النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ٥٤
٨١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
السلام، وتنوينُه للتعظيم، أو جنسُ البشر الصادقُ عليه - عليه السلامُ - وعلى ذريته.
و ((من)) ابتدائية.
ويجوز أن يراد بالماء النطفةُ، وحينئذٍ يتعيَّن حَمْلُ البشر على أولاد آدمَ عليه
السلام.
﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرً﴾ أي: قَسَمَه قسمين: ذَوِي نَسَبٍ، أي: ذكوراً يُنْسَبُ
إليهم، وذواتِ صِهْرٍ، أي: إناثاً يصاهَرُ بهنَّ، فهو كقوله تعالى: ﴿فَعَلَ مِنْهُ الَّوْجَيْنِ
الذّكَرَ وَالْأُنَ﴾ [القيامة: ٣٩] فالواوُ للتقسيم، والكلامُ على تقديرٍ مضافٍ حُذِفَ ليدلَّ
على المبالغة ظاهراً. وعدل عن ذكر وأنثى ليؤذِنَ بالانشعاب نصًّا.
وهذا الجعلُ والتقسيم مما لا خفاءَ فيه على تقديرٍ أن يراد بالبشر الجنسُ، وأمَّا
على تقدير أن يراد به آدمُ عليه السلام، فقيل: هو باعتبارِ الجنس، وفي الكلام ما هو
من قبيل الاستخدام(١)، نظير ما في قولك: عندي درهمٌ ونصفُه.
وقيل: لا حاجةً إلى اعتبار ذلك، والكلامُ من باب الحذف والإيصال،
أي: جَعَل منه، وقد جيء به على الأصل في نظير هذه الآية، وهو ما سمعتَه
آنفاً .
وقيل: معنى جَعْلِ آدم نسباً وصهراً: خَلْقُ حوَّاءَ منه، وإبقاؤه على ما كان عليه
من الذُّكورة.
وتعقيبُ جَعْلِ الجنسِ قسمين خَلْقَ آدَمَ أو الجنس باعتبارٍ خَلْقِهِ، أو جَعْلِ قسمين
من آدم خَلْقَه عليه السلام كما تؤذِنُ به الفاء، ظاهر. وربما يتوهّم أنَّ الضمير
المنصوبَ في ((جَعَله)) عائدٌ على ((الماء))، والفاءُ مثلُها في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ
رَّبَّهُ، فَقَالَ رَبٍ﴾ [هود: ٤٥] إلخ، وقولِه تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا
بَيْتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] وليس بشيء.
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّ النَّسبَ ما لا يَحِلُّ نكاحُه، والصِّهْرَ ما يَحِلُّ
نكاحُه. وفي روايةٍ أخرى عنه رَُّه: النسبُ ما لا يحلُّ نكاحُه، والصِّهْرُ قرابةٌ
(١) الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به
المعنى الآخر. الإتقان ٩٠١/٢.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٨٢
الآية : ٥٥
الرضاع. وتفسيرُ الصِّهْرِ بذلك مرويٌّ عن الضخَّاك أيضاً (١).
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيْرًا (@) مُبالِغاً في القدرة، حيث قدرَ على أن يخلقَ من مادةٍ
واحدةٍ بشراً ذا أعضاءَ مختلفةٍ وطباعٍ مُتَبَاعِدَةٍ، وجَعَله قسمين متقابلين، و((كان)) في
مثل هذا الموضع للاستمرار. وإذا قّلنا بأنَّ الجملة الاسميةَ نفسَها تفيدُ ذلك أيضاً
أفاد الكلامُ استمراراً على استمرارٍ، وربَّما أَشْعَرَ ذلك بأنَّ القدرة البالغةَ من
مقتضيات ذاته جلَّ وعلا.
ومن العَجَبِ ما زعمه بعضُ مَنْ يدَّعي التفرُّدَ بالتحقيق ممن صَحِبْناه من علماء
العصر رحمةُ الله تعالى عليه(٢) أن ((كان)) في مثله للاستمرار فيما لم يَزَلْ، والجملةُ
الاسمية للاستمرار فيما لا يزال، فيفيدُ جَمْعُهما استمرارَ ثبوتِ الخبر للمبتدأ أزلاً
وأبداً، ويُعْلَم منه مبلغُ الرجل في العلم.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الذي شأنُه تعالى شأنُه ما ذُكر ﴿مَا لَا يَنفَعُهُمْ﴾ إِنْ
عبدوه ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن لم يعبدوه، والمرادُ بذلك الأصنامُ، أو كلُّ ما عُبِدَ من
دون الله عزَّ وجلَّ، وما من مخلوقٍ يستقلُّ بالنفع والضّرِّ.
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ.﴾ الذي ذُكرتْ آثار ربوبيته جلَّ وعلا ﴿ظَهِيرًا @﴾ أي:
مظاهراً، كما قال الحسن ومجاهدٌ وابن زيد. وفَعيلٌ بمعنى مُفاعل كثيرٌ، ومنه:
نديمٌ وجليسٌ. والمظاهرةُ: المعاونة، أي: يعاونُ الشيطانَ على ربِّه سبحانه
بالعداوة والشرك.
والمراد بالكافر الجنسُ، فهو إظهارٌ في مقام الإضمار؛ لنَعْي كفرهم عليهم.
وقيل: هو أبو جهل، والآيةُ نزلت فيه.
وقال عكرمةُ: هو إبليسُ عليه اللعنةُ، والمراد: يُعاوِنُ المشركين على ربِّه عزَّ
وجلَّ بأنْ يُغْرِيهم على معصيته والشِّركِ به عزَّ وجلَّ. وقيل: المرادُ: يعاوِنُ على
أولياء الله تعالى. وجوِّز أن يكون هذا مراداً على سائر الاحتمالات في الكافر.
(١) ذكره عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٥/٤، وقال: وذلك عندي وهم ... ، وينظر تتمة
كلامه ثمة.
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): هو المرحوم محمد الأمين السويدي. اهـ منه.
٠٠

الآية : ٥٦ - ٥٧
٨٣
سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
وقيل: المرادُ بـ ((ظهيراً)): مَهيناً، من قولهم: ظَهرْتُ به، إذا نبذتَه خَلْفَ ظهرك،
أي: كان مَن يعبد مِن دون الله تعالى ما لا ينفعُه ولا يضرُّه مهيناً على ربِّه عزَّ وجلَّ
لا خَلَاقَ له عنده سبحانه؛ قاله الطبريُّ(١)، ففعيل بمعنى مفعول، والمعروفُ أنَّ
(ظهيرا) بمعنى مُعينٍ لا بمعنى مَظْهورٍ به.
﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ﴾ في حالٍ من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حالَ كونك ﴿مُبَشِرًا﴾ للمؤمنين
﴿وَذِيرًا ﴾﴾ أي: ومُنْذِراً مبالغاً في الإنذار للكافرين. ولتخصيص الإنذار بهم،
وكونِ الكلام فيهم، والإشعارِ بغاية إصرارهم على ما هم فيه من الضلال، اقتصر
على صيغة المبالغة فيه.
وقيل: المبالغةُ باعتبار كثرة المنذَرين؛ فإن الكفرة في كلِّ وقتٍ أكثرُ من
المؤمنين .
وبعضهم اعتبر كثرتهم بإدخال العصاة من المؤمنين فيهم، أي: ونذيراً للعاصين؛
مؤمنين كانوا أو كافرين.
والمقامُ يقتضي التخصيصَ بالكافرين كما لا يخفى، والمراد: ما أرسلناك
إلا مبشِّراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، فلا تحزن على عدم إيمانهم.
﴿قُلْ﴾ لهم دافعاً عن نفسك تهمةَ الانتفاع بإيمانهم: ﴿مَّآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي:
على تبليغ الرسالة، الذي يُنْبِئُ عنه الإرسالُ، أو على المذكور من التبشير والإنذار.
وقيل: على القرآن. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: أجراً (٢) ما من جهتكم ﴿إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ
إِلَى رَبِّهِ﴾ أي: إلى رحمته ورضوانه ﴿سَبِيلاً ﴾﴾ أي: طريقاً، والاستثناءُ عند
الجمهور منقطعٌ، أي: لكنْ مَن(٣) شاء أن يتّخذ إلى ربِّه سبحانه سبيلاً - أي:
بالإنفاق القائم مقامَ الأجر، كالصدقة والنفقة في سبيل الله تعالى، ليناسب
الاستدراك - فليفعل.
(١) في تفسيره، ولكنه اختار ما سلف من القول بأن المعنى: وكان الكافر معيناً للشيطان على ربه.
(٢) في (م): أجر.
(٣) في الأصل و(م): ما، والمثبت من البحر ٥٠٨/٦، والدر المصون ٤٩٢/٨، وتفسير
أبي السعود ٢٢٦/٦، وحاشية الشهاب ٤٣٣/٦.

