النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ١١٤ - ١١٥
٢٤١
سُوَرَةُ الشعراء
وجوِّز أن يقال: إنَّهم لمَّا قالوا: ((واتَّبعك الأرذلون)) وعَنَوا: الذين لا نصيب
لهم من الدنيا، أو الذين الَّضَعتْ أنسابهم، أو كانوا من أهل الصنائع الدنيَّة(١)،
تَغْابَى عليه السلام عن مرادهم، وخيَّل لهم أنهم عَنَوا بالأرذلين مَن لا إخلاصَ له
في العمل ولم يُؤْمِنْ عن نظرٍ وبصيرةٍ، فأجابهم بما ذُكر كأنه ما عَرَفَ من الأرذلين
إلّا ذلك. ولو جُعِل هذا نوعاً من الأسلوب الحكيم لم يَبِعُدْ عندي، وفيه مِن لُظْفٍ
الردِّ عليهم وتقبيحِ ما هم عليه ما لا يخفى.
وزعم بعضُهم أنهم عَنَوا بالأرذلين نساءَه عليه السلام وبَنيهِ وكَنَّتِه وبني بَنيه.
واسترذالهم لضعة (٢) النسب لا يتصوَّر في جميعهم حقيقةً كما لا يخفى، فلا بدَّ عليه
من اعتبارِ التغليب ونحوِه.
وقرأ الأعرج وأبو زرعةً وعيسى بن عمر الهمذانيُّ: (يشعرون)) بياء الغيبة(٣).
جوابٌ عمَّا أَوْهَمه كلامُهم من
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنَّأْ يِطَارِدِ الْمُؤْمِينَ
استدعاء طَرْدِهم وتعليقِ إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتِّباعَهم مانعاً عنه، وقد نُزِّلوا
لذلك منزلةَ مَن يدَّعي أنه عليه السلام ممن يطردُ المؤمنين، وأنه ممن يُشْتَركُ معه
فيه، فقدِّم المسندُ إليه وأُوْليَ حرفَ النفي لإفادة أنَّ ذلك ليس شأنَه بل شأنُ
المخاطَبين. وجوِّز أن يكون التقديم للتقوِّي، وهو أقلُّ مؤونةً كما لا يخفى.
وقيل: إنَّهم طلبوا منه عليه السلام طردهم فأجابهم بذلك، كما طلب رؤساء
قريش من رسول الله وَالوَ طَرْدَ مَن آمَنَ به من الضعفاء فنزلت: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
کالعلَّة له، أي:
١١٥]
رَبَّهُم﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ أَنَّ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
ما أنا إلَّا رسولٌ مبعوثٌ الإنذارِ المكلَّفين وزَجْرِهم عمَّا لا يرضيه سبحانه وتعالى،
سواءٌ كانوا من الأشرفين أو الأرذلين، فكيف يتسنَّى لي طردُ مَن زعمتُم أنهم
أرذلون. وحاصلُه: أنا مقصورٌ على إنذار المكلَّفين لا أتعدَّاه إلى طَرْدِ الأرذلين
منهم.
(١) في (م): الدنيئة.
(٢) في (م): لعضة، وهو تصحيف.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٧، والبحر ٣١/٧.

سُؤَدَةُ الشَّعَرَآء
٢٤٢
الآية : ١١٦ - ١١٧
أو: ما عليَّ إلا إنذارُكم بالبرهان الواضح، وقد فعلتُه، وما عليَّ استرضاءُ بعضكم
بطرد الآخرين، وحاصله: أنا مقصورٌ على إنذاركم لا أتعدَّاه إلى استرضائكم.
وقيل: إنَّ مجموع الجملتين جوابٌ، وإنَّ إيلاء الضميرِ حرفَ النفي يدلُّ على
أنهم زعموا أنه عليه السلام موصوفٌ بصفتين: إحداهما اتِّباعُ أهوائهم بطَرْدِ
المؤمنين لأجْلٍ أن يؤمنوا، وثانيتُهما أنه نذيرٌ مبينٌ، فقصر الحكم على الثاني دون
الأول. ولا يخلو عن بحث.
﴿قَالُواْ لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ يَنُ﴾ عمَّا أنت عليه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾ أي:
المَرِمِينَ بالحجارة، كما روي عن قتادة. وهو توقُّدٌ بالقتل، كما روي عن الحسن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدِّي أنَّ المعنى: من المشتومين(١)، على أنَّ
الرجم مستعارٌ للشتم كالطعن .
وفي ((إرشاد العقل السليم)): أنهم - قَاتَلَهم الله تعالى - قالوا ذلك في أواخِرٍ
الأمر، ومعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ قَوِى كَذَّبُونِ (٣٦)﴾: استمرُّوا على تكذيبي،
وأصرُّوا عليه بعد ما دعوتُهم هذه الأزمنةَ المتطاولةَ، ولم يَزِدْهم دعائي إلَّا فراراً (٢).
وهذا ليس بإخبارٍ بالاستمرار على التكذيب؛ لِعِلْمِه عليه السلام أنَّ عالِمَ الغيب
والشهادة أعلمُ؛ ولكنه أراد إظهارَ ما يدعو عليهم لأَجْله وهو تكذيبُ الحقِّ،
لا تخويفُهم له واستخفافُهم به في قولهم: ((لئن لم تنتهِ يا نوعُ لتكوننَّ من
المرجومين))، تلطّفاً في فتح باب الإجابة؛ وقيل: لدَفْعِ توهُّم الخَلْقِ فيه التجاوُزَ(٣)
أو الحدَّة.
وقيل: إنه خبرٌ لم يُقْصَدْ منه الإعلامُ أصلاً، وإنما أُوْرِدَ لغَرَضِ التحزُّنِ والتفجّع
كما في قوله:
فلئن رَمَيتُ يُصيبُني سَهْمي(٤)
قومي همُ قتلوا أميمَ أخي
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٨٩/٨.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٥٥/٦.
(٣) في (م): المتجاوز، وفي حاشية الشهاب ٧/ ٢٢: التجاري.
(٤) سلف ١٣٦/٤.

الآية : ١١٨ - ١٢٧
٢٤٣
سُورَةُ الشَّجَرَآءِ
ويُبعِدُ ذلك في الجملة تفريعُ الدعاء عليهم بقوله تعالى: ﴿فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾
على ذلك، أي: احكم بيننا بما يستحقُّه كلُّ واحدٍ منَّا، من الفتّاحة (١) بمعنى
الحكومة. و((فتحاً)) مصدر، وجوِّز أن يكون مفعولاً به على أنه بمعنى مفتوحاً.
وهذه حكايةٌ إجماليةٌ لدعائه عليه السلام المفصّلِ في سورة نوح.
﴿وَِّى وَمَنْ فَعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: من قَصْدِهم، أو شؤمِ أعمالهم، وفيه
إشعارٌ بحلول العذاب بهم.
﴿فَيَّنَهُ وَمَنْ تَعَهُ﴾ على حَسَبِ دعائه عليه السلام ﴿فِى الْفُلْكِ اُلْمَشْحُونِ
أي: المملوء بهم وبما يحتاجون إليه: حالاً كالطعام، أو مآلاً كالحيوان.
١١٩)
والفلكُ يستعمل واحداً وجمعاً، وحيث أتى في القرآن الكريم فاصلةً استُعْمِل
مفرداً، أو غيرَ فاصلةٍ استُعمِلَ جمعاً، كما في (البحر))(٢).
﴿ِثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ أي: بعدَ إنجائهم، و((ثم)) للتفاوتِ الرُّتْبيِّ، ولذا قال سبحانه
بعدُ: (بَعْدُ). ﴿ الْبَاقِينَ (٣٥)﴾ أي: من قومه.
١٢٢
وَإِنَّ رَبِّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ تُؤْمِنِينَ
الكلامُ فيه نظيرُ الكلام فيما تقدَّم.
بيدَ أنَّ تأنيث الفعل هنا
وكذا الكلامُ في قوله تعالى: ﴿كَثَّبَتْ عَدُ الْمُرْسِلِينَ (٣٣)
باعتبارٍ أنَّ المراد بـ ((عادٍ)) القبيلةُ، وهو اسمُ أبيهم الأقصى، وكثيراً ما يعبّر عن
القبيلة إذا كانت عظيمةً بالأب، وقد يعبّر عنها ببني أو بآلٍ مضافاً إليه، فيقال: بنو
فلان أو آل فلان.
وكذا الكلامُ في قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُهُمْ هُوَّ أَلَا نَتَّقُونَ (9َ إِّ لَكُ
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَمَّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ
رَسُولُ أَمِينٌ فَ﴾
١٢٧
اَلْعَلَمِينَ
(١) بضم الفاء وكسرها. القاموس (فتح).
(٢) ٣٢/٧.

