْرِبْ غيرَهم إلا زيداً، وهذا
ضدُّ البيان والمجيءُ بما لا يعرف معناه(٣). انتهى، وهو كما قال. ولا يجدي نفعاً
القولُ باعتبار مفهوم المخالفة.
(١) في الأصل: يلزم.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٨٧/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٢٠٠.

سُؤَدَّةُ النَّصْلِّ
٣٦٦
الآية : ١١
وقالت فرقةٌ: إنَّ ((إلا)) بمعنى الواو، والتقديرُ: ولا من ظلم(١) .. إلخ.
وتعقَّبه في ((البحر)) بأنه ليس بشيءٍ؛ للمباينة التامَّة بين ((إلا)) والواو، فلا تقع
إحداهما موقعَ الأخرى(٢). وحُسْنُ الظنِّ يجوِّزُ أنهم لم يصرِّحوا بكون ((إلا)) بمعنى
الواو، وإنما فَهِمَ مَن نَسَبه إليهم من تقديرهم، وهو يحتمل أن يكون تقديرَ معنىً
لا إعراب، فلا تغفل.
والظاهرُ انقطاعُ الاستثناء، ولعل الأَوْفَقَ بشأن المرسلين أن يراد بـ ((مَن ظلم)):
مَن ارتكب ذنباً كبيراً أو صغيراً من غيرهم، و((ثم)) يحتمل أن تكون للتراخي الزمانيِّ
فتفيدُ الآيةُ المغفرةَ لمن بدَّل على الفور من باب أَوْلَى، ويحتمل أن تكون للتراخي
الرُّتبيِّ وهو ظاهرٌ بين الظلم والتبديل المذكور.
والتبديلُ قد يتعدَّى إلى مفعولين بنفسه، نحو: ﴿بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]
وقد يتعدّى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بالباء أو بـ ((مِن)) وهو المذهوبُ به
والمبدَلُ منه، نحو: بدَّله بخوفه - أو: من خوفه - أمناً، وقد يتعدَّى إلى واحدٍ نحو:
بدَّلت الشيءَ، أي: غيّرتُه، ومنه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١].
والمعنى هنا على المتعدِّي إلى مفعولين، وقد تعدَّى إلى أحدهما وهو المبدَلُ
منه بالباء أو بـ ((مِن))، فكأنه قيل: ثم بدَّل بظلمه ــ أو من ظلمه - حسناً، ويشير إليه
قولُه تعالى: ﴿بَعْدَ سُوْءٍ﴾ وحاصلُه: ثم ترك الظلم وأتى بحُسْنٍ، والمراد به التوبةُ،
فيكون المعنى في الآخرة: إلا مَن ظلم ثم تاب، وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل
لأنه أوفقُ بمقام الإيناس، كذا قيل، والظاهرُ عليه أنَّ إسناد التبديل إلى مَن ظَلَم
حقيقيٌّ.
وقيل: إنَّ المعنى: ثم رفع الظلم والسوء ومَحَاه من صحيفة أعماله ووضع
مكانه الحسنَ بسبب توبته، نظير ما في قوله تعالى: ﴿يُدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
[الفرقان: ٧٠]، وإسنادُ التبديل إلى مَن ظلم على هذا مجازيٌّ؛ لأنه سببٌ لتبديل الله
تعالى له بتوبته. وكأني بك تختار الأول.
(١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢٨٧/٢ عن بعض النحويين.
(٢) البحر ٧ / ٥٧ .

الآية : ١٢
٣٦٧
سُوَرَةُ الشَُّلَِّ
ومحلُّ (مَن)) على كلٍّ من تقديري انقطاع الاستثناء واتِّصاله ظاهرٌ(١). والظاهر
أنها موصولة في التقديرين، ولا يخفى أنَها إذا اعتُبِرتْ منصوبةَ المحلِّ على
الاستثناء، أو مرفوعتَه على البدل(٢)، تكون جملة ((فإني)) إلخ مستأنفةً. ومَن قدَّر في
الكلام محذوفاً، وعطف عليه ((بدَّل))، وقال: التقديرُ: فمن(٣) ظلم ثم بدَّل، جعل
الجملةَ خبر ((مَن)).
وجوَّز بعضهم أن تكون شرطيةً وجملةُ ((فإِنِّي)) إلخ جوابُها، فتأمَّل ولا تغفل.
وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم: ((أَلَا مَن ظَلَمَ)) بفتح الهمزة وتخفيفِ اللامِ(٤)
على أنَّ ((ألَا)) حرفُ استفتاح. وجَعَل أبو حيان ((مَن)) على هذه القراءة شرطيةً (٥)،
ولا أراه واجباً .
وقرأ محمد بن عيسى الأصبهانيُّ: ((حُسْنَى)(٦) على وزن فُعْلَى ممنوع الصرف.
وقرأ ابن مقسم: ((حُسُنا)) بضم الحاء والسين منوَّناً(٧).
وقرأ مجاهدٌ وأبو حيوةَ وابنُ أبي ليلى(٨) والأعمشُ وأبو عمرو في رواية
الجعفيِّ وعصمة وعبد الوارث وهارون وعيَّاش: ((حَسَناً)) بفتح الحاء والسين مع
التنوين.
﴿وَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْئِكَ﴾ أي: جيب قميصك، وهو مدخلُ الرأس منه، المفتوحُ
إلى الصدر، لا ما يوضع فيه الدراهم ونحوُها كما هو معروفٌ الآن؛ لأنه مولَّد،
(١) هو على الانقطاع منصوب على لغة الحجاز، وعلى لغة تميم يجوز فيه النصب والرفع على
البدل من الفاعل قبله، وأما على الاتصال فيجوز فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيار
البدل؛ لأن الكلام غير موجّبٍ. الدر المصون ٥٧٨/٨.
(٢) في الأصل: البدلية.
(٣) في (م): من.
(٤) القراءات الشاذة ص١٠٨، والمحتسب ١٣٦/٢، والبحر ٧/ ٥٧.
(٥) البحر ١٠/ ٥٧.
(٦) المحرر الوجيز ٤/ ٢٥١، والبحر ٧ / ٥٧.
(٧) البحر ٧ / ٥٧.
(٨) في الأصل و(م): وابن أبي علي، والمثبت من القراءات الشاذة ص١٠٨، والمحرر الوجيز
٤ / ٢٥١، والبحر ٧/ ٥٧ .

