النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ٦١ ٤٨١ سودا النورِ وملكُ المفتاح على جميع ذلك كنايةٌ عن كون الشيء تحت يدِ الشخص وتصرُّفِه. والعطفُ على ما أشرنا إليه على ما بعدَ ((مِن)). وعن قتادة أنَّ المراد بـ ((ما ملكتُم مفاتحه)): العبيد، فالعَظْفُ على ما بعد (بيوت))، والتقدير: أو بيوتِ الذين ملكتُم مفاتحهم. وكأنَّ ملكَ المفتاح لمَّا شاع كنايةً لم يُنْظَر فيه إلى أنَّ المتصرّفَ مما(١) يتوضَّلُ إليه بالمفتاح أوْ لا، ومثلُه كثير. أو هو تشريحٌ لجَرْىٍ العبيد مجرى الجماد من الأموال، المشعِرِ به استعمالُ ((ما)) فيهم. ولا يخفى عليك بُعْدُ هذا القولِ، وأنه يندرِجُ بيوتُ العبيد في قوله تعالى: (بُيُوتِكُمْ)؛ لأنَّ العبد لا ملك له، وإرادةُ المعتوقين منهم بقرينةِ ((ملكتُم)) بلفظ الماضي مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. وقرأ ابن جبير: ((ملِّكتُم)) بضمِّ الميم وكَسْرِ اللام مشدّدةً، و((مفاتيحه)) بياءٍ بعد التاء جمع مفتاح(٢). وقرأ قتادةٌ وهارون عن أبي عمرو: ((مفتاحه)) بالإفراد(٣)، وهو آلةُ الفتحِ، وكذا المِفْتَحُ كما في ((القاموس))(٤). وقال الراغب: المِفْتَحُ والمفتاحُ ما يُفْتَحُ به، وجمعُه مَفَاتيحُ ومَفَاتِحُ(٥). وفي بعض الكتب: أنَّ جمع مِفْتَح: مَفَاتِح، وجمعَ مِفْتاح: مفاتيح. ﴿أَوْ صَدِيقِكٌّ﴾ أي: أو بيوتٍ صديقكم، وهو مَن يَصْدُقُ في موَدَّتِكَ وتَصْدُقُ في مودَّته، يقعُ على الواحد والجمع، والمرادُ به هنا الجمعُ، وقيل: المفرد، وسرُّ التعبير به دون أصدقائكم: الإشارةُ إلى قلَّة الأصدقاء، حتى قيل: صادُ الصديقُ وكافُ الكيمياء معا لا يوجدان فَدَعْ عن نفسك الظّمَعا (٦) (١) في حاشية الشهاب ٦ / ٤٠١: لم يُنْظَر إلى أن التصرُّف فيه مما ... ، وهو أنسب بالسياق. (٢) القراءتان عن سعيد بن جبير في البحر ٤٧٤/٦، والأولى في القراءات الشاذة ص ١٠٣. (٣) القراءات الشاذة ص١٠٣، والمحتسب ١١٦/٢، والبحر ٦/ ٤٧٤. (٤) مادة (فتح). (٥) مفردات الراغب (فتح). (٦) نفحة الريحانة ٢/ ٢٤٧ دون نسبة. سورةالنورِ ٤٨٢ الآية : ٦١ ونُقل عن هشام بن عبد الملك أنه قال: نلتُ ما نلتُ حتى الخلافة، وأعوزني صدیقٌ لا أحتشم منه. وقيل: إنه إشارة إلى أنَّ شأن الصداقةِ رفع الاثنينية. ورفعُ الحرجِ في الأكل من بيت الصديق لأنه أَرْضَى بالتبسُّط وأَسَرُّ به من كثير من ذوي القرابة؛ روي عن ابن عباس ظه: الصَّديقُ أكبرُ من الوالدين، إنَّ الجهنَّميين لمَّا استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، فقالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠- ١٠١]. ١٠٠ وعن جعفر الصادق ◌ُه: مِن عظم حُرْمةِ الصَّديقِ أنْ جَعَله اللهُ تعالى من الأُنْسِ والثّقةِ والانبساطِ ورفع الحشمة بمنزلةِ النفس والأب والأخ. وقيل لأفلاطون: مَن أحبُّ إليك، أخوك أم صديقُك؟ فقال: لا أحبُّ أخي إلا إذا كان صديقي. وقد كان السلفُ ينبسطون بأكل أصدقائهم من بيوتهم ولو كانوا غيَّباً؛ يُحْكَى عن الحسن أنَّه دَخَلَ دارَه وإذا حلقةٌ من أصدقائه وقد استَلُّوا سِلالاً من تحت سريره فيها الخبيصُ وأطايِبُ الأطعمة، وهم مكبُّون عليها يأكلون، فتهلَّلتْ أساريرُ وجهِه سروراً، وضحك وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم، يريد كُبراء الصحابة ومَن لقيهم من البدريين، وكان الرجلُ منهم يدخلُ دارَ صديقه وهو غائبٌ، فيسأل جاريتَه كيسَه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك. وهذا شيء قد کان: إذِ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمانٌ(١) وأمَّا اليومَ فقد طُوي فيما أَعْلَمُ بِساطُه، واضْمَحَلَّ والأمرُ لله تعالى فسطاطُه، وعَفَتْ آثَارُه، وأَفِلتْ أقمارُه، وصار الصَّديقُ اسماً للعدوِّ الذي يُخفي عداوته، وينتظر لك حَرْبَ الزمان وغارتَه، فآهٍ ثم آه، ولا حول ولا قوة إلا بالله : (١) البيت لرجل من عاد كما في الأغاني ٩٣/٢١، ويتيمة الدهر ٣١١/٤، وصدره: بلاد بها كنا وكنا نحبها، وجاء في الأغاني: إذ الناسُ ناسٌ والبلادُ بلاد. الآية : ٦١ ٤٨٣ سورة النورِ ومِن نَكَدِ الدنيا على الحرِّ أن يَرى عدوًّا له ما من صداقتِهُ بُدّ(١) ثم إنَّ نفي الحرج في الأكل المذكورِ مشروطٌ بما إذا عَلِمَ الآكِلُ رضا صاحب المال بإذنٍ صريح أو قرينةٍ، ولا يَرِدُ أنه إذا وجد الرضا جاز الأكلُ من مال الأجنبيّ والعدوِّ أيضاً، فَلا يكون للتخصيص وجهٌ؛ لأن تخصيص هؤلاء لاعتيادِ التبسُّط بینھم، فلا مفهومَ له. وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكَفَرةِ، أباح سبحانه في هذه الآية ما حَظَره في قوله سبحانه: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وليس بشيء. وقيل: كان ذلك في صدر الاسلام، ثم نُسخ بقوله ◌َّهِ: ((لا يحلُّ مالُ امرئ مسلمٍ إلَّا عن طيبٍ نفسٍ منه))(٢) وقولِه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رقم: ((لا يَحْلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلَّا بإذنه))(٣)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية [النور: ١٧]، وقوله عز وجل: ﴿لَا نَّدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فإنهم إذا مُنعوا من منزله وَل﴿ إِلَّ بالشرط المذكورِ، وهو عليه الصلاة والسلام أكرمُ الناسِ وأقلُّهم حجاباً، فغيرُهُ وَِّ يُعْلَم بالطريق الأَوْلَى. وأنت تعلمُ أنه لا حاجةَ إلى القول بالنسخ بناءً