سُوَةٌ الشعراء
٢٤٤
الآية : ١٢٨
وحكايةُ الأمر بالتقوى والإطاعة، ونفي سؤال الأجر في القصص الخمس،
وتصديرُها بذلك؛ للتنبيه على أنَّ مَبْنَى البعثة هو الدعاءُ إلى معرفة الحقِّ والطاعةِ
فيما يقرِّبُ المدعوَّ إلى الثواب، ويُبْعِدُه من العقاب، وأنَّ الأنبياء عليهم السلام
مجتمعون على ذلك وإن اختلفوا في بعض فروع الشرائع المختلفةِ باختلاف الأزمنة
والأعصار، وأنهم عليهم السلامُ منزَّهون عن المطامع الدنيوية بالكلِّية.
ولعله لم يسلك هذا المسلك في قصتي موسى وإبراهيم عليهما السلام تفتُّناً مع
ذكر ما يُشْعِرُ بذلك. وقيل: إن ما ذُكر ثَمَةَ أهمّ.
وكانت منازلُ عادٍ بين عُمان وحضرموت، وكانت أخصبَ البلاد وأَعْمَرَها،
فجعلها الله تعالى مفاوِزَ ورمالاً، ويشير إلى عمارتها قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُنَ بِكُلِّ رِبع﴾
أي: طريق، كما روي عن ابن عباس وقتادة.
وأخرج ابن جَريرٍ وجماعةٌ عن مجاهدٍ: أنَّ الرِّيع الفجّ بين الجبلين(١).
وعن أبي صخر(٢): أنه الجبلُ والمكان المرتفع عن الأرض.
وعن عطاء: أنه عينُ الماء.
والأكثرون على أنه المكانُ المرتفع، وهو روايةٌ عن ابن عباس ◌ًِّا، ومنه ربعُ
النبات: وهو ارتفاعُه بالزيادة والنماء.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((رَيْعٍ)) بفتح الراء(٣).
﴿وَايَةٌ﴾ أي: عَلَماً، كما رُوي عن الحبر ◌َظُبهِ. وقيل: قصراً عالياً مَشِيداً كأنه
عَلَمٌ، وإليه ذهب النقَّاش وغيرُه، واستَظْهره ابن المنير (٤)، ويمكن حَمْلُ ما روي عن
(١) تفسير الطبري ١٧/ ٦٠٨.
(٢) هو حميد بن زياد بن أبي المخارق الخراط، مدني سكن مصر، ويقال: هو حميد بن صخر
أبو مودود الخراط، توفي سنة (١٩٨هـ)، من رجال التهذيب. وكلامه في تفسير ابن أبي حاتم
٩/ ٢٧٩٣.
(٣) البحر ٣٢/٧، وذكرها الزمخشري في الكشاف ١٢١/٣ دون نسبة. وقال ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص١٠٧: حكاه الكسائي على أنه لغة، فتح الراء.
(٤) في الانتصاف ١٢١/٣ .

الآية : ١٢٩
٢٤٥
سُورَةُ الشَّجَرَآء
﴾ على معنى: تعبثون ببنائها؛ لِمَا
الحبر عليه، وحينئذٍ فقوله تعالى: ﴿تَعْبَثُونَ (٦َ
أنَّهم لم يكونوا محتاجينَ إليها، وإنما بَنَوْها للفَخْرِ بها .
والعبثُ ما لا فائدةَ فيه حقيقةً أو حُكْماً، وقد ذُمَّ رفعُ البناء لغيرِ غَرَضٍ شرعيٍّ
في شريعتنا أيضاً .
وقيل: إنَّ عبثهم في ذلك من حيث إنهم بَنَوْها ليهتدوا بها في أسفارهم، والنجومُ
تُغني عنها. واعتُرِضَ بأنَّ الحاجة تدعو لذلك، لغيم مطبق أو ما يجري مجراه.
وأجيب بأنَّ الغيم نادرٌ لا سيما في ديارِ العرب، مع أنه لو احتيجَ إليها لم يُحْتَجْ
إلى أنْ تُجعَلَ في كلِّ ربعٍ، فيكون بناؤها كذلك عبثاً .
وقال الفاضل اليمنيُّ: إنَّ أماكنها المرتفعةَ تغني عنها، فهي عبثٌ.
وقيل: كانوا يبنون ذلك ليُشْرِفوا على المارَّة والسابلةِ فَيَسْخَروا منهم ويَعْبَثوا
بهم، وروي ذلك عن الكلبيِّ والضحاك.
وعن مجاهدٍ وابن جُبير: أنَّ الآية برجُ الحمام، كانوا يبنون البروج في كلِّ ریعِ
ليلعبوا بالحمام ویَلُْوا به.
وقيل: بيت العشَّار، يبنونه بكلِّ رأس طريقٍ فيجلسون فيه ليعشِّروا مالَ مَن يمرُّ
بهم. وله نظيرٌ في بلادنا اليوم، ولا مستعانَ إلَّا بالله العليِّ العظيم.
والجملةُ في موضع الحال، وهي حالٌ مقدَّرةٌ على بعض الأقوال.
﴿وَتَتَّخِذُونَ﴾ أي: تعملون ﴿مَصَابِعَ﴾ أي: مآخذَ للماء، ومجاريَ تحت
الأرض، كما روي عن قتادة. وفي روايةٍ أخرى عنه: أنها بِرَكُ الماء، وعن
مجاهدٍ: أنها القصورُ المَشيدة.
وقيل: الحصونُ المُحكمةُ، وأنشدوا قول لبید:
وتبقى جبالٌ بعدنا ومصانعُ(١)
وليس بنصٍّ في المدَّعَى.
(١) ديوان لبيد ص١٦٨ برواية:
بَلِينا وما تَبْلَى النجومُ الطَّوالعُ وتبقى الجبالُ بعدنا والمصانع