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٦٨
الآية : ١٢
ولم يقل سبحانه: في كمِّك؛ لأنه عليه السلام كان لابساً إذ ذاك مِدْرَعةً(١) من
صوفٍ لا کمَّ لها.
وقيل: الجيب القميصُ نفسُه؛ لأنه يجاب، أي: يُقْطَع، فهو فَعْلٌ بمعنى
مفعول.
وقال السديُّ: ((في جيبك)) أي: تحت إبطك. ولعل مراده أنَّ المعنى: أَدْخِلْها
في جيبك وضَعْها تحت إبطك. وكانت مِدْرَعتُه عليه السلام على ما روي عن ابن
عباس رچًّا لا أزرار لها.
وقد ورد في بعض الآثار أنَّ نبيَّنَا وَّر كان مطلقَ القميص في بعض الأوقات،
ففي ((سنن أبي داود)): باب في حلِّ الأزرار، ثم أخرج فيه من طريق معاويةَ بنِ قَرَّة
قال: حدثني أبي، قال: أتيتُ رسول الله وَّ في رَهْطِ من مُزينةَ، فبايعناه وإنَّ
قميصه لمطلق - وفي روايةِ البغويِّ في ((معجم الصحابة)): لمطلق الأزرار - قال:
فبايعتُه ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فَمَسِسْتُ الخاتمَ. قال عروة: فما رأيتُ
معاويةً ولا أباه قطُ إلا مُطْلِقي أزرارِهما، ولا يزرَّانها أبداً (٢).
وجاء أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام أمر بزرِّ الأزرار؛ فقد أخرج الطبراني
عن زيد بن أبي أوفى: أنَّ رسول الله وَّ نظر إلى عثمان بن عفان ظُبه فإذا
أزرارُه محلولةٌ، فزرَّها رسول اللهِ وَّه بيده وقال: ((اجْمَعْ عِطْفَيْ ردائِكَ على
نَحْرِكَ))(٣).
وفي هذين الأثرين ما هو ظاهرٌ في أنَّ جيب القميص كان إذ ذاك على الصدر
كما هو اليوم عند العرب، وهو يُبْطِلُ القولَ بأنه خلاف السنَّةِ، وأنه من شعائر
اليهود.
(١) المدرعة بكسر الميم وسكون الدال: لباس لا أكمام له. حاشية الشهاب ٣٦/٧.
(٢) سنن أبي داود (٤٠٨٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٥٨١)، وعزاه للبغوي ابن حجر في
الإصابة ١٥٣/٨-١٥٤. ورواية أبي داود توافق رواية البغوي. وعروة هو ابن عبد الله بن
قشير أبو مَهَل الجعفي، وهو الراوي عن معاوية بن قرة.
(٣) قطعة من حديث طويل، وهو في المعجم الكبير (٥١٤٦)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في
العلل (٣٤٤) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَّل.

الآية : ١٢
٣٦٩
سُورَةُ النَّصْلِ
وأَمْرُه تعالى إياه عليه السلام بإدخال يده في جيبه - مع أنه سبحانه قادرٌ على أن
يجعلها بيضاءَ من غير إدخالٍ - للامتحان، وله سبحانه أن يمتحنَ عباده بما شاء.
والظاهرُ أنَّ قوله تعالى: ﴿تَرٌِّ﴾ جوابُ الأمر؛ لأنَّ خروجها مترتِّبٌ على
إدخالها .
وقيل: في الكلام حذفٌ تقديره: وأَدْخِلْ يدك في جيبك تَدْخُلْ، وأَخْرِجْها
تَخْرُجْ، فحذف من الأول ما أثبت مقابله في الثاني، ومن الثاني ما أثبت مقابله في
الأول، فيكون في الكلام صنعةُ الاحتباك. وهو تكلُّفٌ لا حاجةً إليه.
وقوله تعالى: ﴿بَضَآءَ﴾ حالٌ، وكذا قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيّرِ سُوءٌ﴾ وهو
احتراسٌ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه.
وكذا قوله سبحانه: ﴿فِي تِشْعِ ءَايَتٍ﴾ أي: آيةً معدودةً من جملة تسع آيات، أو
معجزةً لك معها، على أن التسع هي: الفَلْق، والطوفان، والجرادُ،َ والقمَّلُ،
والضفادعُ، والدم، والطمسةُ وهي جَعْلُ أسبابهم حجارةً، والجَدْبُ في بواديهم،
والنقصان في مزارعهم.
ولمن عدَّ العصا واليد من التسع أن يعدّ الجدبَ والنقصان في المزارع واحداً
ولا يعدّ الفَلْقَ منها؛ لأنه عليه السلام لم يُبعث به إلى فرعون وإن تقدَّمه بيسير؛ ومَن
عدَّه يقول: يكفي معاينتُه له في البعث به، أو هو بعثٌ به لمن آمن من قومه ولمن
تخلَّفَ من القِبْطِ ولم يؤمن.
وفي ((التقريب)): أنَّ الطمسة والجدب والنقصان يرجع إلى شيءٍ واحد،
فالتسعُ: هذا الواحد، والعصا، واليد، وما بقي من المذكورات.
وذهب صاحب ((الفرائد)) إلى أنَّ الجراد والقمَّل واحد، والجدبَ والنقصان
واحد.
وجوِّز أن يكون ((في تسع)) منقطعاً عمَّا قبله متعلِّقاً بمحذوفٍ، أي: اذهب في
تسع آيات، ويدلُّ على ذلك قولُه تعالى بعدُ: (فَمَّا جَتْهُمْ مَايَئُنا) و(في)) بمعنى (مع))،
ونظير هذا الحذف ما في قوله:

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٧٠
الآية : ١٣
فقالوا الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلَاما
أَتَوا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتمْ
فريقٌ يحسد الإنسَ الطعاما(١)
وقلتُ إلى الطعام فقال منهم
فإِنَّ التقدير: هلمُّوا إلى الطعام.
ويتعلَّق بهذا المحذوف قولُه تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهٌِ﴾ وعلى ما تقدَّم يتعلَّق
بمحذوفٍ وقع حالاً، أي: مبعوثاً أو مرسَلاً إلى فرعون، وأيًّا ما كان فقوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَنِقِينَ ﴾﴾ مستأنفٌ استئنافاً بيانيًّا، كأنه قيل: لمَ أرسلت إليهم
بما ذكر؟ فقيل: إنهم .. إلخ.
والمراد بالفسق إمَّا الخروجُ عمَّا ألزمهم الشرعُ إياه إن قلنا بأنهم قد أُرسِلَ
قبل موسى عليه السلام مَن يَلْزَمُهم اتِّباعُه، وهو يوسف عليه السلام، وإمَّا
الخروجُ عما ألزمه العقلُ واقتضاءُ الفطرة إن قلنا بأنه لم يرسَل إليهم أحدٌ قبله
عليه السلام.
﴿فَلَّا جَاءَتْهُمْ ءَأَنْنَا﴾ أي: ظهرتْ لهم على يد موسى عليه السلام، فالمجيءُ
مجازٌ عن الظهور، وإسنادُه إلى الآيات حقيقيٌّ. وقال بعض الأَجِلَّة: المجيءُ
حقيقةٌ، وإسناده إلى الآيات مجازيٌّ، وهو حقيقةً لموسى عليه السلام، ولِمَا
بينهما من الملابسة لكونها معجزةً له عليه السلام ساغ ذلك.
ولعل النكتة في العدول عن: فلمَّا جاءهم موسى بآياتنا، إلى ما في النظم
الجليل الإشارةُ إلى أنَّ تلك الآيات خارجةٌ عن طوقه عليه السلام كسائر
(١) نسبهما أبو زيد في النوادر ص١٢٤ لشمير بن الحارث الضبِّي. وورد البيت الأول برواية:
عموا صباحاً، كما ذكر ابن السيد في الحلل ص ٣٩٠ وقال: الشعر الذي على قافية الميم
ينسب إلى شمير بن الحارث وينسب إلى تأبط شرًّا، وأما الشعر الذي على قافية الحاء
فلا خلاف أنه لجذع بن سنان الغساني. اهـ. وقد ورد البيت الأول في الكتاب ٤١١/٢،
والخزانة ٦/ ١٦٧، شاهداً على جمع (مَن)) (في قوله: منون أنتم) في الوصل، وإنما تجمع
في الوقف. ينظر شرح شواهد الكتاب للأعلم ص٣٨٦. وجملة: يَحسد، صفة لفريق،
ويروى: نحسد، فالجملة مقول القول، ذكر أن الجن طرقته وقد أوقد ناراً لطعامه، فدعاهم
إلى الأكل منه فلم يجيبوه، وزعموا أنهم يحسدون الإنس في الأكل، وأنهم فضِّلوا عليهم
بأكل الطعام. الخزانة ٦/ ١٧٢ - ١٧٣ .

