النص المفهرس

صفحات 141-160

الآية : ٧
١٤١
سُؤَةٌ الشعراء
وقوله تعالى: ﴿كُمّ أَثْنَا فِهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ﴾﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لِمَا في الأرض
من الآيات الزاجرة عن الكُفْرِ الدَّاعيةِ إلى الإيمان.
و(كم)) خبريةٌ في موضع نَصْبٍ على المفعولية بما بعدها، وهي مفيدةٌ للكثرة،
وجيء بـ ((كلّ)) معها لإفادة الإحاطة والشمولِ، فيفيدانٍ(١) كثرةَ أفرادِ كلِّ صنفٍ
صنفٍ، فيكونُ المعنى: أنبتنا فيها شيئاً كثيراً من كلِّ صنفٍ، على أنَّ ((مِن))
تبعيضيةٌ، أو كثرةَ الأصناف، فيكون المعنى: أنبتنا فيها شيئاً كثيراً هو كلُّ صنفٍ،
على أنَّ ((من)) بيانيةٌ. وأيًّا ما كان فلا تكرار بينهما.
وقد يقال: المعنى: أوَ لم ينظروا إلى نفسِ الأرض التي هي طبيعةٌ واحدةٌ كيف
جعلناها مَنْبتاً لنباتاتٍ كثيرةٍ مختلفةِ الطبائع، وحينئذٍ ليس هناك حذفُ مضافٍ
ولا مَجازٌ، ويكونُ قولُه تعالى: ﴿كَمّ أَتْنَا فِهَا﴾ إلخ بَدَلَ اشتمالٍ بحسب المعنى،
وهو وجهٌ حَسَنٌ فافْهَمْه لئلا تظنَّ رجوعَه إلى ما تقدَّم، واحتياجَه إلى ما احتاجَ إليه
من الحذف أو التجوُّز.
والزوجُ: الصِّنفُ، كما أَشَرْنا إليه. وذكر الراغب: أنَّ كلَّ ما في العالم زوجٌ من
حيث إنَّ له ضدّاً ما، أو مِثْلاً ما، أو تركيباً ما، بل لا ينفكُّ بوجهٍ من تركيب(٢).
والكريمُ من كلِّ شيءٍ مَرْضُّه ومحمودُه، ومنه قوله:
حتى يشقَّ الصفوفَ من كَرَمِه (٣)
فإنه أراد: من كونه مرضيّاً في شجاعته. وهو صفةٌ لـ ((زوج))، أي: من كلِّ زوج
كثيرِ المنافع، وهي تحتملُ التخصيصَ والتوضيحَ، ووجهُ الأول دلالتُه على ما يدلُّ
عليه غيرُه في شأن الواجب تعالى وزيادة، حيث يدلُّ على النعمة الزاجرة لهم عمَّا
هم عليه أيضاً، ووجهُ الثاني التنبيهُ على أنه تعالى ما أنبت شيئاً إلَّا وفيه فائدةٌ،
كما يؤذن به قولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
(١) في (م): فيفيد أن.
(٢) مفردات الراغب (زوج).
(٣) وصدره: ولا يَخِيمُ اللقاءَ فارسهم، وهو لبعض شعراء حمير كما في شرح ديوان الحماسة
للمرزوقي ٣٣٣/١.

سُؤَةُ الشّعراء
١٤٢
الآية : ٨
وأيًّا ما كان فالظاهرُ عدمُ دخول الحيوان في عموم المُنْبَتِ، وذهب بعضُ إلى
دخوله بناءً على أنَّ خَلْقَه من الأرض إنباتٌ له كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
وعن الشعبيِّ التصريحُ بدخولِ الإنسان فيه، فقد روي عنه أنه قال: الناسُ
من نبات الأرض، فَمَن صار إلى الجنة فهو كريم، ومَن صار إلى النار فيِضِدٌ
ذلك.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: الإنباتِ أو المُنْبَتِ ﴿لَآَيَّةٌ﴾ عظيمةٌ دالَّةً على ما يجب عليهم
الإيمانُ به من شؤونه عزَّ وجلَّ، وما أَلْطَفَ ما قيل في وصف(١) النرجس:
إلى آثارٍ ما صَنَعَ المليكُ
تأمَّل في رياضِ الوَرْدِ وانْظُرْ
على أهدابها ذَهَبٌ سَبيكُ
عيونٌ من لُجينٍ شاخصاتٌ
بأنَّ الله ليس له شريكُ(٢)
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ قيل: أي: وما كان في عِلْم الله تعالى ذلك.
واعتُرض - بناءً على أنه يفهم من السياق العلِيةُ - بأنَّ علمه تعالى ليس علَّةً لعدم
إيمانهم؛ لأنَّ العلم تابعٌ للمعلوم لا بالعكس.
ورُدَّ بأنَّ معنى كونِ عِلْمِه تعالى تابعاً للمعلوم: أنَّ عِلْمَه سبحانه في الأزل
بمعلومٍ معينٍ حادثٍ تابعٌ لماهيته، بمعنى أنَّ خصوصيةَ العلم وامتيازَه عن سائر
العلوم إنما هو باعتبار أنه علمٌ بهذه الماهية، وأمَّا وجودُ الماهية فيما لا يزالُ فتابعٌ
لعلمه تعالى الأزليِّ التابع لماهيته، بمعنى أنه تعالى لمَّا عَلِمَها في الأزل على هذه
الخصوصية لزم أن تتحقَّق وتُوجَدَ فيما لا يزال كذلك، فنفسُ موتهم على الكفر
وعَدَمُ إيمانهم متبوعٌ لعلمه الأزليّ، ووقوُه تابعٌ له.
ونقل عن سيبويه (٣) أنَّ ((كان)) صلةٌ، والمعنى: وما أكثرُهم مؤمنين، فالمرادُ
الإخبارُ عن حالهم في الواقع لا في عِلْمِ الله تعالى الأزليِّ.
(١) في (م): صف، وهو تصحيف.
(٢) سلفت هذه الأبيات ٢٧/٢-٢٨.
(٣) كما في تفسير أبي السعود ٢٣٥/٦، وينظر الكتاب ٧٣/١.

الآية : ٩
١٤٣
سُورَةُ الشَّعراء
وارتضاه شيخ الإسلام، وقال(١): هو الأنسبُ بمقام بيانِ عتوِّهم وغلوِّهم في
المكابرة والعنادِ مع تَعاقُدِ (٢) موجباتِ الإيمان من جهته عزَّ وجلَّ، وأما نسبةُ كفرهم
إلى عِلْمِه تعالى فربما يُتَوهَّمُ منها كونُهم معذورين فيه بحسب الظاهر، ويحتاجُ حينئذٍ
إلى تحقيق عَدَمِ العُذْرِ بما يَخْفَى على العلماء المُتْقِنِينَ، والمعنى على الزيادة:
وما أكثرُهم مؤمنين مع عظم الآية الموجبة للإيمان؛ لغايةٍ تماديهم في الكفر
والضلالةٍ، وانهماكِهم في الغي والجهالة.
ويجوز على قياس ما مرَّ عن بعض الأجلَّةِ(٣) في قوله تعالى: (أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)
أن يقال: إنَّ ((كان)) للاستمرار واعتُبِرَ بعد النفي، فالمرادُ استمرارُ نفي إيمان أكثرهم
مع عظم الآية الموجبة لإيمانهم، وفيه من تقبيح حالهم ما فيه.
وهذا المعنى وإنْ تأتَّى على تقديرٍ إسقاطِ ((كان)) بأن يُعتبر الاستمرار الذي
تفيدُه الجملةُ الاسمية بعد النفي أيضاً، إلَّا أنه فَرْقٌ بين الاستمرارين بعد اعتبار
((كان)) قوةً وضَعْفاً فتدبّر. ونسبةُ عَدَمِ الإيمان إلى أكثرهم لأنَّ منهم مَن لم يكن
كذلك.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الغالبُ على كلِّ ما يريده من الأمور التي من
جملتها الانتقامُ من هؤلاء الكفرة. ﴿الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي: البالغُ في الرحمة،
ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغتةً بما اجترؤوا عليه من العظائم الموجبة لفنون
العقوبات.
أو ((العزيزُ)) في انتقامه ممن كَفَر، ((الرحيمُ)) لمن تاب وآمَنَ. أو («العزيزُ)) في
انتقامه من الكفرة، (الرحيم)) لك بأن يقدِّرَ مَن يؤمنُ بك إن لم يؤمن هؤلاء.
و[في](٤) التعرُّضُ لوَصْفِ الربوبية مع الإضافة إلى ضميره بَّر من تشريفه عليه
الصلاة والسلام والعِدَةِ الخفيَّةِ له ◌َّ ما لا يخفى.
(١) في تفسيره ٦/ ٢٣٥.
(٢) في تفسير أبي السعود: تعاضد.
(٣) ص٥٩ من هذا الجزء.
(٤) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٣٥/٦، والكلام منه.

