النص المفهرس

صفحات 541-560

الآية : ١٦
٥٤١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
الحرمانُ ولا تَسَاوي مراتبٍ أهل الجنان، وعلى ضدٍّ هؤلاء فيما ذُكر أهلُ النار،
فقد قال سبحانه فيهم: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيّنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤].
خَلِينَ﴾ حالٌ من أحدٍ ضمائرهم على ما قيل، وظاهرُه عَدَمُ الترجيح، وقال
بعض الأفاضل: جَعْلُه حالاً من الأول يقتضي كونَها حالاً مقدَّرةً ومن الثالث يُؤْهِمُ
تقييدَ المشيئة بها، فخيرُ الأمور أَوْسَطُها .
ورجّح بعضهم الثالثَ لقُرْبِهِ، والتقييدُ غيرُ مخلِّ بل مهمٌّ. وجوِّز كونُها حالاً من
المتقين، ولا يخفى حالُه.
ولبعض الأجلَّةِ ها هنا كلامٌ فيه بحثٌّ ذكره الحمصيُّ في ((حواشي
التصريح»(١)، فليُراجَعْ.
﴿كَانَ﴾ أي: الوعدُ بما ذكر، أو الموعودُ المفهومُ من الكلام، فيشملُ الوعدَ
بالجنة وبحصولِ ما يشاؤون لهم فيها وبالخلود على الأول، والجنةَ وحصولَ
المراداتِ والخلودَ الموعودَ بها على الثاني.
وقال بعضهم: الضميرُ للخلود. وآخَرُ: لحصولِ ما يشاؤون لهم فيها، أوْ له
ولكون الجنةِ جزاءً ومصيراً، والإفرادُ باعتبارِ ما ذكر، ويغني عنه ما سمعتَ.
والأكثرون على أنَّه لـ ((ما يشاؤون))، وهو اسمُ ((كان))، وقولُه تعالى: ﴿عَلَى
رَيْكَ﴾ متعلِّقٌ بها، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من قوله سبحانه: ﴿وَعْدًا﴾ وهو خبرُها .
ولم يجوَّز تعلُّق الجارِّ به سواءٌ كان باقياً على مصدريته أو مؤوَّلاً باسم المفعول - أي:
موعوداً - لِمَا عملتَ من الخلاف في مرجع الضمير، بناءً على منع تقديم معمول
المصدر عليه وإن كان مؤوَّلاً بغيره أو كان المقدَّمُ ظرفاً، وفيه خلافٌ.
وجوِّز أن يكون ((على ربك)) متعلِّقاً بمحذوفٍ هو الخبر، و((وعداً)) مصدراً
مؤكّداً. والأظهرُ أنْ يُجعلَ هو الخبر، أي: كان ذلك وعداً أو موعوداً.
(١) التصريح بمضمون التوضيح في النحو لخالد بن عبد الله الأزهري النحوي، والتوضيح هو
شرح ابن هشام لألفية ابن مالك المسمى: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، والحمصي
هو ياسين بن زين الدين الشافعي الشهير بالعليمي، نزيل مصر، المتوفى سنة (١٠٦١هـ).
خلاصة الأثر ٤/ ٤٩١، وكشف الظنون ١٥٤/١.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٤٢
الآية : ١٧
﴾ أي: حقيقاً أن يُسألَ ويُظْلبَ؛ لكونه مما يتنافسُ فيه
﴿مَسْتُولًا (
المتنافسون، أو سبباً لحصول ذلك، فمسؤوليته كنايةٌ عن كونه أمراً عظيماً، ويجوزُ
أن يراد كونُ الموعودِ مسؤولاً حقيقةً بمعنى: يسألهُ الناس في دعائهم بقولهم: ﴿رَبَّنَا
وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
وقال سعيد بن أبي هلال(١): سمعتُ أبا حازم عظُه يقول: إذا كان يومُ القيامة
يقول المؤمنون: ربَّنا عَمِلْنا لك بما أَمَرْتَنا فأنْجِزْ لنا ما وَعَدْتَنا، فذلك قوله تعالى:
(وَعْدًا مَسْئُولًا).
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيدٍ هذا عن محمد بن كعب القرظيِّ أنه قال
في الآية: إنَّ الملائكة عليهم السلام لَتَسألُ ذلك في قولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ
عَدّنٍ أَلَِّ وَعَدَتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨](٢).
والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام
لتشريفه وَ*، والإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام هو الفائزُ بمغانم الوعد الكريم.
واستشكلت الآية على مذهب الأشاعرة؛ لأنها تدلُّ على الوجوب على الله
تعالى لمكان ((على))، وعندهم لا يجب عليه سبحانه شيءٌ؛ لاستلزام ذلك سَلْبَ
الاختيار وعدم استحقاقٍ الحمد.
وأجيب بأنَّ الوجوب الذي تدلُّ عليه الآيةُ وجوبٌ بمقتضى الوعد، والممتنعُ
إيجابُ الإلجاء والقَسْرِ من خارجٍ؛ لأنه السالبُ للاختيار الموجِب للمَفْسَدةِ، دون
إيجابِه تعالى على نفسه شيئاً بمقتّضِى وَعْدِه وكَرَمِهِ، فإنه مسبوقٌ بالإرادة، والوجوبُ
الناشئُ من الإرادة لا ينافي الاختيار. وهذا ظاهرٌ إذا كان الوعدُ حادثاً، وأمَّا إذا
كان قديماً فالسابقيةُ والمسبوقيةُ بحسب الذات، وذلك لا يستلزمُ الحدوثَ، أو
يقال: الحادثُ بالإرادة تعلُّقُه بالموعود به. فافهم.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ نصبٌ على أنه مفعولٌ لمضمَرٍ مقدَّمِ معطوفٍ على قوله
(١) الحافظ الفقيه، أبو العلاء الليثي مولاهم، المصري، روى عن نافع وابن شهاب وقتادة
وغيرهم، وأرسل عن جابر وغيره، توفي سنة (١٣٥هـ)، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء
٣٠٣/٦.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٧١/٨.

