النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٣٥ ٣٦١ سُودَةُ الّنودِ وقيل: ((نور)) بمعنى: منوِّر، وروي ذلك عن الحسن وأبي العالية والضحاكِ، وعليه جماعةٌ من المفسِّرين، ويؤيِّده قراءةُ بعضهم: ((منَوِّر))(١)، وكذا قراءةٌ عليّ كرم الله تعالى وجهه، وأبي جعفر، وعبدِ العزيز المكيِّ، وزيد بن عليٍّ، وثابت بن أبي حفصةَ، والقورصيِّ، ومسلمةَ بنِ عبد الملك، وأبي عبد الرحمن السُّلميّ، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: ((نَوَّرَ)) فعلاً ماضياً ((والأرضَ)) بالنصب(٢). وتنويرُه سبحانه السماواتِ والأرضَ قيل: بالشمس والقمر وسائرِ الكواكب، ونُسب إلى الحسن ومَن معه. وقيل: تنويرُ السماوات بالملائكة عليهم السلام، وتنويرُ الأرض بالأنبياء عليهم السلام والعلماءِ، ونُسب إلى أبيّ بن كعب. والتنويرُ على الأول حسيٍّ، وعلى الثاني عقليٍّ. وقيل وهو الذي أختاره: تنويرُه سبحانه إياهما بما فيهما من الآيات التكوينية والتنزيلية، الدالّة على وجوده ووحدانيته وسائرٍ صفاته عز وجل، والهاديةِ إلى صلاح المعاشِ والمَعَاد. والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ إمَّا لتحقيق أنَّ بيانه تعالى المؤذِنَ به قولُه سبحانه: (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَتٍ مُّبِنَتٍ) الآيةَ ليس مقصوراً على ما ورد في هذه السورة الكريمة. وإمَّا لتقرير ما في القرآن الجليل من البيان، ويتأتَّى نحوُ هذا على بعض الأقوال السابقة في بيان المراد بالنور، وهو وجهٌ قويٌّ في مناسبةِ الآية لِمَا قبلها، ولا يكاد يظهر مثلُه على بعضٍ آخَرَ منها . وذكر العلّامةُ الطيبيُّ في بيان المناسبة كلاماً فيه الغثُّ والسمينُ، إن أَرَدْتَه فارجعْ إلیه. وتخصيصُ السماواتِ والأرضِ بالذكر لأنهما المقرُّ المعروفُ للمكلَّفين المحتاجين لِمَا يدلُّهما ويهديهما لما سبق. وقال العلامة البيضاويُّ بعد ذِكْرٍ عدَّةِ احتمالاتٍ في المراد بالنور: إنَّ إضافته (١) ذكرها البيضاوي في تفسيره ٣٧٩/٦ مع حاشية الشهاب. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠١، والبحر ٦/ ٤٥٥ وعنه نقل المصنف. سُورَةُالَّنودِ ٣٦٢ الآية : ٣٥ إليهما للدلالة على سعة إشراقه، أو لاشتمالهما على الأنوار الحسِّيةِ والعقلية، وقصورِ الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلِّق بهما والمدلولِ لهما(١). وقيل: المراد بهما العالمُ كلُّه، كإطلاق المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة وتعقِّب بأنَّ هذا من إطلاق اسم البعض على الكلِّ مجازاً، وقد اشترط في ((التلويح))(٢) أن يكون الكلُّ مركَّباً تركيباً حقيقيّاً، ولم يثبت في اللغة إطلاقُ الأرض على مجموع الأرض والسماء، والإنسانِ على الآدميِّ والسَّبُع. وأجيب بأنه لا يتعيَّنُ كونُه مجازاً؛ لجواز كونه كنايةً، ولو سلِّم فما في ((التلويح)) غيرُ مسلَّم، أو هو أغلبيٍّ، فقد ذكر الزمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَّا فِ السَّمَآءِ﴾ [آل عمران: ٥] أنه عبّر عن جميع العالم بالسماء والأرض(٣)، وقال العلّامة في شرحه: إنه من إطلاق الجزء على الكلِّ. فالمعنى حينئذ: اللهُ نورُ العالمِ كلِّه. ﴿مَثَلُ نُورٍِ﴾ أي: أدلَّتِهِ سبحانه العقليةِ والسَّمعية في السماوات والأرض التي هَدَى بها مَن شاء إلى ما فيه صلاحُه، وحُكي هذا عن أبي مسلم، وينتظم ذلك القرآنَ انتظاماً أوليًّا . وعن ابن عباسٍ والحسن وزيد بن أسلم أنَّ المراد بالنور هنا القرآنُ، كما يُعْرِبُ عنه ما قبلُ من وصف آياته بالإنزال والتبيين، وقد صرَّح بكونه نوراً أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. وقيل: المراد به الحقُّ، فقد جاء استعارةُ النور له كاستعارةِ الظّلمةِ للباطل في قوله سبحانه: ﴿ اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُغْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: من أنواع الباطل إلى الحقِّ، ووجهُ الشَّبَهِ الظهورُ، ومن أمثالهم: الحقُّ أبلج، ويكفي ذلك في جواز الاستعارة، ولا تتوقّفُ على تحقّق ما في النور من معنى (١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٨١/٦. (٢) كما في حاشية الشهاب ٣٨١/٦، والكلام منه. (٣) الكشاف ١/ ٤١١. الآية : ٣٥ ٣٦٣ سُورَةُ اللَّنُوزِ الإظهار في الحقِّ، نعم إذا تحقَّق ذلك أيضاً فهو نورٌ على نورٍ . لكن رجِّح ضَعْفُ تفسيره بما ذُكر دون القرآن بأنه یأباه مقامُ بیانِ شأنِ الآیات، ووصفُها بما ذكر من التبيين، مع عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِ الحقِّ. وفي ((الكشف)): المرادُ بالحقِّ الذي فسِّر النورُ به: ما يقابلُ الباطلَ، وهو يتناولُ التوحيدَ والشرائع وما دلَّ عليه بدليل السمع والعقل، وليس المراد به كونَ السماوات والأرض دليلين على وجود فاطرهما، بل ذلك أيضاً داخلٌ في عموم اللفظ. انتهى، ويَضْعُفُ عليه أمرُ هذا التضعيفِ. وقيل: المراد به الهدى الذي دلَّ عليه الآياتُ المبيِّنَاتُ. وقيل: الهدى مطلقاً، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) عن ابن عباس أنه قال: ((مثلُ نُورِه)»: مثلُ هُداه في قلب المؤمن(١). وأخرج ابن جرير عن أنس قال: إنَّ إلهي يقول: نُوري هُدَايَ (٢) . وذكر بعضهم أنَّ تفسيره