سُورَةُ الشّعراء
١٤٤
الآية : ١٠
وتقديمُ ((العزيز)) لأنَّ ما قبله أظهرُ في بيان القدرة، أو لأنه أدلُّ على دَفْع
المضارِّ الذي هو أهمُّ من جَلْبِ المصالح.
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىّ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقرِّرٌ لسوء حالهم، ومسلِّ له وَلِّ أيضاً،
لكن بنوعٍ آخَرَ من أنواع التسلية على ما قيل. و(إذ)) منصوبٌ على المفعولية بمقدَّرٍ
خوطب به النبيُّ نَّهِ معطوفٍ على ما قبله عَطْفَ القصة على القصة.
والتقديرُ عند بعضٍ: واذْكُرْ في نفسك وقتَ ندائه تعالى أخاك موسى عليه
السلام، وما جرى له مع قومه من التكذيب مع ظهورِ الآيات وسُطوع المعجزات؛
لتعلم أنَّ تكذيبَ الأمم لأنبيائهم ليس بأول قارورةٍ كسرت، ولا بَأولٍ صحيفةٍ
نُشرت، فيهونُ عليك الحالُ، وتستريحُ نفسُكَ مما أنت فيه من البلبال.
وعند شيخ الإسلام(١): واذكر لقومك وقتَ ندائه تعالى موسى عليه السلام،
وذكِّرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم إياه عليه السلام زجراً (٢) لهم عمَّا
هم عليه من التكذيب، وتحذيراً من أنْ يحيقَ بهم مثلُ ما حاق بهم، حتى يتَّضح
لديك أنهم في غاية العناد والإصرار (٣)، لا يَرْدَعُهم أَخْذُ أضرابِهم من المكذِّبين
الأشرار، ولا يؤثِّرُ فيهم الوعظُ والإنذار.
وهذا التقديرُ يناسِبُ صَدْرَ القصة الآتية، أعني قوله تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ بَبَأَ
إِنْزَهِيمَ﴾ والأول يناسبُ القصصَ المصدَّرة بـ ((كذَّبَتْ)) على ما قيل.
والأظهرُ عندي تقديرُ: واذكر لقومك؛ لوضوح اقتضاءِ ((واتلُ عليهم)) له.
ولا نسلِّمُ اقتضاءَ تلك القصص المصدَّرةِ بـ ((كذَّبَتْ)) تقديرَ: اذْكُر في نفسك، وأمرٌ
المناسبةِ مشتركٌ، وإن سُلِّم اختصاصُها به فهي لا تقاوِمُ الاقتضاءَ المذكور. نعم
الأظهرُ أن يكون وجه التسلِّي بما ذُكر كونَه عليه الصلاة والسلام ليس بِدْعَاً من
الرسل، ولا قومُه بدعاً من الأقوام في التكذيب مع ظهور الآيات وسطوعٍ
المعجزات، وقد تضمَّن الأمرُ بذِكْرٍ ذلك لهم الأمرَ بالتسلِّي به على أتمٍّ وجهٍ،
فتدبّر .
(١) في تفسيره ٢٣٦/٦.
(٢) في (م): زاجراً.
(٣) في الأصل: في غاية الفساد والإضرار.

الآية : ١١
١٤٥
سُورَةُ الشّعراء
وأيًّا ما كان فوجهُ توجيهِ الأمرِ بالذِّكر إلى الوقت مع أنَّ المقصودَ ذِكْرُ ما فيه قد
مرَّ مراراً.
وقيل: إنَّ ذلك المقدَّرَ معطوفٌ على مقدَّرٍ آخَر، أي: خُذِ الآياتِ - أو: ترقَّبْ
إتيانَ الأنباء - واذْكُر. وهو تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه.
وقيل: ((إذ)) ظرفٌ لـ ((قال)) بعدُ. وليس بذاك.
ومعنى ((نادى)): دعا. وقيل: أَمَر.
﴿أَنِ آَنْتِ﴾ أي: بأنِ اثْتِ، على أنَّ ((أن)) مصدريةٌ حُذِفَ عنها حرفُ الجرِّ، أو:
أي انتِ، على أنها مفسِّرة. ﴿اٌلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ بالكفر والمعاصي، واستِعْباد بني
إسرائيل، وذَبْحِ أبنائهم.
وليس هذا مطلعُ ما وَرَدَ في حيِّز النداء، وإنما هو ما فصِّل في سورة ((طه)) من قوله
تعالى: ﴿إِنَّ أَنَأْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿لِيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَىَ﴾ [الآيات: ١٢-٢٣]،
وسنَّةُ القرآن الكريم إيرادُ ما جرى في قصةٍ واحدة من المقالات بعباراتٍ شتَّى وأساليبَ
مختلفةٍ؛ لاقتضاء المقام ما يكون فيه من العبارات، كما حقِّق في موضعه(١) .
﴿قَوْمَ فِرْعَونَ﴾ عطفُ بيانٍ لـ ((القوم الظالمين)) جيءَ به للإيذان بأنهم عَلَمٌ في
الظلم، كأنَّ معنى ((القوم الظالمين)) وترجمتَه قوم فرعون. وقال أبو البقاء: بدلٌ
منه (٢). ورجَّح أبو حيان(٣) الأولَ بأنه أَقْضَى لحقِّ البلاغةِ؛ لإيذانه بما سمعتَ.
ولعل الاقتصارَ على القوم للعِلْم بأنَّ فرعون أَوْلَى بما ذُكِر (٤)، وقد خصَّ في
بعض المواضع للدلالة على ذلك. وجوِّز أن يقال: ((قوم فرعون)) شاملٌ له شمولَ
بني آدمَ آدَمَ عليه السلام.
﴿أَلَا يَتَّقُونَ ﴾﴾ حالٌ بتقديرِ القول، أي: انتهم قائلاً لهم: أَلَا يتقون(٥).
(١) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٥) من سورة الأعراف.
(٢) الإملاء ١٠٩/٤.
(٣) في البحر ٧/ ٧.
(٤) أي: من الإتيان، أو الوصف بالظلم. حاشية الشهاب ٧/ ٥.
(٥) في الأصل: تتقون.