سُورَةُ الشَّجَرَاء
٢٤٦
الآية : ١٣٠
﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ ﴿3﴾﴾ أي: راجينَ أنْ تَخْلُدُوا في الدنيا، أو عاملينَ عملَ مَن
يرجو الخلودَ فيها، فـ ((لعل)) على بابها من الرجاء.
وقيل: هي للتعليل، وفي قراءة عبد الله: ((كي تخلدون))(١).
وقال ابن زيد: هي للاستفهام على سبيل التوبيخ والهزء بهم، أي: هل أنتم
تخلدون. وكونُ (لعل)) للاستفهام مذهبٌ كوفيٌّ .
وقال ابن عباس پًا: المعنى: کأنكم خالدون، وقرئ بذلك كما روي عن
قتادة(٢)، وفي حرف أبيٍّ: ((كأنكم تخلدون))(٣).
وظاهرُ ما ذُكر أنَّ ((لعل)) هنا للتشبيه، وحَكَى ذلك صريحاً البغويُّ عن
الواقديّ(٤)، وفي ((البرهان)): هو معنّى غريبٌ لم يذكره النحاة، ووقع في ((صحيح
البخاريِ)) أنَّ ((لعلَّ)) في الآية للتشبيه(٥). انتهى.
وقرأ قتادة: ((تُخْلَدون)) مبنيًّا للمفعول مخفَّفاً (٦)، ويقال: خَلَدَ الشيءُ وأَخْلَده
غیرُه.
وقرأ أبيٌّ وعلقمة: ((تخلَّدون)) مبنيًّا للمفعول مشدّداً (٧)، كما قال الشاعر:
هل يَعِمَنْ إلَّا سعيدٌ مخلَّدٌ قليلُ هموم ما يبيتُ بأوجال(٨)
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ أي: أردتُم البطشَ بسوطٍ أو سيف ﴿بَطَشْتُمْ جَّارِينَ (٣)﴾ مسلَّطين
(١) المحرر الوجيز ٢٣٨/٤، والبحر ٣٢/٧، والدر المصون ٥٣٩/٨.
(٢) النكت والعيون ٤/ ١٨١، وتفسير القرطبي ٥٧/١٦، وهي في البحر ٣٢/٧ دون نسبة.
(٣) المحرر الوجيز ٢٣٨/٤، والبحر ٣٢/٧.
(٤) في الأصل و(م): الواقدي عن البغوي، وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله، والكلام من
البرهان ٤/ ٣٩٤، وسلف ١٨/ ١٤١.
(٥) البرهان ٣٩٤/٤، وجاء في صحيح البخاري قبل الحديث (٤٧٦٨): قال ابن عباس:
(لعلكم تخلدون)): كأنكم.
(٦) المحتسب ١٣٠/٢، والبحر ٣٢/٧، وينظر القراءات الشاذة ص١٠٧ .
(٧) القراءات الشاذة ص ١٠٧، والبحر ٣٢/٧.
(٨) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٢٧ برواية: قليل الهموم ... ، وقال الشارح:
الأوجال جمع وَجَل، وهو الفزع.

الآية : ١٣١ - ١٣٣
٢٤٧
سُورَةُ الشّعراء
غاشمين بلا رأفةٍ ولا قَصْدِ تأديبٍ ولا نظرٍ في العاقبة. وأوِّل الشرطُ بما ذُكر ليصحَّ
التسبُّبُ، وتقييدُ الجزاءِ بالحال لا يصحِّحه؛ لأنَّ المطلق ليس سبباً للمقيّد.
وقيل: لا يضرُّ الاتحادُ لقَصْدِ المبالغة. وقيل: الجزائيةُ باعتبارِ الإعلام
والإخبار. وهو كما ترى. ونظيرُ الآية قولُه:
متى تَبْعثوها تَبْعثوها دَمِيْمةٌ (١)
ودلَّ توبيخُه عليه السلام إياهم بما ذُكر على استيلاء حبِّ الدنيا والكِبْرِ على
قلوبهم، حتى أخرجهم ذلك عن حدِّ العبودية.
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ واتركوا هذه الأفعالَ ﴿وَأَطِيعُونِ ﴾﴾ فيما أَدْعوكم إليه فإنه أنفعُ لكم.
· أي: بالذي تعرفونه من النعم، فـ ((ما))
﴿وَتَّقُواْ الَّذِىَ أَمَذَّكُرُ بِمَا تَعْلَمُونَ (
موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، والعِلْمُ بمعنى المعرفة، وقولهُ تعالى: ﴿أَمَذَّكُ بِأَنْعٍَ
· منزَّلٌ منزلةَ بَدَلِ البعضِ، كما ذكره غيرُ واحدٍ من أهل المعاني،
وَنِینَ
ووجهُه عندهم: أنَّ المراد التنبيهُ على نِعَم الله تعالى، والمقامُ يقتضي اعتناءً
بشأنه لكونه مطلوباً في نفسه، أو ذريعةً إلَى غيره من الشكر بالتقوى، وقولُه
سبحانَه: (أَمَذَّكُم بِأَنْعَمِ) إلخ أَوْفَى بتأديةِ ذلك المرادِ؛ لدلالته على النعم بالتفصيل
من غير إحالةٍ على علم المخاطَبين المعانِدين، فوزانُه وزانُ ((وَجْهه)) في:
أعجبني زيدٌ وَجْهُه؛ لدخول الثاني في الأول، لأنَّ ((ما تعلمونَ)) يشمل الأنعامَ
وما بعدها من المعطوفات، ولا يَخْفَى ما في التفصيل بعد الإجمال من
المبالغة .
وفي ((البحر)): أن قوله تعالى: (بِأَنْعَمِ) على مذهبٍ بعض النحويين بدلٌ من
قوله سبحانه: (بِمَا تَعْلَمُونَ)، وأعيدَ العامل كقوله تعالى: ﴿أَنَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ * أَنَّبِعُواْ
مَنْ لَّا يَشَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠-٢١] والأكثرون لا يجعلون مثلَ هذا إبدالاً، وإنما هو
عندهم من تكرار الجمل وإنْ كان المعنى واحداً، ويسمَّى التتبيع، وإنما يجوزُ أنْ
(١) وعجزه: وتَضْرَ إذا ضرَّيتموها فتَضْرَم، والبيت لزهير، وهو في ديوانه ص١٩ برواية: ذميمة.
وهما روايتان، وذميمة، أي: مذمومة. ودميمة: حقيرة. وتبعثوها، أي: تثيروها، يعني
الحرب. شرح المعلقات للنحاس ١١٣/١، وللتبریزي ص ١٤١ .

سُورَةُ الشّعراء
٢٤٨
الآية : ١٣٤ - ١٣٦
يعادَ العاملُ عندهم إذا كان حرفَ جرِّ دون ما يتعلَّق به، نحو: مررتُ بزيدٍ
بأخيك(١). انتهى. ونُقل نحوُه عن السفاقسيّ(٢).
وقال أبو حيان(٣): الجملة مفسِّرةٌ لِمَا قبلها ولا موضعَ لها.
وبدأ بذِكْرِ الأنعام لأنها تحصلُ بها الرياسةُ والقوةُ على العدوِّ، والغِنَى الذي
لا تكملُ اللذةُ بالبنين وغيرهم في الأغلب إلا به، وهي أحبُّ الأموال إلى العرب،
ثم بالبنين لأنهم مُعينوهم على الحفظ والقيام عليها، ومن ذلك يُعْلَم وجهُ قَرْنِهما .
ووَجْهُ قَرْنِ الجنات والعيون في قوله تعالى: ﴿وَحَنَّتٍ وَعُيُونٍ
وجهُ قَرْنِهما مع الأنعام.
ظاهر، وكذا
١٣٤)
وقولُه سبحانه: ﴿إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إلخ في موضع التعليل، أي: إنِّي أخاف
عليكم إنْ لم تتَّقوا وتقوموا بشكر هذه النعم ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (19)﴾ في
الدنيا والآخرة، فإنَّ كفران النعمة مستتبعٌ للعذاب، كما أنَّ شكرها مستلزمٌ لزيادتها؛
قال تعالى: ﴿لَيْن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]
وعلّل بما ذُكر دون استلزام التقوى للزيادة لأنَّ زوال النعمة يُحزِنُ فوق ما تسرُّ
زيادتها، ودَرْءُ المضارِّ مقدَّمٌ على جَلْبِ المنافع.
فإنَّا لا نرعوي عمَّا نحن
﴿قَالُواْ سَوَآءٍ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَعِظِينَ (
عليه، قالوا ذلك على سبيل الاستخفاف وعَدَم المبالاة بما خوَّفهم به عليه السلام،
وعدلوا عن: أَمْ لَمْ تَعِظُ - الذي يقتضيه الظاهرُ - للمبالغة في بيان قلَّةِ اعتدادهم
بوعظه عليه السلام؛ لما في كلامهم على ما في النظم الجليل من استواء وَعْظِه
والعَدمِ الصِّرفِ البليغ، وهو عدمُ كونه من عِدَادِ الواعظين وجنسهم.
وقيل في وجه المبالغة: أفادت(٤) ((كان)) الاستمرارَ، و((الواعظين)) الكمالَ،
(١) البحر ٣٣/٧.
(٢) نقله عنه الشهاب في الحاشية ٢٢/٧.
(٣) كذا ذكر المصنف، ولم نقف عليه في البحر، ولعل الصواب: أبو البقاء، كما في حاشية
الشهاب ٢٢/٧، وهو في الإملاء ١١٩/٣.
(٤) في (م): إفادة.