سُوَّةُ الفُرْقَانِ
٨٤
الآية : ٥٨
وذهب البعضُ إلى أنه مثَّصلٌ، وفي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، أي: إلا فِعْلَ مَن شاء
أن يتخذ إلى ربِّه سبيلاً بالإيمان والطاعة حَسْبَما أدعو إليهما، وهو مبنيٌّ على
الادِّعاء وتصوير ذلك بصورةِ الأجر من حيث إنه مقصودُ الإتيان به، وهذا
كالاستثناء في قوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ نزيلهم يُعابُ بنسيان الأحبَّة والوطن(١)
وفي ذلك قلعٌ كلِّيٌّ لشائبة الطمع، وإظهارٌ لغايةِ الشفقة عليهم، حيث جَعَلَ ذلك
مع كون نَفْعِه عائداً إليهم عائداً إليه وَلِ(٢).
وقيل: المعنى: ما أسالكم عليه أجراً إلا أَجْرَ مَن آمن، أي: إلا الأَجْرَ
الحاصلَ لي من إيمانه، فإنَّ الدالَّ على الخير كفاعله، وحينئذٍ لا يحتاج إلى الادِّعاء
والتصويرِ السابق. والأَّوْلَى ما فيه قَلْعُ شائبةِ الطمع بالكلِّية.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾ في الإغناء عن أجورهم، والاستكفاء عن
شرورهم، وكأنَّ العدول عن: وتوكّل على الله، إلى ما في النظم الجليل ليُفيدَ
بفحواه، أو بترتُّبِ الحُكْمِ فيه على وَصْفٍ مناسبٍ، عَدَمَ صحة التوكُّلِ على غير
المتَّصفِ بما ذُكر من الحياة والبقاء؛ أمَّا عَدَمُ صحةِ التوُّل على مَن لم يتَّصف
بالحياة كالأصنام فظاهرٌ، وأما عدمُ صحته على مَن لم يتَّصف بالبقاء بأن كان ممَّن
يموتُ، فلأنَّه عاجزٌ ضعيفٌ، فالمتوكّلُ عليه أَشْبَهُ شيءٍ بضعيفٍ عاد بقَرْملةٍ (٣).
وقيل: لأنه إذا مات ضاع مَن توَّل عليه.
(١) سلف عند تفسير الآية (١٥) من سورة البقرة.
(٢) وقد شبَّه الزمخشريُّ في الكشاف ٣/ ٩٧ ذلك بقولِ ذي شفقةٍ عليك، قد سعى لك في
تحصيلٍ مالٍ: ما أَطْلبُ منك ثواباً على ما سعيتُ إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيّعَه. فليس
حفظُكَ المال لنفسك من جنس الثواب، ولكنْ صوَّره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد
فائدتين؛ إحداهما: قطعُ شبهة الطمع في الثواب من أصله، والثانية: إظهار الشفقة البالغة،
وأنك إن حفظت مالك اعتَدَّ بحفظك، ورضي به كما يرضى المثاب بالثواب.
(٣) جمهرة الأمثال للعسكري ٤٦٦/١، والمستقصى للزمخشري ٨٦/٢، ومجمع الأمثال ٢٧٩/١.
قال الزمخشريّ: يضرب لذليل لجأ إلى مثله. وقال العسكري: القرملة: شجرة قصيرة لا ذرا لها
ولا ظل. وفي المجمع عن الأصمعي: القرملة: شجرة ضعيفة لا ورق لها .

الآية : ٥٨
٨٥
سُورَةُ القُرْقَانِ
وأخرج ابن أبي الدنيا في ((التوكُّل))، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن عقبة بن
أبي ثبيت(١) قال: مكتوبٌ في التوراة: لا تَوَّلْ على ابنِ آدم؛ فإنَّ ابن آدم ليس له
قوام، ولكنْ تَوَكَّلْ على الحيّ الذي لا يموت.
وقرأ بعضُ السَّلَفِ هذه الآية فقال: لا يصحُّ لذي عقلٍ أنْ يثقَ بعدها
بمخلوقٍ.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِيٍ﴾ أي: ونزِّهْهُ سبحانه مُلْتَبِساً بالثناء عليه تعالى بصفاتٍ
الكمال، طالباً لمزيدِ الإنعام بالشكر على سوابقه عزَّ وجلَّ، فالباءُ للمُلابَسةِ،
والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال. وقدَّم التنزيه لأنه تخليةٌ وهي أهمُّ من
التحلية، وفي الحديث: ((مَن قال: سبحان الله وبحمده، غُفرتْ ذُنُوبِه ولو كانت
مثلَ زَبَدِ البحر))(٢).
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُبٍ عِبَادِهِ،﴾ ما ظَهَر منها وما بَطَنَ، كما يؤذِنُ به الجمعُ
المضاف، فإنه من صيغ العموم، أو قوله تعالى: ﴿خَبِيرًا ﴾﴾ لأنَّ الخبرة معرفةٌ
بَوَاطنِ الأمور كما ذكره الرَّاغب(٣)، ومَن عَلِمَ البواطن عَلِمَ الظّواهِرَ بالطريق
الأَوْلَى، فيدلُّ على ذلك مطابقةً والْتِزاماً.
والظاهرُ أنَّ((بذنوب)» متعلِّقٌ بـ ((خبيراً))، وهو حالٌ أو تمييز. وباء ((به)) زائدٌ في
فاعلٍ ((كفى)). وجوِّز أن يكون ((بذنوب)) صلةَ ((كفى)).
والجملة مَسُوقَةٌ لتسليته وَّهِ ووعيدِ الكفَّار، أي: أنه عزَّ وجلَّ مطّلعٌ على ذنوب
عباده بحيث لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها، فيجازيهم عليها، ولا عليك إن آمنوا أو
كفروا .
(١) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور ٥/ ٧٥، وعنه نقل المصنف، وتحرف فيه عقبة إلى:
عتبة، والصواب: عقبة بن أبي زينب، والخبر في التوكل (٥٨)، والشعب (١٣٠٦). قال
الحافظ في التقريب: عقبة بن أبي زينب مقبول، لم يخرجوا له، يذكر للتمييز بينه وبين
عقبة بن أبي ثبيت. وينظر تهذيب الكمال ١٩٨/٢٠ .
(٢) أخرجه أحمد (٨٠٠٩)، والبخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١) من حديث أبي هريرة
بلفظ: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حطت خطاياه وإن كانت .... )).
(٣) في مفرداته (خبر).