الآية : ١٣
٣٧١
سُوَرَةُ النَّمْلِ
المعجزات، وأنه لم يكن له عليه السلام تصرُّفٌّ في بعضها، وكونهُ معجزةً له
لإخباره به ووقوعِه بدعائه ونحوه.
ولا ينافي هذا الإسنادَ إليه - لكونها جاريةً على يديه للإعجاز - في قوله
سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِحَايَلِنَا﴾ [القصص: ٣٦] في محلٌّ آخر. وقد بيَّن بعضُهم
وجهاً لاختصاص كلٍّ منهما بمحلِّه، بأنَّ ثمةَ ذُكر مقاولتُه عليه السلام ومجادلتُهم
معه، فناسَبَ الإسناد إليه، وهنا لمَّا لم يكن كذلك ناسبَ الإسنادَ إليها؛ لأن
المقصود بيانُ جحودهم بها. وإضافةُ الآياتِ للعهد، وفي إضافتها إلى ضمير
العظمة ما لا يخفى من تعظيم شأنها .
﴿مُبْصِرَةٌ﴾ حالٌ من الآيات، أي: بينةً واضحةً، وجُعِلَ الإبصارُ لها - وهو
حقيقة لمتأمِّليها - للملابسة بينها وبينهم؛ لأنهم إنما يبصرون بسبب تأمُّلهم فيها،
فالإسنادُ مجازيٌّ من باب الإسناد إلى السبب.
ويجوزُ أن يراد: مُبْصِرةً كلَّ مَن نظر إليها من العقلاء، أو من فرعون وقومِه
لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أي: جاعِلَتَه بصيراً، من أَبْصَرَه
المتعدِّي بهمزةٍ النقل مِن بصر، والإسنادُ أيضاً مجازيٌّ.
ويجوز أن تُجعل الآياتُ كأنها تُبْصِرُ فتَهْدِي؛ لأن العُمْيَ لا تقدرُ على الاهتداء
فضلاً أنْ تهديَ غيرها، فيكون في الكلام استعارةٌ مكنيةٌ تخييليةٌ مرشحة، قال في
((الكشف)): وهذا الوجه أبلغ.
وقيل: إنَّ فاعلاً أُطْلِقَ للمفعول، فالمجازُ إما في الطّرف أو في الإسناد،
فتأمل.
وقرأ قتادة وعلي بن الحسين ﴿ّ: ((مَبْصَرةً)) بفتح الميم والصاد على وزن
مَسْبَعَةٍ(١)، وأصل هذه الصيغة أن تصاغ في الأكثر لمكانٍ كثُر فيه مبدأ الاشتقاق،
فلا يقال: مَسْبعة مثلاً إلا لمكانٍ يَكْثُرُ فيه السباع، لا لِمَا فيه سبعٌ واحدٌ، ثم تجوِّز
بها عمَّا هو سببٌ لكثرة الشيء وغَلَبته، كقولهم: الولد مجبنةٌ ومَبْخَلَة، أي: سببٌ
لكثرة جُبْنِ الوالد وكثرةٍ بُخْلِه، وهو المراد هنا، أي: سبباً لكثرة تبصُّر الناظرين
(١) المحتسب ١٣٦/٢، والبحر ٥٨/٧.

سُورَةُ التَصْلِ
٣٧٢
الآية : ١٤
فيها. وقال أبو حيان: هو مصدرٌ أقيم مقام الاسم، وانتصب على الحال أيضاً(١).
﴿قَالُوْ هَذَا﴾ أي: الذي نراه، أو نحوه ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ أي: واضحٌ
سِحْرِيَّتُه، على أنَّ ((مبين)) من أبان اللازم.
﴿وَحَحَدُواْ بِهَا﴾ أي: وكذَّبوا بها ﴿ وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُهُمْ﴾ أي: عَلِمَتْ علماً يقينيًّا
أنها آياتٌ من عند الله تعالى. والاستيقانُ أبلغُ من الإيقان.
وفي (البحر)): أنَّ استفعل هنا بمعنى تفعَّل، كاستكبر بمعنى تكبِّر(٢).
والأبلغُ أن تكون الواوُ للحال، والجملةُ بعدها حاليةٌ إما بتقديرِ ((قد)» أو
بدونها .
﴿ظُلْمًا﴾ أي: للآيات، كقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا بِشَايَِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩]
وقد ظلموا بها أيَّ ◌ُلْم، حيث حَطُوها عن رتبتها العاليةِ وسمَّوها سحراً. وقيل:
ظلماً لأنفسهم. وليس بذاك.
﴿وَعُواْ﴾ أي: ترفُّعاً واستكباراً عن الإيمان بها، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ
◌ِئَايَلِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ٣٦].
وانتصابُهما إمَّا على العلِّية من ((جحدوا))، وهي على ما قيل باعتبار العاقبة
والادعاء، كما في قوله:
لِدُوا للموت وابنوا للخراب (٣)
وإما على الحال من فاعله، أي: جَحَدوا بها ظالمين عالين.
ورجّح الأول بأنه أبلغُ وأنسبُ بقوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
(١) البحر ٥٨/٧ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) وعجزه: فكلَّكم يصير إلى تراب، والبيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص٣٣. وورد
في الديوان المنسوب لعليٍّ ◌َُّبهِ ص٢٩ عجزاً لبيت صدره: له ملكٌ ينادي كلَّ يوم.
وروي ضمن حديث لأبي هريرة له كما في العظمة (٥١٩)، وشعب الإيمان
(١٠٧٣٠)، قال عنه الإمام أحمد: هو مما يدور في الأسواق، ولا أصل له. وينظر
كشف الخفاء ١٨٣/١ -١٨٤.

الآية : ١٥
٣٧٣
سُورَةُ النَّصْلِ
، أي: ما آل إليه فرعونُ وقومُه من الإغراق على الوجه الهائل الذي
١٤
اُلْمُفْسِدِينَ
هو عبرةٌ للظالمين، وإنما لم يُذْكَر تنبيهاً على أنه عرضةٌ لكلِّ ناظٍ، مشهورٌ لدى كلِّ
بادٍ وحاضرٍ، وأَدْخَلَ بعضهم في العاقبة حالَهم في الآخرة من الإحراق والعذاب
الأليم. وفي إقامة الظاهر مقام الضمير ذمٌّ لهم وتحذيرٌ لأمثالهم.
وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمشُ وطلحةُ وأبان بن تغلب: و((عِلِيًّا)) بقَلْبٍ
الواو ياء وكَسْرِ العين واللام(١)، وأصلهُ فُعول لكنهم كسروا العين إتباعاً (٢)، ورُوي
ضمُّها عن ابن وثاب والأعمش وطلحة(٣).
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتقرير ما سبق من أنه عليه
السلام تلقَّى القرآن من لَدُنْ حكيم عليم، کقصة موسى عليه السلام، وتصدیرُه
بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه، أي: آتينا كلَّ واحدٍ منهما طائفةً من العلم
لائقةً به من عِلْمِ الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما يختصُّ بكلٍّ منهما كصنعةٍ
لَبوسٍ ومَنْطِقِ الطَير، وخصَّها مقاتلٌ بعلم القضاء، وابنُ عطاءٍ بالعلم بالله عزَّ وجلَّ،
ولعل الأَوْلَى ما ذكر. أو علماً سنيًّا غزيراً.
فالتنوينُ على الأول للتقليل، وهو أوفقُ بكون القائل هو الله عزَّ وجلَّ، فإنَّ كلَّ
علم عنده سبحانه قليل، وعلى الثاني للتعظيم والتكثير، وهو أوفقُ بامتنانه جلَّ
جلاّلُه؛ فإنه سبحانه الملكُ العظيم، فاللائقُ بشأنه الامتنانُ بالعظيم الكثير، فلكلِّ
وجهة، وربما يرجَّح الثاني.
ومما ينبغي أن لا يُلتفت إليه كونُ التنوين للنوعية، أي: نوعاً من العلم،
والمرادُ به علم الكيمياء.
﴿وَقَالَا﴾ أي: قال كلٌّ منهما شكراً لِمَا أوتيه من العلم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
فَضَلَنَا﴾ بما آتانا من العلم ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ ﴾﴾ على أنَّ عبارة كلٍّ
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والبحر ٥٨/٧، وعنه نقل المصنف.
(٢) أي: إتباعاً للَّام، وينظر تفصيل ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿عِنِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وينظر
كذلك الدر المصون ٧/ ٥٧٠، و٥٨١/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والبحر ٥٨/٧.