الآية : ١٧
٥٤٣
سُورَّةُ الفُرْقَانِ
تعالى: (قُلُّ أَذَلِكَ) إلخ، أي: قل لهم ذلك واذكُر لهم بعد التقريع والتحسير يومَ
يحشرهم الله عزَّ وجل، والمرادُ تذكيرُهم بما فيه من الحوادث الهائلةِ، على
ما سمعتَ في نظائره. أو على أنه ظرفٌ لمضمَرٍ مؤخّرٍ قد حُذف للتنبيه على كمالٍ
هَوْلِهِ وفظاعةِ ما فيه، والإيذان بأن العبارة لا تحيطُ ببيانه، أي: ويومَ يحشرهم
يكون من الأحوال والأهوالِ ما لا يفي ببيانه المقال.
وقرأ الحسنُ وطلحةُ وابنُ عامرٍ وكثيرٌ من السبعة: ((نحشُرُهم)) بنون العظمة(١)،
بطريقِ الالتفات من الغيبة إلى التكلّم.
وقرأ الأعرج: ((يحشِرهم)) بكسر الشين(٢)؛ قال صاحب ((اللوامح)): في كلِّ
القرآن، وهو القياسُ في الأفعال المتعدِّيةِ الثلاثية؛ لأنَّ يَفْعُلُ بضمِّ العين قد يكونُ
من اللازِمِ الذي هو فَعُلَ بضمِّها في الماضي.
وقال ابن عطية (٣): وهي قليلةٌ في الاستعمال قويةٌ في القياس؛ لأنَّ يَفْعِلُ بكسر
العين في المتعدِّي أَقْيَسُ مِن يَفْعُلُ بضمِّ العين. وفيه كلام ذكره أبو حيان في
(البحر)(٤).
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عطفٌ على مفعولِ ((يحشرهم))، وليست الواو
للمعية، وجوَّز ذلك أبو البقاء(٥).
والمراد بالموصول عند الضخَّاك وعكرمةَ والكلبيّ: الأصنامُ، بناءً أنَّ السياق
فيها، ويُنْطِقُها الله تعالى الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ. وقيل: تتكلّم بلسان الحال، ولیس
بذاك.
وأخرج جماعةٌ عن مجاهدٍ أنَّ المراد به الملائكةُ وعيسى وعزير، وأضْرابُهم من
(١) قرأ من السبعة بالإضافة إلى ابن عامر: أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية
شعبة، وهي قراءة خلف من العشرة. التيسير ص١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢. وذكرها عن الحسن
وطلحة أبو حيان في البحر ٦/ ٤٨٧ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٣/٤، والبحر ٤٨٧/٦، وما سيأتي منه.
(٣) في المحرر الوجيز ٢٠٣/٤.
(٤) ٦ / ٤٨٨.
(٥) في الإملاء ٤/ ٩٤.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٤٤
الآية : ١٧
العقلاء الذين عُبِدوا من دون الله سبحانه وتعالى. وهو قولُ الجمهور على ما في
((البحر))(١)؛ لأنَّ السؤال والجوابَ يقتضيانه؛ لإِخْتِصاصهما بالعقلاء عادةً، وإنْ كان
الجماد ينطق يومئذٍ. وجاء فيما يُشْبِهُ الاستفهامَ الآتيَ النصُّ عليهم نحو قولِه تعالى:
مَّ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَنِّىَ إِلَّهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. والظاهر أنَّ المراد بـ ((ما))
على هذا القولِ العقلاءُ المعبودون الذين ليس منهم إضلالٌ، كالملائكةِ والأنبياءِ
عليهم السلام، لا ما يَشْمَلُهم والشياطينَ مثلاً، فإنَّ الجواب يأبى ذلك بظاهرِهِ،
كما لا يخفى.
وأُظْلِقَتْ ((ما)) على العقلاء إمّا على أنها تُظْلَقُ عليهم حقيقةً أو مجازاً، أو
باعتبارِ الوصف، كأنه قيل: ومعبوديهم (٢).
وقال بعضُ الأجلَّة: المرادُ ما يعمُّ العقلاء وغيرهم، إما لأنَّ كلمة ((ما))
موضوعةٌ للكلِّ كما يُنْبِئُ عنه أنك إذا رأيتَ شبحاً من بعيدٍ تقول: ما هو؟ أو لأنه
أريد بها الوصفُ فلا تختصُّ حينئذٍ بغير العقلاء كما إذا أريد بها الذاتُ، أو لتغليب
الأصنام على غيرها، تنبيهاً على بُعْدِهم عن استحقاقِ العبادة وتَنْزيلِهم في ذلك منزلةً
مَنْ لا ◌َعِلْمَ له ولا قدرةَ، أو اعتباراً لغلبة عَبَدتِها وكَثْرتِهم.
﴿فَيَقُولُ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ للمعبودين من دونه، إثر حَشْرِ الكلِّ، تقريعاً للعَبَدةِ
وتبكيتاً لهم. وقرأ الحسن وطلحةُ وابنُ عامر: ((فنقولُ)) بنون العظمة أيضاً (٣). ومَن
قرأ ممن عَدَاهم هناك بالنون وهنا بالياء كان على قراءته هنا التفاتٌ(٤) من التكلُّم
إلى الغيبة، وفي نون العظمة هناك إشارةٌ إلى أنَّ الحشر أمرٌ عظيم.
﴿وَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءٍ﴾ بأنْ دَعَوْتُموهم إلى عبادتكم، وإضافةُ ((عبادي))
(١) ٦ / ٤٨٨.
(٢) في الأصل و(م): أو معبوديهم، والمثبت من الكشاف ٣/ ٨٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية
الشهاب ٤١١/٦، وتفسير أبي السعود ٢٠٨/٦.
(٣) التيسير ص١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢ عن ابن عامر، وذكرها عن الحسن وطلحة أبو حيان في
البحر ٦ / ٤٨٧.
(٤) في الأصل و(م): التفاتاً.

الآية : ١٨
٥٤٥
سُورَةُ القُرْقَانِ
قيل: للترخُّم، أو لتعظيم جُرْمِهم لعبادة غيرٍ خالقِهم، أو لتعظيم أمر إضلالهم
بدعوتهم إلى عبادتهم مع كونهم عباداً لله عز وجل، و((هؤلاء)) بدلُ منه، وجوِّز أن
یکون نعتاً له.
﴿أَّ هُمْ ضَلُواْ السَّبِيلَ ®﴾ أي: عن السبيل بأنفسهم لإخلالهم بالنظر
الصحيح، وإعراضهم عن المرشِدِ من كتابٍ أو رسولٍ، فحُذِفَ الجارُّ وأُوْصِلَ الفعلُ
إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] والأصلُ: إلى
السبيل، أو: للسبيل.
وذكر بعض الأجلَّةِ أنه لم يقل: عن السبيل للمبالغة؛ فإنَّ ((ضلَّه)) بمعنى ((فَقَده))،
وضلَّ عنه بمعنى: خرج عنه. والأولُ أبلغُ لأنه يُؤْهِم أنه لا وجود له رأساً.
وتقديمُ الضميرين على الفعلين لِمَا أنَّ المراد بالسؤال التقريعيِّ هو المتصدِّي
للفعل لا نفسِه.
﴿قَالُوا﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكايةِ السؤال، كأنه قيل: فماذا
قالوا في الجواب؟ فقيل قالوا: ﴿سُبْحَنَكَ﴾.
وكان الظاهرُ أن يعبّر بالمضارع لمكانٍ ((يقول) أوَّلاً، وكأنَّ العدول إلى الماضي
للدلالة على تحقّق التنزيه والتبرئةٍ، وأنه حالُهم في الدنيا. وقيل: للتنبيه على أنَّ
إجابتهم بهذا القولِ هو محلُّ الاهتمام، فإنَّ بها التبكيتُ والإلزامُ، فدلَّ بالصيغة
على تحقُّق وقوعِها .
و((سبحان)) إمَّا للتعجُّبِ مما قيل لهم إمَّا لأنهم جماداتٌ لا قدرةَ لها على شيءٍ،
أو لأنهم ملائكةٌ، أو أنبياءُ معصومون، أو أولياءُ عن مثلٍ ذلك محفوظون، وإمَّا هو
کنایةٌ عن کونهم موسومین بتسبیچِه تعالی وتوحیدهِ، فکیف یتأثَّی منهم إضلالُ عباده،
وإمَّا هو على ظاهرِه من التنزيه، والمرادُ تنزيهُه تعالى عن الأضداد. وهو على سائر
الأوجُهِ جوابٌ إجماليٌّ إلا أنَّ في كونه كذلك على الأخير نوعَ خفاءٍ بالنسبة إلى
الأوَّلَيْنِ، وقولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَا﴾ إلخ كالتأكيد لذلك والتفصیلِ له.
وجَعَل الطيبيُّ قولَهم: ((سبحانك)) توطئةً وتمهيداً للجواب لقولهم: ((ما كان)» إلخ،
أي: ما صحَّ وما استقام لنا ﴿أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أولياءً، على أنَّ

