النص المفهرس

صفحات 301-320

الآية : ٢١٥
٣٠١
سُورَةُ الشعراء
المجاز المرسل وعلاقتُه اللزوم. ويستعمل في التكبُّر رَفْعُ الجناح، وعلى ذلك جاء
قول الشاعر:
فلا تُ في رفعه أجدلا (١)
وأنت الشهير بخفْضٍ الجناح
و(من)) قيل: بيانية؛ لأنَّ((مَن اتَبع)) في أصل معناه أعُّ ممن اتّبع لدينٍ أو غيره،
ففيه إبهامٌ، وبذِكْرِ المؤمنين المرادِ بهم المشَّعون للدِّين زال ذلك.
وقيل: للتبعيض، بناءً على شيوع مَن اتَّبِعِ فيمَن اتَّبع للدِّين، وحَمْلِ المؤمنين
على مَن صدَّق باللسان ولو نفاقاً، ولا شكَّ أنَّ المتَّبعين للدِّين بعضُ المؤمنين بهذا
المعنى، وجوِّز أن يُحمل على مَن شارف وإن لم يؤمن، ولا شكَّ أيضاً أنَّ المتَِّعِين
المذکورین بعضُهم.
وفي الآية على القولين أمرٌ بالتواضُع لمن اتّبع للدين.
وقال بعضهم على تقدير كونها بيانيةً: إن ((المؤمنين)) يرادُ بهم الذين لم
يؤمنوا بعدُ وشارَفوا لأَنْ يؤمنوا كالمؤلَّفة مجازٌ باعتبار الأَوْل، وكان ((مَن اتَّبعك)»
شائعاً فيمَن آمَنَ حقيقةً ومَن آمَنَ مجازاً، فبيَّن بقوله تعالى: ((من المؤمنين)) أنَّ
المراد بهم: المُشارِفون، أي: تَواضَعْ للمشارفين استمالةً وتأليفاً. وعلى تقدير
كونها تبعيضيةً يراد بالمؤمنين: الذين قالوا آمنًا، وهم صنفان: صنفٌ صَدَّقَ
واتَّبع، وصنفٌ ما وُجِدَ منهم إلَّا التصديق، فقيل: ((من المؤمنين)) وأريد بعضُ
الذين صدَّقوا واتَّبعوا، أي: تَواضَعْ لبعض المؤمنين، وهم الذين اتَّبعوك محبةً
ومودةً.
وعلى هذا يكون الذين أُمر ◌َله بالتواضُع لهم على تقدير البيان غيرَ الذين(٢) أُمر
عليه الصلاة والسلام بالتواضُع لهم على تقدير التبعيض.
وقال بعض الأَجِلَّة: الاتِّباع والإيمانُ توأمان؛ إذ المتبادرُ من اتِّباعه عليه
الصلاة والسلام اتِّباعُه الدينيُّ، وكذا المتبادرُ من الإيمان الإيمانُ الحقيقيُّ، وذكر
((من المؤمنين)) لإفادة التعميم كذِكْرٍ: ((يطير بجناحيه)) بعد ((طائر)) في قوله تعالى:
(١) الكشاف ١٣١/٣، والبحر ٤٦/٧ .
(٢) في (م): الذي.

سُورَةُ الشّعراء
٣٠٢
الآية : ٢١٦
﴿وَلَا طَيٍِ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وتفيدُ الآية الأمرَ بالتواضع لكلِّ مَن آمَنَ من
عشيرته وَ لقر وغيرهم.
وقال الطيبيُّ: الأَجْرَى (١) على أفانين البلاغة أن يُحمَلَ الكلام على أسلوبٍ وَضْعِ
المُظْهَرِ موضعَ المضمَرِ، وأنَّ الأصل: وأنذر عشيرتك الأقربين، واخْفِضْ جناحك
لمن اتَّبعك منهم، فعدل إلى المؤمنين ليعمَّ ويؤذِنَ أنَّ صفةَ الإيمان هي التي يستحقُّ أن
يُكْرَم صاحبُها ويتواضع لأَجْلِها مَن اتَّصف بها سواءٌ كان من عشيرتك أو غيرهم.
وليس هذا بالبعيد، لكنِّي أختارُ كونَ ((من)) بيانيةً، وأنَّ عموم ((مَن اتَّبعك))
باعتبارٍ أصل معناه. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت
(وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) بدأ ◌َّرَ بأهل بيته وفصيلته، فشقَّ ذلك على المسلمين،
فأنزل الله تعالى: (وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(٢).
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ()﴾ الظاهر أنَّ الضمير المرفوع في
((عصوك)) عائدٌ على مَن أنذر وّل بإنذارهم وهم العشيرة، أي: فإنْ عَصَوْك ولم
يتَّبعوك بعد إنذارهم فقل: إنِّي بريءٌ من عملكم، أو: الذي تعملونه، من دعائكم
مع الله تعالى إلهاً آخر. وجوِّز أن يكون عائداً على الكفار المفهوم من السياق.
وقيل: هو عائدٌ على مَن اتَّبع من المؤمنين، أي: فإن عَصَوْكَ يا محمدُ في
الأحكام وفروع الإسلام بعد تصديقك والإيمان بك وتواضُعِكَ لهم، فقل: إني
بريءٌ مما تعملون من المعاصي، أي: أَظْهِرْ عَدَمَ رضاك بذلك وإنکارَه عليهم.
وذُكِرَ على هذا أنه تَِّ لو أُمر بالبراءة منهم ما بقي شفيعاً للعصاة يوم القيامة.
والآيةُ على غير هذا القول منسوخةٌ؛ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال:
أمره سبحانه بهذا ثم نَسَخَه فأمره بجهادهم (٣). وفي ((البحر)): هذه موادَعةٌ، نسختها
آيةُ السيف (٤).
(١) في (م): الإجراء.
(٢) تفسير الطبري ٦٦٥/١٧، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٩٨/٥.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٧.
(٤) البحر ٧ / ٤٧ .

الآية : ٢١٧
٣٠٣
سُورَةُ الشَّجَرَاء
فهو سبحانه يقهرُ مَن يعصيك منهم ومِن غيرِهم
٢١٧
﴿وَتَّكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
بعزَّته، وينصرُك برحمته. وتقديمُ وصفِ العزةِ قيل: لأنه أوفقُ بمقام التسلِّي عن
المشاقِّ اللَّاحقةِ من القوم إليه ◌َّ. وجوِّز أن يكون ذلك لأنَّ العزة كالعلَّة
المصحِّحةِ للتوكُّل، والرحمة كالعلَّة الداعية إليه.
وفسَّرِه غيرُ واحدٍ بتفويض الرجل أمرَه إلى مَن يملكُ أمرَه ويَقْدِرُ على أن ينفعه
ويضرَّه، وقالوا: المتوكّلُ مَن إن دَهَمَه أمرٌ لم يحاول دفعَه عن نفسه بما هو
معصيةٌ لله تعالى. وذكر بعضُهم أنَّ هذا مِن أحَطِّ مراتب التوّل وأدناها.
ونقل عن بعض العارفين أنه فيما بين الناس على ثلاث درجاتٍ:
الأولى: التوّل مع الطلب ومُعاطاةِ السبب على نية شغل النفس ونَفْعِ الخَلْقِ
وتَرْكِ الدعوى.
والثانية: التوكُّل مع إسقاط الطلب وغضِّ العين عن السبب اجتهاداً في تصحيح
التوكُّل، وَقَمْعِ تشرُّفِ النفس تفرُّغاً إلى حِفْظِ الواجبات.
والثالثة: التوُّل مع معرفة التوُّلِ النازعة إلى الخلاص من علَّة التوُّل، وذلك
أنْ يعلمَ أنّ الله تعالى لم يترك أمراً مهمَلاً، بل فرغ من الأشياء كلِّها وقدَّرها، وشأنهُ
سبحانه سوقُ المقادير إلى المواقيت، فالمتوكّلُ مَن أراح نفسه من كدِّ النظر ومطالعةٍ
السبب سكوناً إلى ما سبق من القسمة، مع استواء الحالين، وهو أن يعلم أنَّ الطلب
لا ينفع والتوُّلَ لا يمنع. ومتى طالع بتوتُّله عوضاً كان توكُّله مدخولاً وقَصْدُه
معلولاً، وإذا خلص من رقِّ الأسباب، ولم يلاحظُ في توُّله سوى خالصٍ حقِّ الله
تعالی، كفاه الله تعالی کلَّ مھمٍّ.
وبيَّن العلّامةُ الطيبيُّ أنَّ في قوله تعالى: (وَتَوَكَّلٌ) إلخ إشارةٌ إلى المراتب الثلاث
بما فيه خفاء.
وفي مصاحف أهل المدينة والشام: (فَتَوَكَّلْ) بالفاء، وبه قرأ نافعٌ وابنُ عامٍ
وأبو جعفر وشيبة(١)، وخرِّج على الإبدال من جواب الشرط. وجَعَلَ في
(١) التيسير ص ١٦٧، والنشر ٣٣٦/٢ عن نافع وابن عامر وأبي جعفر، وذكرها عنهم وعن شيبة
أبو حيان في البحر ٧ / ٤٧ .

