النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ١٩٧ ٢٨١ سُورَةُ الشعراء وجوِّز أن يكون ((آيةٌ)) الاسمَ، و((لهم)) متعلِّقاً بمحذوفٍ هو الخبر، و((أن يعلمه)) بدلاً من الاسم أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ. وأن يكون الاسم ضميرَ القصة، و((لهم آيةٌ)) مبتدأً وخبراً(١)، والجملة خبر (تكن))، و((أن يعلمه)) بدلاً أو خبرَ مبتدأ محذوف. وأن يكون الاسم ضمير القصة، و((آيةٌ)) خبر ((أن يعلمه))، والجملة خبر ((تكن)). وأن تكون ((تكن)) تامةً، و((آيةٌ)) فاعلاً، و((أن يعلمه)) بدلاً أو خبراً لمحذوف، و(لهم)) إما حالاً أو متعلّقاً بـ ((تكن)). وقرأ ابن عباس: (تكن)) بالتأنيث و((آيةً)) بالنصب(٢)، كقراءة مَن قرأ: ((ثم لم تكن)) بالتأنيث ((فتنتَهم)) بالنصب ((إلَّا أنْ قالوا))(٣)، وكقول لبيد يصفُ العيرَ والأتان : فمَضَى وقدَّمها وكانت عادةً منه إذا هي عرَّدَتْ إقدامُها (٤) وذلك إمَّا على تأنيث الاسم لتأنيث الخبر، وإمَّا لتأويل ((أنْ يعلَمه)) بالمعرفة. وتأويلٍ ((أنْ قالوا)) بالمقالة. وتأويلِ الإقدام بالتقدمة؛ ودعوى اكتساب التأنيث فيه من المضاف إليه ليس بشيءٍ؛ لفَقْدٍ شَرْطِه المشهور(٥). وقرأ الجحدري: (تَعْلَمَه)) بالتأنيث(٦) على أنَّ المراد جماعةُ علماء بني إسرائيل. (١) في(م): وخبر. (٢) البحر ٧/ ٤١، وذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ١٤٤/٦ عن أبي عمران الجوني وقتادة. (٣) الآية (٢٣) من سورة الأنعام، والقراءة المذكورة هي قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم في رواية شعبة وأبي جعفر وخلف. التيسير ص١٠١ - ١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢. (٤) ديوان لبيد ص٣٠٦. قال الشارح: عرَّدت: حادت عن الطريق. إقدامها: تقديمها. (٥) وهو أن يكون المضاف صالحاً للحذف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويفهم منه ذلك المعنى، نحو: قُطِعَتْ بعضُ أصابعه، فصح تأنيث ((بعض)) لإضافته إلى أصابع وهو مؤنَّث؛ لصحة الاستغناء بأصابع عنه، فتقول: قطعت أصابعه. شرح الألفية لابن عقيل ٤٩/٢-٥٠. (٦) القراءات الشاذة ص ١٠٧، والبحر ٤١/٧ . سُورَةُ الشّعراء ٢٨٢ الآية : ١٩٨ وكتب في المصحف ((علمؤا)) بواو بين الميم والألف ووجِّه ذلك بأنه على لغةٍ مَن يُميل ألفَ ((علماء)) إلى الواو، كما كتبوا ((الصلوة)) و((الزكوة)) و((الربو)) بالواو على تلك اللغة (١). ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَهُ﴾ أي: القرآن كما هو بنَظْمِه الرائق المُعْجِزِ ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ٩٨ الذين لا يقدرون على التكلُّم بالعربية، وهو جمعُ أعجميٍّ كما في («التحرير)» (٢) وغيرِهِ، إلا أنه حُذِفَ ياءُ النَّسبِ منه تخفيفاً، ومثلُه الأشعرين جمع أشعريٍّ في قول الكميت : ولو جهّزْتُ قافيةً شَروداً لقد دَخَلَتْ بيوتَ الأشعرينا(٣) وقد قرأه الحسن وابن مقسم بياء النسب على الأصل(٤). وقال ابن عطية: هو جمع أعجم، وهو الذي لا يُفْصِحُ وإن كان عربيَّ النسب، والعجميُّ هو الذي نسبتُه في العجم خلاف العرب وإن كان أفصحَ الناس(٥). انتهى. واعتُرضَ: بأنَّ أعجم مؤنَّتُه عَجْماء، وأَفعلُ فَعْلاء لا يُجمَعُ جَمْعَ سلامةٍ. وأجيبَ: بأنَّ الأعجم في الأصل البهيمةُ العجماء لعدم نُطْقِها، ثم نُقل أو تجوِّز به عمَّا ذُكر، وهو بذلك المعنى ليس له مؤنَّثٌ على فعلاء، فلذلك جُمِعَ جَمْعَ السلامة . وتعقِّب: بأنه قد صرَّح العلّامة محمد بن أبي بكر الرازيُّ في كتابه ((غرائب القرآن)»(٦) بأن الأعجم هو الذي لا يُفْصِحُ، والأنثى: العجماء، ولو سلِّم أنه ليس له بذلك المعنى مؤنَّثُ فالأصلُ مراعاة أصله. (١) البحر ٧/ ٤١ . (٢) لعله التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير، لأبي عبد الله محمد بن سليمان المعروف بابن النقيب، المتوفى سنة (٦٩٨هـ). ينظر كشف الظنون ٣٥٨/١. (٣) ديوان الكميت ص ٤٨١، قال أبو رياش شارح القصيدة: يعني قافية أهجوكم بها. وشروداً: قد شردت أو تشرَّدت في البلاد، وأراد ببيوت الأشعرين أبا موسى الأشعري ورهطه. (٤) القراءات الشاذة ص١٠٧، والمحتسب ١٣٢/٢، والبحر ٤٢/٧ . (٥) المحرر الوجيز ٢٤٣/٤. (٦) واسمه: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل، ومؤلفه محمد بن الآية : ١٩٩ ٢٨٣ سُورَةُ السَّعراء وفيه: أنَّ كونَ ارتفاع المانع لعارضٍ مجوِّزاً مما صرَّح به النحاة. ثم إنَّ كون أفعل فعلاء لا يُجمَعُ جمعَ سلامةٍ مذهبُ البصريين والفرَّاءِ (١)، وغيرُه من الكوفيين يجوِّزونه، فلعل مَن قال: إنه جمعُ أعجم قاله بناءً على ذلك. وظاهرُ الجمع المذكور يقتضي أن يكون المرادُ به العقلاء. وعن بعضهم أنه جَمْعُ أعجم مراداً به ما لا يعقِلُ من الدوابِّ العُجْمِ، وجُمِعَ جَمْعَ العقلاء لأنه وُصِفَ بالتنزيل عليه، وبالقراءة في قوله تعالى: ﴿فَقَرَهُ عَلَيْهِمْ﴾، فإنَّ الظاهر رجوعُ ضمير الفاعل إلى ((بعض الأعجمين))، وهما من صفات العقلاء. والمراد بيانُ فَرْطِ عنادِهم وشدَّةٍ شكيمتهم في المكابرة، كأنه قيل: ولو نزَّلناه بهذا النظم الرائق المعجِزِ على مَن لا يقدرُ على التكلُّم بالعربية، أو على ما ليس من شأنه التكلَّمُ أصلاً من الحيوانات العُجْم، فقرأه عليهم قراءةً صحيحةً خارقةً للعادة ﴿مَا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء. وقيل: المراد بالأعجمين جمعُ أعجم أعمّ من أن يكون