النص المفهرس
صفحات 61-80
الآية : ٤٥ ٦١ سُوَّةُ الفُرْقَانِ حقيقةً المشيئةُ والقدرةُ، ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، وهو مضمونُ الجزاء كما هو القاعدةُ المستمرَّة في أمثال هذا التركيب، أي: ولو شاء جَعْلَه ساكناً لجعَلَه ساكناً، أي: ثابتاً على حاله ظلَّا أبداً كما فعل عزَّ وجلَّ في ظلِّ الجنة، أو لجَعَله ثابتاً على حاله من الطول والامتدادِ، وذلك بأنْ لا يجعلَ سبحانه للشمس على نسخه سبيلاً بأن يُطْلِعِها ولا يَدَعَها تنسخُه، أو بأن لا يَدَعَها تغيِّره باختلافٍ أوضاعها بعد طلوعها . وقيل: بأنْ يجعلَها بعد الطلوع مقيمةً على وضعٍ واحدٍ، وليس بذاك. وإنما عبَّر عن ذلك بالسكون؛ قيل: لِمَا أنَّ مُقابِلَه الذي هو زوالُه لَمّا كان تدريجيًّا كان أشبه شيءٍ بالحركة. وقيل: لِمَا أنَّ مُقابِله الذي هو تغيُّر حالِهِ حَسبَ تغيُّرِ الأوضاع بين المُظلِّ(١) وبين الشمس يُرى رأيَ العين حركةً وانتقالاً. وأفاد الزمخشريُّ أنه قويِلَ مدُّ الظلِّ الذي هو انبساطُه وامتدادُه بقوله تعالى: (سَاكِنَا)(٢). والسكونُ إنما يقابِلُ الحركةَ، فيكونُ قد أُطلق مدُّ الظلِّ على الحركةِ مجازاً من باب تسمية الشيء باسم مُلابِسه أو سببه كما قرَّره الطيبيُّ، وذَكَر أنه عدَلَ عن حرَّك إلى («مد)» مع أنه أظهرُ من ((مَّ)) في تناوله الانبساطَ والامتدادَ؛ ليدمجَ فيه معنى الانتفاعِ المقصود بالذات، وهو معرفةُ أوقات الصَّلوات؛ فإن اعتبارَ الظلِّ فيها بالامتداد دون الانبساط، وتمَّم معنى الإدماج بقوله تعالى: (ثُمَّ قَبَضْتَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) أي: بالتدرُّجِ والمَهلِ لمعرفة الساعات والأوقاتِ، وفيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. اهـ. ولا يَبعدُ أن يقال: إنَّ التعبير بـ ((مَّ) لِمَا أنَّ الظلَّ المذكور ظلُّ الأفق الشرقيِّ، وقد اعتُبر المَشْرِقُ والمَغْرِبُ طرفي جهتي الأرضِ طولاً، والشمالُ والجنوبُ طرفي جهتيها عَرْضاً، أو لأنَّ ظهوره في الأرض، وطولُ المعمور منها الذي يسكنه مَن يشاهِدُ الظلَّ أكثرُ من عَرْضِ المعمور منها؛ إذ الأولُ كما هو المشهورُ نصفُ دورٍ، أعني مئةً وثمانين درجةً، والثاني دون ذلك على جميع الأقوال فيه، فيكون الظلُّ (١) في الأصل و(م): الظل، والمثبت من تفسير أبي السعود ٦/ ٢٢٢، والكلام منه. (٢) الكشاف ٩٤/٣. سُوَّةُ الفُرْقَانِ ٦٢ الآية : ٤٥ بالنظر إلى الرائين في المعمور من الأرض ممتدًّا ما بين جهتي شرقيِّه وغربيِّه أكثر مما بين جهتي شماليِّه وجنوبِّه. وربما يقال: إنَّ ذلك لِمَا أنَّ مبدأ الظلِّ الفجرُ الأول، وضوءُه يُرى مستطيلاً ممتدًّا كذَنَبِ السِّرْحَان (١)، ويُلتزم القول بأنه لا يذهب بالكلِّيّةِ وإن ضَعُفَ، بل يبقى حتى يمدَّه ضوءُ الفجر الثاني فيُرى منبسطاً، والله تعالى أعلم. وقولُه سبحانه: ﴿ثُرَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾﴾ عطفٌ على ((مدَّ)) داخلٌ في حُكْمِه، أي: ثم جَعَلْنا طلوعَ الشمس دليلاً على ظهورِه للحسِّ، فإنَّ الناظر إلى الجسم الملوَّنِ حالَ قيامِ الظلِّ عليه لا يظهرُ له شيءٌ سوى الجسمِ ولونه، ثم إذا طلعت الشمسُ ووقع ضوَءُها على الجسم ظَهَرَ له أنَّ الظلَّ كيفيةٌ زائدةٌ على الجسم ولونه : والضدُّ يُظْهِرُ حالَه الضِّدُّ(٢) قاله الرازي والطبريُ(٣) وغيرُهما . وقيل: أي: ثم جعلناها دليلاً على وجوده، أي: علَّةً له؛ لأنَّ وجوده بحركةٍ الشمس إلى الأفق وقربها منه عادةً، ولا يخفى ما فيه. أو: ثم جعلناها علامةً يُستدلُّ بأحوالها المتغيّرةِ على أحواله من غير أن يكون بينهما سبيةٌ وتأثيرٌ قطعاً حَسْبَما نطقَ به الشرطيةُ المعترِضة. ومن الغريب الذي لا ينبغي أن يخرَّج عليه كلامُ الله تعالى المجيد أنَّ ((على)) بمعنى ((مع))، أي: ثم جعلنا الشمسَ مع الظلِّ دليلاً على وحدانيتنا، على معنى: جَعَلْنا الظلَّ دليلاً وجَعَلْنا الشمسَ دليلاً على وحدانيتنا. (١) المراد بالسِّرحان هنا: الذئب، ويقال: الأسد. والفجر فجران، يقال للأول منهما: ذَنَب السِّرحان، وهو الفجر الكاذب، شبّه بذنب السِّرحان لأنه مستدقٌّ صاعد في غير اعتراض. والفجر الثاني هو الفجر الصادق، الذي يستطير وينتشر، وهو عمود الصبح. أدب الكاتب ص٩٠، والنهاية والتاج (سرح). (٢) وصدره: ضدَّان لما استجمعا حَسُنَا، كما في سرِّ الفصاحة لابن سنان الخفاجي ص ٦٤ ، وغرر الخصائص الواضحة ص٧، وفيها: حُسْنَه، بدل: حاله. (٣) تفسير الرازي ٨٨/٢٤، وتفسير الطبري ١٧/ ٤٦٣ . الآية : ٤٦ ٦٣ سُورَةُ الفُرْقَانِ والالتفاتُ إلى نونِ العَظَمة للإيذان بعظم قَدْرِ هذا الجَعْلِ؛ لِمَا يستتبعُه من المصالح التي لا تُحصى، أو لِمَا في الجَعْلِ المذكورِ العاري عن التأثير، مع ما يشاهَدُ بين الظلِّ والشمس من الدَّوران المطَّرِدِ المُنْبِئ عن السببية، من مزید الدلالة على عظم القدرة، ودقَّةِ الحكمة. و (ثم)) إما للتراخي الرُّنْبِيِّ، ويُعلَمُ وجهُه مما ذكر، وإما للتراخي الزمانيِّ كما هو حقيقةُ معناها بناءً على طول الزمان بين ابتداءِ الفجر وطلوعِ الشمس. وقولُه سبحانه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا ﴾﴾ عطفٌ على ((مَّ) داخلٌ في حكمه أيضاً، أي: ثم أَزَلْناه بعد ما أنشأناه ممتدًّا عند إيقاع شعاع الشمس موقعَه، أو بإيقاعه كذلك، ومَحَوْناه على مَهَلٍ قليلاً قليلاً حَسبَ سَيْرِ الشمس، وهذا ظاهرٌ على القول بأنَّ المراد بالظلِّ ظلُّ الشاخص من جبلٍ ونحوِه. وأمَّا على القول بأنَّ المراد به ما بين الظُّلوعَيْنِ، فلأنه إذا عمَّ لا يزولُ دفعةً واحدةً بطلوع الشمس في أفقٍ؛ لكرويةِ الأرض واختلافِ الآفاق، فقد تَطْلُعُ في أفقٍ ويزولُ ما عند أهله من الظلِّ وهي غيرُ طالعةٍ في أفقٍ آخَر وأهلُه في طرفٍ من ذلك الظلِّ، ومتى ارتفعت عن الأفق الأول حتى بانت من أفقهم زال ما عندهم من الظلِّ، فزوالُ الظلِّ بعد عمومه تدريجيٍّ. كذا قيل. وقيل: لا حاجةً إلى ذلك، فإنَّ زواله تدريجيّ نظراً إلى أفقٍ واحدٍ أيضاً، بناءً على أنه يبقى منه بعد طلوع الشمس ما لم يقع على موقعه شعاعُها لمانعِ جبلٍ ونحوِه، ويزولُ ذلك تدريجاً حَسبَ حركة الشمس ووقوعٍ شعاعها على ما لم يقع عليه ابتداءَ طلوعها . وكأنَّ التعبير عن تلك الإزالة بالقبض - وهو كما قال الطبرسيُّ: جَمْعُ الأجزاء المنبسطة(١) - لِمَا أنه قد عبّر عن الإحداث بالمدِّ. وقوله سبحانه: (إِلَيْنَا) للتنصيص على كون مَرْجِع الظلِّ إليه عزَّ وجلَّ لا يشاركه حقيقةً أحدٌ في إزالته كما أنَّ حدوثه منه سبحانه لا يشاركُه حقيقةً فيه (١) مجمع البيان ١٠٩/١٩. سُورَةُ الفُرْقَانِ ٦٤ الآية : ٤٧ أحدٌ، و((ثم)) يحتمل أن تكون للتَّراخي الزمانيّ، وأن تكون للتَّراخي الرُّتْبي نحو ما مرَّ. ومَن فسَّر ((الظلَّ) بما كان يومَ خَلَقَ اللهُ تعالى السماءَ كالقُبَّةِ ودَحًا الأرضَ من تحتها فألقت ظلَّها عليها، جَعَل معنى ((ثم جعلنا)) إلخ: ثم خلقنا الشمسَ وجعلناها مسلَّطةً على ذلك الظلِّ، وجعلناها دليلاً متبوعاً له كما يُتْبَعُ الدليلُ في الطريق، فهو يَزيدُ [بها](١) ويَنْقِصُ ويمتدُّ ويقلصُ، ثم قبضناه قبضاً سهلاً لا عُسْرَ فيه. ويحتمل أن يكون قَبْضُه عند قيام الساعة بقرينةِ ((إلينا)) وكذا ((يسيراً))، وذلك بقَبْضٍ أسبابه وهي الأجرامُ التي تُلقي الظلَّ، فيكونُ قد ذَكَر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذَكَر إنشاءه بإنشاء أسبابه، والتعبيرُ بالماضي لتحقُّقه ولمناسبةِ ما ذُكِرَ معه، و((ثم)) للتراخي الزمانيِّ، وفيه ما فيه كما أشرنا إليه. ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّْلَ لِبَاسًا﴾ بيانٌ لبعضٍ بدائع آثارٍ قدرته عزَّ وجلَّ، وروائعٍ أحكامٍ رحمتِّه ونعمتِهِ الفائضةِ على الخلق، وتلوينُ الخطاب لتوفية مقام الامتنان حقَّه،َ واللامُ متعلِّقةٌ بـ ((جَعَل))، وتقديمُها على مفعولَيه للاعتناء ببيانِ كونٍ ما بَعْدُ من منافعهم، وفي تعقيب بيانِ أحوال الظلِّ ببيانِ أحكام الليل الذي هو ظلُّ الأرض من لطفِ المسلك ما لا مزيدَ عليه. أي: وهو الذي جَعَل لنَفْعِكم الليلَ كاللُّباس يستُرُكم بظلامه كما يستركم اللباس جَعَلَ ﴿النَّوْمَ﴾ الذي يقع فيه غالباً بسبب استيلاء الأبخرة على القوى عادةً - وقيل: بشمِّ نسيم يهبُّ من تحت العرش، ولا يكاد يصحُّ - ﴿سُبَانًا﴾ راحةً للأبدان بقَطْعِ الأفاعيل الّتي تكون حالَة اليقظة. وأصلُ السَّبْتِ: القَطْعُ. وقيل: يومُ السبت؛ لِمَا جرت العادةُ من الاستراحة فيه على ما قيل، وقيل: لأنَّ الله تعالى لم يَخْلُق فيه شيئاً، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلَّة: مَسْبوت، وإلى هذا ذهب أبو مسلم (٢). (١) ما بين حاصرتين من الكشاف ٩٤/٣، وتفسير النيسابوري ١٧/١٩، وتفسير أبي السعود ٢٢٣/٦. (٢) كما في تفسير الرازي ٨٩/٢٤. الآية : ٤٨ ٦٥ سُوَرَّةُ الفُرْقَانِ وقال أبو حيان: السُّبَاتُ: ضربٌ من الإغماء يعتري اليقظانَ مرضاً، فشبِّه النومُ به، والسبتُ: الإقامةُ في المكان، فكان النومُ سكوناً ما (١). ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٧)﴾ أي: ذا نشورٍ، ينتشِرُ فيه الناسُ لطلب المعاش، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النََّرَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] وفي جَعْلِه نفسَ النشورِ مبالغةٌ. وقيل: نشوراً بمعنى ناشراً على الإسناد المجازيِّ. وجوِّز أن يراد بالسُّبات الموتُ؛ لِمَا فيه من قَطْع الإحساس أو الحياة، وعبَّر عن النوم به لِمَا بينهما من المُشابَهةِ التامَّةِ في انقطاع أحكام الحياة، وعليه قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَِّى لَّمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وبالنشور البعثُ، أي: وجَعَلَ النهار زمانَ بَعْثٍ من ذلك السُّبات(٢)، أو نفسَ البعث على سبيل المبالغة. وأبَى الزمخشريُّ الراحةَ في تفسير السُّبات، وقال: إنه يأباه النشور في مقابَلتِه إباءَ العَيُوفِ الوِرْدَ وهو مُرَنَّق(٣). وكأنَّ ذلك لأنَّ النشور في القرآن لا يكاد يوجَدُ بمعنى الانتشار والحركةِ لطلَبِ المعاش، وعلَّل في ((الكشف)) إباءَ الزمخشريِّ بذلك، وبأنَّ الآيات السابقةَ واللاحقةَ مع ما فيها من التذكير بالنعمة والقدرةِ أدمجَ فيها الدلالة على الإعادة، فكذلك ينبغي أن لا يفرّق بين هذه وبين أترابها . وكأنه جَعَلَ جَعْلَ الليلِ لباساً والنومِ فيه سباتاً بمجموعهِ مُقابِلَ جَعْلِ النهارِ نشوراً، ولهذا كرَّر ((جَعَلَ)) فيه لِمَا في النشور من معنَى الظهورِ والحركةِ الناصبة، أو معنَى الظهورِ والبعثِ، ولم يسلك في آية سورة النبأ هذا المسلكَ لِمَا لا يخفى. ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ﴾ وقرأ ابن كثير بالتوحيد (٤) على إرادة الجنس بـ ((أل)) أو الاستغراق، فهو في معنى الجمع موافقة لقراءة الجمهور. وقال ابن عطية: قراءةُ الجمع أَوْجَهُ، لأنَّ الريح متى وَرَدَتْ في القرآن مفردةً (١) البحر ٦/ ٥٠٤. (٢) في (م): الثبات، وهو تصحيف. (٣) الكشاف ٩٤/٣. والعَيُوف من الإبل: الذي يَشَمُّ الماءَ فيدعه وهو عطشان. ومرنَّق: مكدَّر، من رَّق الماء: كذَّره. القاموس (عیف) و(رنق). (٤) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢. سُورَةُ القُرْقَانِ ٦٦ الآية : ٤٨ فهي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة جاءت مجموعةً؛ لأنَّ ريح المطر تتشقَّبُ وتتذَّبُ (١) وتتفرَّقُ وتأتي لينةً من هاهنا وهاهنا، وشيئاً إثرَ شيءٍ، وريحُ العذاب تأتي جسداً واحداً لا تتذَّب، ألا ترى أنها تَحْطِمُ ما تَجِدُ وتَهْدِمُه(٢) . وقال الرمَّاني: جُمِعت رياحُ الرحمة لأنَّها ثلاثةٌ لواقحُ: الجنوب، والصبا، والشمال(٣)، وأُفرِدتْ ريحُ العذاب لأنها واحدةٌ لا تلقح وهي الدَّبور، وفي قوله وَلـ إذا هَبَّت الريحُ: ((اللهم اجْعَلْها رياحاً ولا تَجْعَلْها ريحاً)) (٤) إشارةٌ إلى ما ذُكر. وأنت تعلم أنَّ في كلام ابن عطية غفولاً عن التأويل الذي تتوافَقُ به القراءتان، وقد ذكر في ((البحر)) أنه لا يَسُوُ أن يقال في تلك القراءة: إنها أَوْجَهُ من القراءة الأخرى، مع أنَّ كلَّا منهما متواترٌ، و((أل)) في الريح للجنس فتعمُّ(٥). وما ذُكر في التفرقة بين المُفْرَدِ والمجموع أكثريٌّ، أو عند عدم القرينة، أو في المنكَّر كما جاء في الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الروم(٦) ما يتعلَّق بهذا المبحث. ﴿بُثْرًا﴾ تخفيفُ بُشُراً بضمتين جمع بَشُور بمعنى مبشِّر، أي: أَرْسلَ الرياح مبشِّرات. (١) تذأَبت الريح: جاءت في ضعف من هنا وهنا. (٢) المحرر الوجيز ٢١٣/٤. (٣) في الأصل و(م): والدبور، والمثبت من المحرر الوجيز ٢١٣/٤، والبحر ٥٠٥/٦، وعنه نقل المصنف، وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الروم. (٤) أخرجه أبو يعلى (٢٤٥٦)، والطبراني في الكبير (١١٥٣٣)، وابن عدي ٢/ ٧٦٣ من طريق الحسين بن قيس، عن عكرمة عن ابن عباس، عن النبي 9َّ، وحسين بن قيس ضعفه أبو زرعة وابن معين، وقال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال الدار قطني: متروك. الميزان ٥٤٦/١. وأخرجه الشافعي في الأم ١/ ٢٢٤ قال: أخبرني مَن لا أتهم قال: حدثنا العلاء بن راشد عن عكرمة، به. قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٢٩ : وهذا المبهم هو إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف. (٥) البحر ٦ / ٥٠٥. (٦) ٥١/٢١ . الآية : ٤٨ ٦٧ سُؤَدَّةُ القُرْقَانِ وقرئ: ((نُشْراً)) بالنون والتخفيف(١) جمع نَشُور، كرسول ورُسْل. و: «نُشُراً)» بضم النون والشين(٢)، وهو جمعٌ لذلك أيضاً، أي: أرسلها ناشراتٍ للسحاب، من النشْرِ بمعنى البَعْثِ؛ لأنها تَجْمعُه كأنها تُحْيِيه، لا من النَّشْرِ بمعنى التفريق لأنه غيرُ مناسبٍ، إلّا أن يُراد به السَّوقُ مجازاً. و (نَشْراً)) بفتح النون وسكون الشين(٣)، على أنه مصدرٌ وُصِفَ به مبالغة، وجوِّز أن يكون مفعولاً مطلقاً لـ ((أرْسَلَ))؛ لأنه بمعنى (نَشَرَ)). والكلُّ متواترٌ. وروي عن ابن السميفع أنه قرأ: ((بشرى)) بألف التأنيث (٤). ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٍ﴾ أي: قدَّامَ المطر، وقد استُعيرَتِ الرحمةُ له، ورُشِّحَتِ الاستعارةُ أحسنَ ترشيح، وجوِّز أن يكون في الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ، و((بُشْراً)) من ئمة الاستعارة داخلٌ في جملتها . والالتفاتُ إلى نون العظمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ لإبراز كمالٍ العناية بالإنزال(٥)؛ لأنه نتيجةُ ما ذُكِرَ من إرسال الرياح، أي: أنزلناه بعَظَمتنا بما رتَّبنا من إرسالِ الرياح من جهةِ العلوِّ التي ليست مظنةَ الماء، أو من السحاب، أو من الجرم المعلوم، وقد تقدَّم تفصيلُ الكلام في ذلك(٦). ﴿مَآءَ طَهُورًا ﴾﴾ الظاهرُ أنه نعتٌ لـ ((ماء))، وعليه قيل: معناه بليغُ الطهارة زائدُها، ووجَّه في ((البحر))(٧) المبالغةَ بأنها راجعةٌ إلى الكيفية باعتبارٍ أنه لم يَشُبْهُ شيءٌ آخَرُ مما في مقرِّه، أو ممرِّه، أو ما يُطْرَحُ فيه كمياه الأرض. (١) هي قراءة ابن عامر، والأولى وهي ((بُشْراً)) قراءة عاصم. التيسير ص١١٠، والنشر ٢٦٩/٢-٢٧٠. (٢) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. (٣) وهي قراءة الباقين: حمزة والكسائي وخلف. (٤) المحتسب ١٢٣/٢. (٥) في (م): لإنزال، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٤/٦، والكلام منه . (٦) ينظر ما سلف ٢٠/١-٢١. (٧) ٦ / ٥٠٥ . سُورَةُ القُرْقَانِ ٦٨ الآية : ٤٨ وفسّره ثعلب(١) بما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره. وتعقَّبه الزمخشريُّ بأنه إن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً، وإلّا فليس فَعولٌ من التفعيل في شيء(٢). وقال غيره: إنَّ أَخْذَ التطهير فيه يأباه لزومُ الطهارة، والمبالغةُ في اللازم لا تُوجِبُ التعدِّي. وأجاب صاحب ((الكشف)) بأنه لمَّا لم تكن الطهارةُ في نفسها قابلةً للزيادة رَجَعَتِ المبالغةُ فيها إلى انضمام معنى التطهيرِ إليها، لا أنَّ اللََّزمَ صار متعدِّياً. وتعقَّبه المولى الدَّوَاني بأنَّ فيه تأمُّلاً من حيث إنَّ انضمامَ معنى التطهير لمَّا كان مستفاداً من المبالغة بمعونة عدم قبول الزيادة كانت المبالغة في الجملة سبباً للتعدِّي. ثم قال: ويمكن التفصِّي بأنَّ المعنى اللازمَ باقٍ بحاله، والمبالغةُ أوجبت انضمامَ المتعدِّي إليه، لا تَعْدِيةَ ذلك اللازمِ، وبينهما فرقان. وذكر بعضُ الأجلَّة أنَّ إفادةَ المبالغةِ تَعَلُّقَ الفعلِ بالغير ممَّا لا يساعدُه لغةٌ ولا عُرْفٌ، وأين هذا التعلُّق في قول جريرٍ : عذابِ الثَّنايا رِيقُهِنَّ طَهُورُ(٣) إلى رُجَّح الأكفالِ غيدٍ من