سُورَةُ الشعراء
٣٠٤
الآية : ٢١٨ - ٢١٩
((الكشاف)) الفاءَ للعطف، وما بعده معطوفاً على ((فقل)) أو ((فلا تدع))(١). وما ذُكر
أوَّلاً أظهر.
﴿الَّذِى يَرَئِكَ حِينَ تَقُوُ (٣٨)﴾ أي: إلى الصلاة ﴿وَتَقَلُّكَ﴾ أي: ويرى سبحانه
تغيُّرك من حالٍ كالجلوس والسجود إلى آخَرَ كالقيام. ﴿فِ السَّجِدِينَ ﴾﴾ أي:
فيما بين المصلِّين إذا أَمَمْتَهم، وعبّر عنهم بالساجدين لأنَّ السجود حالةُ مزيدٍ قُرْبٍ
العبد من ربِّه عزَّ وجلَّ، وهو أفضلُ الأركان على ما نصَّ عليه جمعٌ من الأئمة،
وتفسيرُ هذه الجملة بما ذُكر مرويٌّ عن ابن عباس وجماعةٍ من المفسِّرين، إلّا أنَّ
منهم مَن قال: المراد: حين تقومُ إلى الصلاة بالناس جماعةٌ.
وقيل: المعنى: يراك حين تقومُ للتهُجّد، ويرى تقلُّبك، أي: ذهابك ومجيئك
فيما بين المتهجِّدين؛ لتتصفّح أحوالهم وتطّلع عليهم من حيث لا يشعرون،
وتستّبْطِنَ سرائرهم وكيف يعملون لآخرتهم، كما رُوي أنه لمَّا نُسخ فرضُ قيام
الليل طاف ◌َ و تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصاً على كثرة
طاعاتهم، فوجدها كبيوت النحل لِمَا سمع لها من دندنتهم بذِكْرِ الله تعالى
والتلاوةٍ(٢).
وعن مجاهدٍ أنَّ المراد بقوله سبحانه: (وَتَقَلُكَ فِ السَِّدِينَ) تقلُّبَ بَصَره عليه
الصلاة والسلام فيمَن يصلِّي خَلْفَه، فإنه وَِّ كان يرى مِن خَلْفِه. ففي ((صحيح
البخاريِ)) عن أنس قال: أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله وَله بوجهه فقال:
(أقيموا صفوفكم وتراصُوا، فإني أراكم من وراء ظهري))(٣).
وفي رواية أبي داود عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ وَ ◌ّرَكان يقول: ((اسْتَؤُوا اسْتَوُوا،
والذي نفسي بيده إنِّي لأراكم مِن خَلْفي كما أراكم من بين يديّ»(٤).
ولا يَخْفَى بُعْدُ حَمْلِ ما في الآيةِ على ما ذُكر.
(١) الكشاف ٣/ ١٣٢ .
(٢) ذكره البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٩/٧.
(٣) صحيح البخاري (٧١٨)، وهو عند أحمد (١٢٠١١)، ومسلم (٤٣٤).
(٤) لم نقف عليه، وأخرجه النسائي في المجتبى ٩١/٢ بهذا اللفظ من حديث أنس
عُنَّه.

الآية : ٢١٩
٣٠٥
سُورَةُ الشَّجَرَاء
وقيل: المراد بـ ((الساجدين)): المؤمنون، والمعنى: يراك حين تقوم لأداء
الرسالة، ويرى تقلَّبك وتردُّدك فيما بين المؤمنين أو معهم فيما فيه إعلانُ أمرٍ الله
تعالى وإعلاءُ كلمته سبحانه. وتفسيرُ ((الساجدين)) بالمؤمنين مرويٌّ عن ابن عباس
وقتادةَ، إلَّا أنَّ كون المعنى ما ذُكر لا يخلو عن خفاء.
وعن ابن جبير: أنَّ المراد بهم الأنبياءُ عليهم السلام، والمعنى: ويرى تقلُّبَكَ
كما يتقلَّبُ غيرُكَ من الأنبياء عليهم السلام في تبليغ ما أمروا بتبليغه. وهو كما ترى،
وتفسيرُ ((الساجدين)) بالأنبياء رواه جماعةٌ منهم الطبرانيُّ والبزَّارُ وأبو نعيم عن ابن
عباس أيضاً، إلَّا أنه رضّبه فسَّر التقلُّبَ فيهم بالتنقُّل في أصلابهم حتى ولدته أمُّه عليه
الصلاة والسلام(١).
وجوِّز على حَمْلِ التقلُّبِ على التنقُّل في الأصلاب أن يراد بالساجدين
المؤمنون.
واستُدلَّ بالآية على إيمان أبويه وَّهِ كما ذهب إليه كثيرٌ من أجلَّة أهل السنّة،
وأنا أخشى الكفرَ على مَن يقول فيهما رِّ - على رَغْمِ أنفِ عليٍّ القاري
وأضرابه - بضدِّ ذلك(٢)، إلَّا أنّي لا أقولُ بحجّةِ الآيةِ على هذا المطلب.
ورؤيةُ الله تعالى انكشافٌ لائقٌ بشأنه عزَّ شأنهُ غيرُ الانكشاف العِلْميِّ، ويتعلَّق
بالموجود والمعدوم الخارجيّ عند العارفين، وقالوا: إنَّ رؤية الله تعالى للمعدوم
نظيرُ رؤية الشخص القيامةَ ونحوها في المنام. وكثيرٌ من المتكلِّمين أنكروا تعلُّقها
بالمعدوم، ومنهم مَن أَرْجَعها إلى صفة العلم، وتحقيقُ ذلك في محلِّه.
وفي وَصْفِه تعالى برؤيته حالَه ◌َِّ التي بها يستأهلُ ولايَتْه بعد وَصْفِه بما تقدَّم
تحقيقٌ للتوكُّل، وتَوْطينٌ لقلبه الشريف - عليه الصلاة والسلام - عليه.
وقرأ جناح بن حبيش: ((ويقلِّبك)) مضارع قلَّب مشدّداً(٣). وخرَّج ذلك أبو حيان
(١) المعجم الكبير (١٢٠٢١)، ومسند البزار (٢٢٤٢ - كشف)، ودلائل النبوة لأبي نعيم (١٧)،
وأخرجه أيضاً ابن سعد ٢٥/١، وابن أبي حاتم ٢٨٢٨/٩. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٨٦/٧: رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح غير شبيب بن بشر، وهو ثقة.
(٢) سلف الكلام في هذه المسألة ٢/ ٤١٥ - ٤١٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والبحر ٧ / ٤٧ .