عاقلاً أو غيره، ونقل ذلك الطبرسيُّ عن عبد الله بن مطيع، وذكر أنه روي عن ابن مسعودٍ أنه سئل عن هذه الآية وهو على بعير، فأشار إليه وقال: هذا من الأعجمين(٢). والطبري على ما في ((البحر)) يروي نحو هذا عن ابن مطيع(٣). والمراد أيضاً بيانُ فَرْطِ عنادهم. وقيل: هو جمع أعجم مراداً به ما لا يعقل، وضمير الفاعل في ((قرأه)) للنبيِّ وَّة، وضمير ((عليهم)) لبعض الأعجمين، وكذا ضمير ((كانوا))، والمعنى: لو نزَّلنا القرآن على بعض البهائم، فقرأه محمد بَّر على أولئك البهائم، ما كانوا - أي: أولئك البهائم - مؤمنين به، فكذلك هؤلاء لأنهم كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً. ولا يخفى ما فيه. = أبي بكر الرازي هو صاحب مختار الصحاح، المتوفى سنة (٦٦٦هـ)، والكلام من حاشية الشهاب ٧/ ٢٧ . (١) كما في حاشية الشهاب ٢٧/٧، ونقل أبو حيان في البحر ٧/ ٤٢ عن الفراء: الأعجمين جمع أعجم أو أعجمي على حذف ياء النسب، كما قالوا: الأشعرين. (٢) مجمع البيان ١٩/ ١٨٤ -١٨٥. (٣) تفسير الطبري ١٧ / ٦٤٧، والبحر ٧ /٤١ . سُؤَةُ الشّعراء ٢٨٤ الآية : ٢٠٠ وقيل: المراد: ولو نزَّلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم، فقرأه عليهم(١)، ما كانوا به مؤمنين لعدم فَهْمِهم ما فيه، وأخرج ذلك عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة(٢)، وهو بعيدٌ عمَّا يقتضيه مقامُ بيانِ تماديهم في المكابرة والعناد. واستند بعضُهم بالآية عليه في مَنْعِ أَخْذِ العربية في مفهوم القرآن؛ إذ لا يتصوَّر على تقديرٍ أَخْذِها فيه تنزيلُه بلغة العجم؛ إذ يستلزم ذلك كونَ الشيءِ الواحد عربيّاً وعجمّاً، وهو محال. وأجيب بأنَّ ضمير («نزلناه)) ليس راجعاً إلى القرآن المخصوص المأخوذِ في مفهومه العربيةُ، بل إلى مطلق القرآن، ويرادُ منه ما يُقرأ أعمّ من أن يكون عربيًّا أو غيرَه، وهذا نحوُ رجوع الضمير للعامِّ في ضمن الخاصِّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الآية [فاطر: ١١] فإنَّ ضمير ((عمره)) راجعٌ إلى شخصٍ بدون وَصْفِه بمعمَّر؛ إذ لا يتصوَّر نقصُ عمرِ المعمَّر كما لا يخفى. وقال بعضهم في الجواب: إنَّ الكلام على حَذفٍ مضافٍ، والمراد: ولو نزَّلنا معناه بلغة العجم على بعض الأعجمين، فتدبّر. وفي لفظ ((بعض)) على كلِّ الأقوال إشارةٌ إلى كون ذلك المفروضِ تنزيلهُ عليه واحداً من عرض تلك الطائفة كائناً من كان. و((به)) متعلِّقٌ بـ ((مؤمنين))، ولعل تقديمه عليه للاهتمام وتوافُقِ رؤوس الآي. على ما يقتضيه ٢٠ والضميرُ في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِنَ انتظامُ الضمائر السابقة واللاحقة في سلكٍ واحدٍ للقرآن، وإليه ذهب الرمَّانيُّ(٣) وغيرُه، والمعنى على ما قيل: مثلَ ذلك السَّلْكِ(٤) البديع المذكور سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه خارجٌ عن (١) أي: على العرب. (٢) تفسير عبد الرزاق ٧٦/٢، وتفسير الطبري ١٧ /٦٤٧، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٩٥/٥، ولفظه: لو أنزله الله أعجميًّا كانوا أخسَّ الناس به؛ لأنهم لا يعرفون العجمية. (٣) كما في المحرر الوجيز ٢٤٤/٤، والبحر ٤٢/٧. (٤) في الأصل: المسلك، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود، والكلام منه. الآية : ٢٠١ ٢٨٥ سُورَةُ الشَّجَاء القوى البشرية، وقد انضمَّ إليه علمُ أهل الكتابين بشأنه، وبشارةُ الكتب المنزلةِ بإنزاله، فقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان أنهم لا يتأثَّرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان به، بل يستمرُّون على ما هم عليه ﴿حَّ يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ المُلْجِئَ إلى الإيمان به، وحينئذٍ لا ينفعُهم ذلك. والمراد بـ ((المجرمين)) المشركون الذين عادت عليهم الضمائر من ((لهم) و((عليهم)) و((كانوا))، وعدل عن ضميرهم إلى ما ذكر تأكيداً لذمِّهم. وقال الزمخشريُّ(١) في معنى ذلك: أي: مثلَ هذا السلكِ(٢) سلكناه في قلوبهم، وهكذا مكَّنَّه وقرَّرناه فيها، وعلى مِثْلِ هذه الحالِ وهذه الصفةِ من الكفر به والتكذيبِ له وضعناه فيها، فكيفما(٣) فُعِلَ بهم وصُنِعَ، وعلى أيِّ وجهٍ دبِّر أمرُهم، فلا سبيل إلى أنْ يتغيّروا عمَّا هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَزَلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ شِيرٌ﴾ [الأنعام: ٧]. وموقعُ قوله تعالى: (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ)) إلخ ممَّا قبله موقع الموضِّح والملخّص؛ لأنه مسوقٌ لثباته مكذَّباً مجحوداً في قلوبهم، فأتبع ما يقرِّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالاً، أي: سلكناه فيها غيرَ مؤمَنٍ به. اهـ. وتعقِّب بأنَّ الأول هو الأنسبُ بمقام بيان غايةِ عنادِهم ومكابرتهم مع تعاضُدٍ أدلَّةِ الإيمانِ، وتَناجُدٍ مبادي الهداية والإرشاد، وانقطاع أعذارهم بالكلِّية. وقد يقال: إنَّ هذا التفسير أوفقُ بتسليته وَّرَ التي هي كالمَبْنَى لهذه السورة الكريمة، وبها صدِّرت حيث قال سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ تَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] كأنه جلَّ وعلا بعد أن ذكر فَرْطَ عنادهم وشدَّةً شكيمتهم في المكابرة، وهو (٤) تفسيرٌ واضحٌ في نفسه، فهو عندي أولى مما تقدم. (١) في الكشاف ١٢٩/٣ . (٢) في الأصل: المسلك. (٣) في (م): فكيف ما. (٤) جاء فوقها في الأصل تضبيب، ولعلها إشارة إلى وجود سقط في الكلام. ينظر تفسير أبي السعود ٢٦٥/٦، وحاشية الشهاب ٢٨/٧. سُورَةُ الشّعراء ٢٨٦ الآية : ٢٠١ وفي ((المطلع)) أنَّ الضمير للتكذيب والكفرِ المدلولِ عليه بقوله تعالى: (مَا كَانُواْ بِهِ، مُؤْمِنِينَ)، وبه قال يحيى بن سلام، وروي عن ابن عباس والحسن، والمعنى: وكذلك سَلَكْنا التكذيبَ بالقرآن والكفرَ به في قلوب مشركي مكةَ ومكَّنَّاه فيها، وقوله تعالى: (لَا يُؤْمِنُونَ) إلخ واقعٌ موقعَ الإيضاح لذلك. ولا يظهرُ على هذا الوجه كونُه حالاً، ولا أرى لهذا المعنى كثرةَ بُعْدٍ عن قولِ مَن قال: أي: على مثل هذا السَّلكِ سلكنا القرآن، وعلى مثل هذه الحالِ وهذه الصفةِ من الكفر به والتكذيب له وضعناه في قلوبهم. وحاصلُ الأول: كذلك سَلَكْنا التكذيب بالقرآن في قلوبهم. وحاصل هذا: وكذلك سَلَّكْنا القرآن بصفةٍ التكذيب به في قلوبهم فتأمل. وجوِّز جَعْلُ الضمير للبرهان الدالٌ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَزْ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةً أَنْ يَعْلَمَهُ. عُلَمَوُاْ بَنِىّ إِسْرَهَبِلَ﴾ [الآية: ١٩٧]، وهو بعيدٌ لفظاً ومعنّى. هذا وذهب بعضُهم إلى أنَّ المراد بالمجرمين غيرُ الكفرة المتقدِّمين الذين عادت عليهم الضمائر، وهم مشركو مكة من المعاصرين لهم وممن يأتي بعدهم، و((ذلك)) إشارةٌ إلى السَّلْكِ في قلوب أولئك المشركين، أي: مثلَ ذلك السَّلكِ في قلوب مشركي مكةَ سلكناه في قلوب المجرمين غيرِهم؛ لاشتراكهم في الوصف، وقولُه سبحانه: (لَا يُؤْمِنُونَ بِ) إلخ بيانٌ لحال المشركين المتقدِّمين الذين اعتُبروا في جانب المشبّهِ به، أو إيضاحٌ لحال المجرمين وبيانٌ لِمَا يقتضيه التشبيهُ، وهو كما ترى. ونَقَّل في ((البحر)) عن ابن عطية: أنه أريد مجرمي كلِّ أمةٍ، أي: إنَّ سنَّةَ الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب، فلا ينفعهم الإيمانُ بعد تلبُّس العذابِ بهم، وهذا على جهة المثال لقريش، أي: هؤلاء كذلك. وكشف الغيب بما تضمَّنْه الآية يومَ بدر(١). انتهى. وكأنه جَعَل ضمير ((سلكناه)) لمطلَقِ الكفر لا للكفر بالقرآن، وضمير ((به)) لله تعالى أو لما أُمروا بالإيمان به [لا](٢) للقرآن، وإلّا فلا يكاد يتسنَّى ذلك، وعلى كلِّ حالٍ لا ينبغي أن يعوَّل عليه. (١) المحرر الوجيز ٢٤٤/٤، والبحر ٤٢/٧. (٢) زيادة يقتضيها السياق. الآية : ٢٠٢ - ٢٠٣ ٢٨٧ سُؤَرَةُ الشّعراء ﴿فَيَأْتِيَهُم﴾ أي: العذاب ﴿بَغْتَةٌ﴾ أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ أي: بإتيانه ﴿فَيَقُولُواْ﴾ أي: تحسُّراً على ما فات من الإيمان، وتَمنِّياً للإمهال لتلافي ما فرَّطوه: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾﴾﴾ أي: مؤخّرون. والفاء في الموضعين عاطفةٌ، وهي كما يدلُّ عليه كلام ((الكشاف))(١) للتعقيب الرُّتبيِّ دون الوجوديِّ، كأنه قيل: حتى تكون(٢) رؤيتهم للعذاب الأليم فما هو أشدُّ منها وهو مفاجأتُه، فما هو أشدُّ منه وهو سؤالهم النَّظِرةُ(٣)، نظير ما في قولك: إنْ أسأتَ مَقَتَكَ الصالحون فمَقَتَكَ الله تعالى، فلا يَرِدُ أنَّ البَغْتَ من غير شعورٍ لا يصحُّ تعقُبه للرؤية في الوجود. وقال سريُّ الدين المصريُّ عليه الرحمةُ في توجيه ما تدلُّ عليه الفاءُ من التعقيب: إنَّ رؤية العذاب تكون تارةً بعد تقدُّم أماراته وظهورٍ مقدِّماته ومشاهدةِ علاماته، وأخرى بغتةً لا يتقدَّمها شيءٌ من ذلك، فكانت رؤيتُهم العذابَ محتاجةً إلى التفسير، فعطف عليها بالفاء التفسيرية قوله تعالى: ((يأتيهم بغتة))، وصحَّ بينهما معنى التعقيبٍ لأنَّ مرتبة المفسِّر في الذِّكر أن يقع بعد المفسَّر كما فُعل في التفصيل بالقياس إلى الإجمال، كما يُستفاد من تحقيقات الشريف في ((شرح المفتاح)). ويمكنُ أن تكونَ الآيةُ من باب القَلْبِ كما هو أحدُ الوجوه في قوله تعالى: ﴿َكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا بَأَسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] للمبالغة في مفاجأةِ رؤيتهم العذابَ، حتى كأنهم رأوه قبل المفاجأة، والمعنى: حتى يأتيهم العذاب الأليم بغتةً فیروہ. انتھی. وجعلها بعضُهم للتفصيل، واعتَرَضَ على ما قال صاحب ((الكشاف)) بأنَّ العذاب الأليم منطوٍ على شدَّة البَغْتِ، فلا يصحُّ الترتيبُ والتعقيبُ الرتبي، وهو وهمّ كما لا يخفى. (١) ١٢٩/٣. (٢) في (م): يكون، والمثبت من الأصل والكشاف. (٣) النَّظِرة: التأخير في الأمر. القاموس (نظر). سُورَةُ الشّعراء ٢٨٨ الآية : ٢٠٣ والظاهر أنَّ جملة ((وهم لا يشعرون)) حالٌ مؤكِّدةٌ لِمَا يفيده ((بغتةً))، فإنها كما قال الراغب: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب (١). ثم إنَّ هذه الرؤيةَ وما بعدها إنْ كانت في الدنيا كما قيل فإتيانُ العذاب الأليم فيها بغتةً مما لا خفاءً فيه؛ لأنه قد يفاجئهم فيها ما لم يكن يمرُّ بخاطرهم على حين غفلة، وإن كانت في الآخرة فوجهُ إتيانه فيها بغتةً - على ما زعمه بعضهم - أنَّ المراد به أن يأتيهم من غير استعدادٍ له وانتظارٍ، فافهم. واختار بعضهم أنَّ ذلك أعمُّ من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة. وقرأ الحسن وعيسى: ((فتأتيهم)) بتاء التأنيث(٢)، وخرَّج ذلك الزمخشريُّ على أنَّ الضمير للساعة(٣). وأبو حيان عن أنه للعذاب بتأويل العقوبة(٤). وقال أبو الفضل الرازي(٥): للعذاب، وأنِّثَ لاشتماله على الساعة فاكتسى منها التأنيث، وذلك لأنهم كانوا يسألون عذابَ القيامةِ تكذيباً بها. انتهى. وهو في غاية الغرابة، وكأنه اعتبر إضافةً العذاب إلى الساعة معنًى، بناءً على أنَّ المراد بزَعْمِه: حتى يروا عذابَ الساعةِ الأليم، وقال باكتسائه التأنيثَ منها بسب إضافته إليها؛ لأنَّ الإضافة إلى المؤنث قد تكسي المضافَ المذكَّر التأنيث، كما في قوله : كما شَرقتْ صَدْرُ القناة من الدم(٦) ولم أرَ أحداً سبقه إلى ذلك. (١) مفردات الراغب (بغت). (٢) المحتسب ١٣٣/٢، والكشاف ١٢٩/٣، والبحر ٤٢/٧. ووقع في الأصل و(م): تأتيهم. (٣) الكشاف ١٢٩/٣. (٤) البحر ٧/ ٤٢ . (٥) كما في البحر ٧/ ٤٣ . (٦) وصدره: وتَشْرَقَ بالقولِ الذي قد أَذَعْتَه، والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٧٣ ، والكتاب ٥٢/١، وسلف ٣٦٦/٤. الآية : ٢٠٤ - ٢٠٧ ٢٨٩ سُورَةُ الشعراء وقرأ الحسن: ((بَغَتَةً)) بالتحريك(١). وفي حرف أبيِّ ◌َظُّه: ((ويروه بغتة))(٢). ﴿أَفِعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ (٣)﴾ أي: يطلبونه قبل أوانه، وذلك قولُهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقولُهم: ﴿فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَآَ﴾ [الأعراف: ٧٠] ونحوهما . ﴿أَفَرَبَيْتَ﴾ أي: فَأَخْبِرْ ﴿إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ﴾﴾ أي: مدَّةً من الزمان، بطولٍ الأعمار وطيبِ المعاش، أو: عمر الدنيا، على ما روي عن عكرمة. وعبَّر عن ذلك بما ذُكر إشارةً إلى قلَّته. أي: الذي(٣) كانوا يُوْعَدونه من العذاب ﴿مَآ ﴿ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ أَغْفَ عَنْهُ﴾ أي: أيَّ شيءٍ، أو: أيَّ غناءٍ(٤) أغنى عنهم ﴿مَا كَانُواْ يُمَتَُّونَ أي: كونُهم ممتَّعين ذلك التمتيعَ المديد، على أنَّ ((ما)» مصدرية كما هو الأَوْلَى، أو: الذي كانوا يمثَّعونه من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولةٌ حُذِفَ عائدُها. وأيّاً ما كان فالاستفهام للنفي والإنكار. وقيل: ((ما)) نافية، أي: لم يُغْنِ عنهم ذلك في دَفْعِ العذاب أو تخفيفِه. والأولُ أَوْلَى لكونه أوْفَقَ لصورة الاستخبار، وأدلَّ على انتفاء الإغناء على أبلغ وجهٍ وآكَدهِ. وفي رَبْطِ النَّظْمِ الكريم ثلاثةُ أوجُوٍ كما في ((الكشاف)»: الأول: أن قوله سبحانه: (أَفَرَبَيْتَ) إلخ متصلٌ بقوله تعالى: (هَلْ نَحْنُ مُنْظُرُونَ)، وقوله جلَّ وعلا: (أَفِعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ) معترضٌ للتبكيت، وإنكارٍ أنْ يَستعجِلَ العذابَ مَن هو مُعْرَّضٌ لعذابٍ يسألُ فيه النَّظِرَةَ والإمهالَ طرفةَ عينٍ فلا يُجابُ إليها(٥). والمعنى على هذا كما في ((الكشف)): أنه لمَّا ذكر أنهم لا يؤمنون دون (١) القراءات الشاذة ص١٠٨، والبحر ٤٣/٧ . (٢) الكشاف ١٢٩/٣ . (٣) في (م): الذين، وهو خطأ . (٤) في تفسير أبي السعود ٢٦٦/٦ (والكلام منه): إغناء. (٥) الكشاف ٣/ ١٣٠. سُؤَةُ السَّعراء ٢٩٠ الآية : ٢٠٧ مشاهدةِ العذاب، قال سبحانه: إنَّ هذا العذابَ الموعودَ وإنْ تأخّر أياماً قلائلَ فهو لاحقٌّ بهم لا محالةَ، وهنالك لا ينفعُهم ما كانوا فيه من الاغترار المُثْمِرِ لعَدَمِ الإيمان، وأصلُ النظم الكريم: لا يؤمنون حتى يروا العذاب وكيتَ وكيتَ، فإنْ متَّعناهم سنين ثم جاءهم هذا العذابُ الموعود فأيَّ شيءٍ أو فأيَّ غناءٍ يُغني عنهم تمتيعُهم تلك الأيامَ القلائلَ، فجيء بفعل الرؤية والاستفهام ليكون في معنى: أَخْبِرْ، إفادةً لمعنى التعجّب والإنكار، وأنَّ مِن حقِّ هذه القصة أنْ يُخْبَرَ بها كلُّ أحدٍ حتى يَتَعَجَّب. ووسَّط ((أفبعذابنا يستعجلون)) للتبكيت، والهمزةُ فيه للإنكار، وجيءَ بالفاء دلالةً على ترتُبه على السابق، كأنه لمَّا وُصِفَ العذاب قيل: أُيَستعجِلُ هذا العذابَ عاقلٌ؟! وفي ((الإرشاد)) اختيارُ أنَّ قوله تعالى: (أَفَرَوَيْتَ) متصلٌ بقوله سبحانه: (هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ)، وجعل الفاء لترتيب الاستخبار على ذلك القول، وهي متقدِّمةٌ على الهمزة معنّى، وتأخيرُها عنها صورة لاقتضاءِ الهمزةِ الصدارةَ، وأنَّ ((أفبعذابنا يستعجلون)) معترضٌ للتوبيخ والتبكيت، وجعل الفاء فيه للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند نزول العذاب الأليم فيستعجلون بعذابنا، وبينهما من التنافي ما لا يَخْفَى على أحدٍ، أو: أيغفلون عن ذلك مع تحقُّقِه وتقرُّرِه فيستعجلون .. إلخ(١). وصاحب «الكشف)» بعد أن قرَّر كما ذكرنا، قال: إنَّ العطف على مقدَّرٍ في هذا الوجهِ لا وَجْهَ له. ولعل المُنْصِفَ يقول: لكلِّ وجهةٌ. والثاني: أن قوله تعالى: (أَفَعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ) كلامٌ يوبّخون به يومَ القيامة عند قولهم فيه: ((هل نحن منظرون)) حُكي لنا لطفاً، و((يستعجلون)) عليه في معنى: استعجلتم (٢)؛ إذ كذلك يقال لهم ذلك اليوم، وكأنَّ أمر الترتيب أو العطفِ على مقدَّرٍ، وارتباط ((أفرأيت)) إلخ بقولهم: ((هل نحن منظرون)) على نحو ما تقدَّم في الوجه السابق. (١) إرشاد العقل السليم ٢٦٦/٤. (٢) بنحوه في الكشاف ٣/ ١٣٠ . الآية : ٢٠٨ ٢٩١ سُورَةُ الشِّعراء والثالث: أنَّ قوله تعالى: (أَفِعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ) متصلٌ بما بعده غيرُ مترتّبٍ على ما قبله، وذلك أنَّ استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غيرُ كائنٍ ولا لاحِقٍ بهم، وأنهم ممتَعون بأعمارٍ طوال في سلامةٍ وأَمْنٍ، فقال عزَّ وجل: (أَفَعَذَاِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) أشراً وبطراً واستهزاءً، واتكالاً على الأمل الطويل، ثم قال سبحانه: هَبْ أنَّ الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيدُ بعد ذلك ما ينفعهم حينئذٍ ما مضى من طول أعمارهم وطِيبٍ معايشهم(١). وعلى هذا يكون ((فبعذابنا)) إلخ عطفاً على مقدَّرٍ بلا خلافٍ، نحو: أيستهزؤون فبعذابنا يستعجلون، وقوله تعالى: (أَفَرَيْتَ) إلخ تعُّباً من حالهم مترتِّباً على الاستهزاء والاستعجال، والكلامُ نظيرُ ما تقول لمخاطبك: هل تغترُّ بكثرة العشائر والأموال، فاحسب أنها بلغت فوق ما تؤمِّلُ أليس بعده الموتُ وتَرْكُهما على حسرة؟ وهذا الوجهُ أظهر من الوجه الذي قبله. وأيّاً ما كان فقولُه سبحانه: ((بعذابنا)) متعلِّقٌ بـ ((يستعجلون)) قدِّم عليه للإيذان بأنَّ مَصَبَّ الإنكار والتوبيخ كونُ المستعجَلِ به عذابَه جلَّ جلالُه، مع ما فيه - علی ما قيل - من رعاية الفواصل. وقرئ: ((يُمْتَعون)) من الإمتاع(٢). وفي الآية موعظةٌ عظيمةٌ لمن له قلبٌ؛ روي عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنَّى لقاءه، فقال له: عِظْني، فلم يَزِدْه على تلاوةِ هذه الآية، فقال ميمون: لقد وَعَظْتَ فَأَبْلَغْتَ. ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ من القرى المهلكةِ ﴿إِلَّ لَا مُنذِرُونَ ﴾﴾ قد أَنذروا أهلها إلزاماً للحجة. والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً مقدَّماً، و((منذرون)» مبتدأ. والجملة في موضع الحال من ((قرية))، قاله أبو حيان ثم قال: الأَعْرَبُ أن يكون ((لها)) في موضع الحال، وارتفع ((منذرون)) بالجارِّ والمجرور، أي: إلا كائناً (١) الكشاف ٣/ ١٣٠. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والبحر ٤٤/٧ . سُورَةُ الشَّعَرَآء ٢٩٢ الآية : ٢٠٩ لها منذرون، فيكون من مجيء الحال مفرداً لا جملةً، ومجيءُ الحال من المنفيِّ كقولك: ما مررتُ بأحدٍ إلا قائماً، فصيحٌ(١). انتهى. وفي الوجهين مجيءُ الحال من النكرة، وحسَّن ذلك - على ما قيل - عمومُها؛ لوقوعها في حيِّز النفي مع زيادةِ ((مِن)) قبلها، وكأنَّ هذا القائل جَعَلَ العموم مسوِّغاً لمجيءِ الحال قياساً على جَعْلِهم إياه مسوِّغاً للابتداء بالنكرة لاشتراك العلة. وذهب الزمخشريُّ إلى أنَّ ((لها منذرون)) جملةٌ في موضع الصفة لـ ((قرية))(٢). ولم يجوِّز أبو حيان كونَ الجملة الواقعة بعد ((إلا)) صفةً، ثم قال: مذهبُ الجمهور أنه لا تجيءُ الصفة بعد ((إلا)) معتمدةً على أداة الاستثناء، نحو: ما جاءني أحدٌ إلا راكبٌ، وإذا سُمع خرِّج على البدل، أي: إلَّا رجلٌ راكبٌ، ويدلُّ على صحةِ هذا المذهب أنَّ العرب تقول: ما مررتُ بأحدٍ إلّا قائماً، ولا يُحفَظُ من كلامها: ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ قائم، فلو كانت الجملة في موضع الصفة للنكرة لورد المفردُ بعد ((إلا)) صفةً لها، فإن كانت الصفة غيرَ معتمدةٍ على الأداة جاءت الصفة بعد ((إلا))، نحو: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ خيرٌ من عمرو، فإنَّ التقدير: ما جاءني أحدٌ خيرٌ من عمرو إلا زيدٌ(٣). انتهى فتذكَّر. وأيّاً ما كان فضميرُ ((لها)) للقرية التي هي - لِمَا سمعت - في معنى الجمع، فكأنه قيل: وما أهلكنا القرى إلَّا لها منذورن، على [أنَّ](٤) معنى أنَّ للكلِّ منذرين أعمّ من أن يكون لكلِّ قريةٍ منها منذرٌ واحدٌ أو أكثر. وقوله تعالى: ﴿ذِكْرَ﴾ منصوبٌ على الحال من الضمير في ((منذرون)) عند الكسائيِّ، وعلى المصدر عند الزجَّاج(٥). فعلى الحال إمّا أن يقدَّر: ذوي ذكرى، أو يقدَّر: مذكِّرين، أو يبقى على ظاهره اعتباراً للمبالغة. وعلى المصدر فالعامل (١) البحر ٧/ ٤٤ . (٢) الكشاف ٣/ ١٣٠. (٣) البحر ٧/ ٤٤ . (٤) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٦/ ١٣٢. (٥) في معاني القرآن ١٠٢/٤، ونقله المصنف عنه وعن الكسائي بواسطة أبي حيان في البحر ٧ /٠٤٤ الآية : ٢٠٩ ٢٩٣ سُورَةُ السَّعراء ((منذرون))؛ لأنه في معنى: مذكِّرون، فكأنه قيل: مذكِّرون ذكرى، أي: تذكرة. وأجاز الزمخشريُّ أن يكون مفعولاً له، على معنى أنهم ينذرون لأجْلِ الموعظة والتذكرة. وأن يكون مرفوعاً على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ بمعنى: هذه ذكرى، والجملةُ اعتراضیةٌ. أو صفةٌ بمعنى: منذرون ذوو ذكرى، أو: مذكّرون(١)، أو جُعلوا نفسَ الذكرى مبالغةً؛ لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها . وجوَّز أيضاً أن يكون متعلِّقاً بـ ((أهلكنا)) على أنه مفعولٌ له، والمعنى: ما أهلكنا من قريةٍ ظالمين إلَّ بعدما ألزمناهم الحجةَ بإرسال المنذرين إليهم ليكونَ إهلاكُهم تذكرةً وعبرةً لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم، ثم قال: وهذا هو الوجهُ المعوَّلُ عليه(٢). وبيَّن ذلك في ((الكشف)) بقوله: لأنه وعيدٌ للمستهزئين، وبأنهم يستحقُّون أن يُجعلوا نكالاً وعبرةً لغيرهم كالأمم السوالف، حيث فَعَلوا مثل فِعْلِهم من الاستهزاء والتكذيب، فجُوزوا بما جُوزوا، وحينئذ يتلائم الكلام. انتهى. وتعقِّب(٣) بأنَّ مذهب الجمهور أنَّ ما قبلَ ((إلا)) لا يعملُ فيما بعدها إلا أن يكون مستثنّى، أو مستثنّى منه، أو تابعاً له غيرَ معتمدٍ على الأداة، والمفعولُ له لیس واحداً من هذه الثلاثة، فلا يجوز أن يتعلق بـ ((أهلكنا)). ويتخرَّج جوازُ ذلك على مذهب الكسائيِّ والأخفش وإن كانا لم ينصبا على المفعول له هنا، وكأنَّ ذلك لِمَا في نَصْبِهِ عليه من التكلّف، وأمرُ الالتئام سهلٌ كما لا يخفى. ﴿وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴾﴾ أي: ليس شأنُنا أن يَصْدُرَ عنَّا بمقتضَى الحكمة ما هو في صورة الظلم لو صَدَرَ من غيرنا، بأنْ نهلك أحداً قبل إنذاره، أو بأنْ نعاقب مَن (١) في الأصل و(م): مذكرين، والصواب ما أثبتناه، وهو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل كما ذكر السمين في الدر ٨/ ٥٦١ . (٢) الكشاف ٣/ ١٣٠. (٣) المتعقب هو أبو حيان في البحر ٧ / ٤٤ . ٠ سُورَةُ الشّعراء ٢٩٤ الآية : ٢١٠ لم يظلم. ولإرادة نفي أن يكون ذلك من شأنه عزَّ شأنهُ قال: (وَمَا كُنَّا) دون: وما نظلم. متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَفِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ إلخ ٢١٠ ﴿وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الآية: ١٩٢]، وهو ردٌّ لقول مشركي قريشٍ: إنَّ لمحمدٍ وَلِ﴿ تابعاً من الجنِّ يخبرهُ كما تُخْبِرُ الكهنةُ، وإنَّ القرآن مما ألقاه إليه عليه الصلاة والسلام. والتعبيرُ بالتفعيل لأنَّ النزول لو وقع لكان بالاستراق التدريجيّ. وقرأ الحسن وابن السميفع: ((الشياطونَ))(١)، فقال أبو حاتم(٢): هو غلطٌ من الحسن أو عليه. وقال النحاس: هو غلطٌ عند جميع النحويين(٣). وقال المهدويُّ: هو غيرُ جائزٍ في العربية. وقال الفرَّاء: غَلِطَ الشيخ، ظنَّ أنها النون التي على هجاءَيْن(٤) . وقال النضر بن شميل: إنْ جاز أن يُحتَجَّ بقول العجَّاج ورؤبةً فهلًّا جاز أن يُحتجَّ بقول الحسن وصاحبه، مع أنَّا نعلمُ أنهما لم يقرأا به إلَّا وقد سَمعا فيه . وقال يونس بن حبيب: سمعتُ أعرابيّاً يقول: دخلتُ بساتينَ من ورائها بساتون. فقلت: ما أَشْبةَ هذا بقراءة الحسن! انتهى. ووجّهت هذه القرءاة بأنه لمّا كان آخرُه كآخِرِ یبرین وفلسطين، وقد قيل فيهما : يبرون وفِلَسْطون، أُجري فيه نحو ما أجري فيهما، فقيل: الشياطون؛ وحقُّه على هذا على ما في ((الكشاف)) أن يُشتقَّ من الشيطوطة، وهي الهلاك(٥). (١) معاني القرآن للفراء ٢٨٥/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٩٤/٣، والكشاف ١٣١/٣، والمحرر الوجيز ٢٤٥/٤، والقراءات الشاذة ص١٠٨، والمحتسب ١٣٣/٢، والبحر ٤٦/٧. (٢) كما في المحرر الوجيز ٢٤٥/٤، والبحر ٤٦/٧، وعنه نقل المصنف ما سيأتي من أقوال. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٩٤/٣. (٤) الكشاف ١٣١/٣، والبحر ٤٦/٧، والدر المصون ٥٦٢/٨، والعبارة في معاني القرآن للفرَّاء ٢/ ٢٨٥: وجاء عن الحسن: ((الشياطون)) وكأنه مِن غَلَطِ الشيخ ظن أنه بمنزلة المسلمين والمسلمون. (٥) الكشاف ١٣١/٣، ويبرين ويقال: أبرين: قرية كثيرة النخل بالبحرين. معجم البلدان (أبرين) و(یبرین). الآية : ٢١١ - ٢١٢ ٢٩٥ سُورَةُ الشعراء وفي ((البحر)) نقلاً عن بعضهم: إن كان اشتقاقه من شاط - أي: احترق ـ يشيطٌ شوطةً، كان لقراءتهما وجهٌ. قيل: ووجهُها أنَّ بناء المبالغة منه شيَّاط، وجمعه الشيَّاطون، فخفَّفا الياء، وقد رُوي عنهما التشديد، وقرأ به غيرُهما(١). وقال بعض: إنه جمعُ شِياط مصدر شاط، كخاط خِياطاً، كأنهما رَدَّا الوصف إلى المصدر بمعناه مبالغةً ثم جمعا. والكلُّ كما ترى. وقال صاحب ((الكشف»: لا وجه لتصحيح هذه القراءة البتة. وقد أطنب ابن جنِّي في تصحيحها ثم قال: وعلى كلِّ حال فالشياطون غلط(٢). وأبو حيان لا يرضى بكونه غلطاً، ويقول: قرأ به الحسن وابن السَّمَيْفَع والأعمشُ، ولا يمكن أن يقال: غلطوا؛ لأنهم من العلم ونَقْلِ القرآن بمكانٍ(٣)، والله تعالى أعلم. والذي أراه أنه متى صحَّ رفعُ هذه القراءة إلى هؤلاء الأجلَّةِ لزم توجيهُها، فإنهم لا يقرؤون إلا عن روايةٍ كغيرهم من القرَّاء في جميع ما يقرؤونه عندنا. وزعم المعتزلة أنَّ بعض القراءات بالرأي. ﴿وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ﴾ أي: وما يصحُّ وما يستقيم لهم ذلك ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أي: وما يقدرون على ذلك أصلاً. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الشياطين ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾ لِمَا يتكلَّم به الملائكةُ عليهم السلام في السماء ﴿لَمَعْزُولُونَ ﴾ أي: ممنوعون بالشهب بعد أن كانوا ممكَّنين، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعُ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٨-٩] والمرادُ تعليلُ ما تقدَّم على أبلغ وجهٍ؛ لأنهم إذا كانوا ممنوعين عن سماع ما تتكلّم به الملائكة في السماء، كانوا ممنوعين من أَخْذِ القرآن المجيد من اللوح المحفوظ، أو من بيت العزَّة، أو من سماعه إذ يُظْهِرُه الله عزَّ وجلَّ لمن شاء في سمائه، من بابٍ أَوْلَى. (١) البحر ٤٦/٧ . (٢) المحتسب ١٣٣/٢. (٣) البحر ٧/ ٤٦ . سُورَةُ الشِّعراء ٢٩٦ الآية : ٢١٢ وقيل: المعنى: إنهم لمعزولون عن السمع لكلام الملائكة عليهم السلام، لأنه مشروطٌ بالمشاركة في صفات الذات وقبولِ فيضان الحقِّ، والانتقاشِ بالصور الملكوتية، ونفوسُهم خبيئةٌ ظلمانيةٌ شرِّيرةٌ بالذات لا تقبلُ ذلك، والقرآنُ الكريم مشتملٌ على حقائقَ ومغيَّاتٍ لا يمكنُ تلقِّها إلا من الملائكة عليهم