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٤٦
الآية : ١٨
(مِن)) مزيدةٌ لتأكيد النفي، ويَحسُنُ زيادتُها بعد النفي، والمنفيُّ وإن كان ((كان))،
لكنَّ هذا معمولُ معمولِها فينسحبُ النفي عليه.
والمرادُ نفيُ أن يكونوا هم مضلِّيهم على أبلغ وجهٍ، كأنهم قالوا: ما صحَّ
وما استقام لنا أنْ تَّخِذَ متجاوزينَ إياك أولياءَ نَعبدُهم، لِمَا بنا من الحالةِ المنافيةِ
له، فأنَّى يتصوَّر أنْ نَحْمِلَ غيرَنا على أن يتَّخِذَ وليّاً غيرك فضلاً أن يتخذنا وليّاً.
وجوِّز أن يكون المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتَّخِذَ من دونك أتباعاً، فإنَّ الوليَّ
كما يُطْلَقُ على المتبوع يُظْلَقُ على التابع، ومنه أولياء الشيطان، أي: أتباعُه.
وقرأ أبو عيسى الأسود القارئ: ((يُنْبَغَى)) بالبناء للمفعول، وقال ابن خالويه:
زَعَم سيبويه أنَّ ذلك لغة (١).
وقرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو رجاء، ونصر بنُ علقمة، وزيد بن عليٍّ
وأخوه الباقرُ ﴿ّ، ومكحولٌ، والحسن، وأبو جعفر، وحفص بنُ عبيد، والنخعيُّ،
والسُّلميُّ، وشيبةُ، وأبو بشر، والزعفراني: ((ُتَّخَذَ)) مبنيًّاً للمفعول(٢).
وخرَّج ذلك الزمخشريُّ على أنه مِن اتَّخذ المتعدِّي إلى مفعولين، والمفعولُ
الأولُ ضميرُ المتكلِّم القائمُ مقامَ الفاعل، والثاني ((من أولیاء)»، و «من» تبعضیةٌ
لا زائدةٌ، أي: أن يتَّخذونا بعضَ الأولياء(٣).
ولم يجوِّز زيادتَها بناءً على ما ذهب إليه الزجَّاجُ من أنها لا تُزاد في المفعول
الثاني(٤)، وعلَّله في ((الكشف» بأنه محمولٌ على الأول يَشِيعُ بشيوعه ويُخصُّ
كذلك، ومرادُه أنه إذا كان محمولاً لا يُرادُ صِدْقُه على غيره فيشيع ويخصُّ كذلك
في الإرادة، فلا يَرِدُ: زيد حيوان، فإنَّ المحمول باقٍ على عمومه مع خصوصٍ
الموضوع. وقيل: مرادُه أنَّ الاختلافَ لا يناسبُ مع إمكان الاتِّحاد، والمثالُ لیس
كذلك. والزمخشريُّ لمَّا بنى كلامَه على ذلك المذهبِ والتزمَ التبعيض، جاء
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٤ .
(٢) النشر ٣٣٣/٢، والبحر ٤٨٩/٦.
(٣) الكشاف ٨٦/٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٦٠/٤، وسيأتي كلامه في هذه المسألة قريباً.

الآية : ١٨
٥٤٧
سُورَةُ القُرْقَانِ
الإشكالُ في تنكيرِ ((أولياء))، فأجاب بأنه للدلالة على الخصوص(١) وامتيازهم
بما امتازوا وهو للتنويع على الحقيقة.
وقال السَّجَاونديُّ: المعنى: ما ينبغي لنا أن نُحْسَبَ مِن بعض ما یقعُ عليه اسمُ
. الولاية فضلاً عن الكلِّ، فإنَّ الوليَّ قد يكون معبوداً ومالكاً وناصراً ومخدوماً.
والزجَّاج(٢) خَفي عليه أمرُ هذه القراءة على مذهبه فقال: هذه القراءةُ خطأ؛ لأنك
تقول: ما اتّخذْتُ من أحدٍ وليّاً، ولا يجوز: ما اتَّخذتُ أحداً من وليٍّ؛ لأنَّ((مِن))
إنما دخلت لأنها تنفي واحداً في معنى جميع، ويقال: ما من أحدٍ قائماً، وما من رجلٍ
محبّاً لِمَا يضرُّه، ولا يقال: ما قائمٌ من أحدٍ، وما رجلٌ من محبٌّ لِمَا يضرَّه، ولا وجهَ
عندنا لهذا البتة، ولو جاز هذا لجاز في: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]:
ما منكم أحدٌ عنه من حاجزين. وأجاز الفرَّاءُ هذه القراءةَ على ضعفٍ(٣) وزَعَم أنَّ ((من
أولياء)» هو الاسم، وما في ((يتخذ)) هو الخبر، كأنه يجعله على القلب. انتهى.
ونقل صاحب ((المطلع)) عن صاحب ((النظم)) أنه قال: الذي يوجبُ سقوط هذه
القراءة أنَّ (مِن)) لا تدخل إلا على مفعولٍ لا مفعولَ دونه، نحو قوله تعالى: ﴿مَا
كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، فإذا كان قبل المفعول مفعولٌ سواه لم يَحْسُنْ
دخولُها كما في الآية على هذه القراءة.
ولا يخفى عليك أنَّ في الإقدام على القول بأنَّها خطأٌ أو ساقطةٌ مع روايتها
عَمَّن سمعتَ من الأجلَّة خطراً عظيماً، ومنشأُ ذلك الجهلُ، ومفاسدُه لا تُحصى.
وذهب ابن جنِّي إلى جواز زيادة ((مِن)) في المفعول الثاني، فيقال: ما اتَّخِذْتُ
زيداً من وكيل، على معنى: ما انَّخذتُه وكيلاً أيَّ وكيلٍ كان من أصناف الوكلاء.
ومعنى الآية على هذا المنوال: ما ينبغي لنا أن يتّخذونا من دونك أولياءَ أيَّ أولياء،
أي: ما يقع عليه اسمُ الولاية.
(١) الكشاف ٨٦/٣، وفيه: وتنكير ((أولياء)) من حيث إنهم أولياء مخصوصون، وهم الجن
والأصنام.
(٢) في معاني القرآن ٤/ ٦٠.
(٣) في (م): عن ضعف، والمثبت من الأصل ومعاني القرآن للزجاج، وقول الفراء في معاني
القرآن له ٢ / ٢٦٤.

سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
٥٤٨
الآية : ١٨
وجوِّز أن يكون ((نتخذ)) على هذه القراءة مما له مفعولٌ واحد، و((من دونك))
صلة، و((من أولياء)) حال، و((من)) زائدة، وعزا هذا في ((البحر)) إلى ابن جنِّي(١).
وجوَّز بعضهم كونَ ((نَتَّخِذَ)) في القراءة المشهورة مِن انَّخذ المتعدِّي لمفعولين،
وجعل أبو البقاء على هذا ((من أولياء)» المفعولَ الأول بزيادةِ ((مِن))، و((من دونك))
المفعولَ الثاني(٢). وعلى كونه من المتعدِّي لواحدٍ يكون هذا حالاً.
وقرأ الحجّاج: ((أن نتَّخذ من دونك أولياء)» فبلغ عاصماً فقال: مُقِتَ المُخْدَج،
أَوَ مَا عَلِمَ أنَّ فيها (مِن))(٣) .
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ﴾ إلخ استدراٌ مسوقٌ لبيانِ أنهم هم
الضالُّون بعد بيانِ تنزُّهِهِم عن إضلالهم على أبلغ وجهٍ كما سمعتَ، وقد نَعَى عليهم
سوءَ صنيعهم حيث جعلوا أسبابَ الهداية أسباباً للضلالة، أي: ما أَضْلَلْناهم ولكن
مثَّعتَهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقَّها ويَشْكُروها فاستَغْرَقوا في الشهوات
وانهمكوا فيها .
﴿حََّ نَسُواْ الذِّكْرَ﴾ أي: غفلوا عن ذكرك والإيمانِ بك، أو عن توحيدك، أو
عن التذكُّر لنعمك وآياتِ ألوهيَّتِكَ ووحدتِكَ.
وفي ((البحر)): الذكرُ ما ذكِّر به الناسُ على ألسنةِ الأنبياء عليهم السلام، أو
الكتبِ المنزلة، أو القرآن (٤).
ولا يَخْفَى ما في الأخير إذا قيل بعموم الكفار المخبرِ (٥) عنهم في الآية،
وشمولِهم كفارَ هذه الأمةِ وغيرهم.
(١) البحر ٤٨٩/٦، وهذا القول هو الذي ذكره ابن جني في المحتسب ١٢٠/٢، مع إجازته
زيادة ((من) في المفعول الثاني، فذكر أن ((من أولياء)» في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي
لنا أن نُتَّخذ من دونك أولياء، ودخلت ((من)) زائدة لمكان النفي، ومثله: ما أعطيته من
درهم، وقال: وهذا في المفعول.
(٢) الإملاء ٤ / ٩٤.
(٣) القراءات الشاذة ص١٠٤، والبحر ٤٨٩/٦. والمُخْدَج: الناقص.
(٤) البحر ٦ /٤٨٩.
(٥) في (م): والمخبر.

الآية : ١٨
٥٤٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
﴿وَكَانُواْ﴾ أي: في عِلْمِك الأزليِّ المتعلّق بالأشياء على ما هي عليه في
أنفسها، أو بما سيَصْدُرُ عنهم فيما لا يزال باختيارهم وسوءِ استعدادهم من
الأعمال السيئة.
﴿قَوْمَا بُورًا (٨) مالكين، على أنَّ ((بوراً)) مصدرٌ وُصِفَ به الفاعلُ مبالغةً،
ولذلك يستوي فيه الواحدُ والجمعُ، وأنشدوا :
فلا تكفروا ما قد صَنَعْنا إليكُمُ وكافُوا به فالكفرُ بورٌ لصانعه(١)
وقول ابن الزِّبَعْرَى:
راتقٌ ما فتقتُ إذ أنا بورُ(٢)
يا رسول المليك إنَّ لساني
أو جمعُ بائرٍ، کعُوذٍ في عائذ(٣). وتفسیرُه بهالکین رواه ابن جرير وغيرُه عن
مجاهد(٤).
وروي عن ابن عباس ◌ّا أنَّ نافع بن الأزرق سأله عن ذلك، فقال: مُلْكَى
بلغةٍ عُمَان، وهم من اليمن(٥).
وقيل ((بوراً)): فاسدين في لغة الأَزْدِ، ويقولون: أمرٌ بائر، أي: فاسد، وبارَتِ
البضاعةُ: إذا فَسَدَتْ.
وقال الحسن: ((بوراً)): لا خيرَ فيهم، من قولهم: أرضٌ بورٌ، أي: متعطّلةُ
لا نباتَ فيها. وقيل: ((بوراً)): مُمياً عن الحقِّ.
والجملة اعتراضٌ تذييليُّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، على ما قال أبو السعود(٦).
(١) أنشده ابن عباس ﴿ لنافع بن الأزرق عندما سأله عن معنى ((بوراً))، كما أخرج الطستي،
وسيأتي الخبر قريباً دون ذكر البيت.
(٢) ديوان ابن الزبعرى ص٣٦.
(٣) جاء في حاشية (م): وهي الحديثة النتاج من الظباء والإبل والخيل. اهـ منه. وهو في حاشية
الشهاب ٤١٣/٦.
(٤) تفسير الطبري ٤١٧/١٧، وأخرجه أيضاً عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ٦٥/٣.
(٦) في تفسيره ٢٠٩/٦.

سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
٥٥٠
الآية : ١٨
وقال الخفاجيُّ: هي حالٌ بتقديرِ ((قد))، أو معطوفةٌ على مقدرٍ أي: كفروا
وكانوا، أو على ما قبلَها(١).
وقد شنَّع الزمخشريُّ(٢) بما ذُكر من السؤال والجواب على أهل السنة، فقال:
فيه كسرٌ بَيِّنٌ لقولِ مَن يزعم أنَّ الله تعالى يُضِلُّ عباده على الحقيقة، حيث يقول
سبحانه للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتم أم هم ضلُّوا بأنفسهم، فيتبرَّؤون من
إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلِّين، ويقولون: بل أنت تفضَّلْتَ من غير سابقةٍ
على هؤلاء وآبائهم تفضُّلَ جوادٍ كريم، فجعلوا النعمة التي حقُّها أن تكون سببَ
الشكرِ سببَ الكفرِ ونسيانِ الذكر، وكان ذلك سببَ هلاكهم. فإذا برَّأْتِ الملائكةُ
والرسلُ عليهم السلام أنفسَهم من نسبة الإضلال - الذي هو عملُ الشياطين - إليهم،
واستعاذوا منه، فهم لربِّهم الغنيِّ العَدْلِ أشدُّ تَبْرِئةً وتنزيهاً منه. ولقد نزَّهوه تعالى
حين أضافوا إليه سبحانه التفضُّلَ بالنعمة والتمتيعَ بها، وأسندوا نسيانَ الذكر
والتسبُّبَ به للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال المجازيَّ الذي أسنده الله تعالى
إلى ذاته في قوله سبحانه: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، ولو كان سبحانه هو
المضلَّ على الحقيقة لكان الجوابُ العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. انتهى.
وأجاب صاحب ((الفرائد)) عن قوله: فيتبرؤون من إضلالهم .. إلخ. بأنهم
إنَّما تبرؤوا لأنهم يستحقُّون العذابَ بإضلالهم، ولم يكن منهم، فوجب عليهم أن
يقولوا ذلك ليندفع عنهم ما يستحقُّون به من العذاب، وذلك أنهم مسؤولون عمَّا
يفعلون، واللهُ عزَّ وجلَّ لا يُسأل عمَّا يفعل، فيَلْحَقُ بهم النقصانُ إِنْ ثَبتَ عليهم،
ولا یمکن لحوقُه به تعالی لأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويَحْكُم ما يريد.
وعن قوله: ولقد نزَّهوه حيث أضافوا .. إلخ. بأنَّ قولهم: ولكن
متَّعتهم .. إلخ، لا ينافي نسبةَ الإضلال إليه سبحانه على الحقيقة، وأيضاً
ما يؤدِّي إلى الضلال إذا كان منه تعالى وكان معلوماً له عز وجل أنهم يَضِلُّون
به، كان فيه ما في الإضلال بالحقيقة، فوجب على مذهبه أنه لا يجوز عليه
سبحانه مع أنهم نسبوه إليه سبحانه.
(١) حاشية الشهاب ٦/ ٤١٣.
(٢) في الكشاف ٨٥/٣-٨٦.