الآية : ١٣٧
٢٤٩
سُورَةُ الشعراء
واعتبارُهما بقرينة المقام بعد النفي، أي: سواءٌ علينا أَوَعَظْتَ أم استمرَّ انتفاء كونك
من زمرة مَن يَعِظُ انتفاءً كاملاً بحيث لا يُرْجَى منك نقيضُه.
وقال في ((البحر)): إنَّ المقابلة بما ذُكر لأَجْلِ الفاصلة، كما في قوله تعالى:
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] وكثيراً ما يَحْسُنُ مع
الفواصل ما لا يَحْسُنُ دونه(١). وليس بشيءٍ كما لا يخفى.
وروي عن أبي عمرو والكسائيِّ إدغامُ الظاء في التاء في ((وعظت))،
وبالإدغام قرأ ابن محيصن والأعمشُ، إلا أن الأعمش زاد ضمير المفعول فقرأ:
((أوعظتنا)) وينبغي أن يكون إخفاءً، لأنَّ الظاء مجهورةٌ مطبقةٌ والتاء مهموسةٌ
منفتحةٌ، فالظاءُ أقوى منها، والإدغامُ إنما يحسُنُ في المتماثلين، أو في
المتقاربَيْنِ إذا كان الأولُ أنقصَ من الثاني. وأما إدغام الأقوى في الأضعف
فلا يحسُن، وإذا جاء شيءٌ من ذلك في القرآن بنقل الثقات وَجَبَ قبولُه وإن
كان غيرُه أفصحَ وأَقْيَسَ(٢).
· تعليلٌ لِمَا ادَّعوه من المساواة أي:
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ لَـ
ما هذا الذي جئتنا به إلّا عادةُ الأوَّلين، يلفِّقون مثلَه ويَدْعُون إليه، أو: ما هذا الذي
نحن عليه من الحياة والموت إلَّا عادةٌ قديمةٌ لم يَزَلِ الناسُ عليها، أو: ما هذا
الذي نحن عليه من الدِّين إلَّا عادةُ الأوَّلين الذين تقدَّمونا من الآباء وغيرِهم ونحن
بهم مقتدون.
وقرأ أبو قلابةَ والأصمعيُّ عن نافع: ((خُلْقُ)) بضمِّ الخاء وسكونِ اللام(٣)،
والمعنى عليه كما تقدَّم.
وقرأ عبد الله وعلقمةُ والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير والكسائي:
(خَلْقُ)) بفتح الخاء وسكون اللام(٤)، أي: ما هذا إلا اختلاقُ الأوَّلين وكذبُهم،
(١) البحر ٣٣/٧.
(٢) البحر ٣٣/٧. وذكر قراءة أبي عمرو والكسائي أيضاً القرطبي ١٦/ ٥٩.
(٣) القراءات الشاذة ص١٠٧، والمحرر الوجيز ٢٣٩/٤، والبحر ٣٤/٧، والكلام منه.
(٤) التيسير ص١٦٦، والنشر ٣٣٥/٢ عن أبي عمرو وابن كثير والكسائي ويعقوب وأبي جعفر،
ونقلها المصنف عن البحر ٣٣/٧ .

سُورَةُ الشَّعراء
٢٥٠
الآية : ١٣٨ - ١٤٦
ويؤيِّد هذا المعنى ما رَوَى علقمةُ عن عبد الله أنه قرأ: ((إلا اختلاقُ الأولين))(١)
ويكونُ هذا كقول سائر الكفرة: ﴿أَسَطِيُ اَلْأَوَِّينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. أو: ما خَلْقُنا هذا
إلَّا خَلْقُ الأوَّلين، نَحْيا كما حَيَوْا ونموتُ كما ماتوا، ومرادُهم إنكارُ البعث
والحساب المفهوم من تهديدهم بالعذاب، ولعل قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِسُعَذَّبِينَ
١٣٨
أي: على ما نحن عليه من الأعمال، أصرحُ في ذلك.
﴿فَكَذَّبُهُ﴾ أي: أصرُّوا على تكذيبه عليه السلام ﴿فَأَهْلَكْنَهُمْ﴾ بسببه بريحِ
صَرْصَرٍ. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ (٣) وَإِنَّ رَبِّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
﴾.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ هو اسمٌ عجميٌّ عند بعضٍ، والأكثرون على أنه
عربيٍّ، وتُرِكَ صَرْفُه لأنه اسمُ قبيلة، وهو فعولٌ من الثَّمْدِ: وهو الماء القليل الذي
لا مادَّة له، ومنه قيل: فلان مثمودٌ ثَمدَتْه النساءُ، أي: قَطَعْنَ مادَّة مائه لكثرة غشيانه
لهنَّ، ومثمودٌ: إذا كثر عليه السؤال حتى نفدَ مادةُ ماله. أو ما يبقى في الجلد، أو
ما يظهرُ في الشتاء ويذهبُ في الصيف.
وفي ((القاموس)): ثمود قبيلةٌ، ويُصْرَفُ، وتُضمُّ الثاء، وقرئ به أيضاً(٢).
وفي ((سبائك الذهب))(٣): أنه في الأصل اسمٌ لأبي القبيلة، ثم نُقلَ وجُعِلَ
اسماً لها .
ووجهُ تأنيث الفعل هنا نظيرُ ما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾، وكذا الكلامُ
في قوله سبحانه :
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
إِنِىِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (®
١٤٢
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ صَلِحُ أَلَا نَتَّقُونَ
كالكلام فيما تقدَّم.
١٤٥)
وَمَآَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجَِْ إلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٤٤
وقوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِ مَا هَهُنَآ ءَِينَ ﴿1﴾ إنكارٌ لأن يُتْركوا فيما هم فيه
(١) البحر ٣٤/٧.
(٢) القاموس (ثمد). وذكر القراءة بضم الثاء الزمخشري في الكشاف ٤٤٩/٣، عند تفسير الآية
(١٧) من سورة فصلت.
(٣) سبائك الذهب في أنساب العرب للشيخ محمد أمين بن علي بن محمد سعيد السويدي
البغدادي الحنفي المتوفى سنة (١٢٤٦هـ). إيضاح المكنون ٢/ ٢.

