النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٢٤ ٢٨١ سودة النورِ أوَّلاً، وإلا فظاهرُ الآيات قبولُ توبته، وقد تاب مَن تاب من الخائضين، كمسطح وحسان وحمنة، ولو علموا أن توبتهم لا تقبل لم يتوبوا . نعم ظاهِرُ هذه الآية - على ما سمعتَ من المراد من الموصوف بتلك الصفات - كفرُ قاذفِ أمَّهاتِ المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأن الله عز وجل رتَّب على رميهنَّ عقوباتٍ مختصَّةً بالكفار والمنافقين، فقال سبحانه: ﴿لُعِنُوا﴾ أي: بسبب رميهم إياهنَّ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ حيث يلعنُهم اللاعنون والملائكةُ في الدارين ﴿وَمُمْ﴾ مع ما ذُكر من اللعن ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ هائلٌ لا يقادرُ قَدْرُه؛ لغايةِ عِظم ما اقترفوه من الجناية. وكذا ذكر سبحانه أحوالاً مختصَّةً بأولئك، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ﴾ إلخ، ودليلُ الاختصاصِ قوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث [فصلت: ١٩-٢١]. ومن هنا قيل: إنه لا يجوز أن يراد بالمحصناتِ .. إلخ، المتَّصفاتِ بالصفات المذكورةِ، أمهاتُ المؤمنين وغيرُهنَّ من نساء الأمة؛ لأنه لا ريب في أنَّ رمي غيرِ أمهاتِ المؤمنین لیس بکفرٍ . والذي ينبغي أن يعوَّلَ عليه الحكمُ (١) بكفرِ مَن رمى إحدى أمهاتِ المؤمنين بعد نزول الآيات، وتبيُّنِ أنهنَّ طيباتٍ، سواءٌ استباح الرميَ، أم قَصَدَ الطعن برسول الله وَّة، أم لم يَسْتَبِخْ ولم يَقْصِدْ. وأما مَن رَمَى قبلُ فالحكمُ بكفره مطلقاً غيرُ ظاهر. والظاهرُ أنه يحكم بكفره إن كان مستبيحاً، أو قاصداً الطعنَ به عليه الصلاة والسلام، كابن أبيٍّ لعنه الله تعالى، فإنَّ ذلك مما يقتضيه إمعانُه في عداوة رسول الله وَظله . ولا يُحكّمُ بكفره إن لم يكن كذلك، كحسان ومسطح وحمنة، فإنَّ الظاهر أنهم لم يكونوا مستحلِّينَ، ولا قاصدين الطعنَ بسيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله أجمعين، وإنما قالوا ما قالوا تقليداً، فوبِّخوا على ذلك توبيخاً شديداً. ومما يدلُّ دلالةٌ واضحةٌ على عدم كفر الرامين قبلُ بالرمي، أنه عليه الصلاة (١) في (م): الحكم عليه، وهو خطأ . سُوءَةُ الَّنودِ ٢٨٢ الآية : ٢٤ والسلام لم يعاملهم معاملةَ المرتدِّين بالإجماع، وإنّما أقام عليهم حدَّ القذفِ على ما جاء في بعض الروايات. فالآيةُ بناءً على القول بخصوص ((المحصنات))، وهو الذي تعضدُه أكثرُ الروايات، إن كانت لبيان حكم مَن يرمي عائشةَ أو إحدى أمَّهاتِ المؤمنين مطلقاً بعد تلك القصة - كما هو ظاهرُ الفعل المضارع الواقع صلةَ الموصول - فأمْرُ الوعيد المذكورِ فيها على القول بأنه مختصٌّ بالكفار والمنافقين ظاهرٌ؛ لِمَا سمعتَ من القول بكفر الرامي لإحدى أمهات المؤمنين بعدُ مطلقاً. وإن كانت لبيان حُكمٍ مَن رَمَى قبلُ احتاجَ أمرُ الوعيد إلى القول بأنَّ المراد بالموصول أناسٌ مخصوصون رَمَوْا عائشةَ ﴿يَا استباحةً لعِرْضها، وقَصْداً إلى الطعن برسول الله وَّته، كابن أبيٍّ وإخوانه المنافقين عليهم اللعنةُ، وعلى هذا يكون التعبيرُ بالمضارع لاستحضارِ الصورة التي هي من أغرب الغرائب، أو للإشارة كما قيل إلى أنَّ شأنهم الرميُّ، وأنه يتجدَّدُ منهم آناً فاناً، وعلى هذا يمكن أن يقال: المرادُ بيانُ حكم مَن لم يتُبْ مِن الرمي، فإنَّ التائب من فعلٍ قلَّما يقال فيه: إنَّ شأنه ذلك الفعلُ، فَيكون الوعيد مخصوصاً بمَن لم يُتُبْ. والذي تقتضيه الأخبارُ أنَّ كلَّ مَن وَقَعَ في تلك المعصيةِ تاب سوى اللعينِ ابنِ أبيٍّ وأشياعِه من المنافقين. وعن ابن عباس أنها نزلت فيه خاصةً، ولا يخفى وجهُ الجمع عليه. وقيل: المرادُ بيانُ حكم مَن رَمَى، والوعيدُ مشروطٌ بعدم التوبة، ولم يُذكر للعلم به من القواعد المستقرَّةَ؛ إذ الذنبُ كيفما كان يُغفر بالتوبة، فلا حاجةً إلى أن يقال: المراد: إنَّ الذين شأنُهم الرميُّ؛ ليُشْعِرَ بعدم التوبة. والظاهرُ أنَّ مَن لم يَتُبْ بعد نزول هذه الآيات كافرٌ، وليس هو إلا اللعينَ وأشياعَه المنافقين. واختار جمعٌ - وقال النحاس: هو أحسنُ ما قيل - أنَّ الحكم عامٌّ فيمَن يرمي الموصوفاتِ بالصفاتِ المذكورةِ من نساء الأمة (١). ورميُهنَّ إن كان مع استحلالٍ فهو كفرٌ، فيستحِقُّ فاعلُه الوعيدَ المذكورَ إنْ لم يَتُبْ، على ما عُلم من القواعد، وإن (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٢/٣. الآية : ٢٤ ٢٨٣ سُورَةُ الَّنُودِ كان بدون استحلالٍ فهو كبيرةٌ وليس بكفر، ويُحتاج في هذا إلى منع اختصاص تلك العقوبات والأحوالِ بالكفار والمنافقين، أو التزام القول بأن ذلك ثابتٌ للجنس، ويكفي فيه ثبوتُه لبعض أفراده، ولا شك أن فيها مَنَ يموت كافراً. وفي ((البحر)): يناسبُ أن تكون هذه الآيةُ - كما قيل - نزلت في مشركي مكة، كانت المرأةُ إذا خرجت إلى المدينة مهاجرةً قذفوها وقالوا: خرجَتْ لتَفْجُرَ؛ قاله أبو حمزة اليمانيُّ، ويؤيِّده قوله تعالى: (يَوَّمَ تَشْهَدُ) إلخ (١). اهـ. وأنت تعلم أن الأوفق بالسباق والسياق ما عليه الأكثرُ، من نزولها في شأن أمّ المؤمنين عائشة پا، وحکمُ رمي سائر أمهاتھم حکمُ رمیھا، وکذا حُكْمُ رمي سائر أزواج الأنبياء عليهم السلام، وكذا أمهاتُهم. وعندي أنَّ حكم رمي بناتِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام كذلك، لا سيما بضعته الطاهرة الكريمة فاطمة الزهراء صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم، ولم أَرَ مَن تعرَّض لذلك فتدبّر. واعلم أنه لا خلافَ في جواز لعن كافرٍ معيَّنٍ تحقَّق موتُه على الكفر إن لم يتضمَّن إيذاءَ مسلمٍ، أو ذمِّيٍّ إذا قلنا باستوائه مع المسلم في حرمة الإيذاء، أما إنْ تضمَّن ذلك حَرُمَ. ومن الحرام لَعْنُ أبي طالب على القول بموته كافراً، بل هو من أعظم ما يتضمَّنُ ما فيه إيذاءُ مَن يَحْرُمُ إيذاؤه. ثم إنَّ لَعْنَ مَن يجوزُ لَعْنُه لا أرى أنه يُعدُّ عبادةٌ إلَّا إذا تضمَّن مصلحةً شرعيةً. وأمَّا لَعْنُ كافرٍ معيَّنٍ حيٍّ فالمشهورُ أنه حرامٌ، ومقتضى كلام حجَّة الإسلام الغزالي(٢) أنه كفرٌ؛ لِمَا فيه من سؤال تثبيته على الكفر الذي هو سببُ اللعنةِ، وسؤالُ ذلك كفرٌ. ونصَّ الزركشيُّ على ارتضائه حيث قال عَقِبَه: فتفطّن لهذه المسألة فإنها غريبةٌ، وحكمُها متَّجهٌ، وقد زلَّ فيه جماعةٌ. (١) البحر ٦/ ٤٤٠. (٢) في الإحياء ١٢٤/٣. سُورَّةُ الْنُوزِ ٢٨٤ الآية : ٢٤ وقال العلّامةُ ابنُ حجر في ذلك: ينبغي أن يقال: إنْ أراد بلَعْنِهِ الدعاءَ عليه بتشديدِ الأمر، أو أَطْلقَ، لم يكفر، وإن أراد سؤالَ بقائه على الكفر، أو الرضا ببقائه عليه، كَفَر. ثم قال: فتدبَّر ذلك حقَّ التدبُّرِ فإنَّه تفصيلٌ متجهٌ قضَتْ به كلماتُهم. اهـ. وكلَعْنِ الكافر الحيِّ المعيَّن بالشخصِ في الحرمة لَعْنُ الفاسق كذلك، وقال السِّراج البلقينيُّ بجواز (١) لعن العاصي المعيَّنِ، واحتجَّ على ذلك بحديث الصحيحين: ((إذا دعا الرجلُ امرأتَه إلى فراشِه فأبَتْ أن تَجيء، فبات غضبان، لَعَنَّتْها الملائكةُ حتَّى تُصْبِحَ))(٢) وهو ظاهرٌ فيما يدّعيه. وقولُ ولده الجلالِ البلقينيِّ في بحثه معه: يحتمل أن يكون لعنُ الملائكة لها ليس بالخصوص بل بالعموم، بأن يقولوا: لعن الله مَن دعاها زوجُها إلى فراشه فأبت فبات غضبان = بعيدٌ جدّاً. وممَّا يؤيِّد قولَ السِّراج خبرُ مسلم: أنه وَِّ مرَّ بحمارٍ وُسم في وجهه فقال: (لَعَن الله مَن فَعَلَ هذا))(٣) وهو أبعدُ عن الاحتمال الذي ذكره ولدُه. وقد صحَّ أنه ◌ِّهِ لعن قبائلَ من العرب بأعيانهم، فقال: ((اللهمَّ الْعَنْ رِعْلاً وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ، عَصَوا الله تعالى ورسوله))(٤)، وفيه نوعُ تأييدٍ لذلك أيضاً؛ لكن قيل: إنه يجوز أن يكون قد عَلِمَ عليه الصلاة والسلام موتَهم، أو موتَ أكثرهم على الكفر، فلم يَلْعَنْ بَّهِ إلا مَن عَلِمَ موته عليه. ولا يخفى عليك الأحوطُ في هذا الباب، فقد صحَّ: ((مَن لَعَنَ شيئاً ليس له بأهلِ رَجَعَتِ اللعنةُ عليه))(٥). وأرى الدعاءَ للعاصي المعيَّنِ بالصلاح أحبَّ مِن لَغْنِهِ (١) في الأصل: يجوز. (٢) صحيح البخاري (٣٢٣٧)، وصحيح مسلم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة حظ ه، وسلف عند تفسير الآية (٦٠) من سورة الإسراء. (٣) صحيح مسلم (٢١١٧) من حديث جابر ◌َُه، وسلف مع قول السراج وولده عند تفسير الآية (٦٠) من سورة الإسراء. وذكر قولهما ابن حجر الهيتمي في الزواجر ٥٦/٢. (٤) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﴿ه، وأخرجه مسلم (٢٥١٧) من حديث خفاف بن إيماء ظه، وسلف عند تفسير الآية (٦٠) من سورة الإسراء. (٥) أخرجه أبو داود (٤٩٠٨)، والترمذي (١٩٧٨) من حديث ابن عباس ؤها. قال الترمذي: حديث حسن غريب. الآية : ٢٤ ٢٨٥ سُودَةُالَّنُودِ على القول بجوازه، وأرى لَعْنَ مَن لَعنَه رسولُ اللهِ وَ لّ بالوصف أو بالشخص عبادةً، من حيث إنَّ فيه اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذا لَعْنُ مَن لَعَنَه الله تعالى على الوجه الذي لعنه سبحانه به. هذا وقولُه عز وجل: (يَوْمَ تَشْهَدُ) إلخ إمَّا مَّصلٌ بما قبله، مسوقٌ لتقرير العذاب العظيم بتعيينٍ وقتٍ حلوله، وتهويله ببيانٍ ظهورٍ جنايةِ الرَّامينَ، المستتبعةِ لعقوباتها على كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ خارِقةٍ للعادات، فـ ((يوم)) ظرفٌ لِمَا في ((لهم)) من معنى الاستقرارِ، لا لـ ((عذاب)) كما ذهب إليه الحوفيُّ، لِمَا في جواز إعمال المصدر الموصوفٍ من الخلاف. وقيل: لإخلاله بجزالةِ المعنى، وفيه نظر. وإما منقطعٌ عنه على أنه ظرفٌ لـ ((اذْكُر)) محذوفاً، أو لـ ((يوفيهم)) الآتي، كما قيل بكلِّ. واختير أنه ظرفٌ لفعلٍ مؤخّرٍ، وقد ضُرب عنه الذِّكْرُ صَفْحاً للإيذان بأنَّ العبارة لا تكادُ تحيط بتفصيل ما يقع فيه من العظائم، والكلامُ مسوقٌ لتهويل اليوم بتهويلٍ ما يحويه، كأنه قيل: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْبِنَتُهُمْ وَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ٢٤ يظهرُ من الأحوال والأهوال ما لا يحيطُ به نطاقُ المقال. على أنَّ الموصول المذكورَ عبارةٌ عن جميع أعمالهم السيئةِ وجناياتهم القبيحة، لا عن جناياتهم المعهودة فقط، ومعنى شهادةِ الجوارح المذكورة بها: أنه عزَّ وجلَّ يُنْطِقُها بقدرته فتخبرُ كلُّ جارحةٍ منها بما صَدَر عنها من أفاعيل صاحبها، لا أنَّ كلّاً منها يخبرُ بجنايتهم المعهودةِ فحَسْب. والموصولُ المحذوفُ عبارةٌ عنها وعن فنون العقوبات المترتّبةِ عليها كافةً، لا عن إحداهما خاصةً، ففيه من ضروب التهويل بالإجمال والتفصيل ما لا مزيدَ عليه. قاله شيخ الإسلام(١). ثم قال: وجَعْلُ الموصول المذكورِ عبارةً عن جنايتهم(٢) المعهودةِ، وحَمْلُ شهادةِ الجوارح على إخبار الكلِّ بها فقط، تحجيرٌ للواسع، وتهوينٌ للأمر الرَّادِعِ. والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلٍ للدلالة على استمرارهم على هاتيك (١) في تفسيره ١٦٦/٦. (٢) في تفسير أبي السعود: عن خصوص جنايتهم. سُورَةُ الَّنُوزِ ٢٨٦ الآية : ٢٤ الأعمال في الدنيا، وتجدُّدِها منهم آنّاً فآناً. وتقديمُ ((عليهم)) على الفاعل للمُسارعةِ إلى كون الشهادة ضارَّةً لهم، مع ما فيه من التشويق إلى المؤخَّر. اهـ. ولا يخلو عن حسن . وجوِّز أن تكون الشهادة بما ذكر مجازاً عن ظهور آثاره على هاتيك الأعضاء، بحيثُ يَعْلَمُ مَن يشاهدُهم ما عملوه، وذلك بكيفيةٍ يعلمها الله تعالى. واعتُرض بأنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. وأجيب بأنَّ مجوِّزَ ما ذُكر يَجْعَلُ النطقَ مجازاً عن الدلالة الواضحة، كما قيل به في قولهم: نَطَقتِ الحال، أو يقول: هذا في حالٍ، وذاك في حال، أو: كلِّ منهما في قوم. ولا يخفى أن الظاهر بقاءُ الشهادة على حقيقتها، إلَّا أنه استشكل ذلك: بأنه حينئذٍ يلزمُ التعارُضُ بين ما هنا وقولِه تعالى في سورة (يس)): ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ﴾ الآيةَ [٦٥]؛ لأنَّ الختم على الأفواه ينافي شهادةَ الأَلْسُنِ. وأجيبَ بأنَّ المراد من الختم على الأفواه منعُهم عن التكلَّم بالألسنة التي فيها، وذلك لا ينافي نطقَ الألسنة نفسِها، الذي هو المرادُ من الشهادة كما أشرنا إليه، فإنَّ الألسنة في الأول آلةٌ للفعل، وفي الثاني فاعلةٌ له، فيجتمع الختم على الأفواه وشهادةُ الألسُنِ بأن يُمنعوا عن التكلُّم بالألسنة، وتُجعل الألسنةُ نفسُها ناطقةً متكلِّمةً كما جعل سبحانه الذراعَ المسمومَ ناطقاً متكلِّماً حتى أخبر النبيَّ وَله بأنه مسموم(١). وللمعتزلة في ذلك كلامٌ. وقيل في التوفيق: يجوزُ أن يكون كلٌّ من الختم والشهادة في موطنٍ وحالٍ، (١) أخرجه أبو داود (٤٥١٠) من طريق الزهري عن جابر له، والزهري لم يسمع من جابر. وأخرجه أبو داود أيضاً (٤٥١٢) من طريق أبي سلمة مرسلاً. وأخرجه البزار (٢٤٢٣) من حديث أنس ﴿ه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٥/٨: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة، وهو ثقة وفيه ضعف. وأخرجه البزار أيضاً (٢٤٢٤)، والحاكم ١٠٩/٤ من حديث أبي سعيد الخدري مظه. وصححه الحاكم، وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات. الآية : ٢٥ ٢٨٧ سورة النورِ وأن يكون الشهادة في حقِّ الرامين والختمُ في حق الكفرة، وكأنه لما كانت هذه الآيةُ في حقِّ القاذف بلسانه، وهو مطالبٌ معه بأربعة شهداءَ، ذكر فيها خمسةٌ أيضاً، وصرِّح باللسان الذي به عملُه ليفضحَه، جزاءً له من جنس عمله؛ قاله الخَفَاجيُّ(١)، وقال: إنها نكتةٌ سريةٌ. والله تعالى أعلم بأسرارِ كتابه، فتدبر. وقرأ الأخوان والزعفرانيُّ وابن مقسم وابن سعدان: ((يشهد)» بالياء آخرٍ الحروف(٢)، ووجهُه ظاهر. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَّدٍ﴾ ظرفٌ لقوله سبحانه: ﴿يُوَّهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ والتنوينُ عوضٌ عن الجملة المضافة إليها. والتوفيةُ: إعطاءُ الشيءِ وافياً. والدِّين هنا الجزاء، ومنه: كما تدينُ تُدان. والحقُّ: الموجدُ بحسب مقتضى الحكمة، وقريبٌ منه تفسيرُه بالثابت الذي يحقُّ أن يَثْبُتَ لهم لا محالة، أي: يومَ إذ تشهدُ عليهم أعضاؤهم المذكورةُ بأعمالهم القبيحةِ يُعطيهم الله تعالى جزاءَهم المطابقَ لمقتضَى الحكمةِ وافياً تاماً. والكلامُ استئنافٌ مسوقٌ لبيان ترتيب حُكْم الشهادة عليها، متضمِّنٌّ لبيان ذلك المبهم المحذوفٍ فيما سبق على وجه الإجمال. وجوَّز أن يكون ((يومئذٍ)) بدلاً من ((يومَ تَشْهدُ)) مَن جوَّز تَعَلُّقَ ذاك بـ ((يوفِيهم)). وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿يَا: (يُؤْفِيْهِم)) مخفَّفاً(٣). وقرأ عبد الله ومجاهدٌ وأبو روق وأبو حيوة: ((الحقُّ)) بالرفع(٤) على أنه صفةٌ للاسم الجليل، ويجوزُ الفَصْلُ بالمفعول بين الموصوف وصفته. ومعنى ((الحق)) على هذه القراءة على ما قال الراغبُ(٥): الموجِدُ للشيءٍ (١) في الحاشية ٣٦٩/٦. (٢) التيسير ص١٦١، والنشر ٣٣١/٢ عن الأخوين، وهما حمزة والكسائي وقرأ بها أيضاً خلف من العشرة. (٣) البحر ٦/ ٤٤١. (٤) القراءات الشاذة ص١٠١، والمحتسب ١٠٧/٢، والبحر ٤٤١/٦، والكلام منه. (٥) في مفرداته (حقق). ١ سُودَةُ النّورِ ٢٨٨ الآية : ٢٥ بحسب ما تقتضيه الحكمةُ، وفسَّره بعضُهم بالعادل، والأكثرون على تفسيره بالواجب لذاته. وكذا في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُِينُ (٥)) و((المبينُ)) إما من أبانَ اللازم، أي: الظاهرُ حقِّيتُه، على تقدير جَعْلِه نعتاً للحق، أو: الظاهرُ أُلوهيتُه عزَّ وجلَّ على تقدير جَعْلِه خبراً ثانياً. أو من أبان المتعدِّي، أي: المُظْهِرُ للأشياء كما هي في أنفسها . وجملة ((يعلمون)) معطوفةٌ على جملة ((يوفِّيهم الله))؛ فإن كانت مقيّدةً بما قيِّدت به الأولى فالمعنى: يومَ إذ تشهدُ عليهم أعضاؤهم المذكورةُ بأعمالهم القبيحةِ يعلمون أنَّ الله .. إلخ. وإن لم تكن مقيَّدةً بذلك جاز أن يكون المعنى: ويعلمون عند مُعايَنَتِهِم الأهوالَ والخطوبَ أنَّ الله .. إلخ. والظاهرُ أنَّ للشهادة على الأول وللمعاينة على الثاني دخلاً في حصول العلم بمضمون ما في حيز ((يعلمون))، فتأمَّلْ لتعرفَ كيفيةَ الاستدلال على ذلك، فإنَّ فيه خفاءً لا سيما مع ملاحظةِ الحَضْرِ المأخوذِ من تعريف الطرفين وضميرِ الفصل. وقيل: إنَّ عِلْمَ الخَلْقِ بصفاته تعالى يوم القيامة ضروريٌّ، وإِنْ تَفاوَتُوا في ذلك من بعض الوجوه، فيعلمون ما ذُكر من غير مدخليةٍ أحد الأمرين. ولعل فائدةَ هذا العلم يأسُهم من إنقاذ أحدٍ إياهم مما هم فيه، أو انسدادُ باب الاعتراض المروِّح للقلب في الجملة عليهم، أو تبيُّنُ خطئهم في رميهم حَرَمَ رسول الله وَّه بالباطل؛ لِمَا أنَّ حقِّيته تأبى كونه عز وجل حقّاً، أي: مُوجِداً للأشياء بحسَبٍ ما تقتضيه الحكمةُ؛ لِمَا قدَّمنا من أنَّ فجور زوجات الأنبياء عليهم السلام مُخِلٌّ بحكمة البعثة، وكذا تأبى كونَه عزَّ وجلَّ حقّاً، أي: واجباً لذاته، بناءً على أن الوجوب الذاتيَّ يستتبعُ الاتِّصاف بالحكمة، بل بجميع الصفات الكاملة. وهذه الجملةُ ظاهرةٌ جدّاً في أنَّ الآية في ابن أبيِّ وأضرابِهِ من المنافقين الرامينَ حَرَمَ الرسولِ وَّر؛ لأنَّ المؤمن عالمٌ أنَّ الله تعالى هو الحقُّ المبينُ منذ كان في الدنيا، لا أنه يحدُثُ له عِلْمُ ذلك يومَ القيامة. ومَن ذهب إلى أنها في الرامين من المؤمنين، أو فيهم وفي غيرهم من المنافقين الآية : ٢٦ ٢٨٩ سورة النورِ قال: يحتمل أن يكون المراد من العلم بذلك التفاتُ الذهن وتوجُّهُه إليه، ولا يأبى ذلك كونُه حاصلاً قبلُ. وقد حَمَل السيد السند قدِّس سرُّه في حواشي ((المطالع))(١) العلمَ في قولهم في تعريف الدلالة: كون الشيء بحالةٍ يلزمُ منِ العلم به العلمُ بشيءٍ آخر = على ذلك؛ لئلا يَرِدَ أنه يلزم على الظاهر أن لا يكون للَّفْظ دلالةٌ عند التكرار لامتناع علم المعلوم. ويحتملُ أن يكون قد نزل علمُهم الحاصلُ قبلُ منزلةَ غيرِ الحاصلِ؛ لعدم ترتُبٍ ما يقتضيه من الكفّ عن الرمي عليه، ومثلُ هذا التنزيل شائٌ في الكتاب الجليل. ويحتمل أن يكون المراد: يعلمون عياناً مقتضى أنَّ الله هو الحقُّ المبين، أعني الانتقامَ من الظالم للمظلوم. ويحتمل غير ذلك، وأنت تعلم أن الكلَّ خلافُ الظاهر فتدبّر. وقولُه تعالى: ﴿اٌلْخَيْثَتُ﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ مؤسِّسٌ على السنَّةِ الجاريةِ فيما بين الخَلْقِ على موجب أنَّ للهِ تعالى مَلَكاً يسوقُ الأهلَ إلى الأهل، وقولِ القائل: إنَّ الطيور على أشباهها تقع، أي: الخبيثاتُ من النساء ﴿لِلْخَبِيِينَ﴾ من الرجال، أي: مختصَّاتٌ بهم لا يتجاوَزْنَهم إلى غيرهم، على أنَّ اللام للاختصاص ﴿ وَالْخَبِيتُونَ﴾ أيضاً ﴿لِلْخَبِيئَتِ﴾ لأنَّ المجانَسةَ من دواعي الانضمام ﴿وَالطَّيِّبَتُ﴾ منهن ﴿لِلَِّبِينَ﴾ منهم ﴿وَلَطَِّبُونَ﴾ أيضاً ﴿لِلَّيِّبَتِ﴾ منهنَّ، بحيث لا يتجاوزونهنَّ إلى مَن عَدَاهنَّ. وحيث كان رسول الله ◌َ﴿ أطيبَ الأطيبينَ، وخيرةَ الأوَّلينَ والآخِرِين، تبيَّن كونُ الصدِّيقةِ ◌َّا من أطيب الطيباتِ بالضرورة، واتَّضح بطلانُ ما قيل فيها من الخرافات حَسْبَما نطقَ به قوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَُّونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾ على أنَّ الإشارة إلى أهل البيت النبويِّ رجالاً ونساءً، ويدخلُ في ذلك الصدِّيقة ◌َّا دخولاً أوَّلِيّاً . وقيل: إلى رسول الله وَّله والصدِّيقةِ وصفوان. وقال الفرَّاء(٢): إشارة إلى (١) مطالع الأنوار في المنطق للقاضي سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، والسيد السند هو علي بن محمد الجرجاني. كشف الظنون ٢/ ١٧١٥ . (٢) في معاني القرآن ٢٤٩/٢. سُورَةُ الَّنُوزِ ٢٩٠ الآية : ٢٦ الصدِّيقة وصفوان، والجمعُ يُظْلَقُ على ما زاد على الواحد. وفي الآية على جميع الأقوال تغليبٌ. أي: أولئك منزَّهون ممَّا يقولُهُ أهلُ الإفك في حقّهم من الأكاذيب الباطلة. وجَعْلُ الموصوفِ للصفات المذكورة النساءَ والرجالَ حَسْبَما سمعتَ رواه الطبرانيُّ عن ابن عباس ضِمْنَ خبرٍ طويل(١). ورواه الإماميةُ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﴿ًّا. واختاره أبو مسلم والجبائيُّ وجماعةٌ، وهو الأظهرُ عندي. وجاء في روايةٍ أخرى عن ابن عباسٍ أخرجها الطبرانيُّ أيضاً وابن مردويه وغيرُهما: أنَّ ((الخبيئات)) و((الطيبات)) صفتان للكَلِم، و((الخبيثون)) و((الطيبون)) صفتان للخبيثين من الناس(٢)، وروي ذلك عن الضحاك والحسن. و((الخبيثون)) عليه شاملٌ للرجال والنساء على سبيل التغليب، وكذا ((الطيبون))، و((أولئك)) إشارةٌ إلى الطيبين، وضمير ((يقولون)) للخبيثين، وقيل للآفكين، أي: الخبيثاتُ من الكلم للخبيثين من الرجال والنساء، أي: مختصَّةٌ ولائقةٌ بهم لا ينبغي أن تقال في حقِّ غيرهم، وكذا الخبيثون من الفريقين أحقّاءُ بأن يقال في حقِّهم خبائتُ الكَلِم، والطيباتُ من الكلم للطيبين من الفريقين مختصَّة وحقيقة بهم، وهم أحقّاء بأن يقال في شأنهم طيباتُ الكَلِم، أولئك الطيبون مبرؤون عن الاتِّصاف ممَّا يقول الخبيثون - وقيل: الآفكون - في حقِّهم، فمآله تنزيهُ الصدِّيقَةِ ﴿ّا أيضاً. وقيل: المراد: الخبيئاتُ من القول مختصَّةٌ بالخبيثين من فريقي الرجال والنساء لا تَصْدُرُ عن غيرهم، والخبيثون من الفريقين مختصُّون بالخبيئات من القول متعرِّضون لها، والطيباتُ من القول للطيبين من الفريقين، أي: مختصَّةٌ بهم لا تَصْدُر عن غيرهم، والطيبون من الفريقين مختصُّون بالطيبات من القول لا يَصْدُرُ عنهم غيرها، أولئك الطيبون مبرَّؤون ممَّا يقول الخبيثون، أي: لا يَصْدُرُ عنهم مثلُ ذلك. وروي ذلك عن مجاهدٍ، والكلامُ عليه على حذف مضافٍ إلى ((ما)). ومالُه الحظّ على الآفكين وتنزيهُ القائلين: سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. (١) المعجم