الآية : ١٨
٥٥١
سُورَةُ القُرْقَان
وعن قوله: ولو كان تعالى هو المضلَّ على الحقيقة لكان الجوابُ العتيد: أنتَ
أَضْلَلْتَهم. بأنَّ هذا غيرُ مستقيم، لأنه تعالى ما سألهم إلَّا عن أحد الأمرين، وما ذُكِرَ
لا يَصْلُحُ جواباً له، بل هو جوّابٌ لمن قال: مَن أضلّهم. انتهى.
وذكر في ((الكشف)) جواباً عن الأخير، أنه ليس السؤالُ عن تعيين مَن أضلَّ؛
لأنه تعالى عالمٌ به، وإنما هو سؤالُ تقريع، على نحو: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾
[المائدة: ١١٦] فلو قالوا: أنت أَضْلَلْتهم، لم يطابق، وإنما الجوابُ ما أجابوا به
كما أجاب عيسى عليه السلام بقوله: ﴿سُبْحَتَكَ مَا يَكُونُ لِّ﴾ [المائدة: ١١٦] إلخ.
وقد اقتدى بالإمام في ذلك(١) .
وذكر أيضاً قبل هذا الجواب أنه لو قيل: إنَّ في ((مَّعتَهم وآباءهم)) ما يدلُّ على
أنه تعالى الفاعلُ الحقيقيُّ للإضلال، وأنه لا يُنْسَبُ إليه سبحانه أدباً، لكان وجهاً،
ولا ينبغي أن يكون ذلك بعد التسليم المقصود من الجواب بمتَّعتَهم .. إلخ بأن
يكون المرادُ الجوابَ بـ : أنت أضللتهم، لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل
أدباً؛ لأنَّ الجواب بذلك مما لا يقتضيه السياقُ كما لا يخفى.
وقال ابن المنير: إنَّ جواب المسؤولينَ بما ذكر يدلُّ على معتقدِهم الموافق لِمَا
عليه أهلُ الحقِّ؛ لأنَّ أهلَ الحقِّ يعتقدون أنَّ الله تعالى وإنْ خَلَقَ الضلالَ إلَّ أنَّ
للعباد اختياراً فيه، وعندهم أنَّ كلَّ فعلٍ اختياريٍّ له نسبتان: إن نُظِرَ إلى كونه
مخلوقاً فهو منسوبٌ إلى الله تعالى، وإن نُظِرَ إلى كونه مختاراً للعبد فهو منسوبٌ
للعبد، وهؤلاء المجيبون نَسَبوا النسيانَ - أي: الانهماكَ في الشهوات الذي ينشأ عنه
النسيانُ - إلى الكفرة، لأنهم اختاروه لأنفسهم فصَدَقَتْ نسبته إليهم، ونَسبوا السببَ
الذي اقتضى نسيانهم وانهماكَهم في الشهوات إلى الله تعالى، وهو استدراجُهم
بَيَسْطِ النعم عليهم وصبِّها صبّاً، فلا تَنَافيَ بين معتقدِ أهلِ الحقِّ ومضمونِ ما قالوا
في الجواب، بل هما متواطئان على أمرٍ واحدٍ (٢). انتهى.
ولا يَخْفَى ما في بيانِ التوافُقِ من النظر. وقد يقال: حيث كان المرادُ من
(١) تفسير الرازي ٢٤/ ٦٢ .
(٢) الانتصاف مع الكشاف ٨٥/٣.

سُؤَدَّةُ القُرْقَانِ
٥٥٢
الآية : ١٩
الاستفهام تقريعَ المشركين، وعِلْمُ المستفهَمين بذلك مما لا ينبغي أن يُنْكَر،
لاسيما إذا كانوا الملائكةَ والأنبياءَ عليهم السلام، جيءَ بالجواب متضمِّناً ذلك على
أتمٍّ وجهٍ، مشتمِلاً على تحقُّق (١) الأمر في منشأ ضلالهم، كلُّ ذلك للاعتناء بمراده
تعالى من تقريعهم وتبكيتهم، ولذا لم يكتفوا في الجواب بـ : هم ضلُّوا، بل افتتحوا
بالتسبيح، ثم نَفَوا عن أنفسهم الإضلالَ على وجهٍ من المبالغة ليس وراءه وراء، ثم
أفادوا أنهم ضلُّوا بعد تحقّق ما ينبغي أن يكون ذريعةً لهم إلى الاهتداء من تمتيعهم
بأنواع النعم، وذلك من أقبح الضلال، ونبَّهوا على زيادةٍ قُبْحِه فوق ما ذُكر بالتعبير
عنه بنسيان الذكر، ثم ذكروا منشأ ضلالِهم والأصلَ الأصيلَ فيه بقولهم: ((وكانوا
قوماً بوراً» إمَّا على معنَى: كانوا في نفس الأمر قوماً فاسدين - وإن شئتَ قلت:
هالكين، ونحوَه مما تقدم - فظهروا على حَسَبٍ ما كانوا لأنَّ ما في نفس الأمر
لا يتغيَّر، أو على معنى: كانوا في العلم التابع للمعلوم في نفسه كذلك، فظهروا
على حَسَب ذلك لئلا يلزم الانقلابُ المُحالُ.
وحاصله: أنَّ منشاً ضلالِهم فسادُ استعدادهم في نفسه من غيرِ مَدْخليةٍ للغير في
التأثير فيه، وهذا شأنُ جميع ماهيات الأشياء في أنفسها، فإنَّ مَدْخليةَ الغير إنما هي
في نحو وجودها الخارجيٍّ لا غير.
وإلى هذا ذهب جمعٌ من الفلاسفة والصوفية، وشيَّد أركانه الشيخ إبراهيم
الكورانيُّ عليه الرحمةُ في أكثرٍ كتبه، فإنْ كان مقبولاً فلا بأس في تخريج الآية
الكريمة علیه فتدبّره.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ حكايةٌ لاحتجاجه تعالى على العَبَدةِ بطريقٍ
تلوينِ الخطاب، وصَرْفِه عن المعبودين عند تمام جوابهم، وتوجيهِه إلى العَبَدةِ
مبالغةً في تقريعهم وتبكيتهم، على تقديرٍ قولٍ مرتَّبٍ على الجواب، أي: فقال الله
تعالى عند ذلك: قد كذَّبكم المعبودون أيُّها الكَفَرَةُ. وقال بعضُ الأَجلَّةِ: الفاء
فصيحةٌ، مثلها في قول العباس بن الأحنف:
قالوا خراسانُ أقصی ما یرادُ بنا
ثم القُفولُ فقد جئنا خراسانا(٢)
(١) في الأصل: تحقيق.
(٢) سلف ١/ ٢٧٠. والتقدير: فقلنا قد جئنا. البحر ٤٨٩/٦.