سُوَّةُ النَِّ
٣٧٤
الآية : ١٥
منهما: فضَّلني، إلَّا أنه عبَّر عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلِّم مع الغير إيجازاً.
وحكايةُ الأقوالِ المتعدِّدةِ سواءٌ كانت صادرةً عن المتكلُّم أو عن غيره بعبارةٍ
جامعةٍ للكلِّ مما ليس بعزيز، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
اُلْطِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] قيل: وبهذا ظهر حُسْنُ موقع العطف بالواو دون الفاء؛ إذ
المتبادرُ من العطف بالفاء ترتّبُ حَمْدٍ(١) كلٍّ منهما على إيتاء ما أُوتِي كلٌّ منهما،
لا على إيتاء ما أوتي نفسه فقط.
وتعقِّب بأنه إذا سلِّم ما ذكر فالعطفُ بالواو أيضاً يتبادر معه كونُ حَمدٍ كلِّ
منهما على إيتاء ما أوتي كلٌّ منهما، فما يمنعُ من ذلك مع الواو يمنع نحوه مع
الفاء.
وقال العلّامة الزمخشريُّ: عطف بالواو دون الفاء مع أنَّ الظاهر العكسُ كما في
قولك: أعطيته فشكر؛ إشعاراً بأنَّ ما قالاه بعضُ ما أَحْدَثَ فيهما إيتاءُ العلم وشيءٌ
من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال سبحانه: ولقد
آتيناهما علماً فعملا فيه وعَلِماه وعَرَفا حقَّ النعمة فيه والفضيلة، وقالا: الحمد لله
الذي فضَّلنا(٢).
وحاصلُه أنَّ إيتاء العلم من جلائل النعم وفواضل المنح يستدعي إحداثَ الشكر
أكثر ممَّا ذُكر، فجيء بالواو لأنها تستدعي إضماراً، فيُضْمَرُ ما يقتضيه موجبُ
الشكر من قوله: فعملا به وعلماه، فإنه شكرٌ فعليٍّ، وقولِه: وعَرَفا حقَّ النعمة فيه
والفضيلةِ، فإنه شكرٌ قلبيٍّ، وبقوله تعالى: ((وقالا)) إلخ تتمُّ أنواع الشكر لأنه شكرٌ
لسانيٍّ، وفي الطيِّ إيماءٌ بأنَّ المَظْويَّ جاوَزَ حدَّ الإحصاء.
ويُعلم ممَّا ذُكر أنَّ هذا الوجه لاختيارِ العطف بالواو أَوْلَى مما ذهب إليه
السكاكيُّ(٣) من تفويض الترتُّبِ إلى العقل، لأنَّ المقام يستدعي الشكر البالغ، وهو
ما يستوعبُ الأنواع، وعلى ما ذهب إليه يكون بنوع القوليٍّ منها وحده.
(١) في (م): حمل، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٧٦/٦، والكلام
منه .
(٢) الكشاف ١٣٩/٣ .
(٣) في مفتاح العلوم ص٢٧٨، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٨/٧.