الظُّبا ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ومن هذا وأمثالِه اختار بعضُهم كونَ المبالغة راجعةً إلى الكيفية على ما سمعتَ عن ((البحر)). (١) كما في الكشاف ٩٥/٣، والبحر ٥٠٥/٦. (٢) الكشاف ٣/ ٩٥. (٣) عزاه لجرير بذكر عجزه فقط النووي في المجموع ١٣٠/١، والشهاب في الحاشية ٤٢٩/٦، وابن الهمام في فتح القدير ١/ ٦١، وهو بتمامه دون نسبة في أحكام القرآن لابن العربي ١٤٠٤/٣، وتفسير القرطبي ٤٢٣/١٥، والبحر ٥٠٥/٦، واللسان (رجح)، ورواية اللسان والأحكام: إلى رجح الأكفال هيف خصورها ... ، وذكره بهذه الرواية القالي في أماليه ١٨٣/١، ونقل عن ابن الأنباري نسبته لجميل بن معمر العذري، ثم قال: وليست هذه الأبيات في شعر جميل. قوله: رُجَّح، هو جمع رَجَاح وراجح، وهي ثقيلة العجيزة من النسوة، والأكفال جمع كَفَل وهو العجز، والظبي الأغيد: الذي مالت عنقه ولانت أعطافه. اللسان (رجح) و(كفل) و(غيد). الآية : ٤٩ ٦٩ سُورَةُ الفُرْقَانِ وقال بعض المحققين: إنَّ (طهوراً)) هنا اسمٌ لِمَا يُتَطَهَّر به، كما في قوله بَّهِ: ((الترابُ طَهورُ المؤمن))(١)، وفَعولٌ كما قال الأزهريُّ في كتاب ((الزاهر)): يكون اسمَ آلَةٍ لِمَا يُفْعَلُ به الشيء، كغَسول ووَضوء وفَطور وسَحور إلى غير ذلك، كما يكون صفةً بمعنى فاعل كأَكُول، أو مفعول كصَبوب بمعنى مَصْبوب، واسمَ جنسٍ كذَنوب، ومصدراً - وهو نادرٌ - كقَبول(٢)، فيفيد التطهير للغير وضعاً. ويمكن حَمْلُ ما رُوِي عن ثعلب على هذا، واعتبارُ كونِه طاهراً في نفسه لأنَّ كونه مطهّراً للغير فرعُ ذلك، وجُعِلَ على هذا بدلاً من ((ماء)) أو عطفَ بيانٍ له، لا نعتاً، فيكونُ التركيب نحوَ: أرسلتُ إليك ماءٌ وَضوءاً. وأنت تعلم أنَّ المتبادر فيما نحن فيه كونُه نعتاً، فإنْ أمْكَنَ ذلك على هذا الوجه بنوعٍ تأويلٍ كان أَبْعَدَ عن القيل والقال. وحَكَى سيبويه أنَّ ((طهوراً) جاء مصدراً لتَطهّر في قولهم: تطهَّرْتُ طَهوراً حَسَناً، وذَكَر أنَّ منه قولَه عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاةَ إلَّا بظهورٍ))(٣). وحَمْلُ ما في الآية على ذلك ممَّا لا ينبغي. وأيًّا ما كان ففي توصيف الماء به إعظامٌ للمِنَّة كما لا يخفى. ﴿لِّنُحْتِىَ بِهِ﴾ أي: بما أنزلنا من الماءِ الطهور ﴿بَلْدَةُ مَّيْنًا﴾ ليس فيها نباتٌ، وذلك بإنبات النبات به، والمرادُ بالبلدة الأرضُ كما في قوله: أُنيخت فأَلْقَتْ بلدةً فوق بلدةٍ قليلٍ بها الأصواتُ إلَّا بُغامها (٤) وجوِّز أن يراد بها معناها المعروفُ، وتنكيرُها للتنويع، وتذكيرُ صفتها لأنها (١) أخرجه أبو داود (٣٣٣)، والترمذي (١٠٤) وقال: حسن صحيح. ولفظه: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ... )) وينظر نصب الراية ١/ ١٤٨. (٢) الزاهر ص٩٦-٩٨، والذّنوب كما قال الأزهري: النصيب كقوله تعالى: ﴿ذَنُبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَيِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، أو الدلو الكبيرة. (٣) أخرجه أحمد (٤٧٠٠)، ومسلم (٢٢٤) من حديث ابن عمر قًا. (٤) البيت لذي الرمَّة، وهو في ديوانه ٢/ ١٠٠٤، واللسان (بلد)، وفيه: يقول بركت الناقة وألقت صدرها على الأرض، وأراد بالبلدة الأولى: ما يقع على الأرض من صدرها، وبالثانية: الفلاة التي أناخ ناقته بها، والبغام: صوت الناقة. وفي الأساس (بلد): وضعت الناقة بلدتها وهي صدرها: إذا بركت. سُورَةُ الفُرْقَانِ ٧٠ الآية : ٤٩ بمعنى البلد، أو لأنَّ ((ميتاً) من أمثلة المبالغة التي لا تُشْبِهُ المضارعَ في الحركات والسَّكَنات وهو يدلُّ على الثبوت، فأجري مجرى الجوامد. ولامُ ((لنحيي)) متعلِّقٌ بـ ((أنزلنا))، وتعلُّقه بـ ((طهوراً)) ليس بشيء. وقرأ عيسى وأبو جعفر: ((ميِّتاً)) بالتشديد(١). قال أبو حيان: ورجّح الجمهورُ التخفيفَ لأنه يماثل فَعْلاً من المصادر، فكما وُصِفَ المذكَّرُ والمؤنَّثُ بالمصدر فكذلك بما أشبهه، بخلاف المشدَّد فإنه يماثل فاعلاً من حيث قبولُه للتاء إلَّا فيما خَصَّ المؤنَّثَ نحو طامث(٢). ﴿وَنُفِيَهُ﴾ أي: ذلك الماءَ الطَّهورَ عند(٣) جريانه في الأودية، أو اجتماعِه في الحياض والمناقع والآبار ﴿مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ﴾﴾ أي: أهلَ البوادي الذين يعيشون بالحيا(٤)، ولذلك نكَّر الأنعامَ والأناسيَّ، فالتنكيرُ للتنويع. وتخصيصُ هذا النوع بالذكر لأنَّ أهل القرى والأمصارِ يقيمون بقُرْبِ الأنهار والمنابع، فبِهِم وبما لهم من الأنعام غنيةٌ عن سُقيا (٥) السماء، وسائرُ الحيوانات(٦) تبعدُ في طلب الماء فلا يُعْوِزُها الشُّرْبُ غالباً، ومَسَاقُ الآيات الكريمة كما هو للدلالة على عظم القدرة، كذلك هو لتعداد أنواع النعمة، فالأنعامُ حيث كانت قنيةٌ(٧) للإنسان وعامَّةُ منافعهم ومعايشهم منوطةٌ بها قدَّم سَقْيَها على سَقْيِهِم، كما قدَّم عليها إحياء الأرض فإنه سببٌ لحياتها وتَعيُّشِها، فالتقديمُ من قبيل تقديم الأسباب على المسيَّبات. وجوِّز أن يكون تقديم ما ذُكر على سَقْي الأناسيِّ لأنهم إذا ظفروا بما يكون (١) النشر ٢٢٤/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٥٠٥/٦. (٢) البحر ٦/ ٥٠٥ . (٣) في (م): وعند، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٤/٦، والكلام منه. (٤) الحيا بالقصر: المطر. حاشية الشهاب ٤٣٠/٦. (٥) في (م): سقي، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٣٠/٦، والسقيا بالضم بمعنى السقي، كما ذكر الشهاب. (٦) يعني بها ما عدا الأنعام. حاشية الشهاب ٦/ ٤٣٠. (٧) بكسر القاف وضمها: ما يقتنيه