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٨٦
الآية : ٥٩
﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد
سَلَفَ تفسيرُه. ومحلُّ الموصول الجرُّ على أنه صفةٌ أخرى لـ (الحيِّ)) ووُصِفَ
سبحانه بالصفة الفعلية بعد وَصْفِه جلَّ وعلا بالأبدية التي هي من الصفات الذاتية،
والإشارة إلى اتِّصافه تعالى بالعلم الشامل؛ لتقرير وجوب التوكُّل عليه ◌َاله وتأكيدِه؛
فإنَّ مَن أنشأ هذه الأجرامَ العِظامَ على هذا النمطِ الفائق والنَّسَقِ الرائق بتدبيرٍ متينٍ
وترتيبٍ رَصينٍ في أوقاتٍ معينةٍ، مع كمال قدرته سبحانه على إبداعها دفعةً، بحِكم
جليلةٍ وغاياتٍ جميلةٍ لا تقفُ على تفاصيلها العقول، أحقُّ مَن يُتَوَكَّلُ عليه، وأَوْلَىّ
مَن يُفوَّضُ الأمرُ إليه.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ﴾ مرفوعٌ على المدح، أي: هو الرحمنُ، وهو في
الحقيقة وصفٌ آخَرُ لـ ((الحيِّ)) كما في قراءة زيد بن عليٍّ: ((الرحمنٍ)) بالجرِّ (١)، مفيدٌ
لزيادة تأكيدِ ما ذُكر من وجوب التوُّلِ عليه جلَّ شأنُه وإن لم يَتْبَعْه في الإعراب،
لِمَا تقرَّر من أنَّ المنصوب والمرفوع مدحاً وإنْ خرجا عن التبعية لِمَا قبلهما صورةً
حيث لم يَتْبعاه في الإعراب وبذلك سمِّيا قطعاً، لكنهما تابعان له حقيقةً، ألا ترى
كيف التَزَموا حَذْفَ الفعل والمبتدأ روماً لتصوير كلٌّ منهما بصورةٍ متعلّقٍ من
متعلّقات ما قبله، وتنبيهاً على شدة الاتصال بينهما، وإنما قطعوا للافتنان الموجبٍ
لإيقاظ السامع وتحريكِه إلى الجِدِّ في الإصغاء.
وجوِّز أن يكون الموصولُ في محلِّ نصبٍ على الاختصاص، وأن يكون في
محلٌّ رفعٍ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ [و ((الرحمن))](٢) صفةٌ له، أو مبتدأ
و((الرحمن)) خبره.
وجوِّز أن يكون ((الرحمن)) بدلاً من المستكنِّ في ((استوى)). ويجوز على مذهب
الأخفش أن يكون ((الرحمن)) مبتدأً، وقوله تعالى: ﴿فَشَلْ بِهِ، خَبِيرًا
@)﴾ خبره،
على حدٍّ تخريجه قول الشاعر:
(١) في الأصل و(م): زيد بن عبد الرحمن بالجرِّ. والمثبت من البحر ٥٠٨/٦، والكلام منه،
والقراءة ذكرها أيضاً الزمخشريّ فى الكشاف ٩٨/٣ دون نسبة.
(٢) ما بين حاصرتين من البحر ٥٠٨/٦.

الآية : ٥٩
٨٧
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقائلةٍ خولانُ فانْكَحْ فتاتَهم (١)
وهو بعید.
والظاهرُ أنَّ هذه جملةٌ منقطعةٌ عمَّا قبلها إعراباً، والفاءُ فصيحةٌ، والجارُّ
والمجرورُ صلةُ ((اسأل))، والسؤالُ كما يعدَّى بـ ((عن)) لتضمُّنِهِ معنى التفتيش يعدَّى
بالباء لتضمُّنه معنى الاعتناء، وعليه قولُ عَلْقمةَ بن عَبَدةً(٢) :
خبيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ
فإن تسألوني بالنساء فإنَّني
فلا حاجةَ إلى جَعْلِها بمعنى ((عن)) كما فعل الأخفش والزجَّاج(٣).
والضميرُ راجعٌ إلى ما ذُكر إجمالاً من الخَلْقِ والاستواء، والمعنى: إن شئتَ
تحقيقَ ما ذُكر، أو تفصيلَ ما ذُكر، فاسأل معتنياً به، خبيراً عظيمَ الشأنِ محيطاً
بظواهِر الأمور وبَوَاطِنها، وهو الله عزَّ وجلَّ، يُطْلِعِكَ على جَليَّةِ الأمرِ.
والمسؤول في الحقيقة تفاصيلُ ما ذُكر لا نفسُه؛ إذ بعد بيانه لا يبقى إلى
السؤال حاجةٌ، ولا في تعديته بالباء - المبنيَّةِ على تضمينه معنى الاعتناء المستدعي
لكون المسؤول أمراً خطيراً مهتمًّا بشأنه غيرَ حاصلٍ للسائل - فائدةٌ؛ فإنَّ نفس الخَلْقِ
والاستواء بعد الذِّكر ليس(٤) كذلك كما لا يخفى.
وكونُ التقدير: إنْ شَكَكْتَ فيه فاسأل به خبيراً، على أنَّ الخطاب له وَلّ
والمرادُ غيرُه عليه الصلاة والسلام، بمعزل عن السَّدادِ.
وقيل: ((به)) صلةُ ((خبيراً)) قدِّمَ لرؤوس الآي (٥) .
(١) وعجزه: وأكرومة الحيين خِلْوٌ كما هيا، وهو في الكتاب ١٣٩/١ و١٤٣، والخزانة ١/ ٤٥٧،
والبحر ٥٠٨/٦، والكلام منه، والبيت من الخمسين التي لا يعرف قائلها، وسلف ١٨٩/٧.
(٢) في الأصل و(م): عبيدة، والصواب ما أثبتناه، وهو الذي يقال له علقمة الفحل. الشعر
والشعراء ٢١٨/١، وطبقات الفحول ١٣٩/١، والأغاني ٢٠٠/٢١. والبيت في ديوانه
بشرح الأعلم ص٣٥ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٧٣/٤، وذكره عنه وعن الأخفش أبو حيان في البحر ٥٠٨/٦.
(٤) في الأصل: ليسا، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٢٧/٦، والكلام منه.
(٥) ويكون المعنى على هذا: فاسأل عن الله الخبراءَ به. البحر ٥٠٨/٦ .