سُورَةُ الشّعراء
٣٠٦
الآية : ٢٢٠ - ٢٢١
على العطف على ((يراك))(١)، وجوِّز العطف على ((تقوم)). وفي الكلام على هذه
القراءة إشارةٌ إلى وقوع تقلَّبِه وَسَلَّ في الساجدين على وجه الكمال، وكمالُ التقلُّب
في الصلاة كونُه بخشوعِ يغفلُ معه عمَّا سوى الله تعالى.
﴿إِنَُّ هُوَ السَّيعُ﴾ بكلِّ ما يصحُّ تعلُّقُ السمع به، ويندرجُ فيه ما يقولهِ وَّ.
﴿الْعَلِيمُ ﴾ بكلِّ ما يصحُّ تعلَّق العلم به، ويندرجُ فيه ما يعملهُ أو يَنْوِيه عليه
الصلاة والسلام.
وفي الجملة الاسمية إشارةٌ إلى أنه سبحانه متَّصفٌ بما ذكر أزلاً وأبداً،
ولا توقُّفَ لذلك على وجود المسموعات والمعلومات في الخارج. والحصرُ فيها
حقيقيٌّ، أي: هو تعالى كذلك لا غيرُه سبحانه وتعالى.
وكأنَّ الجملة متعلِّقة بالجملتين الواقعتين في حيِّز الجزاء جيء بها للتحريض
على القول السابق والتوثّل. وجوِّز أن تكون متعلِّقةً بما في حيِّز الصلة، والمراد
منها التحريضُ على إيقاع الأقوال والأفعال التي في الصلاة على أكمل وجهٍ،
فتأمَّل .
﴾ إلخ مسوقٌ لبيان استحالةٍ
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُتْبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ
تنزُّلِ الشياطين على رسول الله وَّهِ بعد بيان امتناع تنزُّلهم بالقرآن. وهذه الجملةُ
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ إلخ [الآية: ١٩٢] وقولُه سبحانه: ﴿وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَّطِينٌ﴾ إلخ [الآية: ٢١٠] أخواتٌ، وفرِّق بينهنَّ بآياتٍ ليست في معناهنَّ ليرجعَ
إلى المجيء بهنَّ وتَظْريةِ ذِكْرٍ ما فيهنَّ كرَّةً بعد كَرَّةٍ، فيدل بذلك على أنَّ المعنى
الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدَّت عنايةُ الله تعالى بها، ومثاله أن يحدِّث
الرجلُ بحديث وفي صدره اهتمامٌ بشيءٍ منه وفَضْلُ عنايةٍ، فتراه يُعيد ذِكْرَه ولا ينفكُ
عن الرجوع إليه .
والاستفهامُ للتقرير، و((على مَن)) متعلِّقٌ بـ ((تنزَّل)) قدِّم عليه لصدارة المجرور،
وتقديمُ الجارِّ لا يضرُّ كما بيِّن في النحو.
(١) البحر ٧ / ٤٧ .

الآية : ٢٢١
٣٠٧
سُوَّةُ الشّعرّة
وقال الزمخشريُّ(١) في ذلك: إنَّ ((مَن)) متضمّنةٌ معنى الاستفهام، وليس معنى
التضمُّنِ أنَّ الاسم دلَّ على معنيين معاً: معنى الاسم ومعنى الحرف، وإنما معناه أنَّ
الأصل: أَمَن، فحذف حرفُ الاستفهام واستمرَّ الاستعمالُ على حَذْفِه كما حُذِفَ
من ((هل)»، والأصل: أَهَل، كما قال:
سائِلْ فوارسَ يربوعٍ بشدَّتنا
أَهَلْ رَأَوْنا بسَفْحِ القاعِ ذي الأكم (٢)
فإذا أَدْخَلْتَ حرفَ الجرِّ على ((مَن)) فقدِّر الهمزةَ قبل حرف الجرِّ في ضميرك،
كأنك تقول: أَعَلى مَن تنزَّلُ الشياطين، كقولك: أَعَلی زیدٍ مررت. اهـ.
وتعقّبه صاحب ((الفرائد)» بقوله: يُشْكِلُ ما ذَكَر بقولهم: من أين أنت؟ ومن أين
جئت؟ وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] وقولهم(٣): فيمَ وبمَ ومَّ
وحتّام، ونحوها.
وأجاب صاحب ((الكشف)) بأنه لا إشكال في نحو: مِن أين أنت؟ لأنَّ التقدير:
أَمِنَ البصرةِ أم من الكوفة، مثلاً، ولا يَخْفَى أنه لا يحتاج - على ما حقَّقه النحاة - إلى
جميع ذلك.
وجملة ((على مَن تنزَّلُ)) إلخ في موضع نَصْبٍ بـ ((أنبئكم)) لأنه معلَّقٌ بالاستفهام،
وهي إمّا سادَّةٌ مسدّ المفعول الثاني إن قدَّرتَ الفعل متعدِّياً لاثنين، ومسدَّ مفعولين
إن قدَّرته متعدِّياً لثلاثة، والمراد: هل أُعْلِمُكم جوابَ هذا الاستفهام، أعني: ((على
مَن تنزَّلُ الشياطين)). وأصل ((تَنزَّلُ)): تتنزّلُ فحذف إحدى التاءين.
(١) في الكشاف ١٣٢/٣.
(٢) البيت لزيد الخيل الطائي، وهو في ديوانه ص ١٠٠، والمقتضب ٤٤/١، والخصائص
٤٦٣/٢، وأمالي ابن الشجري ١٦٣/١، والمغني ص ٤٦٠، والخزانة ٢٦١/١١. والبيت
من أبيات قالها الشاعر في إغارة أغارها على بني يربوع، ويربوع أبو حيٍّ من تميم، والباء
بمعنى ((عن))، والشَّدة بفتح الشين: الحملة، وروي بكسرها. والقاع: المستوي من
الأرض. والأكَم جمع أَكّمة، وهي ما ارتفع من الأرض. شرح شواهد المغني للبغدادي
٧٢/٦. ويروى: بسفح القُف، وهو ما ارتفع من الأرض في صلابة كما قال ابن
الشجري.
(٣) في (م): وقوله.

سورة الشعراء
٣٠٨
الآية : ٢٢٢ - ٢٢٣
والكلام على معنى القول عند أبي حيان، كأنه قيل: قل يا محمد: هل أنبئكم
على مَن تنَزَّلُ الشياطين(١).
﴿َتَُّ عَلَى كُلِّ أَقَّالٍ﴾ أي: كثيرِ الإفك، وهو الكذب ﴿أَثِرٍ ﴾﴾ كثيرٍ الإثم.
و((كلّ) للتكثير، وجوِّز أن تكون للإحاطة، ولا بُعْدَ في تنزُّلها على كلِّ كاملٍ في
الإفك والإثم كالكهنة، نحو: شقّ بنِ رهم بن نذير، وسطيح بن ربيعة بن عدي(٢).
والمراد - بواسطة التخصيص في معرض البيان، أو السياقٍ، أو مفهوم المخالفة
عند القائل به - قَصْرُ تنزّلهم على كلِّ مَن اتَّصفَ بما ذُكر من الصفات، وتخصيصٌ له
بهم لا يتخطَّاهم إلى غيرهم. وحيث كانت ساحةُ رسول الله وَّه منزَّهةً عن أن يحومَ
حولها شائبةُ شيءٍ من تلك الأوصاف، اتَّضح استحالةُ تنزُّلِهم عليه عليه الصلاة
والسلام.
﴿يُلْقُونَ﴾ أي: الأقَّاكون ﴿الشّمْعَ﴾ أي: سَمْعَهم إلى الشياطين، وإلقاءُ السمع
مجازٌ عن شدة الإصغاء للتلقِّي، فكأنه قيل: يُصْغون أشدَّ إصغاءٍ إلى الشياطين
فيتلقَّون منهم ما يتلقّون.
﴾ فيما يقولونه من الأقاويل.
﴿وَأَكْتَرُهُمْ﴾ أي: الأفاكين ﴿كَذِبُنَ
والأكثريةُ باعتبار أقوالهم، على معنى أنَّ هؤلاء قلَّما يَصْدُقون في أقوالهم، وإنما هم
في أكثرها كاذبون، ومالُه: وأكثرُ أقوالهم كاذبةٌ، لا باعتبار ذواتهم حتى يلزمَ من
نسبة الكذب إلى أكثرهم كونُ أقلِّهم صادقين على الإطلاق، ويُلتزمُ لذلك كونُ
الأكثر بمعنى الكلّ. وليس معنى الأقَّاكِ مَن لا ينطقُ إلا بالإفك حتى يمتنعَ منه
الصدقُ، بل مَن يُكثر الإفك، فلا ينافيه أن يَصْدُقَ نادراً في بعض الأحايين.
وجوِّز أن يكون السمع بمعنى المسموع، وإلقاؤه مجازٌ عن ذِكْرِه أن(٣) يلقي
(١) البحر ٧ / ٤٧-٤٨ .
(٢) اسم سطيح هو: ربيع بن ربيعة بن مسعود، وشق هو ابن صعب بن يشكر بن رُهْم بن أَفْرك،
ويقال إن خالد بن عبد الله القسري كان من سلالته، وذكر السهيلي أن شَقًّا وسهيلاً ولدا في
يوم واحد، وكان يومَ ماتت طريفة بنت الخير الحميرية، ويقال: إنها تَفَلَتْ في فم كلِّ
منهما، فورث الكهانة عنها. البداية والنهاية ١١٧/٣-١١٨.
(٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: أي. ينظر تفسير أبي السعود ٢٦٩/٦.