الآية : ١٩
٥٥٣
سُورَةُ الفُرْقَانِ
والتقدير هنا: قلنا، أو قال تعالى: إن قلتُم إنهم آلهةٌ فقد كذَّبوكم ﴿پِمَا
نَقُولُونَ﴾ أي: في قولكم، على أن الباء بمعنى ((في))، و((ما)) مصدريةٌ، والجارُّ
والمجرورُ متعلِّقٌ بالفعل، والقولُ بمعنى المقول. ويجوز أن تكون ((ما)) موصولةً
والعائدُ محذوف، أي: في الذي تقولونه. وجوِّز أن تكون الباءُ صلةً، والمجرورُ
بدل اشتمالٍ من الضمير المنصوب في ((كذَّبوكم)».
والمراد بقولهم: إنهم آلهةٌ، أو: هؤلاء أضلُّونا؛ وتعقِّب بأنَّ تكذيبهم في هذا
القول لا تعلّق له بما بعده من عدم استطاعتهم للصَّرف والنصر أصلاً، وإنما الذي
يستتبعه تكذيبُهم في زَعْمِهم أنهم آلهتُهم وناصِروهم. وفيه نظرٌ كما سنشير إليه قريباً
إن شاء الله تعالى.
وقيل: الخطابُ للمعبودينَ، أي: فقد كذَّبكم العابدون أيُّها المعبودون في
قولكم: ((سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نَّخِذَ من دونك من أولياء)) حيث زعموا أنكم
آلهةٌ، والمراد الحكم على أولئك المكذِّبين بالكفر على وجهٍ فيه استزادةُ غيظ
المعبودين عليهم، وجَعْلُه مفرَّعاً عليه ما سيأتي إن شاء الله تعالى، والفاء أيضاً
فصيحةٌ، والجملةُ جزاءٌ باعتبارِ الإخبار.
وقيل: هو خطابٌ للمؤمنين في الدنيا، أي: فقد كذَّبكم أيُّها المؤمنون الكفرةُ
في الدنيا فيما تقولونه من التوحيد، وجيء بالكلام ليفرَّع عليه ما بعدُ. وكلا القولين
كما ترى، والثاني أبعدُهما .
وقرأ أبو حيوة: ((يقولون)) بالياء آخِرِ الحروف(١)، وهي روايةٌ عن ابن كثير
وقنبل(٢)، والخطاب في (كذبوكم)) للعابدين، وضمير الجمع فيه وفي ((يقولون))
للمعبودين، أي: فقد كذبكم أيُّها العَبَدةُ المعبودون بزَعْمِكم بقولهم:
سبحانك .. إلخ، والباء للملابسة أو الاستعانة. وفيه أيضاً القولان السابقان، أي:
(١) المحرر الوجيز ٢٠٤/٤، والبحر ٤٨٩/٦.
(٢) قال ابن الجزري في النشر ٣٣٤/٢: اختلف عن قنبل في ((كذبوكم بما تقولون)) فروى عنه
ابن شنبوذ بالغيب، وهي قراءة ابن أبي حيوة، ونصَّ عليها ابن مجاهد عن البزي سماعاً من
قنبل، وروى عنه ابن مجاهد بالخطاب، وبذلك قرأ الباقون.

الآية : ١٩
٥٥٤
سُورَةُ القُرْقَانِ
فقد كذَّبكم أيُّها المعبودون العَبَدةُ بقولهم: إنكم آلهةٌ، أو فقد كذبكم أيُّها المؤمنون
الكفارُ في التوحيد بقولهم: إنَّ هؤلاء المحكيَّ عنهم آلهةٌ.
﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: فما تملكون أيُّها العَبَدَةُ ﴿صَرْفًا﴾ أي: دفعاً للعذاب عن
أنفسكم بوجهٍ من الوجوه، كما يُعْرِبُ عنه التنكير، أي: لا بالذات ولا بالواسطة.
وقيل: حيلةً، من قولهم: إنه ليتصرَّف(١) في أموره، أي: يحتال فيها. وقيل: توبةً.
وقيل: فديةً. والأولُ أَظْهرُ؛ فإنَّ أصل الصَّرف ردُّ الشيءِ من حالةٍ إلى أخرى،
وإطلاقُه على الحيلة أو التوبة أو الفدية مجازٌ.
والمراد: فما تملكون دفعاً للعذاب قبل حلوله ﴿وَلَا نَصْرَأْ﴾ أي: فرداً من أفراد
النصر، أي: العون، لا من جهةٍ أنفسكم ولا من جهةٍ غيركم بعد حلوله.
وقيل: ((نصراً) جمعُ ناصرٍ، كصَحْبٍ جمع صاحبٍ، وليس بشيء.
والفاءُ لترتيبٍ عدم الاستطاعةِ على ما قبلها من التكذيب، لكنْ لا على معنى
أنه لولاه لوُجِدَتِ الاستطاعةُ حقيقةً، بل في زَعْمِهم، حيث كانوا يزعمون أنهم
يدفعون عنهم العذابَ وینصرونھم، وفيه ضربُ تھگّم بهم.
والمرادُ من التكذيب المرتَّبِ عليه ما ذُكر تكذيبهُم بقولهم: إنهم آلهةٌ، ويجوز
أن يُراد به تكذيبُهم بقولهم: هؤلاء أضلَّونا، وهو متضمِّنٌّ نفيَ كونِهم آلهةً، وبذلك
يتمُّ أمرُ الترتيب.
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وأكثرُ السبعة: ((يستطيعون)) بالياء التحتية(٢)،
أي: فما يستطيعُ آلهتُكم دَفْعاً للعذاب عنكم، وقيل: حيلةً لدَفْعِه، وقيل: فديةً عنكم
ولا نصراً لكم.
وقيل في معنى الآية على تقدير كونِ الخطاب السابق للمؤمنين: إنه سبحانه أراد
أنَّ هؤلاء الكفرةَ شديدو الشكيمةِ في التكذيب الموجبِ للتعذيب، فما تستطيعون
أنتم صَرْفَهم عنه، ((ولا نصراً)) لكم فيما يُصيبهم مما يستوجبه من العذاب. هذا على
قراءة حفص ((تستطيعون)) بالتاء الفوقية.
(١) في (م): ليصرف، والمثبت من الأصل والكشاف ٨٧/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية
الشهاب ٤١٣/٦، وتفسير أبي السعود ٢٠٩/٦، والكلام منه.
(٢) قرأ حفص بالتاء، وباقي السبعة بالياء. التيسير ص١٦٣ .

الآية : ١٩
٥٥٥
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وأما على قراءة الجماعة (يستطيعون)) بالياء، فالمعنى: ما يستطيعون صرفاً
لأنفسهم عمَّا هم عليه، ولا نصراً لها فيما استوجبوه بتكذيبهم من العذاب، أو:
فما يستطيعون صَرْفَكم عن الحقِّ الذي أنتم عليه، ولا نَصْراً لأنفسهم من العذاب.
انتھی، وهو کما تری.
﴿وَمَن يَظْلِم﴾ أي: يَكفُرْ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المكلَّفون، ويَعْبُدْ من دون الله تعالى
إلهاً آخَرَ كهؤلاء الكفرة ﴿تُذِقْهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابًا كَبِيرًا ﴾﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه،
وهو عذاب النار.
وقرئ: ((يُذِقْه)) على أنَّ الضمير لله عز وجل(١)، وقيل: لمصدرِ ((يظلم)) أي:
يُذِقْه الظلم، والإسناد مجازيٌّ.
وتفسيرُ الظلم بالكفر هو المرويُّ عن ابن عباس والحسن وابن جريج، وأُيِّد بأن
المقام يقتضيه، فإنَّ الكلام في الكفر(٢) ووعيدِه من مفتتح السورة.
وجوِّز أن يرادَ به ما يعمُّ الشركَ وسائرَ المعاصي، والوعيدُ بالعذاب لا ينافي
العفوَ بالنسبة إلى غير المشرك لِمَا حقِّق في موضعه.
واختار الطيبيُّ التفسير الأول، وجَعَلَ الخطابَ للكفار أيضاً؛ لأن الكلام فيهم
من أول، وقد سبق ((فقد كذَّبوكم))، وهذه الآيةُ لِمَا يجري عليهم من الأهوال
والنكال من لَدُنْ قولِه تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ)، ومعنى ((ومَن يظلم)) حينئذ:
ومَن يَدُمْ على الظلم.
وفي ((الكشف)): الوجهُ أنَّ الخطابَ عامٌّ، والظلم الكفر، و((مَن يظلم)» مُظْهَرٌ
أقيمَ مقام المضمَرِ تنبيهاً على توغُّلهم في الكفر وتجاوزِهم حدَّ الإنصاف والعدلِ إلى
مَحْضِ الاعتسافِ والجَدَلِ فيما رَمَوا به رسولَ اللهِ وَّهِ، وكان الأصلُ: فلا يستطيعون
صرفاً ولا نصراً ونُذيقُهم عذاباً كبيراً، أو نذيقُكم، على اختلافِ القراءتين، والحملُ
على: مَن يَدُمْ على الظلم منكم، ليختصَّ الخطابُ بالكفار صحيحٌ أيضاً، ولكنْ
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٦/ ٤٩٠.
(٢) في الأصل: الكافر.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٥٦
الآية : ٢٠
تفوتُه النكتة التي ذكرناها. انتهى. ولا يخفَى أنَّ كونَه من إقامة المظهَرِ مقامَ المضمَرِ
خلافُ الظاهر، فتأمَّل.
﴿َوَمَّ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقُ﴾
قيل: هو تسليةٌ له وَّر عن قولهم: ما لهذا الرسولِ يأكُلُ الطعامَ ويمشي في الأسواق،
بأنَّ لك في سائر الرسل عليهم السلام أسوةً حسنةً، فإنهم كانوا كذلك.
وقال الزجَّاج(١): احتجاجٌ عليهم في قولهم ذلك، كأنه قيل: كذلك كان مَن
خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فكيف يكون محمدٌ وَلّهِ بِذْعاً من
الرسل عليهم السلام.
وردَّه الطيبيُّ بأنه لا يساعدُ عليه النَّظمُ الجليلُ؛ لأنه قد أُجيب عن تعثّتهم بقوله
تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨].
وتعقبه في ((الكشف)) بقوله: ولقائل أن يقول: هذا جوابٌ آخَرُ كما أجيب
هنالك من أَوْجُهٍ على ما نُقِلَ عن الإمام(٢)، وجَعَلَ قولَه تعالى: (بَلّ كَذَّبُوا) جواباً
ثالثاً، وعقّبه بقوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِلِسَاءَةِ) لمكانِ المناسبةِ، وتمَّ
الوعيدُ، ثم أجابهم سبحانه جواباً آخرَ يتضمَّنُ التسلية أيضاً، وهذا يساعدُ عليه
الَّظمُ الجلیل.
والجملةُ التي بعد ((إلا)) قيل: صفةٌ ثانيةٌ لموصوفٍ مقدَّرٍ قَبْلَ ((من المرسلين))،
والمعنى: ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلَّا آكلين وماشين.
وتعقِّب بأنَّ فيه الفَصْلَ بين الموصوفِ والصفة بـ ((إلا))، وقد ردَّه أكثر النحاة
كما في ((المغني))(٣). ومن هنا جعلها بعضُهم صفةً لموصوفٍ مقدَّر بعد ((إلا)) وذلك
بدلٌ مما حُذِفَ قبلُ وأُقيمتْ صفتُه مقامه، والمعنى: ما أرسلنا قبلك أحداً من
المرسلين إلَّا رجالاً أو رسلاً إنهم .. إلخ، وفيه الفَصْلُ بين البدل والمُبْدَل منه،
وهو جائزٌ عندهم.
(١) في معاني القرآن ٤/ ٦٢.
(٢) تفسير الرازي ٢٤/ ٥٢ و٦٥ .
(٣) ص٤٧٨ .

الآية : ٢٠
٥٥٧
سُورَةُ القُرْقَانِ
وقدَّر الفرَّاء بعد ((إلا)) ((مَن))(١)، وهي تحتملُ أن تكون موصولةً وأن تكون نكرةً
موصوفةً.
وجَعَلَ بعضُهم الجملةَ في محلِّ نصبٍ بقولٍ محذوفٍ، وجملةُ القول صفةٌ،
أي: إلا رجالاً أو رسلاً قيل إنهم .. إلخ، وهو كما ترى.
وقال ابن الأنباريِّ: الجملةُ حاليةٌ، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال، والتقدير: إلَّا
وإنهم. قال أبو حيان: وهو المختار(٢)، وقدّر الواوّ بناءً على أنَّ الاكتفاء في مثل
هذه الجملة الحالية بالضمير غيرُ فصيح، وربما يُختارُ عدمُ التقديرِ ويُمنعُ دَعْوَى عدمِ
الفصاحة، أو يُحملُ ذلك على غير المقترن بـ ((إلا)) لأنه في الحقيقة بدل.
ووجهُ كَسْرٍ ((إنَّ) وقوعُها في الابتداء ووقوعُ اللّام بعدها أيضاً، وقرئ: ((أنهم)
بالفتح(٣) على زيادة اللام بعدها وتقديرِ جارٍّ قبلها، أي: لأنهم يأكلون .. إلخ،
والمراد: ما جعلناهم رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلَهم.
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وعبد الرحمن بن عبد الله:
(يُمَشَّوْنَ)) بتشديد الشين المفتوحة مع ضمِّ الياءِ مبنيًّا للمفعول(٤)، أي: يُمشِّيهم
حوائجُهم أو الناس، والتضعيفُ للتكثير كما في قول الهُذَليِّ:
يمشِّي بيننا حانوتُ خمرٍ(٥)
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ كما في ((البحر)): ((يُمَثُّون)) بضم الياء والشين مع
التشديد مبنيًّا للفاعل(٦)، وهو مبالغةُ يمشي المخفَّفِ، فهي مُطابِقةٌ للقراءة
(١) معاني القرآن للفراء ٢٦٤/٢.
(٢) البحر ٦/ ٤٩٠.
(٣) البحر ٦/ ٤٩٠، والدر المصون ٤٦٩/٨.
(٤) المحتسب ٢/ ١٢٠، والبحر ٤٩٠/٦.
(٥) وعجزه: من الخُرْسِ الصَّراصِرَةِ القطاط، والبيت للمتنخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين
٢/ ٢١. قال الشارح: يقول: يمشي بيننا صاحبُ حانوت خمر، وقوله: من الخرس
الصراصرة، يريد أعجم من نبط الشام. القطاط: الجِعاد، والواحد قطط، وهو أشد
الجعودة .
(٦) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤، والبحر ٤٩٠/٦.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٥٨
الآية : ٢٠
المشهورة، ولا يحتاجُ إلى تقديرٍ يُمِّيهم حوائجُهم ونحوه، وأنشدوا قوله:
قلائصَ منها صعبةٌ وذلولُ(١)
ومشَى بأعطان المَبَاءِ وابْتَغَى
وقوله(٢):
فقد تَرَكَتْ خُزَيبةُ كلَّ وغدٍ يُمْشِّي بين خاتامِ وطاقٍ(٣)
وفي بعض نسخ ((الكشاف)) ما يدلُّ على أنه لم يَظْفَر بهذه القراءة(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَنَصْبِرُونُّ﴾ قيل: تسليةً له وَهُ
أيضاً، لكنْ عن قولهم: ((أو يُلْقَى إليه كنزٌ أو تكونُ له جنةٌ))، أي: وجعلنا أغنياءكم
أيُّها الناس ابتلاءً لفقرائكم لننظر هل يصبرون.
أي: عالماً بالصواب فيما يبتلي به وغيره فلا يضيقَنَّ
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا
صدرُك، ولا تستخفَّك أقاويلُهم. وقيل: تصبيرٌ له عليه الصلاة والسلام على
ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومَشْيِهِ في الأسواق، بعد الاحتجاجِ عليهم
بسائر الرسل.
والكلامُ من تلوين الخطاب بتعميمه لسائر الرسل عليهم السلام بطريق التغليب،
على ما اختاره بعضهم. والمراد بالبعض الأول كفارُ الأمم، واختصاصُهم بالرسل
مصحِّحٌ لِأَنْ يُعدُّوا بعضاً منهم، وبالبعض الثاني رسلُهم، على معنى: جعلنا كلَّ
بعضٍ معيَّنٍ من الأمم فتنةً لبعضٍ معيَّنٍ من الرسل، كأنه قيل: وجعلنا كلَّ أمةٍ
(١) البيت للعلاء بن حذيفة الغنوي كما في أمالي القالي ٢٨/١، وهو دون نسبة في المحرر
الوجيز ٢٠٥/٤، والبحر ٤٩٠/٦. ووقع في الأصل و(م): بأغصان، وهو تصحيف.
ورواية الأمالي والمحرر: أُمثِّي بأعطان المياه وأبتغي. وجاء في جميع المصادر: وركوب،
بدل: وذلول.
(٢) جاء في حاشية (م): أنشده الأزهري، قال أبو عمرو: والعرب تسمي معدن الذهب خُزَيبة.
وأراد بالخاتام الخاتم، وبالطاق الطيلسان. اهـ منه. وينظر التعليق الذي بعده.
(٣) تهذيب اللغة ٧/ ٢١٢، و٢٤٤/٩، واللسان والتاج (خزب) و(طوق). وقال في معجم
البلدان ٣٧٠/٢: وأنشد الفراء فى أماليه، فذكره برواية: لقد نزلت خزيبة كل وغد ....
(٤) الكشاف ٨٧/٣، وفيه: وقرئ ((يُمشَّون)) على المبني للمفعول ... ، ولو قرئ ((يُمشُّون)) لكان
أوجه لولا الرواية.