السلام. وتعقّب بأنه إن أراد أن السمع لكلام الملائكة عليهم السلام مطلقاً مشروط بصفاتٍ هم متَّصفون بنقائضها، فهو غيرُ مسلَّم، كيف وقد ثبت أنَّ الشياطين كانوا يَسْتَرِقون السمع، وظاهرُ الآيات أنهم إلى اليومَ يَسْتَرِقُونه ويَخْطَفون الخطفةَ فيتبعهم شهاب ثاقب. وأيضاً لو كان ما ذكر شرطاً للسمع وهو منتفٍ فيهم، فأيُّ فائدةٍ للحرس، ومَنْعِهم عن السمع بالرجوم؟! وأيضاً لو صحَّ ما ذكر لَمْ يتأثَّ لهم سماعُ القرآن العظيم من الملائكة عليهم السلام سواءٌ كان مشتملاً على الحقائق والمغيَّبات أم لا، فما فائدة في قوله: والقرآن مشتمل .. إلخ، إلى غير ذلك. وإنْ أراد أنَّ السمع لكلام الملائكة عليهم السلام إذا كان وحياً منزلاً على الأنبياء عليهم السلام مشروطٌ بما ذكر، فهو مع كونه خلافَ ظاهر الكلام غيرُ مسلّم أيضاً، كيف وقد ثبت أنَّ جبريل عليه السلام حين ينزل بالقرآن ينزل معه رَصَدٌ حِفْظاً للوحي من الشيطان(١)، وقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا * إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا *** لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [الجن: ٢٦-٢٨]. وأيضاً ظاهرُ العزل عن السمع يقتضي أنهم كانوا ممّنين منه قبلُ ثم مُنعوا عنه، فيلزمُ على ما ذكر أنهم كانوا يسمعون الوحي من قبلُ مع أنَّ نفوسهم خبيئةٌ ظلمانيةٌ شريرةٌ بالذات، فيَبْطُلُ كونُ المشاركة المذكورة شرطاً للسمع، فإن ادَّعى أنَّ الشرط كان موجوداً إذ ذاك ثم فُقِدَ، والتَزَمَ القول بجواز تغيُرِ ما بالذات، فهو مما لم يَقُمْ عليه دليلٌ. وقياسُ جميع الشياطين على إبليس عليه اللعنةُ مما لا يخفى حالُه، فتدبر. (١) ينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٢٧) من سورة الجن. الآية : ٢١٣ - ٢١٤ ٢٩٧ سُورَةُ الشَّعراء وبالجملة الذي أميلُ إليه في معنى الآية ما ذكرتُه أوَّلاً، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يتعلَّق بذلك. وجوِّز كونُ ضمير ((إنهم)) للمشركين، والمراد: إنهم لا يصغون للحقِّ لعنادهم، وفي الآية شمة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وهو بعيدٌ جدّاً. خوطب به النبيُّ ◌َر مع ﴿فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ استحالة صدور المنهي عنه عليه الصلاة والسلام تهييجاً وحثّاً لازدياد الإخلاص، فهو كنايةٌ عن: أخْلِصْ في التوحيد حتى لا ترى معه عزَّ وجلَّ سواه. وفيه لطفٌ لسائر المكلَّفين ببيان أنَّ الإشراك من القبح والسوء بحيث يُنْهَى عنه مَن لم يُمْكِنْ صدورُه عنه، فكيف بِمَن عَدَاه؟ وكأنَّ الفاء فصيحةٌ، أي: إذا علمت ما ذُكر فلا تَدْعُ مع الله إلهاً آخَرَ. ﴿وَأَنَذِرٌ﴾ العذابَ الذي يستتبعه الشركُ والمعاصي ﴿عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْبَينَ أي: ذوي القرابة القريبة، أو الذين هم أكثر قرباً إليك من غيرهم. والعشيرة على ما قال الجوهريُّ: رَهْطُ الرجل الأَدْنَوْنَ(١). وقال الراغب: هم أهلُ الرجل الذين يتكثَّرُ بهم، أي: يصيرون له بمنزلةٍ العدد الكامل، وهو العشرة(٢). واشتهر أن طبقات الأنساب ستُّ: الأولى: الشَّعْبُ بفتح الشين، وهو النَّسبُ الأبعد كعدنان. الثانية: القبيلةُ، وهي ما انقسم فيه الشعب كربيعة ومضر. الثالثة: العِمَارةُ بكسر العين، وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة. الرابعة: البطنُ، وهو ما انقسم فيه أنسابُ العمارة، كبني عبد مناف وبني مخزوم. (١) كذا نقل المصنف عن الجوهري، والذي في الصحاح (عشر): العشيرة: القبيلة. وما ذكره المصنف قاله الجوهري في العترة والفصيلة كما في الصحاح (عتر) و(فصل). وفي اللسان (عشر): عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون، وقيل: قبيلته. ومثله في التاج (عشر). (٢) مفردات الراغب (عشر). سُورَةُ الشِّعراء ٢٩٨ الآية : ٢١٤ الخامسة: الفَخِذُ، وهو ما انقسم فيه أنسابُ البطن، كبني هاشم وبني أمية. السادسة: الفصيلة، وهي ما انقسم فيه أنسابُ الفخذ، كبني العباس وبني عبد المطلب(١)، وليس دون الفصيلة إلَّا الرجلُ وولده. وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبيِّ عن أبيه تقديمَ الشَّعْبِ، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العِمَارة، ثم الفَخِذ (٢)، فأقام الفصيلة مقام العمارة في ذكرها بعد القبيلة، والعمارةَ مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ، ولم يَحْكِ ما يخالفُه، ولم يذكر في الترتيبين العشيرة. وفي ((البحر)) أنها تحت الفخذ فوق الفصيلة(٣). والظاهرُ أنَّ ذلك على الترتيب الأول. وحَكَّى بعضُهم بعد أن نقل الترتيبَ المذكور عن النوويِّ عليه الرحمةُ أنه قال في ((تحرير التنبيه)): وزاد بعضُهم العشيرة قبل الفصيلة. ويُفْهَمُ من كلام البعض أنَّ العشيرة إذا وُصفَتْ بالأقرب اتَّحدثْ مع الفصيلة التي هي سادسةُ الطبقات، وأنت تعلم أنَّ الأقربية إذا كانت مأخوذةً في مفهومها كما يُفهم من كلام الجوهري(٤) تستغني دعوى الاتِّحاد عن الوصف المذكور. وفي ((كلِّيات)) أبي البقاء: كلُّ جماعةٍ كثيرةٍ من الناس يرجعون إلى أبٍ مشهورٍ بأمرٍ زائدٍ فهو شعبٌ كعدنان، ودونه القبيلةُ وهي ما انقسمتْ فيها أنسابُ الشعب كربيعة ومضر، ثم العمارة وهي ما انقسمت فيها أنسابُ القبيلة كقريش وكنانة، ثم (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٥٣١-٥٣٢، وفيه: وبني أبي طالب، وهو أنسب بالسياق من: بني عبد المطلب. (٢) كذا نقل المصنف عن الصحاح (شعب)، والذي في الغريب المصنف ٥٤/١ عن ابن الكلبي عن أبيه: الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وكذا نقله عن أبي عبيد عن ابن الكلبي الأزهري في تهذيب اللغة ٤٤٢/١، ومثله عن ابن الكلبي في أدب الكاتب ص ١٧٥، وأمالي القالي ٢١/١. وقال ابن قتيبة: وقال غيره: الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة . (٣) البحر ٤٦/٧ . (٤) سلفت الإشارة إلى أن هذا الكلام ليس للجوهري، وأنه مذكور في اللسان والتاج (شعب). الآية : ٢١٤ ٢٩٩ سُورَةُ الشعراء البطن وهي ما انقسمت فيها أنسابُ العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم، ثم الفَخِذُ وهي ما انقسمت فيها أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية، ثم العشيرة وهي ما انقسمت فيها أنسابُ الفخذ كبني العباس وبني أبي طالب. والحيُّ يَصْدُقُ على الكلِّ؛ لأنه للجماعة المتنازلين بِمَرْبَع منهم (١). انتهى. ولم يذكر فيه الفصيلة، وكأنه يذهبُ إلى اتّحادها بالعشيرة. ووجهُ تخصيص عشيرته وَّهَ الأقربينَ بالذِّكر مع عموم رسالته عليه الصلاة والسلام دَفْعُ توهُّمِ المحاباة، وأنَّ الاهتمام بشأنهم أهمُّ، وأنَّ البداءة تكونُ بِمَن يلي ثم مَن بَعْدَه كما قال سبحانه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. وفي كيفية الإنذار أخبارٌ كثيرة، منها ما أخرجه البخاريُّ عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) صَعِدَ النبيُّ نَّهِ على الصَّفَا فَجَعَلَ ينادي: (يا بني فِهْرٍ، يا بني عديٍّ)) لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أنْ يَخْرِجَ أَرْسلَ رسولاً ليَنْظُرَ ما هو، فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال: ((أرأيتّكم لو أَخْبَرْتُكم أنَّ خيلاً بالوادي تُريدُ أنْ تُغِيرَ عليكم أكُنْتُم مُصَدِّقيَّ؟)) قالوا: نعم ما جرَّبْنا عليك إلَّا صدقاً. قال: ((فإِنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد)) فقال أبو لهب: تبَّا لك سائرَ اليوم، ألهذا جمعتنا!؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ (٢) . مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ, وَمَا كَسَبَ ومنها ما أخرجه أحمد وجماعةٌ عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ) دعا رسولُ الله ◌َّه قريشاً وعَمَّ وخَصَّ، فقال: ((يا معشر قريش، أنقِذوا أنفسكم من النار فإنِّي لا أملكُ لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤيٌّ أنقذوا أنفسكم من النار فإنِّي لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني قصيٍّ أنقذوا أنفسكم من النار فإنِّي لا أملك لكم ضرَّا ولا نفعاً، يا معشر بني عَبْدِ مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإِنِّي لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا، يا فاطمةُ بنت محمدٍ (١) الكليات ص٥٢٤ . (٢) صحيح البخاري (٤٧٧٠)، وهو عند مسلم (٢٠٨). سُورَةُ الشّعراء ٣٠٠ الآية : ٢١٥ أنقذي نفسَكِ من النار فإني لا أملك لك ضرّاً ولا نفعاً، ألا إنَّ لكم رحماً وسَأَبُلُّها بِلَالِها)»(١). وجاء في بعض الروايات: أنه نَّمَ لمَّا نزلت الآيةُ جَمَعَ عليه الصلاة والسلام بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت ثم اطّلع عليهم فأنذرهم(٢). وجاء في بعضٍ آخَر منها أنه عليه الصلاة والسلام أمَرَ عليًّا كرم الله تعالى وجهه أن يصنع طعاماً ويجمعَ له بني عبد المطلب، ففعل وجَمَعَهم وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فبعد أن أكلوا أراد ◌َل﴿ أن يكلِّمهم، بَدَرَه أبو لهب إلى الكلام، فقال: لقد سَحَركم صاحبكم. فتفرَّقوا، ثم دعاهم من الغد إلى مثل ذلك، ثم بَدَرَهم بالكلام فقال: يا بني عبد المطلب إِّي أنا النذيرُ إليكم من الله تعالى والبشيرُ، قد جئتُكم بما لم يَجِئُ به أحدٌ، جئتكم بالدنيا والآخرة، فأسْلِموا تَسْلَموا، وأطيعوا تهتدوا))(٣). إلى غير ذلك من الأخبار والروايات، وإذا صحَّ الكلُّ فطريقُ الجمع أن يقال بتعدُّد الإنذار. ومن الروايات ما يتمسَّكُ به الشيعةُ فيما يدَّعونه في أمرِ الخلافة، وهو مؤوَّلٌ أو ضعيفٌ أو موضوعٌ. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ ورَهْطَكَ منهم المُخْلَصين ﴿وَلَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ ﴾ أمرٌ له وَلَّه بالتواضُع على سبيل الاستعارة التبعية أو التمثيلية، أو (٢٥) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) مسند أحمد (٨٤٠٢) و(٨٧٢٦)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٠٤). وأخرجه بنحوه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦). قوله: ببلالها، قال النووي في شرح صحيح مسلم ٨٠/٣: ضبطناه بفتح الباء الثانية وكسرها، والبلال الماء، ومعنى الحديث: سأصِلُها، شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: بلُّوا أرحامكم، أي: صِلُوها. (٢) قطعة من خبر طويل أخرجه الطبراني في الكبير (٧٨٩٠) عن أبي أمامة نظرُه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨٦/٧: فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك. (٣) أخرجه مطولاً ابن إسحاق في السير والمغازي ص ١٤٥، والطبري ١٧ / ٦٦١ -٦٦٣، وابن أبي حاتم ٢٨٢٦/٩، والبيهقي في الدلائل ١٧٩/٢ من حديث علي