سُورَةُ الشّعراء
١٤٦
الآية : ١١
وقرأ عبد الله بنُ مسلم بن يسار وشقيق بن سلمة وحماد بن سلمة وأبو قلابةً بتاء
الخطاب(١)، ويجوزُ في مِثْلِ ذلك الخطابُ والغيبةُ، فيقال: قل لزيد: تعطي عَمْراً
كذا، و: يعطي عمراً كذا .
وقرئ بكَسْرِ النون مع الخطاب والغيبةِ(٢)، والأصلُ: يتقونني، فحُذفت إحدى
النونين لاجتماع المِثْلَينِ وحُذفتْ ياءُ المتكلِّم اكتفاءً بالكسرة. وقولُ موسى عليه
السلامُ ذلك بطريق النيابة عنه عزَّ وجلَّ نظيرُ ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] فكأنه قيل: انتهم قائلاً قولي لهم: ألا تتقونني.
وقال الزمخشريُّ(٣): هو كلامٌ مستأنفٌ أتْبعَه عزَّ وجلَّ إرسالَه إليهم؛ للإنذار
والتسجيلِ عليهم بالظلم تعجيباً لموسى عليه السلام من حالهم التي شَنُعت في الظلم
والعسف، ومن أمْنِهِم العواقبَ وقلة خوفهم وحَذَرِهم من أيام الله عزَّ وجلَّ. وقراءةُ
الخطاب على طريقة الالتفاتِ إليهم وجَبْهِهم وضَرْبٍ وجوههم بالإنكار والغضبِ
عليهم، وإجراءُ ذلك في تكليم المرسَل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه في
مسامعهم لأنه مبلِّغُه ومُنْهِيه وناشرُه بين الناس، فلا يضرُّ كونُهم غُيَباً حقيقةً في وقت
المناجاة، وفيه مزيدُ حثٍّ على التقوى لمن تدبَّر وتأمَّل. انتهى.
والاستئناف عليه، قيل: بيانيٍّ بتقديرٍ: لمَ هذا الأمر؟ وقيل: هو نحويٌّ؛ إذ
لا حاجةً إلى هذا السؤال بعد ذِكْرِهم بعنوان الظلم، ودفع بالعناية. ولعل ما ذكرناه
أسرعُ تبادُراً إلى الفهم.
وقال أيضاً (٤): يحتمل أن يكون ((لا يتقون)) حالاً من الضمير في ((الظالمين))،
أي: يظلمون غيرَ مَّقين اللهَ تعالى وعقابَه عزَّ وجلَّ، فأدخلت همزةُ الإنكار على
الحال دلالةً على إنكارٍ عَدَمِ التقوى والتوبيخِ عليه؛ ليفيد إنكارَ الظلم من طريق
الأولى، فإنَّ فائدةَ الإتيانِ بَهذه الحال الإشعارُ بأن عدمَ التقوى هو الذي جرَّأهم
على الظلم.
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٦، والمحتسب ١٢٧/٢، والمحرر الوجيز ٢٢٦/٤، والبحر ٧/٧.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٦، والكشاف ١٠٦/٣، والبحر ٧/٧.
(٣) في الكشاف ١٠٦/٣.
(٤) في الكشاف ١٠٦/٣.

الآية : ١٢ - ١٣
١٤٧
سُورَةُ الشَّجَرَآء
وتعقّبه أبو حيان بأنه خطأُ فاحشٌ؛ لأنَّ فيه مع الفَصْلِ بين العامل والمعمول
بالأجنبيِّ لزومَ إعمالِ ما قَبْلَ الهمزة فيما بعدها (١).
وأُجيبَ بمنع كون الفاصلِ أجنبيًّا، وأنه يُتَوسَّعُ في الهمزة. وهو كما ترى.
وجوَّز أيضاً في ((ألا يتقون)) بالياء التحتية وكَسْرِ النون أن يكون بمعنى:
ألا يا ناسُ اتَّقونٍ، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ (٢) [النمل: ٢٥]. فتكون ((ألا))
كلمةً واحدةً للعَرْضِ، و((يا)) ندائية سقطت ألِفُها لالتقاء الساكنينِ وحذف المنادى،
وما بعده فعلُ أمرٍ، ويكونُ إسقاطُ الألفين مخالفاً للقياس.
ولا يخفى أنه تخريجٌ بعيدٌ، وأنَّ الظاهر أنَّ ((ألا)) للعَرْضِ المضمَّنِ الحضَّ على
التقوى في جميع القراءات.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنه قيل: فماذا قال موسى عليه السلام؟ فقيل: قال
متضرِّعاً إلى الله عزَّ وجلَّ: ﴿رَبِّ إِّ أَغَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ ﴾﴾ مِن أوَّل الأمر.
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ﴾ معطوفان على خبر ((إنَّ)، فيفيدُ أنَّ فيه عليه
السلام ثلاثَ عللٍ : خوفَ التكذيب، وضِيقَ الصدر، وامتناعَ انطلاقِ اللسان.
والظاهرُ ثبوتُ الأمرين الأخيرين في أنفسهما غيرَ متفرِّعَينٍ على التكذيب
ليدخلا تحت الخوف، لكنْ قرأ الأعرجُ وطلحةُ وعيسى وزيد بنُ عليٍّ وأبو حيوةَ،
وزائدةُ عن الأعمش، ويعقوبُ، بنصب الفعلين عَطْفاً على ((يكذبون))(٣)، فيفيدُ
دخولهما تحت الخوف.
ولأنَّ الأصل توافُقُ القراءتين قيل: إنهما متفرِّعان على ذلك، كأنه قيل: ربِّ
إنِّي أخاف تكذيبَهم إيَّاي، ويضيق صدري انفعالاً منه، ولا ينطلق لساني من سجن
اللّكنة وقيدِ العِيِّ بانقباض الروح الحيوانيِّ الذي تتحرَّكُ به العضلاتُ، الحاصِلِ عند
ضيقِ الصدرِ واغتمامِ القلب.
(١) البحر ٧ / ٧.
(٢) الكشاف ١٠٦/٣. وما بعده من حاشية الشهاب ٧/ ٦.
(٣) النشر ٣٣٥/٢ عن يعقوب، وذكرها عنهم أبو حيان في البحر ٧/ ٧.

سُورَةُ الشِّعرَائِ
١٤٨
الآية : ١٣
والمرادُ حدوثُ تَلَجْلُج اللسان له عليه السلام بسبب ذلك، كما يشاهَدُ في كثيرٍ
من الفُصَحاءِ إذا اشتدَّ غمُّهَم وضاقَتْ صدورُهم، فإنَّ ألسنتهم تتلَجْلَجُ حتى لا تكاد
تُبِينُ عن مقصودٍ. هذا إن قلنا: إنَّ هذا الكلامَ كان بعد دعائه عليه السلام بحَلٌ
العقدة، واستجابةِ الله تعالى له بإزالتها بالكلِّية.
أو المرادُ ازديادُ ما كان فيه عليه السلام إن قلنا: إنه كان قبل الدعاء، أو بعده
لكنْ لم تَزُل العقدةُ بالكلِّية، وإنما انحلَّ منها ما كان يمنعُ من أن يُفْقَهَ قولُه عليه
السلام فصار يُفْقَهُ قولُه مع بقاءِ يسيرِ لُكْنةٍ.
وقال بعضهم: لا حاجةً إلى حديث التفرُّع، بل هما داخلان تحت الخوف
بالعطف على ((يكذُّبون)) كما في قراءة النصب، وذلك بناءً على ما جوَّزه البقاعيُّ(١)
من كونِ ((أخاف)) بمعنى أعلم أو أظنُّ، فتكون ((أنْ)) مخفَّفةً من الثقيلة لوقوعها بعد
ما يفيدُ علماً أو ظنًّا. ويُلْتَزَمُ على هذا كونُ ((أخاف)) في قراءة النصب على ظاهره
لئلا تأبى ذلك، ويُدعَى اتحاد المآل.
وحَكَى أبو عمرو الداني عن الأعرج أنه قرأ بنصبٍ ((يضيق)) ورَفْع ((ينطلق))(٢)،
والكلامُ في ذلك يُعْلَم مما ذكر.
وأيًّا ما كان فالمرادُ من ضيقِ الصَّدْرِ ضيقُ القلب، وعبَّر عنه بما ذُكِرَ مبالغةً،
ویراد منه الغمُّ.
ثم هذا الكلامُ منه عليه السلام ليس تشبُّئاً بأذيال العِلَلِ والاستعفاءِ عن امتثال
أمره عزَّ وجلَّ وتَلَقِّيهِ بالسمع والطاعة، بل هو تمهيدُ عذرٍ في استدعاء عونٍ له على
الامتثال وإقامةِ الدعوة على أتمِّ وجهٍ؛ فإنَّ ما ذكره ربَّما يوجبُ اختلالَ الدعوة
وانتباذَ الحجَّةِ .
وقد تضمَّن هذا الاستدعاءُ قولَه تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ ﴾ كأنه قال:
أَرْسِلْ جبريل عليه السلام إلى هارون واجْعَلْه نبيًّا، وآزِرْني به واشْدُدْ به عَضُدي،
(١) في نظم الدرر ١٦/١٤، وذكره عنه أيضاً الشهاب في الحاشية ٦/٧.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢٦/٤، والبحر ٧/ ٧.