الآية : ٢٠
٥٥٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
مخصوصةٍ من الأمم الكافرة فتنةً لرسولها المعيّن. وإنما لم يصرّح بذلك تعويلاً
على شهادة الحال، وحاصلُه: جَرَتْ سنَّتُنا بموجب حكمتنا على ابتلاء المرسلين
بأممهم، وبمناصبتهم لهم العداوةَ، وإطلاقٍ ألسنتهم فيهم بالأقاويل الخارجة عن
حدِّ الإنصاف، وسلوكِهم في أذاهم كلَّ مسلكِ لنَعْلَم صبرهم.
أو هو خطابٌ للناس كافةً - على ما قيل - وهو الظاهر، والبعضُ الأول أعمُّ من
الكفار والأغنياء والأصحَّاء وغيرهم ممن يصلُح أن يكون فتنةً، والبعضُ الثاني أعمُّ
من الرسل والفقراء (١) والمرضى وغيرهم ممن يصلح أن يُفْتَن. والكلامُ عليه مفيدٌ
لتصبُّره وَّر على ماقالوه وزيادة.
وقيل: المراد بالبعض الأول مَن لا مالَ له من المرسَلين، وبالبعض الثاني
أممهم، ويدخل في ذلك نبيُّنَا وَّهِ وأمتُه دخولاً أوَّليًّا، فكأنه قيل: جعلناك فتنةً
لأَمَّتْك لأنك لو كنتَ صاحبَ كنوزٍ وجِنَّاتٍ لكان ميلُهم إليك وطاعتُهم لك للدنيا،
أو ممزوجةً بالدنيا، وإنما بعثناك لا مالَ لك ليكون طاعةٌ من يُطيعك منهم خالصةً
لوجه الله تعالى من غير طمع دنيويٌّ، وكذا حالُ سائرِ مَن لا مالَ له من المرسلين
مع أممهم.
والأظهر عمومُ الخطاب والبَعْضَيْنِ، وهو الذي تقتضيه الآثار، وإليه ذهب ابنُ
عطيةً، فقال: ذلك عامٌّ للمؤمن والكافر، فالصحيحُ فتنةٌ للمريض، والغنيُّ فتنةٌ
للفقير، والرسولُ المخصوصُ بكرامةِ النبؤَّةِ فتنةٌ لأشراف الناس الكفارِ في عصره،
وكذلك العلماءُ وحكامُ العدل، وقد تلا ابنُ القاسم هذه الآيةَ حين رأى أشهب(٢).
انتھی .
واختار ذلك أبو حيان(٣)، ولا يضرُّ فيه خصوصُ سبب النزول، فقد روي عن
الكلبيِّ أنها نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل، ومَن في
طبقتهم، قالوا: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمارٌ وصهيبٌ وبلالٌ وفلانٌ وفلانٌ،
ترقَّعوا علينا إدلالاً بالسابقة.
(١) في (م): والقراء، وهو تصحيف.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤. وتنظر قصة أشهب مع ابن القاسم في ترتيب المدارك ٢/ ٤٥٢ .
(٣) البحر ٦/ ٤٩٠.

سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
٥٦٠
الآية : ٢٠
والاستفهام إمَّا في حيِّز التعليل للجَعْلِ، ومُعادِلُه محذوفٌ كما حُذف
فيما لا يُحصى من الأمثلة، والتقدير: لنعلم أتصبرون أم لا، أي: ليظهر ما في
علمنا، وقرينةُ تقديرِ العلم تضمُّنُ الفتنةِ إياه.
وإما أن لا يكون في حيِّز التعليل وليس هناك معادلٌ محذوف، بأنْ يكونَ
للترغيب والتحريض، والمراد: اصبروا فإِنِّي ابتَلَيتُ بعضكم ببعض.
ويجوزُ أن لا يقدر معادلٌ على تقديرٍ اعتبارِ التعليل أيضاً، بأنْ يكونَ الخطابُ
للرسل عليهم السلام على ما سمعتَ.
وجعل ابن عطية الخطابَ فيما سبق عامًّا، وفي ((أتصبرون)) خاصّاً بالمؤمنين
الذين جُعل إمهالُ الكفار فتنةً لهم في ضمن العموم السابق، وقدَّر معادلاً فقال:
كأنه جَعَلَ إمهالَ الكفار فتنةً للمؤمنين، ثم وَقَفَهم: أتصبرون أم لا. وجَعَل قولَه
تعالى: (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) وعداً للصابرين ووعيداً للعاصين(١).
وجَعَله بعضُهم وعداً للرسول ◌َّهر بالأجر الجزيل لصَبْرِه الجميل، مع مزيدٍ
تشريفٍ له عليه الصلاة والسلام بالالتفات إلى اسم الربِّ مضافاً إلى ضميره وَله.
وجوِّز أن يكون وعيداً لأولئك المعاندين له عليه الصلاة والسلام جيء به إتماماً
للتسلية أو التصبُّر، وليس بذاك.
واستُدِلَّ بالآية على القضاء والقدر، فإنها أفادت أنَّ أفعال العباد، كعداوةٍ
الكفار وإيذائهم، بجَعْلِ الله تعالى وإرادته، والفتنةُ بمعنى الابتلاء وإن لم تكن من
أفعال العباد إلا أنها مُفْضيةٌ ومستلزمةٌ لما هو منها. وفيه من الخفاء ما فيه.
(تم والحمد لله الجزء الثامن عشر من تفسير روح المعاني
ويليه إن شاء الله الجزء التاسع عشر
وأوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾
(١) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤.