النص المفهرس

صفحات 1-20

بُوَ الفَعَانى
ء
في
تَفِي القُرآن ◌َعَظِيْ والسُّنْع المثَانِى
تأليفٌ
شِهَابُ الّذِينْ أبِيُّ الثَّنَاءِ
مَجْمُودِبْن عَبْدَ اللَّه الألوسيْ البُغْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَ هَذَا الجزء
مَاهِرْجَ بُوش
سَاهُمْ في تحقيق
أُعْمَكُهُ اليَّ الجرّميُ
الحملة التاسع عشر
مؤسسة الرسالة

◌ُويُ المَعَانِى
في
تَفِ القُرآ العَظِيْ والِسُنْ المَثَاني
(١٩)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلّاشِرُ
الطَّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطّبَاعَة وَالنَّشْرِ وَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الفُرْقَانِ
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ إلخ شروعٌ في حكايةِ بعضٍ آخَرَ من أقاويلهم
الباطلةِ وبيان بطلانها إثر حكايةِ إبطالٍ أباطيلهم السابقةِ وذكر ما يتعلق بذلك.
والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ إلى آخره [الفرقان: ٧]،
ووُضِعَ الموصولُ موضعَ الضمير للتنبيه بما في حيِّز الصلة على أنَّ ما يُحكى عنهم
في الشناعة بحيث لا يَصْدُر عمَّن يرجو لقاء الله عزَّ وجلَّ.
والرجاءُ في المشهور: الأمل، وقد فسَّر أحدَهما بالآخرِ أكثرُ اللغويِّين، وفي
((فروق)) أبي هلال(١): الأملُ: رجاءٌ يستمرُّ، ولذا قيل للنظر في الشيء إذا استمرَّ
وطال: تأمُّل.
وقيل: الأمل يكون في الممكن والمستحيل، والرجاءُ يَخُصُّ الممكن.
وفي ((المصباح)): الأملُ ضدُّ اليأس، وأكثرُ ما يُستَعْمَلُ فيما يَبْعُدُ حصولُه،
والطمعُ يكون فيما قَرُبَ حصولُه، والرجاء بين الأمل والطمع؛ فإنَّ الراجيَ يخاف
أن لا يَحصُلَ مأمولُه، ولذا استُعمل بمعنى الطمع (٢). انتهى.
وفسَّرِه أبو عبيدة(٣) وقومٌ بالخوف. وقال الفرَّاءُ: هذه الكلمةُ تهاميَّةٌ، وهي
(١) في الأصل و(م) وحاشية الشهاب ٤١٥/٦ (والكلام منه): ابن هلال، والصواب ما أثبتناه،
وأبو هلال هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران اللغوي العسكري،
كما في معجم الأدباء ٢٥٨/٨، والكلام في كتابه: الفروق في اللغة ص ٤٣٣.
(٢) المصباح المنير (أمل)، وفيه :... فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله، ولهذا
يُستعمل بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمال الأمل، وإلا استُعمل بمعنى
الطمع. وينظر حاشية الشهاب ٤١٥/٦.
(٣) في مجاز القرآن ٢/ ٧٣.

الآية : ٢١
٦
سُورَةُ الفُرْقَانِ
أيضاً من لغة هذيل، إذا كان مع الرجاء جَحْدٌ ذهبوا به إلى معنى الخوف، فيقولون:
فلانٌ لا يرجو ربَّه سبحانه، يريدون: لا يخاف ربَّه سبحانه، ومن ذلك: ﴿مَّا لَكُمْ لَا
تَرَّجُونَ لِلَّهِ وَقَارَا﴾ [نوح: ١٣] أي: لا تخافون لله تعالى عظمةً. وإذا قالوا: فلانٌ يرجو
ربَّه فهذا على معنى الرجاءِ لا على معنى الخوف، وقال الشاعر:
إذا لَسَعْه النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها
وخالَفَها في بيتٍ نوبٍ عَوَاسِلٍ(١)
وقال آخر:
لا يرتجي حين يلاقي الذَّائدا
أسبعةً لاقَتْ له أو واحدا(٢).
انتھی .
وذُكر أنَّ استعمال الرجاء في معنى الخوف مجازٌ؛ لأنَّ الراجي لأمرٍ يخافُ
فواته.
وأصلُ اللقاء: مُقَابَةُ الشيء ومصادفتُه، وهو مرادُ مَن قال: الوصولُ إلى الشيء
لا المماسَّةُ، ويُطْلقُ على الرؤية لأنها وصولٌ إلى المرئيِّ، ولقاؤه تعالى هنا كنايةٌ
عن لقاء جزائه يومَ القيامة، أو المراد ذلك بتقديرِ مضافٍ، والمعنى على التفسير
المشهور للرجاء: وقال الذين لا يَأْمَلون لقاءَ جزائِنا بالخير والثوابِ على الطاعة
لتكذيبهم بالبعث، وعلى التفسير الآخر: وقال الذين لا يخافون لقاءَ جزائنا بالشرِّ
والعقاب على المعصية لتكذيبهم بالبعث، کذا قيل.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٨٦/١، و٢٦٥/٢، والبحر ٤٩١/٦، وعنه نقل المصنف، والبيت
لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٤٣/١، ومجاز القرآن ٧٣/٢، والخزانة
٤٩١/٥. وجاء في معاني القرآن والبحر ومجاز القرآن والخزانة: عوامل، بدل: عواسل،
قال البغدادي ٤٩٩/٥: يقول: إذا لسعت النحل هذا المشتار لم يخف لسعها، ولازمها
في بيتها حتى قضى وطره من معسّلها. وقوله: وخالفها، يريد: جاء إلى عسلها من ورائها
لما سرحت في المراعي. ويروى: وحالفها، أي: صار حليفها في بيتها. والنوب:
النحل، سميت بذلك لسوادها، أو لأنها تختلف وتجيء وتذهب، أي: تنتاب المراعي ثم
تعود. وعوامل، أي: تعمل العسل.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٨٦/١ و٢٦٥/٢، والبحر ٤٩١/٦، وتفسير الطبري ٤٥٦/٧،
والأضداد لابن الأنباري ص١١، وتهذيب اللغة ١٨٢/١١، وأساس البلاغة (رجو)، واللسان
(رجا)، وروايته في جميع المصادر: لا ترتجي حين تلاقي ... لاقت معاً أم واحداً.

الآية : ٢١
٧
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقيل: المراد به رؤيتُه تعالى في الآخرة، والرجاءُ عليه بمعنى الأمل دون
الخوف، إذ لا معنى لكونِ الرؤيةِ مَخوفةً. وهو خلافُ الظاهر وإنْ لم يَأْبَهُ ما بَعْدُ؛
إذ يكون المعنى عليه: إنَّ الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة التي هي مَظِنَّهُ الرؤية
لكثيرٍ من الناس اقترحوا رؤيتنا في الدنيا التي ليست مَظِنَّةً لذلك.
وقد يقال: نَفْيُ رجاءٍ لقائه تعالى كنايةٌ عن إنكار البعث والحشرِ، ولعله أَوْلى
مما تقدَّم، أي: وقال الذين ينكرون البعثَ والحشر: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ﴾
أي: هلَّا أُنْزِلوا علينا فيخبرونا بصِدْقٍ محمد نَّهِ ﴿أَوْ نَى رَبَّنَا﴾ فيخبرَنا بذلك،
كما روي عن ابن ◌ُرَيْجٍ وغيرِهِ.
وفي طلبٍ إنزالِ ملائكةٍ للتصديق دون إنزالِ مَلَكِ إشارةٌ إلى أنهم بلغوا في
التكذيب مَبْلَغاً لا ينفعُ معه تصديقُ ملكٍ واحدٍ، وإذا اعتُبِرتْ ((أل)) في الملائكة
للاستغراق الحقيقيِّ، كانت الإشارةُ إلى قوةٍ تكذيبهم أقوى، وتزدادُ القوةُ إذا اعتُبِرَ
في ((علينا)) معنى: كلّ واحدٍ منَّا، ولم يُعتَبَرْ توزيعٌ.
ويشيرُ أيضاً إلى قوَّةِ ذلك تعبيرُهم بالمضارع الدالِّ على الاستمرار التجدُّديِّ في
((أو نرى ربنا))، كأنهم لم يَكْتَفُوا برؤيته تعالى وإخبارِه سبحانه بِصِدْقِ رسولِهِ وَّ
حتى يَرَوْه سبحانه ويخبرهم مراراً بذلك. ولا يأبَى قَصْدَ الاستمرارِ من المضارع
كونُ الأصلِ في ((لولا)) التي للتحضيض أو العَرْضِ أن تدخُلَ على المضارع، وما لم
يكن مضارعاً يؤوَّلُ به. ولعل عُدُولَهم إلى الماضي في جانب إنزال الملائكة
المعطوف عليه - وإن كان في تأويل المضارع - على نحو ما قدَّمنا في تفسير قوله
تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الآية: ٧] فتذكَّر فما في العَهْدِ من قِدَمٍ.
وقيل: المعنى: لولا أنزل علينا الملائكةُ فيبلِّغون أَمْرَ اللهِ تعالى ونَهْيَه بَدَلَ
محمدٍ وَّ، أو نرى ربَّنا فُيُخْبِرَنا بذلك من غير توسيط(١) أحدٍ.
ورجّح الأولُ بأنَّ السياق لتكذيبه وََّ، وحاشاه ثم حاشاه من الكذب، والتعنُّتُ
في طلبٍ مصدِّقٍ له عليه الصلاة والسلام، لا لطَلَبٍ مَن يُفيدُهم الأمرَ والنهيَ
سواه وَّجُ، ولا نسلِّم أنَّ((لولا أُنزِلَ علينا الملائكةُ)) يتكرَّر عليه مع ((لولا أُنزل إليه
(١) في الأصل: توسط.

◌َرَةُ القُرْقَانِ
٨
الآية : ٢١
مَلكٌ)) السابقِ؛ لظهورِ الفَرقِ بين المطلوبَيْنِ فيهما، ولو فُرِضَ لزومُ التكرارِ
بینهما فهو لا يَضُرُّ كما لا يخفى.
وانتُصِرَ للأخير بأنَّ المقام ليس إلَّا لذِكْرِ المكذِّبين وحكايةِ أباطيلهم الناشئةِ عن
تكذيبهم، وقد عَدَّ فيما سبق بعضاً منها متضمّناً تعثُّتهم في طلبٍ مصدِّقٍ له وَلِِّ،
فالأَوْلَى أن يكون ما هنا حكايةَ نوعٍ آخَرَ منها؛ ليكونَ أَبْعدَ عن التكرارِ، وأدلَّ على
العنادِ والاستكبار.
ولعل قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُثُوًّا كَبِيرًا ﴾﴾ أنسبُ
بما ذُكر، ومعنى ((استكبروا في أنفسهم)): أوقَعوا الاستكبارَ في شأنها، وعدُّوها
كبيرةَ الشأن، وفيه تنزيلُ الفعلِ المتعدِّي مَنْزِلةَ اللازم، كما في قوله :
يجرحٍ في عراقيبها نَصْلي(١)
والعتوُّ: تَجاوزُ الحدِّ في الظلم، وهو المصدرُ الشائعُ لـ: عَتَا. واللامُ واقعةٌ
في جواب القسم، أي: واللهِ لقد استكبروا في شأن أنفُسِهِم، وتَجاوَزوا الحدَّ في
الظلم والطغيان تجاوزاً كبيراً بالغاً أقصى غايتهِ، حيث كذَّبوا الرسول عليه الصلاة
والسلام، ولم يَنْقادوا لبشرٍ مِثْلِهِم يُؤْحَى إليه في أمرهم ونَهْيِهم، ولم يكترثوا
بمعجزاته القاهرةِ وآياته الباهرةِ، فطلبوا ما لا يكاد تَرْنو إليه أحداقُ الأمم، ورامُوا
ما لا يَحْظَى به إلَّا بعضُ أولي العزم من الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم.
وقد فسِّر ((استكبروا في أنفسهم)) بـ: أضْمَروا الاستكبارَ - وهو الكفرُ والعنادُ - في
قلوبهم، وهو أَظْهَرُ مما تقدَّم، وما تقدَّم أبلغُ وأَوْفَقُ لما انتصر له.
وكذا فسِّر العتوُّ بالنُبِّ عن الطاعة، وما تقدَّم أبلغُ وأوفقُ بذلك أيضاً.
وفي تعقيب حكايةٍ باطلٍ أولئك الكَفَرَةِ بالجملة القَسَميةِ إيذانٌ بغايةِ تُبْحِ ما هم
عليه، وإشعارٌ بالتعجّبٍ من استكبارهم وعتوِّهم، وهو من الفَحْوى في الحقيقة،
وَمِثْلُ ذلك شائعٌ في الكلام؛ تقول لمن جَنَى جنايةً: فعلتَ كذا وكذا، استعظاماً
(١) قطعة من بيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، وسلف ١٦١/١٠، وتمامه:
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها على الضيف يَجْرِحْ في عراقيبها نَصْلي

الآية : ٢١
٩
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وتعجُّباً منه، ويُستَعْمَلُ في سائر الألسنة، وجَعَلَ الزمخشريّ من ذلك قولَ مهلهلٍ:
كُلَیباً غَلَتْ نابٌ كُلِيبٌ بَوَاؤُها(١)
وجارةُ جسَّاسٍ أَبَأْنا بِنَابِها
والطيبيُّ قولَه تعالى(٢): ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ﴾ [الكهف: ٥]. وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك ليس
من هذا القبيل؛ لأنَّ الثلاثيَّ المحوَّلَ إلى فَعُل لَفْظاً أو تقديراً موضوعٌ للتعُّبِ
كما صرَّح به النُّحاة(٣).
وذكر الإمامُ مختاراً القولَ الأولَ في تفسير (لولا أنزل)) إلخ، أنَّ هذه الجملةَ
جوابٌ لقولهم: ((لولا أُنزل)) إلخ من عدَّة أوجُهٍ :
أحدها: أنَّ القرآن لمَّا ظهر كونُهُ مُعْجِزاً فقد ثبتَتْ نبوَّتُهُ وَِّ، فبعد ذلك لا يكونُ
اقتراحُ هذه الآيات إلَّا مَحْضَ استکبارٍ .
وثانيها: أنَّ نزولَ الملائكةِ عليهم السلام لو حصل لكان أيضاً من جملة
المعجزات، ولا يدلُّ على الصدق لخصوص كونه نزولَ الملك، بل لعموم كونه
مُعْجِزاً، فيكون قبولُ ذلك وردُّ الآخرِ ترجيحاً لأحد الِمِثْلَيْنِ من غيرِ مرجعٍ.
وثالثها: أنهم بتقدير رؤية الربِّ سبحانه وتصديقه لرسوله وَّ ه لا يستفيدون علماً
أَزْيَدَ من تصديق المُعْجِز؛ إذ لا فَرْقَ بين أن يقول النبيُّ: اللهمَّ إن كنتُ صادقاً
فَأَخْي هذا الميتَ، فيُحْييه عزَّ وجلَّ، وبين أن يقول: إن كنتُ صادقاً فصدِّقني،
فيصدِّقه، فتعيينُ أحدِ الطريقين محضُ العناد.
ورابعها: أنَّ العبد ليس له أن يعترض على مولاه؛ إمَّا بحكم المالكية عند
الاشعريِّ، أو بحكم المصلحة عند المعتزليِّ.
(١) الكشاف ٨٨/٣، والبحر ٤٩٢/٦، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤١٦/٦، ولم
ينسب في هذه المصادر، وأخذ المصنف نسبته من الشهاب، وقال الشهاب: جساس: لقب
مرة بن ذهل الشيباني، وجارته هي البسوس بنت منقذ التميمية، وهي خالة جساس.
والناب: الناقة المُسِنَّة. وأبات القاتل بالقتيل: إذا قتلته به قصاصاً، من البواء وهو
التساوي. وقوله: غلت، أي: ما أغلاها إذ قتل فيها كليب، فهو محل الاستشهاد.
(٢) أي: وجعل الطيبي من ذلك قولَه تعالى ....
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٥) من سورة الكهف.

سُورَةُ الفُرْقَان
١٠
الآية : ٢٢
وخامسها: أنَّ السائل المُلِحَّ المعانِدَ الذي لا يرضى بما يُنْعَمُ عليه مذمومٌ،
وإظهارُ المعجز من جملة الأيادي الجسيمة، فردُّ إحداهما واقتراحُ الأخرى ليس من
الأدب في شيء.
وسادسها: لعل المراد: أنِّي لو علمتُ أنهم ليسوا مستكبرين وعاتينَ لأعطيتهم
مطلوبَهم، لكنِّ علمتُ أنهم إنما سألوا لأجْلِ الْمكابَرةِ والعناد، فلا جَرَمَ
لا أعطيهم.
وسابعها: لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أنَّ الله تعالى لا يُرَى في الدنيا، وأنه
لا يُنْزِلُ الملائكةَ عليهم السلام على عوامٌّ الخَلْقِ، ثم إنهم عَلَّقوا إيمانهم على
ذلك، فهم مستكبرون ساخرون(١) . انتهى، وفيه ما لا يخلو عن بحث.
واستدلَّتِ الأشاعرةُ بقوله تعالى: (لَا يَرَجُونَ لِقَاءَ) على أنَّ رؤيةَ الله تعالى
ممكنةٌ. واستدلَّت المعتزلةُ بقوله سبحانه: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ) (وَعَتَوْ) على أنها ممتنعةٌ،
ولا يَخْفَى ضَعْفُ الاستدلالين.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان ما يَلْقَوْنه عند مشاهدةِ الملائكة عليهم
السلام بعد استعظام طلبهم إنزالَهم عليهم، وبيانٍ كونه في غاية الشناعة.
وإنما قيل: ((يومَ يرون)) دون أن يقال: يومَ تنزلُ الملائكة، إيذاناً من أول الأمر بأنَّ
رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما طلبوه، بل على وجهٍ آخرَ لم يمرَّ
بیالهم.
و((يومَ)) منصوبٌ على الظرفية بما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ
لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فإنه في معنى: لا يبَشَرُ يومئذٍ المجرمون، والعدولُ إلى نفي الجنس
للمبالغة في نفي البشرى، فكأنه قيل: لا يبشَّرون يومَ يَرَونَ الملائكةَ. وقدَّر
بعضهم: يُمنعون البشرى، أو يفقدونها. والأولُ أبعدُ من احتمال توقُّم تهوين
الخَطْبِ(٢).
(١) تفسير الرازي ٢٤ / ٦٨-٦٩ بنحوه.
(٢) لأن منع البشرى وفقدانها مشعران بأن هناك بشرى يمنعونها أو يفقدونها، وأين هذا من نفيها
بالكلية؟ تفسير أبي السعود ٢١١/٦.

الآية : ٢٢
١١
سُوَّةُ الفُرْقَانِ
وقدَّر بعضُهم: لا بشرى، قبل ((يوم))، وجَعَلَه ظرفاً لذلك. وجَوَّز أبو البقاء تعلُّقَه
بـ ((يعذَّبون)) مقدَّراً؛ لِدلالة ((لا بشرى)) إلخ عليه، وكونَه معمولاً لـ ((اذكُر)) مقدَّراً (١)،
قال أبو حيان: وهو أقرب(٢).
وقال صاحب ((الفرائد)): يمكن أن يكون منصوباً بـ ((يُنْزِل)) مضمَراً؛
لقولهم: ((لولا أُنزل علينا الملائكة))، كأنه قيل: ينزل الملائكة يومَ يرونهم،
ولا يقال: كيف يكون وقتُ الرؤيةِ وقتاً للإنزال؟ لأنَّا نقول: الظرفُ يحتمل ذلك
لسعته. واستحسنه الطيبيُّ فقال: هو قولٌ لا مزيدَ عليه؛ لأنه إذا انْتَصَبَ بـ ((ينزل))
يلتئم الكلامان؛ لأنَّ قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ) إلخ نشرٌ لقوله تعالى: (لَوْلَا أُنزِلَ) إلخ،
وقوله سبحانه: (وَقَدِمِنَّاً) نشرٌ لقوله عزَّ وجلَّ: (أَوْ نَرَى رَبَّاً).
ولم يجوِّز الأكثرون تعلُّقه بـ ((بشرى)) المذكورِ؛ لكونه مصدراً وهو لا يعملُ
متأخِّراً، وكونِه منفيًّا بـ ((لا)) ولا يعملُ ما بعدها فيما قبلها .
و (يومئذ)) تأكيدٌ للأول، أو بدلٌ منه، أو خبرٌ. و((للمجرمين)) تبيينٌ متعلِّقٌ
بمحذوفٍ كما في: سقياً له، أو خبرٌ ثانٍ، أو هو ظرفٌ لِمَا يتعلَّق به اللامُ، أو
لـ ((بشرى)) إن قدِّرتْ منونةً غيرَ مبنيةٍ مع ((لا))، فإنها(٣) لا تعمل، إذ لو عَمِلَ اسمُ
((لا)) طال وأشبهَ المضافَ فينتصب.
وفي ((البحر)) (٤): احْتَمَلَ ((بشرى)) أن يكون مبنيًّا مع ((لا))، واخْتَمَلَ أنْ يكونَ في
نيةِ التنوين منصوبَ اللفظ ومُنِعَ من الصَّرف للتأنيث اللَّازم، فإنْ كان مبنيًّا مع ((لا))
احْتَمَلَ أن يكون الخبرُ ((يومئذ))، و((للمجرمين)) خبرٌ بعد خبرٍ، أو نعتٌ لـ ((بشرى))،
أو متعلِّقٌ بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون ((يومئذ)) صفةً لـ ((بشرى)) والخبرُ
(للمجرمين))، ويجيءُ خلافُ سيبويه والأخفشِ: هل الخبر لنفس ((لا))، أو للمبتدأ
الذي هو مجموعُ ((لا)) وما بُني معها؟ وإن كان في نية التنوين وهو معربٌ، جاز أن
يكون ((يومئذ)) معمولاً لـ ((بشرى)) وأن يكون صفةً والخبرُ ((للمجرمين))، وجاز أن
(١) الإملاء ٤ / ٩٥.
(٢) البحر ٦ / ٤٩٢.
(٣) أي: ((لا)) المبني معها اسمها. حاشية الشهاب ٤١٦/٦.
(٤) ٦ / ٤٩٢.

سُورَةُ الفُرْقَان
١٢
الآية : ٢٢
يكون ((يومئذ)) خبراً و((للمجرمين)) صفة، وجاز أن يكون ((يومئذ)) خبراً و((للمجرمين))
خبراً بعد خبر، والخبرُ إذا كان الاسم ليس مبنيًّا لـ ((لا)) نفسِها بالإجماع.
وقال الزمخشريُّ: ((يومئذ)) تكرير(١) . ولا يجوز ذلك سواءٌ أريدَ بالتكرير التوكيدُ
اللفظيُّ أم أُرِيدَ به البدل؛ لأنَّ ((يوم) منصوبٌ بما تقدَّم ذِكْرُه من ((اذكر)» أو من
((يفقدون))(٢)، وما بعدَ ((لا)) العاملةِ في الاسم لا يعملُ فيه ما قبلها، وعلى تقديره
یکون العاملُ فيه ما قبلها. انتهى.
ولا يخفى عليك ما في الاحتمالاتِ التي ذكرها، وأمَّا ما اعْتَرَضَ به على
الزمخشريِّ، فتعقِّبَ بأنَّ الجملةَ المنفيةَ معمولةٌ لقولٍ مُضْمَرٍ وقع حالاً من
((الملائكة)) التي هي معمولٌ لـ ((يرون))، و((يرون)) معمولٌ لـ ((يوم))، فـ ((لا)) وما في
حيِّزها من تتمة الظّرْفِ الأول من حيث إنه معمولٌ(٣) لبعض ما في حيِّزه، ومثلُه
لا يُعدُّ محذوراً. مع أنَّ كونَ ((لا)) لها الصَّدْرُ مطلقاً أو إذا بُني معها اسمُها ليس
بمسلَّمِ عند جميع النُّحاة؛ لأنها لكثرة دورها خرجت عن الصَّدارة فتأمَّل.
هذا ما وَقَفْنا عليه للمتقدِّمين في إعراب الآية، وما فيه من الجرح والتعديل.
وقال بعض العصريِّين: يجوزُ تعلُّقُ (يوم)) بـ ((كبيراً))، وتقييدُ كبره بذلك اليوم
ليس لنفي كبره في نفسه بل لظهورٍ موجبه في ذلك اليوم، ونظيرُه: لزيدٍ عِلْمٌ عظيمٌ
يومَ يُباحِثُ الخصومَ، وتكون جملةُ ((لا بُشْرَى يومَئذٍ للمجرمين)) استئنافاً لبيان ذلك،
وهو كما ترى.
وأيًّا ما كان فالمرادُ بذلك اليوم - على ما روي عن ابن عباس ◌ًَّا - يومُ
الموت. وقال أبو حيان: الظاهرُ أنه يومُ القيامة؛ لقوله تعالى بعدُ: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا) إلخ (٤). وفيه نظر.
ونَفْيُ البشرى كنايةٌ عن إثباتِ ضدِّها، كما أنَّ نفي المحبةِ في مثل قوله تعالى:
(١) الكشاف ٨٨/٣، والكلام من البحر ٤٩٢/٦.
(٢) في البحر: أو من يعدمون البشرى، وينظر ما سلف قريباً عند إعراب كلمة ((يوم)).
(٣) في (م): معمولاً، وهو تصحيف.
(٤) البحر ٦/ ٤٩٢.

الآية : ٢٢
١٣
سُورَةُ الفُرْقَانِ
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] كنايةٌ عن البغضِ والمَقْتِ، فيدل على ثبوت
النُّذْرَى لهم على أبلغ وجه.
والمراد بالمجرمين أولئك الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ووُضِعَ المظهَرُ موضِعَ
ضميرهم تسجيلاً عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر والعناد، وإيذاناً بعلَّة
الحكم. ومَن اعْتَبَر المفهومَ في مثله ادَّعى إفادةَ الآيةِ عَدَمَ تحقَّقِ الحكم في غیرهم،
وقد دلَّ قولُه تعالى في حقِّ المؤمنين: ﴿تَتَنَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَبْشِرُواْ﴾ إلخ [فصلت: ٣٠] على حصول البشرى لهم.
وقيل: المراد بهم ما يعمُّ العصاة والكفارَ الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ويفيدُ
الكلام سَلْبَ البُشْرَى عن الكفار على أتمٍّ وجهٍ لدلالته على أنَّ المانع من حصول
البشرى هو الإجرام، ولا إجرامَ أعظمُ من إجرام الذين لا يرجون لقاءه عزَّ وجلَّ
ويقولون ما يقولون، فهم أَوْلَى به. ولا يتم استدلالُ المعتزلة بالآيةِ عليه في نفي
العَفْوِ والشفاعةِ للعصاة؛ لأنها لا تفيدُ النفيَ في جميع الأوقات، فيجوز أن يبشّر
العصاةُ بما ذُكر في وقتٍ آخر.
وتعقِّب بأنَّ الجملة قبل النفي لكونها اسميةً تفيدُ الاستمرارَ، فبعد دخول النفي
إرادةُ نفي استمرارِ البشرى للمجرمين بمعنى أنَّ البشرى تكونُ لهم لكنْ لا تستمرُّ،
مما لا يُظَنُّ أنَّ أحداً يذهب إليه، فيتعيَّن إرادةُ استمرارِ النفي، كما في قوله تعالى
في حقِّ أضدادهم: ﴿لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَلُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فحينئذٍ لا يتسنَّى
قولُه: إنها لا تُفيد النفيَ في جميع الأوقات. فالأَوْلَى أن يراد بالمجرمين مَن سمعتَ
حديثهم.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ عطفٌ على: لا يُبَشَّرون، أو: يُمنعون البشرى، أو نحوِهِ المقدَّرِ قبل
((یوم)).
وجوِّز أن يكون عطفاً على ما قبله باعتبارٍ ما يُفْهَمُ منه، كأنه قيل: يشاهِدون
أهوالَ القيامة ويقولون، وأنْ يكون عطفاً على ((يَرَوْنَ)) وجملةُ ((لا بشرى)) حالٌ
بتقدير القول، فلا يضرُّ الفصلُ به.
وضميرُ الجمع - على ما استَظْهَره أبو حيان لأنَّهم المحدَّثُ عنهم، وحكاه

سُورَةُ الفُرْقَان
١٤
الآية : ٢٢
الطبرسيُّ عن مجاهدٍ وابن جريج - للذين لا يرجون(١)، أي: ويقول أولئك الكفرةُ:
وهي كلمةٌ تقولُها العرب عند لقاء عدوٍّ مَوْتُورٍ (٢) وهجومٍ نازلةٍ
حِجْرًا نَحْجُورًا
هائلةٍ، يضعونها موضع الاستعاذة، حيث يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه
فلا يلحقَهم، فكأن المعنى: نسألُ الله تعالى أن يمنع ذلك منعاً ويَحْجرَه حَجْراً.
وقال الخليل: كان الرجل يرى الرجلَ الذي يخاف منه القتلَ في الجاهلية في
الأشهُرِ الحُرُم فيقول: حِجْراً محجوراً - أي: حرامٌ عليك التعرُّضُ لي في هذا
الشهر - فلا يبدؤه بشرٌ.
وقال أبو عبيدة(٣): هي عودةٌ للعرب يقولُها مَن يخاف آخَرَ في الحَرَم أو في
شَهْرٍ حرام إذا لقيه وبينهما تِرَةٌ.
وقال أبو عليٍّ الفارسيِّ(٤): مما كانت العربُ تستعملُه ثم تُرِكَ قولُهم: حِجْراً
محجوراً، وهذا كان عندهم لمعنيين :
أحدهما: أن يقال عند الحرمان؛ إذا سئل الإنسانُ فقال ذلك عَلم السائلُ أنه
يريد أن يحرمه، ومنه قول المتلمِّس:
حِجْرٌ حَرَامٌ أَلَا تلك الدَّهارِيسُ (٥)
حنَّتْ إلى النخلة القُصْوَى فقلتُ لها
والمعنى الآخر: الاستعاذة، كان الإنسان إذا سافر فرأى ما يخافُ قال: حِجْراً
محجوراً، أي: حرامٌ عليك التعرُّضُ لي. انتهى.
وذكر سيبويه ((حِجْراً)) من المصادر المنصوبةِ غيرِ المتصرِّفةِ، وأنه واجبٌ إضمارُ
ناصِبِها، وقال: ويقول الرجلُ للرجل: أتفعلُ كذا؟ فيقول: حِجْراً (٦). وهي من
(١) مجمع البيان ١٩/ ١٠٠، والبحر ٦/ ٤٩٢.
(٢) المَوْتور: من قْتلَ له قتيل فلم يُدرِك بدهِه. القاموس (وتر).
(٣) كما في البحر ٦/ ٤٩٢.
(٤) كما في حاشية الشهاب ٦/ ٤١٧ .
(٥) جاء في هامش الأصل و(م): أي الدواهي. اهـ منه. والبيت في الفاضل للمبرد ص٧٨،
ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٧٣/٢، وتفسير الطبري ٤٢٧/١٧، والمحرر الوجيز ٢٠٦/٤،
ومختارات ابن الشجري ٣٢/١، واللسان (دهرس)، وحاشية الشهاب ٤١٧/٦. ورواية
الفاضل والمختارات: بَسْلٌ، بدل: حجر. والبَسْل: الحلال والحرام، من الأضداد.
(٦) الكتاب ٣٢٦/١، ونقله المصنف بواسطة أبي حيان في البحر ٦/ ٤٩٢.

الآية : ٢٢
١٥
سُؤَّةُ الفُرْقَانِ
حَجَره: إذا مَنَعه؛ لأنَّ المستعيذ طالبٌ من الله تعالى أن يمنع المكروه من أن يلحقه.
والأصلُ فيه فتحُ الحاء، وقرئ به كما قال أبو البقاء(١)، لكنْ لمَّا خَصُّوا
استعمالَه بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول، فلمَّا تغيَّر معناه تغيَّر لَفْظُه عمَّا هو
أصلُه - وهو الفتحُ - إلى الكسر، وقد جاء فيه الضمُّ أيضاً، وهي قراءةُ أبي رجاءٍ
والحسن والضحَّاك(٢). ويقال فيه: حجرى بألف التأنيث أيضاً. ومثلُه في التغيير
عن أصله: قَعْدَكَ الله(٣) تعالى بسكون العين وفتح القاف - وحُكي كَسْرُها عن
المازنيِّ وأنكره الأزهريُّ(٤). وَقَعِيدَكَ، وهو منصوبٌ على المصدرية، والمراد:
رقيبك وحفيظك الله تعالى، ثم نقل إلى القسم، فقيل: فَعْدَكَ أو قَعِيدَكَ اللهَ تعالى
لا تفعل، وأصلُه: بإقعاد اللهِ تعالى، أي: إدامته سبحانه لك، وكذا: عمرَكَ الله،
بفتح الراء وفتح العين وضمِّها، وهو منصوبٌ على المصدرية ثم اختصَّ بالقسم،
وأصلُه: بتعميرك الله تعالى، أي: بإقرارك له بالبقاء.
وما ذُكِرَ من أنه لازمُ النصب على المصدرية بفعلٍ واجبِ الإضمار اعْتَرَضَ عليه
في ((الدر المصون)) بما أنشده الزمخشريُّ:
قالت وفيها حَيْدٌ وذُعْرُ
عوذٌ بربِّي منكمُ وحجرُ(٥)
فإنه وقع فيه مرفوعاً .
ووصفُه بـ ((محجوراً)) للتأكيد كـ: شِعْرٌ شاعرٌ، وموتٌ مائتٌ، وليلٌ أَلْيلُ. وذُكر
أنَّ مفعولاً هنا للنسب، أي: ذو حِجْرٍ، وهو كفاعل يأتي لذلك. وقيل: إنه على
الإسناد المجازيِّ، وليس بذاك.
(١) في الإملاء ٩٦/٤.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٤، والبحر ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣.
(٣) قال الشهاب: بنصب الاسم الشريف لا غير.
(٤) في تهذيب اللغة ٢٠١/١، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٦/ ٤١٧.
(٥) الكشاف ٨٨/٣، والدر المصون ٤٧٤/٨، وحاشية الشهاب ٤١٨/٦، والكلام منه. والرجز
أنشده الحطيئة وهو على فراش الموت، كما في الخزانة ٤١٣/٢، وذكره دون نسبة ابن
السكيت في إصلاح المنطق ص٩٣، والبطليوسي في الحلل ص١١٢. قال السيرافي في
شرح أبيات إصلاح المنطق ص ٢٣٠: الحيدة فعلة، من حاد عن الشيء: إذا تنحى.

سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
١٦
الآية : ٢٣
والمعنى: أنهم يطلبون نزول الملائكة عليهم السلام، وهم إذا رَأَوْهم كرهوا
لقاءهم أشدَّ كراهةٍ، وفزعوا منهم فَزَعاً شديداً، وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول
خطب شنيع وحلولِ بأسٍ فظيع .
وقيل: ضمير (يقولون)) للملائكة، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدريِّ والضّحَّاك
وقتادةً وعطيةً ومجاهدٍ، على ما في ((الدر المنثور))(١)، قالوا: إنَّ الملائكة يقولون
للكفار: حِجْراً محجوراً، أي: حراماً محرَّماً عليكم البُشْرى، أي: جَعَلَها الله تعالى
حراماً عليكم.
وفي بعض الروايات: أنهم يطلبون البشرى من الملائكة عليهم السلام،
فيقولون ذلك لهم.
وقال بعضُهم: يعنون حراماً محرَّماً عليكم الجنة، وحكاه في ((مجمع البيان))
عن ابن عباس ◌ًا(٢). وقيل: الغفران.
وفي جَعْلِ ((حجراً)) نصباً على المفعولية لـ ((جَعَلَ)) مقدَّراً - كما أُشيرَ إليه - بحثٌ.
والظاهرُ - على ما ذُكر - أنَّ إيراد هذه الكلمة للحرمان، وهو المعنى الأولُ من
المعنيين اللذين ذكرهما الفارسيُّ، و((يقولون)) على هذا القولِ، قيل: معطوفٌ على
ما عُطِفَ عليه على القول بأن ضميره للكفرة. وقيل: معطوفٌ على جملةٍ يقولون
المقدَّرةِ قبل ((لا بشرى)) الواقعةِ حالاً.
وقال الطيبيُّ: هو حالٌ من ((الملائكة)) بتقدير: وهم يقولون، نظير قولهم: قمتُ
وأصكُّ وَجْهَه، وعلى الأول هو عطفٌ على ((يرون)).
﴿وَقَدِمْنَا﴾ أي: عَمَدْنا وقَصَدْنا، كما روي عن ابن عباس، وأخرجه ابنُ
أبي شيبةَ، وعبد بن حميدٍ، وابن جَرِيرٍ، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم عن
مجاهد(٣).
(١) ٥/ ٦٦ .
(٢) مجمع البيان ١٠٠/١٩.
(٣) تفسير الطبري ٤٣١/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٦٧٨/٨، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن
حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٦٦/٥ .