الآية : ٢٢٣
٣٠٩
سُوَّةُ الشّعراء
الأقَّاكون إلى الناس المسموعَ من الشياطين، وأكثرُهم كاذبون فيما يَحْكُون عن
الشياطين، ولم يَرْتَضِه بعضُهم لبُعْدِهِ، أو لقلَّة جَدْوَاه على ما قيل.
واختلف في سبب كون أكثر أقوالهم كاذبةً؛ فقيل: هو بعد البعثة كونهم يتلقّون
منهم ظنوناً وأماراتٍ؛ إذ ليس لهم من علم الغيب نصيبٌ، وهم محجوبون عن خبر
السماء، ولعدم صفاء نفوسهم قلَّما تَصْدُقُ ظنونُهم، ومع ذلك يَضُم الأفَّاكون إليها
لعدم وفائها بمرادهم على حَسَب تخيُّلاتهم أشياءَ لا يطابقُ أكثرها الواقع. وقبل
البعثة إذ كانوا غيرَ محجوبين عن خبر السماء، وكانوا يسمعون من الملائكة عليهم
السلام ما يسمعونه من الأخبار الغيبية، يحتمل أن يكون كثرةَ غَلَطِ الأفَّاكين في
الفهم لقصور فهمهم عنهم. ويحتمل أن يكون ضمَّهم إلى ما يفهمونه من الحقِّ
أشياءَ من عند أنفسهم لا يطابقُ أكثرها الواقع، ويحتمل أن يكون كثرةَ غلطٍ
الشياطين الذين يوحون إليهم في الفهم عن الملائكة عليهم السلام؛ لقصور فهمهم
عنهم، ويحتمل أن يكون ضمَّ الشياطين إلى ما يفهمونه من الحقِّ من الملائكة
عليهم السلام أشياءَ من عند أنفسهم لا يطابق أكثرُها الواقعَ، ويحتمل أن يكون
مجموعَ ما ذكر.
وقيل: هو قبل البعثة يحتمل أن يكون أحدَ هذه الأمور، وأما بعد البعثة فهو
كثرةُ خَلْطِهم الكذبَ فيما تَخْطَفُه الشياطين عند استراقهم السمعَ من الملائكة ويُلقونه
إليهم .
فقد أخرج البخاريُّ ومسلمٌ وابن مردويه عن عائشةً ﴿ُّها قالت: سأل أناسٌ
النبيَّ ◌ََّ عن الكهَّان، فقال: ((إنهم ليسوا بشيءٍ)) فقالوا: يا رسول الله، إنهم
يحدِّثون أحياناً بالشيء يكون حقًّا. قال: ((تلك الكلمة من الحقِّ(١) يحفظها الجنيُّ
فيقذفها في أذن وليِّه، فَيَخْلِطون فيها أكثر من مئة كذبة))(٢).
(١) جاء في هامش الأصل: وفي رواية: من الجن بجيم ونون، وهي رواية صحيحة. اهـ منه.
وفي حاشية (م): ورواية من الجن بجيم ونون بدله رواية صحيحة. اهـ منه. ووردت هذه
الرواية عند مسلم (٢٢٢٨): (١٢٣).
(٢) صحيح البخاري (٥٧٦٢)، وصحيح مسلم (٢٢٢٨): (١٢٢)، وفيهما: يخطفها، بدل:
يحفظها. قال ابن حجر في الفتح: ٢١٩/١٠: يخطفها بخاء معجمة وطاء مفتوحة وقد تكسر
=

سُورَةُ الشَّجَرَاء
٣١٠
الآية : ٢٢٣
وقيل: هو قبل البعثة وبعدها كثرةُ خَلْطِ الأَّاكين الكَذِبَ فيما يتلقَّوْنَه من
الشياطين؛ أمَّا كثرتُه قبل البعثة فلظاهر الخبر المذكور، وأما كثرتُه بعد البعثة فلِمَا
أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة
أنه قال في هذه الآية: كانت الشياطين تصعدُ إلى السماء فتستمعُ، ثم تنزل إلى
الكهنة فتخبرُهم، فتحدِّثُ الكهنةُ بما أنزلت به الشياطين من السمع، وتخلط به
الكهنةُ كذباً كثيراً فيحدِّثون به الناس، فأمَّا ما كان من سمع السماء فيكون حقًّا،
وأمَّا ما خلطوه به من الكذب فيكون كذباً(١).
ولا يَخْفَى أنَّ القول بأنَّ الشياطين بعد البعثة يُلْقُون ما يَسْتَرِقونه من السمع إلى
الكهنة غيرُ مُجْمَعٍ عليه، ومِن القائلين به مَن يجوِّز أن يكون ضمير ((يُلقون)) في الآية
راجعاً إلى الشياطين، والمعنى: يُلقي الشياطينُ المسموعَ من الملأ الأعلى قبل أن
يُرجَموا من بعض المغيبات إلى أوليائهم، وأكثرُهم كاذبون فيما يُوحون به إليهم، إذ
لا يُسْمِعونهم على نحو ما تكلَّمت به الملائكة عليهم السلام، لشرارتهم أو لقصور
فَهْمِهم أو ضبطهم أو إفهامھم.
وقيل: المعنى عليه: يُنْصِتُّ الشياطين ويستمعون إلى الملأ الأعلى قبل الرجم،
وأكثرُهم كاذبون فيما يوحون به إلى أوليائهم بعدُ؛ لشرارتهم أو لأنهم لا يسمعون
في أنفسهم أو لا يُسمعون أولياءهم بعد ذلك السمع (٢) كلام الملائكة عليهم السلام
على وجهه.
وجملة ((يلقون)) على تقدير كون الضمير للأنَّاكين صفةٌ لـ ((كلّ أقَّاك)) لأنه في
معنى الجمع، سواءٌ أريد بإلقاء السمع الإصغاءُ إلى الشياطين، أو إلقاءُ المسموع
إلى الناس.
= بعدها فاء، ومعناه الأخذ بسرعة، وفي رواية الكُشْمِيهَني: ((يحفظها)) بتقديم الفاء بعدها ظاء
معجمة، والأول هو المعروف، والله أعلم.
(١) تفسير عبد الرزاق ٧٨/٢، وتفسير الطبري ٦٧١/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٠-٢٨٣١،
وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٩٩/٥، وعنه نقل المصنف، وهو عند عبد الرزاق
والطبري مختصر.
(٢) في الأصل: التسمع.

