النص المفهرس
صفحات 461-480
الآية : ٥٨ ٤٦١ سودةالنودِ وقال صاحباه والشافعيُّ وأحمد: إذا بلغ الغلامُ والجاريةُ خمسَ عشرةَ سنةً فقد بلغا، وهو روايةٌ عن الإمام څبه أيضاً وعليه الفتوى. ولهم أنَّ العادة الفاشية أن لا يتأخَّر البلوغُ فيهما عن هذه المدة، وقيِّدت العادةُ بالفاشية لأنه قد يبلغ الغلام في اثنتي عشرةَ سنةً، وقد تبلغُ الجارية في تسع سنين. واستدلَّ بعضُهم على ما تقدَّم بما رَوَى ابن عمر ◌َّ أنه عُرِضَ على النبيِّ ◌َلٌ يومَ أحدٍ وله أربعَ عَشْرةَ سنةً فلم يُجزْه، وعُرِضَ عليه عليه الصلاة والسلام يومَ الخندقِ وله خمسَ عَشْرَةَ سنةً فأجازه(١). واعترض أبو بكر الرازيُّ على ذلك بأنَّ أُحُداً كان في سنة ثلاثٍ والخندقَ في سنة خمسٍ، فكيف يصحُّ ما ذكر في الخبر؟ وأيضاً لا دلالةَ فيه على المدَّعى؛ لأن الإجازة في القتال لا تعلَّقَ لها بالبلوغ، فقد لا يؤذَنُ البالغُ لضَعْفِه، ويؤذَنُ غيرُ البالغ لقوَّته وقدرته على حمل السلاح. ولعل عَدَمَ إجازته عليه الصلاة والسلام ابنَ عمر ﴿ُّ أولاً إنما كان لضَعْفِهِ، ويُشْعِرُ بذلك أنه وَّهِ ما سأله عن الاحتلام والسنّ(٢). ومما تفرَّد به الشافعيُّ رَُّبه - على ما قيل - جَعْلُ الإنباتِ دليلاً على البلوغ، واحتجَّ له بما رَوَى عطيةُ القرظيُّ أنَّ النبيَّ وَ أَمَرَ بقتل مَن أَنْبتَ مِن قريظةً، واستَحْيى(٣) مَن لم يُنْبِتْ، قال: فنظروا إليَّ فلم أكن قد أنبتُّ، فاستبقاني ◌َلِ﴾ (٤) . وتعقّبه أبو بكر الرازيُّ(٥) بأنَّ هذا الخبر لا يجوز إثباتُ الشرع بمثله، فإنَّ عطيةً هذا مجهولٌ لا يُعْرَفُ إلا من هذا الخبر. وأيضاً هو مختلِفُ الألفاظ، ففي بعضٍ (١) أخرجه أحمد (٤٦٦١)، والبخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨). (٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٣١/٣. وقد رُدَّ ما ذُكر أولاً من أن أُحُداً كانت سنة ثلاث والخندق سنة خمس، بأنه يمكن أن يكون ابن عمر ﴿ في غزوة أحد قد دخل في أول سنة أربع عشرة، وفي غزوة الخندق كان في آخر الخامسة عشرة. ينظر المفهم ٦٩٧/٣. (٣) في (م): واستحياء. (٤) أخرجه أحمد (١٨٧٧٦)، والترمذي (١٥٨٤) وقال: حسن صحيح. (٥) في أحكام القرآن ٣٣٢/٣. سُودَةُالَّنودِ ٤٦٢ الآية : ٥٨ رواية أنَّ النبيَّ وَّهِ أَمَر بِقَتْلٍ مَن جَرَتْ عليه المَوَاسي(١)، وأيضاً يجوزُ أن يكون الأمرُ بقَتْلٍ مَن أَنْبتَ ليس لأنه بالغٌ بل لأنه قويٌّ، فإنَّ الإنباتَ يدلُّ على القوَّة البدنية. وانتُصِرَ للشافعيِّ بأنَّ الاحتمال مردودٌ بما روي عن عثمان رظُته، أنه سئل عن غلامٍ فقال: هل اخضرَّ إزارُه(٢)؟ فإنه يدلُّ على أنَّ ذلك كان كالأمر المتَّفقِ عليه فيما بين الصحابة ثم المشهورُ عن الشافعيِّ عليه الرحمةُ جَعْلُ ذلك دليلاً على البلوغ في حقِّ أطفال الكفار(٣). وتكلَّف الشافعيةُ في الانتصار له وردِّ التشنيع عليه بما لا يخفى ما فيه على مَن راجَعَه. ومن الغريب ما روي عن قوم من السَّلَفِ أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسانُ في طوله خمسةً أشبارٍ، وروي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلامُ خمسةَ أشبارٍ فقد وقعتْ عليه الحدودُ؛ يُقتصُّ له ويُقتصُّ منه (٤). وعن ابن سيرين عن أنس قال: أُتي أبو بكر ظلبه بغلام قد سرق، فأمر به فشُبِرَ، فنقص أنملةً فخلَّى عنه(٥). وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله يمدحُ يزيدَ بن المهلَّب: وسما فأدرَكَ خمسةً الأشبارِ مازال مذ عَقَدتْ يداه إزاره بالطّعنِ يومَ تجَاوُلٍ وغوارٍ (٦) يُذْني كتائبَ من كتائبَ تلتقي وأكثرُ الفقهاء لا يقولون به؛ لأنَّ الإنسان قد يكونُ دونَ البلوغ ويكونُ طويلاً، (١) أخرجه بنحوه الحاكم ٣٨٩/٤-٣٩٠، والبيهقي ٥٨/٦. (٢) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٨٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٧/٣. (٣) الأم ١٧٦/٤ . (٤) أحكام القرآن للجصاص ٣٣٢/٣، وينظر مصنف ابن أبي شيبة ٤٨٦/٩، والمحلى ١٤/١١. (٥) أحكام القرآن للجصاص ٣٣٢/٣، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤٨٦/٩ من طريق حميد عن أنس. (٦) ديوان الفرزدق ص ٣٠٥، والبيت الثاني فيه برواية: يدني خوافقَ من خوافقَ تلتقي في كلِّ مُعْتَبَطِ الغبارِ مُثَارٍ الآية : ٥٨ ٤٦٣ سودُالنّورِ وفوقَ البلوغ ويكونُ قصيراً، فلا عبرةَ بذلك، ولعل الأخبار السابقة لا تصحّ. وما نُقِلَ عن الفرزدق لا يتعيَّن إرادةُ البلوغ فيه، ومِن الناس مَن قال: إنه أراد بخمسة الأشبار القبر، كما قال الآخر: عجباً لأربع أَذْرُعِ في خمسةٍ في جوفه جبلٌ أشمُّ كبيرُ(١) هذا وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية: ((الحُلْم)) بسكون اللام(٢)، وهي لغةُ تميم. وذكر الراغب(٣) أن الحُلُم بالضم والحُلْم بالسكون كلاهما مصدرُ ((حَلَم في نومه بكذا)) بالفتح: إذا رآه في المنام، يحلُم بالضم. ولم يخصَّ ذلك بلغةٍ دون أخرى. وعن بعضهم عدُّ حَلَماً بالفتح مصدراً لذلك أيضاً. وفي ((الصحاح)) (٤): الحلم بالضم: ما يراه النائم؛ تقول منه: حَلَم بالفتح واحْتَلَم، وتقول: حَلَمْتُ بكذا، وحَلَمْتُه أيضاً، فيتعدَّى بالباء وبنفسه؛ قال: فحلَمْتُها وبنو رُفيدةَ دونَها لا يَبْعَدَنَّ خيالَها المحلومُ(٥) والحِلْمُ بكسر الحاء: الأناةُ؛ تقول منه: حَلُم الرجلُ بالضم، إذا صار حليماً . وفي ((القاموس)): الحُلْم بالضمِّ ويضمَّتين: الرؤيا، جمعُه أحلام. ثم قال: وحَلَم به وعنه: رأى له رؤيا، أو رآه في النوم. والحُلْم بالضم والاحتلامُ: الجماع في النوم، والاسم: الحُلُم كعُنُق. والحِلْم بالكسر: الأناة والعقلُ، وجَمْعُه: أحلامٌ وحُلوم(٦). اهـ. والظاهرُ أنَّ ما نحن فيه بمعنى الجماع في النوم، وهو الاحتلامُ المعروف، ووجهُ الكناية السابقةِ عليه ظاهرٌ. (١) شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٨/٣، وقائله كما ذكر التبريزي عبد الله بن أيوب من أهل اليمامة، وهو من قصيدة قالها في منصور بن زياد أحد وجوه الدولة العباسية. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والبحر ٦/ ٤٧٢ . (٣) في مفرداته (حلم). (٤) مادة (حلم). (٥) الصحاح (حلم)، والبيت للأخطل، وهو في ديوانه ص ٨٨. ورفيدة: أبو حيٍّ من العرب يقال لهم: الرفيدات. اللسان (رفد). (٦) القاموس (حلم). سُودَةُ النّورِ ٤٦٤ الآية : ٥٨ وقال الراغب: الحُلُم: زمان البلوغ، وسمِّي الحُلُمَ لكونه جديراً صاحبُه بالحِلْم، أي: الأناة وضبط النفس عن هَيَجانِ الغضب(١). وفي النفس منه شيءٌ. ﴿َثَلَثَ مَرَّتٍ﴾ أي: ثلاثَ أوقاتٍ في اليوم والليلة، والتعبيرُ عنها بالمرَّات للإيذان بأنَّ مدار طلب الاستئذان مقارنةُ تلك الأوقاتِ لمرور المستأذِنين بالمخاطَبين، لا أُنْفُسُها، فَتَصْبُ ((ثلاثَ مراتٍ)) على الظرفية للاستئذان، وهو الذي ذهب إليه الجمهور، ويدلُّ على ما ذُكر قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ صَلَوْقِ الْفَجْرِ﴾ إلخ فإنَّ الظاهر أنه في محلِّ النصب أو الجرِّ - كما قيل - على(٢) أنه بدلٌ من ((ثلاث)) أو من («مرَّات)) بدلَ مفصّلٍ من مُجْمَلٍ . وجوِّز أن يكون في محلِّ الرفع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: أحدُها من قبل .. إلخ، وهو أيضاً يدلُّ على ما ذكرنا . واختار في ((البحر)) أنَّ المعنى: ثلاثَ استئذاناتٍ كما هو الظاهرُ، فإنك إذا قلت: ضربتُ ثلاثَ مرَّاتٍ، لا يفهمُ منه إلَّا ثلاثَ ضرباتٍ، ويؤيِّدُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الاستئذانُ ثلاثٌ))(٣)، وعليه يكون ((ثلاثَ مراتٍ)) مفعولاً مطلقاً للاستئذان، و((من قَبْلٍ)) إلخ ظرفٌ له. وشُرِعَ الاستئذانُ من قَبْلِ صلاةِ الفجر لظهور أنه وقتُ القيام عن المضاجع وطرحٍ ثياب النوم ولبسٍ ثيابِ اليقظة (٤)، وكلُّ ذلك مَظِنَّهُ انكشافِ العورة. وأيضاً كثيراً ما يُجْنِبُ الشخص ليلاً، فيغتسلُ في ذلك الوقت ويستحي من الاطلاع عليه في تلك الحالة ولو مستورَ العورة. ﴿وَحِيْنَ تَضَعُونَ بِيَابَكُمْ﴾ أي: وحين تخلعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار وتَحُونها عنكم ﴿مِّنَ الَّهِبَرَةِ﴾ بيانٌ للحين، والظهيرةُ كما قال الراغب: وقتُ (١) مفردات الراغب (حلم) بنحوه. (٢) قوله: على، ليس في (م). (٣) البحر ٦/ ٤٧٢، والحديث أخرجه البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٢١٥٣): (٣٥) من حديث أبي موسى الأشعري له، ولفظ البخاري: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع)). (٤) جاء في هامش الأصل و(م): بفتح القاف، وتسكينُها غير جائز إلا في الضرورة. اهـ منه. والكلام بلفظه في حاشية الشهاب ٣٩٩/٦. الآية : ٥٨ ٤٦٥ سُورَةُ الَّنُودِ الظهر(١). وفي ((القاموس)): هي حدُّ انتصافِ النهار، أو إنما ذلك في القيظ(٢). وجوِّز أن تكون ((من)) أَجْليةً والكلامُ على حذف مضافٍ، أي: وحين تضعون ثيابكم من أَجْلٍ حرِّ الظهيرة. وفسَّر بعضُهم الظهيرةَ بشدّة الحرِّ عند انتصاف النهار، فلا حاجةً إلى الحذف. و((حين)) عطفٌ على ((من قبل))، وهو ظاهرٌ على تقدير كونه في محلِّ نصب، وأمَّا على التقديرين الآخرين فيلتزَمُ القولُ ببناءِ ((حينَ)) على الفتح وإن أُضيفَ إلى مضارعٍ، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] على قراءةٍ فَتْحِ میم (يوم))(٣). والتصريحُ بمدار الأمر أعني وضعَ الثياب في هذا الحين دون ما قبلُ وما بعدُ؛ لِمَا أنَّ التجرُّد عن الثياب فيه لأَجْلِ القيلولة لقلَّةِ زمانها، كما ينبئُ عنه إيرادُ الحين مضافاً إلى فعلٍ حادثٍ مُتَقضٍّ، ووقوعُها في النهار الذي هو مَئِنةٌ لكثرةِ الورود والصدور، ومَظِنَةٌ لظهور الأحوال وبروزِ الأمور، ليس من التحقُّق والاطِّرادِ بمنزلة ما في الوقتين المذكورين، فإنَّ تحقُّق المدار فيهما أمرٌ معروفٌ لا يحتاج إلى التصریح به . ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَآءِ﴾ ضرورةً أنه وقتُ التجرُّدِ عن لباس اليقظة والالتحافِ بثيابِ النوم، وكثيراً ما يتعاطى فيه مقدِّمات الجماع، وإن كان الأفضل تأخيره لمن لا يغتسل على الفور إلى آخر الليل. ويعلمُ ممَّا ذُكر في حيِّز بيانِ حكمةِ مشروعيةِ الاستئذانِ في الوقت الأول والوقت الأخير أنَّ المراد بالقَبْليةِ والبَعْديةِ المذكورتين ليس مُظْلَقَهما المتحقِّقَ في الوقت الممتدِّ المتخلِّلِ بين صلاةِ الفجر وصلاةِ العشاء، بل المرادُ بهما طرفا ذلك الوقتِ الممتدِّ المتَّصلان اتِّصالاً عادياً بالصلاتين المذكورتين، وعدمُ التعرُّضِ للأمر بالاستئذان في الباقي من الوقت الممتدِّ: إمَّا لانفهامه بعد الأمر بالاستئذان في (١) مفردات الراغب (ظهر). (٢) القاموس (ظهر). (٣) هي قراءة نافع كما في التيسير ص ١٠١ . سورة النورِ ٤٦٦ الآية : ٥٨ الأوقات المذكورة من باب الأَوْلَى، وإمَّا لندرة الوارد فيه جدّاً كما قيل. وقيل: إنَّ ذاك لجريان العادة على أنَّ مَن وَرَدَ فيه لا يَرِدُ حتى يُعْلِمَ أهل البيت؛ لِمَا في الورود ودخولِ البيت فيه من دون إعلامٍ أهله من التهمة ما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿ثَلَثُ عَوْرَتٍ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وقولُه سبحانه: متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له، أي: هنَّ ثلاثُ عوراتٍ كائنةٌ لكم، والعورةُ: الخللُ، ومنه: أَغْوَرَ الفارسُ وأغْوَرَ المكانُ: إذا اختلَّ حالُه، والأعور: المختلُ العين. وعورةُ الإنسان: سوأتُه، وأصلُها كما قال الراغب: من العار، وذلك لِمَا يلحق في ظهورها من العار، أي: المذمّة (١). وضميرُهنَّ المحذوفُ للأوقات الثلاثة، والكلامُ على حذفِ مضافٍ، أي : هنَّ(٢) ثلاثُ أوقات يختلُّ فيها التستُّر عادةً، وقدَّر أبو البقاء المضافَ قبل ((ثلاث)) فقال: أي: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ(٣). أو لا حَذْفَ فيه، وإطلاقُ العورات على الأوقات المذكورة المشتمِلةِ عليها للمبالغة كأنها نفسُ العورات. والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لبيان علَّة طلبِ الاستئذان في تلك الأوقات. وقرأ أبو بكر وحمزةُ والكسائيُّ: ((ثلاثَ)) بالنصب (٤) على أنه بدلٌ من («ثلاثَ مرَّاتٍ))، وجوَّز أبو البقاء(٥) كونَه بدلاً من الأوقات المذكورة(٦)، وكونَه منصوباً بإضمارٍ: أعني. وقرأ الأعمش: ((عَوَراتٍ)) بفتح الواو(٧)، وهي لغةُ هذيل بنٍ مدركة وبني تميم. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين مَلَكَتْ أيمانُكم، والذين لم يبلغوا (١) مفردات الراغب (عور). (٢) في (م): هي. (٣) الإملاء ٨٨/٤. (٤) التيسير ص ١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. (٥) في الإملاء ٨٨/٤. (٦) يعني قوله: ((من قبل صلاة الفجر)) وما عطف عليه، ويكون بدلاً على المحل، ولذلك نُصب. الدر المصون ٤٣٩/٨. (٧) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والبحر ٦/ ٤٧٢، والكلام منه. الآية : ٥٨ ٤٦٧ سُورَةُ الّنودِ الحلم منكم ﴿ٌَُّ﴾ أي(١): في الدخول بغير استئذان ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أي: بعد كلِّ واحدةٍ من تلك العورات الثلاثة، وهي الأوقاتُ المتخلِّلةُ بين كلِّ اثنتين(٢) منهنَّ. وإيرادُها بعنوان البَعْديةِ مع أنَّ كلَّ وقتٍ من تلك الأوقاتِ قَبْلَ كلِّ عورةٍ من العورات كما أنها بعد أخرى منهنَّ؛ لتوفيةِ حقِّ التكليف والترخيص الذي هو عبارةٌ عن رَفْعِه، إذ الرخصة إنما تُتَصوَّر في فعلٍ يقع بعد زمانِ وقوع الفعل المكلَّف، كذا في ((إرشاد العقل السليم))(٣). وظاهرُه أنه لا حَرَجَ في الدخول بغير استئذانٍ في الوقت المتخلِّلِ بين ما بعدَ صلاةِ العشاء وما قبلَ صلاةِ الفجر بالمعنى السابق للبَعْديةِ والقَبْليةِ، ومقتضَى ما قدَّمنا ثبوتُ الحرج في ذلك، فيكون كالمستثنى مما ذكر. وكان الظاهرُ أن يقال: ليس عليهم جناحٌ بعدهنَّ، وعَدَم التعرُّضِ لنفىٍ أنْ يكون على المخاطبين جناحٌ؛ لأن المأمورين ظاهراً فيما تقدَّم بالاستئذان في العورات الثلاث هم المماليك والمراهقون الأحرارُ لا غير، وإن اعتبر المأمورون في الحقيقة فيما مرَّ كان الظاهرُ هاهنا أن يقال: ليس عليكم جناحٌ بعدهنَّ مقتصراً عليه، ولعل اختيار ما في النظم الجليل لرعايةِ المبالغة في الإذن بتَرْكِ الاستئذان فيما عدا تلك الثلاث، حيث نُفي الجناحُ عن المأمورين به فيها ظاهراً وحقيقة. والظاهرُ أنَّ المراد بالجُناحِ: الإثمُ الشرعيُّ، واستشكل بأنه يُفْهَمُ من الآية ثبوتُ ذلك للمخاطَبين إذا دخل المماليكُ والذين لم يبلغوا الحلم منهم عليهم من غيرِ استئذانٍ في تلك العورات، مع أنه لا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى، وثبوتُه للمماليك والصغارِ كذلك مع أنَّ الصغار غيرُ مكلَّفين، فلا يتصوَّرُ في حقُّهم الإثمُ الشرعيُّ. وأجيب بأن ثبوتَ ذلك لمن ذُكر بواسطة المفهوم، ولا عبرةً به عندنا، وعلى القول باعتباره يمكن أن يكون ثبوتُه للمخاطبين حينئذٍ لتَرْكِهم تعليمَهم، والتمكينِ من الدخول علیھم. (١) قوله: أي، ليس في الأصل. (٢) في (م): اثنين. (٣) ٦/ ١٩٤. سُورَةُ الْنّوْزِ ٤٦٨ الآية : ٥٨ ويبقى إشكالُ ثبوتِهِ للصغار، ولا مَدْفَعَ له إلا بالتزام القولِ بأنَّ التكليف يعتمدُ التمييزَ ولا يتوقَّفُ على البلوغ، وهو خلافُ ما عليه جمهورُ الأئمة. ويَرِدُ على القول بأنَّ ثبوت ذلك لمن ذُكِر بواسطة المفهوم بحثٌ لا يخفى. والتُزِمَ في الجواب كونُ المراد بالجناح الإثمَ العرفيَّ الذي مَرْجِعُه تَرْكُ الأَوْلَى والأَخْلَقِ من حيث المروءةُ والأدبُ، وجوازُ ثبوتِ ذلك للمكلَّفِ وغيرِ المكلَّفِ مما لا كلامَ فيه، فكأنَّ المعنى: ليس عليكم أيها المؤمنون جناحٌ في دخولهم عليكم بعدهنَّ لتَرْكِكُم تعليمَهم، وتَمْكينِكم إياهم منه، المُفْضي إلى الوقوف على ما تأبَى المروءةُ والغيرةُ الوقوفَ عليه، ولا عليهم جُنَاحٌ في ذلك لإخلالهم بالأدب المفضي إلى الوقوف على ما تكرهُ ذوو الطباع السليمةِ الوقوفَ عليه وينفعلون منه. ولا يأبى ذلك تقدُّمُ الأمرِ السابق، ولا ما في ((الإرشاد)» من بيان نكتةِ إيرادِ العورات الثلاث بعنوان البَعْدِيةِ بما سمعتَ، فتدبَّر فإنه دقيق . وذهب بعضُهم إلى أنَّ قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُنَّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتََّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاً) منسونٌ بهذه الآية، حيث دلَّتْ على جواز الدخول بدون استئذانٍ بعد الأوقات الثلاث، ودلَّ ذلك على خلافه. ومَن لم يذهب(١) إليه قال: إنها في الصبيان ومماليكِ المدخولِ عليه، وآيةُ الاستئذان في الأحرار البالغين، ومماليكُ الغير في حُكْمِهم، فلا منافاةَ ليُلَزَمَ النسخُ. ثم اعلم أنَّ نفي الجُناحِ بعدهنَّ على مَن ذُكر ليس على عمومه، فإنه متى تحقَّق(٢) أو ظُنَّ كونُ أهل البيت على حالٍ يكرهون اطلاع المماليك والمراهقين من الأحرار عليها، كانكشافِ عورةِ أحدِهم، ومعاشرتِهِ لزوجته أو أَمتِهِ، إلى غير ذلك، لا ينبغي الدخولُ عليهم بدون استئذانٍ، سواءٌ كان ذلك في إحدى العورات الثلاثِ أو في غيرها. والأمرُ بالاستئذان فيها ونفيُ الجناح بعدها بناء على العادة الغالبة من كون أهلِ البيت في الأوقات الثلاث المذكورةِ على حالٍ يقتضي الاستئذانَ، وكونهم على حالٍ لا يقتضيه في غيرها . (١) في (م): ومن ذهب، وهو خطأ . (٢) في الأصل: حقق. الآية : ٥٨ ٤٦٩ سُودَةُ النّورِ هذا وفي الآية توجيهٌ آخَرُ ذَكَره أبو حيان، وظاهرُ صَنِيعِه اختيارُه، وعليه اقْتَصَر أبو البقاء، وهو أنَّ التقدير: ليس عليكم ولا عليهم جناحٌ بعد استئذانهم فيهنَّ، فحُذِفَ الفاعلُ وحرفُ الجرِّ فبقي: بعد استئذانهنَّ، ثم حُذف المصدر فصار: بعدهنَّ(١). وعليه تقلُّ مؤونة الكلام في الآية، إلا أنه خلافُ الظاهر جدّاً، والجمهورُ على ما سمعتَ أولاً في معناها . والظاهرُ أنَّ الجملة على القراءتين السابقتين في ((ثلاث)» مستأنفةٌ مسوقةٌ لتقرير ما قبلها، وفي ((الكشاف) أنها إذا رُفع ((ثلاث)) كانت في محلٌّ رفع على الوصف، والمعنى: هنُّ ثلاثٌ مخصوصةٌ بالاستئذان، وإذا نُصب لم يكن لّها محلٌّ وكانت كلاماً مقرِّراً للاستئذان في تلك الأحوال خاصةً(٢). وقال في ذلك صاحب ((التقريب)): إنَّ رَفْعَ الحرج وراء الأوقات الثلاثة مقصودٌ في نفسه، فإذا وُصف به ((ثلاثَ عوراتٍ)) نصباً، وهو بدلٌ من («ثلاثَ مرَّاتٍ))، كان التقدير: ليستأذنكم هؤلاء في ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان. ويدفعه وجوه مستفادةٌ من علم المعاني: أحدها: اشتراطٌ تقدُّم عِلْم السامع بالوصف، وهو مُنْتفٍ إذ لم يُعلم إلا من هذا . والثاني: جَعْلُ الحكم المقصود وصفاً للظرف، فيصيرُ غيرَ مقصودٍ. والثالث: أنَّ الأمر بالاستئذان في المرَّات الثلاث حاصلٌ، وُصِفَتْ بأَنْ لا حَرَجَ وراءها أوْ لَمْ تُوصَفْ، فيضيع الوصف. وأما إذا وُصِفَ المرفوعُ فيزول الدوافعُ لأنه ابتداءُ تعليم، أي: هنَّ ثلاثٌ مخصوصةٌ بالاستئذان، وصفة للخبر المقصود ولم يتقيَّد أمرُ الاستئذان به، فليتأمَّلْ فإنه دقيقٌ جليلٌ. انتهى. وتعقِّب بأن الوجهين الأخيرين ساقطان لا طائلَ تحتهما، والأولُ هو الوجه. فإن قيل: هو مشتركُ الإلزام. قيل: قد تقدَّم في قوله تعالى: (لِيَسْتَقْذِنَكُمٌ) ما يرشد إلى العلم بذلك، وليست الجملةُ الأخيرة من أجزائه كما هي كذلك على فرض (١) البحر ٦/ ٤٧٢، والإملاء ٨٨/٤. (٢) الكشاف ٣/ ٧٥. سُؤَدَةُ الّنُوزِ ٤٧٠ الآية : ٥٨ جَعْلِها صفةً للبدل، ولا يحتاجُ مع هذا إلى حديثِ أنَّ رَفْعَ الحرج وراء الأوقات الثلاثة مقصودٌ في نفسه، بل قيل: هو في نفسه ليس بشيءٍ، فقد قال الطيبيُّ: إنَّ المقصود الأولى الاستئذانُ في الأوقات المخصوصة، ورفعُ الحرج في غيرها تابع له؛ لقول المحدَّثِ ﴿به: لوددتُ أنَّ الله عز وجل نهى آباءنا وخَدَمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق إلى النبيِّ وَّ وقد نزلت الآية(١). وفي ((الكشف)): أنه جيء به، أي: بالكلام الدالّ على رَفْعِ الحرج - أعني (ليس عليكم) إلخ - على رَفْع ((ثلاث)) مؤكّداً للسالف على طريق الظَّرْدِ والعَكْسِ(٢)، وكذلك إذا نُصبَ وجُعل استئنافاً، وأما إذا جُعل وصفاً فيفوتُ هذا المعنى، وهذا أيضاً من الدوافع. انتهى، فتأمَّل ولا تغفل. وقوله تعالى: ﴿لَوَّقُونَ عَلَيْكُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم طوَّافون، والجملةُ استئنافٌ ببيانِ العُذْرِ المرخّصِ في ترك الاستئذان، وهو المخالطةُ الضروريةُ وكثرةُ المداخلة. وفيه دليلٌ على تعليل الأحكام الشرعية، وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاث وغيرها بأنها عورات. وقولُه عز وجل: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ جوِّز أن يكون مبتدأً وخبراً، ومتعلَّق الجارِّ كونٌ خاصٌّ حُذِفَ لدلالةِ ما قبلَه عليه، أي: بعضُكم طائفٌ على بعض. وجوِّز أن يكون معمولاً لفعل محذوفٍ، أي: يطوف بعضُكم على بعض. وقال ابن عطية: ((بعضُكم)) بدلٌ من ((طوَّافون))(٣). وتعقَّبه في ((البحر)) بأنه إن أراد أنه بدلٌ من ((طوافون)) نفسِه فلا يجوز؛ لأنه يصير التقدير: هم بعضُكم على بعض، وهو معنّى لا يصحُّ. وإن أراد أنه بدلٌ من الضمير فيه فلا يصحُّ أيضاً إن قدِّر الضميرُ ضميرَ غيبةٍ لتقديرِ ((هُم))؛ لأنه يصير التقدير: هم يطوفُ بعضُكم على بعض. وإن جُعِلَ التقدير: أنتم يطوف عليكم بعضُكم على بعضٍ، فيدفعُه أنَّ (عليكم)) يدلُّ على أنهم هم المطوفُ عليهم، وأنتم (١) سلف ص٤٥٨ - ٤٥٩ من هذا الجزء. (٢) الطرد والعكس: هو أن يؤتى بكلامين يقرِّر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني، وبالعكس، كما في قوله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] الإتقان ٨٧٠/٢. (٣) المحرر الوجيز ١٩٤/٤. الآية : ٥٩ ٤٧١ سُورَةُ الْنُودِّـ طوافون يدلُّ على أنهم طائفون، فيتعارضان(١). وقيل: يقدَّر: أنتم طوَّافون، ويرادُ بأنتم: المخاطبون والغيَّبُ من المماليك والصبيان، وهو كما ترى. وجوَّز أبو البقاء كونَ الجملة بدلاً من التي قبلها، وكونَها مبيِّئَةً مؤكِّدةً(٢). ولا يخفى عليك ما تضمَّنته من جبر قلوب المماليك بجَعْلِهم بعضاً من المخاطَبين، وبذلك يقوَى أمرُ العلِّية. وقرأ ابن أبي عبلةَ: ((طوافين)) بالنصب على الحال من ضمير ((عليهم))(٣). ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعل الذي بعدُ، على ما مرَّ تفصيلُه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣] وفي غيره أيضاً، أي: مثلَ ذلك التبيين ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ الدالَّةَ على ما فيه نفعُكم وصلاحُكم، أي: ينزِّلُها مبيّنةً واضحةَ الدلالةِ، لا أنه سبحانه يبيِّنها (٤) بعد أن لم تكن كذلك. وتقدیمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريح لِمَا مَرَّ غيرَ مرةٍ . وقيل: يبِّنُ عللَ الأحكام. وتعقّب بأنه ليس بواضحٍ، مع أنه مؤدٍّ إلى تخصيص الآيات بما ذُكر ها هنا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مبالغٌ في العلم بجميع المعلومات، فيعلم أحوالكم ﴿حَكِيمٌ في جميع أفاعيله، فيشرِّعُ لكم ما فيه صلاحُكم مَعَاشاً ومَعَاداً . ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ﴾ لمَّا بَيَّن سبحانه آنفاً حُكْمَ الأطفال من أنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة، عقّب جلَّ وعلا ببيان حالهم إذا بلغوا؛ دفعاً لِمَا عسى أن يُتوهّمَ أنهم وإن كانوا أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم الدخولَ، فاللامُ في ((الأطفال)) للعهد، إشارةً إلى ((الذين لم يبلغوا الحلم)) المجعولين قسيماً للمماليك، أي: إذا بلغ الأطفالُ الأحرارُ الأجانبُ (١) البحر ٦/ ٤٧٣. (٢) الإملاء ٨٨/٤. (٣) المحرر الوجيز ١٩٤/٤، والبحر ٤٧٣/٦. (٤) في الأصل: بينها. سُودَةُ النودِ ٤٧٢ الآية : ٥٩ ﴿فَلْيَسْتَذِنُوا﴾ إذا أرادوا الدخول عليكم ﴿كَمَا أَسْتَنْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: الذين ذُكروا من قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُنَّا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. وجوِّز أن تكون القَبْلیةُ باعتبارِ الوصف لا باعتبار الذكر في النظم الجلیل، بقرينةٍ ذكرِ البلوغ وحكم الطفولية، أي: الذين بَلَغوا من قَبْلِهم. وأَخرِجَ هذا ابنُ أبي حاتم عن مقاتل(١)، وزَعَم بعضُهم أنه أَظْهَر. وتعقّبَ بأنَّ المراد بالتشبيه بيانُ كيفية استئذان هؤلاء وزيادةُ إيضاحِهِ، ولا يتسنَّی ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع، ولا ريبَ في أنَّ بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببالِ أحدٍ وإن كان الأمر كذلك في الواقع، وإنما المعهودُ المعروفُ ذِكْرُهم قبل ذكرِهم، فالمعنى: فليستأذنوا استئذاناً كائناً مثلَ استئذانِ المذكورين قبلهم، بأنْ يستأذنوا في جميع الأوقات، ويرجعوا إن قيل لهم: ارجعوا، حَسْبَما فصِّل فيما سلف. وكونُ المرادِ بالأطفال الأطفالَ الأحرارَ الأجانبَ قد ذهب إليه غيرُ واحد. وقال بعضُ الأجلَّة: المرادُ بهم ما يعمُّ الأحرارَ والمماليكَ، فيجب الاستئذانُ على مَن بلغ من الفريقين، وأَوْجَبَ هذا استئذان العبدِ البالغ على سيدته لهذه الآية. وقال في البحر: ((منكم)) أي: من أولادكم وأقربائكم(٢). وأخرج ابن أبي حاتم نحوَ هذا التفسير عن سعيد بن جبير. وأخرج عن سعيد بن المسيِّب أنه قال: يستأذنُ الرجل على أمِّه، فإنما نزلت: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ) في ذلك(٣). وأخرج سعيد بن منصور، والبخاريُّ في ((الأدب))، وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن عطاءٍ أنه سأل ابن عباس طيّ: أأستأذنُ على أختي؟ قال: نعم. قلت: إنها في حِجْري وأنا أنفقُ عليها، وإنها معي في البيت، أأستأذنُ عليها؟ قال: نعم، إنَّ الله تعالى يقول: (لِيَسْتَذِنِكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الُْمُّ) الآيةَ، (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٣٨/٨. (٢) البحر ٦/ ٤٧٣ . (٣) الخبران في تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٣٧/٨ و٢٦٣٨. الآية : ٦٠ ٤٧٣ سُورَةُ الّنُوزِ فلم يأمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث، وقال تعالى: (وَإِذَا بَغَ الْأَطْفَلُ مِنكُمُ الْحُلُمُ فَلْيَسْتَنْذِئُواْ كَمَا اسْتَنْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، فالإذنُ واجبٌ على خَلْقِ الله تعالى أجمعين(١). ورُوي عنه ◌َّه أنه قال: آيةٌ لا يؤمن بها أكثرُ الناس؛ آيةُ الإذن، وإِنِّي لِآمُرُ جارتي - يعني زوجَتَه - أنْ تستأذن عليّ(٢). وعن ابن مسعود رُه: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمَّهاتِكم وأخَوَاتِكم. ونُقل عن بعضهم أنَّ وجوب الاستئذان المستفادَ من الأمر الدالِّ عليه في الآية منسوخٌ، وأنكر ذلك سعيد بن جبير، روي عنه: يقولون: هي منسوخةٌ، لا واللهِ ما هي منسوخةٌ، ولكنَّ الناس تهاونوا بها . وعن الشعبيِّ: ليستْ منسوخةً، فقيل له: إنَّ الناس لا يعملون بها. فقال: اللهُ تعالى المستعانُ. وقيل: ذلك مخصوصٌ بعَدَم الرضا، وعدمٍ بابٍ يُغْلَقُ كما كان في العصر الأول. الكلام فيه کالذي ﴿كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (@) سبق، والتكريرُ للتأكيد والمبالغةِ في طلب الاستئذان، وإضافةُ الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها، وهو مما يقوِّي أمرَ التأكيد والمبالغة. ﴿وَالْفَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: العجائزُ، وهو جمعُ قاعدٍ كحائضٍ وطامثٍ، فلا يؤنَّثُ لاختصاصه، ولذا جُمِعَ على فواعل؛ لأنَّ التاء فيه كالمذكورة، أو هو شاذٌّ. قال ابن السكِّيت: امرأةٌ قاعد: قَعَدتْ عن الحيض(٣). (١) الأدب المفرد (١٠٦٣)، والكلام من الدر المنثور ٥٧/٥. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠، وأبو داود (٥١٩١)، وعزاه السيوطي في الدر لسعيد بن منصور وابن مردويه. وصححه الحافظ في الفتح ٣١/١١. وعندهم جميعاً: جاريتي، وليس عندهم: يعني زوجته. وأخرجه البيهقي في سننه ٧/ ٩٧ بلفظ :... وإني آمُرُ هذه - جارية قصيرة قائمة على رأسه - أن تستأذن عليَّ. (٣) إصلاح المنطق ص ٣٧٦، ونقله المصنف عن البحر ٦/ ٤٧٣ . سُودَةُ النّورِ ٤٧٤ الآية : ٦٠ وقال ابن قتيبة: سمِّيت العجائزُ قواعدَ لأنهنَّ يُكْثِرْنَ القعودَ لكِبَرِ سِنِّهنَّ (١). وقال ربيعة (٢): لقعودهنَّ عن الاستمتاع، حيث أَبِسْنَ ولم يَبْقَ لهنَّ طمعٌ في الأزواج. فقوله تعالى: ﴿الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَامًا﴾ - أي: لا يَطْمَعْنَ فيه لكبرهنَّ - صفةٌ كاشفة. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ هُنَاحُّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ﴾ أي: الثيابَ الظاهرةَ التي لا يُقْضي وضعُها لكَشْفِ العورة، كالجلباب، والرداء، والقناعِ الذي فوقَ الخِمَار. وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران أنه قال: في مُصْحَفٍ أبيّ بن كعبٍ ومُصْحَفٍ ابن مسعود: ((فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن))(٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس ◌ًا أنهما كانا يقرآن كذلك(٤). ولعله لذلك اقتصر بعضٌ في تفسير الثياب على الجلباب. والجملةُ خبرُ ((القواعد))، والفاءُ إمَّا لأنَّ اللام في ((القواعد)» موصولةٌ بمعنى اللاتي، وإمَّا لأنها موصوفةٌ بالموصول. وقولُه تعالى: ﴿غَيّرَ مُتَبَرِحَتٍ بِنَةٍ﴾ حالٌ. وأصلُ التبرُّج: التكلُّفُ في إظهارٍ ما يَخْفَى، من قولهم: سفينةٌ بارِجٌ: لا غطاءَ عليها. والبَرَجُ: سعةُ العين بحيث يُرى بياضُها محيطاً بسوادها كلِّه لا يغيبُ منه شيءٌ. وقيل: أصلُه الظهورُ، من البُرْج، أي: القَصْر، ثم خُصَّ بأن تتكشّف المرأةُ للرجال بإبداء زينتها وإظهارٍ محاسنها . وليست الزينةُ مأخوذةً في مفهومه حتى يقال: إنَّ ذِكْرَ الزينةِ من باب التجريد. (١) تفسير الغريب لابن قتيبة ص ٣٠٨. (٢) في الأصل و(م): ابن ربيعة، والمثبت هو الصواب، وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم، أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي، ونقل المصنف كلامه عن البحر ٦/ ٤٧٣، وذكر عنه نحوه النحاس في معاني القرآن ٥٥٥/٤، وابن عطية في المحرر ٩٥/٤، والبغوي ٣٥٦/٣. (٣) الدر المنثور ٥/ ٥٧ . (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤١. الآية : ٦١ ٤٧٥ سُورَةُ الَّنُوزِ والظاهر أنَّ الباء للتعدية. وقيل: زائدة في المفعول؛ لأنهم يفسِّرون التبرُّج بمتعدٍّ، ففي ((القاموس)): تبرَّجَتْ: أظهرتْ زينتَها للرجال(١). وفيه نظر. والمرادُ بالزينة: الزينةُ الخفيَّةُ؛ لسَبْقِ العلم باختصاص الحكم بها، ولِمَا في لَفْظِ التبرُّج من الإشعار. والتنكيرُ لإفادة الشياع، وأنَّ زينةً ما وإنْ دَقَّتْ داخلٌ في الحكم، أي: غيرَ مُظْهِراتٍ زينةً مما أمر بإخفائه في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ بتَرْكِ الوَضْع والتستُّرِ كالشوابِّ ﴿غَيْرٌ لَّهُنَُّ﴾ من الوضع؛ لبُعْدِهِ من التُّهمة، فلكلِّ ساقطةٍ لاَقطةٌ، وذكر ابن المنير للآية معنًى استحسنه الطيبيُّ فقال(٢) : يَظْهرُ لي - والله تعالى أعلمُ - أنَّ قوله تعالى: (غَيَّ مُتَبَِّحَتٍ بِزِينَةٌ) من بابٍ: على لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمناره(٣) أي: لا منارَ فيه فيُهْتَدَى به، وكذلك المراد: والقواعدُ من النساء(٤) لا زينةَ لهنَّ فيتبرَّجْنَ بها؛ لأن الكلام فيمَن هنَّ بهذه المثابة، وكأنَّ الغرض من ذلك أنَّ هؤلاء استعفافهنَّ عن وَضْعِ الثياب خيرٌ لهن، فما ظنُّك بذواتِ الزينة من الشوابّ؟ وأبلغُ ما في ذلكَ أنه جَعَلَ عَدَمَ وضع الثياب في حقِّ القواعد من الاستعفاف، إيذاناً بأنَّ وَضْعَ الثياب لا مدخلَ له في العفّة، هذا في القواعد فكيف بالكواعب؟ ﴿وَللَّهُ سَمِيعُ﴾ مبالغٌ في سمع جميع ما يُسْمَعُ، فَيَسْمَعُ بما يجري بينهنَّ وبين الرجال من المقاولة ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ فيعلم سبحانه مَقاصِدَهنَّ. وفيه من الترهيب ما لا يخفى. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في كتاب (١) القاموس (برج). (٢) في الانتصاف ٧٦/٣. (٣) صدر بيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، وسلف ١/ ٤٥٧. (٤) بعدها في الانتصاف: اللاتي. الآية : ٦١ ٤٧٦ سُورَةُ الْنُوزِ الزهراويٌّ(١) عن ابن عباس ﴾: أنَّ هؤلاء الطوائفَ كانوا يتحرَّجون من مُؤاكلةٍ الأصحَّاء حذاراً (٢) من استقذارهم إياهم، وخوفاً من تَأذِيهم بأفعالهم وأوضاعهم، فنزلت. وقيل: كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده ما يطعمُهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمَّهاتهم، أو إلى بعضٍ مَن سمَّاهم الله تعالى في الآية الكريمة، فكانوا يتحرَّجون من ذلك ويقولون: ذهب بنا إلى بيتِ غيره، ولعل أهلَه کارهون لذلك. وكذا كانوا يتحرَّجون من الأكل من أموال الذين كانوا إذا خرجوا إلى الغزو وخلَّفوا هؤلاء الضعفاءَ في بيوتهم ودفعوا إليهم مفاتيحها وأذِنوا لهم أن يأكلوا مما فيها، مخافةً أن لا يكون إذنُهم عن طيبٍ نفسٍ منهم (٣). وكان غيرُ هؤلاء أيضاً يتحرَّجون من الأكل في بيوت غيرهم، فعن عكرمة: كانت الأنصارُ في أنفسها قزازةٌ، فكانت لا تأكل من البيوت الذي ذكر الله تعالى. وقال السدّيُّ: كان الرجل يدخل بيتَ أبيه(٤) أو بيتَ أخيه أو أخته فتُتْحِفُه المرأة بشيءٍ من الطعام، فيتحرَّجُ لأَجْلِ أنه ليس ثَمَّ ربُّ البيت. والحَرَجُ لغةً كما قال الزجَّاج: الضيق(٥)، من الحَرَجَةِ: وهو الشجرُ الملتفُّ بعضُه ببعضٍ لضيق المسالك فيه. وقال الراغب: هو في الأصل: مجتمعُ الشيء، ثم أُطلق على الضِّيق وعلى الإثم(٦). (١) كما في المحرر الوجيز ١٩٦/٤، والبحر ٤٧٣/٦، والزهراوي هو عمر بن عبيد الله، أبو حفص القرطبي، محدث الأندلس مع ابن عبد البر، توفي سنة (٤٥٤هـ). السير ٢١٩/١٨. (٢) في الأصل: حذراً. (٣) أخرجه البزار (٢٢٤١ - كشف)، وابن أبي حاتم ٢٦٤٦/٨، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٦٥/٢ من حديث عائشة ريا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨٣/٧-٨٤: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (٤) في الأصل: ابنه، والمثبت من (م)، وهو موافق لما في تفسير الرازي ٣٥/٢٤. (٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٥٣. (٦) مفردات الراغب (حرج). الآية : ٦١ ٤٧٧ سودة النودِ والمعنى على الرواية الأولى: ليس على هؤلاء حرجٌ في أكلهم مع الأصحاء. ويقدَّر على سائر الروايات ما يناسبُ ذلك مما لا يخفى. و((على)) على معناها في جمیع ذلك. وروي عن ابن عباس ﴿ها: أنه لما نزل ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] تحرَّج المسلمون عن مُؤاكلةِ الأعمى لأنه لا يبصر موضعَ الطعام الطيِّب، والأعرجِ لأنه لا يستطيع المزاحمةَ على الطعام، والمريضٍ لأنه لا يستطيعُ استيفاءَ الطعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). وقيلَ: كانت العرب ومَن بالمدينة قبل البعث تجتنبُ الأكل مع أهل هذه الأعذار؛ لمكانٍ جَوَلان يدِ الأعمى، وانبساطِ جِلْسةِ الأعرج، وعَدَمِ خلوِّ المريض من رائحةٍ تؤذي أو جرحٍ ينضُّ أو أنفٍ يَذِنُّ(٢)، فنزلت. ومَن ذهب إلى هذا جَعَل ((على)) بمعنى ((في))، أي: ليس في مؤاكلةِ الأعمى حرجٌ، وهكذا، وإلّا لكان حقُّ التركيب: ليس عليكم [حرجٌ] أن تأكلوا مع الأعمى [ولم يكن: ليس على الأعمى] (٣) حرجٌ، وكذا يقال فيما بَعْدُ، وفيه بُعدٌ لا يخفى. وقيل: لا حاجةً إلى أن يقدَّر محذوفٌ بعد قوله تعالى: (حَرَجٌ) حَسْبَما أُشيرَ إليه، إذ المعنى: ليس على الطوائف المعدودة ﴿وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ حِرِجٌ ﴿أَنْ تَأْكُواْ﴾ أنتم وهم معكم ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلخ، وإلى كون المعنى كذلك ذهب مولانا شيخُ الإسلام، ثم قال: وتعميمُ الخطاب للطوائف المذكورة أيضاً يأباه ما قبله وما بعده، فإنَّ الخطابَ فيهما لغير أولئك الطوائفِ حتماً (٤). ولعل ما تقدَّم أولى، وأما تعميمُ الخطاب فلا أقولُ به أصلاً . وعن ابن زيد والحسن، وذهب إليه الجبائيُّ، وقال أبو حيان: هو القولُ الظاهر، أنَّ الحرجَ المنفيَّ عن أهل العُذرِ هو الحرجُ في القعود عن الجهاد وغيرِه (١) البحر ٦/ ٤٧٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤٣ عن سعيد بن جبير. (٢) أي: يسيل، والأَذَنُّ: من يسيل منخراه. القاموس (ذنن). (٣) ما بين حاصرتين من البحر ٦/ ٤٧٣، والكلام فيه بنحوه. (٤) تفسير أبي السعود ١٩٦/٦ . سُورَةُ النّزِ ٤٧٨ الآية : ٦١ مما رخّص لهم فيه، والحرجُ المنفيُّ عمَّن بعدَهم الحرجُ في الأكل من البيوت المذكورة (١). قال صاحب ((الكشاف)): والكلامُ عليه صحيحٌ؛ لالتقاء الطائفتين في أنَّ كلَّا منفيٌّ عنه الحرجُ، ومثالُه: أن يستفتي مسافرٌ عن الإفطار في رمضان، وحاجٌ مفردٌ عن تقديم الحلق على النحر، فتقول: ليس على المسافر حَرَجُ أن يفطر، ولا عليك يا حاجُ أن تقدِّم الحلقَ على النحر(٢). وهو تحقيقٌ لأمرٍ العطف، وذلك أنه لمَّا كان فيه غرابةٌ لبُعْدِ الجامع بادئَ النظر أزاله بأنَّ الغرض لما كان بيان الحكم كفاء الحوادث(٣)، والحادثتان - وإنْ تَباينتًا كلَّ التباينِ - إذا تقارنتا في الوقوع والاحتياجِ إلى البيان قَرُبَ الجامعُ بينهما، ولا كذلك إذا كان الكلامُ في غير معرض الإفتاء والبيان، وليس هذا القولُ منه بناءً على أنَّ الاكتفاء في تصوُّرٍ ما كافٍ في الجامعية كما ◌ُنَّ. وبهذا يظهر الجواب عمَّا اعتُرِضَ به على هذه الرواية من أنَّ الكلام عليها لا يلائمُ ما قبله ولا ما بعده؛ لأنَّ ملاءمته لِمَا بعده قد عَرفْتَ وَجْهَها، وأما ملاءمتُه لِمَا قبله فغيرُ لازمةٍ؛ إذ لم يُعْطَفْ علیه. وربما يقال في وجه ذكر نفي الحرج عن أهل العذر بترك الجهاد وما يشبهُه مما رخّص لهم فيه أثناءَ بيان الاستئذان ونحوه: إنَّ نفي الحرج عنهم بذلك مستلزمٌ عدمَ وجوب الاستئذان منه وَّ لتَرْكِ ذلك، فلهم القعودُ عن الجهاد ونحوِه من غير استئذانٍ ولا إذنٍ، كما أن للمماليك والصبيان الدخولَ في البيوت في غير العورات الثلاث من غير استئذانٍ ولا إذنٍ من أهل البيت، ومثلُ هذا يكفي وجهاً في توسيط جملةٍ أثناء جملٍ ظاهرةِ التناسُبِ. ويَرِدُ عليه شيءٌ عسى أن يُدْفَعَ بالتأمُّل. وإنما لم يُذكر الحرجُ في قوله تعالى: (وَلَا عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ) بأنْ يقال: ولا على أنفسكم حرجٌ، اكتفاءً بذكره فيما مرَّ، والأَوَاخِرُ محلُّ الحذف. (١) البحر ٤٧٣/٦-٤٧٤. (٢) الكشاف ٣/ ٧٧. (٣) لعل المراد من عبارة المصنف: أزاله بأن الغرض بيانُ حُكْمٍ حوادثَ تقاربت في الوقوع. ينظر حاشية الشهاب ٦/ ٤٠٠. الآية : ٦١ ٤٧٩ سُودَةُ النّورِ ولم يكتفِ بحرجٍ واحدٍ بأن يقال: ليس على الأعمى والأعرجِ والمريضٍ وأنفسِكم حرجٌ أن تأكلوا؛ دفعاً لتوهُّم خلافِ المراد. وقيل: حذف الحرج آخراً للإشارة إلى مغايرته للمذكور، ولا تقدحُ في دلالته عليه، لا سيما إذا قلنا: إنَّ الدالّ غيرُ منحصرٍ فیه، وهو كما ترى. ومعنى ((على أنفسكم)) كما في ((الكشاف)): عليكم وعلى مَن في مثلٍ حالِكم من المؤمنين(١). وفيه كما في ((الكشف)) إشارةٌ إلى فائدةٍ إقحام النفس، وأنَّ الحاصل: ليس على الضعفاء المطعَمين، ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات ومَن في مثل حالهم وهم الأصدقاءُ، حَرَجٌ. وقيل: إنَّ فائدة إقحامها الإشارةُ إلى أنَّ الأكل المذكورَ - مع أنه لا حَرَجَ فيه - لا يُخِلُّ بِقَدْرٍ مّن له شأنٌ. وهو وجهٌ حَسَنٌّ دقيق لا يلزمُه استعمالُ اللفظ في حقيقته ومجازه ظاهراً، وكأنَّ منشأه كثرةُ إقحام النفس في ذوي الشأن، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الأنعام: ١٢] ولم يَقُلْ سبحانه: كَتَبَ ربُّكم عليه الرحمةَ. وقولُه عزَّ وجلَّ في الحديث القدسيِّ: ((يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي))(٢) دون أن يقول جل وعلا: إنِّي حرمتُ الظلم عَلَيَّ. إلى غير ذلك مما يعرفُه المتبِّعُ المنصِفُ. وما قيل من أنَّ فائدة الإقحام الإشارةُ إلى أنَّ التجُّبَ عن الأكل المذكور لا يخلو عن رعايةِ حظّ النفس، مع خفائه، لا يلائمُ إلا بعضَ الروايات السابقة في سبب النزول. ونحو (٣) ما قيل من أنها أُقحمت للإشارة إلى أنَّ نفيَ الحرج عن المخاطبين في الأكل من البيوت المذكورة لذواتهم، بخلافٍ نفي الحرج عن أهل الأعذار في الأكل منها؛ فإنه لكونهم مع المخاطبين وذهابهم بهم إليها . والتعرُّضُ لنفي الحرج عنهم في أكلهم من بيوتهم مع ظهور انتفاءِ ذلك؛ لإظهارِ (١) الكشاف ٧٦/٣. (٢) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (٢١٤٢٠)، ومسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر ٠ (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ونحوه. سُورَةُالنّدِ ٤٨٠ الآية : ٦١ التسوية بينه وبين قرنائه، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] لكنَّ ذلك فيما نحن فيه من أول الأمر. ولم يتعرَّض لبيوت أولادهم؛ لظهورٍ أنها كبيوتهم، وذَكَر جمعٌ أنها داخلٌ في بيوتِ المخاطبين؛ فقد روى أبو داود وابن ماجه: ((أنتَ ومالك لأبيك))(١). وفي حديثٍ رواه الشيخان وغيرُهما: ((إنَّ أطيبَ ما يأكلُ المرءُ من كَسْبِهِ، وإنَّ ولده من كَسْبِه))(٢). وقال بعضهم: المرادُ ببيوت المخاطبين بيوتُ أولادِهم، وأضافها إليهم لمزيد اختصاصِها بهم كما يشهدُ به الشرعُ والعُرفُ. وقيل: المعنى: أن تأكلوا من بيوتكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين هم في بیوتکم ومن جملة عیالکم، وهو كما ترى. ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَئِكُمْ﴾ وقرأ حمزةُ بكسر الهمزة والميم، والكسائيُّ وطلحةُ بكسر الهمزة وفتحِ الميم(٣). ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخَرَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَيِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ أي: أو ممَّا تحت أيديكم وتَصَرُّفِكم من بستانٍ أو ماشيةٍ، وكالةً أو حفظاً، وهو الذي يقتضيه كلامُ ابن عباس، فقد رَوَى عنه غيرُ واحدٍ أنه قال: ذاك وكيلُ الرجل وقيِّمُه في ضيعته وماشيته، فلابأس عليه أن يأكل من ثمرٍ حائطه، ويشربَ من لبن ماشيته، ولا يحملُ ولا يدَّخِرُ. وقال السديُّ: هو الرجلُ يولَّى طعامَ غيره ويقومُ عليه، فلابأس أن يأكل منه. وقال ابن جرير: هو الزَّمِنُ يسلَّم إليه مفتاحُ البيتِ ويؤذَنُ له بالتصرُّفِ فيه (٤). وقيل: وليُّ اليتيم الذي له التصرُّفُ بماله، فإنه يباحُ له الأكلُ منه بالمعروف. (١) سنن أبي داود (٣٥٣٠)، وسنن ابن ماجه (٢٢٩٢)، وأخرجه أحمد (٦٦٧٨)، وهو من حديث عبد الله بن عمرو (٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٦/ ٤٠٠، والحديث لم يروه الشيخان، وأخرجه أحمد (٢٤٠٣٢)، وأبو داود (٣٥٢٨)، والنسائي في المجتبى ٢٤٠/٧-٢٤١ عن عائشة (٣) قراءة حمزة وقراءة الكسائي في التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٨/٢. (٤) تفسير الطبري ١٧/ ٣٧٣ بنحوه.