الآية : ١٣٧ - ١٤٨
٢٥١
سُورَةُ الشَّجَرَآء
من النعمة آمنين من(١) عذاب يوم عظيم، فالاستفهامُ مثلُه في قوله تعالى السابق:
(أَتَبْنُونَ) وقولِه تعالى اللاحقِ: (أَتَأْتُونَ)، وكأنَّ القوم اعتقدوا ذلك فأنكره عليه السلام
علیھم .
وجوِّز أن يكون الاستفهامُ للتقرير، تذكيراً للنعمة في تخليته تعالى إياهم
وأسبابَ نَفْعِهم آمنين من العدوِّ ونحوه، واستدعاءً لشكر ذلك بالإيمان. وفي
((الكشف)) أنَّ هذا أوفقُ في هذا المقام.
و(ما)) موصولةٌ، و((ههنا)) إشارةٌ إلى المكان الحاضر القريب، أي: أتتركون في
الذي استقرَّ في مكانكم هذا من النعمة.
وقولُه تعالى : ﴿فِ جَنَّتٍ وَعُُونٍ
بدلٌ من
/١٤
وَزُرُوِعٌ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيٌ
١٤٧
((ما ههنا)) بإعادة الجارِّ كما قال أبو البقاء(٢) وغيرُه، وفي الكلام إجمالٌ وتفصيلٌ
نحو ما تقدّم في قصة عاد.
وجوِّز أن يكون ظرفاً لـ ((آمنين)) الواقع حالاً، وليس بذاك.
والهضيم: الداخلُ بعضُه في بعض كأنه هُضِم، أي: شُدِخَ. وسأل عنه نافع بنُ
الأزرق ابنَ عباس ◌ًَّا، فقال له: المنضمُّ بعضُه إلى بعض. فقال: وهل تعرف
العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعتَ قولَ امرئ القيس:
مهضومةِ الكَشْحَيْنِ رَّ المِعْصَمِ (٣)
دارٌ لبيضاءِ العَوَارضِ طَفْلةٍ
وقال الزهريُّ: هو [الرَّخْصُ] اللطيف أول ما يخرج (٤).
(١) في (م): عن.
(٢) في الإملاء ٤/ ١٢٠.
(٣) الدر المنثور ٩٣/٥. ولم نقف على البيت في ديوان امرئ القيس، ونسب في المفضليات
ص٣٤٦، وجمهرة أشعار العرب ٥٠٨/١، ومنتهى الطلب ٢٧٥/٢ لبشر بن أبي خازم،
وهو في ديوانه ص ١٩٠. والعوارض: عوارض الأسنان، وهي ما يعرض من الشفتين
جميعاً، وقيل: هي مقدم الفم، والمراد أنها نقية الثغر. والطفلة: الناعمة الرَّخْصة.
والمهضومة: الخميصةُ البطن. والريا: الممتلئة. شرح المفضليات للتبريزي ١٤٤٤/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٨٧/٣، والمحرر الوجيز ٢٤٠/٤، والبحر ٣٤/٧، وما بين
حاصرتين من هذه المصادر.

سُورَةُ الشّعراء
٢٥٢
الآية : ١٤٩
وقال الزجَّاج: هو الذي رُطَبُه بغير نوى(١). وروي عن الحسن.
وقيل: هو المتدلِّي لكثرة ثمره.
وقيل: هو النضيجُ من الرُّطب، وروي عن عكرمة.
وقيل: الرُّطَبُ المذنب، وروي عن یزید بن أبي زياد.
فوَصْفُ الطلع بالهضيم إمَّا حقيقةٌ، أو مجازٌ وهو حقيقةً وصفٌ لثمره. وجَعَل
بعضُهم على بعض الأقوال الطّلعَ مجازاً عن الثمر لأَوْلِه إليه .
والنخل اسمُ جنسٍ جمعيٍّ يذكَّرُ كما في قوله تعالى: ﴿كَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾
[القمر: ٢٠] ويؤنَّثُ كما هنا، وليس ذلك لأنَّ المراد به الإناثُ؛ فإنه معلومٌ بقرينة
المقام(٢) ولو ذكّر الضمير.
وإفرادُه بالذكر مع دخوله في الجنات لفَضْلِه على سائر أشجارها، أو لأن
المراد بها غيره من الأشجار.
﴾ أي: أَشِرِينَ بَطِرينَ كما روي عن ابن
١٤
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَِهِينَ
عباس ومحمد بن العلاء. وجاء في روايةٍ أخرى عن ابن عباس تفسيرُه بنَشِطينَ
مهتمِّين. وقال أبو صالح: أي: حاذقين، وبذلك فسَّره الراغب(٣). وقال ابن زيد:
أي : أقویاء.
وأنت تعلم أن هذه الجملة داخلٌ في حيِّز الاستفهام السابق، والأوفقُ به على
القول الأول القولُ الأول، وعلى القول الثاني كلٌّ من الأقوال الباقية، وكلُّها سواءٌ
في ذلك، إلَّا أنه يُفْهَمُ من كلام بعضهم أنَّ الفراهة حقيقةٌ في النشاط مجازٌ في
غيره، وعليه يترجَّحُ تفسيره بنَشِطينَ إذا أُريد التذكير.
وقرأ أبو حيوة وعيسى والحسن: (تَنْحَتون)) بفتح الحاء. وقرئ: ((تَنْحاتون))
بألفٍ بعد الحاء إشباعاً. وعن عبد الرحمن بن محمد عن أبيه أنه قرأ: ((يَنْحِتون))
(١) معاني القرآن للزجاج ٤ / ٩٦.
(٢) أي: بقرينة ذكرها في سياق الامتنان بها؛ لأنها هي المثمرة. حاشية الشهاب ٢٣/٧.
(٣) في مفرداته (فره).

الآية : ١٥٠ - ١٥٢
٢٥٣
سُورَةُ الشعراء
بالياء آخِرِ الحروف وكَسْرٍ الحاء. وعن أبي حيوة والحسن أيضاً أنهما قرأا بالياء
التحتية وفتح الحاء(١).
وقرأ عبد الله وابن عباس وزيد بن عليٍّ والكوفيون وابنُ عامر: ((فارهين)) بألفٍ
بعد الفاء(٢)، وقراءة الجمهور أبلغُ لِمَا ذكروا في حاذرٍ وحَذِرٍ (٣). وقرأ مجاهد:
((متفرِّهين))(٤).
! وَلَا تُطِيعُواْ أَغَ الْمُسْرِفِينَ
١٥٠)
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِعُونِ
كأنه عَنَى بالخطاب جمهورَ
(١٥)
قومه، وبالمسرفين كبراءَهم وأعلامَهم في الكفر والإضلال، وكانوا تسعةً رهطٍ.
ونسبةُ الإطاعة إلى الأمر مجازٌ وهي للآمِرِ حقيقةً، وفي ذلك من المبالغة
ما لا يخفى، وکونُه لا يناسب المقام فيه بحثٌ.
ويجوز أن تكون الإطاعةُ مستعارةً للامتثال؛ لِمَا بينهما من الشَّبه في الإفضاء
إلى فِعْلِ ما أُمر به، أو مجازاً مرسلاً عنه لِلُزومه له. ويحتمل أن يكون هناك
استعارةٌ مكنية وتخييلية، وجوِّز عليه أن يكون الأمرُ واحدَ الأمور، وفيه من البعد
ما فيه.
والإسرافُ: تجاوزُ الحدِّ في كلِّ فِعْلٍ يفعلُه الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق
أَشْهَر، والمراد به هنا زيادةُ الفساد، وقد أوضحَ ذلك على ما قيل بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرَضِ﴾ ولعل المراد ذمُّهم بالضلال في أنفسهم بالكفر والمعاصي،
وإضلالهم غيرهم بالدعوة لذلك.
وللإيماء إلى عدم اختصاص شؤم فعلهم بهم حثّاً على امتثال النهي قيل: ((في
الأرض)) والمراد بها أرضُ ثمود، وقيل: الأرضُ كلُّها .
ولمَّا كان ((يفسدون)) لا ينافي إصلاحَهم أحياناً أُرْدِفَ بقوله تعالى: ﴿وَلَا
يُصْلِحُونَ ﴾﴾ لبيانِ كمالِ إفسادهم وأنه لم يخالطه إصلاحُ أصلاً.
(١) ذكر جميع هذه القراءات ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٧، وأبو حيان في البحر
٣٥/٧.
(٢) التيسير ص١٦٦، والنشر ٢٣٦/٢ عن الكوفيين وابن عامر، والكلام من البحر ٣٥/٧.
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٥٦) من هذه السورة.
(٤) البحر ٣٥/٧.