الآية : ٢٢٣
٣١١
سُورَةُ الشَّجَآء
وجوِّز أن تكون استئنافاً إخباراً بحالهم على كِلَا التقديرين، لِمَا أنَّ كلَّ من
تلقِّيهم من الشياطين وإلقائهم إلى الناس يكونُ بعد التنزّل، واستُظهر تقدير المبتدأ
على هذا. وأن تكون استنئنافاً مبنيًّا على السؤال، كأنه قيل: ما يفعلون عند تنزُّل
الشياطين، أو: ما يفعلون بعد تنزلهم؟ فقيل: يُلْقُون إليهم أسماعَهم ليحفظوا
ما يوحون به إليهم، أو: يلقون ما يسمعونه منهم إلى الناس.
وجوِّز أن تكون حالاً منتظرةً على التقديرين أيضاً.
وهي على تقدير كون الضمير للشياطين، والمعنى ما سمعتَ أولاً، قيل:
تحتملُ أن تكون استئنافاً مبيِّناً للغرض من التنزّل مبنيًّا على السؤال عنه، كأنه
قيل: لِم تنزلُ عليهم؟ فقيل: يُلقون إليهم ما سمعوه. وأن تكون حالاً منتظرةً من
ضمير الشياطين، أي: تنزَّلُ على كلِّ أفاكٍ أثيم مُلْقينَ ما يسمعونه من الملأ
الأعلى إليهم.
وعلى ذلك التقدير، والمعنى ما سمعت ثانياً، قيل: لا يجوز أن تكون استئنافاً
نظير ما ذكر آنفاً، ولا أن تكون حالاً أيضاً؛ لأن إلقاء السمع بمعنى الإنصاتِ مقدَّمٌ
على التنزّل المذكورِ، فكيف يكون غرضاً منه أو حالاً مقارنةً أو منتظرةً؟ ويتعيَّنُ
كونُها استئنافاً للإخبار بحالهم.
وتعقِّب بأنه غير سديدٍ؛ لأنَّ ذِكْرَ حالِهِم السابقةِ على تنزُّلهم المذكورِ قبله غيرُ
خليقٍ بجزالة التنزيل، ومن هنا قيل: إنَّ جَعْلَ الضمير للشياطين وحَمْلَ إلقاء السمع
على إنصاتهم وتسمُّعهم إلى الملأ الأعلى مما لا سبيلَ إليه. وفيه نظر.
وجملة ((هم(١) كاذبون)) استئنافيةٌ، أو تَحتَمِلُ الاستئنافيةَ والحاليةَ.
هذا، واعلم أنَّ ها هنا إشكالاً وارداً على بعض الاحتمالات في الآية؛ لأنها
عليه تفيدُ أنَّ الشياطين يسمعون من الملائكة عليهم السلام ما يسمعونه ويلقونه إلى
الأقَّاكين، وقد تقدَّم ما يدلُّ على منعهم عن السمع، أعني قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ
السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢].
(١) كذا في الأصل و(م)، والمقصود: أكثرهم، وينظر البحر ٤٨/٧.

سُورَةُ الشّعراء
٣١٢
الآية : ٢٢٣
وأجيبَ بأنَّ المراد بالسمع فيما تقدَّم السمعُ المعتدُّ به، وفيما ها هنا السمعُ في
الجملة، ويراد به الخطفةُ المذكورةُ في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾
[الصافات: ١٠] والكلمةُ المذكورةُ في خبر الصحيحين وابن مردويه السابقِ آنفاً .
واعتُرِضَ بأنَّ مَن خَطِفَ لا يبقى حيًّا إلى أن يوصِلَ ما خطفه إلى وليِّه؛ لظاهر
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَلْفَةَ فَأَبْعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] فإنَّ ظاهره أنه
يهلك بالشهاب الذي لحقه.
وأجيب بأنَّ نفي بقائه حيًّا غيرُ مسلَّم، ولا نسلِّم أنَّ الآية ظاهرةٌ فيما ذكر؛ إذ
ليس فيها أكثرُ من إتْباع الشهاب الثاقب إياه، وهو يحتملُ الزَّجْرَ كما يحتملُ
الإهلاك، فليُرَدْ إتباعه للزَّجر مع بقائه حيًّا، فإنَّ الخبر المذكور يقتضي بقاءه كذلك.
وجاء عن ابن عباس أنَّ الشياطين كانوا لا يُحجَبون عن السماوات، وكانوا
يدخلونها ويأتون بأخبارها، فيُلْقون إلى الكهنة، فلمَّا ولد عيسى عليه السلام مُنعوا
من ثلاث سماوات، فلمَّا وُلد محمدٌ وَّهِ منعوا من السماوات كلِّها، فما منهم من
أحدٍ يريد اسْتِراقَ السمع إلا رُمي بشهابٍ - وهو الشعلة من النار - فلا يخطئ أبداً،
فمنهم مَن يقتلُه، ومنهم مَن يُحْرِقُ وجهَه، ومنهم مَن يَخْبلُه فيصير غولاً يُضِلُّ الناسَ
في البراري(١) .
وقيل: إنَّ المراد بالسمع فيما تقدَّم سمعُ الوحي، وفيما هنا سمعُ المغيبات
غيرِهِ، وهم غيرُ ممنوعينَ عنه قبل البعثة وبعدها. وهذا مأخوذٌ من كلام
عبد الرحمن بن خلدون في ((مقدِّمة)) تاريخه التي لم يُنْسَجْ على منوالها - وإن كان
للطعن فيها مجالٌ - قال: إنَّ الآيات إنما دلَّتْ على منع الشياطين من نوعٍ واحدٍ من
أخبار السماء، وهو ما يتعلَّقُ بخبر البعثة، ولم يُمنعوا ممَّا سوى ذلك(٢). بل
ربما يقال: إنَّ في كلامه بعدُ إشعاراً ما بأنَّ المنع إنما كان بين يدي النبوّة فقط،
لا قبلَ ذلك ولا بعدَه(٣).
(١) تفسير البغوي ٤٥/٣ -٤٦ .
(٢) مقدمة ابن خلدون ١/ ١٤٣ .
(٣) المصدر السابق، وفيه: وأيضاً فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبوة فقط، ولعلها عادت
بعد ذلك إلى ما كانت عليه، وهذا هو الظاهر.

الآية : ٢٢٣
٣١٣
سُؤَدَةُ الشّعراء
ولا يَخْفَى أنَّ الظواهر تشهدُ بمنعهم مطلقاً إلى يوم القيامة، بل قد يُدَّعى أنَّ في
الآيات ما يدلُّ على أنَّ حِفْظَ السماء بالكواكب لم يحدث وإن خلقها لذلك، وهو
ظاهرٌ في أنهم كانوا ممنوعين أيضاً قبل ولادته وَّر من خبر السماء. ويُشْكِلُ هذا
على ظاهر العزل، إلّا أن يُدَّعَى أنَّ المنع قبلُ لم يكن بمثابة المنع بعدُ، فالعزلُ
عمَّا كان بجعل (١) المنع شديداً بالنسبة إليه.
وفي ((اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر)) لمولانا عبد الوهاب الشعرانيّ عليه
الرحمة: الصحيحُ أنَّ الشياطين ممنوعون من السمع منذُ بعث رسول الله وَّةِ إلى يوم
القيامة، وبتقدير استراقهم فلا يَتَوصَّلون إلى الإنس ليخبروهم بما استرقوه، بل
تُحرِقھم الشھبُ وتُفنیھم. انتھی.
قيل: ويلزم القائلين بهذا حملُ ما في خبر الصحيحين على كهَّانٍ كانوا قبل
البعثة وقد أدركهم السائلون، وهو الذي يقتضيه كلام القاضي أيضاً، فقد نقل
النوويُّ عنه في ((شرحه صحيح مسلم)) أنه قال: كانت الكهانةُ في العرب ثلاثةَ
أضرُبٍ؛ أحدها: أن يكون للإنسان وليٍّ من الجنِّ يخبره بما يسترقُه من السمع من
السماء، وهذا القسمُ بطلَ من حين بُعث نبيُّنَا وََّ(٢)، إلى آخر ما قال، وهو ظاهرُ
کلام البوصيريِّ حیث یقول:
ـبَ حراساً وضاق عنها الفضاءُ
بعث الله عند مبعثه الشُّه
ـع كما يَظْرُدُ الذئابَ الرعاءُ
تطردُ الجنَّ عن مقاعدَ للسَّمْـ
تٌ من الوحي ما لهنَّ انمحاءُ
فمحتْ آيةَ الكهانةِ آيا
وقد قيل في الجواب عن الإشكال نحوُ هذا، وهو أنَّ تنزُّلَ الشياطين وإلقاءَهم
ما يسمعونه من السماء إلى أوليائهم حَسْبَما تفيده الآيةُ المذكورة في أحد محاملها
إنما كان قبل البعثة، حيث لم يكن حينئذٍ منعٌ، أو كان لكنه لم يكن شديداً. والمنع
من السمع الذي يفيده قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الآية: ٢١٢] إنما كان
بعد البعثة، وکان علی آتٍّ وجه.
(١) في (م): يجعل.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٢٢٣/١٤، والقاضي هو عياض وكلامه في كتابه إكمال المعلم
بفوائد مسلم ١٥٣/٧.

سُورَةُ الشّعراء
٣١٤
الآية : ٢٢٣
وهذا مشكلٌ عندي بابن الصياد وما كان منه، فإنهم عَدُّوه من الكهَّان، وقد
صحَّ أنه قال للنبيِّ عليه الصلاة والسلام حين سأله عن أمره: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ.
وأنَّ النبيَّ وَّهِ امْتَحَنه، فأضمَر له آية ((الدخان)) - وهي قوله تعالى: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الآية: ١٠] - وقال ◌َله: ((خَبَأْتُ لكَ خبأ)) فقال ابن الصياد: هو
الدُُّّ، أي: الدخان، وهي لغةٌ فيه كما ذهب إليه الجمهور، فقال له النبيُّ ◌َلّى:
((اخْسَأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ))(١).
وقد قال القاضي كما نقل النوويُّ عنه أيضاً: أصحُّ الأقوال أنه لم يهتدِ من
الآية التي أضمرها النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلَّ لهذا اللفظِ الناقص، على عادة
الكهَّان إذا ألقَى الشيطان إليهم بقَدْرِ ما يَخْطَفُ قبل أن يدركه الشهابُ، ويدلُّ عليه
قوله وَله: ((اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) أي: القَدْرَ الذي يدركُه الكهَّان من الاهتداء إلى
بعض الشيء، وما لا يبينُ منه حقيقتُه، ولا يصلُ به إلى بيانِ وتحقيقٍ أمور
الغيب(٢) .
وقد يقال في دَفْع هذا الإشكال: إنَّ ابن الصياد كان من الضرب الثاني من
الكهَّان، وهم الذين تُخبرهم الشياطين بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خَفِيَ
عنهم ممَّا قَرُبَ أو بَعُدَ، والصحيحُ جوازُ وجودهم بعد البعثة، خلافاً للمعتزلة وبعضٍ
المتكلِّمين حيث قالوا باستحالة وجود هذا الضرب، وكذا الضربُ السابق آنفاً (٣).
وأنه يحتمل أن يكون النبيُّ ◌َ له قد أسرَّ إلى بعض أصحابه الذين كانوا معه
ما أَضْمَره، أو كانت سورةُ الدخان مكتوبةً في يده وِّه أو كَتَبَ الآيةَ وحدها في
يده عليه الصلاة والسلام.
وكلا القولين الأخيرين حكاهما الداوديُّ عن بعض العلماء كما في ((شرح
صحيح مسلم)» (٤) .
(١) أخرجه أحمد (٦٣٦٠)، والبخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠) من حديث ابن عمر رضي بته.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٤٩/١٨، وكلام القاضي عياض في إكمال المعلم ٤٧٢/٨.
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ١٤/ ٢٢٣، وإكمال المعلم ١٥٣/٧ .
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٤٩/١٨، ونقله النووي عن الداودي بواسطة القاضي عياض،
وهو في إكمال المعلم ٨/ ٤٧١ عن الداودي من قوله.

الآية : ٢٢٣
٣١٥
سُورَةُ الشَّعراء
وأيًّا ما كان يكون ابن الصياد قد أَخبر بأمرٍ طارئ تطّلعُ عليه الشياطين بدون
استراق السمع من السماء، وليس ذلك من الاطلاع على ما في القلب في شيء،
ومع ذلك لم يُخْبِرْ به تامًّا، بل أخبر به على نحوٍ إخبارٍ الكهَّان السابقين على زمن
البعثة، الذين هم من الضرب الأول في النقص.
ولعل مراد القاضي بقوله: إنه لم يهتد من الآية التي أَضمرها وَّةٍ إلَّا لهذا اللفظِ
الناقص على عادة الكهَّان إذا ألقى الشيطان إليهم بقَدْرِ ما يَخْطَفُ .. إلخ. تشبيهُ
حاله مع أنه من الضرب الثاني بحالٍ مَن تقدَّمه من الكهَّان الذين هم من الضرب
الأول، وإلا لأشْكَلَ كلامُه هذا مع ما نقلناه عنه أولاً كما لا يخفى، وكأنه يقول
بَرَجْمِ المسترِقِينَ للسمع قبل البعثة أيضاً، إلَّا أنه لم يكن بمثابةٍ ما كان بعد البعثة،
وقد ذهب إلى هذا جمع من المحدِّثين.
ومن الناس مَن قال: إنَّ الشيطان إذا خَطِفَ الخَطْفَةَ فأتْبعَه شهابٌ ثاقبٌ، أَلْقَى
ما يَخْطَفُه إلى مَن تحته قبل أن يدركه الشهاب، ثم إنَّ مَن تحته يُؤْصِلُ ذلك إلى
الکاهن. ولا یکاد یصحّ ذلك.
وقيل: إنَّ ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة بعد البعثة هو ما يَسمعونه من الملائكة
عليهم السلام في العَنان، وهو المرادُ بقوله تعالى: (يُلْقُونَ السَّمْعَ)، وما هم ممنوعون
عنه هو السمعُ من الملائكة عليهم السلام في السماء، وهو المرادُ بقوله تعالى:
(إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ).
واستدلَّ لذلك بما أخرجه البخاريُّ وابنُ المنذر عن عائشة رضيّا عن النبيِّ ◌َلـ
قال: ((الملائكةُ تَحَدَّثُ في العَنان - والعَنانُ الغمام - بالأمر في الأرض، فيسمعُ
الشيطانُ الكلمةَ فيُقِرُّها في أذن الكاهن كما تُقَرُّ القارورة، فيزيدون معها مئةً كذبةٍ))(١).
(١) صحيح البخاري (٣٢٨٨)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٩٩/٥. وهو عند البخاري
معلق، قال الحافظ في الفتح ٦/ ٣٤٢: وصله أبو نعيم في المستخرج. اهـ. وقد أخرجه
البخاري متصلاً بنحوه (٣٢١٠). وقوله: ((كما تقر القارورة)) أي: كما يسمع صوت الزجاجة
إذا حلت على شيء أو ألقي فيها شيء. أو المعنى: أنه يكون لما يلقيه الجني إلى الكاهن
حسِّ كحسِّ القارورة إذا حركت باليد أو على الصفا. وقال الخطابي: المعنى أنه يُطْبِقُ به
كما يطبق رأس القارورة برأس الوعاء الذي يُفْرَغ فيه منها ما فيها.

سُؤَةُ الشّعراء
٣١٦
الآية : ٢٢٣
ولا يخفى أنه ليس في الخبر تعرُّضٌ للسمع من الملائكة عليهم السلام في السماء
بالمعنى المعروف، لا نفياً ولا إثباتاً .
وقد يُختار القولُ بأنَّ الشياطين إنما مُنعوا بعد البعثة عن سمع ما يعتدُّ به من
علم الغيب من ملائكة السماء أو العنان، ومَن خَطِفَ خَطْفةً يعتدُّ بها من ذلك أتبعه
الشهاب وأهلكه، ولم يَدَعْه يوْصِلُها بوجهٍ من الوجوه إلى الكهنة، وأمّا سمعُ
ما لا يعتدُّ به فقد يقع لهم ويُوْصِلُونه إلى الكهنة، فيخلطون به من الكذب
ما يخلطون، فحيث حُكم عليهم بالعزل عن السمع أريد بالسمع السمعُ الكاملُ
المعتدُّ به، وحيث حُكِمَ عليهم بإلقاء السمع أريدَ بالسمع السمعُ في الجملة، وأدنى
ما يَصْدُقُ عليه أنه سمعٌ، والظاهر أنَّ ما حصل لابن الصياد كان من هذا السمع،
ولا يكاد يُعْدَلُ عن ذلك ويقال: إنه كان من الضرب الثاني للكهانة، إلَّ إنْ ثبت
أحدُ الشقوق الثلاثة، وفي ثبوت ذلك كلامٌ، نعم قولُهُ وَّهِ: ((خَبَأْتُ)) ظاهرٌ في أنَّ
هناك ما يُخْبَأ في كفِّ أو كمٍّ أو نحوهما، والآية ما لم تُكتب لا تكونُ كذلك،
ولهذا احتاج القائلون بأنه ◌َ ﴿ إنَّما أَضمر له الآيةَ في قلبه إلى تأويل ((خَبَأْتُ))
بـ : أَضْمَرْتُ.
ويمكن أن يقال على بُعْدٍ: إنَّ الشياطين قد مُنعوا بعد البعثة عن السمع مطلقاً
بالشهب المحرِقةِ لهم، وإرجاعُ ضمير ((يُلْقون)) إلى الشياطين ضعيفٌ؛ لأنَّ المقام
في بيانِ مَن يتنزَّلون عليه لا بيانِ حالهم. أو إلقاءُ سمعهم بمعنى إصغائهم إلى الملأ
الأعلى، و(أكثرهم)) بمعنى: كلّهم، والتعبير به للإشارة إلى أنَّ الأكثرية المذكورةَ
كافيةٌ في المقصود، والمرادُ: يصغون ليسمعوا فلا يَسْمعون، إلا أنه أقيم ((وأكثرهم
كاذبون)» مقامَ: لا يَسْمعون. أو إلقاءُ السمع بمعنى إلقاءِ ما يسمعه الناس من
الأقَّاكين إليهم، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونوا سمعوه من الملائكة عليهم السلام؛ إذ
يجوز أن يكونوا اخترعوه من عند أنفسهم ظنًّا وتخميناً وأَلْقَوْه على أوليائهم،
ولا يَبعُدُ صدقُهم في بعضه، والأمرُ في تسميته مسموعاً هيِّنٌّ، وما ورد في حديث
الصحيحين وابنٍ مردويه محمولٌ على ما كان قبل البعثة، ويقال: إنهم كانوا
يسمعون في الجملة، وقد يُحمل ما في الآية على ذلك، وإليه ذهب بعضهم. وحَمْلُ
خَطْفِ الكلمة فيه على حَدْسِها بواسطة بعض الأوضاع الفلكية ونحوِ ذلك ليجُوزَ

الآية : ٢٢٣
٣١٧
سُورَةُ الشعراء
اعتبارُ كونه بعد البعثة، ممَّا لا أظنُّ أحداً يرتضيه، وليس في قصة ابن الصياد ما هو
نصٌّ في أنَّ ما قاله كان عن سمع من الملائكة عليهم السلام ألقاه الشيطان إليه،
وكأنِّي بك تستبعدُ تحدَّثَ الملائكة عليهم السلام في السماء بما أضمره وَّل،
وصعودَ الشياطين حين السؤالِ من غير ريثٍ، واستراقَهم ونزولَهم في أسرع وقتٍ
بما أجاب به ابنُ الصياد، وما هو إلا ضربٌ من ضروب الكهانة.
وتحقيقُ أمرها على ما ذكره الفاضل عبد الرحمن بن خلدون(١): أنَّ للنفس
الإنسانية استعداداً للانسلاخ عن البشرية إلى الروحانية التي فوقها، ويحصلُ من
ذلك لمحةٌ للبشر من صنف الأتقياء بما فُطروا عليه من ذلك، ولا يحتاجون فيه إلى
اكتسابٍ ولا استعانةٍ بشيءٍ من المدارك، ولا من التصوُّرات، ولا من الأفعال
البدنية كلاماً أو حركةً، ولا بأمرٍ من الأمور.
ويعطي التقسيم العقليُّ أنَّ هاهنا صنفاً آخَرَ من البشر ناقصاً عن رتبة هذا
الصنف نقصانَ الضدِّ عن ضدِّه الكاملِ، وهو صنفٌ من البشر مفطورٌ على أن تتحرَّك
قوَّتُه العقليةُ حركتها الفكريةَ بالإرادة عندما يبعثها(٢) النزوع لذلك وهي ناقصةٌ
عنه(٣)، فيتشبّثُ لإعمال الحيلة بأمورٍ جزئيةٍ محسوسةٍ أو متخيَّلةٍ، كالأجسام
الشفافة، وعظام الحيوان، وسَجْعِ الكلام، وما سنح من طيرٍ أو حيوانٍ، ويُديمُ ذلك
الإحساس والتخيُّل مستعيناً به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده، ويكون كالمُشيعِ له،
وهذه القوةُ التي هي مبدأ في هذا الصنف لذلك الإدراك هي الكهانةُ .
ولكون هذه النفوسِ مفطورةً على النقص والقصورِ عن الكمال كان إداركُها
الجزئياتِ أكثرَ من إدراكها الكلِّيات، وتكون مشتغلةً بها غافلةً عن الكلِيات، ولذلك
كثيراً ما تكون المتخيلة(٤) فيهم في غاية القوة، وتكون الجزئيات عندها حاضرةً
عتيدةً، وهي لها كالمرآة تنظر فيها دائماً، ولا يقوَى الكاهنُ على الكمال في إدراك
المعقولات؛ لأنَّ نقصانه فطريٌّ ووحيه شيطانيٍّ.
(١) في مقدمته ١٤١/١.
(٢) في الأصل و(م): يتبعها، والمثبت من المقدمة.
(٣) بعدها في المقدمة: بالجبلَّة.
(٤) في المقدمة: المخيلة.
١

سُورَةُ الشَّجَرَاءِ
٣١٨
الآية : ٢٢٣
وأرفعُ أحوال هذا الصِّنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السَّجْعُ والمُوازَنةُ
ليشتغل به عن الحواسِّ، ويَقْوَى في الجملة على ذلك الانسلاخ الناقص، فيهجس
في قلبه من تلك الحركة والذي يُشيعُها من ذلك الأجنبيِّ ما يُقْذَفُ على لسانه،
وربما صَدَقَ ووافَقَ الحقَّ، وربما كَذَبَ لأنه يتمِّم أمر نَقْصِهِ بأجنبيٍّ عن ذات
المدارك ومُباينٍ لها غيرِ ملائم، فيَعْرِضُ له الصدقُ والكذب جميعاً، ويكون غيرَ
موثوقٍ به، وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصاً على الظفر بالإدراك بزَعْمِه،
وتمويهاً على السائلين.
ولمَّا كان انسلاخُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام عن البشرية واتِّصالهُ بالملأ الأعلى
من غير مُشيعٍ ولا استعانةٍ بأجنبيٍّ كان صادقاً في جميع ما يأتي به، وكان الصدقُ
من خواصِّ الْنبوّةِ، ولهذا قال ◌َِّ لابن الصياد حين سأله كاشفاً عن حاله بقوله عليه
الصلاة والسلام: ((كيف يأتيك هذا الأمر؟» فقال: يأتيني صادق وكاذب: ((خُلِّطَ
عليك الأمرُ))(١)، يريدُ عليه الصلاة والسلام نفيَ النبوّة عنه بالإشارة إلى أنها
مما لا يعتبر فيه الكذبُ بحالٍ.
وإنما قيل: أرفعُ أحوال هذا الصنف السجعُ؛ لأنَّ مُعِينَ السَّجْع أخفُّ من سائر
المُعِينات من المرئيّات والمسموعات، وتدلُّ خفَّةُ المعينِ على قُرْبِ ذلك الانسلاخِ
والاتِّصالِ، والبُعْدِ فيه عن العجز في الجملة.
ولا انحصارَ لعلوم الكهَّان فيما يكون من الشياطين، بل كما تكون من الشياطين
تكونُ من أنفسهم، بانسلاخها انسلاخاً غيرَ تامٌّ واتِّصالِها في الجملة بواسطة بعض
الأسباب بعالَمِ لا تُحجب عنه الحوادث المستقبلة وغيرُها، فانقطاعُ خبر السماء بعد
البعثة عن الشياطين بالرجم إن سلِّم، لا يدلُّ على انقطاع الكهانة.
ثم إنَّ هؤلاء الكهَّانَ إذا عاصروا زمن النبوّة فإنهم عارفون بصدق النبيِّ ودلالةٍ
معجزته؛ لأنَّ لهم بعضَ الوجدان من أمر النبوة، ولا يصدُّهم عن الإيمان ويدعوهم
إلى العناد إلا وساوسُ المطامع بحصول النبوّة لهم، كما وقع لأمية بن أبي الصلت؛
فإنه كان يطمع أن يكون نبيًّا، وكذا وقع لابن الصياد ومسيلمة وغيرهما .
(١) قطعة من حديث ابن عمر الذي سلف ص٣١٤ من هذا الجزء.