الآية : ٢٣
١٧
سُورَةُ الفُرْقَانِ
﴿إِلَى مَا عَمِلُواْ﴾ في الدنيا ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ فخِيمٍ كصلة رَحِمٍ، وإغاثةٍ ملهوفٍ، وقري
ضيفٍ(١)، ومنٌّ على أسيرٍ، وغيرِ ذلك من مكارمهم ومحاسنهم التي لو كانوا
عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها. والجارُّ والمجرور بيانٌ لـ ((ما))، وصحةُ البيان
باعتبارِ التنكير كصحةِ الاستثناء في ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا﴾ [الجاثية: ٣٢] لكنَّ التنكير هاهنا
للتفخیم کما أشرنا إليه.
وجوِّز أن يكون للتعميم ودفع ما يتوهّمُ من العهد في الموصول، أي: عَمَدْنا
إلى كلِّ عملٍ عَمِلُوه خالٍ عن الإيمان، ولعل الأولَ. أنسبُ بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُ
هَبَاءً﴾ مثلَ هباءٍ في الحقارة وعَدَمِ الجدوى، وهو على ما أخرج عبد الرزاق
والفريابيُّ وابنُ أبي حاتم عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: وَهْجُ الغبارِ يَسْطَعُ ثم
يذهب(٢) .
وأخرج ابن أبي حاتم (٣) عن ابن عباس هما: أنه الشَّررُ الذي يطيرُ من النار إذا
اضْطَرَمَتْ. وفي روايةٍ أخرى عنه: أنه الماءُ المهراق(٤). وعن يعلى بن عبيد: أنه
الرماد(٥) .
وأخرج جماعةٌ عن مجاهدٍ والحسن وعكرمةَ وأبي مالك وعامرٍ أنه شعاعٌ
الشمس في الكوَّة (٦). وكأنَّهم أرادوا ما يُرى فيه من الغبار كما هو المشهور عند
اللغويين، قال الرَّاغب: الهباء: دقاقُ التراب وما انْبَثَّ في الهواء، فلا يبدو إلَّا في
أثناء ضوء الشمس في الكوَّة، ويقال: هَبَا الغبارُ يهبو: إذا ثار وسَطَع(٧).
ووُصِفَ بقوله تعالى: ﴿َنُورًا ﴾ مبالغةً في إلغاء أعمالهم، فإنَّ الهباء تراه
منتظماً مع الضوء فإذا حرَّكَتْه الريحُ تَناثَرَ وذهب كلَّ مذهبٍ، فلمْ يَكْفِ أن شبَّه
(١) في (م): ضعيف.
(٢) الدر المنثور ٦٦/٥، وفيه: ريح، بدل: وهج، والذي في المصادر: رهج. ينظر تفسير ابن
أبي حاتم ٢٦٧٩/٨، وتفسير الطبري ٢٨٥/٢٢، وتفسير مجاهد ٦٤٥/٢، والنكت والعيون
٤٤٧/٥. وتفسير القرطبي ٢٠/ ١٨٠.
(٣) كما في الدر المنثور ٦٦/٥ .
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٦٧٩/٨.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٦٨٠/٨.
(٦) الدر المنثور ٦٧/٥ وأخرجه الطبري ٤٣١/١٧-٤٣٢ عن عكرمة والحسن ومجاهد.
(٧) مفردات الرَّاغب (هبا).

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١٨
الآية : ٢٣
أعمالهم بالهباء حتى جُعِلَ متناثراً لا يمكنُ جَمْعُه والانتفاع به أصلاً، ومثلُ هذا
الإرداف يسمَّى في البديع بالتنميم والإيغال(١)، ومنه قولُ الخنساء:
أغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهداةُ به كأنه عَلَمٌ في رأسه نارٌ(٢)
حيث لم يَكْفِها أنْ جَعَلَتْه عَلَماً في الهداية، حتى جعلَتْه في رأسه نارٌ.
وقيل: وُصِفَ بالمنثور، أي: المتفرِّقِ؛ لِمَا أنَّ أغراضهم في أعمالهم متفرِّقةٌ،
فيكون جَعْلُ أعمالهم هباءً متفرِّقاً جزاءً من جنس العمل.
وجوِّز أن يكون مفعولاً بعد مفعولٍ لـ ((جعل))، وهو مرادُ مَن قال(٣): مفعولاً
ثالثاً لها، على معنى: جَعَلْناه جامعاً لحقارةِ الهباء والتناثُر، ونظيرُ ذلك قولُه تعالى:
﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أي: جامعينَ للمَسْخِ والخَسْءِ. وفيه خلافُ ابن
درستويه(٤)، حيث لم يجوِّز أن يكون لـ ((كان)) خبران، وقياسُ قوله أن يُمنع أن
يكون لـ ((جَعَل)) مفعولٌ ثالث. ومع هذا الظاهرُ الوصفيةُ.
وفي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ حيث مُثِّلتْ حالُ هؤلاء الكفرةِ وحالُ أعمالِهم
التي عملوها في كفرهم بحالٍ قوم خالفوا سلطانَهم واستَعْصَوْا عليه فقَدِمَ إلى
أشيائهم، وقَصَدَ إلى ما تحت أيديهم، فأفسدها وجَعَلَها شَذَرَ مَذَرَ، ولم يترك لها
من عينٍ ولا أثر، واللفظُ المستعارُ وقع فيه استعمالُ ((قَدِمَ)) بمعنى عَمَدَ وقَصَد؛
لاشتهاره فيه وإن كان مجازاً كما يشير إليه كلامُ «الأساس»(٥). ويُسمَّى القَصْدُ
المُؤْصِلُ إلى المقصدِ قدوماً لأنه مقدِّمتُه، وتَضمَّنَ التمثيلُ تشبيهَ أعمالهم المُحْبَطةِ
(١) الإيغال: هوختم الكلام بما يفيد نكتةً يتم المعنى بدونها. والتتميم: هو أن يؤتَى في كلام
لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتةً. مثال الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ *
أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسَتَلُكُمْ أَجْرً وَهُم مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٥- ٢١] فقوله: ((وهم مهتدون)) إيغال؛ لأنه يتم
المعنى بدونه، إذ الرسول مهتدٍ لا محالة، لكن فيه زيادة مبالغة في الحث على اتباع الرسل
والترغيب فيه. ومثال الثاني: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُّهٍ﴾ أي: اشتهائه، فإن الإطعام حينئذ
أبلغ وأكثر أجراً. الإتقان ٨٦٩/٢ و٨٧١.
(٢) ديوان الخنساء ص٤٩ برواية: وإن صخراً لتأتُمُّ الهداة ...
(٣) هو الزمخشريّ في الكشاف ٨٩/٣.
(٤) كما في البحر ٦/ ٤٩٣، وعنه نقل المصنف.
(٥) ينظر أساس البلاغة (قدم)، وحاشية الشهاب ٤١٨/٦.

الآية : ٢٤
١٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
بالهباء المنثور بدون استعارةٍ، فلا إشكالَ على ما قيل، والكلامُ في ذلك طويلٌ
فليُطلَبْ من محلِّه.
وجَعَلَ بعضُهم القدوم في حقه عزَّ وجلَّ عبارةً عن حُكْمِه.
وقيل: الكلام على حذفِ مضافٍ، أي: قَدِمَ ملائكتُنا، وأسندَ ذلك إليه عزَّ
وجلَّ لأنَّه عن أَمْرِه سبحانه.
ونُقِلَ عن بعض السَّلَفِ أنه لا يؤوَّلُ في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]
وقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] على
ما هو عادتُهم في الصفات المتشابهة، وقياسُ ذلك عدمُ التأويل في الآية، ولعله من
هنا قيل: إنَّ تأويلَ الزمخشريِّ(١) لها بناء على مُعْتَقَدِه من إنكار الصِّفات، والقلبُ
إلى التأويل فيها أَمْيَلُ.
وأنت إنْ لم تؤوِّل القدومَ فلا بدَّ لك أن تؤوِّلَ جَعْلَها هباءً منثوراً بإظهار بطلانها
بالكلِّيّة، وإلغائها عن درجة الاعتبار بوجهٍ من الوجوه، ولا يأبى ذلك السَّلَفُ.
﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ هم المؤمنون المشارُ إليهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُّ
ج
أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥] ﴿يَوْمَيِدٍ﴾ أي: يومَ إذ يكونُ ما ذُكِرَ
من القُدوم إلى أعمالهم وجَعْلِها هباءً منثوراً، أو من هذا وعدم التبشير وقولهم:
حجراً محجوراً.
﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ المستقرُّ: المكانُ الذي يُسْتَقَرُّ فيه في أكثر الأوقات للتجالُس
والتحادث ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ المقيلُ: المكانُ الذي يُؤْوَى إليه للاسْتِرْواحِ إلى
الأزواج والتمتُّعِ بمغازلتهنَّ، سمِّي بذلك لأنَّ التمتّع به يكون وقتَ القيلولة
غالباً .
وقيل: هو في الأصل مكانُ القيلولة - وهي النومُ نصفَ النهار - ونُقِلَ من ذلك
إلى مكان التمتُّع بالأزواج لأنه يُشْبِهِه في كون كلٌّ منهما محلَّ خلوةٍ واستراحةٍ، فهو
استعارةٌ.
(١) في الكشاف ٨٨/٣.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٢٠
الآية : ٢٤
وقيل: أُرِيدَ به مكانُ الاسْتِرْواح مطلقاً، استعمالاً للمقيّد في المُطْلَق، فهو
مجازٌ مُرْسَل، وإنَّما لم يَبْقَ على الأصَل لِمَا أنه لا نومَ في الجنة أصلاً.
وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) وعبد بنُ حميد وابنُ جريرٍ وابنُ المنذر وابنُ
أبي حاتم والحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود ظُه: لا ينتصفُ النهارُ من يوم
القيامة حتى يَقِيلَ هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: (أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ
مَقِيلًا) وقرأ: ((إنَّ مَقيلَهم لإلى الجحيم))(١). وأَخَذَ منه بعضُهم أنَّ المراد بالمستَقَرِّ:
موضعُ الحساب، وبالمقيل: محلُّ الاستراحة بعد الفراغ منه، ومعنى ((يقيل هؤلاء))
يعني أصحابَ الجنة يُنقلون إليها وقتَ القيلولة.
وقيل: المستقرُّ والمقيلُ في المحشر قبل دخول الجنة، أو المستقرُّ فيها والمقيل
فيه؛ فقد أخرج ابنُ جريرٍ عن سعيدِ الصَّوَّافِ قال: بلغني أنَّ يوم القيامة يَقْصُرُ على
المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليَقيلون في رياض
حتى يَفْرَغَ الناسُ من الحساب، وذلك قوله تعالى: (أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ
مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا)(٢).
وفي وَصْفِه بزيادة الحُسْنِ مع حصولِ الخيرية بعَطْفِهِ على المستقرِّ رمزٌ إلى أنَّ
لهم ما يُتْزيَّنُ به من حُسْنِ الصُّوَرِ وغيرِه من التحاسين، فإنَّ حُسْنَ المنزل إن لم يكن
باعتبار ما يرجع لصاحبه لم تتمَّ المَسرَّةُ به.
والتفضيلُ المعتبرُ فيهما(٣): إمَّا لإرادة الزيادةِ على الإطلاق، أي: هم في
أقْصَى ما يكونُ من خيرية المستقرِّ وحُسْنِ المَقيل. وإمَّا بالإضافة إلى ما للكفرة
المتنعِّمين في الدنيا، أو إلى ما لهم في الآخرة بطريق التهكُم بهم.
(١) الزهد (١٣١٣)، وتفسير الطبري ٤٣٥/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٦٨٠/٨، والمستدرك
٤٠٢/٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٥/ ٦٧، وعنه نقل المصنف.
وأخرجه الطبري أيضاً ٥٥٦/١٩، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَ الْمَحِيمِ﴾
[الصافات: ٦٨]، وجاء فيه: ((ثم إن منقلبهم)).
(٢) تفسير الطبري ٤٣٥/١٧.
(٣) بعدها في (م): المسرة، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦/ ٢١٢،
والكلام منه.