الآية : ١٤
١٤٩
سُؤَةُ الشِّعراء
لأنَّ في الإرسالِ إليه عليه السلامُ حصولَ هذه الأغراضِ كلِّها، لكنْ بُسِطَ في سورة
القصص واكتُفي ها هنا بالأصل عما في ضِمْنه.
ومن الدليل على أنَّ المعنى على ذلك لا أنه تعلُّلٌ وقوعُ ((فَأَرْسِلْ)) معترضاً بين
الأوائل والرابعة، أعني ((ولهم» إلخ، فأذِنَ بتعلُّقه بها، ولو كان تعلُّلاً لأخر، وليس
أمرُه بالإتيان مستلزماً لِمَا استْدَعاه عليه السلام.
وتقديرُ مفعولِ ((أَرْسِلْ)) ما أشرنا إليه، قد ذهب إليه غيرُ واحدٍ. وبعضُهم قدَّر:
مَلَكاً؛ إذ لا جَزْمَ في أنه عليه السلام كان يعلمُ إذ ذاك أن جبريل عليه السلام
رسولُ الله عزَّ وجلَّ إلى من يستنبتُه سبحانه من البشر.
وفي الخبر: أنَّ الله تعالى أرسل موسى إلى هارون وكان هارونُ بمصر حين
بعث الله تعالى موسى نبيّاً بالشام.
وأخرج ابن أبي حاتم(١) عن السدِّيِّ قال: أَقْبلَ موسى عليه السلام إلى أهله(٢)
فسار بهم نحو مصرَ حتى أتاها ليلاً، فتَضيَّفَ على أمِّه - وهو لا يعرفهم - في ليلةٍ
كانوا يأكلون [فيها] الطَّفَيْشَلَ(٣)، فنزل(٤) في جانب الدار، فجاء هارونُ عليه السلام
فلمَّا أبصر ضيفه سأل عنه أمَّه فأخبرته أنه ضيفٌ، فدعاه فأكل معه، فلمَّا قعدا تحدَّثا
فسأله هارون: من أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه
فاعتنقه، فلمَّا أنْ تعارَفا قال له موسى: يا هارون، انْطَلِقْ معي إلى فرعونَ فإنَّ الله
تعالى قد أرسلنا إليه. قال هارون: سَمْعاً وطاعةً. فقامت أمُّهم فصاحت وقالت:
أَنشدُكما بالله تعالى أنْ لا تَذْهَبا إلى فرعونَ فيقتلكما. فأبيا، فانطلقا إليه ليلاً، الخبرَ
والله تعالى أعلمُ بصخَّتِهِ .
﴿وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ﴾ أي: تبعةُ ذنبٍ، فحُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مقامَه،
(١) في تفسيره ٢٦٩٣/٨، وذكره عنه السيوطي في الدر ٨٣/٥، وما سيأتي بين حاصرتين
منهما .
(٢) في الدر: بأهله، بدل: إلى أهله.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): الطفيشل كسَمَيْذَع نوع من المرق. وزاد في (م): قاموس.
والكلام في القاموس (طفل).
(٤) في الأصل و(م): فنزلت، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.

سُوَّةُ الشّعراء
١٥٠
الآية : ١٥
أو سمِّي باسمه مجازاً بعلاقةِ السببية، والمراد به قَتْلُ القِبْطِيِّ خبَّازِ فرعونَ بالوَكْزَةِ
التي وَكَزَها، وقصتُه مبسوطةٌ في غير موضعٍ، وتسميتُهُ ذنباً بحَسَبٍ زَعْمِهم كما(١)
ينبئُ عنه قوله تعالى: (وَهُمْ).
﴿فَخَافُ﴾ إنْ أتيتُهم وحدي ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾﴾ بسبب ذلك، ومرادُه عليه السلام
بهذا استدفاعُ البليةِ خوفَ فواتِ مصلحةِ الرسالة وانتشارِ أمرها، كما هو اللائقُ
بمقام أُولي العَزْمِ من الرُّسُل عليهم السلام، فإنهم يتوقون لذلك كما كان يفعلُ وَله
حتى نزل عليه: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، ولعلَّ الحقَّ أنَّ قَصْدَ حِفْظِ
النفسِ معه لا يُنافي مقامَهم.
وفي ((الكشاف)): أنه عليه السلامُ فَرِقَ أنْ يُقْتَلَ قبل أداء الرسالة(٢). وظاهرُه أنه
وإن كان نبيّاً غيرُ عالمٍ بأنه يبقى حتى يؤدِّيَ الرسالةَ، وإليه ذهب بعضُهم لاحتمالٍ
أنه إنما أُمر بذلك بشرَطِ التمكين مع أنَّ له تعالى نَسْخَ ذلك قبله.
وقال الطيبيُّ: الأقربُ أنَّ الأنبياءَ عليهم السلام يعلمون إذا حَمَلَهم الله تعالى على
أداء الرسالة أنه سبحانه يمكِّنُهم، وأنهم سيبقَوْنَ إلى ذلك الوقتِ. وفيه منعٌ ظاهر.
وفي ((الكشف)): أنه على القولين يصحُّ قولُ الزمخشريِّ: فَرِقَ .. إلخ؛ لأنَّ
ذلك كان قبل الاستنباء، فإنَّ النداء كان مقدِّمتَه. ولا أظنُّك تقول به.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّ فَأَذْهَبَا بِهَايَِنٌَّ﴾ إجابةٌ له عليه السلام إلى الطلبتين،
حيث وعده عزَّ وجلَّ دَفْعَ بليةِ الأعداء برَدْعِه عن الخوف. وضمَّ إليه أخاه بقوله:
((اذهبا))، فكأنَّه قال له عزَّ وجلَّ: ارْتَدِعْ عن خوف القتل فإنك بأعيننا، فاذْهَبْ أنت
وأخوك هارونُ الذي طَلَبْتَه. وجاء النشرُ على عَكْسِ اللَّفِّ لاختصاصِ ما قدِّم
بموسى عليه السلام.
وظاهرُ السياق يقتضي عَدَمَ حضورِ هارون، ففي الخطاب المذكور تغليبٌ،
والفعلُ معطوفٌ على الفعل الذي يدلُّ عليه ((كلَّ)) كما أشرنا إليه. وقيل: الفاءُ
فصیحٌ.
(١) في الأصل و(م): بما، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٣٧/٦، والكلام منه.
(٢) الكشاف ٣/ ١٠٧ .