بالهدى مختارُ الأكثرين، وأنَّ تفسيره بالحقِّ بالمعنى العامِ يوافقه. وقيل: المراد به المعارِفُ والعلومُ التي أفاضها عز وجل على قلب المؤمن، وإضافةُ ذلك إليه سبحانه لأنه مفاضه تعالی. وعن أبيّ بن كعب والضحاك تفسيرُه بالإيمان الذي أعطاه سبحانه المؤمنَ ووقّقه إليه. وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس تفسيرُه بالطاعات التي حلَّى بها جلَّ شأنُه قلبَ المؤمن، فيشمل الإيمان وسائرَ الأعمال القلبية الحميدة. وقيل: المراد بنوره رسولُه محمدٌ نَّهِ، وقد جاء إطلاقُ النورِ عليه عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿قَدْ جََّكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌّ مُبِيثٌ﴾ [المائدة: ١٥] على قول. وقيل غيرُ ذلك مما ستَعْلَمُه إن شاء الله تعالى. (١) تفسير الطبري ٢٩٩/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٩٤/٨، والأسماء والصفات (١٣٦)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٤٨/٥ . (٢) تفسير الطبري ٢٩٦/١٧. سودة النودِ ٣٦٤ الآية : ٣٥ والضمير على جميع هذه الأقوال راجعٌ إليه تعالى كما هو الظاهر، وجوِّز رجوعُ الضمير إلى المؤمن، وروي ذلك عن عكرمة، وهو إحدى الروايات - وصحَّحها الحاكم - عن ابن عباس رضي﴾(١). ورُوي أيضاً عن أبيّ بن كعب، بل أخرج عبد بنُ حميد وابنُ الأنباريِّ في (المصاحف))(٢) عن الشعبيِّ أنه قال: قرأ أبيّ بن كعب: ((مثلُ نورِ المؤمن)). وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي العالية أن أبيّاً قرأ: ((مَثَلُ نورٍ مَن آمَنَ به)) أو قال: ((مَثَلُ مَنْ آمَنَ به))(٣). وفي ((البحر)): روي عن أبيِّ أنه قرأ: ((مَثَلُ نورٍ المؤمنين)) (٤). وقيل: الضميرُ راجعٌ إلى محمد ﴿ وروى ذلك جماعةٌ عن ابن عباس عن كعب الأحبار، وحكاه أبو حيان عن ابن جبير أيضاً (٥). وقيل: هو راجعٌ إلى القرآن. وقيل: إلى الإيمان. ولا يخفى أنَّ رجوعَ الضمير إلى غيرِ مذكورٍ في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدلُّ عليه، أو كان لكن كانت دلالتُه عليه خَفيَّةً، خلافُ الظاهر جدّاً، لاسيما إذا فات المقصودُ من الكلام على ذلك. والمراد بالمَثَل: الصفةُ العجيبة، أي: صفةُ نورِهِ سبحانه العجيبةُ الشأن ﴿ كَيِشْكَوْمٍ﴾ أي: كصِفَتِها في الإنارة والتنوير. وقال أبو حيان(٦): أي: كنور مشکاةٍ . وهي الكوَّة غيرُ النافذة، كما قال ابن عباس وأبو مالك وابنُ جُبيرٍ وسعيد بن عياض والجمهور. وقال أبو موسى: هي الحديدةُ أو الرصاصةُ التي تكون فيها الفتيلةُ في جوف الزجاجة. (١) المستدرك ٢/ ٤٣٢. (٢) كما في الدر المنثور ٤٨/٥، وعنه نقل المصنف. (٣) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٧٩، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٤٨/٥. (٤) لم نقف عليها في البحر، وذكرها عن أبيٍّ ◌َُّبه القرطبي في التفسير ٢٦١/١٥، والسمين في الدر المصون ٤٠٤/٨. (٥) البحر ٤٥٥/٦. (٦) النهر المادّ على هامش البحر ٤٥٣/٦. الآية : ٣٥ ٣٦٥ سُودَةُالنّورِ وعن مجاهد: أنها الحديدة التي يعلَّقُ بها القنديل، وهو كما ترى، والمعوَّلُ عليه قولُ الجمهور، وعن ابن عطية أنه أصحُّ الأقوال(١). وعلى جميعها هو لفظٌ حبشيٍّ معرَّبٌ، كما قال ابن قتيبة (٢) والكلبيُّ وغيرُهما. وقيل: روميٌّ معرب. وقال الزّجَّاج كما في ((مجمع البيان)): يجوز أن يكون عربيّاً فيكون مِفْعَلة، والأصلُ: مِشْكَوَة، فقُلبت الواوُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاح ما قبلها(٣). وإلى أنَّ أصل ألِفِها الواوُ ذهب ابن جنِّي(٤)، واستدلَّ عليه بأنَّ العرب قد نَحَوْا بها منحاةَ الواو كما فعلوا بالصلاة. وقرأ الكسائيُّ برواية الدوريِّ بالإمالة(٥). ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ. وقيل: الفتيلةُ المشتعلةُ. ﴿أَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ﴾ في قنديلٍ من الزجاج الصافي الأزهر، وضمُّ الزاي لغةٌ الحجاز، وكَسْرُها وفتحُها لغةُ قيس، وبالفتح قرأ أبو رجاء ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد، وقرأ بعضهم بالكسر أيضاً(٦). وكذا قُرئ بهما(٧) في قوله تعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِىٌّ﴾ مضيءٌ متلألئٌ كالزُّهَرةِ (٨) في صفائه وزهْرَتِهِ(٩)، منسوبٌ إلى الدرِّ فوزنُه فُعْلي، وجوِّز أن يكون (١) المحرر الوجيز ١٨٤/٤. (٢) في أدب الكاتب ص ٤٩٦. (٣) مجمع البيان ٤٥/١٨، والكلام بنحوه مختصراً في معاني القرآن للزجاج ٤/ ٤٣. (٤) كما في اللسان (شكا). (٥) التيسير ص ٥٠. (٦) القراءتان في الكشاف ٦٨/٣، والبحر ٤٥٦/٦، والقراءة بفتح الزاي ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٢، وابن جني في المحتسب ١٠٩/٢ . (٧) الكشاف ٦٨/٣، والبحر ٤٥٦/٦، والقراءة بالكسر ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٢. (٨) بضم الزاي وفتح الهاء، والتسكين خطأ، اسم للكوكب المعروف، حاشية الشهاب ٣٨١/٦. (٩) بفتح الزاي وضمها مع سكون الهاء: بياضه وحسنه. حاشية الشهاب ٣٨١/٦. سودُالنّورِ ٣٦٦ الآية : ٣٥ أصله: دُرِّيء بهمزةٍ آخرِه كما قرأ به حمزة وأبو بكر(١)، فقُلبتْ ياءً وأدغمتْ في الياء، فوزنُه فُعِيل، وهو من الدَّرْء بمعنى الدفع فإنه يدفعُ الظلامَ بضوئه، أو يدفع بعضُ ضوئه بعضاً من لمعانه. وجوِّز أن يكون من الدَّرْءِ بمعنى الجري، وليس بذاك، ومثلُه ما قيل: إنه مِن دَرَأ، إذا طلع بغتةً وفاجأ . ولا يخفى على المتتبِّع أنَّ فُعِيلاً قليلٌ في كلامهم، ففي ((اللباب)): فُعِيل غريبٌ لا نظير له إلَّا مُرِّيق - لحبِّ العُضْفُر أو ما سمن من الخيل - وعُلِّيّة وسُرِّيَّة وَذُرِّيّة، قاله أبو علي(٢). وفي ((البحر)): سمع أيضاً مُرِّيخ للذي في داخل القَرْنِ اليابس، وفيه لغتان ضمُّ الميم وكَسْرُها(٣). وقال الفراء: لم يُسْمَعْ إلا مُرِّيق، وهو أعجميٌّ(٤). وسيبويه عدَّ ذلك من أبنية العرب(٥)، ولم يُثْبِتْ بعضُهم هذا الوزنَ أصلاً. وقال أبو عبيد(٦): أصل ((دُرِّيء)): درُّوء كسُبُّوح، فجُعلت الضمةُ كسرةً للاستثقال، والواو ياءً لانكسارِ ما قبلها، كما قالوا في عُتُوّ: عُتِيّ، فوزنه فُقُول، وكذا قيل في سُرِّيّة وذُرِّيّة. وجعل بعضُهم سُرِّيّة من السرِّ وهو النكاح أو الإخفاء، والضمُّ من تغييرات النَّسب، فوزنُه فِعْليَّة كما في ((الصحاح)). والأخفشُ يرى أنه من السرور، وقد أبدلت الراءُ الأخيرة ياءً، وهو معهودٌ في الفعل، فقد قالوا: تسرّرْتُ جاريةً (١) التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢. (٢) في الحجة ٣٢٣/٥، والكلام من حاشية الشهاب ٣٨١/٦. (٣) البحر ٦/ ٤٥٦ . (٤) حاشية الشهاب ٣٨١/٦، وقول الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٥٢: ولا تُعرف جهةُ ضمِّ أوله وهمزه، لا يكون في الكلام فُعِّيل إلا عجميًّا. (٥) الكتاب ٢٦٨/٤ . (٦) في الأصل: عبيدة، وهو موافق لما في تفسير البغوي ٣٤٥/٣، وحاشية الشهاب ٣٨١/٦، والمثبت من (م) وإعراب القرآن للنحاس ١٣٧/٣، والصحاح (درأ)، وتفسير القرطبي ٠٢٦٤/١٥ الآبة : ٣٥ ٣٦٧ سودة النودِ وتسرَّيْتُ، كما قالوا: تَظَنَّنْتُ وتَظِنَّيْتُ(١)، فوزنه على هذا كما قال الخفاجيُّ(٢) فُعْلِيْلة. وجَّعَل بعضُهم ذُرِّيَّةً نسبةً إلى الذَّرُ على غير القياس؛ لإخراجهم كالذَّرِّ من ظهر آدم عليه السلام. وقرأ قتادة وزيد بن عليٍّ والضحاك: ((دَرِّيٌّ)) بفتح الدال، وروي ذلك عن نصر بن عاصم وأبي رجاء وابن المسيب(٣). وقرأ الزهريُّ: ((دِرِّيٌّ) بكسر الدال(٤). وقرأ أبو عمرو والكسائي ((دِرِّيءٌ)) بالكسر والهمزة آخره(٥)، وهو بناءٌ كثيرٌ في الأسماء نحو: سِگین، وفي الأوصاف نحو: سِگیر. وقرأ قتادة أيضاً وأبان بن عثمان وابنُ المسيب وأبو رجاء وعمرو بن فائد والأعمش ونصر بن عاصم: ((دَرِّيٌ)) بالهمز وفتح الدال(٦)؛ قال ابن جنِّي: وهذا عزيزٌ لم يحفظ منه إلا السَّكِّينة بفتح السين وشدِّ الكاف في لغةٍ حكاها أبو زيد (٧). وقرئ: ((دِئريٌّ)) بتقديم الهمزة ساكنةً على الراء وهي من نادرِ الشَّوَاءِ (٨). وفي إعادة ((المصباح)) و((الزجاجة)) معرَّفين إثر سَبْقِهما منكَّرين، والإخبارِ عنهما بما بعدهما - مع انتظام الكلام بأنْ يقال: كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في زجاجةٍ كأنها كوكبٌ درِّيٌّ - من تفخيم شأنهما ورفعٍ مكانتهما، بالتفسير إثر الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، وبإثبات ما بعدهما لهما بطريق الإخبار المُنْبئِ عن القصد الأصليِّ دون الوصف المنبئ عن الإشارة إلى الثبوت في الجملة = ما لا يخفى. (١) الصحاح (سرر). (٢) في الحاشية ٦/ ٣٨٢. (٣) البحر ٦/ ٤٥٦ . (٤) في الأصل و(م): الراء، والمثبت من البحر ٤٥٦/٦، والكلام منه. (٥) التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢، والكلام من البحر ٤٥٦/٦. (٦) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والمحتسب ١١٠/٢، والبحر ٤٥٦/٦، والكلام منه. (٧) المحتسب ١١٠/٢. (٨) وهي بكسر الدال. وهذه القراءة ذكرها البيضاوي، والكلام من حاشية الشهاب ٣٨٢/٦. سُورَةُ النّورِ ٣٦٨ الآية : ٣٥ والجملة الأولى في محلِّ الرفع على أنها صفةٌ لمصباح، والجملةُ الثانية في محلِّ الجر على أنها صفةٌ لزجاجة، واللام مغنيةٌ كما في ((مجمع البيان)) و((إرشاد العقل السليم)) عن الرابط، كأنه قيل: فيها مصباحٌ هو في زجاجة هي كأنَّها كوكبٌ * *(١) دري . ﴿يُوقَّدُ مِن شَجَرَةٍ﴾ أي: يُبتدأ إيقادُ المصباح من شجرة ﴿مُّبَرَكَةٍ﴾ أي: كثيرةٍ المنافع، بأن رُويتْ ذُبالته بزيتها. وقيل: إنما وصفت بالبركة لأنها تَنْبُتُ في الأرض التي بارك الله تعالى فيها للعالمين، وقيل: بارك فيها سبعون نبيّاً منهم إبراهيم عليه السلام. ﴿َزَيُنَةٍ﴾ بدلٌ من ((شجرة))، وقال أبو عليٍّ: عطفُ بيانٍ عليها، وهو مبنيٌّ على مذهب الكوفيين من تجويزهم عطفَ البيان في النكرات، وأما البصريون فلا يجوِّزونه إلا في المعارف. وفي إيهام الشجرة، ووَصْفِها بالبركة، ثم الإبدالِ عنها أو بيانِها، تفخيمٌ لشأنها، وقد جاء في الحديث مدحُ الزيت لأنه منها، أخرج عبد بن حميد في مسنده، والترمذيُّ وابن ماجه عن عمر ◌َُّه، أنَّ رسول الله وَّه قال: ((اتْتدِمُوا بالزَّيتِ وادَّهِنُوا به، فإنَّه من شجرةٍ مُبَارَكٍ»(٢). وأخرج البيهقيُّ عن عائشة ◌ّا: أنها ذُكر عندها الزيتُ فقالت: كان رسولُ اللهِ وَ﴾ يأمرُ أن يؤكلَ ويُدْهَنَ ويُسْعَطَ به، ويقول: ((إنه من شجرةٍ مبارکةٍ»(٣). وهو في حدٍّ ذاته ممدوح، ففي الحديث أنه مصحَّةٌ من الباسور(٤)، وذكر له (١) مجمع