لنفسه. حاشية الشهاب ٦/ ٤٣٠. الآية : ٥٠ ٧١ سُورَةُ القُرْقَانِ سُقيا(١) أرضِهم ومواشيهم لم يعدموا سُقْياهم. وحاصلُه أنه من باب تقديم ما هو الأهمُّ والأصلُ في باب الامتنان، وذِكْرُ سقي الأناسيِّ على هذا إردافٌ وتتميمٌ للاستيعاب. و((من)) تبعيضيةٌ أو بيانية، و((كثيراً) صفة للمتعاطفَيْنِ لا على البدل. وقرأ عبد الله، وأبو حيوةَ، وابنُ أبي عبلةَ، والأعمشُ، وعاصمٌ وأبو عمرو في روايةٍ عنهما: ((ونَسقيه)) بفتح النون، ورُوِيَتْ عن عمر بن الخطاب ◌َُّه(٢)، وأَسْقَى وسَقَى لغتان. وقيل: أسقاه بمعنى جعل السُّقيا له وهيَّها. و ((أناسيَّ)) جمعُ إنسانٍ عند سيبويه(٣)، وأصلُه: أَنَاسِينَ، فقُلبت نونُه ياءً وأُدغمت فيما قبلها . وذهب الفرَّاءُ والمبرِّدُ والزجَّاجِ إلى أنه جمعُ إنسيٍّ (٤)، قال في ((البحر)): والقياسُ: أَنَاسِيَة، كما قالوا في مُهَلَّبِيٍّ: مَهَالِيَة(٥). وفي ((الدر المصون)) أنَّ فعاليَّ إنما يكون جمعاً لِمَا فيه ياء مشدّدةٌ إذا لم يكن للنَّسَب، ككُرسيّ وكراسيّ، وما فيه ياء النَّسَبِ يُجمع على أفاعلة كأزرقيّ وأَزَارقة، وكونُ ياء إنسي ليست للنسب بعيدٌ، فحقُّه أن يجمع على أنَاسية(٦)، وقال في ((التسهيل)): إنه أكثريٌّ، وعليه لا يَرِدُ ما ذكر(٧). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ﴾ الضميرُ للماء المنزل من السماء كالضميرين السابقين، وتصريفُه: تحويلُ أحوالِهِ وأوقاتِهِ، وإنزالُه على أنحاءَ مختلفة، أي: وبالله تعالى (١) في (م): سقي. (٢) القراءات الشاذة ص١٠٥، والبحر ٥٠٥/٦، وعنه نقل المصنف، والمشهور عن عاصم وأبي عمرو القراءةُ بضم النون كقراءة الجماعة. (٣) كما في البحر ٥٠٥/٦، والدر المصون ٤٨٨/٨، وحاشية الشهاب ٤٣٠/٦. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٦٩/٢، وللزجاج ٧١/٤، وذكره عن المبرد النحاس في إعراب القرآن ١٦٣/٣، وأبو حيان في البحر ٥٠٥/٦ وهذا أحد قولين للفراء والزجاج، والقول الثاني لهما موافق لما نقل عن سيبويه. (٥) البحر ٥٠٥/٦. (٦) الدر المصون ٤٨٩/٨، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦/ ٤٣٠. (٧) حاشية الشهاب ٦/ ٤٣٠، وينظر التسهيل لابن مالك ص٢٧٧ . سُورَةُ القُرْقَانِ ٧٢ الآية : ٥٠ لقد صرَّفنا المطر ﴿يَنْهُمْ﴾ أي: بين الناس في البلدان المختلفة، والأوقاتِ المتغايرة، والصفات المتفاوتة من وابلٍ وطَلِّ وغيرِهما. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: ليعتبروا بذلك ﴿فَأَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا ﴾ أي: لم يفعل إلَّا كُفْرانَ النعمة وإنكارَها رأساً، بإضافتها لغيره عزَّ وجلَّ بأن يقول: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا (١)، معتقداً أنَّ النجوم فاعلةٌ لذلك، ومؤثّرة بذَوَاتها فيه، وهذا الاعتقادُ والعياذُ بالله تعالى کفر . وفي ((الكشاف))(٢) وغيره: أنَّ مَن اعتَقَدَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ خالقُ الأمطار وقد نصبَ الأنواءَ دلائلَ وأَماراتٍ عليها، وأراد بقوله: مُطِرْنا بنوء كذا: مطرنا في وقت سقوط النجم الفلانيِّ في المغرب مع الفجر، لا يَكْفُر. وظاهرُه أنه لا يأثم أيضاً. وقال الإمام: مَن جَعَلَ الأفلاكَ والكواكبَ مستقلّةً باقتضاء هذه الأشياء فلا شكَّ في كفره، وأمَّا مَن قال: إنه سبحانه جَبَلَها على خواصَّ وصفاتٍ تقتضي هذه الحوادثَ فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حدِّ الكفر(٣). وسيأتي إن شاء الله تعالى منَّا في هذه المسألة كلامٌ(٤) أرجو من الله تعالى أن تستَحْسِنَهَ ذَوُو الأفهام، ويتقوَّى به كلامُ الإمام. ورجوعُ ضمير «أنزلناه» إلى الماء المُنْزَلِ مرويٌّ عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة؛ وأخرج جماعةٌ عن الأول وصحَّحه الحاكم أنه قال: ما من عام بأقلَّ مطراً من عام، ولكنَّ الله تعالى يصرِّفُه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية(٥). (١) معنى النوء: سقوط نجم في المغرب وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق، وسمِّي نوءاً لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع، وذلك النهوض هو النَّوء، وكل ناهض بثقل فقد ناء به. وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد. وكانوا إذا سقط نجم وطلع آخر فكان عنده مطر أو ريح أو بردٌ أو حرٌّ نسبوه إلى الساقط، إلى أن يسقط الذي بعده، فإن سقط ولم يكن مطر قيل: خوى وأخوى. أدب الكاتب ص٨٧، وحاشية الشهاب ٦/ ٤٣٠. وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٣٩) من سورة (يسّ)). (٢) ٣ /٩٦. (٣) تفسير الرازي ٢٤/ ٩٩. (٤) عند تفسير الآية (٣٩) من سورة (يس)). (٥) تفسير الطبري ٤٦٨/١٧، والمستدرك ٤٠٣/٢ . الآية : ٥١ - ٥٢ ٧٣ سُورَةُ الفُرْقَانِ وأخرج الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) عن الثاني مثلَه(١). ويُفْهَمُ من ذلك حَمْلُ التصريفِ على التقسيم. وقال بعضهم: هو راجعٌ إلى القول المفهوم من السياق، وهو ما ذُكر فيه إنشاءُ السحابِ وإنزالُ القَطْرِ، لِمَا ذكر من الغايات الجليلة، وتصريفُه: تکریرُه وذِكْرُه على وجوهٍ ولغاتٍ مختلفة، والمعنى: ولقد كرَّرْنا هذا القولَ وذَكَرْناه على أنحاءَ مختلفةٍ في القرآن وغيرِه من الكتب السماوية بين الناس من المتقدِّمين والمتأخِّرين؛ ليتفكّروا ويعرفوا بذلك كمالَ قدرته تعالى، وواسعَ رحمته عزَّ وجلَّ في ذلك، فأبى أكثرُهم ممَّن سَلَفَ وخَلَفَ إلَّا كفرانَ النعمة وقلَّةَ الاكتراثِ بها، أو إنكارَها رأساً بإضافتها لغيره تعالى شأنُه. واختار هذا القول الزمخشريُّ (٢)، وقال أبو السعود: هو الأظهر(٣). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاءِ الخراسانيّ أنه عائدٌ على القرآن، أَلَا ترى قولَه تعالى بعدُ: (وَحَهِدْهُم بِهِ)(٤). وحكاه في ((البحر)) عن ابن عباس أيضاً (٥)، والمشهورُ عنه ما تقدم، ولعل المراد ما ذُكر فيه من الأدلَّة على كمال قدرته تعالى وواسعٍ رحمته عزَّ وجلَّ أو نحو ذلك، فتأمَّلْ. وأمَّا ما قيل: إنه عائد على الريح، فليس بشيءٍ. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (﴾﴾ نبيًّا يُنْذِرُ أهلَها فتخفُّ عليك أعباءُ النبوَّةِ لكنْ لم نَشَأُ ذلك وقَصَرْنا الأمرَ عليك إجلالاً لك وتعظيماً . ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ﴾ فيما يريدونك عليه، وهو تهييجُ له ◌َّرِ وللمؤمنين. ﴿وَحَهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كما أخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر عن ابن (١) مكارم الأخلاق ص٨٧، وأخرجه أيضاً الطبري ١٧/ ٤٦٩ . (٢) في الكشاف ٩٦/٣. (٣) تفسير أبي السعود ٢٢٤/٦. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٠٧/٨، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٧٣/٥-٧٤. (٥) البحر ٦/ ٥٠٦. ٠ سُورَةُ القُرْقَانِ ٧٤ الآية : ٥٢ عباس ظًّا(١)، وذلك بتلاوةِ ما فيه من البراهين والقوارع والزَّواجرِ والمواعظ، وتذكيرِ أحوالِ الأمم المكذِّبة . ﴿جِهَادًا كَبِيرًا ﴾﴾ فإنَّ دعوةَ كلِّ العالَمين على الوجه المذكور جهادٌ كبيرٌ لا يقادرُ قَدْرُه كمّا وكيفاً. وترتيبُ ما ذُكر على ما قبله حَسْبَما تقتضيه الفاءُ باعتبارِ أنَّ قَصْرَ الرسالة عليه عليه الصلاة والسلام نعمةٌ جليلةٌ ينبغي شكرُها، وما ذُكر نوعٌ من الشكر، فكأنه قيل: بعثناك نذيراً لجميع القرى، وفضَّلناك وعّمناك، ولم نبعث في كلِّ قريةٍ نذيراً، فقابِلْ ذلك بالثبات والاجتهادِ في الدعوة وإظهارِ الحقِّ. وفي ((الكشف)) لبيان النَّظْم الكريم: أنه لمَّا ذَكَرَ ما يدلُّ على حِرْصِهِ نَِّ على طَلَبٍ هُدَاهُم، وتمارُضهم في ذلك في قوله سبحانه: ﴿أَرَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الآية: ٤٣] وذَّب بدلائل القدرة والنعمة والرحمة دلالةٌ على أنَّهم لا ينفعُ فيهم الاحتشادُ، وأنهم يَغْمِطون مثلَ هذه النعم، ويَغْفَلون عن عظمةِ مُؤْجِدِها سبحانه، وجُعِلوا كالأنعام وأضلَّ، وخَتَم بأنه ليس لهم مرادٌ إلَّا كفورَ نعمته تعالى، قيل: ((ولو شئنا)) على معنى: إنَّا عَّمناك بهذا الأمر لتستقلَّ بأعبائه، وتَحُوزَ ما ادُّخِرَ لك من جنس جزائه، فعليك بالمجاهَدةِ والمصابَرةِ، ولا عليك من تلقِّيهم الدعوةَ بالإباء والمُشَاجَرَةِ. وبُولغ فيه فُجُعِلَ حرصُهُ وَّ على إيمان هؤلاء المطبوع على قلوبهم طاعةً لهم وقيل: فلا تُطِعْهم. ومَدَارُ السورة على ما ذكره الطيبيُّ على كونه وَ لّ مبعوثاً على الناس كافةً، ينذرُهم مابين أيديهم وما خَلْفَهم، ولهذا جعل براعةَ استهلالها: (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ اُلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا). والآيةُ على ما سمعتَ متعلِّقةٌ بقوله تعالى: (أَرَبَيْتَ) إلى آخر الآيات، وفيها من التنويه بشأنه عليه الصلاة والسلام ما فيها، وليست مسوقةً للتأذيب كما وُهم. وقيل: هي متعلِّقةٌ بما عندها، على معنى: ولو شئنا لقسمنا النذير بينهم، كما قسمنا المطر بينهم، ولكنَّا نفعل ما هو الأنفع لهم في دينهم ودنياهم، فبعثناك (١) تفسير الطبري ١٧ / ٤٥٠ . الآية : ٥٣ ٧٥ سُورَةُ الفُرْقَانِ إليهم كافةً، فلا تُطِع .. إلخ. وفيه من الدلالة على قصور النظر ما فيه. هذا وجوِّز أن يكون ضمير ((به)) عائداً على تَرْكِ طاعتهم المفهوم من النهي، ولعل الباء حينئذٍ للمُلابسةِ، والمعنى: وجاهِدْهُم بما ذُكر من أحكام القرآن الكريم مُلابِساً تَرْكَ طاعتهم، كأنه قيل: وجاهدهم بالشدَّة والعنف لا بالملاءمةِ والمُداراة، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وإلَّا وَرَد عليه أنَّ مجرَّد تَرْكِ الطاعة يتحقَّق بلا دعوةٍ أصلاً، وليس فيه شائبةُ الجهاد فضلاً عن الجهاد الكبير. وجوِّز أيضاً أن يكون لِمَا دلَّ عليه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَعَثْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾ [الآية: ٥١] من كونه رَّ نذيرَ كافَّةِ القرى؛ لأنه لو بعث في كلِّ قريةٍ نذيراً لوجب على كلِّ نذيرٍ مجاهدةُ قريته، فاجتمعت على رسول الله وَّ تلك المجاهداتُ كلُّها، فكبر من أجل ذلك جهادُه وعظم، فقيل له عليه الصلاة والسلام: وجاهدهم بسبب كونك نذيرَ كافَّةِ القرى جهاداً كبيراً جامعاً لكلِّ مجاهَدَةٍ. وتعقِّب بأنَّ بيانَ سببٍ كبر المجاهدة بحَسَبِ الكمية ليس فيه مزيدُ فائدةٍ، فإنه بَيِّنٌ بنفسه، وإنَّما اللائقُ بالمقام بيانُ سبب كبرها وعظمها في الكيفية. وجوَّز أبو حيان أن يكون الضميرُ للسيف(١). وأنت تعلم أنَّ السورة مكيةٌ ولم يُشْرَعْ في مكةَ الجهادُ بالسيف، ومع هذا لا يخفى ما فيه. ويُستَدَلُّ بالآية على الوجه المأثور على عظم جهاد العلماء لأعداء الدين بما يُورِدون عليهم من الأدلّة، وأوفرُهم حظًا المجاهدون بالقرآن منهم. ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: أرسلهما في مجاريهما كما يرسل الخيل في المرج، كما روي عن ابن عباس ﴿يا، ويقال في هذا: أَمْرَجَ أيضاً على ما قيل، إلَّا أنَّ ((مَرَجَ)) لغةُ الحجاز، وأَمْرَجَ لغةُ نجدٍ. وأصلُ المَرْجِ كما قال الرَّاغب: الخَلْطُ، ويقال: مَرَجَ أمرُهم، أي: اخْتَلَطَ (٢). وسمِّي المرعى مَرْجاً لاختلاط النبات فيه. والمراد بـ ((البحرين)) الماءُ الكثيرُ العَذْبُ (١) البحر ٦ /٥٠٦. (٢) مفردات الرَّاغب (مرج). سُورَةُ الفُرْقَانِ ٧٦ الآية : ٥٣ والماءُ الكثير الملح من غير تخصيص ببحرين معيَّنين. وهذا رجوعٌ إلى ما تقدَّم من ذكر الأدلَّة. وقولُه تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ قُرَاتٌ﴾ إلخ، أي: شديدُ العذوبة، ووزنه فُعال من فَرَتَه وهو مقلوبٌ من رَفَتَهُ: إذا كَسَره؛ لأنه يَكسر سَوْرةَ العطش ويَقْمَعُها. وقيل: هو البارد كما في ((مجمع البيان))(١) = إما استئنافٌ، أو حالٌ بتقديرِ القول، أي: يقال فيهما: هذا عذب فرات ﴿وَهَذَا مِلْتُ أُجَاجٌ﴾ . وقيل: هي حالٌ من غير تقديرِ قولٍ، على معنى: مَرَجَ البحرين مختلفين : عذوبة شديدة، وملوحة كذلك، واسمُ الإشارةِ يُغني غناءَ الضمير. والأجاج: شديدُ الملوحة، كما أشرنا إليه، أُطلق عليه لأنَّ شُرْبَه يزيد أَجِیجَ العطش. وقال الرَّاغب: هو شديدُ الملوحة والحرارة من أجيج النار(٢). انتهى. وقيل: هو المرُّ، وحكاه الطبرسيُّ عن قتادة(٣). وقيل: الحارُّ، فهو يقابل الفراتَ عند مَن فسَّره بالبارد. وقرأ طلحةُ بن مصرِّفٍ وقتيبةُ عن الكسائيِّ: ((مَلِحٌ)) بفَتْح الميم وكَسْرِ اللام هنا(٤) وكذا في ((فاطر))، قال أبو حاتم(٥): وهذا منكَرٌ في القراءة. وقال أبو الفتح(٦): أراد مالحاً فخفَّفَ بحذف الألف، كما قيل: بَرِدَ في بارد في قوله: أصبحَ قلبي صَرِدًا لا يَشْتَهي أن يَرِدًا إلَّا عَرَاداً عَرِدَا وصِلِّياناً بَرِدا (١) ١١٦/١٩. (٢) مفردات الرَّاغب (أجج). (٣) مجمع البيان ١١٦/١٩، وحكى الطبرسي أيضاً القول الذي سيرد بعده. (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والمحتسب ١٢٥/٢، والبحر ٥٠٧/٦، وعنه نقل المصنف. (٥) كما في المحتسب ١٢٥/٢، والبحر ٦/ ٥٠٧ . (٦) هو ابن جني، وكلامه في المحتسب ١٢٥/٢ . الآية : ٥٣ ٧٧ سُورَةُ الفُرْقَانِ وعنكئاً مُلْتَبِدا(١) وقيل: مخفَّفُ مَليح؛ لأنه وَرَدَ بمعنى مالح. وقال أبو الفضل الرازي في كتاب «اللوامح)»: هي لغةٌ شاذَّةٌ قليلة(٢). فليس مخفَّفاً من شيءٍ، نعم هو كـ ((مِلْح)) في قراءة الجمهور بمعنى مالح، والأفصحُ أن يقال في وصف الماء: ماءٌ مِلْحٌ، دون: ماء مالح، وإن كان صحيحاً كما نقل الأزهريُّ ذلك عن الكسائيّ(٣)، وقد اعترف أيضاً بصحّته ثعلب (٤). وقال الخفاجيُّ: الصحيحُ أنه مسموعٌ من العرب كما أَثْبتَه أهلُ اللغة، وأنشدوا لإثباته شواهدَ كثيرةٌ(٥). وعليه فمن خطَّأ الإمامَ أبا حنيفة رُه بقوله: ماء مالح، فقد أخطأ جاهلاً بقَدْرِ هذا الإمام. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرًَّّا﴾ أي: حاجزاً، وهو لفظٌّ عربيٍّ، وقيل: أصلُه: بَرْزَه، فعرِّب. والمرادُ بهذا الحاجز كما أخرج عبد بن حميد وابن جريرٍ وابن أبي حاتم عن الحسن: ما يحولُ بينهما من الأرض(٦). كالأرض الحائلة بين دجلة - ويقال لها بحرٌ لعِظَمها، ولشُيوعٍ إطلاق البحر على النهر العظيم صار حقيقةً فيه أيضاً، فلا إشكال في التثنية، وَإنْ أبَيْتَ صيرورته حقيقةً فاعتبارُ التغليب يَرْفعُ الإشكال - وبين البحر الكبير. (١) إصلاح المنطق ص٤٣٦، والمستقصى ١/ ١٤٠، ومجمع الأمثال ٣١٦/١، ووقع في الأصل و(م): وعكناً، بدل: وعنكثاً، والمثبت من المصادر. قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص٥٩٣: هذا من منهوك الرجز، والصَّرِد الذي يجد البرد. والعراد: ضرب من النبت. والعَرِد: الكثير الذي قد طال. والعنكث: ضرب من النبت أيضاً. والملتبد: الذي قد وقع بعضه على بعض. اهـ. والصِّلِّيان بكسرتين مشددة اللام: نبت واحدته بهاء. القاموس (صلل). (٢) البحر ٦/ ٥٠٧. (٣) كذا ذكر، وهو في تهذيب اللغة ٩٩/٥ منقول عن أبي الدقيش وليس عن الكسائي، وقال الأزهري إثره: هذا وإن وجد في كلام العرب قليلاً، فهي لغة لا تنكر. (٤) كما في المحتسب ١٢٦/٢ . (٥) حاشية الشهاب ٦/ ٤٣١. (٦) تفسير الطبري ٤٧٤/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٧٠٨/٨، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٧٤/٥. سُؤَدَّةُ القُرْقَانِ ٧٨ الآية : ٥٣ والمرادُ حيلولتُها في مجاريها، وإلا فهي تنتهي إلى البحر، وكذا سائرُ الأنهار العظام، ودلالةُ هذا الجَعْلِ على كمال قدرته عزَّ وجلَّ كونُه على خلاف مقتضَى الطبيعة، فإنَّ مقتضَى طبيعةِ الماء أن يكون مُتَضامَّ الأجزاء مجتمعاً غامِراً للأرض محيطاً بها من جميع جهاتها إحَاطَةً الهواء به، ومقتضى طبيعة الأرض أن تكون متضامَّةَ الأجزاء أيضاً لا غورَ فيها ولا نجد، مغمورةً بالماء واقعةً في جوفه كمركز الدائرة كما قرَّر ذلك الفلاسفةُ، وذكروا في سبب انكشاف ما انكشف من الأرض ووقوعٍ الأغوار والأنجاد فيها ما لا يخلو عن قيل وقال. و (بينهما)) ظرفٌ لـ ((جعل))، ويجوز أن يكون حالاً من ((برزخاً)). والظاهرُ أنَّ تنوين ((برزخاً)) للتعظيم، أي: وجَعَلَ بينهما برزخاً عظيماً، حيث إنه على كثرة مرور الدهور لا يتخلَّلُه ماءُ أحدِ البحرين حتى يَصِلَ إلى الآخر فيغيِّر طعمه. ﴿وَحِجْرً تَحْجُورًا ﴾﴾ أي: وتنافُراً مُفْرِطاً، كأنَّ كلَّا منهما يتعوَّذُ من الآخر بتلك المقالة، والمرادُ لزومُ كلٍّ منهما لصفته من العذوبة والملوحة، فلا ينقلبُ البحر العذبُ ملحاً في مكانه، ولا البحرُ المِلْحُ عذباً في مكانه، وذلك من كمال قدرته تعالى وبالغ حكمته عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ العذوبةَ والملوحة ليستا