الآية : ١٥
١٥١
سُورَةُ الشَّجَرَآء
والمرادُ بالآيات ما بعثهما الله تعالى به من المعجزات، وفيها رمزٌ إلى أنها
تَدفعُ ما يخافُه.
وقولُه عزّ وجلَّ: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴾﴾ تعليلٌ للرَّدْعِ عن الخوف، ومزيدُ
تسليةٍ لهما بضمانِ كمالِ الحفظ والنصرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ
وَرَى﴾ [طه: ٤٦] والخطابُ لموسى وهارون ومَن يتَّبعُهما من بني إسرائيل، فيتضمَّنُ
الكلام البشارةَ بالإشارة إلى علوِّ أمرهما واتِّباع القوم لهما .
وذهب سيبويه(١) إلى أنه لهما عليهما السلام، ولشرفهما وعظمتهما عند الله
تعالى عُومِلًا في الخطاب معَاملةَ الجمع. واعتُرض بأنه يأباه ما بعده وما قبله من
ضمير التثنية.
وقيل: هو لهما عليهما السلام ولفرعونَ، واعتُبِرَ لكون الموعود بمحضرٍ منه،
وإن شئتَ ضُمَّ إلى ذلك قوم فرعون أيضاً.
واعتُرِضَ بأنَّ المعية العامةَ - أعني المعيَّةَ العِلْمِيةَ - لا تختصُّ بأحد؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلََّ أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] والمعيَّةُ الخاصَّةُ وهي
معيَّةُ الرأفة والنصرة لا تليقُ بالكافر ولو بطريق التغليب.
وأجيب بأنَّ خصوص المعيَّة لا يلزم أن يكون بما ذُكر، بل بوجهٍ آخَر وهو
تخليصُ أحدِ المتخاصمين من الآخر بنصرة المُحِقِّ والانتقام من المبطِلِ.
وأيًّا ما كان فالظرفُ في موضع الخبر لـ ((إنَّ)) و((مستمعون)) خبرٌ ثانٍ، أو الخبرُ
(مستمعون)) والظرفُ متعلِّقٌ به، أو متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ضميره، وتقديمُه
للاهتمام، أو الفاصلة، أو الاختصاص بناءً على أنْ يرادَ بالمعية معيَّةٌ مخصوصةٌ
على ما هو اللائق بالمقام، وهي في ذلك وكذا في المعيَّة العامةِ مجازٌ، ومثلُها(٢)
الاستماعُ في حقِّه عزَّ وجلَّ، وهو مجازٌ عن السمع اختير للمبالغة لأنَّ فيه تَلَمُّساً(٣)
للإدراك، وهو ممَّا ينزَّه الله تعالى عنه سواءٌ كان بحاسَّةٍ أم لا، فسقط ما قيل من أنَّ
(١) كما في البحر ٨/٧.
(٢) من قوله: معية مخصوصة، إلى هذا الموضع ساقط من (م).
(٣) في (م): تسلماً، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ٧، والكلام منه.

سُورَةُ الشّعراء
١٥٢
الآية : ١٦
السمع في الحقيقة إدراك بحاسةٍ فإنْ أريدَ به مطلقُ الإدراك فالاستماعُ مثلُه فلا حاجةً
إلى التجوُّز فيه.
وإلى التجوُّز هنا ذهب غيرُ واحدٍ، وقال بعضهم: ((إنَّا معكم مستمعون))
جملتُه (١) استعارةٌ تمثيليةٌ؛ مثَّل سبحانه حالَه عزَّ وجلَّ بحالٍ ذي شوكةٍ قد حضر
مجادلةً قومٍ يستمع ما يجري بينهم؛ ليمدَّ أولياءه ويُظْهِرَهم على أعدائهم، مبالغةً في
الوعد بالإعانة. وحينئذٍ لا تجوُّز في شيءٍ من مفرداته، ولا يكون ((مستمعون)) مُظْلَقاً
عليه تعالى، فلا يُحتاجُ إلى جَعْلِه بمعنى سامعين، إلَّا أن يقال: إنه في المستعارِ منه
كذلك؛ لأنَّ المقصود السمعُ دون الاستماع الذي قد لا يوصل إليه، لكنه كما ترى.
وجوِّز أن يكون ((إنا معكم)) فقط تمثيلاً لحاله عزَّ وجلَّ في نَصْرِه وإمدادِه بحالٍ
مَن ذُكِرَ، ويكون الاستماعُ مجازاً عن السمع، وهو بحسب ظاهره - لِكونه لم يُطلَقْ
عليه سبحانه كالسمع - كالقرينةِ وإن كان مجازاً، والقرينةُ في الحقيقة عقليةٌ، وهي
استحالةُ حضوره تعالى شأنُه في مكان. ولا بدَّ على هذا من أن يقال: إنَّ الاستماع
المذكورَ في تقريرِ التمثيل ليس هو الواقعَ في النظم الكريم، بل هو من لوازم
حضورِ الحكم للخصومة، وفيه بعدٌ.
ثم إنَّ ما ذكروه وإن كان مبنيًّا على جَعْلِ الخطاب لموسى وهارون وفرعون،
يمكنُ إجراؤه على جَعْلِه لهما عليهما السلام ولمن يتَّبعُهما، أوْ لهما فقط أيضاً
بأدنى عنايةٍ، فافهم ولا تغفل.
وزعم بعضهم أنَّ المعيَّة والاستماعَ على حقيقتهما ولا تمثيل، والمراد: إِنَّ
ملائكتنا معكم مستمعون. وهو ممَّا لا ينبغي أن يُسْتَمع، ولا بدَّ في الكلام على هذا
التقدير من إرادةِ الإعانة والنصرة، وإلَّا فبمجرَّدٍ معيَّةِ الملائكة عليهم السلام
واستماعِهِم لا يَطِيبُ قلبُ موسى عليه السلام.
4) لترتيب
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
ما بعدها على ما قبلها من الوعد الكريم، وليس هذا مجرَّدَ تأكيدٍ للأمر بالذهاب؛
لأنَّ معناه الوصولُ إلى المأتيِّ، لا مجرَّدُ التوجُّهِ إلى المأتيِّ كالذهاب.
(١) في (م): جملة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب.

الآية : ١٧
١٥٣
سُورَةُ الشعراء
وأفرد الرسول هنا لأنه مصدرٌ بحسب الأصل وُصِفَ به كما يوصَفُ بغيره من
المصادر للمبالغة، كـ : رجل عَدْل، فيجري فيه ما (١) يجري فيه من الأَوْجُه،
ولا يخفى الأَوْجَهُ منها ، وعلى المصدرية ظاهرُ قول كُثِيِّر عزَّة:
بسرِّ ولا أَرْسَلْتُهم برسولٍ(٢)
لقد كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عندهم
وأظھرُ منه قولُ العباس بن مرداس :
ألَّا مَن مُبْلِغٌ عنِّي خُفَافاً
رسولاً بيتُ أَهْلِك مُنْتَهاها(٣)
أو لاتِّحادهما للأخوَّةِ، أو لوحدة المرسِلِ أو المرسَلِ به(٤)، أو لأنَّ قوله
تعالى: (إِنَّا) بمعنى: إنَّ كلَّا منَّا، فصحَّ إفرادُ الخبر كما يصحُّ في ذلك، وفائدتُه
الإشارةُ إلى أنَّ كلَّ منهما مأمورٌ بتبليغ ذلك ولو منفرداً .
وفي التعبير بـ ((ربّ العالمين)) ردّ على اللَّعين، ونَقْضِّ لِمَا كان أَبْرَمَه من ادِّعاء
الألوهية، وحَمْلٌ لطيفٌ له على امتثالِ الأمر.
و((أنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىَّ إِسْرَِّيَلَ ﴾﴾ مفسِّرةٌ؛ لتضمُّنِ الإرسال
المفهوم من الرسول معنى القول. وجوَّز أبو حيان كونَها مصدريةً، على معنى: إنَّا
رسولُهُ عَزَّ وجلَّ بالأمر بالإرسال، وهو بمعنى الإطلاق والتَّسريح، كما في قولك:
أرسلتُ الحجر من يدي، وأرسل الصقر(٥).
والمراد: خلِّهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما عليهما السلام،
وكان بنو إسرائيل قد استُعبدوا أربعَ مئةِ سنةٍ، وكانت عِدَّتُهم حين أُرْسِلَ موسى عليه
(١) في (م): كما، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٨/٧، والكلام منه.
(٢) ديوان كثير عزة ص٢٧٨، والكشاف ١٠٧/٣، وتفسير القرطبي ١٥/١٦، وتفسير البيضاوي
مع حاشية الشهاب ٧/ ٨، قال الشهاب: المعنى: ما أرسلتهم برسالة. ورواية الديوان:
بليلى، بدل: بسرِّ. وبرسيل، بدل: برسول، ويروى بالوجهين كما قال ابن عبد البر في
بهجة المجالس ٢٧٧/١.
(٣) الحماسة البصرية ١٣/١، وتفسير القرطبي ١٥/١٦، والخزانة ٣٦٧/٤. وجاء في هامش
(م) عند قوله منتهاها: حيث أنَّث الضمير باعتبار الرسالة.
(٤) المرسَل به: الشريعةُ والتوحيد. حاشية الشهاب ٨/٧.
(٥) البحر ٨/٧-٩.

سُورَةُ الشعراء
١٥٤
الآية : ١٨
السلام ستَّ مئةٍ وثلاثين ألفاً، على ما ذكره البغوي(١).
﴿قَالَ﴾ أي: فرعونُ لموسى عليه السلام بعدَ ما أَتَياه وقالا له ما أُمِرا به.
ويُرْوَى أنهما انطلقا إلى باب فرعون، فلم يُؤْذَنْ لهما سنةً حتى قال البوَّابُ: إنَّ ها
هنا إنساناً يزعمُ أنه رسولُ ربِّ العالمين. فقال: ائذنْ له لعلَّنا نضحكُ منه. فأَذِنَ
له، فدخلا فأدَّيا إليه الرسالة، فعَرَفَ موسى عليه السلام فقال عند ذلك: ﴿أَلَمْ ثُرَبِّكَ
فِنَا وَلِدًا﴾(٢) .
وفي خبرٍ آخَرَ: أنهما أَتَيا ليلاً فقرعا(٣) الباب، ففزع فرعونُ وقال: مَن هذا
الذي يضربُ بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البوَّابُ فكلَّمهما، فقال له موسی:
إنّا رسولُ ربِّ العالمين. فأتى فرعونَ وقال: إنَّ ها هنا إنساناً مجنوناً يزعمُ أنه
رسولُ ربِّ العالمين. فقال: أَدْخِلْه، فدخل فقال ما قصَّ الله تعالى(٤) .
وأراد اللَّعينُ من قوله: ((ألم نربِّك)) إلخ الامتنانَ. و((فينا)) على تقدير المضاف،
أي: منازلِنا. والوليدُ فعيلٌ بمعنى مفعول، يقال لمن قَرُبَ عهدُه بالولادة، وإن
كان - على ما قال الراغب - يصحُّ في الأصل لمن قرب عهدُه أو بَعُدَ، كما يقالُ لِمَا
قَرُبَ عهدُه بالاجْتِنَاءِ: جَنِيٌّ، فإذا كبر سقط عنه هذا الاسم(٥).
وقال بعضهم: كأن دلالته على قُرْبِ العهد من صيغة المبالغة، وكونِ الولادة
لا تفاؤُتَ فيها نفسها .
﴿وَلَبِثْتَ فِنَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ ﴾﴾ قيل: لبث فيهم ثلاثين سنةً ثم خرج إلى مَدْيَنَ
وأقام به عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله تعالى ثلاثين سنة، ثم بقي بعد
الغرق خمسين .
وقيل: لبث فيهم اثنتي عَشْرَة سنةً، ففرَّ بعد أن وَكَزَ القِبْطِيَّ إلى مَدْينَ فأقام به
عشر سنين يَرْعَى غَنَم شعيبٍ عليه السلام، ثم ثماني عَشْرةَ سنةً بعد بنائه على امرأته
(١) في تفسيره ٣٨٢/٣.
(٢) تفسير البغوي ٣٨٣/٣.
(٣) في (م): فقرع.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي كما في الدر المنثور ٨٣/٥.
(٥) مفردات الراغب (ولد).

الآية : ١٩
١٥٥
سُورَةُ الشعراء
بنتِ شعيبٍ، فكَملَ له أربعون سنةً، فبعثه الله تعالى وعاد إليهم يدعوهم إليه عزَّ
وجلَّ، والله تعالى أعلم.
وقرأ أبو عمرو في روايةٍ: ((من عُمْرِكَ)) بإسكان الميم (١). والجارُّ والمجرورُ في
موضع الحال من ((سنين)) كما هو المعروفُ في نَعْتِ النكرة إذا قدِّم.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَِّ فَعَلْتَ﴾ يعني قَتْلَ القِبْطِيِّ؛ وبَّخه به بَعْدَ ما امتنَّ، وعَظّمه
عليه بالإبهام الذي في الموصول، وأراد في ذلك القَدْحَ في نبوَّته عليه السلام.
وقرأ الشعبيُّ: ((فِعْلَتكَ)) بكَسْرِ الفاءِ(٢)، يريد الهيئةَ، وكانت قِتْلَةً بالوَكْزِ(٣).
والفتحُ في قراءة الجمهور لإرادةِ المرَّة.
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ أي: بنعمتي، حيث عَمَدْتَ إلى قتلِ رجلٍ من
خواصِّي، کما روي عن ابن زید.
أو: وأنت حينئذ من جملة القوم الذين تدَّعي كُفْرَهم الآن، كما حُكي عن
السدِّيِّ، وهذا الحكم منه بناء على ما عرفه من ظاهرٍ حاله عليه السلام إذ ذاك؛
لاختلاطه بهم، والتقيَّةِ معهم بعَدَم الإنكار عليهم، وإلّا فالأنبياء عليهم السلام
معصومون عن الكفر قبل النبوَّةِ وبعدها .
وقيل: كان ذلك افتراءً منه عليه عليه السلام. واستُبْعِدَ بأنه لو عَلِمَ بإيمانه أوَّلاً
لسجنه أو قتله.
والجملةُ على الاحتمالين في موضع الحالِ من إحدى التاءين في الفعلين
السابقين.
وجوِّز أن يكون ذلك حُكماً مبتَداً عليه عليه السلام بأنه من الكافرين بإلهيَّته،
كما روي عن الحسن، أو ممن يكفرون في دينهم حيث كانت لهم آلهةٌ يعبدونهم،
أو من الكافرين بالنعم المعتادين لغَمْطِها، ومَن اعتاد ذلك لا يكون مِثْلُ هذه الجناية
بِدْعاً منه، فالجملةُ مستأنفةٌ أو معطوفةٌ على ما قبلها .
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٦، والبحر ٧/ ١٠، وينظر السبعة ص ٤٧١.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٦، والمحتسب ١٢٧/٢، والبحر ١٠/٧.
(٣) وهو الضربُ بجَمْعٍ كفِّه. حاشية الشهاب ٧/ ٩.

سُورَةُ الشّعراء
١٥٦
الآية : ٢٠
والأَوْلَى عندي ما تقدَّم من جَعْلِ الجملةِ حالاً؛ لتكون مع نظيرتها في الجواب
على طرزٍ واحدٍ؛ لتعيُّنِ الحالية هناك.
ولمَّا تضمَّن(١) كلامُ اللعينِ أمرين تَصَدَّى عليه السلام لردِّهما على سبيل اللَّفِّ
والنَّشْرِ المشوَّشِ، فردَّ أوَّلاً ما وبَّخه به قدحاً في نبوَّته، أعني قوله: ((وفعلت
فعلتك)» إلخ، اعتناءً بذلك واهتماماً به، وذلك بما حكاه سبحانه عنه بقوله جلَّ
﴾ أي: إذ ذاك، على ما آثَرَه بعضُ
وعلا: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا﴾ أي: تلك الفَعْلَةَ ﴿
أفاضل (٢) المحقّقين سَقَى اللهُ تعالى ثَرَاه، من أنَّ ((إذاً)) ظرفٌ مقطوعٌ عن الإضافة
مؤثراً فيه الفتحة على الكسرة لخفَّتها وكثرة الدَّور.
وأقرَّ عليه السلامُ بالقتل لثقته بحِفْظِ الله تعالى له، وقَيَّد الفِعْلَ بما يَدْفَعُ كونَه
قادحاً في النبوّة، وهو جملةٌ ﴿وَأَنْ مِنَ الضَّالِينَ ﴾﴾ أي: من الجاهلين، وقد جاء
كذلك في قراءة ابن عباس وابن مسعود كما نقله أبو حيان في ((البحر)) لكنه قال:
ويَظْهَرُ أنَّ ذاك تفسيرٌ للضالِّين لا قراءةٌ مرويَّةٌ عن الرسول ◌َِّ(٣).
وأراد عليه السلامُ بذلك - على ما روي عن قتادة - أنه فَعَل ذلك جاهلاً به غيرَ
متعمِّدٍ إِيَّاه، فإنَّه عليه السلامُ إنما تعمَّد الوَكْزَ للتأديب، فأدَّى إلى ما أدَّى، وفي
معنى ما ذُكر ما رُوي عن ابن زيدٍ من أنَّ المعنى: وأنا من الجاهلين بأنَّ وَكْزتي
تأتي على نَفْسِه.
وقيل: المعنى: فعلتُها مُقْدِماً عليها من غير مبالاةٍ بالعواقب، على أنَّ الجهل
بمعنى الإقدام من غير مبالاةٍ، كما فسِّر بذلك في قوله:
فنَجْهَلَ فوق جَهْلِ الجاهِلِينا (٤)
أَلَا لا يَجْهلَنْ أحدٌ علينا
وهذا مما يحسُنُ على بعض الأوجُهِ في تقرير الجواب المذكور.
قيل(٥): إنَّ الضلال ها هنا المحبةُ، كما فسِّر بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَفِى
(١) في (م): يتضمن.
(٢) قوله: أفاضل، ليس في (م).
(٣) البحر ٧/ ١١، والقراءة ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٦.
(٤) سلف عند تفسير الآية (١٧) من سورة النساء.
(٥) في الأصل: وما قيل.

الآية : ٢١
١٥٧
سُورَةُ الشَّجَرَاء
ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] وعَنَى عليه السلام أنه قَتَل القِبْطيَّ غيرةً لله تعالى،
حيث كان عليه السلام من المحبِّين له عزَّ وجلَّ. وهو كما ترى.
ومثله ما قيل: أراد: من الجاهلين بالشرائع، وفسِّر الضلال بذلك في قوله
تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].
وقال أبو عبيدة(١): من النَّاسِينَ، وفسّر الضلال بالنسيان في قوله تعالى: ﴿أَنْ
تَضِلَّ إِحْدَنُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وعليه قيل: المرادُ: فعلتُها
ناسياً حُرْمتَها. وقيل: ناسياً أنَّ وَكْزي ذلك مما يفضي إلى القتل عادةً.
والذي أميلُ إليه من بين هذه الأقوالِ ما رُوي عن قتادةَ، وسيأتي إن شاء الله
تعالى في سورة القصص ما يتعلَّقُ بهذا المقام.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن [جرير عن ابن] جريج عن ابن مسعود أنه
قرأ: ((فعلتُها إذ أنا من الضالِّين))(٢).
﴿فَقَرَرْتُ﴾ أي: خرجتُ هارباً ﴿مِنْكُمْ لَنَا خِفْتُكُمْ﴾ أي: حين توقَّعْتُ مكروهاً
يُصِيبُني منكم، وذلك حين قيل له: ﴿إِنَ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِفْتُلُوكَ﴾
[القصص: ٢٠] ومن هنا يعلم وجهُ جمع ضمير الخطاب، وقرأ حمزةُ في روايةٍ:
((لِمَا)) بكسر اللام وتخفيفِ الميم(٣) على أنَّ اللامَ حرفُ جرِّ و((ما)) مصدرية،
أي: لخوفي إياكم.
﴿فَوَهَبَ لِ رَبِّ حُكْمًا﴾ أي: نبوَّةً، أو علماً وفَهْماً للأشياء على ما هي عليه.
والأولُ مرويٌّ عن السدِّي، وتأوَّل بعضُهم ذلك بأنه أراد علماً هو من خواصٌ
النبوة، فيكونُ الحُكْمُ بهذا المعنى أخصَّ منه بالمعنى الثاني. وقرأ عيسى: ((حُكُماً))
بضم الكاف(٤).
(١) كما في معاني القرآن للنحاس ٧١/٥، وزاد المسير ١١٩/٦، والبحر ١١/٧.
(٢) الدر المنثور ٨٣/٥، وما بين حاصرتين منه، وفيه: ((فعلتها إذاً وأنا من الجاهلين)). وهي
كذلك في فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨٠، وتفسير الطبري ١٧/ ٥٥٨ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٧/ ١١ .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٠٦، والبحر ٧/ ١١.

سُورَةُ الشعر
١٥٨
الآية : ٢٢
﴿وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ إشارةٌ على ظاهر الأول من تفسيري الحكم إلى تفضُّله
تعالى عليه برتبةٍ هي فوقَ رتبةِ النبوّة، أعني رتبةَ الرسالة، ولم يقل: فوهب لي ربِّي
حكماً ورسالةً، أو: وجعلني رسولاً، إعظاماً لأمر الرسالة، وتنبيهاً لفرعون على أنَّ
رسالته عليه السلام ليس أمراً مبتدعاً، بل هو مما جَرَتْ به سنَّةُ الله تعالى شأنُه.
وحاصلُ الردِّ: إنَّ ما ذكرتَ من نِسْبةِ القتل إليَّ مسلَّمٌ، لكنه ليس مما أُوبَّخُ به
ويقْدَحُ في نبوَّتي؛ لأنه كان قبل النبوَّة من غيرِ تعمُّدٍ، حيث كان الوَكْزُ للتأديب
وتَرتَّبَ عليه ذلك.
وردَّ ثانياً امتنانَه الذي تضمَّنه قولُه: ((ألم نربك فينا وليداً) إلخ فقال: ﴿وَتِكَ﴾
أي: التربيةُ المفهومةُ من قوله: ((ألم نربك)) إلخ ﴿نِعْمَةٌ تَمنّا﴾ أي: تُنْعِمُ بها ﴿عَّ﴾
فهو من باب الحذف والإيصال، و((تمنُّ)) من المنَّةِ بمعنى الإنعام، والمضارعُ
لاستحضارِ الصورة. وجوِّز أن يكون من المنِّ، والمعنى: تلك نعمةٌ تَعُدُّها عليَّ،
فليس هناك حذف وإيصال، والمضارعُ قيل: على ظاهره من الاستقبال، وفيه منعٌ
ظاهر.
﴿أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ إِسْرَّيِلَ (٣)﴾ أي: ذَلَّلْتَهم واتَّخَذْتَهم عبيداً، يقال: عبَّدتُ الرجل
وأَعْبَدْتُه: إذا اتخذته عبداً، قال الشاعر:
فيهم أباعرُ ما شاؤوا وعُبْدانُ(١)
عَلَامَ يُعْبِدُني قومي وقد كَثُرتْ
و((أنْ)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ والجملةُ
حاليةٌ أو مفسِّرةٌ، أو على أنه بدلٌ من ((تلك)) أو ((نعمةٌ))، أو عطفٌ(٢)، أو منصوبٌ
على أنه بدلٌ من الهاء في ((تمثُّها)). أو مجرورٌ بتقديرِ الباء السببيةِ أو اللَّام على أحد
القولين في محلِّ ((أنْ)) وما بعدها بعد حَذْفِ الجارِّ، والقولُ الآخَرَ أنَّ محلّه
النصب.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٧٩/٢، وتهذيب اللغة ٢٣٣/٢، والصحاح وأساس البلاغة (عبد)،
والكشاف ١٠٩/٣، واللسان والتاج (عبد). وذكره صاحب اللسان أيضاً شاهداً على تعدية
عَبِد يَعْبَد - بمعنى غضب - بغير حرف، وعزاه للفرزدق، وليس في ديوانه.
(٢) أي: عطف بيان. ينظر حاشية الشهاب ٧/ ١٠.

الآية : ٢٢
١٥٩
سُورَةُ الشَّجَرَآء
وحاصلُ الردِّ: إنَّ ما ذَكَرْتَ نعمةٌ ظاهراً، وهي في الحقيقة نقمةٌ حيث كانت
بسبب إذلال قومي وقَصْدِكَ إياهم بذبح أبنائهم، ولولا ذلك لم أَحْصُلْ بين يديك،
ولم أكن في مهد تربيتك.
وقيل(١): ((تلك)) إشارةٌ إلى خصلةٍ شنعاءَ مبهمةٍ لا يُدْرَى ما هي إلا بتفسيرها،
و ((أن عبَّدْتَ)) عطفُ بيانٍ لها، والمعنى: تعبيدُك بني إسرائيل نعمةٌ تمنُّها عليَّ،
وحاصل الردِّ إنكارُ ما امتَنَّ به أيضاً.
ويؤيِّد(٢) حَمْلَ الكلام على ردِّ كونِ ذلك نعمةً في الحقيقة قراءةُ الضَّحَّاك:
((وتلك نعمةٌ ما لَكَ أنْ تمنَّها عليَّ))(٣)، وإلى ذلك ذهب قتادةُ، وكذا الأخفشُ
والفرَّاءُ إلَّا أنَّهما قالا بتقديرِ همزةِ الاستفهام للإنكار بعد الواو، والأصل:
وأتلك (٤) نعمةٌ .. إلخ.
وأبى بعضُ النحاة حَذْفَ حرفِ الاستفهام في مثل هذا الموضع (٥).
وقال أبو حيان: الظاهرُ أنَّ هذا الكلامَ إقرارٌ منه عليه السلام بنعمة فرعونَ،
كأنه يقول: وتربيتُك إياي نعمةٌ عليَّ من حيث إنك عبَّدْتَ غيري وتركتني واتَّخَذْتَني
ولداً، لكنْ لا يدفعُ ذلك رسالتي، وإلى هذا التأويل ذهب السدِّيُّ والطبريُّ(٦).
وليس بذاك.
وأيًّا ما كان فالآيةُ ظاهرةٌ في أنَّ كُفْرَ الكافر لا يُبْطِلُ نعمته. وذهب بعضُهم
(١) هو قول الزمخشري في الكشاف ١٠٩/٣.
(٢) في (م): ويريد، وهو تصحيف، وينظر المحرر الوجيز ٢٢٨/٤، والبحر ١١/٧.
(٣) المحرر الوجيز ٢٢٨/٤، والبحر ٧/ ١١ .
(٤) كذا ذكر المصنف، والذي في معاني القرآن للأخفش ٦٤٦/٢: أوتلك، فقدَّر الهمزة قبل
الواو، وكذا نُقل عنه في إعراب القرآن للنحاس ١٧٦/٣، وتهذيب اللغة ٢٣٢/٢، والمحرر
الوجيز ٢٢٨/٤، والبحر ١١/٧، وفيه: وقال الأخفش والفراء: قَبْلَ الواو همزةُ استفهامٍ
يُراد به الإنكارُ، وحُذفت لدلالة المعنى عليها .
(٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٧٦/٣، وتهذيب اللغة ٢٣٢/٢، والمحرر الوجيز ٢٢٨/٤.
وقال النحاس بعد أن ذكر قول الأخفش: وهذا لا يجوز؛ لأن ألف الاستفهام تُحْدِثُ
معنَى، وحذفها محال، إلا أن يكون في الكلام ((أم)) فيجوز حذفها في الشعر.
(٦) البحر ٧/ ١١، وكلام الطبري في تفسيره ٥٥٩/١٧ و٥٦٢.

سُورَةُ الشِّعرَّة
١٦٠
الآية : ٢٢
إلى(١) أنَّ الكفر يُبْطِلُ النعمةَ لئلا يجتمع استحقاقُ المدح واستحقاقُ الذمِّ. وفيه
أنه لا ضير في ذلك لاختلاف جهتي الاستحقاقين.
هذا وذهب الزمخشريُّ(٢) إلى أنَّ ((إذا)) في قوله تعالى: (فَعَلْنُهَا إِذَا) جوابٌ
وجزاءٌ، وبيَّن وجهَ كونِ الكلام جزاءً بقوله: قولُ [فرعون]: ((وفَعَلْتَ فَعْلَتَك)) فيه
معنى: أنك جازيتَ نعمتي بما فَعَلْتَ، فقال له موسى عليه السلام: نعم فعلتُها
مُجازياً لك، تسليماً لقوله، كأنَّ(٣) نعمته عنده جديرةٌ بأن تُجازى بنحو ذلك
الجزاء.
واعتُرض بأنَّ هذا لا يلائم قوله: ((وأنا من الضالين)) لأنه يدلُّ على أنه اعترف
بأنه فَعَلَ ذلك جاهلاً أو ناسياً .
وفي «الكشف)»: تحقيقُ ما ذكره الزمخشريُّ أنَّ الترتيب الذي هو معنى الشرطِ
والجزاء حاصلٌ، ولمّا كانا ماضيين كان ذلك تقديريًّا، كأنه قال: إنْ كان ذلك
كفراناً بنعمتك فقد فعلتُه جزاءً، ولكنَّ الوصفَ - أي: كونَه كفراناً - غير مُسلّم،
وأمدَّه بقوله: ((وتلك نعمةٌ تمثُّها))، وفيه القولُ بالموجب أيضاً. وقولُه: ((وأنا من
الضالين)) على هذا كأنه اعتذارٌ ثانٍ، أي: كنتَ تستحقُّ ذلك عندي، وأيضاً كنتَ
من الحائدين عن منهج الصواب لا في اعتقاد استحقاقٍ مكافأةٍ صنیعك بمثل تلك،
ولكن في الإقدام قبل الإذن من الملك العلَّام.
والحاصلُ أنه نَسَبَه إلى مقابلة الإحسان بالإساءة، وقرَّرها بكونه كافراً، فأجاب
عليه السلام بأنَّ المقابلة حاصلةٌ، ولكنْ أين الإحسان، وما كنتُ كافراً بك - فإنه
عينُ الهدى - بل ضالاً في الإقدام على الفعل، وما كنتُ كافراً لنعمةٍ منعم أصلاً،
ولكن كنتُ فاعلاً لذلك خطأً. ومنه ظهر أنَّ قوله: ((وأنا من الضالِّين)) لا ينافي تقريرَ
الزمخشريِّ بل يؤيِّدُه. اهـ.
(١) قوله: إلى، ليس في (م).
(٢) في الكشاف ١٠٩/٣، ونقله عنه أيضاً أبو حيان في البحر ٧/ ١٠-١١، وما سيأتي بين
حاصرتین منهما .
(٣) في مطبوع الكشاف: لأن.