سُورَةُ القُرْقَانِ
٨٨
الآية : ٥٩
وجوِّز أن يكون الكلامُ من باب التجريد، نحو: رأيتُ به أسداً، أي: رأيتُ
برؤيته أسداً، فكأنه قيل هنا: فاسأل بسؤاله خبيراً، والمعنى: إن سألته وَجَدْتَه
خبيراً، والباءُ عليه ليست صلةً فإنها باءُ التجريد، وهي على ما ذهب إليه الزمخشريُّ
سبيةٌ، والخبيرُ عليه هو الله تعالى أيضاً.
وقد ذكر هذا الوجهَ السجاونديُّ واختاره صاحب ((الكشف))، قال: وهو
أوجهُ؛ ليكون كالتتميم لقوله تعالى: ((الذي خلق)) إلخ؛ فإنه لإثبات القدرة مدمجاً
فیه العلم.
وكونُ ضمير ((به)) راجعاً إلى ما ذُكر من الخلق والاستواء، والخبير في الآية
هو الله تعالى، مَرْويٌّ عن الكلبيِّ. ورُوي تفسيرُ الخبير به تعالى عن ابن جُريج
أيضاً.
وعن ابن عباس رضيّ: الخبيرُ هو جبريل عليه السلام.
وقيل: هو مَن وجد ذلك في الكتب القديمة المنزلة من عنده تعالى، أي:
فاسأل بما ذُكر من الخَلْقِ والاستواء مَن عَلِمَ به من أهل الكتب ليصدِّقك.
وقيل: إذا أريدَ بالخبير مَن ذكر فضمير ((به)) لـ ((الرحمن))، والمعنى: إنْ أنكروا
إطلاقَ الرحمن عليه تعالى فاسأل به مَن يخبرُك من أهل الكتاب؛ ليعرفوا مجيء
ما يرادفه في كتبهم. وفيه أنه لا يناسبُ ما قبله، ولأنَّ فيه عودَ الضمير للفظ
((الرحمن)) دون معناه، وهو خلافُ الظاهرِ، ولأنه كان الظاهرُ حينئذ أن يؤخَّر عن
قوله تعالى: ((ما الرحمن)).
وقيل: الخبير محمدٌ وَّر، وضميرُ (به)) لـ ((الرحمن))، والمراد: فاسأل بصفاته،
والخطابُ لغيره وَّر ممن لم يعلم ذلك. وليس بشيءٍ كما لا يخفى.
وقيل: ضمير (به)) لـ ((الرحمن)) والمراد: فاسأل برحمته وتفاصيلها عارفاً يخبرك
بها، أو المراد: فاسأل برحمته حالَ كونه عالماً بكلِّ شيءٍ، على أنَّ ((خبيراً)) حالٌ
من الهاء لا مفعولُ ((اسأل)» كما في الأوجُهِ السابقة.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون ((خبيراً)) حالاً من ((الرحمن)) إذا رُفع بـ ((استوى)).

الآية : ٦٠
٨٩
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقال: يَضْعفُ أن يكون حالاً من فاعل ((اسأل))؛ لأنَّ الخبير لا يُسأل إلا على جهة
التوكيد، مثل: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾(١) [البقرة: ٩١].
والوجهُ الأقربُ الأولى في الآية من بين الأوجُهِ المذكورة لا يَخْفَى. وقرئ:
٥(٢)
فَسَلْ(٢) .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوْ لِزَّعْمَنِ﴾ القائلُ رسولُ اللهِ وَّةِ، أو اللهُ عزَّ وجلَّ على
لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. ولا يخفى موقعُ هذا الاسم الشريفِ هنا.
وفيه - كما قال الخفاجيُّ - معنَى: ((أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجد))(٣).
﴿قَالُواْ﴾ على سبيل التَّجاهُلِ والوقاحة: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ كما قال فرعونُ: ﴿وَمَا رَبُّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] حين قال له موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[الشعراء: ١٦] وهو عالمٌ به عزَّ وجلَّ كما يُؤْذِنُ بذلك قولُ موسى عليه السلام له:
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
والسؤالُ يحتمل أن يكون عن المسمَّى، ووقع بـ ((ما)) دون ((مَن)) لأنه مجهولٌ
بزَعْمِهم، فهو كما يقال للشبح المرئيّ: ما هو؟ فإذا عُرِفَ أنه مِن ذوي العلم قيل:
مَن هو. ويحتمل أن يكون عن معنى الاسم، ووقوعُه بـ ((ما)) حينئذٍ ظاهرٌ.
وقيل: سألوا عن ذلك لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى كما يطلقون
الرحيم والرحوم والراحم عليه تعالى، أو لأنهم ظنُّوا أنَّ المراد به غيرُه عزَّ وجلَّ،
فقد شاع فيما بينهم تسميةُ مسيلمةَ برحمان اليمامة، فظُّوا أنه المراد بحَمْلِ التعريف
على العهد.
وقيل: لأنه كان عبرانياً، وأصلُه رخمان بالخاء المعجمة، فعرِّب ولم يسمعوه.
والأظهرُ عندي أنَّ ذلك عن تجاهُلٍ، وأنَّ السؤال عن المسمَّى، ولذا قالوا:
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ أي: للذي تأمرُنا بالسجود له من غير أن نعرفه، فـ ((ما)) موصولةٌ
(١) الإملاء ٤/ ١٠٣.
(٢) هي قراءة ابن كثير والكسائي وخلف. البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة ص٢٢٨.
(٣) حاشية الشهاب ٦/ ٤٣٤، والحديث أخرجه أحمد (٩٤٦١)، ومسلم (٤٨٢) من حديث
أبي هريرة څ.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٩٠
الآية : ٦١
والعائدُ محذوف، وأصلُ الجملة المشتملةِ عليه ما أشرنا إليه، ثم صار: تأمرنا
بسجوده، ثم: تأمرنا سجودَه كـ: أَمرتُكَ الخيرَ، ثم: تأمرناه بحذف المضاف، ثم:
تأمرُنا. واعتبارُ الحذف تدريجاً مذهبُ أبي الحسن. ومذهبُ سيبويهِ أنه حُذِفَ كلُّ
ذلك من غير تدريج(١).
ويحتمل أن تكون ((ما)) نكرةً موصوفةً، وأمرُ العائدِ على ما سمعتَ. ويجوز أن
تكون مصدريةً، واللامُ تعليليةٌ، والمسجودُ له محذوفٌ أو متروٌ، أي: أنسجُدُ له
لأَجْلِ أمرك إيَّانا، أو: أنسجدُ لأَجْلِ أمرِكَ إِيانا.
وقرأ ابن مسعود والأسود بن يزيد(٢) وحمزةُ والكسائيُّ: ((يأمرنا)» بالياء من
تحت(٣) على أنَّ الضمير للنبيِّ وَِّ، وهذا القولُ قولُ بعضهم لبعضٍ.
﴿وَزَادَهُمْ﴾ أي: الأمرُ بالسجود للرحمن، والإسناد مجازيٌّ. والجملةُ معطوفةٌ
على ((قالوا))، أي: قالوا ذلك وزادهم ﴿نُفُورًا ﴾﴾ عن الإيمان.
وفي ((اللُّباب)): أنَّ فاعل ((زادهم)) ضميرُ السجود؛ لِمَا رُوي أنه وَّرُ وأصحابَه ◌َ﴿ّه
سجدوا، فتباعَدوا عنهم مستهزئين(٤). وعليه فليست معطوفةً على جواب ((إذا))، بل
على مجموع الشرط والجواب، كما قيل في ((لا يستقدمون)) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ
أَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. والأولُ أَوْلَى وأظهر.
﴿فَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَآءِ بُرُوجًا﴾ الظاهرُ أنها البروجُ الاثنا عشر المعروفةُ،
وأخرج ذلك الخطيبُ في كتاب ((النجوم))(٥) عن ابن عباس ها، وهي في الأصل:
(١) نقله عن سيبويه العكبري في الإملاء ١٠٣/٤-١٠٤، والكلام منه، وابن هشام في المغني
ص٨٠٣. ونفى السمين في الدر ٤٩٤/٨ أن يكون هذا مذهبَ سيبويه. وأبو الحسن هو
الأخفش.
(٢) في الأصل و(م): زيد، والمثبت من البحر ٥٠٩/٦، والكلام منه، وهو الأسود بن يزيد بن
قيس النخعي.
(٣) البحر ٥٠٩/٦، والقراءة عن حمزة والكسائي في التيسير ص ١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢.
(٤) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل الحنبلي ٥٥٩/١٤ .
(٥) كما في الدر المنثور ٥/ ٧٥، والخطيب هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب
التصانيف.

الآية : ٦١
٩١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
القصورُ العاليةُ، وأطلقت عليها على طريق التشبيه؛ لكونها للكواكب كالمنازل
الرفيعة لساكنيها، ثم شاع فصار حقيقةً فيها. وعن الزجَّاج: أنَّ البُرْجَ كلُّ مرتفع(١).
فلا حاجةً إلى التشبيه أو النقل.
واشتقاقُه من التبرُّج بمعنى الظهور، والذي يقتضيه مشربُ أهل الحديث أنها في
السماء الدنيا، ولا مانعَ منه عقلاً، لا سيما إذا قلنا بعظم ثخنها بحيث يَسَعُ
الكواكبَ وما تقتضيه، على ما ذكره أهلُ الهيئة، وهي عندهم أقسامُ الفلكِ الأعظم
المسمَّى - على ما قيل - بالعرش، ولم يَرِدْ فيما أعلمُ إطلاقُ السماء عليه وإن كان
صحيحاً لغةً، سمِّيت بأسماء صورٍ من الثوابت في الفلك الثامن وقعت في محاذاتها
وقتَ اعتبار القسمة، وتلك الصُّورُ متحرِّكةٌ بالحركة البطيئة كسائر الثوابت، وقد
قارَبَ في هذه الأزمان أن تخرج كلُّ صورةٍ عما حاذَتْه أولاً، وابتداؤها عندهم من
نقطة الاعتدال الربيعيّ، وهي نقطةٌ معينةٌ من معدّل النهار لا تتحرَّكُ بحركة الفلك
الثامن ملاقية لنقطةٍ أخرى من منطقة البروج تتحرَّك بحركته، وإذا لم يتحرَّك مبدأ
البروج بتلك الحركة لم يتحرَّك ما عَدَاها.
وقد جَعَل الله تعالى ثلاثةً منها ربيعيةً، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء
وتسمَّى التوأمين أيضاً. وثلاثةً صيفيةً، وهي: السَّرطان، والأسد، والسنبلة وتسمَّى
العذراء أيضاً. وهذه الستةُ شماليةٌ. وثلاثةً خريفيةً، وهي: الميزان، والعقرب،
والقوسُ ويسمَّى الرامي أيضاً. وثلاثةً شتويةً، وهي: الجديُ، والدلوُ ويسمَّى الدالي
وساكبَ الماء أيضاً، والحوتُ وتسمَّى السمكتين. وهذه الستةُ جنوبيةٌ.
ولحلول الشمس في كلٍّ من الاثني عشر يختلفُ الزمانُ حرارةً وبرودةً، والليلُ
والنهارُ طولاً وقِصَراً، وبذلك يظهر بحكم جَرْي العادة في عالم الكون والفساد آثارٌ
جليلةٌ، من نضج الثمار وإدراك الزروع، ونحو ذلك مما لا يخفى، ولعل ذلك هو
وجهُ البركة في جَعْلِها .
وأمَّا ما يزعمه أهل الأحكام من الآثار إذا كان شيءٌ منها طالعاً وقتَ الولادة أو
شروع في عمل من الأعمال، أو وقتَ حلول الشمس نقطةَ الحمل الذي هو مبدأ
(١) معاني القرآن للزجاج ٧٣/٤.

سُوَّةُ القُرْقَانِ
٩٢
الآية : ٦١
السنة الشمسية في المشهور، فهو محضُ ظنِّ ورجم بالغيب، وسيأتي إن شاء الله
تعالى الكلامُ في ذلك مفصَّلاً .
ولهم في تقسيمها إلى مذكَّرٍ ومؤنَّثٍ(١)، وليليٍّ ونهاريٌّ، وحارٍّ وباردٌ، وسعدٍ
ونحسٍ، إلى غير ذلك، كلامٌ طويلٌ، ولعلنا نذكر شيئاً منه بعدُ إن شاء الله
تعالى(٢)، ومَن أراده مستوفّى فليرجع إلى كتبهم.
ثم الظاهرُ أنَّ البروج المجعولةَ مما لا دَخْلَ للاعتبار فيها، والمذكورُ في كلام
أهل الهيئة أنها حاصلةٌ من اعتبار فَرْضٍ ستِّ دوائرَ معلومةٍ قاطعةٍ للعالم، فيكون
للاعتبار دخلٌ فيها وإن لم تكن في ذلك كأنياب الأغوال لوجود مبدأ الانتزاع فيها،
فإن كان الأمرُ على هذا الطرز عند أهل الشرع بأن يعتبر تقسيمُ ما هي فيه إلى اثنتي
عشرةَ قطعةً وتسمَّى كلُّ قطعةٍ برجاً فالظاهرُ أنَّ المراد بجعله تعالى إياها جَعْلُ ما يتمُّ
به ذلك الاعتبارُ ويتحقَّق به أمرُ التفاؤُتِ والاختلاف بين تلك البروج، وفيه من
الخير الكثير ما فيه.
وقيل: إنَّ في الآية إيماءً إلى أنَّ اعتبار التقسيم كان عن وحي، والمشهورُ أنَّ
مَن اعتبر ذلك أولاً هرمس، وهو على ما قيل إدريس عليه السلام، فتأمَّل.
وأخرج عبد بن حميد(٣) عن قتادة: أنَّ البروج قصورٌ على أبواب السماء فيها
الحرس.
وقيل: هي القصورُ في الجنة، قال الأعمش: وكان أصحابُ عبد الله
يقرؤون: ((في السماء قصوراً)) (٤).
وتعقِّبَ بأنه يأباه السياقُ؛ لأنَّ الآية قد سيقتْ للتنبيه على ما يقوم به الحجة
على الكفرة الذين لا يسجدون للرحمن جلَّ شأنه، وبيانِ أنه المستحِقُّ للسجود ببيان
آثارٍ قدرته سبحانه وكماله ﴿ل، والظاهرُ أنْ يكون ذلك بذِكْرٍ أمورٍ مُدْرَكةٍ معلومةٍ
لهم، وتلك القصورُ ليست كذلك.
(١) جاء في هامش الأصل و(م): وزعم بعضهم أن أول الجدي وأول العقرب خنثى.
(٢) ينظر ما سيأتي عند تفسير الآيتين (٨٨-٨٩) من سورة الصافات.
(٣) كما في الدر المنثور ٥/ ٧٥.
(٤) المحرر الوجيز ٢١٧/٤، والبحر ٥١١/٦.