البيان ٤٦/١٨، وتفسير أبي السعود ١٧٦/٦. (٢) مسند عبد بن حميد (١٣)، وسنن الترمذي (١٨٥١)، وسنن ابن ماجه (٣٣٢٠)، وسلف ص٥٥ من هذا الجزء. (٣) شعب الإيمان (٥٩٤٠)، وأخرجه أيضاً الحارث في مسنده ( ٥٣٣ - زوائد)، وفي إسناده الواقدي، وهو متروك. (٤) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ (٧٧٤). قال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٢٧٩/٢: هذا حدیث کذب. الآية : ٣٥ ٣٦٩ سُوَدَّةُ النّورِ الأطباء منافعَ كثيرةً، وكان ◌َّهَ يأكل الخبز به، وأكل عليه الصلاة والسلام اللسانَ مطبوخاً بالشعير وفيه الزيت والتوابل(١)، فليحفظ. وقرأ الأخوان وأبو بكر والحسنُ وزيد بنُّ عليٍّ وقتادةُ وابنُ وثَّابٍ وطلحةُ وعيسى والأعمش: ((تُوقَدُ)) بالتاء المثناة من فوق مضارع أُوْقِدَتْ مبنياً للمفعول(٢)، على أنَّ الضمير القائمَ مقامَ الفاعل للزجاجة. وإسنادُ الفعل إليها، قيل: على سبيل المبالغة. وقيل: هو بتقدير مضافٍ، أي: مصباحُها . وقرأ الحسن والسُّلميُّ وقتادةٌ أيضاً وابنُ مُحيصِنٍ وسلامٌ ومجاهدٌ وابن أبي إسحاق والمفضَّل عن عاصم: ((تَوَقَّدُ)) بالتاء الفوقية أيضاً مضارع تَوَقَّد(٣)، وأصله: تَتَوقَّدُ بتاءين، فخفّف بحذف أحدهما . وذكر الخفاجيُّ أنها قراءة أبي عمرو وابن كثير(٤)، والإسنادُ فيها للزجاجة على ما مرَّ. وقرأ السُّلَميُّ وقتادةُ وسلام أيضاً: ((يَوَقَّدُ)) بالياء التحتية على أنه مضارع توَقَّدَ أيضاً، وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن(٥)، وأصله يَتَوقَّد - أي: المصباح - فحُذفت التاء، وهو غير معروفٍ مع الياء وإنما المعروفُ هو الحذفُ عند اجتماع التاءين المتماثلين. ووجهُ ذلك على - ما قال ابن جنِّي ـ أنه شبّه فيه حرفُ مضارعةٍ بحرف مضارعةٍ، يعني الياءَ بالتاءِ، فعومل معاملته، كما شبّهتِ التاءُ والنون في تَعِدُ ونَعِدُ بياء يَعِدُ، فحُذِفَ الواوُ معهما كما حُذفتْ فيه لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ(٦). (١) جاء في هامش الأصل و(م): كالفلفل ونحوه. اهـ منه. ولم نقف على هذا الخبر، وينظر ما سلف ص٥٥ من هذا الجزء. (٢) التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢ عن حمزة والكسائي وأبي بكر، وذكرها عنهم جميعاً أبو حيان في البحر ٤٥٦/٦، والكلام منه. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والبحر ٦/ ٤٥٦ . (٤) كذا ذكر الشهاب في الحاشية ٦/ ٣٨٢، والصواب أن قراءة أبي عمرو وابن كثير كما في التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢: ((تَوَقَّدَ)) بفتح الأربعة فعلاً ماضياً. وسترد قريباً دون نسبة. (٥) المحتسب ١١٠/٢، والبحر ٤٥٦/٦، وعنه نقل المصنف. (٦) المحتسب ١١١/٢. سودةالنودِ ٣٧٠ الآية : ٣٥ وقرئ: (تَوَقَّدَ)) بالتاء من فوق على صيغة الماضي من التفعُّلِ(١)، والضميرُ للمصباح، أي: ابتداءُ توقُّدِ المصباح من شجرة. ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةِ﴾ أي: ضاحية للشمس لا يظلُّها جبلٌ ولا شجرٌ، ولا يحجبُها عنها شيءٌ من حين تَطْلُعُ إلى أن تَغْرُبَ، وذلك أحسنُ لزيتها، وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والكلبيِّ، وهو تفسيرٌ بلازِمِ المعنى، أعني به كونَها بين الشرق والغرب. وعن ابن زيد: أي: ليست من شجر الشرق ولا من شجر الغرب؛ لأنَّ ما اختصَّ بإحدى الجهتين كان أقلَّ زيتاً وأضعفَ ضوءاً، لكنها من شجر الشام، وهي ما بين المشرق والمغرب، وزيتونُها أجودُ ما يكون. وقال أبو حيَّان في ((تذكرته)): المعنى: ليست في مَشْرقةٍ أبداً، أي: في موضعٍ لا يصيبُه ظلٌّ، وليست في مَقْنأةٍ (٢) أبداً، أي: في موضع لا تُصيبه الشمس، وحاصلُه: ليست الزيتونةُ تصيبُها الشمسُ خاصَّةً ولا الظلُّ خاصةً، ولكنْ يُصيبها هذا في وقتٍ وهذا في وقتٍ(٣). وقال الفرَّاء والزجَّاج: المعنى: لا شرقيةٍ فقط ولا غربيةٍ فقط، لكنها شرقيةٌ غربيةٌ، أي: تصيبُها الشمسُ عند طلوعها وغروبها (٤). وأنت تعلمُ أنه لابدَّ من تقديرٍ قيدِ ((فقط)) بعد كلٍّ من ((شرقية)) و((غربية)) - كما سمعتَ - ليتوجَّه النفيُ إليه، فيفيدُ التركيبُ اجتماعَ الأمرين، وإلَّا فظاهرُه نَفْيُهما . وعن ((المطلع)): أنَّ هذا كقول الفرزدق: بأيدي رجالٍ لم يَشِيمُوا سيوفَهم ولم تَكْثُرِ القَتْلَى بها حين سُلَّتِ(٥) (١) هي قراءة أبي عمرو وابن كثير، وينظر ما سلف قبل تعليقين. (٢) بالقاف وفتح النون وضمها والهمزة، وقيل: إنه بالألف بدون همزة. ينظر حاشية الشهاب ٣٨٢/٦. (٣) بنحوه في البحر المحيط ٦/ ٤٥٧، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٣٨٢/٦-٣٨٣. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٥٣/٢، وللزجاج ٤٥/٤. (٥) الكامل للمبرد ٤٠١/١، والأضداد لابن الأنباري ص ٢٥٩، واللسان (شيم). قوله: لم یشیموا، أي: لم يغمدوا . الآية : ٣٥ ٣٧١ سُوَدَّةُ النُّورِ إذ معناه: شاموا سيوفهم وأَكْثَروا بها القَتْلَ. وتعقّبه في ((الكشف)) بأنه لا استدلالَ بالبيت على ذلك؛ لجوازٍ أنْ يريد: لم يَشِيموا غيرَ مكثري القتلى، على الحال، وإفادتُه المعنى المذكورَ واضحةٌ حينئذ. وعن ابن عباس: أنها في دوحةٍ أحاطت بها، فليست منكشفةً لا من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. وتعقّب بأنَّ هذا لا يصحُّ عن ابن عباس؛ لأنها إذا كانت بهذه الصفة فَسَدَ جناها . وعن الحسن: أنَّ هذا مَثَلٌ، وليست من شجر الدنيا؛ إذ لو كانت في الدنيا لكانت شرقيةً أو غربيةً. وعن عكرمة: أنها من شجر الجنة. ولعله إنما جَزَمَ بذلك لِمَا ذَكَرَ الحسن، ولا يخفى ما فيه. وقرأ الضحاك: ((لا شرقيةٌ ولا غربيةٌ)) بالرفع(١)، أي: هي لا شرقيةٌ ولا غربيةٌ. وقال أبو حيان: أي: لا هي شرقيةٌ ولا غربيةٌ(٢)، ولعل ما ذكرنا أولى. والجملةُ في موضع الصفة لـ ((زيتونة)). ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي: هو في الصفاء والإنارةِ بحيث يكادُ يضيءُ بنفسه من غير مساسٍ نارٍ أصلاً، وكلمةُ ((لو)) في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتفاء الشيءٍ لانتفاءِ غيره في الزمان الماضي، فلا يلاحَظُ لها جوابٌ قد حُذِفَ ثقةً بدلالةِ ما قبلها عليه ملاحظةً قصديةً إلا عند القَصْدِ إلى بيانِ الإعراب على القواعد الصناعية، بل هي لبيانٍ تحقّقِ ما يفيدُه الكلامُ السابق من الحُكمِ المُؤْجَبِ أو المنفيِّ على كلِّ حالٍ مفروضٍ من الأحوال المقارِنةِ له إجمالاً بإدخالها على أبعدها منه. والواو الداخلةُ عليها لعطفِ الجملة المذكورة على جملةٍ محذوفةٍ مقابلةٍ لها عند الجزوليِّ ومَن وافَقَه، ومجموعُ الجملتين في حيّز النصب على الحالية (١) البحر ٦/ ٤٥٧. (٢) المصدر السابق. سُودَةُالنّورِ ٣٧٢ الآية : ٣٥ من المستكنِّ في الفعل الموجَبِ أو المنفيِّ، وتقدير الآية الكريمة: يكاد زيتُها يضيء لو مسَّتْهُ نارٌ ولو لم تَمْسَسْه(١) نارٌ، أي: يضيءُ كائناً على كلِّ حالٍ من وجودٍ شرطِ الإضاءة وعَدَمِه، وحُذفت الجملةُ الأولى حَسْبَما هو المطَّرِدُ في الباب ثقةً " بدلالةِ الثانية عليها دلالةً واضحة. وقال الزمخشريُّ: الواوُ للحال، ومقتضاه أنَّ ((لو)) مع ما بَعْدَها حالٌ، فالتقدير: والحالُ لو كان، أو لو لم يكن كذا، أي: مفروضاً ثبوتُه أو انتفاؤه، لكنَّ الزمخشريَّ ومثلُه المرزوقيُّ يقدِّر: ولو كان الحالُ كذا(٢). وتعقِّب ذلك بأنَّ أدوات الشرط لا تصلحُ للحالية؛ لأنها تقتضي عَدَمَ التحقُّق، والحالُ يقتضي خلافه. والتُزِمَ لذلك أنه انسلخ عنها الشرطيةُ، وأنها مؤوَّلةٌ بالحال، كما أنَّ الحال تكون في معنى الشرط، نحو: لأفعلنَّه كائناً ما كان، أي: إنْ كان هذا أو غيره، ولذا لا تحتاج إلى الجزاء أصلاً. وإنما قدِّر الحال بعد ((لو)) - على ما قيل - إشارةً إلى أنه قُصِدَ إلى جَعْلِ الجملة حالاً قبل دخول الشرط المنافي له، ثم دخلت (لو)) تنبيهاً على أنها حالٌ غيرُ محقَّقةٍ. واعترض الرضيُّ القولَ بأنها عاطفةٌ، بأنه لو كان كذلك لوقع التصريحُ بالمعطوف عليه في الاستعمال، وليس كذلك، وذهب إلى أنها اعتراضيةٌ، ويجوز الاعتراضُ في آخر الكلام، والمقصود منه التأكيد. وأجيب عن اعتراضه بأنَّ ظهور ترتُّبِ الجزاء على المعطوف عليه أَغْنَى عن ذكره، حتی کان ذكرُه تكراراً. وبالجملة: الذي عَطَفَ عليه الأكثرون وارتَضَوْه كونُها عاطفةً. وبجَعْلِ مجموع الجملتين في موضع الحال - على ما سمعتَ - يندفعُ ما يُتَوهَّم من أنَّ ((كاد)» تُنافي اعتبارَ العطف هنا، فتأمل. (١) في الأصل: تمسَّه. (٢) الكشاف ٣٦١/١، وذكره عن المرزوقي الشهاب في الحاشية ٣٨٣/٦، وينظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١/ ١٧٤ . الآية : ٣٥ ٣٧٣ سُودَةُ الَّنودِ وقرأ ابن عباس والحسن: (يَمْسَسْه)) بالياء التحتية(١)، وحسَّنه الفَصْلُ وكونُ الفاعلِ غيرَ حقيقيّ التأنيث. ﴿نُورٌ عَلَى نُورُ﴾ أي: هو نورٌ عظيم كائنٌ على نورٍ، على أنْ يكون ((نورٌ)) خبر مبتدأ محذوفٍ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له مؤكِّدةً لِمَا أفاده التنكيرُ من الفخامة. والجملةُ فذلكةٌ للتمثيل، وتصريحٌ بما حصل منه، وتمهيدٌ لِمَا يعقبُه، فالمرادُ من الضمير النورُ الذي مثِّلتْ صفتُه العظيمةُ الشأن بما سمعتَ، لا النورُ المشبّهُ به، وحَمْلُه علیه لا يليقُ - كما قيل - بشأن التنزيل الجليل، وليس معنى كونِه نوراً فوق نورٍ أنه نورٌ واحدٌ - معيَّنٌ أو غيرُ معيَّنٍ - فوق نورٍ آخَرَ مِثْلِه، ولا أنه مجموعُ نورين اثنين فقط، بل أنه نورٌ متضاعف من غير تحديدٍ لتضاعُفِه بحدِّ معيَّنٍ . وتحديدُ مراتبٍ تضاعُفِ ما مثِّل به من نورِ المشكاة بما ذُكِرَ لكونه أقصى مراتبٍ تضاعُفِه عادةً، فإن المصباح إذا كان في مكانٍ متضايقٍ كالمشكاة، كان أَضْوَأَ لَه وأَجْمَعَ لنوره بسبب انضمامِ الشعاع المنعكس منه إلى أصل الشعاع، بخلافٍ المكانِ المتسع فإن الضوء ينبثُّ فيه وينتشر، والقنديلُ أعونُ شيءٍ على زيادةِ الإنارة، وكذلك الزيتُ وصفاؤه. وليس وراء هذه المراتبٍ مما يزيدُ نورَها إشراقاً ويمدُّه بإضاءةٍ مرتَبةٌ أخرى عادةً. والظاهرُ عندي أنَّ التشبيه الذي تضمَّنته الآيةُ الكريمة من تشبيه المعقول - وهو نورُه تعالى بمعنى أدلَّتِهِ سبحانه، لكنْ من حيث إنها أدلةٌ، أو القرآنُ، أو التوحيدُ والشرائع وما دُلَّ عليه بدليل السمع والعقل، أو الهدى، أو نحو ذلك - بالمحسوس، وهو نورُ المشكاة المبالَغ في نعته، وأنه ليس في المشبّهِ به أجزاءٌ ينتزع منها الشَّبه ليُبنى عليه أنه مرَّبٌ أو مَفَرَّقٌ. وذُكر أنه إذا كان المراد تشبيهَ النورِ بمعنى الهدى الذي دلَّت