سُورَةُ الشَّعَرَآء
٢٥٤
الآية : ١٥٣ - ١٥٦
أي: الذين سُحِروا كثيراً حتى غَلَبَ على
١٥٣
﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ
عقولهم. وقيل: أي: من ذوي السَّحْر، أي: الرئة، فهو كنايةٌ عن كونه من
الأناسيِّ، فقولهُ تعالى: ﴿مَّ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ على هذا تأكيدٌ له، وعلى الأول هو
مستأنفٌ للتعليل، أي: أنت مسحورٌ لأنك بشرٌ مثلُنا لا تَميُّزَ لك علينا، فدعواك
إنما هي لخللٍ في عقلك.
(٥٤)) ) فيها .
﴿فَأْتِ بِئَايَةٍ﴾ أي: بعلامةٍ على صحة دعواك ﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ﴾ أي: بعد ما أخرجها الله تعالى بدعائه.
روي أنهم اقترحوا عليه ناقةً عُشَراءَ تخرجُ من صخرةٍ عيَّنوها ثم تَلِدُ سَقْباً (١)،
فقعد عليه السلام يتفكّر(٢)، فقال له جبريل عليه السلام: صلِّ ركعتين وسَلْ ربَّك.
ففعل فخرجت الناقةُ وبركتْ بين أيديهم ونُتِجَتْ سَقْباً مثلَها في العظم، فعند ذلك
قال لهم: ﴿هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ﴾ أي: نصيبٌ مشروبٌ من الماء، كالسِّقْي والقِيْتِ
للنصيب من السَّقي والقوتِ، وكان هذا الشِّربُ من عينٍ عندهم.
وفي (مجمع البيان)) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أنَّ تلك العينَ أولُ عينٍ
نَبَعَتْ في الأرض، وقد فجَّرها الله عزَّ وجلَّ لصالح عليه السلام(٣).
﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ فاقتنِعوا بشِرْبِكم ولا تُزاحموها على شِرْبها .
وقرأ ابنُ أبي عبلةَ: ((شُرب)) بضم الشين فيهما(٤). واستُدلَّ بالآية على جوازٍ
قِسْمةِ ماءِ نحوِ الآبار على هذا الوجه.
﴿وَلَا تَتُهَا بِسُوٍّ﴾ كضربٍ وعَقْرٍ ﴿فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ وصف اليوم
بالعظم لعظم ما يحلُّ فيه، وهو أبلغُ من عظم العذاب، وهذا من المجاز في النسبة.
وجَعْلُ ((عظيم)) صفةَ ((عذابٌ)) والجرّ للمجاورة، نحو: هذا جُحْرُ ضبِّ خربٍ،
ليس بشيءٍ.
(١) السقب: ولد الناقة. القاموس (سقب).
(٢) في (م): يتذكر، والمثبت من الأصل والبحر ٧/ ٣٥، والكلام منه.
(٣) مجمع البيان ١٩/ ١٧٤ .
(٤) البحر ٣٥/٧.

الآية : ١٥٧ - ١٥٨
٢٥٥
سُؤَةُ الشّعراء
﴿فَعَقِّرُوهَا﴾ نُسب العقر إليهم كلِّهم مع أنَّ عاقرها واحدٌ منهم - وهو قدار بن
سالف، وكان نسَّاجاً على ما ذكره غيرُ واحد، وجاء في روايةٍ أنَّ مسطعاً ألجأها
إلى مضيقٍ في شِعْبٍ، فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت، ثم ضربها قدارٌ - لِمَا
رُوي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى تَرْضَوا أجمعين. فكانوا يدخلون على المرأة
في خدرها، فيقول: أترضَيْنَ؟ فتقول: نعم. وكذلك الصبيان، فَرَضُوا جميعاً.
وقيل: لأنَّ العقر كان بأمرهم ومعاونتهم جميعاً كما يُفْصِحُ عنه قولُه تعالى:
وَقَدَوْاْ صَاحِكُمْ فَنَعَاطَى فَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]. وفيه بحث.
﴿فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ ﴾﴾ خوفاً من حلول العذاب كما قال جمعٌ، وتعقِّب بأنه
مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: بعدما عَقَروها: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن
كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧].
وأجيب بأنَّ قوله: بعدما عقروها، في حيِّز المنع؛ إذ الواوُ لا تدلُّ على
الترتيب، فيجوزُ أن يريدوا: بما تَعِدُنا من المعجزة. أو الواو حاليةٌ، أي: والحالُ
أنهم طلبوها من صالح ووعدوه الإيمانَ بها عند ظهورها .
مع أنه يجوز نَدَمُ بعضٍ وقولُ بعضٍ آخَرَ ذلك؛ بإسنادٍ ما صدر من البعض إلى
الكلِّ لعدم نهيهم عنه أو نحوِ ذلك، أو ندموا كُلُّهم أوَّلاً خوفاً ثم قَسَتْ قلوبهم
وزال خوفُهم، أو على العكس.
وجوِّز أن يقال: إنهم ندموا على عَقْرِها ندمَ توبةٍ، لكنه كان عند مُعاينةٍ
العذاب، وعند ذلك لا ينفعُ الندم.
وقيل: لم ينفعهم ذلك لأنهم لم يتلافَوْا ما فعلوا بالإيمان المطلوب منهم.
وقيل: ندموا على ترك سَقْبِها. ولا يخفى بعدُه.
ومثلُه ما قيل: إنهم ندموا على عَقْرِها لِمَا فاتهم به من لبنها، فقد روي أنه إذا
كان يومُها أَصْدَرَتْهم لبناً ما شاؤوا .
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ﴾ الموعودُ، وكان صيحةً خمدتْ لها أبدانُهم، وانشقَّتْ
قلوبُهم، وماتوا عن آخرهم، وصبَّ عليهم حجارة خلال ذلك.