الآية : ٦١
٩٣
سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهدٍ: أنها النجوم. وروي ذلك عن قتادةً
أيضاً (١). وعن أبي صالح تقييدُها بالكبار(٢). وأُطلق عليها ذلك لعظمها وظهورِها،
لاسيما التي من أول المراتب الثلاثة للقَدْر الأول من الأقدار الستة.
وأنت تعلم أنه لم يُعهد إطلاقُ البروج على النجوم، فالأَوْلَى أن يراد بها المعنى
الأولُ المرويُّ عن ابن عباس، الذي هو أظهرُ من الشمس.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي: في السماء. وقيل: في البروجِ ﴿سِرَجًا﴾ هي الشمسُ،
كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦].
وقرأ عبد الله وعلقمةُ والأعمش والأخوان: ((سُرُجاً)) بالجمع مضموم الراء(٣).
وقرأ الأعمش أيضاً والنخعي وابن وثابٍ كذلك إلا أنهم سكَّنوا الراء(٤)، وهو على
ما قيل من قبيل: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠] لأنَّ الشمس لعظمها وكمالٍ
إضاءتها كأنها(٥) سُرُجٌ كثيرةٌ، أو الجمعُ باعتبار الأيام والمطالع، وقد جُمعت
لهذين الأمرين في قول الشاعر:
لَمعانُ بَرْقٍ أو شُعاعُ شُموسٍ (٦)
وعلى هذا القول تتَّحِدُ القراءتان.
وقال بعضُ الأجلَّةِ(٧): الجمعُ على ظاهره، والمرادُ به الشمسُ والكواكبُ
الكبارُ.
(١) تفسير الطبري ٤٨٣/١٧-٤٨٤ عن مجاهد وقتادة، وعزاه لابن المنذر عن مجاهد السيوطي
في الدر ٧٥/٥.
(٢) أخرجه الطبري ١٧/ ٤٨٣ .
(٣) التيسير ص١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢ عن حمزة والكسائي وخلف. والكلام من البحر ٦/ ٥١١.
(٤) البحر ٦/ ٥١١.
(٥) في (م): لأنها، وهو تحريف.
(٦) وصدره: حمي الحديد عليهم فكأنه، والبيت للأشتر النخعي كما في أمالي القالي ٨٥/١،
وأساس البلاغة (ومض)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٥١/١، ومعجم الشعراء
للمرزباني ص٢٦٣، واللسان (شمس) وجاء في بعض المصادر: وَمضَانُ برق ...
(٧) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٤٣٤/٦، وما بعده من حاشية الشهاب.

سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
٩٤
الآية : ٦١
ومنهم مَن فسَّره بالكواكب الكبار، واعتَرضَ على الأول بأنه يلزم تخصیصُ
القمر بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾﴾ بعد دخوله في السُّرُج،
والمناسبُ تخصيصُ الشمس لكمال مزيَّتها على ما سواها.
ورُدَّ بأنه بعد تسليم دخوله في السُّرج خصَّ بالذِّكر لأن سنيَّهم قمريةٌ ولذا يقدَّم
الليل على النهار، وتعتبر الليلةُ لليوم الذي بعدها، فهم أكثر عناية به، مع أنه على
ما ذكره يلزمُه تركُ ذِكْرِ الشمس وهي أحقُّ بالذِّكر من غيرها، والاعتذارُ عنه بأنها
لشهرتها كأنها مذكورةٌ ولذا لم تُنْظَمْ مع غيرها في قرنٍ لا يجدي.
والقمرُ معروف، ويُطْلَقُ عليه بعد الليلةِ الثالثةِ إلى آخِرِ الشهر، قيل: وسمِّي
بذلك لأنه يقمر ضوء الكواكب، وفي ((الصحاح)): لبياضه(١).
وفي وَصْفِه ما يُشْعِرُ بالاعتناء به. وعلى الفرق المشهور بين الضوء والنور(٢)
يكون وصفه بـ ((منيراً)) دون: مضيئاً إشارةٌ إلى أنَّ ما يشاهَدُ فيه مستفادٌ من غيره وهو
الشمسُ، بل قال غيرُ واحدٍ: إنَّ نورَ جميع الكواكب مستفادٌ منها وإنْ لم يَظْهرِ
اختلافُ تشكُّلاته بالقُرْبِ والبُعْدِ منها كما في نورِ القمر.
وقرأ الحسن والأعمش والنخعيُّ، وعصمةُ عن عاصم: ((وقُمْراً)) بضم القاف
وسكون الميم(٣)، واستظهر أبو حيان(٤) أنها لغةٌ في القمر كالرُّشْد والرُّشُد والعُرْب
والعُرُب.
وقيل: هو جمع قَمْراء، وهي الليلةُ المنيرةُ بالقمر، والكلام على حذفٍ
مضافٍ، أي: وذا قُمْرٍ، أي: صاحب ليالٍ قُمْرٍ، والمراد بهذا الصاحب القَمَرُ
نفسُه، ويكون قولُه سبحانه: ((منيراً)) صفةً لذلك المضاف المحذوف؛ لأن المحذوفَ
(١) الصحاح (قمر).
(٢) ينظر ما سلف في الفرق بين الضياء والنور ٤٦٦/١ -٤٦٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والبحر ٥١١/٦، وعنه نقل المصنف. وعصمة هو ابن عروة،
أبو نجيح الفقيمي البصري، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود،
وروى أيضاً حروفاً عن أبي بكر بن عياش والأعمش ومعرور بن موسى، سئل عنه أبو حاتم
فقال: مجهول. طبقات القراء ١/ ٥١٢.
(٤) في البحر ٦/ ٥١١.

الآية : ٦٢
٩٥
سُورَةُ الفُرْقَانِ
قد يُعتبر بعد حذْفِه کما في قول حسان رڅله :
بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ (١)
فإنه يريد: ماءَ بردى، ولذا قال: يُصفَّق بالياء من تحت، ولو لمْ يُراعِ المضافَ
لقال: تُصفَّق بالتاء.
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِفَةٌ﴾ أي: ذَوَيْ خِلْفةٍ يَخْلُفُ كلٌّ منهما الآخَرُ،
بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعْمَلَ فيه. وروي هذا عن ابن عباس والحسن
وسعيد بن جبير.
وقيل: بأن يعقبه ويجيء بعده.
وهو اسمٌ للحالةِ مِن خَلَفَ، كالرِّكْبةِ والجِلْسَة من رَكِبَ وجَلَسَ. ونَصْبُه على أنه
مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعل))، أو حالٌ إن كان بمعنى خَلَقَ.
وجَعَلَه بعضُهم بمعنى اختلافاً، والمراد: الاختلافُ في الزيادة والنقصان
كما قيل، أو في السواد والبياض كما روي عن مجاهد، أو فيما يعمُّ ذلك وغيرَه
كما هو محتملٌ.
وفي ((البحر))(٢): يقال: بفلانٍ خِلْفٌ واختلافٌ، إذا اختلف كثيراً إلى متبرَّزه،
ومن هذا المعنى قولُ زهير:
بها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفةً وأظْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كلِّ مَجْثَمٍ (٣)
وقولُ الآخَرِ يصفُ امرأةً تنتقلُ من منزلٍ في الشتاء إلى منزلٍ في الصيف دأباً :
أَكلَ النملُ الذي جَمَعا
ولها بالماطِرونِ إذا
سَكَنَتْ مِن جلَّقٍ بِيَعا
خِلْفةٌ حتى إذا ارْتبعَتْ(٤)
(١) ديوان حسان ص ١٨٠، والبحر ٦/ ٥١١، وصدره: يَسْقُون مَن وَرَدَ الْبَرِيصَ عليهمُ. والبريص
موضع بدمشق كما في القاموس (برص). وفي التاج: يقال: البريص اسم للغوطة بأجمعها .
(٢) ٦ / ٥١١.
(٣) ديوان زهير بن أبي سُلمى ص٥، والبحر ٥١١/٦، وقال ثعلب شارح الديوان: العِيْن:
البقر. والطَّلا: ولد البقرة وولد الظبية الصغير.
(٤) في الأصل و(م) والبحر: ارتفعت، والمثبت من المصادر على ما يأتي.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٩٦
الآية : ٦٢
حولها الزيتونُ قدِيَنَعا(١)
في بيوتٍ وَسْطَ دَسْكرةٍ
انتهى. وجوِّز عليه أن يكون المراد: يذهبُ كلٌّ منهما ويجيءُ كثيراً، واعتبارُ
المضافِ المقدَّرِ على حاله، وكذا فيما قبله.
وفي «القاموس)): الخِلْفُ والخِلْفةُ بالكسر: المُختَلِف(٢). وعليه لا حاجة إلى
تقدير المضاف، والمعنى: جَعَلَهما مختلفين، والإفرادُ لكونه مصدراً في الأصل.
﴿لَّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: ليكونا وقتين للمتذكِّر، مَن فاتَّهُ وِرْدُه من العبادة في
أحدهما تدارَكَه في الآخر. وروي هذا عن جماعةٍ من السلف، ورَوَى الطيالسيُّ
وابنُ أبي حاتم أنَّ عمر ◌َظَه أطال صلاة الضُّحى، فقيل له: صنعتَ شيئاً لم تكن
تَصْنَعُه؟ قال: إنه بقي عليَّ مِن وِرْدي شيءٌ فأحبَبْت أن أُتمَّه - أو قال:
أقضيه - وتلا هذه الآية(٣). وكأنَّ التذكُّر مجازٌ عن أداءِ ما فات، وهو مما يتوقَّفُ
الأداءُ عليه. وفي الكلام تقديرٌ كما أُشير(٤) إليه. ويجوزُ أن يكون تقديرَ معنًى
لا إعراب.
﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ أنْ يشكر الله تعالى بأداءِ نوع من العبادة لم يكن وِرْداً
له. وفي ((مجمع البيان)): المعنى: لمن أراد النافلةَ بعد أداء الفريضة(٥) .
(١) في الأصل و(م): نبعا، والمثبت من البحر والمصادر وهي: الكامل للمبرد ٤٩٨/٢،
والحيوان للجاحظ ١٠/٤، وتفسير الطبري ٤٨٧/١٧، والمحرر الوجيز ٢١٧/٤، ومعجم
البلدان ٤٢/٥، والخزانة الشاهد السادس والثلاثون بعد الخمس مئة. وجاء في بعض
المصادر: خُرفة، بدل: خلفة. قال البغدادي: الخُرفة بضم الخاء المُخْتَرَف والمُجْتَنَى،
وقيل: ما يُجتَنَى. اهـ. والماطرون موضع بالشام قرب دمشق كما ذكر ياقوت. وقال
أبو الحسن القفطي كما في الخزانة: هذه الأبيات ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان تغزل بها
في نصرانية قد ترهّبت في ديرٍ خرابٍ عند الماطرون، وهو بستان بظاهر دمشق يسمى اليوم
الميطور. اهـ. ونسبها الجاحظ لأبي دهبل. ونسبت أيضاً للأحوص كما نقل المبرد عن
أبي عبيدة.
(٢) القاموس (خلف).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧١٨/٨، وعزاه للطيالسي ابن كثير عند تفسير هذه الآية، والسيوطي
في الدر ٧٥/٥. وهو من طريق الحسن عن عمر، والحسن لم يسمع من عمر څه.
(٤) في الأصل: أشرنا.
(٥) مجمع البيان ١٩/ ١٢٥ .

الآية : ٦٣
٩٧
سُورَةُ الفُرْقَانِ
ويجوزُ أن يكون المعنى: لمن أراد أن يتذكَّر ويتفكّر في بدائع صُنْعِ الله تعالى،
فيعلم أنه لا بدَّ لِمَا ذُكِرَ من صانعٍ حكيم واجبِ الذات، ذي رحمةٍ على العباد، أو
أراد أن يشكر الله سبحانه على ماً فيهماً من النعم. وهو وجهٌ حَسَنٌ يكاد لا يُلتفتُ
لغيره لو لم يكن مأثوراً.
والظاهرُ أنَّ اللام على هذا صلةُ ((جَعَل))، ولمَّا كان ظهورُ فائدةِ ذلك لمن أراد
التذكُّر أو أراد الشكر اقتصر عليه، وجوِّز أن تكون للتعليل.
و ((أو)) للتنويع على معنى الاشتمال على هذين المعنيين، أو للتخيير على معنى
الاستقلال بكلِّ، ولا مَنْعَ من الاجتماع. وفائدةُ هذا الأسلوب إفادةُ الاستقلال،
ولو ذكر الواو بَدَلَها لتُوهِّم المعيّة.
ولعل في التعبير أوَّلاً بـ ((أنْ)) والفعلِ دون المصدر الصريحِ كما في الشقِّ
الثاني - مع أنه أَخْصَر - إيماءً إلى الاعتناءِ بأَمْرِ التذكُّرِ، فَتَذَكَّرْ.
وقرأ أبيّ بنُّ كعب: ((أن يتذكّر))(١) وهو أصلٌ لـ ((يذَّثَّر))، فأُبدِلَ التاءُ ذالاً
وأُدْغِم. وقرأ النخعيُّ وابنُ وثَّابٍ وزيد بنُ عليٍّ وطلحةُ وحمزةُ: ((أن يَذْكُرَ)) مضارع
ذَكَرَ الثلاثيّ(٢) بمعنی تَذَكَّر.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لبيان أوصافٍ خُلَّصِ عباد الله تعالى وأحوالهم
الدنيوية والأخروية، بعد بيانِ حالِ النافِرِينَ عن عبادته سبحانه والسجودِ له عزَّ
وجلَّ، وإضافتُهم إلى الرحمن دون غيرِه من أسمائه تعالى وضمائرِه عزَّ وجلَّ؛
لتخصيصهم برحمته، أو لتفضيلهم على مَن عَدَاهم لكونهم مرحومين مُنْعَماً عليهم،
كما يُفْهَمُ من فَحْوَى الإضافةِ إلى مشتقٌّ. وفي ذلك أيضاً تعريضٌ بمن قالوا:
وما الرحمن؟.
والأكثرون أنَّ عِباداً هنا جمعُ عَبْدٍ، وقال ابن بحر(٣): جمعُ عابدٍ، كصاحبٍ
وصِحابٍ، وراجلٍ ورجال، ويوافقُه قراءة اليماني: ((وعُبَّاد)) بضم العين وتشديدِ
(١) معاني القرآن للفراء ٢٧١/٢، والكشاف ٩٩/٣، والبحر ٥١٢/٦.
(٢) التيسير ص١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢ عن حمزة وخلف، والكلام من البحر ٦/ ٥١٢.
(٣) كما في البحر ٦/ ٥١٢.

سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
٩٨
الآية : ٦٣
الباء(١)، فإنه جمعُ عابدٍ بالإجماع، وهو على هذا من العبادة، وهي أن يفعل
ما يرضاه الربُّ، وعلى الأول من العبودية، وهي أن يَرْضَى ما يفعله الربُّ.
وقال الرَّاغب (٢): العبودية إظهارُ التذلَّلِ، والعبادةُ أبلغُ منها لأنَّها غايةُ التذلُّل.
وفرَّق بعضُهم بينهما بأنَّ العبادة: فِعْلُ المأمورات وتَرْكُ المَنْهِيَّات؛ رجاءَ
الثوابٍ والنجاة من العقاب بذلك. والعبودية: فِعْلُ المأمورات وتَرْكُ المنهيَّات،
لا لِمَا ذُكر بل لمجرَّد إحسان الله تعالى عليه.
قيل: وفوق ذلك العبودةُ، وهو فعلُ وتركُ ما ذكر لمجرَّد أمره سبحانه ونَهِْهِ عزَّ
وجلَّ، واستحقاقِه - سبحانه - الذاتيّ لأنْ يُعظّم ويطاع، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى:
(فَصَلّ لِرَبِّكَ).
وقرأ الحسن: ((وعُبُدُ)) بضمِّ العين والباء(٣)، وهو كما قال الأخفشُ: جمعُ
عَبْدٍ، كسَقْفٍ وسُفُف، وأنشد :
انسُبِ العبدَ إلى آبائه أسودَ الجلدةِ من قومٍ عُبُدْ(٤)
وهو على كلِّ حالٍ مبتدأ، وفي خبره قولان:
الأولُ: أنه ما في آخِرِ السورة الكريمة من الجملة المصدَّرة باسم الإشارة.
والثاني وهو الأقرب: أنه قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْئُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ .
والهونُ مصدرٌ بمعنى اللِّين والرفق. ونصبُهُ إمَّا على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ،
أي: مشياً هَوْناً، أو على أنه حالٌ من ضمير ((يمشون))، والمراد: يمشون هينين في
تُؤدةٍ وسكينةٍ ووقارٍ وحُسْنِ سَمْتٍ، لا يضربون بأقدامهم ولا يَخْفقون بنعالهم أَشَراً
وبَطَراً. ورُوي نحوُ هذا عن ابن عباس ومجاهدٍ وعكرمةَ والفضيل بنِ عياضٍ
وغیرِهم.
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٥ .
(٢) في مفرداته (عبد).
(٣) المحرر الوجيز ٢١٨/٤، والبحر ٦/ ٥١٢.
(٤) المحرر الوجيز ٢١٣/٢، والصحاح (عبد)، والكلام منه.