الآية : ١٥
٣٧٥
سُورَةُ النَّسْلِ
وهو أَوْلَى مما قيل أيضاً: إنه لم يَعْطِفْ بالفاء لأنَّ الحمد على نعم عظيمةٍ منِ
جملتها العلمُ، ولو عَطَفَ بالفاء لكان الحمد عليه فقط. لأنَّ السياق ظَاهرٌ في أنَّ
الحمد عليه، لا على ما يدخل هو في جملته.
وهل هناك على ما ذكره العلّامة تقديرٌ حقيقةً، أم لا؟ قولان، وممَّن ذهب إلى
الأول مَن يسمِّي هذه الواوَ الواوَ الفصيحة.
والظاهر أن المراد من الكثير المفضَّلِ عليه مَن لم يُؤْتَ مثلَ
عِلْمِهما عليهما السلام. وقيل: ذاك، ومَن لم يؤتَ علماً أصلاً. وتعقِّب بأنه يأباه
تبيينُ الكثير بعباده تعالى المؤمنين، فإنَّ خلوَّهم عن العلم بالمرة مما لا يمكن.
وفي تخصيصهما الكثير بالذكر إشارةٌ إلى أنَّ البعض مفضّلون عليهما، كذا
قيل، والمتبادر من البعض القليل. وفي ((الكشاف)): أنَّ في قوله تعالى: (عَلَى كَثِيرٍ)
أنهما فضِّلَا على كثيرٍ وفضّل عليهما كثيرٌ (١).
وتعقِّبَ بأنَّ فيه نظراً؛ إذ يدلُّ بالمفهوم على أنهما لم يفضَّلا على القليل، فإمَّا
أن يفضَّل القليلُ عليهما، أو يساوياه فلا، بل يحتمل الأمرين.
وردَّه صاحب (الكشف)) بأنَّ الكثير لا يقابله القليل في مثل هذا المقام، بل يدلُّ
على أنَّ حكم الأكثر بخلافه، ولَمَّا بَعُدَ تساوي الأكثر من حيثُ العادةُ،
لا سيما والأصلُ التفاوتُ، حَكَم صاحب ((الكشاف)) بأنه يدل على أنه فضِّل
عليهما أيضاً كثير. على أنَّ العُرْفَ طرحُ التساوي في مثله عن الاعتبار، وجَعْلُ
التقابُلِ بين المفضَّل والمفضَّل عليه، ألا ترى أنهم إذا قالوا: لا أَفْضَلَ من زيدٍ،
فُهِمَ أنه أفضلُ من الكلِّ. انتھی.
وفي الآية أوضحُ دليلٍ على فضل العلم وشَرَفِ أهله، حيث شكرا على العلم
وجعلاه أساسَ الفضل، ولم يعتبرا دونه مما أوتياه من الملك العظيم، وتحريضُ
للعلماء على أن يحمدوا الله تعالى على ما آتاهم من فضله، وأن يتواضعوا ويعتقدوا
أنَّ في عباد الله تعالى مَن يَفْضُلُهم في العلم.
(١) الكشاف ١٣٩/٣ .

سُورَةُ النَّسُلَِّ
٣٧٦
الآية : ١٦
حين نهى على المنبر عن
ونِعْمَ ما قال أميرُ المؤمنين عُمر بنُ الخطاب نظّ
التغالي في المهور، فاعتَرضَتْ عليه عجوزٌ بقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا﴾
[النساء: ٢٠] الآية: كلُّ الناس أفقهُ من عمر(١). وفيه من جَبْرِ قلبِ العجوز وفَتْحِ باب
الاجتهاد ما فيه. وجَعْلُ الشيعةِ له من المثالب من أَعْظَمِ المثالب وأَعْجَبِ العجائب.
ولعل في الآية إشارةً إلى جواز أن يقول العالم: أنا عالم. وقد قال ذلك جملةٌ
من الصحابة ◌ُّه منهم: أميرُ المؤمنين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وعبدُ الله بنُ
عباس رضيًّا، وما شاع من حديث: ((مَن قال: أنا عالمٌ، فهو جاهلٌ))(٢) إنما يُعرف
من كلام يحيى بن أبي كثير موقوفاً عليه(٣)، على ضَعْفٍ في إسناده، ويحيى هذا من
صغار التابعين، فإنه رأى أنس بن مالك وحده، وقد وهم بعضُ الرواة فرفعه إلى
النبيِّ وَّرَ، وتحقيقُه في ((أعذب المناهل)) للجلال السيوطي (٤).
﴿وَوَرِثَ سُلَّمَنُ دَاوُدٌ﴾ أي: قام مقامه في النبوَّة والمُلْك، وصار نبيًّا ملكاً بعد
موت أبيه دواد عليهما السلام، فوراثتُه إياه مجازٌ عن قيامه مقامه - فيما ذكر - بعد
موته .
وقيل: المرادُ وراثةُ النبوّةِ فقط. وقيل: وراثة الملك فقط.
وعن الحسن ونَسَبه الطبرسيُّ إلى أئمة أهل البيت: أنها وراثة المال(٥). وتعقّب
بأنه قد صحَّ: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))(٦)، وقد ذكره الصدِّيقُ والفاروقُ ظّا
(١) سلف الخبر ٣٩٨/٥.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٨٤٦) من حديث ابن عمر رؤثًا. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ١٨٦/١: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(٣) أخرجه الطبراني في الصغير (١٧٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٦/١: فيه محمد بن
أبي عطاء الثقفي ضعفه أحمد، وقال: هو منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، ومع
ذلك فهو من قول یحیی موقوفاً عليه.
(٤) أعذب المناهل في حديث: ((مَن قال أنا عالم فهو جاهل))، ضمن كتاب الحاوي ٤٥/٢،
وعنه نقل المصنف.
(٥) مجمع البيان ٢٠٥/١٩.
(٦) صحيح البخاري (٤٠٣٤)، وصحيح مسلم (١٧٥٨) من حديث عائشة رؤيتها بلفظ:
((لا نورث، ما تركنا صدقة))، وقد سلف تخريجه عند تفسير الآية (٨٥) من سورة البقرة.