سُورَةُ الشَّعَرَاءْ
٢٥٦
الآية : ١٥٩ - ١٦٦
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
(٨٥٨)
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (٣٥) إِذْ قَالَ لَمْ أَخُوهُمْ لُوطُ﴾ وكانوا من أصهاره
﴿ وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
عليه السلام ﴿أَلَا نَتَّقُونَ ﴿ إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَتَأْتُنَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (9)﴾ إنكارٌ وتوبيخ،
والإتيانُ كنايةٌ عن الوَظْء، و((الذكران)) جمعُ ذَكَرٍ مقابلَ الأنثى، والظاهرُ أنَّ ((من
العالمين)) متصلٌ به، أي: أتأتون الذكران من أولاد بني آدم على فرطِ كثرتهم وتفاؤُتِ
أجناسهم وغَلَبةِ إناثهم على ذُكْرانِهِم كأنَّ الإناث قد أَعْوَزَتْكم. فالمرادُ بـ ((العالمين)»
الناسُ؛ لأنَّ المأتيَّ الذكورُ منهم خاصةً، والقرينةُ إيقاعُ الفعل، والجمعُ بالواو والنون
من غير نظرٍ إلى تغليب. وأمَّا خروج المَلَكِ والجنِّ فمن الضرورة العقلية.
ويجوز أن يكون متصلاً بـ ((تأتون)) أي: أتأتون من بين مَن عَداكم من العالمين
الذكران لا يشاركُكم فيه غيرُكم، فالمراد بالعالمين كلُّ مَن يتأتَّى منه الإتيانُ.
والعالَمُ على هذا ما يُعلَمُ به الخالق سبحانه، والجمعُ للتغليب، وخروجُ غيره لِمَا
مرَّ. ولا يضرُّ كونُ الحمار والخنزير يأتيان الذكور في أمر الاختصاص؛ للندرة، أو
لإسقاطهما عن حيِّز الاعتبار.
وجوِّز أن يراد بالعالمين على الوجه الثاني الناسُ أيضاً.
وإذا قيل بشمولهم لمن تقدَّم من العالمين تفيدُ الآية أنهم أوّلُ مَن سنَّ هذه
السنَّةَ السيئةَ، كما يُفْصِحُ عنه قولهُ تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾
[الأعراف: ٨٠].
﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبِّكُمْ﴾ لأَجْلِ استمتاعِكم، وكلمةُ ((من)) في قوله تعالى ﴿مِّنْ
أَزْوَِكُمْ﴾ للبيان إن أريد بـ ((ما)) جنسُ الإناث، ولعل في الكلام حينئذٍ مضافين
محذوفين، أي: وتذرون إتيانَ فروجٍ ما خلق لكم. أو للتبعيض إنْ أُريد بـ ((ما))
العضوُ المباحُ من الأزواج، ويؤيِّده قراءةُ ابن مسعود: ((ما أصلح لكم ربُّكم من
أزواجكم))(١) وحينئذٍ يُكتَفَى بتقدير مضافٍ واحد، أي: وتذرون إتيانَ ما خَلَق.
ويكون في الكلام - على ما قيل - تعريضٌ بأنَّهم كانوا يأتون نساءهم أيضاً في
(١) معاني القرآن للنحاس ٩٨/٥، والكشاف ١٢٤/٣.

الآية : ١٦٦
٢٥٧
سُورَةُ الشِّعراء
محاشهنَّ، ولم يصرِّح بإنكاره كما صرَّح بإنكار إتيان الذكران؛ لأنه دونه في الإثم.
وهو على المشهور عند أهل السنة حرامٌ بل كبيرةٌ، وقيل: هو مباح، وقد تقدَّم
الكلام في ذلك مبسوطاً عند الكلام في قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْفَكُمْ أَّ
(١)
[البقرة: ٢٢٣].
وقيل: ليس في الكلام مضافٌ محذوفٌ أصلاً، والمرادُ ذمُّهم بتَرْكِ ما خَلَقَ لهم
وعَدَم الالتفات إليه بوجهٍ من الوجوه، فضلاً عن الإتيان. وأنت تعلم أنَّ المعنى
ظاهرَ (٢) على التقدير.
إضرابٌ انتقاليٌّ، والعادِي: المتعدِّي
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ (®
في ظلمه، المتجاوزُ فيه الحدَّ، ومتعلّقُه مقدَّرٌ، وهو إما عامٌّ أو خاصٌّ، أي: بل
أنتم قومٌ متعدُّون متجاوزون الحدَّ في جميع المعاصي وهذا من جملتها، أو
متجاوزون عن حدِّ الشهوة حيث زدتُم على سائر الناس، بل أكثر الحيوانات.
وقيل: متجاوزون الحدَّ في الظلم حيث ظلمتُم بإتيان ما لم يُخْلَقْ للإتيان، وتَرْكِ
إتيانٍ ما خُلِقَ له.
وفي ((البحر)): أنَّ تصدير الجملة بضمير الخطاب تعظيماً لِفِعْلِهم، وتنبيهاً على
أنهم مختصُّون بذلك، كأنه قيل: بل أنتم قومٌ عادون لا غیرُكم.
(١) جاء في حاشية (م): بَيْدَ أنِّي وقفتُ عند كتابتي في هذا الموضع على كلام العز بن
عبد السلام في ((أماليه)) في هذا المبحث، حاصله: أنَّ حرمة إتيان الزوجة في المحلِّ
المكروه ليست إجماعية، إلّا أنَّ معظم أهل الإسلام على تحريمه كما قال الطّرسوسيُّ،
والخلافُ فيه يسيرٌ جدّاً كالذي لا عبرة به. ويُذكَرُ أن ابن عبد الحكم نَقَل حِلَّه عن الشافعي،
وأنَّ الربيع قال: كَذَبَ واللهِ ابنُ عبد الحكم. وقد نصَّ الإمام على تحريمه في ستُّ كتب.
ولم يُحفَظ عن مالك شيءٌ في إباحته البتة، ونَقْلُه من كتاب ((السرِّ)) غيرُ صحيح، بل في
كتاب ((البيان والتحصيل)) لابن رشد الأندلسيِّ النصُّ على خلاف ذلك، وروايةُ الطحاوي
عن أبي الفرج عن ابن القاسم حلَّه لا يعوَّل عليها ولا تصح. وأما إباحة زيد بن أسلم ونافعٍ
لذلك فلا يؤخذ بها، فنافعٌ إمامٌ في القراءات وليس معدوداً في الفقهاء أهلِ الحَلِّ والعقد،
وأما زيدٌ فصاحبُ تفسيرٍ لا يعتدُّ لخلافه، فلْيُحفظ. اهـ منه. وينظر البيان والتحصيل لابن
رشد ٤ / ٤٤٦.
(٢) فى الأصل: ظاهراً.