الآية : ٦٣
٩٩
سُورَّةُ القُرْقَانِ
وعن الإمام أبي عبد الله رَُّبه أنَّ الهَوْنَ: مَشْيُ الرجل بسجيّته التي جُبِلَ عليها،
لا يتكلَّفُ ولا يتبخْتَر (١).
وأخرج الآمديُّ في ((شرح ديوان الأعشى)) بسَنَدِه عن عمر ◌َظُه(٢)، أنه رأى
غلاماً يتبختَرُ في مشيته، فقال له: إنَّ البخترةَ مشيةٌ تُكْرَهُ إلَّا في سبيل الله تعالى،
وقد مَدَحَ الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ
مَوْنًا) فاقْصِدْ في مشيتك.
وقيل: المشيُّ الهونُ مقابل السريع، وهو مذمومٌ. فقد أخرج أبو نعيم في
((الحلية)) عن أبي هريرة، وابنُ النجار عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَاليوم
((سرعةُ المشي تُذْهِبُ بَهَاءَ المؤمن))(٣).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران: أنَّ ((هوناً)) بمعنى حُلَماءَ
بالسريانية(٤). فيكونُ حالاً لا غير. والظاهرُ أنه عربيٍّ بمعنى اللِّينِ والرِّفق.
وفسَّره الرَّاغب بتذلُّلِ الإنسان في نفسه لِمَا لا يُلْحِقُ به غضاضةً، وهو
الممدوحُ، ومنه الحديثُ: ((المؤمنُ هَيِّنٌ لِيِّنٌ))(٥).
والظاهرُ بقاءُ المشي على حقيقته، وأنَّ المراد مَدْحُهم بالسكينة والوَقارِ فيه من
(١) مجمع البيان ١٢٥/١٩.
(٢) كما في الدر المنثور ٧٦/٥، وعنه نقل المصنف.
(٣) الحلية ٢٩٠/١٠، وعزاه لابن النجار عن ابن عباس السيوطي في الدر ٧٦/٥، وعنه نقل
المصنف، وأخرجه ابن الجوزي في العلل (١١٧٧) من حديث ابن عمر، و(١١٧٨)
و(١١٧٩) من حديث أبي هريرة، ثم قال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَله.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٢٠/٨.
(٥) مفردات الرَّاغب (هان)، والحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٧)، ومن طريقه
البيهقي في الشعب (٨١٢٨) عن مكحول عن النبي ◌ّالر. ولفظه: ((المؤمنون هينون لينون
كالجمل الأنف ... ))، ثم أخرجه البيهقي (٨٢٢٩) بهذا اللفظ من حديث ابن عمر رة
وقال: الأول مع إرساله أصح.
وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الترمذي (٢٤٨٨) بلفظ: ((ألا أخبركم بمن يَحْرُمُ على
النار، أو بمن تَحْرُمُ عليه النار؟ على كل قريب هيِّنٍ سهل)). قال الترمذي: هذا حديث حسن
غريب.

ـرةُ الفُرْقَانِ
١٠٠
الآية : ٦٣
غير تعميم. نعم يلزمُ من كونهم يمشون كذلك أنهم هيِّنون ليِّنون في سائر أمورهم
بحكم العادة على ماقيل.
واختار ابنُ عطيةَ أنَّ المراد مَذْحُهم بعَدَم الخشونة والفظاظة في سائر أمورهم
وتصرُّفاتهم، والمراد أنهم يعيشون بين الناس هيِّنين في كلِّ أمورهم، وذُكِرَ المشيُ
لِمَا أنه انتقالٌ في الأرض، وهو يستدعي معاشرةَ الناس ومخالطتهم، واللينُ مطلوبٌ
فيها غاية الطلب.
ثم قال: وأمَّا أن يكون المرادُ مدحهم بالمشي وحده هوناً فباطلٌ، فکم ماشٍ
هوناً رويداً وهو ذئبٌ أطلسُ، وقد كان ◌َّهِ يتكفَّأ في مشيه كأنما يمشي في صَبَبٍ،
وهو عليه الصلاة والسلام الصدرُ في هذه الآية(١). وفيه بحثٌ من وجهين فلا تغفل.
وقرأ اليمانيُّ والسُّلَميُّ: ((يُمَشَّوْنَ)) مبنيًّا للمفعول مشدداً(٢).
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ أي: السفهاء وقليلو الأدب، كما في قوله:
فنَجْهَلَ فوق جَهْلِ الجاهِلينا(٣)
أَلَا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا
﴿قَالُواْ سَلَمًا ﴾﴾ بيانٌ لحالهم في المعاملة مع غيرهم إثرَ بيانِ حالِهم في
أنفسهم، أو بيانٌ لحُسْنِ معاملتهم وتحقيقٌ للينهم عند تحقَّقِ ما يقتضي خلافَ ذلك
إذا خُلِّي الإنسانُ وطَبْعَه، أي: إذا خاطبوهم بالسوء قالوا: تسلُّماً منكم ومُتارَكةً،
لا خيرَ بيننا وبينكم ولا شرَّ، فـ ((سلاماً)) مصدرٌ أقيم مقامَ التسليم، وهو مصدرٌ مؤكِّدٌ
لفعله المضمَرِ، والتقديرُ: نتسلَّم تسلُّماً منكم، والجملةُ مقولُ القول.
وإلى هذا ذهب سيبويه في ((الكتاب))، ومَنَعَ أن يراد السلامُ المعروفُ بأنَّ الآية
(١) بنحوه في المحرر الوجيز ٢١٨/٤. والأطلس: الذئب الأمعط الذي تساقط شعره، وهو
أخبثها. معجم متن اللغة (طلس).
وينظر في صفة مشي النبي ◌َّر حديث هند بن أبي هالة في الشمائل للترمذي (٧)، والمعجم
الكبير ١٥٥/٢٢-١٥٩، والشفا للقاضي عياض ٣٣٤/١. وقوله: صبب، أي: منحدر.
شرح الشفا للملا علي القاري ٣٥٧/١ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والبحر ٥١٢/٦، والكلام منه.
(٣) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم ص١١٧ بشرح ابن كيسان، وفي شرح القصائد السبع لابن
الأنباري ص٢٤٦، وشرح القصائد التسع للنحاس ٨٣٤/٢.