النص المفهرس
صفحات 401-420
الآية : ٤٠ ٤٠١ سُورَةُ النّبِ وقيل: للتنويع؛ وذلك أنه إثْرَ ما مثِّلتْ أعمالُهم التي كانوا يعتمدون عليها أقوى اعتمادٍ، ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ بما ذُكر من حال السرابِ، مثِّلتْ أعمالُهم القبيحةُ التي ليس فيها شائبةُ خيريةٍ يغترُّ بها المغترُّون بالظلمات المذكورة. وزَعَمَ الجرجانيُّ أنَّ المراد هنا تشبيهُ كفرِهم فقط، وهو كما ترى. والظاهرُ على التنويع أن يراد من الأعمال في قوله تعالى: (أَعْمَلُهُمْ) ما يشملُ النوعين. واعتُرض بأنه يأبى ذلك قوله تعالى: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) بناءً على دخوله في التشبيه؛ لأنَّ أعمالهم الصالحة وإنْ سُلِّمَ أنها لا تنفعُ مع الكفر لا وخامةَ في عاقبتها كما يؤذنُ به قوله سبحانه: (وَوَجَدَ) إلخ. وأجيبَ بأنه ليس فيه ما يدلُّ على أنَّ سبب العقاب الأعمالُ الصالحةُ، بل وجدانُ العقاب بسبب قبائح أعمالهم، لكنها ذُكِرتْ جميعُها لبيان أنَّ بعضها جُعِلَ هباءً منثوراً، وبعضها معاقَبٌ به. وجوِّز أن تكون للتخيير في التشبيه؛ لمشابهة أعمالِهِم الحسنةِ - أو مطلقاً - السرابَ لكونها لاغيةً لا منفعةً فيها، والظلماتِ المذكورةَ لكونها خاليةً عن نور الحقِّ، واختاره الكرمانيُّ. واعتُرِضَ بأنَّ الرضيَّ كغيره ذَكَرَ أنها لا تكون للتخيير إلَّا في الطلب. وأجيب بأنه وإن اشتهر ذلك فقد ذهب كثيرٌ إلى عدم اختصاصِه به كابنِ مالكٍ والزمخشريٌّ(١)، ووقوعُه في التشبيه كثير. وأيًّا ما كان فليس في الكلام مضافٌ محذوف، وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: فيه مضافٌ محذوفٌ، والتقدير: أو كذي ظلمات، ودلَّ عليه ما يأتي من قوله سبحانه: (إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ). والتشبيهُ عنده هنا يَحْتَمِلُ أن يكون للأعمال على نمط التشبيه السابق ويقدَّر: أو كأعمالٍ ذي ظلماتٍ، ويحتمل أن يكون للكفرة ويقدّر: أو هم كذي ظلماتٍ. والكلُّ خلافُ الظاهر، وأمرُ الضمير سيظهر لك إن شاء الله تعالى. (١) ينظر التسهيل ص ١٧٦، والكشاف ٢١٣/١، وحاشية الشهاب ٣٨٩/٦، والكلام منه. سوداالنورِ ٤٠٢ الآية : ٤٠ وقرأ سفيان بن حسين: ((أوَ كظلمات)) بفتح الواو، ووجَّه ذلك في ((البحر)) بأنه جَعَلَها واوَ عطفٍ تقدَّمتْ عليها الهمزةُ التي لتقرير التشبيه الخالي عن مَحْضٍ الاستفهام(١). وقيل: هي ((أو)) التي في قراءة الجمهور، وفُتحت الواو للمجاورةِ كما كُسِرتٍ الدالُ لها في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) على بعض القراءات. ﴿ فِ تَخْرٍ لُبِيّ﴾ أي: عميقٍ كثيرِ الماء، منسوبٍ إلى اللَّجِّ وهو مُعْظَمُ ماءِ البحر. وقيل: اللُّجَّة، وهي أيضاً معظمُه. وهو صفةُ ((بحر))، وكذا جملةُ قوله تعالى: ﴿يَغْشَنُهُ﴾ أي: يغطّي ذلك البحرَ ويسترُه بالكلية ﴿مَوٌْ﴾، وقدِّمت الأولى لإفرادها . وقيل: الجملةُ صفةُ ((ذي)) المقدَّرِ والضميرُ راجعٌ إليه. وقد علمتَ حالَ ذلك التقديرِ. وقولُه تعالى: ﴿مِنِ فَوْقِهِ، مَوْجٌ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ محلُّها الرفعُ على أنها صفةٌ لـ ((موج))، أو الصفةُ الجارُّ والمجرورُ وما بعده فاعلٌ له لاعتماده على الموصوف، والمراد: يغشاه أمواجٌ متراكمةٌ متراكبةٌ بعضُها على بعضٍ. وقولُه تعالى: ﴿مِّنْ فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾ صفةٌ لـ ((موج)) الثاني على أحد الوجهين المذكورَيْن، أي: من فوق ذلك الموج سحابٌ ظلمانيٌّ سَتَرَ أضواء النجوم، وفيه إيماءٌ إلى غايةٍ تَرَاكُمِ الأمواجِ وتَضَاعُفِها حتى كأنها بلغت السحاب. ﴿ُلُمَتُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي ظلماتٌ ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي: متكاثفةٌ متراكمةٌ، وهذا بيانٌ لكمالٍ شدَّةِ الظلمات كما أنَّ قوله تعالى: (ثُورُ عَلَى نُورٍّ) بيانٌ لغاية قوةِ النور، خلا أنَّ ذلك متعلِّقٌ بالمشبَّه وهذا بالمشبَّه به كما يُعْرِبُ عنه ما بعده . وأجاز الحوفيُّ أن يكون ((ظلماتٌ)) مبتدأ خبرُه قولُه تعالى: (بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ). وتعقّبه أبو حيان وتَبِعَه ابنُ هشامٍ بأنَّ الظاهرَ أنه لا يجوزُ؛ لِمَا فيه من الابتداء (١) البحر ٦/ ٤٦١. الآية : ٤٠ ٤٠٣ سُورَةُ الَّنُوزِ بالنكرة من غير مسوِّغ، إلا أن يقدَّر صفةٌ لها يُؤْذِنُ بها التنوين، أي: ظلماتٌ كثيرةٌ أو عظيمةٌ (١)، وهو تكلُّفٌ. وأجاز أيضاً أن يكون ((بعضُها)) بدلاً من ((ظلمات)). وتعقِّب(٢) بأنه لا يجوزُ من جهةِ المعنى؛ لأنَّ المراد والله تعالى أعلمُ الإخبارُ بأنها ظلماتٌ وأنَّ بعض تلك الظلمات فوق بعضٍ، أي: هي ظلماتٌ متراكمةٌ، لا الإخبارُ بأنَّ بعض ظلماتٍ فوق بعضٍ من غير إخبارٍ بأنَّ تلك الظلماتِ السابقةَ متراکمٌ . وقرأ قنبل: ((ظلماتٍ)) بالجرِّ على أنه بدلٌ من ((ظلمات)) الأولى لا تأكيدٌ لها، وجملة ((بعضُها فوق بعضٍ)) في موضع الصفة له. وقرأ البزِّيُّ: ((سحابُ ظلماتٍ)) بإضافة ((سحابٍ)) إلى ((ظلمات))(٣)، وهذه الإضافةُ كالإضافة في: لجين الماء، أو لبيان أنَّ ذلك السحابَ ليس سحابَ مطرٍ ورحمة. ﴿إِذَا أَخْرَجْ﴾ أي: مَن ابتُليَ بها، وإضمارهُ من غير ذكرٍ لدلالةِ المعنى عليه دلالةً واضحةً، وكذا تقديرُ ضميرٍ يرجع إلى ((ظلمات))، واحتيج إليه لأنَّ جملة ((إذا أخرج)) إلخ في موضعِ الصفة لـ ((ظلمات)) ولا بدّ لها من رابطٍ، ولا يتعيَّنُ ما أشرنا إليه . وقيل: ضميرُ الفاعل عائدٌ على اسم الفاعل المفهوم من الفعل، على حدٍّ: (لا يَشْرَبُ الخمرَ وهو مؤمنٌ))(٤)، أي: إذا أخرج المُخْرِجُ فيها ﴿يَدَهُ﴾ وجَعَلَها بمرأَى منه قريبةً من عينيه لينظر إليها ﴿لَمْ يَكَدْ بَرَهَا﴾ أي: لم يَقْرُبْ من رؤيتها وهي أقربُ شيءٍ إليه فضلاً عن أن يراها . وزعم ابن الأنباريِّ زيادةً ((يكد)). وزعم الفرَّاءُ والمبرِّدُ أنَّ المعنى: لم يَرَها إلَّا بعد الجهد(٥)، فإنه قد جرى العرفُ أن يقال: ما كاد يفعل، ولم يكد يفعل، في (١) البحر ٤٦٢/٦، والمغني ص ٧٥١ . (٢) المتعقب هو أبو حيان أيضاً في البحر ٦ / ٤٦٢. (٣) القراءتان في التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢. (٤) أخرجه أحمد (١٠٢١٦)، والبخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة (٥) كذا ذكر المصنف، والبغوي في تفسيره ٣/ ٣٥٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ٥٠، سورة النورِ ٤٠٤ الآية : ٤٠ فِعْلٍ قد فُعِلَ بجهدٍ مع استبعادِ فِعْلِهِ، وعليه جاء قولُه تعالى: ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ومن هنا خطَّأ ابنُ شُبْرمةَ ذا الرُّمةِ بقوله: إذا غيَّر النأيُ المحبِّين لم يَكَدْ رسيسُ الهوى من حبٍّ مَيَّةَ یَبْرَُ وناداه: يا غيلان(١)، أَراه قد بَرِحَ. ففكّر(٢)، وسلَّم له ذو الرُّمَّةِ ذلك، فغيَّر(لم يكد)» بـ: لم يكن، أو: لم أَجِدْ(٣). والتحقيقُ: أن الذي يقتضيه ((لم يكد)) و((ما كاد يفعل)) أنَّ الفِعْلَ لم يَكُنْ مِن أصله، ولا قارَبَ في الظنِّ أن يكون، ولا يُشَُّ في هذا. وقد عُلِمَ أنَّ ((كاد)) موضوعةٌ لشدَّةِ قُرْبِ الفعل من الوقوع ومُشارَفَتِهِ، فمحالٌ أن يُؤْجِبَ نَفْيُه وجودَ الفعل، لأنه يؤدِّي إلى أن يكون ما قارَبَ كذلك، فالنظرُ إلى أنه إذا لم يكن المعنى على أنَّ ثمت حالاً يَبْعُد معها أن يكون (٤) ثم تغيّرت كما في قوله تعالى: (فَذَتَجُوهَا) إلخ، يُلتزمُ الظاهرُ، ويُجعل المعنى أنَّ الفعل لم يقارب أن يكون، فضلاً عن أن يكون، والآيةُ على ذلك وكذا البيت(٥)، وقد ذُكر أن ((لم يكد)) فيهما جوابُ ((إذا)) فيكون مستقبلاً، وإذا قلتَ: إذا خرجْتَ لم أَخْرُجْ، فقد نفيتَ خروجاً في المستقبل، فاستحال أن يكون المعنى فيهما على أنَّ الفعل قد كان. = وأبو حيان في البحر ٦/ ٤٦٢ عن المبرد، والذي في المقتضب ٧٥/٣، والكامل ٢٥٢/١ قوله: لم يرها ولم يكد، أي: لم يدن من رؤيتها. وذكر الفراء في معاني القرآن ٢٥٥/٢ مثله، حيث قال: ((لم يكد يراها)) قال بعض المفسرين: لا يراها، وهو المعنى؛ لأن أقل من الظلمات التي ذكرها الله لا يرى فيها الناظر كفه. ثم ذكر عن بعضهم نحو ما نقله المصنف عنه وعن المبرد وقال: وهو وجه العربية. (١) في الأصل و(م): يا أبا غيلان، والصواب ما أثبتناه، وذو الرمة هو غيلان بن عقبة بن بُهيش. الشعر والشعراء ٥٢٤/١. (٢) في الأصل و(م): ففك، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٣) وهذه هي رواية الديوان ١١٩٢/٢: لم أجد. والقصةُ في أخبار القضاة لوكيع ٩٢/٣ -٩٣، والأغاني ٣٤/١٨، وتاريخ ابن عساكر ١٦٢/٤٨، ودلائل الإعجاز ص٢٧٤ -٢٧٥، وحاشية الشهاب ٦/ ٣٩٠، والخزانة ٣١١/٩. (٤) في (م): تكون، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٦/ ٣٩٠، والكلام منه. (٥) ومعنى البيت على هذا أن الهوى لرسوخه في القلب وتملَّكِه للنفس بحيث لا يتوهم عليه البراح، وأنه لا يقارب من أن يوجد فضلاً عن الوجود. حاشية الشهاب ٦/ ٣٩٠. الآية : ٤٠ ٤٠٥ سورة النورِ وهذا التحقيق خلاصةُ ما حقَّق الشيخ في ((دلائل الإعجاز))(١)، ومنه يُعْلَمُ تخطئةٌ مَنْ زَعَم أن ((كاد)» نفيُها إثباتٌ وإثباتُها نفيٌ . وفي ((الحواشي الشهابية))(٢): أنَّ نفي ((كاد)) على التحقيق المذكور أبلغُ من نفي الفعلِ الداخلةِ عليه؛ لأنَّ نفي مقاربته يدلُّ على نفيه بطريقٍ برهانيٍّ، إلا أنه إذا وقع في الماضي لا ينافي ثبوتَه في المستقبل، وربما أَشْعَرَ بأنه وقع بعد اليأس منه كما في آية ((البقرة))، وإذا وقع في المستقبل لا ينافي وقوعَه في الماضي، فإنْ قامت قرينةٌ على ثبوته فيه أَشْعَرَ بأنه انتفى وأُيِسَ منه بعد ما كان ليس كذلك كما في هذه الآية، فإنه لشدَّة الظلمةِ لا يمكنه رؤيةُ يدِه التي كانت نُصْبَ عينيه. ثم فرَّع على هذا أنَّ لك أن تقول: إنَّ مراد مَن قال: إنَّ نفيها إثباتٌ وإثباتها نفيٌّ، أنَّ نفيها في الماضي يُشْعِرُ بالثبوت في المستقبل، وعكسه كما سمعتَ، وهذا وجهُ تخطئةِ ابن شُبْرُمَة وتغييرِ ذي الرُّمَّةِ؛ لأنَّ مراده أنَّ قديم هواها لم يَقْرُبْ من الزوال في جميع الأزمان، ونفيُه في المستقبل يوهم ثبوتَه في الماضي، فلا يقال: إنهما من فُصَحاء العرب المستَشْهَدِ بكلامهم، فكيف خَفِيَ ذلك عليهما؟ ولذا استبعده في ((الكشف)» وذهب إلى أنَّ قصتهما موضوعةٌ. وأوصى(٣) بحفظ ذلك حيث قال: فاحْفَظْه؛ فإنه تحقيقٌ أنيقٌ، وتوفيقٌ دقيقٌ، سَنَحَ بِمَخْضٍ اللطف والتوفيق. انتهى. ولَعمري إن ما أوَّلَ به كلامَ القائل بعيدٌ غايةَ البعد، ولا أظنُّه يقع موقعَ القبول عنده، ونفيُ كلِّ فعلٍ في الماضي لا ينافي ثبوتَه في المستقبل، ونفيهُ في المستقبل لا ينافي وقوعه في الماضي، ولا اختصاصَ لـ «كاد» بذلك، فياليت شعري، هل دَفَعَ الإيهامَ ما غيَّر إليه ذو الرُّمَّةِ بيتَه؟! فتأمَّلْ ذاك والله يتولَّى هُداكَ. ثم إنَّ ظاهر الآية يقتضي أنَّ مانع الرؤية شدةُ الظلمةِ، وهو كذلك لأنَّ شرط الرؤية بحسب العادة في هذه النشأة الضوءُ، سواءٌ كانت بمحضٍ خَلْقِ الله تعالى كما ذهب إليه أهلُ الحقِّ، أو كانت بخروج الشعاع من العين على هيئةٍ مخروطٍ (١) ص٢٧٥-٢٧٦. (٢) ٦ /٣٩٠. (٣) يعني الشهاب. سودة النودِ ٤٠٦ الآية : ٤٠ مُضْمَتٍ، أو مؤلَّفٍ من خطوطِ مجتمعةٍ في الجانب الذي يلي الرأسَ، أوْ لا على هيئة مخروطٍ بل على استواءٍ لكنْ مع ثبوتِ طرفه الذي يلي العينَ واتِّصاله بالمرئيِّ، أو بتكيُّفِ الشعاع الذي في العين بكيفية الهواء وصيرورةِ الكلِّ آلّةً للرؤية = كما ذهب إليه فرقُ الرياضيين، أو كانت بانطباع شبحٍ المرئيٍّ في جزءٍ من الرطوبة الجليدية التي تُشْبِهُ البَرَد والجمد كما ذهب إليه الطبيعيون، وهذان المذهبان هما المشهوران للفلاسفة . ونُسِبَ للإشراقيين(١) منهم واختاره شهاب الدين القتيل(٢): أنَّ الرؤية بمقابلةٍ المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبةٌ صقيلة، وإذا وُجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علمٌ إشراقيٍّ حضوريٌّ على المبصَر، فتدركُه النفس مشاهَدةً ظاهرةً جلیةً بلا شعاع ولا انطباع. واختار الملا صدرا أنها بإنشاء صورةٍ مماثلةٍ للمرئيِّ بقدرة الله تعالى من عالم الملكوت النفسانيٌّ، مجرَّدةٍ عن المادة الخارجية، حاضرةٍ عند النفس المدركةِ، قائمةٍ بها قيامَ الفعل بفاعله لا قيامَ المقبول بقابله. وتحقيقُ ذلك بما له وما عليه في مبسوطات كتب الفلسفة. وربما يُظَنُّ أن الظّلمةَ - سواءٌ كانت وجوديةً أو عدمَ ملكةٍ - من شروط الرؤية كالضوء، لكن بالنسبة إلى بعض الأجسام كالأشياء التي تلمع بالليل. ونفى ابنُ سينا ذلك وقال: لا يمكن أن تكون الظلمةُ شرطاً لوجود اللوامع مُبْصَرةً، وذلك لأنَّ المضيء مرئيٍّ سواءٌ كان الرائي في الظلمة أو في الضوء، كالنار نراها مطلقاً، وأما الشمسُ فإنما لا يمكننا أن نراها في الظلمة لأنها متى طَلَعتْ لم تَبْقَ الظلمةُ، وأما الكواكبُ واللوامعُ فإنما تُرى في الظلمة دون النهار لأنَّ ضوء الشمس غالبٌ على ضوئها، وإذا انفعل الحسُّ عن الضوء القويِّ لا جَرَمَ لا ينفعلُ عن الضعيف، فأما في الليل فليس هناك ضوءٌ غالبٌ على ضوئها فلا جَرَمَ تُرى، (١) هم قوم من الفلاسفة يُؤْثِرون طريق أفلاطون وما له من الكشف والعيان على طريقة أرسطو وما له من البحث والبرهان. شرح المقاصد لمسعود بن عمر التفتازاني ٦١/٣ . (٢) هو يحيى بن حَبَش السُّهْرَوردي الفيلسوف المنطقي، قُتل في أوائل سنة سبع وثمانين وخمس مئة. السير ٢١١/٢١. الآية : ٤٠ ٤٠٧ سُوَرَّةُ اللَّنُوزِ وبالجملة فصيرورتُها غيرَ مرئيةٍ ليس لتوقُّفِ ذلك على الظلمة بل لوجود المانع عن الرؤية، وهو وجودُ الضوءِ الغالب. انتهى. ويمكن أن يقال: إنَّ ضوء الشمس على ما ذكر مانعٌ عن رؤية اللوامع، ورفعُ مانع الرؤية شرطٌ لها، ورفعُ الضوء (١) هو الظلمةُ، فالظلمة شرطٌ رؤية اللوامع بالليل، وهو المطلوبُ، فتدبَّر ولا تَغْفَلْ، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. ﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ ثُورٍ ﴾﴾ اعتراضٌ تذييليٍّ جيءَ به لتقریرِ ما أفاده التمثيلُ من كون أعمال الكفار كما فصّل، وتحقيقِ أنَّ ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم لنوره. وإيرادُ الموصول للإشارة بما في حيِّز الصلة إلى علَّة الحكم، وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى هدايتهم، أي: مَن لم يشأ الله تعالى أن يهديه لنوره (٢) في الدنيا فما له هدايةٌ مّا من أحدٍ أصلاً فيها . وقيل: معنى الآية: مَن لم يكن له نورٌ في الدنيا فلا نورَ له في الآخرة. وقيل: كِلَا الأمرين في الآخرة، والمعنى: مَن لم ينوِّرْه الله تعالى بعفوه ويَرْحَمْه برحمته يومَ القيامة، فلا رحمةً له من أحدٍ فيها. والمعوَّلُ عليه ما تقدّم. والظاهرُ أنَّ المراد تشبيهُ أعمالِ الكفرة بالظلمات المتكاثفةِ من غير اعتبارِ أجزاءٍ في طرفي التشبيه يُعتبر تشبيهُ بعضها ببعض. ومنهم مَن اعتبر ذلك فقال: الظلماتُ: الأعمالُ الفاسدةُ والمعتقداتُ الباطلة، والبحرُ اللجِّيُّ صَدْرُ الكافرِ وقلبهُ، والموجُ: الضَّلَالُ والجهالةُ التي قد غَمَرتْ قلبه، والموج الثاني: الفِكَرُ المعوجَّةُ، والسحاب: شهوتُه في الكفر وإعراضُه عن الإيمان. وقيل: الظلماتُ: أعمالُ الكافر، والبحرُ: هواه العميقُ القَعْرِ الكثيرُ الخطر الغريقُ هو فيه، والموجُ: ما يَغْشَى قلبَه من الجهل والغفلة. والموج الثاني: ما يغشاه من شكِّ وشبهةٍ، والسحاب: ما يغشاه من شركٍ وحيرةٍ فيمنعُه من الاهتداء. والكلُّ كما ترى، ولو جُعِلَ من باب الإشارة لهان الأمر. (١) في (م): ودفع. (٢) في الأصل و(م): أن يهديه الله سبحانه لنوره، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٨٢/٦. سُوَدَّةُ الَّنُوزِ ٤٠٨ التفسير الإشاري ومن باب الإشارة ما قيل: إنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارةٌ إلى أنه ينبغي للشيخ إذا أراد تأديبَ المريدِ وكَسْرَ نفسِه الأمَّارةِ أن يؤدِّبه بمَحْضَرٍ طائفةٍ من المريدين الذين لا يحتاجون إلى تأديب، ومن هنا قال أبو بكر بن طاهر: لا يشهدُ مواضعَ التأديبِ إلَّا مَن لا يستحقُّ التأديبَ، وهم طائفةٌ من المؤمنين لا المؤمنون أجمع. والزنى عندهم إشارةٌ إلى الميل للدنيا وشهواتِها . وفي قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ إلخ، وقولِه تعالى: ﴿الْخُبِيئَتُ لِلْخَبِنَ﴾ إلخ إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي للأخيار معاشرةُ الأشرار، إن الطيور على أشباهها تقع. وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي لمن يُشَنِّع عليه المنكرون من المشايخ أن يحزنَ من ذلك ويظنّه شرًّا له، فإنه خيرٌ له موجبٌ لِتَرَقِّهِ. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ﴾ إلخ إشارةٌ إلى أنه ينبغي للشيوخ والأكابر أن لا يَهْجُروا أصحاب العَثَراتِ وأهلَ الزلَّات من المريدين، وأن لا يقطعوا إحسانَهم وفُيُوضاتِهم عنهم. وفي قوله تعالى: ﴿يَّأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُنَّا غَيْرَ بُيُوتِككُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي لمن يريد الدخولَ على الأولياء أن يدخل حتى يجد روحَ القبول، والإذنَ بإفاضة المَدَدِ الروحانيِّ على قلبه، المشارِ إليه بالاستئناس، فإنه قد يكون للوليِّ حالٌ لا يليق للداخل أن يحضره فيه، وربما يضرُّه ذلك. وأظْرَدَ بعضُ الصوفية ذلك فيمَن يريد الدخول لزيارة قبور الأولياء قدَّس الله تعالى أسرارهم، فقال: ينبغي لمن أراد ذلك أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب، ويجمعَ حواسَّه ويعتمدَ(١) بقلبه طالباً الإذن، ويجعلَ شيخه واسطةً بينه وبين الوليِّ المزور في ذلك، فإن حصل له انشراحُ صدرٍ ومددٌ روحانيٌّ وفيضٌ باطنيٍّ فليدخل، وإلا فلْيَرْجِعْ. وهذا هو المعنيُّ بأدب الزيارة عندهم، ولم نجد ذلك عن أحدٍ من السَّلَفِ الصالح. (١) في الأصل: ويستمد. التفسير الإشاري ٤٠٩ سُورَةُ النّورِ والشيعةُ عند زيارتهم للأئمة ﴿ه ينادي أحدُهم: أَأَدْخُلُ يا أمير المؤمنين، أو: يا ابنَ بنتِ رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أو نحو ذلك، ويزعمون أنَّ علامة الإذن حصولُ رقَّةِ القلب ودَمْع العين. وهو أيضاً مما لم نعرفه عن أحدٍ من السَّلفِ، ولا ذَكَره فقهاؤنا، وما أظنه إلا بدعةً، ولا يعدُّ فاعلُها إلا مَضْحَكةً للعقلاء. وكونُ المزورِ حيّاً في قبره لا يستدعي الاستئذانَ في الدخول لزيارته. وكذا ما ذكره بعضُ الفقهاء من أنه ينبغي للزائر التأذُّبُ مع المزور كما يتأدَّبُ معه حياً كما لا يخفى. وقد رأيتُ بعد كتابتي هذه في ((الجوهر المنتظم في زيارة القبر المعظّم صلى الله تعالى على صاحبه وسلم)) لابن حجر المكيِّ ما نصُّه: قال بعضهم: وينبغي أن يقف - يعني الزائر - بالباب وقفةً لطيفة كالمستأذن في الدخول على العظماء. انتهى، وفيه أنه لا أصلَ لذلك، ولا حالَ ولا أدبَ يقتضيه. انتهى. ومنه يُعلم أنه إذا لم يُشْرَعْ ذلك في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام، فعَدَمُ مشروعيته في زيارةٍ غيرِه من بابٍ أَوْلَى، فاحْفَظْ ذاك، والله تعالى يَعْصِمُنا من البِدَع وإياك. وقيل في قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ إلخ: إنَّ فيه أمراً بغضِّ بصر النفس عن مشتهياتِ الدنيا، وبصرِ القلب عن رؤية الأعمال ونعيمٍ الآخرة، وبَصَرِ السرِّ عن الدرجات والقُرُبات، وبصرِ الروح عن الالتفات إلى ما سوى اللهِ تعالى، وبَصَرِ الهمَّةِ عن أن يرى نفسَه أهلاً لشهود الحقِّ، تنزيهاً له تعالى وإجلالاً، وأمراً بحِفْظِ فَرْجِ الباطن عن تصرُّفات الكونين فيه. والإشارةُ بأمر النساء بعدم إبداء الزينة إلا لمن استُثني إلى أنه لا ينبغي لمن تزيَّن بزينةِ الإسرار أن يظهرها لغير المحارم، ومَن لم يسترها عن الأجانب. وبقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُمْ﴾ إلخ إلى النكاح المعنويِّ، وهو أن يُؤْدِعَ الشيخُ الكامل في رحم القلب من صُلْبِ الولايةِ نطفةَ استعدادٍ قبول الفيض الإلهي، وقد أُشير إلى هذا الاستعدادِ بقوله سبحانه: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَسْتَعْفِفِ﴾ أي: ليحفظ ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ﴾ شيخاً في الحال، سُورَةُالّنودِّ ٤١٠ التفسير الإشاري أرحامَ قلوبهم عن تصرَّفات الدنيا والهوى والشيطان ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بأن يوفِّق لهم شيخاً كاملاً، أو يخصّهم سبحانه بجذبةٍ من جذباته. وأشير بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَغُونَ الْكِتَبَ﴾ إلخ إلى أنَّ المريد إذا طلب الخلاصَ عن قيد الرياضة لزم إجابتُه إن عُلم فيه الخيرُ، وهو التوحيدُ والمعرفةُ والتوكُّل، والرضا والقناعةُ، وصِدْقُ العمل، وَالوفاءُ بالعهد، ووجب أن يؤتَى بعضَ المواهب التي خصَّ (١) الله تعالى بها الشيخ. وأشيرَ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِفُوا﴾ إلخ إلى أنَّ النفس إذا لم تكن مائلةً إلى التصرُّف في الدنيا لم تُكْرَه عليه. ولهم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ كلامٌ طويلٌ عريضٌ، وفيما قدَّمنا ما يَصْلُحُ أن يكون من هذا الباب. وذُكر أن قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ﴾ مما يدخل في عمومه أهلُ الطريقة العليَّةِ النقشبندية، الذين حصل لهم الذكرُ القلبيُّ، ورسخ في قلوبهم بحيث لا يغفلون عنه سبحانه في حالٍ من الأحوال، وهذا وإنْ ثَبَتَ لغيرهم أيضاً من أرباب الطرائق فإنما يثبتُ في النهايات دون المبادي، كما يثبتُ لأهل تلك الطريقة . وفي مكتوبات الإمام الربَّانيّ(٢) قدِّس سرُّه ما يغني عن الإطالة في شرح أحوال هؤلاء القوم، وبيانِ منزلتهم في الذكر والحضور بين سائر الأقوام، حَشَرَنا الله تعالى وإياهم تحت لواءِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام. وقيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ إشارةٌ لما ورد في حديث: ((خَلَقَ اللهُ تعالى الخَلْقَ في ظلمةٍ ثم رشَّ عليهم من نوره، فَمَن أصابه منه اهْتَدَى، ومنه أخطأه ضلَّ))(٣). واللهُ تعالى الموِّفقُ لصالح العمل. (١) في الأصل و(م): خصها، والمثبت من تفسير النيسابوري ١٠٣/١٨. (٢) ١/ ٧٨. (٣) أخرجه أحمد (٦٦٤٤)، والترمذي (٢٦٤٢) وحسنه، وهو من حديث عبد الله بن عمرو الآية : ٤١ ٤١١ سُودَةُالنّورِ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلخ استئناف خُوطِبَ به النبيُّ ◌َّلـ للإيذان - كما في ((إرشاد العقل السليم)) - بأنَّ الله تعالى قد أفاض عليه أعلى مراتبٍ النور وأَجْلَاها، وبيَّن له من أسرار الملك والملكوت أدقّها وأخفاها(١). وقال الطبرسيُّ: هو بيانٌ للآيات التي جَعَلَها نوراً، والخطابُ له عليه الصلاة والسلام، والمرادُ به جميعُ المكلَّفين(٢). والهمزةُ للتقرير، والرؤيةُ هنا بمعنى العلم، والظاهرُ أنَّ إطلاقها عليه حقيقةٌ، وقيل: هي حقيقةٌ في الإبصار، وإطلاقُها على العلم استعارةٌ أو مجازٌ بعلاقة(٣) اللزوم. وأيّاً ما كان فالمراد: ألم تَعْلَمْ بالوحي أو بالمكاشَفَةِ أو بالاستدلال أنَّ الله تعالى ينزِّهُه آناً فآناً في ذاته وصفاته وأفعالِهِ عن كلِّ ما لا يليقُ بشأنه الجليلِ من نقصٍ أو خللٍ تنزيهاً معنويّاً تفهمُه العقولُ السليمةُ جميعُ مَن في السماواتِ والأرضِ من العقلاء وغيرِهم كائناً ما كان، فإنَّ كلَّ موجودٍ من الموجودات الممكنةِ مرَّباً كان أو بسيطاً، فهو من حيث ذاتُه ووجودُه وأحوالُه المتجدّدةُ له يدلُّ على صانعِ واجبٍ الوجود، متَّصفٍ بصفات الكمال، منزَّهٍ عن كلِّ ما لا يليقُ بشأنٍ من شؤونه الجليلة. وقد نَّه سبحانه على كمال قوة تلك الدلالة وغايةٍ وضوحها، حيث عبّر عنها بما يخصُّ العقلاءَ من التسبيح الذي هو أقوى مراتب التنزيه وأظهرُها؛ تنزيلاً للسانِ الحال منزلةَ لسانِ المقال. وتخصيصُ التنزيهِ بالذكر - مع دلالة ما فيهما على اتِّصافه تعالى بنعوتِ الكمال أيضاً - لِمَا أنَّ مَساقَ الكلام لتقبيح حال الكفرة في إخلالهم بالتنزيه بجَعْلِهم الجمادات شركاءَ له سبحانه في الألوهية، ونِسْبَتِهم إياه عز وجل إلى اتِّخاذِ الولد، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه علوّاً كبيراً . (١) تفسير أبي السعود ٦/ ١٨٢. (٢) مجمع البيان ٥٨/١٨ . (٣) في (م): لعلاقة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٦/ ٣٩٠، والكلام فيه بنحوه. سُودَةُالنودِ ٤١٢ الآية : ٤١ وإطلاقُ (مَن)) على العقلاء وغيرِهم بطريق التغليب، ولا يغني عن اعتباره أو اعتبارِ مجازٍ مثله إسنادُ التسبيح المختصِّ بالعقلاء بحسب الظاهر، كما تَوقَّمه بعضُ الأجلَّةِ. وحَمَل بعضُهم التسبيحَ على معنّى مجازيٍّ شاملٍ لتسبيح العقلاء وغيرهم، ويسمَّى عموم المجاز. ورُدَّ بأنَّ بعضاً من العقلاء وهم الكفرةُ من الثقلَيْن لا يسبِّحونه بذلك المعنى قطعاً، وإنما تسبيحُهم ما ذُكر من الدلالة التي يشاركهم فيها غيرُ العقلاء أيضاً، وفي ذلك من تخطئتهم وتعييرهم ما فيه. والقولُ بأنَّ الكفرة يسبِّحون كالمؤمنين لكنْ من حيث لا يشعرون، كما قال الحلَّاج: جُحودي لك تقديسٌ، مما لا يقبله ذوو العقول، وحريٌّ بأن لا يكون من المقبول. وقال بعضُهم: إذا كانت (مَن)) للتغليب، يندرجُ في عمومها العقلاءُ المطيعون والعقلاءُ العاصون وغيرُ العقلاء مطلقاً، فيحمل التسبيح على معنًى مجازيٍّ يصحُّ نسبتُه إلى كلِّ مما ذكر، وأيُّ مانع من ذلك؟ وهو كما ترى. واستَظْهَر أبو حيان إبقاءَ التسبيح على ظاهره، وتخصيصَ ((مَن)) بالعقلاء المطيعين(١). وما ذُكر أولاً أولى. ﴿وَاَلَّيْرُ﴾ بالرفع عطفاً على ((مَن))، وتخصيصُها بالذكر عليه مع اندراجِها في جملة ما في الأرض؛ لعدم استمرار(٢) قرَارِها فيها، واستقلالِها بصنعٍ بارعٍ وإنشاءٍ رائع، قصد بيان تسبيحِها من تلك الجهة لوضوح إنبائها عن كمال قدرة صانعها ، ولطّفِ تدبير مُبْدِعها، حَسْبمَا يُعْرِبُ عنه التقييدُ بقوله تعالى: ﴿صَّفَّةٍ﴾، أي: تسبِّحه الطيرُ حالَ كونها صافَّاتٍ أجنحتَها، فإنَّ إعطاءه تعالى للأجرام الثقيلة ما تتمكَّن به من الوقوف في الجوِّ والحركةِ كيف تشاءُ(٣)، من الأجنحة والأذناب الخفيفة، وإرشادَها إلى كيفية استعمالها بالقَبْضِ والبَسْطِ والتحريك يميناً وشمالاً (١) البحر ٦ / ٤٦٣. (٢) في تفسير أبي السعود ١٨٣/٦ (والكلام منه): استقرار. (٣) في الأصل و(م): شاء، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٨٣/٦، والكلام منه. الآية : ٤١ ٤١٣ سورةالنورِ ونحو ذلك، حجَّةٌ واضحةُ الدلالةِ على كمالٍ قدرةِ الصانع المجيد، وغايةٍ حِكْمَةٍ المُبدئ المعید. والعطفُ على ما استظهره أبو حيان على ((مَن)) أيضاً، وقد صرَّح بذلك، ونَقَل عن الجمهور أنَّ تسبيحها حقيقيّ (١). وظاهره أنه على نحو تسبيح العقلاء من الثَّقَلين، ولعل ملتزِمَ ذلك لا يلتزمُ وجوبَ كونِ التسبيح الحقيقيِّ بالألفاظ المألوفةِ لنا، وإلا لا يَتَسنَّى القول بأنَّ تسبيحها حقيقيٌّ مع هذا الوجوب؛ لفَقْدِ الألفاظ المألوفة لنا منها . ويجوزُ أن يقال: إنه تعالى أَلْهِمَ الطير تسبيحاً مخصوصاً يليقُ بها، هو غيرُ التسبيح الحاليِّ الذي هو الدلالةُ السابقةُ، ويقدَّر فعلٌ رافعٌ لها يرادُ منه ذلك المعنى الملهم، أي: وتُسبِّح(٢) الطيرُ، وتخصيصُ تسبيحِها بذلك المعنى بالذكر لِمَا أنَّ أصواتها أظهرُ وجوداً وأقربُ حملاً على التسبيح، لكنَّ التقييد بالحال على هذا حالُه في الحسنِ دون حالِه على ما سبق. وقرأ الأعرج: ((والطيرَ)) بالنصب على أنه مفعولٌ معه. وقرأ الحسنُ وخارجةُ عن نافع: ((والطيرُ صافاتٌ)) برَفْعِهما على الابتداء(٣) والخبرية، والظاهرُ على هذه القراءة أنَّ قولَه تعالى: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسِسَةٌ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، وعلى قراءة الجمهور استئنافٌ جيءَ به لبيانِ كمالِ عراقةٍ كلِّ واحدٍ مما ذُكر من الطير، وما انْدَرَجَ في عموم ((مَن في السماوات والأرض))، في التنزيه ورسوخ قدمه فيه، بتمثيل حالِه بحالٍ مَن يعلم ما يَصْدُرُ عنه من الأفاعيل، فيفعلُها عن قَصْدٍ ونيةٍ لا عن اتِّفاقٍ بلا رَوِيَّة، وقد أدمج سبحانه في تضاعيفه الإشارةَ إلى أنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشياء المذكورة - مع ما ذُكر من التنزيه - حاجةٌ ذاتيةٌ إليه تعالى، واستفاضةٌ منه عزَّ وجلَّ لِمَا يهمُّه بلسان استعداده، وتحقيقُه أنَّ كلَّ واحدٍ من الموجودات الممكنةِ في حدٍّ ذاته بمعزل عن استحقاق الوجود، لكنه مستعدٌّ لأنْ يَفيضَ عليه منه تعالى ما يليقُ بشأنه من الوجود، وما يَتْبعُه من الكمالات ابتداءً وبقاءً، فهو مستفيضٌ منه تعالى (١) البحر ٦/ ٤٦٣. (٢) في (م): ويسبح. (٣) في الأصل: الابتدائية، والقراءتان في البحر ٤٦٣/٦. سودة النودِ ٤١٤ الآية : ٤١ على الاستمرار، فيفيضُ عليه في كلِّ آنٍ من فنون الفيوض المتعلّقةِ بذاته وصفاته ما لا يُحيط به نطاقُ البيان، بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الربانية من العلاقة لانْعَدمَ بالمرَّة، وقد عبّر عن تلك الاستفاضة المعنوية بالصلاة التي هي الدعاءُ والابتهالُ؛ لتكميل التمثيل، وتقديمُها على التسبيح في الذكر لتقدُّمها عليه في الرتبة. كذا في «إرشاد العقل السليم))(١)، والكلامُ عليه استعارةٌ تمثيليةٌ. والمضافُ إليه الذي ناب عنه تنوينُ ((كلٌّ)) ما يشملُ المذكورَ المصرَّحَ به والمندرجَ تحت العموم حتى الجماد. وضميرُ (عَلِمَ)) وكذا ضميرا ((صلاته وتسبيحه)) لكلِّ واحدٍ، وإليه ذهب الزجَّاج(٢). وزعم بعضُهم أنه يكون في ((عَلِمَ)) على ذلك استعارةٌ تبعيةٌ، وقال في بيان ذلك: إنَّه يشبِّهُ دلالةَ كلِّ واحدٍ من المذكورين على الحقِّ بلسان الحقِّ والمقال، وميلَ كلٌّ منهم إلى النفع اختياراً أو طبعاً بعِلْم التسبيح والصلاة، فيطلَقُ على كلِّ واحدٍ من تلك الدلالة والميلِ اسمُ العلم على سبيل الاستعارة، ويشتقُّ منه لفظ علم. ومَن له أدنی ذوقٍ لا يرتضيه. وجوِّز أيضاً أن يكون الصلاةُ مجازاً عن الميل، والتسبيحُ مجازاً عن الدلالة، ومع هذا قيل: إنه وإن صحَّ غيرُ مناسبٍ للتمثيل. وزعم بعضٌ أنَّ الأولى أن يُجعل المضافُ إليه غيرَ شاملٍ للجماد، وليس بذاك. وجوِّز أن يكون ضميرا ((صلاته وتسبيحه)) لله تعالى على أنَّ الإضافة للمفعول. وجوِّز أن يكونا(٣) لكلِّ واحدٍ مما في السماوات والأرض، ويكونَ ضميرُ ((عَلِمَ)) لله عز وجل. وقال غيرُ واحدٍ: يجوز أن لا يكون هناك استعارةٌ، والعلمُ على حقيقته، ويراد به مطلقُ الإدراك، ويراد بما ناب عنه التنوينُ أنواعُ الطير وأفرادُها، وبالصلاة (١) ٦ / ١٨٣. (٢) ذكر الزجاج في معاني القرآن ٤٨/٤ جوازه، ثم قال: والأجود أن يكون: كلٌّ قد علم الله صلاته وتسبيحه . (٣) في (م): يكون. الآية : ٤١ ٤١٥ سُورَةُ الَّنُودِ والتسبيحِ ما ألهمه الله عزَّ وجلَّ كلَّ واحدٍ من الدعاء والتسبيح المخصوصَيْنِ به. ولا بُعْدَ في هذا الإلهام، فقد أَلْهمَ سبحانه كلَّ نوع من أنواع الحيوانات علوماً دقيقةً لا يكاد يهتدي إليها جهابذةُ العقلاء، وهذا مما لا سبيل إلى إنكاره أصلاً، كيف لا وإنَّ القنفذَ مع كونه أبعدَ الحيواناتِ من الإدراك قالوا: إنه يحسُّ بالشمال والجنوب قبل هبوبهما، فيغيِّر المدخلَ إلى جُحْرِهِ؟ والجملةُ على هذا لبيان كمال الرسوخ في الأمرين، وأنَّ صدورهما عن الطير ليس بطريق الاتِّفاقِ بلا رويَّة، بل عن علم وإتقانٍ(١) نظير ما مرَّ، لكنْ لا على سبيل التمثيل، وقدِّر فعلٌ رافعٌ للطير عليه، أي: وتسبِّحُ الطير، كما تقدَّم، ولم تُجعل معطوفةً على (مَن) مرفوعةً برافعها، قيل: لأنه يؤدِّي إلى أنْ يراد بالتسبيح الدالٌّ عليه الفعلُ المذكورُ معنّی مجازيٌّ شاملٌ للتسبيح المقاليِّ والحاليِّ من العقلاء وغيرهم، وقد تقدَّم ما فيه. وجوِّز جَعْلُ ما ناب عنه التنوينُ ما يشملُ الطيرَ وغيره من المندرج في العموم السابق. وفيه أنَّ مما اندرج في العموم الجمادَ، ولا يُنْسَبُ إليه العلمُ وإن كان بمعنى مطلقِ الإدراك، والتزامُ(٢) أنَّ له علماً وأنه سبحانه ألهمَه صلاةً وتسبيحاً لائقين به مما لا يرتضيه كثيرٌ من الناس، وقد تقدَّم لك ما يتعلَّق بهذا المقام في سورة الإسراء(٣) فتذكَّر. وجوَّز بعضُهم - على تقدير حَمْلِ العلم على المعنى الحقيقيِّ - أن يكون عطفُ التسبيح على الصلاةِ مِن عَظْفِ التفسير. وأنت تعلم أنه إذا قُبِلَ ذلك على ذلك التقدير فما المانعُ من قبوله على التقدير السابق، من جَعْلِ الاستعارةِ تمثيليةً؟ نعم يَفُوتُ حينئذٍ الإدماجُ الذي أُشيرَ إليه فيما مرَّ، وهو ليس بمانع. والحقُّ أنَّ احتمال التفسير بعيد، ولا داعيَ إلى ارتكابه، بل يفوتُ عليه ما يفوت كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾﴾ أي: بالذي يفعلونه، اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، و((ما)) إما عبارةٌ عن الدلالة الشاملة لجميع (١) في تفسير أبي السعود ١٨٣/٦ (والكلام منه): وإيقان. (٢) في (م): والتزم، وهو خطأ . (٣) ٨٣/١٥ - ٨٤. سودةُ النّورِ ٤١٦ الآية : ٤٢ الموجودات من العقلاء وغيرهم، والتعبيرُ عنها بالفعل مسنداً إلى ضمير العقلاء لِمَا أشرنا إليه أولَ الكلام. وإما عبارةٌ عنها وعن التسبيح الخاصِّ بالطير معاً، أو عن تسبيح الطير فقط، فالفعلُ على حقيقته وإسنادُه إلى ضمير العقلاء لِمَا مرَّ، والاعتراضُ حينئذٍ مقرِّرٌ لتسبيح الطير فقط، وعلى الأوَّلين لتسبيح الكلِّ. وإما عبارةٌ عن الأعمِّ من الصلاةِ والتسبيحِ وغيرِهما من الأفعال الصادرة عَمَّن في السماواتِ والأرضِ، والأحوالِ العارضة له، والاعتراضُ حينئذٍ مقرِّرٌ لمضمون ((كلٌّ قد علم)» أي: الله تعالى ((صلاته وتسبيحه))، وأمرُ التعبير بالفعل والإسنادِ إلى ضمير العقلاء لا يخفى، ولتعدُّد الأوجُهِ فيما مرَّ تعدَّدتِ الاحتمالاتُ هنا، فتأمل ولا تغفل. وقرأ الحسنُ وعيسى وسلام، وهارون عن أبي عمرو: ((تفعلون)) بتاء الخطاب(١)، وفيه - كما قيل - وعيدٌ وتخويفٌ، ولعل الظاهر أنَّ الخطاب فيه للكفرة. وربما يجوزُ أن يكون ضميرُ الجمع على قراءةِ الجمهور لهم أيضاً، على أنَّ المراد بالجملة تخويفُهم لإعراضهم عن تسبيحه تعالى، بعد أن أخبر سبحانه عمَّن أخبر بأنه قد عَلِمَ صلاته وتسبيحه، وهذا وإن كان بعيداً إلا أنَّ في القراءة المذكورة نوعُ تأييدٍ له. ﴿وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا لغيره تعالى استقلالاً أو اشتراكاً؛ لأنه سبحانه الخالقُ لهما ولِمَا فيهما من الذَّوات والصفات، وهو المتصرِّفُ في جميعها إيجاداً وإعداماً، إبداءً وإعادةً. وقولُه تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ أي: إليه عزَّ وجلَّ خاصَّةً لا إلى غيره أصلاً ﴿الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي: رجوعُ الكلِّ بالفناء والبعث، بيانٌ لاختصاص الملكِ به تعالى في المنتهَى إثرَ بيانِ اختصاصِه به تعالى في المبتدأ. وقيل: إنَّ الجملةَ لبيانٍ أنَّ ما يُرى من ظهور بعض الآثار على أيدي المخلوقات لا ينافي الحَصْرَ السابق، بإفادةِ أنَّ الانتهاء إليه تعالى لا إلى غيره، ويكفي ذلك في الحصر. ولعل الأوَّلَ أَوْلَى. وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربيةِ المهابةِ، والإشعارِ بعلَّة الحكم. (١) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والبحر ٦ / ٤٦٤. الآية : ٤٣ ٤١٧ سُؤَدَُّ النودِ وقولُه تعالى: ﴿أَلَزْ تَّرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَمَابَ﴾ إلخ كالتأكيد لِمَا قبله والتنويرٍ له، والإزجاءُ: سوقُ الشيء برفقٍ وسهولة. وقيل: سوقُ الثقيلِ برفقٍ، وغَلَبَ - على ما ذَكَر بعضُ الأجلَّة - في سوقِ شيءٍ يسيرٍ أو غيرِ معتدٍّ به، ومنه البضاعةُ المزجاة، أي: المسوقةُ شيئاً بعد شيءٍ على قلَّةٍ وضَعْفٍ. وقيل: أي: التي تُزْجَى، أي: تُدفَعُ للرغبة عنها . وفي التعبير بـ ((يُزْجِي)) على ما ذُكر إيماءٌ إلى أنَّ السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتدُّ به، وهو اسمُ جنسٍ جمعيّ، واحدُه سحابةٌ، والمعنى كما في (البحر))(١): يسوقُ سحابةً إلى سحابة ﴿ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ﴾ بأن يُوْصِلَ سحابةً بسحابةٍ. وقال غيرُ واحدٍ: السحابُ واحدٌ كالعماء، والمراد: يؤلِّفُ بين أجزائه وقِطَعِه، وهذا لأنَّ(بين)) لا تُضافُ لغيرِ متعدِّدٍ، وبهذا التأويل يحصلُ التعدُّدُ كما قيل به في قوله: بين الدَّخولِ فحَوْمَلٍ(٢) واستغنى بعضُهم عنه بجَعْلِ السحاب اسمَ جنسٍ جمعيٍّ على ما سمعت. وقرأ ورشٌ عن نافع: ((يوَلِّفُ)) غير مهموزٍ (٣). ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ زُكَامًا﴾ أي: متراكماً بعضُه فوقَ بعضِ ﴿فَتَّى الْوَدْفَ﴾ أي: المطرَ شديداً كان أو ضعيفاً، إثر تراكُمِه وتكاتُفِه، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بجيلةً عن أبيه أنه فَسَّر الوَدْقَ بالبَرْقِ(٤)، ولم نَرَه لغيره. والذي رأيناه في معظم التفاسير وكتب اللغة أنه المطر. ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾ أي: من فتوقه ومخارجه التي حدثَتْ بالتراكم والانعصار، (١) ٦ / ٤٦٤. (٢) أي: أنه أوقع ((بين)) على الدخول وهو واحدٌ؛ لاشتماله على مواضع، كما تقول: مازلت أدور بين الكوفة. لأن الكوفة أماكن كثيرة. إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٣، وتفسير القرطبي ٣٠٨/١٥. وهذه قطعة من بيت لامرئ القيس، وهو بهذه الرواية في جمهرة أشعار العرب ١٧٠/١، والخزانة ٢٢٤/٣. قال النحاس: وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز، وكان يروي: بين الدخول وحومَل. اهـ. والبيت بهذه الرواية في ديوان امرئ القيس برواية الأصمعي ص٨. (٣) التيسير ص٣٤، والنشر ٣٩٥/١، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦١٨/٨، وفيه بدل أبي بجيلة: أبو تميلة رجل من بني جمان. سودة النّورِ ٤١٨ الآية : ٤٣ وهو جمع خَلَلٍ كجبال وجَبَلٍ. وقيل: هو مفردٌ كحجابٍ وحجازٍ، وأيِّد بقراءة ابن عباس وابن مسعود وابن زيد والضحاك، ومعاذٍ العنبريِّ عن أبي عمرو، والزعفرانيّ: ((من خَلَلِه))(١)، والمراد حينئذٍ الجنسُ. والجملةُ في موضع الحال من ((الودق))؛ لأنَّ الرؤية بصريةٌ. وفي تعقيب الجَعْلِ المذكور برؤيته خارجاً لا بخروجه، من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] ومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى. ﴿وَيُرِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب؛ فإنَّ كلَّ ما عَلَاكَ سماءٌ، وكأنَّ العدول عنه إلى السماء للإيماء إلى أنَّ للسموِّ مدخلاً فيما ينزل بناءً على المشهور في سببٍ تكوُّنِ البَرَدِ. وجوِّز أن يراد به جهةُ العلوِّ، وللإيماء المذكور ذُكِرَتْ مع التنزيل. ﴿مِن ◌ِيَالٍ﴾ أي: من قطع عظام تُشْبِهُ الجبالَ في العِظَم على التشبيه البليغ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتّىَ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] والمرادُ بها قِطَعُ السحاب، ومن الغريب الذي لا تساعده اللغة - كما في ((الدرر والغرر)) الرَّضوية - قولُ الأصفهانيّ: إنَّ الجبال ما جَبَله الله تعالى - أي: خَلَقه - من البَرَد(٢). ١﴾ أي: في السماء، والجارُّ والمجرورُ في موضع الصفة لـ ((جبال)). وقولُه تعالى: ﴿مِنْ بَرَ﴾ - وهو معروفٌ، وسمِّي بَرَداً لأنه يَبْرُدُ وجهَ الأرض، أي: يقشره، من بَرَدْتُ الشيءَ بالمبرد - مفعولُ ((ينزل)) على أنَّ ((مِن)) تبعيضةٌ. وقيل: زائدةٌ على رأي الأخفش. والأُوليان لابتداء الغاية، والجارُّ والمجرورُ الثاني بدلٌ من الأول بدلَ اشتمالٍ أو بعضٍ، أي: ينزِّل مبتدأً من السماء من جبالٍ كائنةٍ فيها بعضَ بَرَدٍ، أو بَرَداً . (١) المحرر الوجيز ١٩٠/٤، وزاد المسير ٥٢/٦، والبحر ٤٦٤/٦، وعنه نقل المصنف. (٢) الدرر والغرر الشريف المرتضى ٣٤/٢، وحاشية الشهاب ٣٩٢/٦، والأصفهاني هو أبو مسلم بن بحر. الآية : ٤٣ ٤١٩ سُورَةُ النّورِّ وزعم الحوفيُّ أنَّ (من)) الثانيةَ للتبعيض كالثالثةِ، مع قوله بالبدلية، وهو خطأ ظاهر(١). وقيل: ((مِن)) الأُولى ابتدائيةٌ، والثانيةُ للتبعيض واقعةٌ موقعَ المفعول - وقيل: زائدةٌ على رأي الأخفش أيضاً - والثالثةُ للبيان، أي: ينزِّل مبتدأً من السماء بعضَ جبالٍ - أو جبالاً - كائنة فيها التي هي بَرَد، فالمنزلُ بَرَدٌ. وعن الأخفش: أنَّ (مِن)) الثانيةَ و((من)) الثالثةَ زائدتان، وكلٌّ من المجرورَيْنِ في محلِّ نصبٍ؛ أمَّا الأولُ فعلى المفعولية لـ ((ينزِّلُ))، وأما الثاني فعلى البدلية منه، أي: ينزل من السماء جبالاً بَرَداً، ومالُه: ينزلُ من السماءِ بَرَداً. وقال الفرَّاء: هما زائدتان، إلَّ أنَّ المجرور بأُوْلاهما في موضع نصبٍ على المفعولية، والمجرور بثانيتهما في موضع رفع؛ إمَّا على أنه مبتدأ و((فيها)) خبرُه والضمير من ((فيها)) للجبال، أي: ينزِّلُ من السماء جبالاً في تلك الجبال بَرَدٌ لا شيءٌ آخَرُ من حصّى وغيره، وإما على أنه فاعلُ ((فيها)) لأنه قد اعتمد على الموصوف - أعني الجبالَ - والضميرُ راجعٌ إليها أيضاً. والمراد بالجبال على غيرِ ما قولٍ الكثرةُ مجازاً، وقد جاء استعمالُها فيها كذلك في قول ابن مقبل: لها شاعراً مني أَطَبَّ وأَشْعَرا إذا متّ عن ذِكْرِ القوافي فلن تَرَى بطونُ جبال الشعر حتى تيسّرًا(٢) وأكثرَ بيتاً شاعر ضُرِبَتْ له ويقال: عنده جبلٌ من ذهب وجبلٌ من علم. وعن مجاهدٍ والكلبيِّ وأكثرِ المفسّرين أنَّ المراد بالسماء المُظِلَّةُ، والجبال حقيقتُها، قالوا: إنَّ الله تعالى خَلَقَ في السماء جبالاً من بَرَدٍ كما خلق في الأرض (١) لأن الأولى لابتداء الغاية فيما دخلت عليه، وإذا كانت الثانية بدلاً لزم أن تكون مثلها لابتداء الغاية، فلو قلت: خرجت من بغداد من الكرخ، لزم أن يكونا معاً لابتداء الغاية. البحر ٦/ ٤٦٤. (٢) ديوان ابن مقبل ص١٣٦، ودلائل الإعجاز ص ٥١٢، والبحر ٦/ ٤٦٤ وعنه نقل المصنف، وفيه: شاعراً، بدل: شاعر، والبيتان في الديوان والدلائل باختلاف يسير. سورة النورِ ٤٢٠ الآية : ٤٣ جبالاً من حَجَرٍ، وليس في العقل ما ينفيه من قاطع، فيجوزُ إبقاءُ الآيةِ على ظاهرِها كما قيل. والمشهورُ بين أهل الحكمة أنَّ انبعاث قوى السماويات وأشعتَها قد يوجبُ تصعيد أجسام لطيفةٍ مرتفعةٍ عن الماء ممتزجةٍ مع الهواء، وهي التي تسمَّى بخاراً، ولثقله بالنسبة إلى الدخان - لرطوبته ويُبْس الدخان - يقف في حيِّز الهواء بحيث لا يكون واصلاً إليه الحرارةُ الكائنة من الشعاع المنعكس عن جرم الأرض، ويكون متباعداً عن المتسخّن بحرارة النارِ، فيبقى في الطبقة الباردة من الهواء، فيبردُ ويتكاثفُ بالتصاعُدِ شيئاً فشيئاً، فيَرْتَكِم منه سحابٌ فيقطر مطراً إما كله أو بعضه، ويتفرَّقُ بعضُه لبقائه على صورته الهوائية، واستحالةٍ ما قَطَر إلى صورته المائية، فإن طالت مسافتُها اتَّصلتْ فكانت قطراتُها أكبر، وإن اشتدَّ البَرْدُ عليها صارت بَرَداً أو نزلت ثلجاً، وامتنع تصاعُدُ البخار عند ذلك فيبردُ وجهُ الأرض مع بَرْدِ الجوِّ، فيكون من ذلك البرد القويُّ، فإن صادف ريحاً اشتد البرد لإزالتها البخار الأرضيَّ، وإن لم يصادف ريحاً أذاب البخارُ الثلجّ وسخَّن وجهَ الأرض. وذكروا أنه كلما طالت المسافةُ حتى اتَّصلتْ وكبرت القطراتُ وصادف البَرْد كان البَرَدُ أكبرَ مقداراً . وقد ينعقد المطر بَرَداً داخل السحاب ثم ينزل، وذلك في الربيع عندما يصيبه سخونةٌ من خارجه، فتبطن البرودة في داخله عند انحلاله قطراتٍ فَيَجْمُد. وقد يكون البخار أكثرَ تكاثفاً فلا يَقْوَى على الارتفاع، ويبردُ بسرعةٍ بما يوافيه من برد الليل لعدم الشعاع، وليس بحيث يصير سحاباً، فيكون منه الطلُّ، وقد يجمد في الأعالي قبل تراكُمِه فيكون منه الصَّقيعُ، وقد يتكاثفُ الهواء الإفراط البرد فينعقد سحاباً ويمطر بحاله. والحقُّ أنَّ كلَّ ذلك مستندٌ إلى إرادة الله عز وجل ومشيئته سبحانه المبنية على الحِكَمِ والمصالح، والأسبابُ التي ذكرت عاديةٌ، ولا أرى بأساً بالقول بذلك. وباعتبار أنَّ أول الأسباب القوى السماويةُ وأشعتُها صحَّ أنْ يقال: إن الإنزال مبتدأ من السماء، على ما أشار إليه العلّامة البيضاوي في الكلام على سورة البقرة(١)، (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مََّهُ﴾ [الآية: ٢٢] وينظر حاشية الشهاب ٣٩٢/٦.