سُورَةُ الشعراء
٢٥٨
الآية : ١٦٧ - ١٦٨
﴿قَالُواْ لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ يَلوُ﴾ عن توبيخنا وتقبيح أمرنا، أو عمَّا أنت عليه من دعوى
الرسالةِ ودعوتِنا إلى الإيمان وإنكارٍ ما أنكرْتَه من أمرنا.
﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَمِينَ ﴾﴾ أي: من المَنْفيِّينَ من قريتنا، المعهودين. وكأنهم
كانوا يُخْرِجون مَن غَضِبوا عليه بسببٍ من الأسباب - وقيل: بسببٍ إنكارٍ تلك
الفاحشة - من بينهم على عنفٍ وسوءِ حالٍ، ولهذا هدَّدوه عليه السلام بذلك، وعَدَلوا
عن: لنُخرِجَنَّكَ، الأخَصَرِ إلى ما ذُكر، ولا يخفى ما في الكلام من التأكيد.
﴿قَالَ إِنِّيِ لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِنَ (٣)﴾ أي: من المُبْغِضِينَ غايةَ البُغْض. قال الراغب:
يقال: قَلَاه [يَقْلُؤْه] وَيَقْلِيهِ، فَمَنْ جَعَلَه من الواو فهو من القَلْو، أي: الرَّمي، من
قولهم: قَلَتِ الناقةُ براكبها قَلْواً، وقَلَوْتُ بالقلَّةِ: إذا رميتها، فكأنَّ المَقْلوَّ يقذفهُ
القلبُ مِن بُغْضِه فلا يَقْبِلُه. ومَن جَعَله من الياء فهو من قَلَيْتُ السَّويقَ على المقلاة.
فكأنَّ شدَّة البُغْض تَقْلي الفؤادَ والكبدَ وتَشْويهما(١). فقول أبي حيان: إنَّ قَلَى بمعنى
أَبْغَضَ يائيٌّ، والذي بمعنى طَبَخَ وشَوَى واويٌّ (٢)، ناشٍ من قلّةِ الاطّلاع.
والعدولُ عن: قالي، إلى ما في النظم الجليل لأنه أبلغُ، فإنه إذا قيل: قالي،
لم يُفِدْ أكثر من تَلُّسِه بالفعل، بخلافِ قوله: ((من القالين)) إذ يفيدُ أنه - مع تلبُّسه - من
قومٍ عُرِفوا واشْتَهَروا به، فيكون راسخَ القدم عريقَ العرق(٣) فيه، وقد صرَّح بذلك
ابنٌ جِنِّي وغيرُه.
واللام في ((لعملكم)) قيل: للتبيين كما في: سقياً لك، فهو متعلّقٌ بمحذوفٍ،
أعني: أعني. وقيل: هي للتقوية، ومتعلَّقُها عند مَن يرى تعلُّق حرفِ التقوية
محذوفٌ، أي: إنِّي من القالين لعملكم من القالين. وقيل: هي متعلِّقة بـ ((القالين))
المذكورِ ويُتُوسَّعُ في الظروف ما لا يتوسّعُ في غيرها، فتقدَّمُ حيث لا يقدَّمُ غيرُها .
والمراد بعملهم إمَّا ما أنكره عليه السلام عليهم من إتيان الذكران وتَرْكِ ما خَلَق
ربُّهم سبحانه لهم، وإمَّا ما يشملُ ذلك وسائرَ ما نهاهم عنه وأَمَرَهم بضدِّه من
الأعمال القلبية والقالبية.
(١) مفردات الراغب (قلى)، وحاشية الشهاب ٢٥/٧، وما سلف بين حاصرتين منهما.
(٢) البحر ٣٦/٧.
(٣) في (م): العرف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ٢٥، والكلام منه.

الآية : ١٦٩ - ١٧١
٢٥٩
سُورَةُ الشّعراء
وقابَلَ عليه السلام تهديدهم ذلك بما ذُكر تنبيهاً على عدم الاكتراث به، وأنه
راغبٌ في الخلاص من سوء جوارهم لشدة بغضه لعملهم، ولذلك أَعْرضَ عن
مُحاوَرَتهم وتوجَّه إلى الله تعالى قائلاً: ﴿رَبِّ نَِّى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ
شؤم عملهم، أو: الذي يعملونه وعذابه الدنيويِّ.
أي: من
وقيل: يحتمل أن يكون دعاءً بالنجاة من التلبُّس بمثل عملهم، وهو بالنسبة إلى
الأهل دونه عليه السلام؛ إذ لا يخشى تلُّسه بذلك لمكان العصمة.
واعتُرض بأنَّ العذاب كذلك؛ إذ لا يعذَّب مَن لم يَجْنٍ، وفيه منعٌ ظاهر، كيف
وقد قال سبحانه: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةُ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥].
وقيل: قد يدعو المعصومُ بالحفظ عن الوقوع فيما عُصِمَ عنه، كما يدلُّ عليه قولُه
تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
وهو مسلَّمٌ، إلا أنَّ الظاهر أنَّ المراد النجاةُ مما ينالُهم بسبب عملهم من
العذاب الدنيويِّ، ويؤيِّدُه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَبْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عَجُوزَا فِي
الْغَيِينَ
والظاهرُ أنَّ المراد بأهله أهلُ بيته، وجوِّز أن يكون المراد بهم مَن تَبِعَ دينَه
مجازاً، فيشملُ أهلَ بيتهِ المؤمنين وسائرَ مَن آمن به.
وقيل: لا حاجةَ إلى هذا التعميم إذ لم يؤمن به عليه السلام إلَّا أهلُ بيته.
والمراد بهذه العجوزِ امرأتهُ عليه السلام، وكانت كافرةً مائلةً إلى القوم راضيةً
بفِعْلهِم. والتعبيرُ عنها بالعجوز للإيماء إلى أنه مما لا يشقُّ أمرُ هلاكها على لوط
عليه السلام وسائرٍ أهله بمقتضى الطبيعة البشرية.
وقيل: للإيماء إلى أنها قد عَسِيَتْ(١) في الكفر ودامتْ فيه إلى أنْ صارت
عجوزاً .
في ذلك قول عبید بن
والغابرُ: الباقي بعد مضيٍّ مَن معه، وأنشد ابن عباس رضيّ
الأبرص :
(١) عَسَا الشيخُ يعسو عَسْواً: كَبِرَ. القاموس (عسا).

سُؤَةُ السَّعراء
٢٦٠
الآية : ١٧٢ - ١٧٣
فكأنَّني في الغابرين غريبُ(١)
ذهبوا وخلَّفني المخلِّفُ فيهم
والمراد: فنجَّيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلاً عند مُشارَفةِ حُلولِه
بهم، إلا عجوزاً مقدَّرةً في الباقين في العذاب بعد سلامةِ مَن خرج.
وإنما اعتُبر البقاءُ في العذاب دون البقاء في الدار لِمَا رُوي أنها خرجت مع
لوطِ عليه السلام فأصابها حجرٌ في الطريق فهلكت.
وقيل: المراد: من الباقين في الدار، بناءً على أنها لهلاكها كأنها ممن بقي
فيها، أو أنها خَرجَتْ ثم رَجعَتْ فهَلكَتْ كما في بعض الروايات، أو أنها لم تخرج
مع لوط عليه السلام أصلاً كما في البعض الآخر منها .
وقيل: الغابر: طويلُ العمر، وكأنه إنما أُطلق عليه ذلك لبقائه مع مُضيٍّ مَن كان
معه. والمرادُ وصفُ العجوز بأنها طاعنٌ في السن.
وقرأ عبد الله كما رَوَى عنه مجاهد: ((وواعَدْنا أنْ نُؤْتِيَه أهلَه أجمعين إلَّا عجوزاً
في الغابرين))(٢).
﴿فُمَّ دَقَرْنَا الْآَخَرِنَ (٣) أهلكناهم أشدَّ إهلاكٍ وأَفْطَعَه، وكان ذلك بالائتفاك(٣).
والظاهرُ العطفُ على ((نجينا))، والتدميرُ متراخ عن التنجية من مطلق العذاب،
فلا حاجةَ إلى القول بأنَّ المراد: أَرَدْنا تَنْجِيَتَه، أو: حَكَمْنا بها، أو معنى
«فنجَّيناه)): فاستَجَبنا دعاءه في تَنْجِيتِهِ، وكلُّ ذلك خلافُ الظاهر.
وجوَّز الطيبيُّ كون ((ثم)) للتراخي في الرتبة.
﴿وَمَطَرْنَا عَلَهِ مَّطَرًا﴾ أي: نوعاً من المطر غيرَ معهودٍ، فقد كان حجارةً من
سجِّيلٍ، كما صرَّح به في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَّةَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا
عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢].
(١) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ٩٣/٥، ولم نقف على البيت في ديوان عبيد بن الأبرص.
(٢) أخرجها سعيد بن منصور وابن المنذر كما في الدر المنثور ٩٣/٥ بلفظ: ((وواعدناه أن نؤمنه
أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين)).
(٣) في (م): الانتفاك. والائتفاك: الانقلاب. اللسان (أفك).