عليه الآياتُ المبيّنات، فهو من التشبيه المركَّب العقليِّ، وقد شبّه فيه الهيئةُ المنتزعةُ بأخرى، فإنَّ النور وإنْ كان لفظُه مفرداً داٌّ على متعدِّدٍ. وكذا إذا كان المراد تشبيه ما نوَّر الله (١) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والمحتسب ١١١/٢، والبحر ٦/ ٤٥٧. صغير سورة النورِ ٣٧٤ الآية : ٣٥ تعالى به قلبَ المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبثِّ فيها من مصباحها . وفي الحواشي الطيِّبة الطيبيَّةِ بعد اختيارٍ أن المراد بالنور الهدايةُ بوحي يُنْزِلُه ورسولٍ يبعثه، ما هو ظاهرٌ في أنَّ التشبيه من التشبيهِ المفرَّق، بل صرَّحَ بذلك أخيراً، واستدلَّ عليه بأنَّ التكرير في الآية يستدعي ذلك. وقد أطال الكلام في هذا المقام، ومنه: أنَّ المشبَّهات المناسِبةَ على هذا المعنى صدرُ الرسولِ وَّ﴿ وقلبه الشريفُ، واللطيفةُ الربانية فيه والقرآنُ، وما يتأثّرُ منه القلبُ عند استمدادِه. والتفصيلُ أنه شبّه صدره عليه الصلاة والسلام بالمشكاة لأنه كالكوَّة ذو وجهين؛ فمن وجهٍ يقتبسُ النورَ من القلب المستنير، ومن آخَرَ يُفيضُ ذلك النورَ المقتبَسَ على الخلق، وذلك لاستعداده بانشراحه مرتين: مرةً في صباه، وأخرى عند إسرائه، قال الله تعالى: ﴿أَفَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَاءِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وهذا تشبيهٌ صحيح قد اشتهر عن جماعةٍ من المفسِّرين؛ روى محيي السنَّة عن كعب: هذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى لنبيِّهِ وَّهِ، المشكاة صدرُه، والزجاجةُ قلبُه، والمصباحُ فيه النبوَّةُ، والشجرةُ المباركة شجرةُ النبوّةِ (١). وروى الإمامُ عن بعضهم أنَّ المشكاة صدرُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام، والزجاجةَ قلبُه، والمصباحَ ما في قلبه من الدِّين(٢). وفي ((حقائق)) السلميِّ عن أبي سعيد الخراز: المشكاةُ جوفُ محمدٍ وَّل، والزجاجةُ قلبُه الشريفُ، والمصباحُ النورُ الذي فيه، وشبِّه قلبه صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه بالزجاجةِ المنعوتةِ بالكوكب الدرِّيِّ لصفائه وإشراقه، وخُلوصِه عن كُدورَةِ الهوى ولوثِ النفس الأمّارة، وانعكاسِ نور اللطيفة إلیه. وشبِّهت اللطيفةُ القدسية المزهرةُ في القلب بالمصباح الثاقب؛ أخرج الإمام (١) تفسير البغوي ٣٤٦/٣. (٢) تفسير الرازي ٢٣٧/٢٣. الآية : ٣٥ ٣٧٥ سُوَّةُ الَّنودِ أحمد في ((مسنده)) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((القلوبُ أربعةٌ: قلبٌ أَجْرَدُ فيه مثلُ السراج يزهر)) وفيه: «أمّا القلبُ الأجرد فقلبُ المؤمن سراجُه فيه نورُه)) الحديث(١) . وشبِّه نفسُ القرآنِ بالشجرة المباركة لثبات أصلها وتشغُّب فروعها وتأدِّيها إلى ثمراتٍ لا نهايةَ لها؛ قال الله تعالى: ﴿كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَآءِ !* تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلّ ◌ِينٍ بِإذْنِ رَيِّهَا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤ -٢٥]. وروى محيي السنَّة عن الحسن وابن زيد: الشجرةُ المباركةُ شجرةُ الوحي، ((يكاد زيتُها يضيء)): تكادُ حجةُ القرآن تتَّضح وإن لم تُقرأ(٢). وشبّه ما يستمدُّه نورُ قلبه الشريفِ صلواتُ الله تعالى وسلامُه عليه من القرآن، وابتداءُ تفويته منه، بالزيت الصافي؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَأْ مَا كُنْتَ نَّرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَ﴾ [الشورى: ٥٢] فكما جعل سبحانه القرآن سبَب توقُّدِه منه في قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ﴾ جعل ضوءه مستفاداً من انعكاس نورِ اللطيفة إليه في قوله عز وجل: (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَاَّ). والمعنى على ما ذُكر في ((إنسان العين)): يكادُ سرُّ القرآن يظهر للخَلْقِ قبل دعوةٍ النبي ◌َ لتر، وفيه مسحةٌ من معنى قوله: فتشابها وتَشَاكَلَ الأمرُ رَقَّ الزّجاجُ ورَقَّتِ الخمرُ وكأنما قدحٌ ولا خمرُ فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ ومنه وصفت الشجرة بكونها ((لا شرقية ولا غربية)). وعن ابن عباس: تشبيهُ فؤادِهِ وَ ل﴿ بالكوكب الدريِّ، وأن الشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام، ومعنى ((لا شرقية ولا غربية)): أنه ليس بنصرانيٍّ فيصلِّي نحو المشرق، ولا يهوديّ فيصلِّي نحو المغرب، والزيتُ الصافي: دينُ إبراهيم عليه السلام. (١) مسند أحمد (١١١٢٩). (٢) تفسير البغوي ٣٤٧/٣. سوداُ النودِ ٣٧٦ الآية : ٣٥ وقد يقال على تفريق التشبيه لكنْ على مشرع آخر: شبِّه القرآنُ بالمصباح على ما سبق، ونفسُه وََّ الزكيةُ الطاهرةُ بالشجرة لكوّنّها نابتةً من أرض الدِّين، متشعِّبةً فروعُها إلى سماء الإيمان، متدلِّةً أثمارُها إلى فضاء الإخلاص والإحسان، وذلك لاستقامتها بمقتضى قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِّرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، غيرَ مائلةٍ إلى طرفي الإفراط والتفريط، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةِ﴾ [النور: ٣٥] ويشبّه ما مَحَضَ من تلك الثمرات بعد التصفية التامَّةِ للتهيئة وقبولِ الآثار بالزيت الصافي؛ لوفور قوة استعدادها للاستضاءة للدهنية القابلة للاشتعال، ومن ثَمَّ خُصَّتْ شجرةُ الزيتون لأنَّ لبَّ ثمرتها الزيتُ الذي تشتعل به المصابيح، وخصَّ هذا الدهنُ لمزيد إشراقه مع قلَّةِ الدخان، يكاد زيتُ استعدادِهِ صلواتُ الله تعالى وسلامُه عليه لصفائه وزكائه يضيءُ ولو لم يَمْسَسْه نورُ القرآن، رَوَى البغويُّ عن محمد بن كعب القرظيِّ: تكاد محاسنُ محمد ◌ََّ تَظْهَرُ للناس قبل أن يُؤْحَى إليه(١). قال ابن رواحة: لو لم يَكُنْ فيه آياتٌ مبيِّنةٌ كانت بداهِتُه تُنْبِيكَ عن خبره (٢) وفي ((حقائق)) السُّلَميِّ: ((مثلُ نوره)) في عبده المُخلِصِ، والمشكاة القلبُ، و ((المصباحُ» النورُ الذي قُذِفَ فيه، والمعرفةُ تضيءُ في قلب العارف بنورِ التوفيق، (يوقَّدُ من شجرةٍ مباركةٍ) يضيء(٣) على شخصٍ مباركٍ تتبيَّن أنوارُ باطِنِه على آداب ظاهِرِه وحُسْنِ معاملته، ((زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ)) جوهرة صافية لا لها حظّ في الدنيا ولا في الآخرة؛ لاختصاصها بموالاة العزيز الغفَّار، وتفرُّدِها بالفرد الجبّار، إلى غير ذلك. وجَعَل بعضُهم التشبيهَ من المركَّب الوهميِّ، بناءً على أنَّ المراد من النور المشبّهِ الهدى، من حيث إنه محفوفٌ بظلماتٍ أوهام الناس وخيالاتهم(٤). (١) تفسير البغوي ٣٤٧/٣. (٢) الإصابة ٦/ ٨٠، والمستطرف ١/ ٤٩١، وعزاه المبرد في الفاضل ص ٩-١٠ لحسان، وهو في الروض الأنف ٢/ ٥٠، والبيان والتبيين ١٥/١ دون نسبة. (٣) في الأصل: تُضيء. (٤) قوله: من المركب الوهمي ... ، قال الشهاب في شرحه: حيث تصوّر في المشبّه والمشبَّهِ به حالٌ منتزعة، وهي قوله: من حيث إنه محفوف ... إلخ، فشُبِّه الهدى المحيطُ به الضلالُ بمصباح في ليل مظلم. حاشية الشهاب ٣٨٣/٦. الآية : ٣٥ ٣٧٧ سُورَةُ النّورِ وكان الظاهرُ على هذا دخولُ الكاف على المصباح دون المشكاة المشتَمِلَةِ عليه، ومن هنا قيل: إنَّ في الآية قلباً، ووجَّه بعضُهم دخولَها على المشكاة بأنَّ المشتمِل مقدَّمٌ على المشتَمَلِ عليه في رأي العين، فقدِّم لفظاً ودخل الكافُ عليه رعايةً لذلك. وقيل: إنَّه على هذا أيضاً تشبيهٌ مفرَّقٌ؛ لأنه شبّه الهدى بالمصباح، والجهالاتِ بظُلَمِ استلزمتها، وهو كما ترى. ومن الناس مَن جعل التشبيهَ مفرَّقاً، لكنْ بَنَى كلامه على ما أسَّسه الفلاسفةُ، فَجَعَلَ النورَ المشبَّ ما مَنّحَ الله تعالى به عبادَه من القوى الخمسِ الدرَّاكةِ المترتِّبة التي نيطَ بها المعاشُ، وهي: القوةُ الحسَّاسةُ، أعني الحسَّ المشتَرَكَ الذي يُدْرِكُ المحسوساتِ بجواسيس الحواسِّ الخمسِ الظاهرة. والقوةُ الخياليةُ التي تحفظُ صورَ تلك المحسوسات(١) لتَعْرِضَها على القوة العقلية متى شاء. والقوةُ العقليةُ المدرِكةُ للحقائق الكلِّية. والقوةُ الفكرية التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلّفُها على وجهٍ يحصُل به العلمُ بالمجهولات. والقوةُ القُدسية التي يختصُّ بها الأنبياءُ والأولياء، وتَنْجَلي فيها لوائحُ الغيب وأسرارُ المَلَكوتِ. وجَعَل ما في حيِّز الكاف عبارةً عن أمورٍ شبِّه بكلِّ منها واحدٌ من هذه الخمس، فقال: شبِّهتِ القوةُ الحسّاسة بالمشكاة من حيث إن محلَّها تجويفٌ في مقدَّم الدماغ - كالكوَّة - تضعُ فيه الحواسُّ الظاهرةُ ما تُحِسُّ به، وبذلك يضيءٍ. وشُبِّهتِ القوةُ الخياليةُ بالزجاجة من حيث إنها تقبلُ الصورَ المدرَكةَ من الجوانب كما تقبلُ الزجاجةُ الأنوارَ الحسِّيةَ من الجوانب، ومن حيث إنها تَضْبطُ الأنوارَ العقلية وتحفظُها كما تَحْفَظُ الزجاجةُ الأنوارَ الحسِّيةَ، ومن حيث إنها تستنيرُ بما يشتَمِلُ عليها من المعقولات. وشبِّهت القوةُ العقلية بالمصباح لإضاءتها بالإدراكات والمعارف. وشبِّهت القوةُ الفكرية بالشجرة المباركةِ من حيث إنها تؤدِّي إلى نتائجَ كثيرةٍ هي بمنزلة ثمرات الشجرة، واعتُبرت زيتونةً لأنَّ لها فضيلةً على سائر الأشجار، من (١) في الأصل: صور تلك الصور المحسوسات. سُورَةُ النودِ ٣٧٨ الآية : ٣٥ حيث إن لبَّ ثمرتها هو الزيتُ الذي له منافعُ جَمَّةٌ، منها أنه مادةُ المصابيح والأنوارِ الحسِّيةِ، وله من بين سائر الأدهان خاصيةُ زيادةِ الإشراق وقلَّةِ الدخان. واعتبارُ وصفٍ ((لا شرقية ولا غربية)) في جانب المشبّهِ من حيث إن القوةَ الفكرية مجردةٌ عن اللواحِقِ الجِسْميةِ، أو من حيث إن انتفاعها ليس مختصّاً بجانب الصُّورِ ولا بجانب المعاني. وشبِّهت القوة القدسية بالزيت الذي يكاد يضيءُ من غير أن تمسسه نارٌ، من حیث إنها لکمال صفائها وشدة استعدادها لا تحتاجُ إلى تعلیم أو تفكّرٍ . واعتُرِضَ بأنَّ حقَّ النظم الكريم على هذا أن يقال: مَثَلُ نوره كمشكاةٍ، وزجاجةٍ، ومصباح، وشجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ، وزيتٍ يكادُ يضيءُ ولو لم تَمْسَسْه نارٌ، حتى يُفيدَ تشبيهُ كُلِّ واحدٍ بكلِّ واحدٍ . وأجيب بأنه لما كان كلٌّ من هذه الحواسٌ يأخذ ما يدركه مما قبله كما يأخذ المظروفُ من ظرفه، أشار سبحانه إلى ذلك بأداة الظرفية دلالةً على بديعٍ صنعه سبحانه وحکمتِه جلَّ شأنه. وجوِّز أن يراد تشبيهُ النورِ المرادِ به القوةُ العقليةُ للنفس بمراتبها بذلك، ومراتبُها أربعٌ: الأولى: أن تكون النفسُ خاليةً عن جميع العلوم الضرورية