على ما قلنا أولاً . واحتجَّ بالآية بعضُ أئمة الحنفية على أنه لا قَطْعَ بسرقة مالِ المحارِم مطلقاً، لا فَرْقَ في ذلك بين الوالدينِ والمولودينَ وبين غيرِهم؛ لأنها دلَّت على إباحة دخول دارِهم بغير إذنهم، فلا يكونُ مالُهم مُحْرَزاً، ومجرَّدُ احتمالِ إرادةِ الظاهر وعدم النسخ كافٍ في الشبهة المُدْرِئةِ للحدِّ. وبُحث فيه بأنَّ درءَ الحدودِ بالشبهات ليس على إطلاقه عندهم كما يُعلم من أصولهم. (١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٩٣/٢. (٢) أخرجه أحمد (١٥٤٨٨) من حديث عمرو بن يثربي نصيبه. (٣) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦) من حديث عبد الله بن عمر له سودةالنّورِ ٤٨٤ الآية : ٦١ وأُوْرِدَ عليه أيضاً أنه يستلزمُ أنْ لا تُقْطَعَ يدُ مَن سَرَقَ من الصَّديق. وأجيب عن هذا بأنَّ الصَّديقَ متى قَصَدَ سرقةَ مالِ صديقه انْقَلَبَ عدوًّا. وتعقِّب بأنَّ الشرع ناظرٌ إلى الظاهر لا إلى السرائر. وقرئ: ((صِدِيقِكم)) بكسر الصاد إتباعاً لحركة الدال، حَكَى ذلك حميدٌ الخزاز(١). ﴿لَيْسَ عَلَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين وهو نصبٌ على الحال من فاعل («تأكلوا)»، وهو في الأصل بمعنى ((كلّ))، ولا يفيدُ الاجتماعَ خلافاً للفرَّاء، ودلَّ عليه هنا لمقابلته بقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشْتَانًا﴾ فإنه عطفٌ عليه داخلٌ في حكمه، وهو جمعُ شَتِّ على أنه صفةٌ كالحق، يقال: أمرٌ شَتّ، أي: متفرِّقٌ، أو على أنه في الأصل مصدرٌ وُصِفَ به مبالغةً. والآيةُ على ما ذهب أكثر المفسّرين كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان حكمٍ آخَرَ مِن جنسٍ ما بيِّن قبله، وقد نَزَلْت على ما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة في بني ليث بن عمرو بن كنانةَ، تحرَّجوا أن يأكلوا طعامهم منفردين، وكان الرجل منهم لا يأكل ويمكثُ يومَه حتى يجد ضيفاً يأكلُ معه، فإن لم يجد مَن يؤاكلُه لم يأكل شيئاً، وربَّما قَعَدَ الرجلُ منهم والطعامُ بين يديه لا يتناولُه من الصباح إلى الرَّواحِ، وربما كانت معه الإبلُ الحُفَّلُ(٢) فلا يشربُ من ألبانها حتى يجدَ مَن يشاربُه، فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل. قيل: وهذا التحرُّجُ سنَّةٌ موروثةٌ من الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد قال حاتم : إذا ما صنعتِ الزادَ فالتمسي له أكيلاً فإِنِّي لستُ آكلَه وحدي(٣) (١) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والبحر ٤٧٤/٦. وحميد الخزاز هو ابن الربيع، أبو القاسم السابوري، روى القراءة عن الكسائي وهو من المكثرين عنه. طبقات القراء لابن الجزري ٢٦٥/١. (٢) جمع حافل، وفي القاموس (حفل): ضرع حافل: كثير لبنه. (٣) شرح ديوان الحماسة للتبريزي ١٠٠/٤، وهو في الكامل للمبرد ٧٠٩/٢، والأغاني ١٤/ ٧١ منسوب لقيس بن عاصم المٍنقري، ودون نسبة في عيون الأخبار ٢٦٣/٣، والبيان والتبيين ٣١٠/٣، والبحر ٦/ ٤٧٤. الآية : ٦١ ٤٨٥ سُورَةُ النَّنُودِ وفي الحديث: ((شَرُّ الناسِ مَنْ أَكَلَ وحدَه، وضَرَبَ عَبْدَه، ومَنَعَ رِفْده))(١). وهذا الذمُّ لاعتياده بخلاً بالقِرَى، ونُفي الجناحُ عن وقوعه أحياناً بياناً لأنه لا إثم فيه، ولا يُذُّ به شرعاً كما ذَمَّتْ به الجاهليةُ، فلا حاجةَ إلى القول بأن الوعيد في الحديث لمن اجتمعت فيه الخصالُ الثلاثُ دون الانفراد بالأكل وحده، فإنه يقتضي أن كلّ منها على الانفراد غيرُ منھيٍّ عنه، وليس كذلك. والقولُ بأنهم أهلُ لسانٍ لا يَخْفَى عليهم مثلُه، ولكن لمجيءٍ الواو بمعنى ((أو)) تركوا كلَّ واحدٍ منها احتياطاً، لا وجه له؛ لأن هؤلاء المتحرِّجين لم يتمسَّكوا بالحديث، وكونُ الواوِ بمعنى ((أو)» توهُّمٌ لا عبرة به، ولا شكَّ أن اجتماع الأيدي على الطعام سنةٌ، فتركُه بغيرِ داعٍ مذمَّةٌ(٢). انتهى. وعن عكرمة وأبي صالح: أنها نزلت في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيفٌ لا يأكلون إلا معه، فرخِّصَ لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا. وقيل: كان الغنيُّ يدخُلُ على الفقير من ذوي قرابته وصداقته، فيدعوه إلى طعامه فيقول: إنِّي لأتحرَّجُ أن آكُلَ معك وأنا غنيٌّ وأنت فقير. ورُوي ذلك عن ابن عباس. وقال الكلبيُّ: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى ونحوِه طعاماً على حِدَةٍ، فبَيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ليس بواجبٍ. وقيل: كانوا يأكلون فُرادى خوفاً أن يزيدَ أحدُهم على الآخر في الأكل، أو أن يحصُل من الاجتماع ما ينفِّرُ أو يؤذي، فنزلت لنفي وجوب ذلك. وأيَّاما كان فالعبرةُ لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقيل: الآيةُ من تتمة ما قبلها، على معنى أنها وقعتْ جواباً لسؤالٍ نشأ منه، (١) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١٣٩/١، وابن الجوزي في العلل (٨٥٨) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَّار. وورد نحوه ضمن حديث طويل عن ابن عباس أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد للإمام أحمد ص٣٥٩. (٢) الكلام من قوله: وهذا التحرج سنة موروثة من الخليل، إلى هذا الموضع منقول من حاشية الشهاب ٤٠١/٦. سُورَةُ الَّنُوزِ ٤٨٦ الآية : ٦١ كأنَّ سائلاً يقول: هل نفيُ الحرج في الأكل من بيوت مَن ذُكر خاصٌّ فيما إذا كان الأكلُ مع أهل تلك البيوت، أم لا؟ فأجيب بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعً) أي: مجتمعين مع أهل تلك البيوت في الأكل (أَوْ أَشْتَانً) أي: متفرِّقين، بأنْ يأكلَ كلٌّ منكم وحدَه ليس معه صاحبُ البيت، وما ألطفَ نفيَ الحرج فيما اتَّسعتْ دائرتُه، ونفيَ الجناح فيما ورد فيه بين أمرين، والنكاتُ لا يجب اطرادُها، کذا قیل فتدبّر. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ﴾ شروعٌ في بيان الأدب الذي ينبغي رعايتُه عند مباشرةِ ما رخّصَ فيه بعد بيانِ الرخصة فيه ﴿يُونًا﴾ أي: من البيوت المذكورة، كما يؤذن به الفاء ﴿فَسَلِمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: على أهلها، كما أخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس(١). وقريبٌ منه ما أخرجه عبدُ الرزاق وجماعةٌ عن الحسن، أنَّ المعنى: فلْيُسلِّم بعضُكم على بعضٍ، نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٢) [النساء: ٢٩]. والتعبير عن أهل تلك البيوت بالأنفس لتنزيلهم منزلتَها؛ لشدَّة الاتصال. وفي (الانتصاف)): في التعبير عنهم بذلك تنبيهٌ على السرِّ الذي اقتضَى إباحةَ الأكل من تلك البيوت المعدودة، وأنَّ ذلك إنَّما كان لأنها بالنسبة إلى الداخِلِ کبیتِ نفسِه؛ للقرابة ونحوها(٣). وقيل: المرادُ السلامُ على أهلها على أبلغ وجهٍ؛ لأنَّ المسلِّم إذا رُدَّتْ تحيتُه عليه فكأنه سلَّم على نفسه، كما أن القاتل لاستحقاقه القتلَ بفِعْلِه كأنه قاتِلُ نفسِه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم وصحَّحه وغيرُهم عن ابن عباس أنه (١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٠، وشعب الإيمان (٨٨٣٥)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٥٩/٥. (٢) تفسير عبد الرزاق ٦٦/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٨١/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٥١/٦. ووقع في الأصل و(م): ﴿اقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ والمثبت من المصادر. (٣) الانتصاف ٧٨/٣، وفيه: لاتحاد القرابة، بدل: للقرابة ونحوها. الآية : ٦١ ٤٨٧ سُورَةُ النّورِ قال في الآية: هو المسجدُ، إذا دخلتَه فقل: السلامُ علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين(١). فحَمَل البيوتَ فيها على المساجد، والسلامَ على الأنفس على ظاهره. وقيل: المرادُ بيوتُ المخاطَبين وأهلُهم، وذُكِرَ أنَّ الرجل إذا دخل على أهله سُنَّ له أن يقول: السلامُ عليكم تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فإن لم يجد أحداً فليقل: السلامُ علينا من ربِّنا، ورُوي هذا عن عطاء(٢). وقيل: السلامُ على الأنفُس على ظاهره، والمراد بـ ((بيوت)) بيوتُ الكفار، وذُكر أنَّ داخلَها - وكذا داخل البيوت الخالية - يقول ما سمعتَ آنفاً عن ابن عباس. وقيل: يقول على الكفار يقول(٣): السلام على مَن اتَّبع الهدى. ولا يخفَى المناسبُ للمقام. والسلامُ بمعنى السلامةِ من الآفات، وقيل: اسمٌ من أسمائه عز وجل. وقد مرَّ الكلامُ في ذلك على أتمٍّ وجهٍ(٤)، فتذكَّرْ. ﴿تَجِيَّةُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي: ثابتةً بأمره تعالى مشروعةً من لَدُنْه عزَّ وجلَّ، فالجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((تحية)). وجوِّز أن يتعلَّق بـ ((تحية)) فإنها طلبُ الحياة، وهي من عنده عزَّ وجلَّ. وأصلُ معناها أن تقول: حياك الله تعالى، أي: أعطاك سبحانه الحياةَ، ثم عمِّم لكلِّ دعاء، وانتصابُها على المصدريةِ لـ «سلِّموا)) على طريق: قعدتُ جلوساً، فكأنه قيل: فسلِّموا تسليماً، أو: فحيُّوا تحیةً. ﴿مُبَرَكَةٌ﴾ بورِكَ فيها بالأجر، كما روي عن مقاتل، قال الضحاك: في السلام عشرُ حسناتٍ، ومع الرحمة عشرون، ومع البركات ثلاثون. (١) تفسير عبد الرزاق ٦٦/٢، وتفسير الطبري ٣٨١/١٧، والمستدرك ٢/ ٤٠١، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢٦٥٠/٨. (٢) أخرجه الطبري ٣٧٨/١٧ -٣٨٠. (٣) كذا وقعت العبارة في الأصل و(م)، ولعل الصواب فيها: الداخل على الكفار يقول. (٤) ينظر ٦ / ١٧٤ . سودة النودِ ٤٨٨ الآية : ٦٢ ﴿لَيِّبَةٌ﴾ تطيبُ بها نفسُ المستمع، والظاهرُ أنه يَزِيدُ المسلِّم ما ذُكر في سلامه، وعن بعض السلف زيادتُه كما مرَّ آنفاً، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ها أنه قال: ما أخذتُ التشهُّدَ إلا من كتاب الله تعالى، سمعتُ الله تعالى يقول: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُونًا فَسَلِمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةُ طَيِّبَةٌ) فالتشهُّدُ في الصلاة: التحياتُ المبارَكاتُ الطيبات لله(١). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّبُّ اللَّهُ لَكِكُمُ الْأَيَتِ﴾ تكريرٌ لمزيدِ التأكيد، وفي ذلك تفخيمٌ فخيمٌ للأحكام المختتمةِ به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام، وتعملون بموجبها، وتَحُوزون بذلك سعادة الدارين. وفي تعليل هذا التبيينِ بهذه الغاية القُصْوَى بعد تذييلِ الأوَّلين بما يوجبُهما، من الجزالة ما لا يخفى. وذكر بعضُ الأجلَّة أنه سبحانه بدأ السورةَ بقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍِ بَيْنَتٍ) وخَتَمها بقوله عزَّ وجلَّ (كَذَلِكَ يُبَيِّبُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ) ثم جَعَل تبارك وتعالى ختامَ الختم قولَه سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ.﴾ إلخ دلالةٌ على أنَّ ملاكَ ذلك كلِّه والمنتفعَ بتلك الآيات جُمَعَ مَن سلَّم نفسَه لصاحب الشريعة صلواتُ الله وسلامه عليه كالميت بين يدي الغاسل، لا يُحْجِمُ ولا يُقْدِمُ دون إشارته ◌َ *. ولهذه الدقيقة أورد هذه الآيةَ شهابُ الحقِّ والدِّين أبو حَفْصٍ عمرُ السهرورديُّ قدِّس سرُّه في بابٍ سَيْرِ المريدِ مع الشيخ، ونبَّه بذلك أنَّ كلَّ ما يَرْسُمُه من أمور الدِّين فهو أمرٌ جامعٌ. وقال شيخ الإسلام(٢): إنَّ هذا استئنافٌ جيء به في أواخر الأحكام السابقة تقريراً لها، وتأكيداً لوجوب مراعاتها، وتكميلاً لها ببيان بعضٍ آخَرَ من جنسها، وإنما ذُكر الإيمانُ باللهِ تعالى ورسوله وَّهِ صلةً للموصولِ الواقع خبراً للمبتدأ - مع تضمُّنِهِ له قطعاً - تقريراً لِمَا قبله، وتمهيداً لِمَا بعده، وإيذاناً بأنَّه حقيقٌ بأنْ يُجْعلَ (١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٥١). (٢) في تفسيره ٦/ ١٩٧ . الآية : ٦٢ ٤٨٩ سُوَدَّةُ الَّنُودِ قريناً للإيمان المذكور (١) منتظماً في سِلْكِه، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوْ مَعَهُ، عَلَى أَمْيٍ جَايِعٍ﴾ إلخ معطوفٌ على ((آمنوا)) داخلٌ معه في حيِّز الصلة، وبذلك يصحُّ الحمل، والحصرُ باعتبارٍ الكمال، أي: إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله ◌ً عن صميم قلوبهم، وأطاعوا في جميع الأحكام، التي من جملتها ما فصِّل من قبلُ، من الأحكام المتعلّقة بعامةِ أحوالهم المطّردةِ في الوقوع وأحوالِهِم الواقعةِ بحسَبَ الاتِّفاق، كما إذا كانوا معه عليه الصلاة والسلام على أمرٍ مُهمِّ يجبُ اجتماعُهم في شأنه، كالجمعة والأعياد والحروب، وغيرِها من الأمور الداعية إلى الاجتماع لغرضٍ من الأغراض. وعن ابن زيد: أنَّ الأمرَ الجامعَ الجهادُ. وقال الضحاك وابن سلام: هو كلُّ صلاةٍ فيها خطبةٌ، كالجمعة والعيدين والاستسقاء. وعن ابن جبير: هو الجهادُ وصلاةُ الجمعة والعيدين. ولا يخفى أنَّ الأَوْلَى العمومُ وإنْ كانت الآيةُ نازلةً في حفر الخندق، ولعل ما ذُكر من باب التمثيل. ووصفُ الأمر بالجَمْعِ مع أنه سببٌ له للمبالغة، والظاهرُ أنَّ ذلك من المجاز العقليّ، وجوِّز أن يكون هناك استعارةٌ مكنية. وقرأ اليمانيُّ: ((على أمرٍ جَميعٍ))(٢) وهو بمعنى جامعٍ، أو مجموعٍ له على الحذف والإيصال. الَّمْ يَذْهَبُوا﴾ عنه وَِّ ﴿حَّى يَسْتَذِئُرُ﴾ عليه الصلاة والسلام في الذهاب فيأذنَ لهم به فيذهبون، فالغايةُ هي الإذنُ الحاصلُ بعد الاستئذان، والاقتصارُ على الاستئذان لأنه الذي يتمُّ من قِبَلِهم، وهو المعتبرُ في كمال الإيمان، لا الإذنُ ولا الذهابُ المترتِّبُ عليه. واعتبارُه في ذلك لِمَا أنه كالمصداق لصحته، والمميِّزِ للمُخْلِصِ عن المنافق، فإنَّ ديدنَه التسلُّل للفرار. (١) أي: الإيمان بالله واليوم الآخر، وجاءت العبارة في تفسير أبي السعود: قريناً للإيمان بهما . (٢) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والبحر ٤٧٦/٦، وحاشية الشهاب ٤٠٢/٦، والكلام منه. ٤٩٠ الآية : ٦٢ ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه عليه الصلاة والسلام من الجناية، وللتنبيه على ذلك، عقّب سبحانه بقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهٍ﴾ فقد جَعَلَ فيه المستأذنين هم المؤمنون عَكْسَ الأولِ؛ دلالةً على أنهما متعاكسان سواء بسواء، ومنه يلزمُ أنه كالمصداق لصحة الإيمانين، وكذلك من اسم الإشارة؛ لدلالته على أنَّ اسْتِثْهالَ الإيمانينِ لذلك. ﴿فَإِذَا اسْتَقْذَنُكَ﴾ بيانٌ لِمَا هو وظيفتُهُ وَّهِ في هذا الباب إثْرَ بيانِ ما هو وظيفةُ المؤمنين، والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها، أي: بَعْدَ ما تَحقَّقَ أنَّ الكاملينَ في الإيمان هم المستأذنون، فإذا استأذنوك ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعضِ أمرِهم المهمِّ وخَطْبِهِم المُلِّمِّ ﴿فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ تفويضٌ للأمر إلى رأيه نَّهِ. واستُدلَّ به على أنَّ بعض الأحكام مفوَّضةٌ إلى رأيه وَّةِ، وهذه مسألةُ التفويض المختلفُ في جوازِها بين الأصوليين، وهي أن يفوَّض الحكم إلى المجتهد، فيقال له: احكُمْ بما شئت فإنه صوابٌ. فأجاز ذلك قومٌ لكن اختلفوا؛ فقال موسى بنُ عمران(١) بجواز ذلك مطلقاً للنبيِّ وغيره من العلماء. وقال أبو عليٍّ الجبائيُّ بجواز ذلك للنبيِّ خاصةً في أحد قوليه. وقد نُقل عن الإمام الشافعيِّ عليه الرحمةُ في ((الرسالة)) ما يدلُّ على التردُّدِ بين الجوازِ والمنع. ومَنَعَ من ذلك الباقون. والمجوِّزون اختلفوا في الوقوع، قال الآمديُّ(٢): والمختارُ الجوازُ دون الوقوع. وقد أطال الكلام في هذا المقام فَلْيُراجَعْ. والذي أميلُ إليه جوازُ أن يفوَّض الحكمُ إلى المجتهد إذا عُلِمَ أنه يحكم تروِّياً لا تَشْهِّياً، ويكون التفويضُ حينئذٍ كالأمر بالاجتهاد، والأَلْيَقُ بشأن الله تعالى وشأنٍ رسوله ◌َ﴿ أن ينزَّل ما هنا على ذلك، وتكون المشيئةُ مقيَّدةً بالعلم بالمصلحة. وذكر بعضُ الفُضَلاءِ أنه لا خلافَ في جواز أن يقال: احكُمْ بما شئتَ تروِّياً، (١) الأنصاري النيسابوري الصوفي، أبو المظفر، مسند خراسان، توفي سنة (٤٨٦هـ). سير أعلام النبلاء ٥٣٠/١٨. (٢) في الإحكام ٢١٥/٤، وعنه نقل المصنف ما سلف من أقوال. الآية : ٦٢ ٤٩١ سُورَةُ الَّنُوزِ بل الخلافُ في جواز أن يقال: احكُمْ بما شئتَ تشهِّياً كيفما اتَّفقَ. وأنت تعلمُ أنه بعد التقييد لا يكون ما نحن فيه من محلِّ النزاع. ومن الغريب ما قيل: إنَّ المراد ممن شئتَ منهم: عمرُ بنُ الخطاب ضـ ولا یخفی ما فيه. ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، فإنَّ الاستئذان وإن كان لعذرٍ قويٍّ لا يخلو عن شائبةٍ تقدیمِ أمرِ الدنيا على أمر الآخرة. وتقديمُ ((لهم)) للمبادرة إلى أنَّ الاستغفار للمستأذنين لا للآذِنِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في مغفرةِ فرطاتِ العباد ﴿رَّحِيمٌ ﴾﴾ مبالغٌ في إفاضةِ شآبيبِ الرحمةِ عليهم. والجملةُ تعليلٌ للمغفرة الموعودةِ في ضمن الاستغفار لهم. وقد بالَغَ جلَّ شأنُه في الاحتفال برسوله صلواتُ الله تعالى وسلامُه عليه، فجعل سبحانه الاستئذان للذهاب عنه ذنباً محتاجاً للاستغفار، فضلاً عن الذهاب بدون إذنٍ، ورتَّب الإذنَ على الاستئذان لبعض شأنهم لا على الاستئذان مطلقاً، ولا على الاستئذان لأيِّ أمرٍ مُهِمَّا كان أو غيرَ مُهِمٌّ، ومع ذلك علَّق الإذنَ بالمشيئة. وإذا اعتبرتَ وجوهَ المبالغةِ في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إلى هنا وجدتَها تزيدُ على العشرة. وفي ((أحكام القرآن)) للجلال السيوطيّ: إنَّ في الآية دليلاً على وجوب استئذانه وي* قبل الانصرافِ عنه عليه الصلاة والسلام في كلِّ أمرٍ يجتمعون عليه. قال الحسن: وغيرُ الرسول وَلّر من الأئمة مثلُه في ذلك؛ لِمَا فيه من أدب الدين وأدب النفس. وقال ابن الفرس: لا خلافَ في الغزو أنه يَستأذِنُ إمامَه إذا كان له عذرٌ يدعوه إلى الانصراف، واختُلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذرٌ كالرعاف وغيره؛ فقيل: يلزمُه الاستئذانُ سواءٌ كان إمامُه الأميرَ أم غيرَه، أخذاً من الآية (١)، وروي ذلك عن مکحولٍ والزهريِّ. (١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص١٩٦. سورةالنورِ ٤٩٢ الآية : ٦٣ ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَلَّةَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، والالتفاتُ لإبراز مزيدِ الاعتناء بشأنه، أي: لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام إياكم على دعاء بعضِكم بعضاً في حالٍ من الأحوال، وأمرٍ من الأمور التي من جملتها المساهلةُ فيه، والرجوعُ عن مجلسه عليه الصلاة والسلام بغيرِ استئذانٍ، فإنَّ ذلك من المحرَّمات. وإلى نحوِ هذا ذهب أبو مسلم، واختاره المبرِّدُ والقفَّال(١). وقيل: المعنى: لا تَحْسَبوا دعاءه وَِّ عليكم كدعاءِ بعضكم على بعض، فتعرَّضوا لسَخَطه ودعائه عليكم عليه الصلاة والسلام بمخالفةِ أمره، والرجوعِ عن مجلسه بغير استئذان، ونحو ذلك. وهو مأخوذ مما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس رضيًا، وروي عن الشعبيِّ. وتعقّبه ابن عطية بأنَّ لفظ الآية يدفعُ هذا المعنى(٢). وكأنه أراد أنَّ الظاهر عليه: على بعض. وقيل: إنه يأباه ((بينكم))، وهو في حيِّز المنع. وقيل: المعنى: لا تجعلوا دعاءه عليه الصلاة والسلام ربَّه عز وجلَّ كدعاءِ صغيركم كبيرَكم وفقيرِكم غنيَّكم يسأله حاجته فربما أجابه وربّما ردَّه، فإنَّ دعاءه رَله مستجابٌ لا مَرَدَّ له عند الله عز وجل، فتعرَّضوا لدعائه لكم بامتثال أمره واستئذانه عند الانصراف عنه إذا كنتم معه على أمرٍ جامع، وتحقَّقوا قبولَ استغفاره لكم، ولا تتعرَّضوا لدعائه عليكم بضدٍّ ذلك. ولا يخفى وجهُ تقريرِ الجملة لِمَا قبلها على هذين القولين، لكنْ بُحث في دعْوَی أنَّ جمیع دعائه عليه الصلاة والسلام مستجابٌ، بأنه قد صحَّ أنه ێے سأل الله تعالى في أمته أن لا يذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ فمُنِعَه(٣). وهو ظاهرٌ في أنه قد يردُ بعض دعائه عليه الصلاة والسلام. (١) كما في تفسير الرازي ٣٩/٢٤، والبحر ٤٧٦/٦. (٢) المحرر الوجيز ١٩٨/٤. (٣) أخرجه الترمذي (٢١٧٥) من حديث خباب بن الأرت څله وقال: حديث حسن غريب صحيح. وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص ده أخرجه أحمد (١٥١٦)، ومسلم (٢٨٩٠). الآية : ٦٣ ٤٩٣ سُورَةُ اللَّنُوزِ وتعقّب بأنه كيف يردُّ وقد قال الله تعالى: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وفي ٤ الحديث أنَّ الله تعالى لا يردُّ دعاءَ المؤمن وإن تأخّر (١). وقد قال الإمام السهيليُّ في ((الروض))(٢): الاستجابةُ أقسامٌ: إما تعجيلُ ماسأل، أو أن يدَّخَرَ له خيرٌ مما طَلَبَ، أو يُصْرفَ عنه من البلاء بقَدْرٍ ما سأل من الخير، وقد أُعطي ◌َّ عوضاً من أنْ لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعضِ الشفاعةَ وقال: ((أمَّتي هذه أمةٌ مرحومةٌ، ليس عليها في الآخرة عذابٌ، عذابُها في الدنيا الزلزالُ والفتن)) كما في أبي داود(٣). فإذا كانت الفتنةُ سبباً لصَرْفِ عذاب الآخرة عن الأمة، فلا يقال: ما أجاب دعاءه وَّةِ؛ لأنَّ عدم استجابته أنْ لا يُعْطَى ما سأل، أوْ لا يعوَّضَ عنه ما هو خيرٌ منه. والمرادُ بالمنع في الحديث منعُ ذلك بخصوصه، لا عدمُ استجابة الدعاء بذلك بالمعنى المذكور. وتمامُ الكلام في هذا المقام يُطلب من محله. وقيل: المعنى: لا تجعلوا نداءه عليه الصلاة والسلام وتسميته كنداءِ بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداءِ وراءَ الحجرات، ولكنْ بلقَبَه المعظّم مثل: يا نبيَّ الله، و: يا رسول الله، مع التوقير والتواضُع وخَفْضِ الصوت. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في ((الدلائل)) عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: يا محمدُ يا أبا القاسم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك بقوله سبحانه: (لَّا تَجْعَلُوا) الآيةَ؛ إعظاماً لنبيِّه ◌ِ له، فقالوا: يا نبيَّ الله يا رسول الله(٤). وروي نحوُ هذا عن قتادة والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد. وفي ((أحكام القرآن)) للسيوطيّ: أنَّ في هذا النهي تحريمُ ندائِهِ وَّرِ باسمه. والظاهرُ استمرارُ ذلك بعد وفاته إلى الآن(٥). (١) منها ما أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) عن أبي هريرة أن رسول الله وعليه قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي)). (٢) ٥١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤٠٣/٦. (٣) في سننه (٤٢٧٨) من حديث أبي موسى الأشعري ظه، وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٦٧٨)، وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٥٤/٨-٢٦٥٥، وعزاه لأبي نعيم وابن مردويه السيوطي في الدر ٥/ ٦١. (٥) الإكليل في استنباط التنزيل لجلال الدين السيوطي ص١٩٦ . ٠ سودة النودِ ٤٩٤ الآية : ٦٣ وذكر الطبرسيُّ(١) أنَّ من جملة المنهيّ عنه النداءُ بـ: يا ابن عبد الله، فإنه مما ينادي به العربُ بعضَهم بعضاً . وتعقّب هذا القولُ بأنَّ الآية عليه لا تلائمُ السباقَ واللحاق. وقال بعضُهم: وجهُ الارتباطِ بما قبلَها عليه: الإرشادُ إلى أنَّ الاستئذان ينبغي أن يكون بقولهم: يا رسول الله إنا نستأذنُك، ونحوَه، وكذا خطابُ مَن معه في أمرٍ جامعٍ إِياه وَّر ينبغي أن يكون بنحوٍ: يا رسول الله، لا بنحو: يا محمد، ويكفي هذا القَدْرُ من الارتباط بما قبلُ. ولا حاجةَ إلى بيانِ المناسبة بأنَّ في كلٍّ منهما ما ينافي التعظيمَ اللائقَ بشأنه العظيم وَّهِ. نعم الأظهرُ في معنى الآية ما ذكرناه أولاً كما لا يخفى. وقرأ الحسن ويعقوب في رواية: ((نبيِّكم)) بنونٍ مفتوحةٍ وباءٍ مكسورةٍ ویاءٍ آخر الحروف مشدَّدةٍ(٢)، بدل ((بينكم)) الظرفِ في قراءة الجمهور. وخرِّج على أنه بدلٌ من ((الرسول))، ولم يُجعل نعتاً له لأنه مضافٌ إلى الضمير، والمضافُ إليه في رتبة العَلَم، وهو أعرفُ من المعرَّفِ بـ ((أل))، ويشترطُ في النعت أن يكون دون المنعوت أو مساوياً له في التعريف، وقال أبو حيان: ينبغي أن يجوَّز النعتُ؛ لأنَّ ((الرسول)) قد صار عَلَماً بالغلبة كالبيت للكعبة، فقد تساويا في التعريف (٣). ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾ وعيدٌ لمن هو بضدٍّ أولئك المؤمنين الذين لم يذهبوا حتى يستأذنوه عليه الصلاة والسلام. والتسلَّلُ: الخروجُ من البَيْنِ على التدريج والخفية. و((قد)) للتحقيق، وجوِّز أن تكون لتقليل المتسلِّلين في جَنْبٍ معلوماته تعالى، وأن تكون للتكثير إما حقيقةً أو استعارةً ضدِّيةً. وقال أبو حيان(٤): إنَّ قول بعض النحاة بإفادة ((قد)) التكثير إذا دَخَلتْ على المضارع غيرُ صحيح، وإنما التكثيرُ مفهومٌ من سياق الكلام كما في قول زهير: (١) في مجمع البيان ١٨/ ٨١. (٢) البحر ٦ / ٤٧٦ . (٣) البحر ٦ / ٤٧٧. (٤) في البحر ٦/ ٤٧٧. الآية : ٦٣ ٤٩٥ سُوَّةُ الَّنُورِ أخي ثقةٍ لا يُهْلِكُ الخمرُ مالَه ولكنَّه قد يُهْلِكُ المالَ نائلُه (١) فإنَّ سياق الكلام للمدح یُفْهَمُ منه ذلك. أي: قد یعلمُ الله الذین یخرجون من الجماعة قليلاً قليلاً على خفيةٍ ﴿لِوَاذَا﴾ أي: مُلاوَذَةٌ بأنْ يستترَ بعضُهم ببعضٍ حتى يخرج. وأخرج أبو داود في ((مراسيله)) عن مقاتل قال: كان لا يخرجُ أحدٌ لرعافٍ أو إحداثٍ حتى يستأذنَ النبيَّ وَّر، يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام، فيأذنُ له النبيُّ وَّهِ يشيرُ إليه بيده، وكان من المنافقين مَن تثقُلُ عليه الخطبةُ والجلوسُ في المسجد، فكان إذا استأذن رجلٌ من المسلمين قام المنافقُ إلى جنبه يَسْتَتِرُ به حتى يخرجَ، فأنزل الله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ) الآيةٌ (٢). وقيل: يلوذُ به إراءةَ أنَّه مِن أتباعه. ونُصبَ ((لواذاً)) على المصدرية أو الحالية بتأويل مُلاوِذِينَ، وهو مصدرُ لاوَذَ العَدَمٍ قَلْبٍ واوه ياءً تبعاً لفِعْلِهِ، ولو كان مصدرَ ((لاذ)» لقيل: لياذاً كقياماً. وقرأ يزيد بن قطيب: (لَوَاذَاً)) بفتح اللام(٣)، فاحْتَمَلَ أن يكون مصدرَ ((لاذ)) ولم تُقْلَبْ واوُه ياءً، لأنه لا كسرةَ قبلها فهو كطوافٍ مصدر طاف، واحْتَمَلَ أن يكون مصدرَ لاوَذَ وفتحةُ اللامِ لأَجْلٍ فتحةِ الواو. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمٍَِّ﴾ لترتيب الحَذَرِ - أو الأمرِ به - على ما قبلها من عِلْمِه تعالى بأحوالهم، فإنه مما يوجبُ الحذرَ البتة، والمخالفةُ كما قال الراغب: أن يأخذَ كلُّ واحدٍ طريقاً غيرَ طريقِ الآخَرِ في حاله أو فِعْلِه(٤). والأكثرُ استعمالُها بدون ((عن))، فيقال: خالَفَ زيدٌ عمراً، وإذا استُعملت بـ ((عن)) فذاك على تضمين معنى الإعراض، وقيل: الخروج، أي: يخالفون مُعْرِضِينَ أو خارجين عن أمره. (١) ديوان زهير ص١٤١ . (٢) المراسيل (٦٢). (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والبحر ٤٧٧/٦، والكلام منه. (٤) مفردات الراغب (خلف)، ونقله عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤٠٣/٦، وجاء في المفردات: قوله، بدل: فعله. سُورَةُ الَّنودِ ٤٩٦ الآية : ٦٣ وقال ابن الحاجب: عدِّي ((يخالفون)) بـ ((عن)) لِمَا في المخالفة من معنى التباعُدِ والحَيْدِ، كأنه قيل: الذين يَحيدون عن أمره بالمخالفة، وهو أبلغُ من أن يقال: يخالفون أمرَه. وقيل: على تضمين معنى الصَّدِّ. وقيل: إذا عدِّي بـ ((عن)) يرادُ به الصَّدُّ دون تضمينٍ، ويتعدَّى إلى مفعولٍ بنفسه؛ يقال: خالفَ زيداً عن الأمر، أي: صدَّه عنه، والمفعولُ عليه هنا محذوفٌ، أي: يخالفون المؤمنين، أي: يصدُّونهم عن أمره، وحُذف المفعولُ لأنَّ المراد تقبيحُ حالِ المخالف، وتعظيمُ أمرِ المخالَفِ عنه، فذُكِر الأهمُّ وتُرِكَ ما لا اهتمام به. وقد يتعدَّى بـ (إلى))، فيقال: خالف إليه، إذا أقبل نحوه. وقال ابن عطية (١): ((عن)) هنا بمعنى بَعْدَ، والمعنى: يقعُ خلافُهم بعدَ أمره، كما تقول: كان المطر عن ريحٍ، وأطعمتهُ عن جوع. وقال أبو عبيدة والأخفش: هي زائدة، أي: يخالفون ((أمرَه))(٢). وضمير ((أمرَه)) لله عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ الأمر له سبحانه في الحقيقة، أو للرسول وَيه فإنه المقصودُ بالذكر. والأمرُ(٣)، قيل: الطلبُ، أو الشأنُ، أو ما يعمُّهما، ولا يَخْفَى أنَّ في تجويز كلٍّ على كلٍّ من الاحتمالين في الضمير نظراً، فلا تغفل. وقرئ: ((يُخلِّفون)) بالتشديد(٤)، أي: يخلِّفون أنفسَهم عن أمره. ﴿َنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاءٌ ومحنةٌ في الدنيا، كما روي عن مجاهد. وعن ابن عباس تفسيرُ الفتنة بالقتل. وعن جعفر الصادقِ ◌ُّه تفسيرُها بتسليط سلطانٍ جائرٍ. وعن السديِّ ومقاتلٍ تفسيرُها بالكفر. والأولُ أَوْلَى. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة. وقيل: في الدنيا، والمراد بالعذاب (١) في المحرر الوجيز ١٩٨/٤ . (٢) مجاز القرآن ٦٩/٢، وذكره عن الأخفش الماوردي في النكت والعيون ١٢٩/٤، وأبو حيان في البحر ٦ / ٤٧٧ . (٣) بعدها في (م): له. (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والبحر ٦/ ٤٧٧. الآية : ٦٣ ٤٩٧ سُوَرَّةُ الّنُورِ الأليم: القتلُ، وبالفتنة: ما دونه، وليس بشيءٍ. وكلمةُ ((أو)) لمنع الخلوِّ دون الجمع. وإعادةُ الفعل صريحاً للاعتناء بالتهديد والتحذير. وشاع الاستدلالُ بالآية على أنَّ الأمر للوجوب، فإنه تعالى أوجبَ فيها على مخالفِ الأمر الحذرَ عن العذاب، وذلك تهديدٌ على مخالفةِ الأمر، وهو دليلُ كونِ الأمر للوجوب؛ إذ لا تهديدَ على تَرْكِ غيرِ الواجب، وأيضاً بناءُ حُكْمِ الحَذَرِ عن العذاب إلى المخالف يقتضي أن يكون حذرُه عنه من حيث المخالفة، وذلك إنما يكون إذا أفضى إلى العذاب، كما في قولك: فليَحْذَرِ الشاتمُ للأمير أن يَضْرِبَه، ولا إفضاءَ في تَرْكِ غير الواجب. وهذا الأمرُ أعني ((فليحذر)) بخصوصه مستعملٌ في الإيجاب، إذ لا معنى لندب الحَذَرِ عن العقاب أو إباحته. وأيضاً إشعارُ الآية بوجوبِ الحذر غيرُ خافٍ، بقرينةٍ ورودها في مَعْرِضِ الوعيد بتوقُّع إصابة العذاب. على أنه لو حُمِلَ الأمرُ المذكورُ على أنه للندب يَحصُلُ المطلوب، وذلك لأنَّ التحذير عمَّا لم يُعْلَمْ أو لم يُظَنَّ تَحقُّقُه ولا تحقَّقُ ما يفضي إلى وقوعه في الجملة سَفَهٌ غيرُ جائزٍ، بمعنى أنه مخالفٌ للحكمة، ولهذا يُلَامُ مَن يحذَرُ عن سقوطِ الجدار المُحْكَمِ الغير المائل. وأيَّاً ما كان يندفعُ ما يقال: لا نسلِّم أنَّ قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرٍ) للوجوب؛ لأنه عينُ محلِّ النزاع، إذ يكفي في المطلوب على ما قرَّرنا استعمالهُ في الندب أيضاً . والقولُ بأنَّ معنى مخالفة الأمر عدمُ اعتقادٍ حَقِّيتِهِ، أو حملُه على غير ما هو عليه بأنْ يكونَ للوجوب أو الندب مثلاً فيحمل على غيره = بعيدٌ جدّاً. والظاهرُ المتبادِرُ إِلى الفَهْمِ أنه تَرْكُ الامتثالِ والإتيانِ بالمأمور به، فلا يترك إلى ذلك إلَّا بدلیل . واعتُرض بأنه بعد هذا القيل والقال لا يدلُّ على أنَّ جميع الأوامر حقيقةٌ في الوجوب لإطلاق الأمر. وأجيب بأن ((أمره)) مصدرٌ مضافٌ، وهو يفيدُ العمومَ حيث فُقِدَتْ قرينةُ العهدِ، سوداُالنّورِ ٤٩٨ الآية : ٦٣ على أنَّ الإطلاق كافٍ في المطلوب، وهو كونُ الأمرِ المُطْلَقِ للوجوب خاصةً؛ إذ لو كان حقيقةً لغيره أيضاً لم يترتَّب التهديدُ على مخالفةِ مُطْلَقِ الأمرِ. وقال بعض الأجلَّة: لا قائل بالفصل في صيغ الأمر بأنَّ بعضَها للوجوب وبعضها لغيره. وزعم بعضُهم أنَّ الاستدلال لا يتمُّ إذا أريد بالأمر الطلب، ولو فسِّر بالشأن وكان الضميرُ للرسول عليه الصلاة والسلام، لزمَ من القول بدلالتها على الوجوب أن يكون كلُّ ما يفعلهِ وَّهِ واجباً علينا، ولا قائل به. والزمخشريُّ فسَّره بالدِّين والطاعة(١). وقال صاحب ((الكشف)): إنَّ الاستدلال بالآية على أنَّ الأمر للوجوب مشهورٌ، سواءٌ فسِّر بما ذُكِرَ لأنَّ الطاعة امتثالُ الأمر القوليّ، أو فسِّر على الحقيقة. وأمَّا إذا جُعِل إشارةً إلى ما سبق من الأمر الجامع، ومعنى («يخالفون عن أمره)): ينصرفون عنه، فلا. وليس بالوجه وإِنْ آثَرَه جمعٌ؛ لفواتِ المبالغة والتناوُلِ الأوليِّ، والعدولِ عن الحقيقة في لَفْظِ الأمرِ ثم المخالفةِ من غير ضرورةٍ. انتهى. وهذا الذي آثره جمعٌ ذكره الطيبيُّ عن البغويِّ(٢)، ثم قال: هذا هو التفسيرُ الذي عليه التعويلُ، ويساعدُ عليه النظمُ والتأويلُ؛ لأنَّ الأمرَ حينئذٍ بمعنى الشأن وواحدِ الأمور، وبيانُه أن ما قبله حديثٌ في الأمر الجامع، وهو الأمرُ الذي يُجمَعُ عليه الناس، ومَدْحُ مَن لَزِمَ مجلسَ رسول اللهِوَّهِ ولم يذهب عنه، وذُّ مَن فارَقَه بغير الإذن، وأَمْرٌ بالاستغفار في حقِّ مَن فارَقَ بالإذن؛ لأن قوله تعالى: (فَأْذَنْ لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ) يؤذِنُ أنَّ القوم ثلاثُ فِرَقٍ: المأذونُ في الذهاب بعد الاستئذان، والمتخلِّفُ عنه، ثم المتخلِّفُ إمَّا أن يدومَ في مجلسه عليه الصلاة والسلام ولم يذهب وهم المؤمنون المُخْلِصون، أو يتسلَّلَ لواذاً وهم المنافقون، وقولُه تعالى: (فَلَيَحْذَرٍ) إلخ مترتِّبٌ على القسم الثالث على سبيل الوعيد، والفعلُ المضارِعُ يفيدُ معنى الدَّأْبِ والعادةِ، وقد أقيم المُظْهَرُ موضعَ المُضْمَرِ علَّةً لاستحقاقهم فتنةً الدارين. انتهى. (١) الكشاف ٣/ ٧٩. (٢) تفسير البغوي ٣٥٩/٣، وفيه: وقيل: معناه يُعْرضون عن أمره، وينصرفون عنه بغير إذنه. الآية : ٦٤ ٤٩٩ سُؤَدَُّالنودِ وقد كَشَفَ عن بعضٍ ما فيه صاحبُ ((الكشف))، نعم قيل عليه: إنَّ فواتَ المبالغةِ والتناوُلِ لا يقاومُ العهدَ، ولا عدولَ عن الحقيقة لأنَّ الأمر حقيقةٌ في الحادثة، وكذا المخالفةُ فيما ذكر، ولو سلِّم فهو مشتركُ الإلزام فإنَّ الأمر ليس حقيقةً في الأمر العامّ. وقولُه: بلا ضرورةٍ، ممنوعٌ، فإنَّ إضافةَ العهدِ صارفةٌ. وتعقّب بأنَّ هذا مكابرةٌ ومنعٌ مجرَّدٌ لا يُسمع؛ فإنَّ الأبلغيةَ لا شبهةَ فيها؛ فإنَّ تهديد مَن لم يمتثل أمرَه عليه الصلاة والسلام أشدُّ مِن تَرْكِه بلا إذنٍ، وكونُ الأمر حقيقةً في الطلب هو الأصحُّ في الأصول، والمخالفةُ المقارِنةُ للأمر لا شبهةَ في أنَّ حقيقتها عدمُ الامتثال، واشتراكُ الإلزام ليس بتامّ؛ لأنَّ أمره إذا عمَّ يشملُ الأمرَ الجامع بمعنى الطلب أيضاً، وعهدُ الإضافة ليس بمتعيّنٍ حتى يُعدَّ صارفاً. كذا قيل، وفيه بحثٌ فتأمَّل. وقد يقال بناءً على كون الأمر المذكور إشارةً إلى الأمر الجامع: إنه جيءَ بـ ((أو)) في قوله: (أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لِمَا أنَّ الأمر الجامعَ إمّا أن يكون أمراً دنيويًّا كالتشاؤُرِ في الأمور الحربية، فالانصرافُ عنه مَظِنَّةُ إصابةِ المحنةِ الدنیویةِ للمُنْصَرِفِينَ، وإمَّا أنْ يكون أمراً دينيًّا كإقامةِ الجمعةِ التي فيها تعظيمُ شعائرٍ الإسلام، فالانصرافُ عنه مَظِنَّةُ إصابةِ العذابِ الأخرويِّ. وبالجملة لا استدلالَ بالآية على اعتبارِ العهد، وأمَّا إذا لم يُعتَبَرْ فقد استُدِلَّ بها، وقد سمعتَ شيئاً من الكلام في ذلك، وتمامُه جرحاً وتعديلاً وغيرَ ذلك في کتب الأصول. ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الموجودات بأسرها خَلْقاً وملكاً وتصرُّفاً، إيجاداً وإعداماً، بدءاً وإعادةً، لا لأحدٍ غيرِهِ شركةً أو استقلالاً. ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها المكلَّفون، من الأحوال والأوضاع التي من جملتها الموافقةُ والمخالفةُ، والإخلاصُ والنفاقُ، ودخولُ المنافقين - مع أنَّ الخطاب فيما قبلُ للمؤمنين - بطريق التغليب. وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ خاصٌّ بالمنافقين، وهو مفعولٌ به عطف على ((ما أنتم))، أي: يعلمُ يومَ يُرْجَعُ المنافقون المخالفون للأمر إليه عزَّ وجلَّ للجزاء والعقاب. سُودَةُالَّنودِ ٥٠٠ الآية : ٦٤ وتعليقُ عِلْمِه بيومٍ رجعِهِم لا برجعهم لزيادةٍ تحقيق عِلْمِه سبحانه بذلك وغايةٍ تقريره؛ لِمَا أنَّ العلم بَوقتٍ وقوع الشيء مستلزمٌ للعلم بوقوع الشيء على أبلغٍ وجهٍ وآَكَدِهِ. وفيه إشعارٌ بأنَّ عِلْمَه جلَّ وعلا بنفس رجعهم من الظهور بحيث لا يحتاجُ إلى البيان قطعاً . ويجوز أن يكون الخطابُ السابق خاصّاً بهم أيضاً فيتحقَّقُ التفاتان: التفاتُ من الغيبة إلى الخطاب في ((أنتم))، والتفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة في ((يرجعون)) والعطفُ على حاله. وجوِّز أن يكون على مقدَّرٍ، أي: ما أنتم عليه الآن ويومَ .. إلخ، فإنَّ الجملة الاسمية تدلُّ على الحال في ضمن الدوام والثبوت. وقيل: يجوز أن يكون ((يومَ)) ظرفاً لمحذوفٍ يعطفُ(١) على ما قبله، أي: وسيحاسبُهم يومَ، أو نحو ذلك، ولا أرى اختصاصَه بالوجه الثاني في الخطاب. وفي ((البحر)) بعد ذِكْرِ الوجهين فيه: والظاهرُ عَظْفُ (يوم)) على ((ما أنتم عليه))، وقال ابن عطية: يجوزُ أن يكون التقديرُ: والعلمُ يظهرُ لكم - أو نحو هذا - يومَ، فيكون ((يوم)) نصباً على الظرفية بمحذوفٍ(٢). و((قد)) للتحقيق، وفيها الاحتمالان المتقدِّمان آنفاً. وقد مرَّ غيرَ مرةٍ ما يراد بمثلٍ هذه الجملةِ من الوعيد أو الوَعْدِ، ولا يخفى المناسبُ لكلٍّ من الاحتمالات في ((أنتم)) و((يرجعون)). وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمرو: ((يَرْجِعون)) مبنيًّاً للفاعل(٣). ﴿فَيُنِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: بعملهم، أو بالذي عملوه من الأعمال السيئة التي من جملتها مخالفةُ الأمر، فيرتِّبُ سبحانه عليه ما يليقُ به من التوبيخ والجزاء، أو (١) في الأصل: بعطف. (٢) البحر ٤٧٧/٦ - ٤٧٨، وكلام ابن عطية في المحرر ١٩٨/٤. وفيهما: والعلم الظاهر، بدل: والعلم يظهر. (٣) في (م): للمفعول، والمثبت من البحر ٤٧٧/٦، والكلام منه، والمشهور عن أبي عمرو القراءة بالبناء للمفعول، وقرأ بالبناء للفاعل يعقوب كما في النشر ٢١٨/٢، وينظر السبعة ص٤٥٩.