الآية : ٢٢٣
٣١٩
سُورَةُ الشعراء
وربما تنقطعُ تلك الأمانيُّ فيؤمنون أحسنَ إيمانٍ، كما وقع لطليحةَ الأسدي
وقارب بن الأسود(١)، وكان لهما في الفتوحات الإسلامية من الآثار ما يشهد
بِحُسْنِ الإيمان.
وذَكَر في بيانِ استعداد بعض الأشخاص - أعم من أن يكونوا كهاناً أو
غيرَهم - للإخبار بالأمور الغيبية قبل ظهورها كلاماً طويلاً، حاصلهُ: أنَ النفس
الإنسانية ذاتُ روحانيةٍ، ولها بذاتها الإدراكُ من غير واسطة، لكنها محجوبةٌ عنه
بالانغماس في البدن والحواسِّ وشواغلها؛ لأن الحواسَّ أبداً جاذبةٌ لها إلى الظاهر
بما فُطرت عليه من الإدراك الجسماني، وربما تنغمسُ عن الظاهر إلى الباطن فيرتفعُ
حجابُ البدن لحظةً؛ إما بالخاصِّية التي هي للإنسان على الإطلاق مثل النوم، أو
بالخاصية(٢) الموجودة في بعض الأشخاص كالكهنة أهلِ السَّجع، وأهل الطَّرْقِ
بالحصى والنَّوى، والناظرين في الأجسام الشفَّافة من المرايا والمياه وقلوبٍ
الحيوانات وأكبادها وعظامها، وقد يلحق بهم المجانين، أو بالرياضة الدينية مثل
أهل الكشف من الصوفية، أو السحريةِ مثل أهل الكشف من الجوكية (٣)، فتلتفتُ
حينئذٍ إلى الذوات التي فوقها من الملأ الأعلى لِمَا بَيْنَ أُفقِها وأُفقِهم من الاتصال
في الوجود، وتلك الذواتُ إدراكٌ محضّ وعقولٌ بالفعل، وفيها صورُ الموجودات
وحقائقُها كما قرِّر في محلّه، فيتجلَّى فيها شيءٌ من تلك الصور وتقتبس منها
علماً (٤)، وربما وقعت تلك الصورُ المدركة إلى الخيال فيصرفُها (٥) في القوالب
المعتادة (٦)، ثم تراجع الحسَّ بما أدركت إما مجرَّداً أو في قوالبه فتخبر به. انتهى.
ولا يخفى أنَّ فيه ذهاباً إلى ما يقوله الفلاسفة في الملأ الأعلى، وكثيراً
ما يسمُّونه عالم المجرَّدات، وقد يسمُّونه عالمَ العقول، وهي محصورةٌ في المشهور
(١) كذا في الأصل و(م)، وهو خطأ، والصواب: سواد بن قارب كما في المقدمة، وقارب بن
الأسود صحابى آخر ولا علاقة له بالكهانة، ينظر الإصابة ٤/ ٢٩٤، و١٢٤/٨.
(٢) في الأصل و(م): بالخاصة، في الموضعين، والمثبت من المقدمة ١٤٨/١.
(٣) الجوكية: طائفة من رهبان الهنود.
(٤) في المقدمة: علوماً.
(٥) في الأصل: فيصير، وفي المقدمة: فتصرفه.
(٦) في (م): المتعادة، وهو تصحيف.

سُورَةُ الشَّجَرَاء
٣٢٠
الآية : ٢٢٣
عنهم في عشرة، ولا دليل لهم على هذا الحصر، ولذا قال بعضُ متأخِّريهم بأنها
لا تكاد تُحصى. وللمتكلِّمين والمحقِّقين من السَّلَف في ذلك كلامٌ لا يتّسع هذا
الموضعُ لذكره.
وأنا أقول، ولا ينكرُه إلَّا جَهُول: لله عزَّ وجل خواصُّ في الأزمنة والأمكنةِ
والأشخاص، ولا يبعدُ - بعد انقطاع خبر السماء عن الشياطين بالرَّجم - أن يجعل
لبعض النفوس الإنسانية خاصية التكلُّم بما يَصْدُقُ كلَّا أو بعضاً، مع اطّلاعٍ وكشفٍ
يفيد العلمَ بما أخبر به، أو بدون ذلك بأنْ يُنْطِقَه سبحانه بشيءٍ فيتكلّم به من غير
علم بالمخبَرِ به ويوافقُ الواقع.
وقد اتَّفق لي ذلك وعمري نحو خمس سنين، وذلك أنِّي رجعتُ من الكتَّاب
إلى البيت وشرعتُ ألعبُ فيه على عادة الأطفال، فنهتْني والدتي رحمها الله تعالى
عن ذلك، وأمرتْني بالنوم لأستيقظ صباحاً فأَذهْبَ إلى الكتَّاب، فقلتُ لها: غداً
يُقْتَلُ الوزير ولا أَذهبُ إلى الكتَّاب، وهو ممَّا لا يكاد يمرُّ بفكرٍ، فلم تلتفت إلى
ذلك وأَنامتْني، فلمَّا أصبحتُ تأمَّبْتُ للذهاب، فجاء ابنُ أختٍ لها وأسرَّ إليها كلاماً
لم أسمعه، فتغيَّر حالُها ومنعتني عن الذهاب ولا أدري لِمَ ذلك، فأردتُ الخروجَ
إلى الدرب لألعب مع أمثالي فمنعتني أيضاً، فقعدتْ وهي مضطربةُ البال تطلبُ
أحداً يخبرها عن حال والدي عليه الرحمةُ، حيث ذهب قبيل طلوع الشمس إلى
المدرسة، فخرجتُ إلى الدرب على حين غفلةٍ منها، فوجدتُ الناسَ بينَ راكضٍ
ومُسْرِعٍ يتحدَّثون بأنَّ الوزير قتله بعضُ خدمه وهو في صلاة الفجر، فرجعتُ إليها
مسرعاً مسروراً بصِدْقٍ كلامي، وكنتُ قد أُنْسِيْتُه ولم يخطر ببالي حتى سمعتُ الناس
یتحدَّثون بذلك.
وفي ((اليواقيت والجواهر)) للشعرانيّ عليه الرحمة في بحث الفرق بين المعجزة
والكهانة: أنَّ الكهانة كلماتٌ تجري على لسان الكاهن ربَّما تُوافِقُ وربَّما تُخالِفُ،
وفيه شمةٌ مما ذكرنا .
هذا - والله تعالى أعلم - والظاهرُ على ما قيل أنَّ قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِئُكُمْ﴾ إلخ
كلامٌ مسوقٌ منه تعالى لبيانٍ تنزيهِ النبيِّ وَِّ عن أن يكون - وحاشاه - ممن تَنزَّلُ عليه
الشياطين، وإبطالٌ لقولهم في القرآن: إنه من قَبِيل ما يُلْقَى إلى الكهنة.