النص المفهرس

صفحات 521-540

الآية : ٨
٥٢١
سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ
ولعل التعبير أولاً بالماضي مع أنَّ الأصل في ((لولا)) التي للتحضيض أو
العَرْضِ دخولُها على المضارع؛ لأنَّ إنزال المَلَكِ مع قَطْع النظر عن أن يكون معه
عليه الصلاة والسلام نذيراً أمرٌ متحقِّقٌ لم يَزَلْ مدَّعياً لَهَ نَّرِ فأخرجوا(١) الكلام
حَسْبَما يدَّعيه عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن مسلَّماً عندهم، وفيه نوعُ تهكُم منهم
قَاتلَهم الله تعالى، بخلافِ الإلقاء وحصولِ الجنة، ولعل في التعبير بالمضارع
فيهما - وإن كان هو الأصل - إشارةٌ إلى الاستمرار التجدُّديِّ، كأنهم طلبوا شيئاً
لا يَنْفُد.
وذكر ابن هشام في ((المغني)) عن الهرويِّ أنه قال بمجيءٍ ((لولا)) للاستفهام،
ومثَّلَ له بمثالين أحدُهما قولُه تعالى: (لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ)، وتعقّب ذلك بأنه معنّی
لم يذكره أكثر النحويين، والظاهرُ أنها في المثال المذكورِ مثلُها في قوله تعالى:
﴿لَّوْلَا جَءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءٌ﴾ [النور: ١٣]، وذَكَر أنها في ذلك للتوبيخ والتنديم،
وهي حينئذٍ تختصُّ بالماضي(٢).
ولا يخفى أنه إن عَنَى بقوله تعالى: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ) ما وقع هنا فأمرُ كونها
فيه للتوبيخ والتنديم في غاية الخفاء، فتدبّر.
وقرأ قتادة والأعمش: ((أو يكون)) بالياء آخرِ الحروف(٣). وقرأ زيد بن عليٍّ
وحمزةٌ والكسائيُّ وابنُ وثاب وطلحةُ والأعمش: ((نأكل)) بالنون (٤) إسناداً للفعل إلى
ضمير الكفرة القائلين ما ذكر.
﴿وَقَالَ الَّلِمُونَ﴾ هم القائلون الأوَّلون، وإنما وُضِعَ المُظْهَرُ موضعَ ضميرهم
تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوه، لكونه إضلالاً خارجاً عن حدِّ الضلال، مع ما فيه
(١) في (م): فما أخرجوا، وهو خطأ.
(٢) المغني ص٣٦١-٣٦٢، وفيه بدل ((لولا أنزل إليه ملك)): ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨].
والهروي هو علي بن محمد أبو الحسن صاحب الأزهية في الحروف، والذخائر في النحو.
وكلامه في الأزهية ص١٦٦ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٤٨٣/٦.
(٤) التيسير ص١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢ عن حمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من العشرة،
والكلام من البحر ٤٨٣/٦.

سُؤَدَّةُ القُرْقَانِ
٥٢٢
الآية : ٩
من نسبته وَّهِ إلى ما يَشهد العقلُ والنقلُ ببراءته منه، أو إلى ما لا يصلح أن يكون
متمسَّكاً لِمَا يزعمون من نفي الرسالة.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد: وقال الكاملون في الظلم منهم.
وأيًّا ما كان فالمراد أنهم قالوا للمؤمنين: ﴿إِن تَشَِّعُونَ﴾ أي: ما تَتَّبعون ﴿إِلَّا
رَجُلًا مَّسْحُورًا ﴾﴾ سُحِرَ فِغُلِبَ على عقله، فالمراد بالسحر ما به اختلالُ العقل.
وقيل: أصيب سَحْرُه - أي: رئتُه - فاختلَّ حالُه، كما يقال: مرؤوس، أي:
أصیب رأسه.
وقيل: يُسحَر بالطعام وبالشراب، أي: يغذّى. أو: ذا سَحْرٍ - أي: رئةٍ - على
أنَّ ((مفعول)) للنسب، وأرادوا أنه عليه الصلاة والسلام بشرٌ مثلهم.
وقيل: أي: ذا سِحْرٍ، بكسر السين، وعَنَوا قاتلهم الله تعالى: ساحراً. والأظهر
على ما في ((البحر)) التفسيرُ الأول(١). وذُكر أنه الأنسبُ بحالهم.
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ﴾ استعظامٌ للأباطيل التي اجترؤوا على التفوُّه
بها، وتعجيبٌ منها، أي: انظر كيف قالوا في حقِّك الأقاويلَ العجيبةَ الخارجةَ عن
العقول، الجاريةَ لغرابتها مجرى الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفاتِ والأحوال
الشاذَّةَ البعيدةَ من الوقوع.
﴿ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾﴾ فبقُوا متحيِّرين ضُلَّالاً لا يجدون في القَدْح
في نبوَّتك قولاً يستقرُّون عليه وإن كان باطلاً في نفسه، فالفاء الأولى سببيةٌ،
ومتعلّق ((ضلُّوا)) غيرُ مَنْوِيٍّ، والفاءُ الثانية تفسيريةٌ .
أو: فضلُّوا عن طريق الحقِّ فلا يجدون طريقاً موصلاً إليه، فإنَّ مَن اعتاد
استعمالَ هذه الأباطيل لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدِّمات الحقَّةِ، فالفاءُ في
الموضعين سبيةٌ، ومتعلّقُ ((ضلُّوا)) منويٌّ. ولعل الأَوَّل أَوْلَى.
والمراد نفيُ أن يكون ما أَتَوا به قادحاً في نبؤَّته وَّهِ، ونفيُ أن يكون عندهم
ما يصلحُ للقَدْحِ قطعاً على أبلغ وجهٍ، فإنَّ القدح فيها إنما يكون في القدح
(١) البحر ٤٨٣/٦.

الآية : ١٠
٥٢٣
سُوَّةُ القُرْقَانِ
بالمعجزات الدالَّة عليها، وما أتوا به لا يفيدُ ذلك أصلاً، وأنَّى لهم بما يفيده.
﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءُ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَدُ وَيَجْعَل
لَّكَ قُصُورًا (٣٠﴾ أي: تَكاثَر خيرُ الذي إن شاء وَهَبَ لك في الدنيا شيئاً خيراً لك
مما اقترحوه، وهو أن يَجْعَلَ لك مثلَ ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور،
كذا في ((الكشاف))(١).
وعن مجاهد: إنْ شاء جَعَلَ لك جناتٍ في الآخرة وقصوراً في الدنيا. ولا يخفى
ما فيه .
وقيل: المراد: إن شاء جَعَلَ ذلك في الآخرة، ودخلتْ ((إنْ)) على فِعْلِ المشيئة
تنبيهاً على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته تعالى، وأنه معلّقُ على مَحْضٍ مشيئته
سبحانه، وليس لأحدٍ من العِبَاد والعُبَّادِ على الله عز وجل حقُّ لا في الدنيا ولا في
الآخرة. والأول أبلغ في تبكيت الكفار والردِّ عليهم، ولا يردُّه(٢) كما زعم ابنُ
عطيةَ قولُه تعالى: (بَلّ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ)(٣) كما ستعلمُه إن شاء الله تعالى.
والظاهرُ أنَّ الإشارةَ إلى ما اقترحوه من الكنز والجنةِ، وخيريةُ ما ذكر من
الجنة، لِمَا فيه من تعدُّدِ الجنةِ، وجريان الأنهارِ، والمساكنِ الرفيعة في تلك الجنان
بأن يكون في كلِّ منها مسكنٌ أو في كلِّ مساكنُ. ومن الكنز لِمَا أنه مطلوبٌ لذاته
بالنسبة إليه، وهو إنَّما يُطلب لتحصيل مثلٍ ذلك، وهو أيضاً أظهرُ في الأُبَّهة وأملأُ
لعيون الناس من الكنز، وعدمُ التعرُّضِ لجواب الاقتراح الأول لظهور منافاته
للحكمة التشریعیة، وربما يُعلم من کثیرٍ من الآيات، کذا قيل.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): إنَّ الإشارة إلى ما اقترحوه، من أن يكون له وَلّ
جنةٌ يأكل منها، ((وجناتٍ)) بدلٌ من ((خيراً)) محقِّقٌ لخيريَّتِه مما قالوا؛ لأنَّ ذلك كان
مطلقاً عن قيد التعدُّدِ وجريانِ الأنهار. وتعليقُ ذلك بمشيئتهِ تعالى للإيذان بأنَّ عَدَمَ
الجَعْلِ لعَدَمِ المشيئةِ المبنيَّةِ على الحِكُمِ والمصالح. وعَدَمُ التعرُّضِ لجواب
(١) ٨٣/٣.
(٢) في (م): يرد، والمثبت من الأصل والبحر ٦/ ٤٨٤، والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ٢٠١/٤.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٢٤
الآية : ١٠
الاقتراحين الأوَّلين للتنبيه على خروجهما عن دائرة العقل، واستغنائهما عن
الجواب؛ لظهور بطلانِهما ومُنافاتِهما للحكمة التشريعية، وإنما الذي له وجهٌ في
الجملة هو الاقتراحُ الأخير؛ فإنه غيرُ مُنافٍ للحكمة بالكلِّية، فإنَّ بعض الأنبياء
عليهم السلام قد أُوتوا في الدنيا مع النبوّة ملكاً عظيماً(١). انتهى.
وهذا الذي ذكره في الإشارة جَعَله الإمام الرازيُّ قولَ ابنِ عباس ◌ِ﴾ (٢)،
وما ذُكر أوَّلاً استَظْهَرَه أبو حيان وحَكاه عن مجاهد، وحَكَى عن ابن عباس أنها
إشارةٌ إلى ما عيَّروا به من أكل الطعام والمشي في الأسواق، وقال: إنه بعيدٌ(٣).
وحكاه الإمام عن عكرمة(٤). وكأنِّي بك تختارُ ما اختاره صاحب ((الإرشاد)).
والظاهرُ أنَّ (يجعلْ)) مجزومٌ، فيكون معطوفاً على محلِّ الجزاء الذي هو
(جَعَلَ))، وهو جزاءٌ أيضاً، وقد جيء به جملةً استقباليةً على الأصل في الجزاء،
فقد ذكر أهلُ المعاني أنَّ الأصل في جملتي ((إنْ)) الشرطيةِ أن تكونا فعليّتين
استقباليَّتين لفظاً كما أنهما مستقبلتان معنًى، والعدولُ عن ذلك في اللفظ لا يكونُ
إلا لنكتةٍ، وكأنَّ التعبير على هذا بالجملتين الماضويَّتين لفظاً في ((إنْ شاءَ جَعَلَ)) إلخ
لزيادةِ تبكيت الكفارِ فيما اقترحوا من جنسه، ولمَّا لم يقترحوا ما هو من جنسٍ جَعْلٍ
القصور لم يُسْلَكْ فيه ذلك المسلك، فتدبّر.
وقيل: كان الظاهرُ بعد التعبير أوَّلاً في الجزاء بالماضي أن يعبّر به هنا أيضاً،
لكنه عَدَلَ إلى المضارع لأنَّ جَعْلَ القصور في الجنان مستقبلٌ بالنسبة إلى جَعْلٍ
الجنان.
ثم إنَّ هذا العطف يقتضي عدمَ دخولِ القصور في الخير المُبْدَلِ منه قولُه
سبحانه: (جَثَّتٍ)، وكأنَّ ما تقدَّم عن ((الكشاف)) بيانٌ لحاصل المعنى بمعونة
السياق.
(١) تفسير أبي السعود ٢٠٥/٦.
(٢) تفسير الرازي ٢٤/ ٥٣.
(٣) البحر ٦/ ٤٨٤.
(٤) يعني عن عكرمة عن ابن عباس كما في تفسير الرازي ٥٣/٢٤.

الآية : ١٠
٥٢٥
سُوَرَّةُ الفُرْقَانِ
وجوِّز أنْ يكون مرفوعاً أُدْغِمتْ لامُه في لام ((لك))، لكنَّ إدغام المثلين إذا
تحرَّك أولُهما إنَّما هو مذهبُ أبي عمرو (١)، والذي قرأ بالتسكين من السبعة هو
وحمزةُ والكسائيُّ ونافعٌ(٢).
وفي روايةٍ محبوبٍ عنه أنه قرأ بالرفع بلا إدغام، وهي قراءةُ ابن عامر وابن كثير
ومجاهد وحميد وأبي بكر(٣)، والعطفُ على هذه القراءة واحتمالُ الإدغام عند ابن
عطية على المعنى في ((جَعَلَ))؛ لأنَّ جواب الشرط موضعُ استئنافٍ، أَلَا يُرى أنَّ
الجملة من المبتدأ والخبر قد تقعُ موقعَ جواب الشرط (٤)؟
وقال الزمخشريُّ: هو معطوفٌ على ((جَعَلَ)) لأنَّ الشرط إذا كان ماضياً جاز في
جوابه الجزمُ والرفعُ، کقول زهيرٍ في مَدْحِ هرم بن سنان:
وإنْ أتاه خليلٌ(٥) يومَ مَسْغَبةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ(٦)
ومذهبُ سيبويه أنَّ الجواب في مثل ذلك محذوفٌ، وأنَّ المضارعِ المرفوعَ على
نيةِ التقديم(٧). وذهب الكوفيون والمبرِّدُ (٨) إلى أنه هو الجواب، وأنه على حذفٍ
الفاء.
والتركيبُ عند الجمهور فصيحٌ سائٌ في النثر كالشعر، وحكى أبو حيَّان عن
بعض أصحابه أنه لا يجوز إلّ في الضرورة؛ إذ لم يَجِئْ إلا في الشعر(٩). وتمامُ
الكلام في تحقيق المذاهب في محلِّه.
(١) التيسير ص ٢٠.
(٢) وعاصمٌ في رواية حفص. التيسير ص١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢. وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب
وخلف من العشرة.
(٣) التيسير ص١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢ عن ابن عامر وابن كثير وأبي بكر، والكلام من البحر
٤٨٤/٦.
(٤) المحرر الوجيز ٢٠١/٤.
(٥) جاء في هامش الأصل و(م): من الخَلَّة بالفتح، وهو الفقر.
(٦) الكشاف ٨٣/٣، والبيت في ديوان زهير ص ١٥٣، والكتاب ٦٦/٣، والبحر ٤٨٤/٦.
(٧) الكتاب ٦٦/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٦/ ٤٨٤.
(٨) في المقتضب ٦٩/٢، والكلام من البحر ٦/ ٤٨٤.
(٩) البحر ٤٨٤/٦.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٢٦
الآية : ١٠
وقال الحوفيُّ وأبو البقاء: الرفعُ على الاستئناف(١)، قيل: وهو استئنافٌ
نحويٌّ، والكلامُ وعدٌ له وَّه بجَعْلِ تلك القصور في الآخرة، ولذا عَدَلَ عن
الماضي إلى المضارع الدالٌ على الاستقبال.
وقيل: هو استئنافٌ بيانيٍّ، كأن قائلاً يقول: كيف الحال في الآخرة؟ فقيل:
يجعل لك فيها قصوراً.
وجَعَلَ بعضُهم على الاستئناف هذا الجَعْلَ في الدنيا أيضاً، على معنى: إن شاء
جَعَلَ لك في الدنيا جناتٍ، ويجعلُ لك في تلك الجنات قصوراً إن تحقّقت
الشرطية، وهو كما ترى.
وقيل: الرفعُ بالعطف على ((تجري)) صفة بتقدير: ويَجْعَلُ فيها، أي: الجنات.
وليس بشيءٍ.
وقرأ عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: ((ويجعلَ)) بالنصب(٢) على إضمار
((أنْ))، ووجهُه على ما نُقِلَ عن السيرافيِّ أنَّ الشرط لمَّا كان غيرَ مجزومٍ أَشْبهَ
الاستفهامَ. وقيل: لمَّا كان غيرَ واقعٍ حال المشارطة أشبه النفي، وقد ذكر النصبَ
بعده سيبويه، وقال: إنه ضعيف.
وقيل: الفعلُ مرفوعٌ وفتح لامه إتباعاً لِلَام ((لك))، نظير ما قيل في قوله:
حمامةٌ في غصونٍ ذاتٍ أَوْقَالٍ(٣)
لم يمنع الشربَ منها غيرَ أن نَطَقتْ
من أنه فتح راء ((غير)) إتباعاً لهمزةٍ ((أنْ)) وهو أحدُ وجهين في البيت.
ونظيرُ الآية في هذه القراءات قولُ النابغة:
فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوس يَهْلِكْ
ربيعُ الناس والشَّهرُ الحرامُ
(١) الإملاء ٩٢/٤، ونقله المصنف عنه وعن الحوفي بواسطة أبي حيان في البحر ٦/ ٤٨٤.
(٢) المحتسب ١١٨/٢، والبحر ٤٨٤/٦ .
(٣) الكتاب ٣٢٩/٢، والأصول في النحو ٢٧٦/١، وسر صناعة الإعراب ٥٠٧/٢، والإنصاف
٢٨٧/١ و٢٩٠، والمغني ٦٧١/١، والخزانة ٤٠٦/٣، وفيه: نطقت: صوَّتت وصلحت.
وذاتٍ: صفةٌ لغصون. والأوقال: جمع وَقْل. والبيت سلف ٦٩/١٢ .