بسبب طبيعة الأرض، ولا بسببٍ طبيعة الماء، وإلا لكان الكلُّ عذباً أو الكلُّ ملحاً. وذُكر في حكمة جَعْلِ البحر الكبير ملحاً أنْ لا ينتنَ بطول المكث وتقادُمِ الدهور، قيل: وهو السرُّ في جَعْلِ دمع العين ملحاً، وفيه حِكَمٌ أخرى اللهُ تعالى أعلمُ بها . والظاهرُ إِنَّ ((حجراً)) عطفٌ على ((برزخاً))، أي: وجعل بينهما هذه الكلمة، والمراد بذلك ما سمعتَ آنفاً، وهو من أبلغ الكلام وأعْذَبِهِ. وقيل: هو منصوبٌ بقولٍ مقدَّرٍ، أي: ويقولان حجراً محجوراً. وعن الحسن: أنَّ المراد من الحِجْرِ ماحَجَر بينهما من الأرض، وتقدَّم تفسيرُه البرزَخَ بنحو ذلك. وكأنَّ الجمع بينهما حينئذٍ لزيادة المبالغة في أمر الحاجز، وما قدَّمنا أولى وأبعدُ مغزّى. وقيل: المراد بالبرزخ حاجزٌ من قدرته عزَّ وجلَّ غيرُ مرئيٍّ، وبقوله سبحانه: الآية : ٥٣ ٧٩ سُوَدَّةُ القُرْقَانِ (وَحِجْرًا تَحْجُورًا) التميُّز التامُّ وعَدَمُ الاختلاط، وأصلُه كلامٌ يقولُه المستعيذُ لِمَا يخافُّه كما تقدَّم تفصيلُه، وحاصل معنى الآية: أنه تعالى هو الذي جَعَل البحرين مختلطين في مرأى العين ومنفصلين في التحقيق بقدرته عزَّ وجلَّ أكملَ انفصالٍ، بحيث لا يختلط العذبُ بالمِلْحِ ولا الملحُ بالعذبِ، ولا يتغيَّر طَعْمُ كلٌّ منهما بالآخر أصلاً . وحُكي هذا عن الأكثرين، وفيه أنه خلافُ المحسوسِ؛ فإنَّ الأنهار العظيمةَ كدِجْلَةَ وما ينضمُ إليها والنيل وغيرهما ممَّا يشاهده الناس إذا اتَّصلت في البحر تغيَّر طعمُ غيرٍ قليلٍ منها في جهة المتَّصل، وكذا يتغيَّر طعمُ غيرِ قليلٍ من البحر في جهة المثَّصل أيضاً، ويختلف التغيُّر قلَّةً وكَثْرةً باختلاف الورود؛ لاختلافِ أسبابه من الهواء وغيره قوةً وضعفاً كما أخبر به مبلغ التواتر(١)، ولم يُخْبِرْ أحدٌ أنه شاهَد في الأرض بحرين أحدُهما عذبٌ والآخَرُ مِلْحٌ وقد اتصل أحدهما بالآخر من غير تغيُّرِ الطعم شيءٍ منهما أصلاً. ولا مساغَ عند مَن له أدنى ذوقٍ لجَعْلِ الآية في بحرين في الأرض كذلك لكنهما لم يشاهدهما أحد كما لا يخفى. ولا أرى وجهاً لتفسير الآية بما ذُكر، والتزام هذا ونحوِه من التكلّفات الباردة مع ظهورِ الوجه الذي لا كدورةً فيه عند المُنْصِفِ، إلا تسبُّبَ طَعْنِ الكَفَرةِ في القرآن العظيم، وسوء الظنِّ بالمسلمین . وقيل: المراد بالبرزخ الواسطةُ، أي: وجَعَلَ بين البحر العَذْبِ الشديدِ العُذوبةِ والبحر المِلْحِ الشديدِ المُلوحةِ ماءً متوسطاً ليس بالشديد العذوبة ولا بالشديد الملوحة، وهَو قطعةٌ من العَذْبِ الفرات عند موضع التلاقي. مازَجَها شيءٌ من الملح الأُجاج فكَسَر سَوْرةَ عُذوبَتِها، وقطعةٌ من الملح الأجاج عند موضع التلاقي أيضاً مازَجَها شيءٌ من العَذْبِ الفرات فكسر سَوْرةَ ملوحتها، ويكون التنافُر البليغُ بينهما المفهومُ من قوله سبحانه: (وَحِجْرًا تَّحْجُورًا) فيما عدا ذلك، وهو ما لم يتأثَّر بصاحبه منهما، بل يبقى على صفته من العذوبة الشديدة والملوحة الشديدة. وهو كما ترى. (١) في الأصل: المتواتر. سُوَّةُ القُرْقَانِ ٨٠ الآية : ٥٤ وحَكَى في ((البحر)) أنَّ المراد بالبحرين بحران معيَّنان هما بحرُ الروم وبحر فارس(١)، وذكره في ((الدر المنثور)) عن الحسن بروايةٍ ابن أبي حاتم(٢). وهو من العَجَبِ العُجابِ؛ لأنَّ كِلَا هذين البحرين مِلْحٌ أجاجٌ، فكيف يصحُّ إرادتُهما هنا مع قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ .. وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]؟ نعم قد يصحُّ فيما سيأتي إن شاء الله تعالى من آية سورة الرحمن، أعني قوله سبحانه: ﴿مَرَجَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَّانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٠] لعدم ذِكْرِ ما يمنعه هناك، ١٩ الْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ وما روي عن الحسن إنْ صحَّ فلعله في تلك الآية، ووهم السيوطيُّ في روايته في الكلام على هذه الآية(٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أنَّ البحرين هما بحرُ السماء وبحرُ الأرض(٤). وذكر مثله في ((البحر)) عن ابن عباس، وأنهما يلتقيان كلَّ عام(٥). وهذا شيءٌ أنا لا أقولُ به في الآية، ولا أعتقدُ صحةَ روايته عمَّن سمعتَ، وإن كان مناسبةُ الآيةِ عليه - لِمَا تقدم من قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا) على القول بأنَّ المطر من بحرٍ في السماء - أتَّ، ودلالتُها على كمال قدرته تعالى أظهرَ، وأمَّا أنت فبالخيار، والله تعالى ولي التوفيق. ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا﴾ هو الماءُ الذي خمَّر به طينةً آدم عليه السلام، وجَعَلَه جزءاً من مادة البشر، لتجتمع وتَسْلَسَ(٦) وتستعدّ لقبول الأشكال والهيئات، فالمرادُ بالماء: الماءُ المعروفُ، وتعريفُه للجنس، والمرادُ بالبشر: آدمُ عليه (١) البحر ٥٠٦/٦. (٢) الخبر عن الحسن في تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٠٨/٨، ولم يذكره السيوطي في الدر عند تفسير هذه الآية، وذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. والذي ذكره السيوطي في الدر ٥/ ٧٤ عند تفسير هذه الآية من سورة الفرقان عن الحسن برواية ابن أبي حاتم هو قوله: ((مرج البحرين)) قال: بحر في السماء وبحر في الأرض. وينظر ما سيأتي. (٣) بل ذكره السيوطي عند تفسير آية سورة الرحمن، وأخرجه ابن أبي حاتم عند تفسير هذه الآية کما ذكرنا . (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٠٨/٨. (٥) البحر ٦/ ٥٠٦. (٦) أي: تلين. حاشية الشهاب ٦/ ٤٣٢.