الآية : ١٦
٣٧٧
سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
بحضرةٍ جَمْعٍ من الصحابة، وهم الذين لا يخافون في الله تعالى لومة لائم، ولم
ینکره أحدٌ منهم عليهما .
وأخرج أبو داود والترمذيُّ عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول الله وَله يقول:
(إنَّ العلماءَ وَرَثَةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً ولكنْ ورَّثوا
العلمَ، فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بحظٌ وافٍ))(١) .
وروى محمد بن يعقوب الرازي في ((الكافي)) عن أبي البختري عن أبي عبد الله
جعفر الصادق أنه قال ذلك أيضاً(٢) .
ومما يدلُّ على أنَّ هذه الوراثةَ ليست وراثةَ المال ما روى الكُلينيُّ عن
أبي عبد الله: أنَّ سليمان ورث داود، وأنَّ محمداً ورث سليمان وَّه.
وأيضاً وراثةُ المال لا تختصُّ بسليمان عليه السلام؛ فإنه كان لداود عدَّةُ
أولادٍ غيرِه كما رواه الكلينيُّ عنه أيضاً. وذكر غيره أنه عليه السلام تُوفِّي عن
تسعة عشر ابناً (٣)، فالإخبارُ بها عن سليمان ليس في كثيرُ نفع، وإن كان المرادُ
الإخبارَ بما يلزمُها من بقاء سليمان بعد داود عليهما السلام، فما الداعي
للعدول عمَّا يفيده من غير خفاءٍ مثل: وقال سليمانُ بعد موت أبيه داود: ((يا أيها
الناس)) إلخ؟
وأيضاً السياقُ والسباقُ يأبيان أن يكون المرادُ وراثةَ المال كما لا يخفى على
منصِفٍ، والظاهرُ أنَّ الرواية عن الحسن غيرُ ثابتةٍ، وكذا الروايةُ عن أئمة أهل
البيت ، فقد سمعتَ في رواية الكُلينيِّ عن الصادق ظُه ما ينافي ثبوتَها .
ووراثةُ غير المال شائعةٌ في الكتاب الكريم فقد قال عزَّ من قائل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا
اَلْكِنَبَ﴾ [فاطر: ٣٢]، وقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾
[الأعراف: ١٦٩] ولا يضرُّ تفاوتُ القرينة فافهم.
(١) سنن أبي داود (٣٦٤١)، وسنن الترمذي (٢٦٨٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٧١٥)، وابن
ماجه (٢٢٣).
(٢) سلف ٢١٨/٤، ومحمد بن يعقوب الرازي هو أبو جعفر الكُليني بضم الكاف، من فقهاء
الشيعة والمصنِّفين في مذهبهم. توفي سنة (٣٢٨هـ). الإكمال ١٨٦/٧ .
(٣) البحر ٥٩/٧.

سُؤَّةُ النَّصْلِ
٣٧٨
الآية : ١٦
وكان عمرُه يوم توفِّي دواد عليهما السلام اثنتي عَشْرةَ سنةً أو ثلاثَ عَشْرةَ،
وكان داود قد أوصى له بالملك، فلما توِّي ملك وعمرُه ما ذكر.
وقيل: إنَّ داود عليه السلام ولَّاه على بني إسرائيل في حياته، حكاه في
((البحر)(١).
﴿وَقَالَ﴾ تشهيراً لنعمة الله تعالى، وتعظيماً لقَدْرِها، ودعاءً للناس إلى التصديق
بنبوَّته بذِكْرِ المعجزات الباهرات التي أوتيها، لا افتخاراً: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الظاهرُ
عمومُه جميعَ الناس الذين يمكن عادةً مخاطبتُهم. وقال بعض الأجلَّة: المراد به
رؤساء مملكته وعظماءُ دولته من الثَّقَلين وغيرهم، والتعبيرُ عنهم بما ذكر للتغليب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعيِّ أنه قال: الناسُ عندنا أهلُ العلم(٢).
﴿عُلِمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾ أي: نُظْقَه، وهو في المتعارَفِ: كلُّ لفظٍ يعبَّر به عما في
الضمير مفرداً أو مركباً. وقد يطلَقُ على كلِّ ما يصوَّتُ به على سبيل الاستعارةِ
المصرّحة، ويجوزُ أن يعتبر تشبيهُ المصوِّت بالإنسان(٣)، ويكون هناك استعارةٌ
بالكناية وإثبات النطق تخييلاً(٤).
وقيل: يجوز أيضاً أن يراد بالنطق مطلقُ الصوت على أنه مجازٌ مرسَلٌ، وليس
بذاك.
ويحتملُ الأوجهَ الثلاثة قولُه:
حمامةٌ في غصونٍ ذاتٍ أَوْقالٍ (٥)
لم يَمنعِ الشربَ منها غيرَ أنْ نَطَقَتْ
وقد يطلق على ذلك للمشاكلة، كما في قولهم: الناطقُ والصامت، للحيوان
والجماد.
(١) المصدر السابق.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٥.
(٣) في الأصل: بالإسناد، وهو تصحيف، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٨/٧، والكلام
منه.
(٤) في حاشية الشهاب: تخييل.
(٥) سلف ١٨/ ٥٢٦.

الآية : ١٦
٣٧٩
سُوَّةُ النَّصْلِكَ
والذي عُلِّمه عليه السلام من منطق الطير هو - على ما قيل - ما يُفْهَم بعضُه من
بعضٍ من معانيه وأغراضه، ويُحكى أنه عليه السلام مرَّ على بلبلِ في شجرةٍ يحرِّكُ
رأسَه ويُميلُ ذَنَبَه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله تعالى ونبيُّه أعلم.
قال: يقول: أكلتُ نصفَ ثمرةٍ فعلى الدنيا العَفَاءُ. وصاحت فاختة (١)، فأخبَر أنها
تقول: ليت ذا الخَلْقَ لم يُخلقوا. وصاح طاووسٌ فقال: يقول: كما تدينُ تُدان.
وصاح هدهدٌ فقال: يقول: استغفروا الله تعالى يا مذنبون. وصاح ◌ِيطوى(٢) فقال:
يقول كلُّ حيٍّ ميتٌ وكلُّ جديدٍ بالٍ. وصاح خُطَّافٌ(٣) فقال: يقول: قدِّموا خيراً
تجدوه. وصاحت رَحْمةٌ فقال: تقول: سبحان ربيٍّ الأعلى مِلءَ سمائه وأرضه.
وصاح قُمْريٌّ فأخبر أنه يقول: سبحان ربِّي الأعلى.
وقال: الحدأة تقول: كلُّ شيء هالكٌ إلا الله تعالى، والقطاة تقول: مَن سَكَتَ
سَلِمٍ، والببغاءُ يقول: ويلٌ لمن الدنيا همُّه، والديكُ يقول: اذكروا الله تعالى
يا غافلون، والنسر يقول: يا ابن آدم عشْ ما شئت، آخِرُك الموت. والعُقاب يقول:
في البعد من الناس أنسٌ، والضفدع يقول: سبحان ربِّي القدُّوس. والقنبرةُ (٤) تقول:
اللهم الْعَنْ مْبغِضَ محمدٍ وآل محمد، والزرزور يقول: اللهمَّ إنِّي اسألك قوتَ يومٍ
بيومٍ يا رزَّاق، والدُّرَّاج يقول: الرحمنُ على العرش استوى(٥). انتهى، ونَظْمٌ
الضفدع في سلك المذكورات من الطير ليس في محلِّه، ومع هذا اللهُ تعالى أعلمُ
بصحة هذه الحكاية.
وقيل: كانت الطير تكلِّمُه عليه السلام معجزةً له، نحو ما وقع من الهدهد في
القصة الآتية.
(١) ضربٌ من الحمام المطوَّق، إذا مشى توسّع في مشيه وباعد بين جناحيه وإبطيه وتمايل.
المعجم الوسيط (فخت).
(٢) الطّيطوى: طائر من طيور الماء لا يفارق الآجام وكثرة الماء. معجم متن اللغة ٦٤٨/٣ .
(٣) كرُمَّان: طائر أسود. القاموس (خطف).
(٤) كذا في الأصل و(م)، قال البلطليوسي في شرح أدب الكاتب ص١٨١ (القسم الثاني): هي
لغة فصيحة. وقال الفيروزآبادي في القاموس (قبر): القُبر كسُكَّر وصُرَد طائر، الواحدة بهاء،
ويقال: القُنْبَراء، ولا تقل: قُنْبُرة كَقُنْفُذَة.
(٥) عرائس المجالس للثعلبي ص٢٩٧، وتفسير البغوي ٤٠٩/٣ .

سُوَّةُ النَّمْ
٣٨٠
الآية : ١٦
وقيل: عُلِّمَ عليه السلام ما تقصدُه الطير في أصواتها في سائر أحوالها، فيفهم
تسبيحَها ووَعْظَها وما تخاطبه به عليه السلام، وما يخاطبُ به بعضها بعضاً.
وبالجملة علم من مَنْطِقها ما علم الإنسان من منطق بني صنفه. ولا يُستبعد أن
يكون للطير نفوسٌ ناطقةٌ ولغاتٌ مخصوصةٌ تؤدِّي بها مقاصدَها كما في نوع
الإنسان، إلا أنَّ النفوس الإنسانية أقوى وأكملُ، ولا يبعُدُ أن تكون متفاوتةً تفاؤُتَ
النفوس الإنسانية الذي قال به مَن قال.
ويجوزُ أن يعلِّم الله تعالى منطقَها مَن شاء من عباده ولا يختصُّ ذلك بالأنبياء
عليهم السلام، ويجري ما ذكرناه في سائر الحيوانات، وذهب بعض الناس إلى أنَّ
سليمان عليه السلام علِّم منطقها أيضاً إلا أنه نصَّ على الطير لأنها كانت جنداً من
جنوده يحتاج إليها في التظليل من الشمس، وفي البعث في الأمور، ولا يَخْفَى أنَّ
الآية لا تدلُّ على ذلك، فَيَحتاجُ القولُ به إلى نقلٍ صحيح.
وزعم بعضُهم أنه عليه السلام علِّم أيضاً منطقَ النبات، فكان يمرُّ على الشجرة
فتذكرُ له منافعها ومضارَّها، ولم أجد في ذلك خبراً صحيحاً. وكثير من الحكماء
مَن يعرف خواصَّ النبات بلونه وهيئته وطعمه وغير ذلك، ولا يحتاج في معرفتها
إلى نُطْقِه بلسان القال.
والضمير في ((علِّمنا)) و((أوتينا)) قيل: له ولأبيه عليهما السلام، وهو خلافُ
الظاهر، والأَّوْلَى كونُه له عليه السلام. ولمَّا كان ملكاً مطاعاً خاطب رعيَّته على
عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة من التمهيد لِمَا يُراد من الرعية من الطاعة
والانقياد في الأوامر والنواهي، ولم يكن ذلك تَعاظُماً وتكبُّراً منه عليه السلام.
ومراعاةُ قواعد السياسة للتوصُّل بها إلى ما فيه رضا الله عزَّ وجلَّ من الأمور
المهمة، وقد أَمَر نبيُّنَا وَِّ العباس بحبْسٍ أبي سفيان حتى تمرَّ عليه الكتائبُ يومَ
الفتح لذلك.
و((كلّ)) في الأصل للإحاطة، وتَرِدُ للتكثير كثيراً، نحو قولك: فلانٌ يقصده كلُّ
أحدٍ، ويَعْلَم كلَّ شيء، وهي كنايةٌ في ذلك أو مجازٌ مشهور، وهذا المعنى هو
المرادُ هنا إذا جُعِلَتْ (مِن)) صلةً، وهو المناسبُ لمقام التحدُّثِ بالنعم، وإنْ لم