الآية : ١١
٥٢٧
سُورَةُ القُرْقَانِ
ونأخذ بعده بذِنابٍ عيشِ أَجَبِّ الظَّهْر ليس له سَنامُ(١)
فإنه يُروى في ((نأخذ)) الجزمُ والرفعُ والنصبُ.
﴿بَلْ كَذَّبُرْ بِالسَّاعَةِ﴾ انتقالٌ إلى حكايةِ نوعٍ آخَرَ من أباطيلهم متعلِّقٍ بأمرِ المَعَادِ،
وما قبلُ كان متعلِّقاً بأمر التوحيد وأمرِ النبوة، ولا يضرُّ في ذلك العودُ إلى ما يتعلَّق
بالكلام السابق، واختلافُ أساليبِ الحكاية لاختلاف المحكيِّ، وما ألطفَ تصديرَ
حكايةِ ما يتعلَّقُ بالآخرة بـ ((بل)) الانتقالية.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيًا ﴾﴾ إلخ لبيانٍ ما لهم في
الآخرة بسببه، أي: هيَّنا لهم ناراً عظيمةً شديدةَ الاشتعال شأنُها كيت وكيتَ بسبب
تكذيبهم بها، على ما يُشْعِرُ به وضعُ الموصولِ موضعَ ضميرهم، أو لكلِّ مَن كذَّب
بها كائناً مَن كان، وهم داخلون في ذلك دخولاً أوَّليّاً. ووضعُ الساعةِ موضعَ
ضميرِها للمبالغة في التشنيع.
وهذا الإعتاد(٢) وإن كان ليس بسببٍ تكذيبهم بها خاصَّةً بل يشاركُه في السببية
له ارتكابُهم الأباطيلَ في أمر التوحيد وأمرِ النبوة، إلَّا أنه لمَّا كانت الساعةُ نفسُها
هي العلةَ القريبةَ لدخولهم السعيرَ، أُشير بما ذُكر إلى سببيةِ التكذيب بها لدخولها،
ولم يتعرَّض للإشارة إلى سببيةِ شيءٍ آخَرَ.
وقيل: إنَّ مَن كذَّب بالساعة صار كالاسم لأولئك المشركين والمكذِّبين
برسول الله وسلّ والمكذُّبين بالساعة، أي: الجامعين للأوصافِ الثلاثةِ؛ لأنَّ
التكذيب بها أخصُّ صفاتِهم القبيحةِ، وأكثرُ دوراناً على ألسنتهم، إذ من الكفار مَن
يشركُ ويكذِّبُ برسول الله عليه الصلاة والسلام ولا يكذِّبُ بالساعة. فالمرادُ ممَّن(٣)
يكذِّب بالساعة أولئك الصنفُ من الكفرة. وهو كما ترى.
وقيل: إنَّ قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ) عطفٌ على قوله تعالى: (وَقَالُواْ مَالٍ
(١) ديوان النابغة ص١١٠. وأبو قابوس هو النعمان بن المنذر. وقوله: الظهر، يجوز فيه ثلاثة
وجوه: الرفع والنصب والجر، وينظر تفصيل ذلك في الخزانة ٩/ ٣٦٤.
(٢) في الأصل و(م): الاعتداد، والصواب ما أثبتناه، وينظر تفسير أبي السعود ٢٠٥/٦.
(٣) في (م): من.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٢٨
الآية : ١١
هَذَا الرَّسُولِ) إلخ وإضرابٌ عنه إلى ما هو أعجبُ منه، على معنى: أنَّ ذلك تكذيبٌ
للرسول ﴿ وهذا تكذيبٌ لله سبحانه وتعالى؛ ففي ((صحيح البخاريِّ)) عن النبيِّ وَل
قال: ((قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدَمَ ولم يكن له ذلك - إلى قوله تعالى - فأما تكذيبُه
إِيَّايَ فزَعَم أنِّي لا أقدرُ أن أعيدَه كما كان))(١)، وظاهرُه أنَّ أعجبية التكذيب بالساعة
لأنه تکذیبٌ لله عزَّ وجلَّ.
وقال بعضُهم: إنَّ الأعجبية لأنهم أنكروا قدرةَ الله تعالى على الإعادة مع
ما شاهدوه في الأنفُسِ والآفاق، وما ارْتَكَزَ في أوهامهم من أنَّ الإعادةَ أهونُ من
الإبداء، وليس ذلك لأنه تكذيبُ الله عزَّ وجل فإنهم لم يسمعوا أمرَ الساعةِ إلَّا من
النبيِّ وَّيَ، فهو تكذيبٌ له عليه الصلاة والسلام فيه. وأنت تعلم أنَّ في الحديث
إشارةً إلى ما ارتضاه.
وقيل: إضرابٌ عن ذاك، على معنى: أَتَوا بأَعْجَبَ منه، حيث كذَّبوا بالساعة
وأنكروها والحالُ أنَّا قد أعْتَدْنَا لمن كذَّب بها سعيراً، فإنَّ جراءتهم على التكذيب
بها، وعَدَمَ خوفهم مما أعدَّ لمن كذَّب بها من أنواع العذاب، أعجبُ من القول
السابق.
وتعقِّب بأنه لا نُسلِّم كونَ الجراءةِ على التكذيب بالساعة أعجبَ من الجراءة
على القول السابق بعد ظهورِ المعجزة، ولا نسلِّم أنَّ انضمامَ عَدَم الخوف مما يترتَّبُ
عليه إذا كان ذلك الترتُّبُ في الساعة المكذَّب بها يفيد شيئاً. وفيه تأمل.
وقيل: هو إضراب عن ذاك على معنى: أتوا بأعجب منه حيث كذبوا بالساعة
التي أَخْبَرَ بها جميعُ الأنبياء عليهم السلام، فالجراءةُ على التكذيب بها جراءةٌ على
التكذيب بهم، والجراءة على التكذيب بهم أعجبُ من الجراءة على القول السابق.
وتعقِّب بأنَّ مرادهم من القول السابق نَفْيُ نبوَّتِه عليه الصلاة والسلام
وتكذيبهُ - وحاشاه ثم حاشاه من الكذب في دعواه إياها - لعَدَم مخالفة حاله وَله
حالَهم، واتِّصافِه بما زعموا منافاتَه للرسالة، وذلك موجودٌ وَمتحقِّقُ في جميع
الأنبياء عليهم السلام، فتكذيبُه وَّ لذلك تكذيبٌ لهم أيضاً، فلا يكون التكذيبُ
(١) صحيح البخاري(٤٤٨٢) من حديث ابن عباس

الآية : ١٢
٥٢٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
بالساعة على ما ذكر أعجبَ من تكذيب النبيِّ وَّر، لاشتراك التكذيبين في كونهما في
حکم تكذيب الکلِّ.
وقيل: هو متَّصلٌ بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ﴾ إلخ الواقع جواباً لهم،
والمُنْبِئِ عن الوعد بالجنَّات والقصور في الآخرة، مسوقٌ لبيان أنَّ ذلك لا يُجدي
نفعاً، على طريقةِ قولٍ مَن قال:
عُوجُوا لنُعْمِ فحيُّوا دِمْنةَ الدارِ ماذا تحيُّون من نُؤْىٍ وأحجارٍ (١)
والمعنى أنهم لا يؤمنون بالساعة، فكيف يقتنعون بهذا الجواب؟ وكيف
يصدِّقون بتعجيل مثلٍ ما وعدك في الآخرة؟
وقيل: إضرابٌ عن الجواب إلى بيانِ العلَّة الداعيةِ لهم إلى التكذيب،
والمعنى: بل كذَّبوا بالساعة فقصرتْ أنظارُهم على الحظوظ الدنيوية، وظنُّوا أنَّ
الكرامة ليست إلَّا بالمال، وجعلوا خُلُوَّ يدِكَ عنه ذريعةً إلى تكذيبك.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ إلى آخره صفةٌ للسعير، والتأنيثُ باعتبارِ النار.
وقيل: لأنه عَلَمٌ لجهنمَ كما روي عن الحسن. وفيه أنه لو كان كذلك لامْتَنعَ دخولُ
(أل)) عليه، ولَمُنِعَ من الصَّرْفِ للتأنيثِ والعَلَمِيَّة.
وأجيب بأنَّ دخول ((أل)) لِلَمْحِ الصفة، وهي تدخل الأعلام لذلك كالحسن
والعباس، وبأنه صُرِفَ للتناسُبِ ورعايةِ الفاصلة، أو لتأويله بالمكان، وتأنيثُه هنا
للتفتُّن.
وإسنادُ الرؤية إليها حقيقةٌ على ما هو الظاهر، وكذا نسبةُ التغيُّظِ والزفير
فيما بعدُ؛ إذ لا امْتناعَ في أنْ يخلقَ الله تعالى النارَ حيةً مغتاظةً زافرةً على الكفار،
فلا حاجةَ إلى تأويل الظواهر الدالَّةِ على أنَّ لها إدراكاً، كهذه الآية، وقوله تعالى:
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وقولِه ◌َل كما في ((صحيح
البخاريِ)): ((شَكَتِ النارُ إلى ربِّها فقالت: ربِّ أكل بعضي بعضاً. فأذِنَ لها بنَفَسين:
نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف)»(٢) إلى غير ذلك.
(١) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ص٤٨ برواية: عوجوا فحيوا لنُعم ... ، وسلف ١٧ / ١٠٧.
(٢) صحيح البخاري (٣٢٦٠) من حديث أبي هريرة له، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٢٤٧)،
ومسلم (٦١٧).

سُوَّةُ القُرْقَانِ
٥٣٠
الآية : ١٢
وإذا صحُّ ما أخرجه الطبرانيُّ وابنُ مردويه من طريق مكحولٍ عن أبي أمامةً
قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّداً فليتبوَأ مقعده من بين عيني جهنّم))
قالوا: يا رسول الله، هل لجهنم من عين؟ قال: ((نعم، أمَا سمعتُم الله تعالى يقول:
(إذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ) فهل تراهم إلَّا بعينين)) (١) كان ما قلناه هو الصحيحَ.
وإسنادُها إليها لا إليهم للإيذان بأنَّ التغيُّظَ والزفيرَ منها لهيجان غَضَبِها عليهم
عند رؤيتها إياهم.
﴿مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو أقصى ما يمكنُ أن يُرى منه، وروي أنه هنا مسیرةُ خمسٍ
مئةٍ عام. وأخرج آدم بنُ أبي إياس(٢) في تفسيره عن ابن عباس أنه مسيرةٌ مئةٍ عامٍ.
وحكي(٣) ذلك عن السديِّ والكلبيِّ. ورُوي أيضاً عن كعب.
وقيل: مسيرة سنةٍ، وحكاه الطبرسيُّ عن الإمام أبي عبد الله رَهُ(٤)، ونسبه في
(إرشاد العقل السليم)) إلى السديِّ والكلبيّ(٥).
﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا﴾ أي: صوتَ تغيُّظٍ ليصِحَّ تعلَّق السماع به. وفي ((مفردات))
الراغب: الغيظ أشدُّ الغضب، والتغيُّظ هو إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوتٍ
مسموع كما في الآية (٦).
(١) المعجم الكبير (٧٥٩٩)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٦٤/٥. قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ١٤٨/١: فيه الأحوص بن حكيم، ضعفه النسائي وغيره، ووثقه العجلي
ويحيى بن سعيد القطان، ورواه عن الأحوص محمد بن الفضل بن عطية، وهو ضعيف.
وأخرجه الطبري ١٧ / ٤٠٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧ من طريق خالد بن دريك عن رجل من
أصحاب محمد عن النبي وَطيه. وخالد بن دريك قال عنه ابن حجر في التقريب: ثقة يرسل.
ومن المتواتر قوله وقال: ((من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)). ينظر فتح الباري
٢٠٣/١، والأزهار المتناثرة (٢).
(٢) أبو الحسن الخراساني المرُّوذي، ثم البغدادي، ثم العسقلاني، محدث عسقلان، واسم
أبيه: ناهية بن شعيب، وقيل: عبد الرحمن. توفي سنة (٢٢٠هـ). السير ٣٣٥/١٠. ونقله
المصنف عنه بواسطة السيوطي في الدر ٦٤/٥.
(٣) جاء في هامش (م): حكاه الطبرسي في مجمع البيان. اهـ منه. وهو في مجمع البيان ٩٣/١٨.
(٤) مجمع البيان ١٨/ ٩٣.
(٥) تفسير أبي السعود ٢٠٦/٦.
(٦) مفردات الراغب (غيظ).

الآية : ١٢
٥٣١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقيل: أريدَ بالسماع مطلقُ الإدراك، كأنه قيل: أدركوا لها تغيُّظاً.
﴿وَزَفِيْرًا (١) هو إخراجُ النَّفَس بعد مدِّه، على ما في ((القاموس))(١). وقال
الراغب: هو ترديدُ النَّفَسِ حتى تنتفخَ الضلوعُ منه (٢). وشاع استعمالُه في نَفْسٍ
صوتٍ ذلك النَّفَس، ولا شبهةَ في أنه مما يتعلَّق به السماعُ، ولذا استَشْكَلوا تعلُّقَ
السماع بالتغيُّظ دون الزفير، فأوَّلوا لذلك بما سمعتَ.
وقال بعضهم: إنَّ ما ذُكر من قبيل قوله:
ورأيتُ زوجكِ قد غدا
متقلِّداً سيفاً ورمحاً (٣)
وهو بتقديرٍ: سمعوا لها وأَدْرَكوا تغيُّظاً وزفيراً، ويعاد كلٌّ إلى ما يناسبه.
ومن الناس مَن قال: الكلامُ خارجٌ مخرجَ المبالغة بجَعْلِ التغيُّظ مع أنه ليس من
المسموعات مسموعاً .
والتنوينُ فيه وفي ((زفيراً) للتفخيم، وقد جاء في الآثار ما يدلُّ على شدة زفيرها
أعاذنا الله تعالى منها، ففي خبرٍ أخرجه ابن جريرٍ وابن أبي حاتم بسندٍ صحيح عن
ابن عباس: أنَّها تَزْفرُ زَفْرةً لا يبقى أحدٌ إلا خاف (٤).
وأخرج ابن المنذر وابن جريرٍ وغيرُهما عن عبيد بن عمير أنه قال في قوله
تعالى: (سَمِعُواْ لَمَا) إلخ: إنَّ جهنم لُتَزْفرُ زَفْرةً لا يبقى مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ
إلا تَرْعُدُ فرائصُه، حتى إن ابراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول: يا ربّ،
لا أسألك اليومَ إلا نفسي(٥).
(١) مادة (زفر).
(٢) مفردات الراغب (زفر).
(٣) البيت لعبد الله بن الزِّبَعْرى، وهو في ديوانه ص٣٢، والكامل ٤٣٢/١ و٤٧٧، ومجاز
القرآن ٦٨/٢، والخصائص ٤٣١/٢، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١١٤٧/٣، والبحر
٦/ ٤٨٥. وصدر البيت في هذه المصادر: يا ليت زوجك قد غدا.
قال أبو حيان: وهذا مخرَّجٌ على تخريجين، أحدهما: الحذف، أي: ومعتقلاً رمحاً.
والثاني: تضمين متقلداً معنى متسلحاً، فكذلك الآية، أي: سمعوا لها ورأوا تغيظاً وزفيراً،
وعاد كل واحد إلى ما يناسبه، أو ضمن ((سمعوا)) معنى أدركوا، فيشمل التغيظ والزفير.
(٤) تفسير الطبري ١٧/ ٤١٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٦٦٨/٨.
(٥) تفسير الطبري ٤٠٩/١٧- ٤١٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٦٤/٥، وأخرجه أيضاً

سُوَّةُ القُرْقَانِ
٥٣٢
الآية : ١٢
وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إذا كان يومُ القيامة جَمَعَ الله تعالى الأوَّلينَ
والآخِرِين في صعيدٍ واحدٍ، فنزلت الملائكةُ صفوفاً، فيقول الله تعالى لجبريل عليه
السلام: انتِ بجهنَّم، فيأتي بها تُقاد بسبعين ألفَ زمام، حتى إذا كانت من الخلائق
على قَدْرٍ مئة عام زَفَرتْ زَفْرةً طارت لها أفئدةُ الخلائق، ثم زَفَرتْ ثانيةً فلا يبقى
مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ إلا جثا لركبتيه، ثم تزفرُ الثالثةَ فتبلغُ القلوبُ الحناجر،
وتذهلُ العقولُ، فيَفْزَعُ كلُّ امرئ إلى عمله حتى إن إبراهيم عليه السلام يقول:
بخلَّتي لا أسألكَ إلَّا نفسي. ويقول موسى عليه السلام: بمناجاتي لا أسألك إلَّا
نفسي. ويقول عيسى عليه السلام: بما أَكْرَمْتَني لا أسألكَ إلَّا نفسي، لا أسألُكَ
مريمَ التي وَلَدَتْني. ومحمد ◌ََّ يقول: أمتي أمتي، لا أسألك اليومَ نفسي. فيجيبُه
الجليلُ جلَّ جلالُه: إنَّ أوليائي من أمتك لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، فَوَعِزَّتي
لأُقِرَّنَّ عينَك. ثم تقفُ الملائكةُ عليهم السلام بين يدي الله تعالى ينتظرون
ما يؤمَرون(١). وهذه الأخبار ظاهرةٌ في أنَّ النار هي التي تزفرُ، وأنَّ الزفير على
حقيقته .
وزعم بعضهم أنَّ زفيرها صوتُ لهيبها واشتعالها .
وقيل: إنَّ كلَّا من الرؤية والتغيُّظِ والزفيرِ لزبانيتها، ونسبتهُ إليها على حذف
المضاف، ونُقل ذلك عن الجبائيِّ.
وقيل: إنَّ قولَه تعالى: (رَأَتْهُم) من قوله ◌َِّ: ((إنَّ المؤمن والكافر لا تتراءى
ناراهما)»(٢)، وقولِهم: دورُهم تتراءى وتتناظَرُ، كأنَّ بعضَها يَرَى بعضاً، على سبيل
= عبد الرزاق ٦٧/٢، وابن أبي حاتم ٢٦٦٨/٨.
(١) الحلية ٣٧٢/٥-٣٧٣.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن
أبي حازم عن جرير بن عبد الله عنه، عن النبي ◌َّر. وأخرجه الترمذي (١٦٠٥)، والنسائي
٣٦/٨ من طريق إسماعيل عن قيس عن النبي وَقر. قال الترمذي: ولم يذكر فيه: عن جرير،
وهذا أصح. وقال في العلل ٦٨٦/٢: سألت محمداً (يعني البخاري) عن هذا الحديث
فقال: الصحيح عن قيس بن أبي حازم مرسلاً. اهـ. قال ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف ص٥٥: وصله معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير، وأرسله غيره من أصحاب
إسماعيل، وتابعه حجاج بن أرطاة عن إسماعيل. وحجاج ضعيف، ورجح البخاري وغيره
=

الآية : ١٣
٥٣٣
سُورَةُ الفُرْقَانِ
الاستعارة بالكناية أو المجاز(١) المرسل، وجوِّز أن يكون من باب التمثيل، وأيًّا
ما كان فالمراد: إذا كانت بمرأى منهم. وقوله سبحانه: (سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا) على تشبيه
صوتٍ غليانها بصوتِ المغتاظ وزفيرِهِ، وفيه استعارةٌ تصريحيةٌ أو مكنيةٌ، وجوِّز أن
تكون تمثيليةً، وقد ذكر هذا التأويل الزمخشريُّ مقدِّماً له(٢). وذَكَرَ بعضُ الأئمة أنَّ
هذا مذهبُ المعتزلة؛ لأنهم جعلوا البنيةَ شرطاً في الحياة.
وفي ((الكشف)): الأشبهُ أنَّ ذلك ليس لأنَّ البنيةَ شرطٌ، ومن أين العلم بأنَّ بنيةً
نارِ الآخرة بحيث لا تستعدُّ للحياة؟ بل لأنه لا بدَّ من ارتكاب خلافِ الظاهر، مِن
جَعْلِ الشيء المعروفِ جماديتُه حيّاً ناطقاً، فكان خبراً على خلاف المعتاد، أو
الحملِ على المجاز التمثيليِّ الشائع في كلامهم، لا سيما في كلام الله تعالى ورُسُلِه
عليهم السلام، وإذ لاح الوجهُ فكن الحاكمَ في تَرْكِ الظاهر إلى هذا أو ذاك، وفتحُ
هذا البابِ لا يجرُّ إلى مذهبٍ الفلاسفة، كما توقَّم صاحب ((الانتصاف))(٣)،
ولا يخالف تعبُّدَنا بالظواهر، فإنَّ ما يدَّعونه أيضاً ليس بظاهرٍ. انتهى.
وأنت تعلم بعد الإغماض عن المناقشة فيما ذكر أنَّ الحمل على الحقيقة هنا
أبلغُ في التهويل، ولعله يهوِّنُ أمرَ الخبر على خلاف المعتاد؛ وهذا إن لم يصحَّ
الخبرُ السابق، أما إذا صحَّ فلا ينبغي العدولُ عما يقتضيه، وليس لأحدٍ قولٌ مع
قوله وَّفه، فإنه الأعلم بظاهر الكتاب وخافيه.
﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانً﴾ أي: في مكانٍ، فهو منصوبٌ على الظرفية، و((منها)) حالٌ
منه لأنه في الأصل صفة، وجوِّز تعلُّقه بـ ((أُلقوا)).
وقوله تعالى: ﴿ضَيِقًا﴾ صفةٌ لـ ((مكاناً)) مقيِّدةٌ لزيادة شدَّة الكرب مع الضيق
كما أنَّ الرَّوْحَ(٤) مع السعة، وهو السرُّ في وصف الجنة بأنَّ عَرْضَها السماواتُ
= المرسل، وخالف الجميعَ حفصُ بن غياث فرواه عن إسماعيل عن قيس عن خالد بن
الوليد، أخرجه الطبراني. اهـ. وحديث خالد في المعجم الكبير (٣٨٣٦).
(١) في (م): والمجاز.
(٢) الكشاف ٣/ ٨٣-٨٤ .
(٣) ٨٣/٣، قال: ولو فتح باب التأويل والمجاز في أحوال المعاد لتطوَّح الذي يسلك ذلك إلى
وادي الضلالة والتحيزِ إلى فرق الفلاسفة، فالحق أنا متعبَّدون بالظاهر ما لم يمنع مانع.
(٤) الرَّوح بالفتح: الراحة. حاشية الشهاب ٦/ ٤١٠.

سُوَّةُ القُرْقَانِ
٥٣٤
الآية : ١٣
والأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن [أبي] أسيد أنَّ رسول الله وَّ سئل
عن قوله تعالى: (وَإِذَا أُلْقُواْ) إلخ فقال: ((والذي نفسي بيده إنهم ليُسْتَكْرَهون في النار
كما يُسْتَكرَهُ الوتدُ في الحائط)»(١).
وعن ابن عباس ﴿ها: أنها تضيقُ عليهم كما يضيق الزُّجُ(٢) في الرمح.
وقال(٣) الكلبيُّ: الأسفلون يرفعُهم اللَّهبُ، والأَعْلَوْن يحظُهم الداخلون،
فیزدحمون .
وقرأ ابن كثير: ((ضَيْقاً)) بسكون الياء(٤).
﴿مُقَرَّبِينَ﴾ حالٌ من ضميرٍ ((أُلقوا))، أي: إذا ألقوا منها مكاناً ضيِّقاً حال كونهم
مقرَّنين قد قُرِنَتْ أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع.
وقيل: مقرَّنين مع الشياطين في السلاسل، كلٌّ كافرٍ مع شيطانه وفي أرجلهم
الأصفاد. وحكي عن الجبائيّ.
وقرأ أبو شيبة صاحبُ معاذ بن جبل: ((مقرَّنون)) بالرفع(٥)، ونسبها ابن خالويه
إلى معاذ(٦)، ووجهُها على ما في ((البحر)): كونُه بدلاً من ضمير ((ألقوا)) بدلَ نكرةٍ
من معرفةٍ(٧) .
﴿رَعَوْ هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان الهائل ﴿ثُبُورًا ﴾ أي: هلاكاً كما قال
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٦٨/٨، وذكره ابن كثير عن تفسير هذه الآية، والسيوطي في الدر
٦٤/٥، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر.
(٢) الزج: الحديدة في أسفل الرمح. القاموس (زجج).
(٣) في الأصل و(م): وقرأ، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٠٦/٦، والكلام منه.
(٤) التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢٠٢/٤، والبحر ٦ / ٤٨٥، والكلام منه، وأبو شيبة هو المهري كما ذكر ابن
عطية، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/ ٣٩٠: سئل أبو زرعة عن أبي شيبة
المهري فقال: هو من التابعين ولا يعرف اسمه.
(٦) القراءات الشاذة ص١٠٤، والكلام من البحر ٦/ ٤٨٥.
(٧) البحر ٤٨٥/٦.

الآية : ١٤
٥٣٥
سُورَةُ القُرْقَانِ
الضحاك وقتادة، وهو مفعولُ ((دَعَوا)) أي: نادوا ذلك فقالوا: يا ثُبُوراه، على
معنى: احضُرْ فهذا وقتُكَ.
وجَعَلَ غير واحدٍ النداءَ بمعنى التمنِّي، فيتمنَّوْنَ الهلاك ليَسْلَموا ممَّا هو أشدُّ
منه، كما قيل: أشدُّ من الموت ما يُتَمنَّى معه الموتُ.
وجوَّز أبو البقاء نصبَ ((ثبوراً)) على المصدرية لـ ((دَعَوا)) على معنى: دَعَوْا
دعاءً(١).
وقيل: على المصدرية لفعلٍ محذوفٍ، ومفعولُ (دَعَوا)) مقدَّرٌ، أي: دَعَوا مَن
لا يُجيبهم قائلين: ثَبِرْنا ثبوراً.
وكلا القولين كما ترى.
ولا اختصاصَ لدعاء الثبور بكَفَرةِ الإنس فإنه يكون للشيطان أيضاً؛ أخرج
أحمد وابنُ أبي شيبة وعبد بن حميد والبزَّارُ وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
مردويه، والبيهقيُّ في ((البعث))، بسندٍ صحيح عن أنس قال: قال رسول الله وَله:
(إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسَى حلَّةً من النار إبليسُ، فيضعُها على حاجبيه ويسحبُها من خَلْفِهِ
ذرِّيتُه من بعده، وهو ينادي: يا تُبوراه، ويقولون: يا ثُبورهم، حتى يقف على النار
فيقول: يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم)) الحديث(٢). وفي بعض الروايات أنَّ أولَ
من يقول ذلك إبليسُ، ثم يتبعُه أتباعه(٣) .
وظاهرُه شمولُ الأتباع كفرةَ الإنس والجنِّ، ولا يتوهّم اختصاصُ ذلك ببعض
كفرةٍ الإنس بناءً على ما قيل: إنَّ الآية نزلت في أبي جهل وأصحابه؛ لما لا يخفى.
وقولُه تعالى: ﴿لَّا نَدْعُوْ اَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا﴾ على تقديرِ قولٍ إِمَّا منصوب على أنه
(١) الإملاء ٤/ ٩٤.
(٢) مسند أحمد (١٢٥٣٦)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٦٨/١٣ و١٠٩/١٤، وكشف الأستار
(٣٤٩٥)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٦٦٩/٨، والبعث والنشور (٦٤٧)، وعزاه لعبد بن حميد
وابن المنذر السيوطي في الدر ٦٤/٥ - ٦٥، وعنه نقل المصنف، وفي إسناده علي بن
زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٣) ذكرها القرطبي في تفسيره ٣٧٥/١٥.

سُوَّةُ القُرْقَانِ
٥٣٦
الآية : ١٤
حالٌ من فاعلٍ ((دعوا))، أي: دَعَوا مقولاً لهم ذلك حقيقةً كما هو الظاهر - بأنْ
تخاطبهم الملائكةُ لتنبيههم على خلودٍ عذابهم وأنَّهم لا يجابون إلى ما يَدْعونه، أوْ
لا ينالون ما يتمنَّونه من الهلاك المنجي - أو تمثيلاً لهم، وتصويراً لحالهم بحالٍ مَن
يقالُ له ذلك من غير أن يكون هناك قولٌ وخطابٌ كما قيل، أي: دَعَوه حالَ كونهم
أحقّاءً بأن يقال لهم ذلك.
وإمَّا لا محلّ له من الإعراب على أنه معطوفٌ على ما قبله، أي: إذا أُلقوا منها
مكاناً ضيقاً دَعَوْا ثبوراً، فيقال لهم: لا تَدْعوا .. إلخ. أو على أنه مستأنفٌ وقع جواباً
عن سؤالٍ مقدَّر ينسحبُ عليه الكلام، كأنه قيل: فماذا يكون عند دعائهم المذكور؟
فقيل: يقال لهم ذلك، والمرادُ به إقناطُهم عما علَّقوا به أطماعهم من الهلاك،
وتنبيههم على أنَّ عذابهم الملجئَ لهم إلى ذلك أبديٌّ لا خلاصَ لهم منه، على أبلغ
وجه، حيث أشار إلى أن المخلِّص ممَّا هم فيه من العذاب عادةً غيرُ مخلِّصٍ،
وما يخلِّص غيرُ ممكنٍ، فكأنه قيل: لا تدعوا اليومَ هلاكاً واحداً فإنه لا يخلِّصكم
﴿وَأَدْعُواْ ثُبُورًا﴾ وهلاكاً ﴿كَثِيرًا﴾ لا غايةَ لكثرته لتَخَلَّصوا به، وأنَّى بالهلاك الكثير:
ومَن لم يَمُتْ بالسيفِ مات بغيره تعدَّدتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ(١)
وهذا معنّى دقيقٌ لم أعلم أنَّ أحداً ذكره.
وقيل: وُصِفَ الثبورُ بالكثرة باعتبارٍ كثرةِ الألفاظ المُشْعِرةِ به، فكأنه قيل:
لا تقولوا: يا ثبوراه فقط، وقولوا: يا ثبوراه يا هلاكاه يا ويلاه يا لهفاه، إلى غير
ذلك. وهو كما ترى.
وقال شيخ الإسلام: وَصَفَه بذلك بحَسَبٍ كثرة الدعاء المتعلِّق به، لا بحَسَبٍ
كثرتِهِ في نفسه، فإنَّ ما يَدْعونه ثبورٌ واحدٌ في حدٍّ ذاته، لكنه كلما تعلَّق به دعاءٌ من
تلك الأدعية الكثيرةِ صار كأنه ثبورٌ مغايرٌ لِمَا تَعلَّق به دعاءٌ آخر، وتحقيقُه: لا تدعوه
دعاءً واحداً وادْعُوه أَدْعيةً كثيرةً، فإنَّ ما أنتم فيه من العذاب لغايةِ شدَّتِهِ وطولٍ مُدَّتِهِ
مستوجبٌ لتكرير الدعاء في كلِّ آن.
(١) البيت لابن نباتة السعدي عبد العزيز بن عمر بن محمد، كما في وفيات الأعيان ١٩٣/٣،
والوافي بالوفيات ٥٣٤/١٨ .

الآية : ١٥
٥٣٧
سُوَّةُ القُرْقَانِ
ثم قال: وهذا أَدَلُّ على فظاعة العذابِ وهَوْلِهِ مِن جَعْلِ تعدُّدِ الدعاء وتجدُّدِهِ
لتعدُّد العذاب بتعدُّدِ أنواعه وألوانه، أو لتعدُّدِه بتجدُّدِ الجلود، كما لا يخفى.
وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى: إنكم وقعتُم فيما ليس ثبورُكم فيه واحداً، إنما هو
ثبورٌ كثيرٌ: إما لأنَّ العذاب أنواعٌ وألوانٌ كلُّ نوعٍ منها ثبورٌ لشدَّته وفظاعته، أو
لأنَّهم كلما نَضِجَتْ جلودُهم بدِّلوا جلوداً غيرها، فلا غايةَ لهلاكهم = فلا يلائم
المقام، كيف وهم إنما يَدْعُون هلاكاً يُنْهي عذابَهم وينجيهم منه، فلا بد أن يكون
الجوابُ إقناطاً لهم عن ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه من العذاب
الشديد(١). انتهى.
وتعقِّب القولُ بأنَّ وصف الثبور بالكثرة بحسب كثرة الدعاء بأنه لا يناسب
النَّظْمَ، وكذا كونُه بحَسَبٍ كثرة الألفاظ المُشْعِرةِ بالثبور؛ لأنه كان الظاهرُ أن يقال:
دعاءً كثيراً. وأمَّا قولُه: وأما ما قيل .. إلخ، فهو لا يخلو عن بحثٍ، فتأمل.
وحَكَى علي بن عيسى (٢): ما ثَبَرَكَ عن هذا الأمر، أي: ما صَرَفَكَ عنه. وجوِّز
أن يكون الثبورُ في الآية من ذلك، كأنهم ندموا على ما فعلوا فقالوا: واصرفاه عن
طاعةِ الله تعالى، كما يقال: وانَدَماه، فأُجيبوا بما أُجيبوا.
وتقييد النهي والأمر باليوم لمزيد التهويل والتفظيع، والتنبيه على أنه ليس كسائر
الأيام المعهودةِ التي يخلِّصُ من عذابها ثبورٌ واحد، ويجوز أن يكون ذلك لتذكيرهم
بالساعة التي أصابهم ما أصابهم بسببِ التكذيب بها، ففيه زيادةٌ إيلامٍ لهم.
وقرأ عمر بن محمد: (ثَبوراً)) بفتح الثاء في ثلاثتها(٣)، وفَعولٌ بفتح الفاء في
المصادر قليلٌ، نحو: القَفول.
﴾ تقريعاً لهم وتهكُّماً بهم وتحسيراً على ما فاتهم: ﴿أَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى
ما ذُكر من السعير باعتبارِ اتِّصافها بما فصِّل من الأحوال الهائلةِ، فإنها التي كثيراً
ما تقابَلُ بالجنة، وما فيه من معنى البُعْدِ للإشعار بكونها في الغاية القاصية من
الهول والفظاعة.
(١) تفسير أبي السعود ٢٠٧/٦.
(٢) كما في البحر ٦/ ٤٨٥، وعنه نقل المصنف.
(٣) القراءات الشاذة ص١٠٤، والبحر ٤٨٥/٦.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٣٨
الآية : ١٥
وقيل: إشارةٌ إلى ما ذكر من الجنة والكنز في قولهم: ((أو يُلْقَى إليه كنزٌ)) إلخ.
وقيل: إلى الجنة والقصور المجعولةِ في الدنيا على تقدير المشيئة. وكلا القولين
لا يعوَّل عليهما، لا سيما الأخير.
أي: أذلك الذي ذُكر من السعير التي أُعْتِدتْ لمن كذَّب بالساعة، وشأنُها كيتَ
وكيتَ، وشأنُ أهلها ذيت ذيت ﴿خَيْرُّ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ أي:
وُعِدَها المتقون؛ لأنَّ((وَعَدَ) تتعدَّى لمفعولين، وهذا المحذوفُ هو العائدُ على
الموصول. وإضافة الجنة إلى الخلد إن كانت نسبةُ الإضافةِ معلومةً للمدح؛ فإنَّ
المدح يكون بما هوِ معلومٌ، وإن لم تكن معلومةً فلإفادة خلودِ الجنة، ولا يخدشُه
قولُه تعالى: (خَلِينٌّ) بعدُ؛ لأنه للدلالة على خلودِ أهلها لا خلودِها في نفسها وإنْ
تَلازَما، أو أنَّ ذلك للتمییز عن جنات الدنيا .
وقيل: إنَّ جنة الخلدِ عَلَمٌ كجنةِ عَدْنٍ.
والمرادُ بالمتقين: المتَّصفون بمطلق التَّقوى، لا بالمرتبة الثانية أو الثالثة منها
فقط، ويدلُّ عليه مقابلتُهم بالكافرين في النظم الكريم.
وقيل: يجوز أن يراد: الكاملون في التقوى، ووَعْدها إياهم وعد دخولها ابتداءً
دون سَبْقِ عذابٍ، وهو مختصٍّ بهم. وليس بذاك.
والترديدُ والتفضيلُ في ((خير)) مع أنه لا شكَّ في أنه لا خيريةَ في السعير؛
للتھگّم والتقريع كما أشرنا إليه.
وقال ابن عطية: حيث كان الكلامُ استفهاماً جاز فيه مجيءُ لفظةِ التفضيل بين
الجنة والسعير في الخير، لأنَّ المُؤْقِفَ جائزٌ له أن يُؤْقِفَ مُحاوِرَه على ما شاء ليرى
هل يجيبُه بالصواب أو بالخطأ، وإنما مَنَع سيبويه وغيرُه من التفضيل [بين شيئين
لا اشتراكَ بينهما في المعنى الذي فيه تفضيلٌ] إذا كان الكلامُ خبراً؛ لأن فيه مخالفة
الواقع، وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ(١).
(١) المحرر الوجيز ٢٠٣/٤، وما بين حاصرتين منه، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في
البحر ٦ /٤٨٦.

الآية : ١٥
٥٣٩
سُؤَدَّةُ الفُرْقَان
وقال أبو حيان: إنَّ ((خير)) هنا ليس للدلالة على الأفضلية، بل هو ما جَرَتْ به
عادةُ العرب في بيانِ فَضْلِ الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقولِ حسان:
فشرُّكما لخيرِكما الفداءُ(١)
وقولِهِم: الشقاءُ أحبُّ إليك أم السعادة، والعسلُ أحلى من الخل، وقولِه تعالى
حكايةً عن يوسف عليه السلام: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَ﴾ [يوسف: ٣٣] ولا اختصاصَ
لذلك في استفهامٍ أو خبر.
وما ذكر من أمثلة الخبر يردُّ على ابن عطية، إلَّ أنْ يقيَّد الخبر الذي ادَّعى مَنْعَ
سيبويه فيه بما لم يكن الحكم فيه واضحاً، أما إذا كان الحكمُ فيه واضحاً للسامع
بحيث لا يختلجُ في ذهنه ولا يتردّد في الأفضل، فإنَّ التفضيل يجوزُ فيه(٢) .
وقد تقدَّم تحقيقُ الكلام في هذا المقام، وما أشرنا إليه هنا أَوْلَى بالاعتبار
مما أشار ابنُ عطیة وأبو حيان إليه.
﴿كَانَتْ﴾ تلك الجنةُ ﴿لَمُمْ﴾ أي: في عِلْمِ الله تعالى أو في اللوح، أو المرادُ:
تكون، على أنه وعدٌ مِن أكرم الأكرمينَ عبَّرَ عنه بالماضي على طريق الاستعارة
لتحقُّق وقوعِه؛ فإنه سبحانه لا يُخْلِفُ الميعادَ.
وجوِّز أن يكون هذا باعتبارٍ تقدُّم وَعْدِه تعالى - في كُتُبِهِ وعلى لسان رُسُلِه عليهم
الصلاة والسلام - إياهم بها .
﴿جَزَآءُ﴾ على أعمالهم بمقتضى الوعد، لا بالإيجاب ﴿وَمَصِيرًا ﴾﴾ ينقلبون
إليه. ولم يكتفِ بقوله تعالى: (كَانَتْ لَمُمْ جَزَّآءُ) لعَدَم استلزامِه ذلك، فقد يُثیب
الملِكُ في الدنيا إنساناً ببستانٍ مثلاً ولا يراه، فضلاً عن أن يسكُنَ فيه.
وجملةُ ((كانت لهم)) إلخ - على ما ذكره الطبرسيُّ(٣) - في موضع الحال من
الضمير المحذوفِ العائدِ على الموصول في ((وُعِدَ المتقون)) بتقدير ((قد)) أو بدونه.
(١) وصدره: أتهجُوه ولستَ له بكُفْءٍ، وهو في الديوان ص٦٤، وسلف ص٢٥٤ من هذا الجزء.
(٢) البحر ٦ / ٤٨٦.
(٣) في مجمع البيان ١٨/ ٩٢.
٠

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٤٠
الآية : ١٦
وجوِّز أن تكون بدلاً من ((وُعد المتَّقون)) وتفسيراً له، وأن تكون استئنافاً في موضع
التعلیل.
وذَكَر الزمخشريُّ ما يُشْعِرُ بأنَّ هذه الجملة تذييلٌ لتذكيرِ النعمةِ بما خوَّلهم الله
تعالى وطَيَّبَ عيشَهم في ذلك المكان الرافع على وجهٍ يتضمَّن ضدَّ ذلك
الأضدادهم، فكأنه قيل: كانت لهم جزاءً موفوراً لا يدخل تحت الوصف، ومصيراً
أي: مصيراً لا يقادَرُ قَدْرُه، وليس كمصير الكفرة المشارِ إليه بقوله سبحانه: (وَإِذّ
أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا)(١). ويُعلَم منه فائدةُ ذِكْرِ المصير مع ذِكْرِ الجزاء، فتأمل.
وقولُه سبحانه: ﴿لَّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ قيل: استئنافٌ وقع جواباً لسؤالٍ نشأ
مما قبله، حيث أفاد أنَّ الجنة مسكنٌ لهم، والساكنُ في دارٍ يحتاجُ إلى أشياءَ كثيرةٍ
لتطيب(٢) نفسُه بسكناها، فكأنَّ سائلاً يقول: ما لهم إذا صاروا إليها وسكنوا فيها؟
فقيل: لهم فيها ما يشاؤون.
وقال الطبرسيُّ: الجملةُ في موضع الحال من قوله تعالى: (الْمُتَّقُونَ)(٣).
و(ما)) موصولةٌ مبتدأ والعائدُ محذوفٌ، و((لهم)) خبرُه، و((فيها)) متعلِّقٌ بما تعلَّق
به، أي: كائنٌ لهم فيها الذي يشاؤونه من فنون الملاذِ والمُشْتَهيات، وأنواعِ النعيم
الروحانيِّ والجسمانيّ.
ولعل كلَّ فريقٍ منهم يقتنعُ بما أُبيح له من درجاتِ النعيم، ويرى ما هو فيه ألذَّ
الأشياء، ولا تمتدُّ أعناقُ هِمَمِهم إلى ما فوقَ ذلك من المراتب العالية، ولا يخطر
بباله ما يُخْظَرُ طلبُه ولا يتأتَّى له، فلا يشاءُ آحادُ المؤمنين رتبةَ الأنبياء عليهم
السلام، ولا يتعرَّضون للشفاعة لمن كُتب عليه الخلودُ في النار مثلاً، فلا يلزم
(١) الكشاف ٨٤/٣، وكلام الزمخشري فيه: فإن قلت: ما معنى قوله: ((كانت لهم جزاءً
ومصيراً))؟ قلت: هو كقوله: ﴿نِعْمَ الثََّبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَقَفًا﴾ فمدح الثواب ومكانه، كما قال:
﴿بِنْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ فذَّ العقاب ومكانه، لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطِيب
المكان وسعته، وكذلك العقاب يتضاعف بغثائة الموضع وضِيقه وظلمته، فلذلك ذكر
المصير مع ذكر الجزاء.
(٢) في الأصل: لتطبيب.
(٣) مجمع البيان ١٨/ ٩٢.