والنظريةِ، مستعدَّةً لها كما في مبدأ الطفولية، وتسمَّى القوةُ العقلية في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني؛ لأنها كالهيولى في أنها في ذاتها خاليةٌ عن جميع الصور قابلةٌ لها . وثانيتُها: أن تَسْتَعْمِلَ آلاتِها، أي: الحواسَّ مطلقاً، فيحصل لها علومٌ أوَّليةٌ، وتستعدُّ لاكتساب علوم نظرية، وتسمَّى القوةُ المذكورةُ في هذه المرتبة: عقلاً بالملكةِ؛ لحصولِ مَلَكةِ الانتقال إلى النظريات لها بسبب تلك الأوَّليات. وثالثتُها: أن تصير النظرياتُ مخزونةً عندها، وتحصل لها ملكةُ استحضارِها متى شاءت من غير تجثُّم كَسْبٍ جديدٍ، وتسمَّى تلك القوةُ في هذه المرتبةِ: عقلاً بالفعل؛ لحصول تلك العلومٍ لها بالقوّة القريبةٍ من الفعل. ورابعتها: أن ترتِّبَ العلومَ الأوَّليةَ، وتُذْرِكَ العلومَ النظرية مشاهِدةً إياها الآية : ٣٥ ٣٧٩ سُودَةُ النّورِ بالفعل، وتسمَّى تلك القوةُ في هذه المرتبة: عقلاً مستفاداً؛ لاستفادتها من العقل الفعَّال. فشبِّهت القوةُ بالمرتبة الأولى بالمشكاةِ الخالية في بدء الأمر عن الأنوار الحسِّيةِ المستعدَّةِ للاستنارة بها. وبالمرتبة الثانية بالزجاجة المتلألئة في نفسها، القابلةِ للأنوار الفائضةِ عليها من الغير الخارجيِّ. وبالمرتبة الثالثة بالمصباح الذي اشتعلت فتيلتُه المُشْبَعةُ من الزيت. وبالمرتبة الرابعة بالنور المتضاعِفِ المشارِ إليه بقوله تعالى: (ثُورٌّ عَلَى نُودٍّ) . والشيخ ابنُ سينا بعد أن بَيَّن المراتب، حَمَلَ مفردات التنزيل عليها، وحقّق في ((المحاكمات)) وَجْهَ الترتيب فيها، حيث جَعَلَ الزجاجةَ في المشكاة والمصباحَ في الزجاجة بأنَّ هناك استعداداً محضاً كما في المرتبة الأولى، واستعداد اكتساب كما في المرتبة الثانية، واستعدادَ استحضارٍ كما في المرتبة الثالثة، ولا شكَّ أنَّ استعداد الاكتساب بحسب الاستعدادِ المحضٍ، واستعدادَ الاستحضارِ بحسب استعدادِ الاكتساب، فتكون الزجاجةُ التي هي عبارةٌ عن العقل بالمَلَكةِ كأنما هي في المشكاة التي هي عبارةٌ عن العقل الهيولانيّ، والمصباحُ وهو العقلُ بالفعل في الزجاجة التي هي العقلُ بالملكة؛ لأنه إنما يحصلُ باعتبارِ حصولِ العقل أولاً، وحيث إن العقل بالملكة إنما يخرجُ من القوَّة إلى الفعل بالفكر أو بالحدس أو بالقوة القدسية، أشير إلى الفكر بالشجرة الزيتونة، وإلى الحدس بالزيت، وإلى القوة القدسية بـ ((يكاد زيتُها يضيءُ)). ودَفَع ما يظهر من عَدَم انطباق ما ذُكِرَ على النَّظْم الجليل لأنه وَصَفَ فيه الشجرة بما سمعتَ من الصفات، وهذه أمورٌ متباينةٌ لا يجوزُ وصفُ أحدِها بالآخَر = بأنَّ الشجرةَ الزيتونةَ شيءٌ واحدٌ، فإذا ترقَّتْ في أطوارها حَصَلَ لها زيتٌ، إذا ترقّى وَصَفَا كاد يضيء، وكذلك الاكتسابُ قوةٌ نفسيةٌ هي فكرةٌ، فإذا ترقَّتْ كانت حَدْساً، ثم قوةً قدسيةً، فهي وإن كانت متباينةً ترجعُ إلى شيءٍ واحدٍ كالشجرة. وذَكَر أنَّ قوله تعالى: (لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ) إشارةٌ إلى أنها ليست من عالم الحسِّ الذي لا يخلو عن أحد الأمرين. سودة النّورِ ٣٨٠ الآية : ٣٥ ولا يخفى عليك أنَّ هذا مع تكلُّفِه وابتنائه على ما أسَّسه الفلاسفةُ الذين هم في عمىّ عن نور الشريعة، وللهِ تعالى درُّ مَن قال فيهم: بهم مرضٌ من كتاب الشِّفا فَطَعْنا (١) الأخوّةَ عن معشرٍ وعِشْنا على سُنَّة المصطفى (٢) فماتوا على دينِ رسْطَالِسٍ لا يناسبُ المقامَ، ولا ينتظمُ معه أطرافُ الكلام، وفيه ما يقتضي أنَّ قوله تعالی: (ثُ عَلَى نُورُ) داخلٌ في التمثيل، وفيه خلافٌ. ثم اغْلم أنه يُعْلَمُ بمعونةِ ما ذَكَرْنا حالُ التشبيه على سائر الأقوال في المراد بالنور، ولعل ما ذكرناه فيه أتُّ نوراً وأشدُّ ظهوراً، والله تعالى أعلمُ بحقائق الأمور ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ, نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وَهْدِى اللّهُ لِنُورِهِ﴾ أي: يهدي سبحانه هدايةً خاصةً مُوصِلةً إلى المطلوب حتماً لذلك النورِ المتضاعِفِ العظيم الشأن، وإظهارُه في مقام الإضمار لزيادةِ تقريرِه وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عز وجل. ﴿مَنْ يَآءُ﴾ هدايتَه من عباده، بأنْ يوفِّقهم سبحانه لفَهْمِ وجوهِ دلالةِ الأدلَّةِ العقلية والسمعية التي نوَّرَ بها السماواتِ والأرضَ، على وجهٍ ينتفعون به. أو بأنْ يوفِّقهم لفَهْمِ ما في القرآن من دلائل حقِّيته وكونِه من عنده عزَّ وجلَّ، من الإعجاز والإخبار عن الغيب وغيرِ ذلك من موجباتِ الإيمان. وفيه احتمالاتٌ أُخَرُ بحسَبٍ ما في النور من الأقوال. وأيّاً ما كان ففيه إيذانٌ بأنَّ مناط هذه الهدايةِ وملاكَها ليس إلَّا مشيئته تعالى، وأنَّ إظهار الأسباب بدونها بمعزلٍ عن الإفضاء إلى المطالب: طريقَ الهدى أَعْيَتْ عليه مطالبُه إذا لم يُ التوفيقُ عوناً لطالبٍ ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَثَلَ لِلنَّاسُِ﴾ في تضاعيف الهداية حَسْبَما يقتضيه حالُهم، فإنَّ لضَرْبِ المَثَلِ دَخْلاً عظيماً في باب الإرشاد؛ لأنه إبرازٌ للمعقول في هيئة (١) في (م): قطعت. (٢) البيتان لعبد الكافي بن عليٍّ، زين الدين السبكي الشافعي المتوفى سنة (٧٣٥هـ). أعيان العصر ١٣٢/٣، والدرر الكامنة ١٩٧/٣.