الكبير ٢٣/ (١٦٨) و(٢٣٨). (٢) المعجم الكبير ٢٣/ (٢٤٨) و(٢٤٩) و(٢٥٠)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٣٦/٥. الآية : ٢٦ ٢٩١ سُورَةُ النّورِ ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ لِمَا لا يخلو البشرُ عنه من الذنب، وحسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنةُ كما قاله أكثر المفسرين، ويشهد له قولُه تعالى في سورة ((الأحزاب)) في أمَّهات المؤمنين: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَمَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ الآية [٣١] فإنَّ المراد به ثَمَّةَ الجنةُ بقرينةِ ((أعتدنا))، والقرآن يفسِّر بعضُه بعضاً. وفي هذه الآيات من الدلالة على فضل الصدِّيقةِ ما فيها، ولو قَلَبْتَ القرآنَ كلَّه، وفتَّشْتَ عما أوعدَ به العصاة، لم تَرَ الله عزَّ وجل قد غلَّظ في شيءٍ تغليظَه في الإفك، وهو دالٌّ على فضلها أيضاً. وكانت ◌ّا تتحدَّث بنعمة الله تعالى عليها بنزول ذلك في شأنها . فقد أخرج ابن أبي شيبة(١) عنها أنها قالت: خِلالٌ فيَّ لم تكن في أحدٍ من الناس إلَّا ما آتَى اللهُ تعالى مريمَ ابنةَ عمران، واللهِ ما أقول هذا أني أفتخر على صواحباتي. قيل: وما هنَّ؟ قالت: نزل الملكُ بصورتي، وتزوَّجني رسول الله وَلـ لسبع سنينَ، وأهديتُ له لتسع سنين، وتزوَّجني بكراً لم يَشْرَكه فيَّ أحدٌ من الناس، وأتاه الوحيُّ وأنا وإياه في لحافٍ واحد، وكنتُ مِن أحبُّ الناس إليه، ونزل فيَّ آياتٌ من القرآن كادت الأمَّةُ تهلك فيهنَّ، ورأيتُ جبريل عليه السلام ولم يَرَهُ أحدٌ من نسائه غيري، وقُبِضَ في بيتي لم يَلِهِ أحدٌ غير الملكِ وأنا. وأخرج ابن مردويه(٢) عنها أنها قالت: لقد نزل عُذْري من السماء، ولقد خُلقتُ(٣) طيبةً عند طيبٍ، ولقد وُعِدْتُ مغفرةً وأجراً عظيماً. وفي قوله سبحانه: (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) بناءً على شموله عائشةَ قُْها ردٌّ على الرافضة القائلين بكفرها وموتِها على ذلك - وحاشاها - لقصةٍ وقعة الجمل، مع أشياءَ افتَرَوْها ونَسَبوها إليها . (١) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٩/١٢، وأخرجه أيضاً الحاكم ٤/ ١٠ وصححه. (٢) كما في الدر المنثور ٣٧/٥. (٣) جاء في حاشية (م): بالقاف، ويروى بالفاء وتشديد اللام، أي: تُركت عند رسول الله وَل بعد وفاته طيبة. اهـ منه. الآية : ٢٦ ٢٩٢ سُودَةُ النّورِ وممَّا يردُّ زَعْمَهم(١) ذلك أيضاً قولُ عمار بنٍ ياسر في خطبته حين بعثه الأميرُ كرَّم الله تعالى وجهه مع الحسن ظُه يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة: إنِّي لأَعْلَمُ أنها زوجةُ نبيِّكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله تعالى ابتلاكم لَيَعْلَم أتُطيعونه أم تُطيعونها . وممَّا يقضي منه العجب ما رأيتُه في بعض كتب الشيعة من أنها خرجتْ من أمَّهات المؤمنين بعد تلك الوقعة؛ لأنَّ النبيَّ وَِّ قال للأمير كرَّم الله تعالى وجهه: قد أَذِنْتُ لك أن تُخْرِجَ بعد وفاتي من الزوجية مَن شئتَ من أزواجي، فأخرجها كرَّم الله تعالى وجهه من ذلك لمَّا صَدَرَ منها معه ما صدر. ولعَمْري إنَّ هذا مما يكاد يُضْحِكُ الثَّكْلَى، وفي حُسْنٍ معاملة الأمير كرم الله تعالى وجهه إياها هَؤًُّا بعد استيلائه على العسكر الذي صَحِبَها، الثابتِ عند الفريقين، ما يكذِّبُ ذلك. ونحن لا نشكُّ في فَضْلِها ◌َّا؛ لهذه الآيات، ولِمَا جاء في مَدْحِها عن رسول الله وَّه، ولو لم يكن من ذلك سوى ما أخرجه ابن أبي شيبةً وأحمدُ والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه عن أنس ◌َظُه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((إنَّ فَضْلَ عائشةَ على النساءِ كفَضْلِ الثريدِ على الطعام))(٢). لكنِّ مع هذا لا أقولُ بأنها أفضلُ من بضعته ◌ِنَّهِ الكريمةِ فاطمةَ الزهراء ◌َّا، والوجهُ لا يخفى. وفي هذا المقام أبحاثٌ تُطْلَبُ من محلِّها . ثم إن الذي أراه أنَّ إنزال هذه الآياتِ في أمرها لمزيد الاعتناءِ بشأن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولجَبْرٍ قَلْبٍ صاحبه الصدِّيق ◌ِظ ◌ُله، وكذا قلب زوجته أم رومان، فقد اعتراهما من ذلك الإفكِ ما الله تعالى أعلمُ به، ولمزيدِ انقطاع عائشةَ ﴿ّا إليه عزَّ وجلَّ، مع فَضْلِها وطهارتها في نفسها. وقد جاء في خبرٍ غريبٍ ذكره ابن النجار(٣) في ((تاريخ بغدادَ)) بسنده عن أنس بن مالك ظُه قال: كنتُ (١) في (م): زعم. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٣١/٢، ومسند أحمد (١٢٥٩٧)، وصحيح البخاري (٣٧٧٠)، وصحيح مسلم (٢٤٤٦)، وسنن الترمذي (٣٨٨٧)، وسنن النسائي الكبرى (٦٦٥٨)، وسنن ابن ماجه (٣٢٨١). (٣) جاء في حاشية (م): ونقله السيوطي في الدر المنثور. اهـ منه. وهو فيه ٣٧/٥-٣٨. الآية : ٢٧ ٢٩٣ سُورَةُ الَّنُوزِ جالساً عند أمِّ المؤمنين عائشةَ ﴿َّا لأقرَّ عينَها بالبراءة، وهي تبكي، فقالت: هَجَرني القريبُ والبعيدُ، حتى هجرتني الهرة، وما عُرِضَ عليَّ طعامٌ ولا شراب، فكنتُ أرقد وأنا جائعةٌ ظامئةٌ، فرأيتُ في منامي فتّى فقال لي: ما لَكِ؟ فقلتُ: حزينةٌ مما ذَكَرَ الناس. فقال: ادعي بهذه الدعوات يفرِّجِ الله تعالى عنك. فقلتُ: وما هي؟ فقال: قولي: يا سابغَ النِّعَم، ويا دافِع النِّقَم، ويَا فارِجَ الغمم، ويا كاشف الظُّلَم، يا أَعْدَلَ مَن حَكَم، يا حسيبَ مَن ظَلَم، يا وليَّ مَن ◌ُلِم، يا أولُ بلا بدايةٍ، ويا آخِرُ بلا نهايةٍ، يا مَن له اسمٌ بلا كُنية، اللهمَّ اجْعَلْ لي من أمري فرجاً ومخرجاً. قالت: فانتبهتُ وأنا ريَّانةٌ شبعانةٌ وقد أنزل الله تعالى فَرَجي. ويسمَّى هذا الدعاءُ دعاءً الفَرَج، فليُحْفَظْ وليُسْتَعْمَلْ. ثم إنه عزَّ وجلَّ إثْرَ ما فَصَّلَ الزَّواجِرَ عن الزنى وعن رمي العفائف عنه، شَرَعَ في تفصيل الزَّواجر عمَّا عسى يؤدِّي إلى أحدهما، من مخالطة الرجال بالنساء، ودخولِهم عليهنَّ في أوقات الخلوات، وتعليم الآداب الجميلة، والأفاعيلِ المُرْضِيةِ المُسْتَتْبِعةِ لسعادة الدارين: فقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُتًا غَيْرَ بُتِكُمْ﴾ إلخ. وسببُ النزول على ما أخرج الفريابيُّ وغيرُه من طريق عديّ بن ثابت عن رجلٍ من الأنصار أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله، إنِّي أكون في بيتي على الحالة التي لا أحبُّ أن يراني عليها أحدٌ، لا ولدٌ ولا والدٌ، فيأتيني آتٍّ فيدخلُ عليَّ، فكيف أصنع؟ فنزلت: (يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) إلخ(١). وإضافةُ البيوت إلى ضمير المخاطَبين لاميَّةٌ اختصاصية، والمرادُ عند بعضٍ الاختصاصُ الملْكيُّ، ووصفُ البيوت بمغايرةٍ بيوتهم بهذا المعنى خارجٌ مخرجَ العادة التي هي سُكْنَى كلِّ أحدٍ في ملكه، وإلَّا فالآخِرُ والمُعيرُ أيضاً منهيَّان عن الدخول بغيرِ إذن. وقال بعضهم: المراد اختصاصُ السُّكنى، أي: غيرَ بيوتكم التي تسكنونها؛ (١) الدر المنثور ٣٨/٥، وأخرجه الطبري ٢٤٢/١٧ من طريق عدي بن ثابت أيضاً، وليس فيه: عن رجل من الأنصار. سُورَةُ الَّنُوزِ ٢٩٤ الآية : ٢٧ لأنَّ كون الآجر والمعيرِ منهيَّينِ كغيرهما عن الدخول بغير إذنٍ دليلٌ على عدم إرادة الاختصاص الملكيّ، فيحمل ذلك على الاختصاص المذكور، فلا حاجةً إلى القول بأنَّ ذاك خارجٌ مخرجَ العادة. وقرئ: ((بيوتاً غير بيوتكم)) بكسر الباء (١) لأجل الياء. ﴿حََّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ أي: تستأذنوا من يملكُ الإذنَ من أصحابها، وتفسيرُه بذلك أخرجه ابن أبي حاتم وابنُ الانباريِّ في ((المصاحف)) وابنُ جرير وابن مردويه عن (٢) ابن عباس ويخالفه ما روى الحاكم وصحَّحه، والضياء في ((المختارة))، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وناسٌ آخرون عنه، أنه قال في ((حتى تستأنسوا)): أخطأ الكاتب، وإنما هي: حتى تستأذنوا(٣). لكنْ قال أبو حيَّان: مَن رَوَى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعنٌ في الإسلام، مُلْحِدٌ في الدين، وابنُ عباس بريءٌ من ذلك القول(٤). انتهى. وأنت تعلم أنَّ تصحيح الحاكم لا يعوَّلُ عليه عند أئمة الحديث، لكنْ للخبرِ المذكور طرقٌ كثيرةٌ، وكتابُ ((الأحاديث المختارة)) للضياء كتابٌ معتبر، فقد قال السخاويُّ في ((فتح المغيث)) في تقسيم أهل المسانيد: ومنهم مَن يقتصر على الصالح للحجَّة كالضياء في ((مختارته))(٥). والسيوطيُّ بعدما عدَّ في ديباجةِ ((جَمْعِ الجوامع)) الكتبَ الخمسة وهي: ((صحيح البخاريِ))، و((صحيح مسلم))، و((صحيح ابن حبَّان))، و((المستدرك))، و((المختارة)) للضياء، قال: وجميعُ ما في هذه الكتب الخمسة صحيحٌ. (١) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وحمزة والكسائي وشعبة وقالون وخلف. التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٦/٢. (٢) تفسير الطبري ٢٤١/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٦٦/٨ (١٤٣٤٤)، وعزاه لابن مردويه وابن الأنباري السيوطي في الدر المنثور ٣٨/٥. (٣) المستدرك ٣٩٦/٢، والأحاديث المختارة ٩٠/١٠، والشعب (٨٨٠١). وأخرجه أيضاً الطبري ٢٣٩/١٧ - ٢٤٠. (٤) البحر ٦/ ٤٤٥ . (٥) فتح المغيث ٣٨٦/٢. الآية : ٢٧ ٢٩٥ سوداالنورِ ونقل الحافظ ابن رجب في ((طبقات الحنابلة)) عن بعض الأئمة أنه قال: كتابُ ((المختارة) خيرٌ من ((صحيح الحاكم))(١). فوجود هذا الخبر هناك مع ما ذُكر من تعدُّد طرقه يُبْعِدُ ما قاله أبو حيان(٢) . وابنُ الأنباريِّ أجاب عن هذا الخبر ونحوِه من الأخبار الطاعنة بحسب الظاهر في تواتُرِ القرآن المرويَّةِ عن ابن عباس ﴿ًّا - وسيأتي في تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى بعضُها أيضاً - بأنَّ الروايات ضعيفةٌ ومعارضةٌ برواياتٍ أُخَرَ عن ابن عباسٍ أيضاً وغيره. وهذا دون طَعْنٍ أبي حيان. وأجاب ابن أَشْتَة عن جميع ذلك: بأنَّ المراد الخطأُ في الاختيار، وتركُ ما هو الأَوْلَى بحَسَبٍ ظنِّه ◌َلُه لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة، لا أنَّ الذي كُتب خطأ خارجٌ عن القرآن. واختار الجلال السيوطيُّ هذا الجواب وقال: هو أَوْلَى وأقعدُ من جواب ابن الأنباريِّ. ولا يخفى عليك أنَّ حَمْلَ كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بُعْدٍ؛ لما أنَّ ما ذُكر خلافُ ظاهرٍ كلامه. وأيضاً ظنُّ ابنِ عباس أولويةَ ما أجمع سائرُ الصحابة ﴿ على خلافه مما سمع من رسول الله بَّه في العَرْضَةِ الأخيرة بعيدٌ. وكأنهم رأوا أنَّ التزام ذلك أهونُ من إنكار ثبوتِ الخبر عن ابن عباس مع (١) طبقات الحنابلة لابن رجب ٢٣٩/٢. (٢) كذا قال، وليس أبو حيان وحده هو الذي ردّه، فقد قال النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٤٥/٢-٥٤٦: وأما ماروي عن ابن عباس - وبعض الناس يقول: عن سعيد بن جبير - أنه قال: أخطأ الكاتب ... ، فعظيمٌ محظورٌ القولُ به؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يَأْيِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةٍ﴾. اهـ. وقال ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ١٣٤٧: وليس فيه خطأ من كاتب، ولا يجوز أن ينسب الخطأ إلى كتاب تولى الله حفظه وأجمعت الأمة على صحته، فلا يلتفت إلى راوي ذلك عن ابن عباس. اهـ. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٦/٤: مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها ((تستأنسوا))، وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان ظه، فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة بـ ((تستأذنوا)) ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس. اهـ. وقال القرطبي ١٨٩/١٥: وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره. سورة النورِ ٢٩٦ الآية : ٢٧ تعدُّد طرقه، وإخراج الضياء إياه في ((مختارته)). ويشجِّع على هذا الإنكارِ اعتقادُ جلالةِ ابن عباس ﴿ًا، وثبوتُ الإجماع على تواتُرِ خلافٍ ما يقتضيه ظاهرُ كلامه، فتأمل. واستعمالُ الاستئناسِ بمعنى الاستئذان بناءً على أنه استفعالٌ مِن آنَسَ الشيءَ بالمدِّ: عَلِمَه أو أَبْصَرِهِ، وإبصارُه طريقٌ إلى العلم، فالاستئناسُ استعلامٌ، والمستأذِنُ طالبٌ العلمَ بالحال، مستكشفٌ أنه هل يرادُ دخولُه أوْ لا؟ وقيل: الاستئناسُ خلافُ الاستيحاش، فهو من الأنْس بالضمِّ خلاف الوحشة. والمراد به المأذونيةُ، فكأنه قيل: حتى يؤذَنَ لكم، فإنَّ مَن يطرقُ بيتَ غيرِه لا يدري أيؤذَنُ له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أُذن له استأنَسَ، وهو في ذلك کنایةٌ أو مجاز. وقيل: الاستئناسُ من الإِنْس بالكسر بمعنى الناس، أي: حتى تطلبوا معرفةً مَن في البيوت من الإنس. وضُعِّفَ بأنَّ فيه اشتقاقاً من جامدٍ، كما قيل(١) في المسرج(٢) أنه مشتقٌّ من السِّراج، وبأنَّ معرفةَ مَن في البيت لا تكفي بدون الإذن، فيوهمُ جوازَ الدخول بلا إذنٍ. ومن الناس مَن رَجَّحه بمناسبته لقوله تعالى: (فَإِن لَّْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا) ولا يكافئُ التضعيفَ بما سمعتَ. وذهب الطبريُّ إلى أنَّ المعنى: حتى تُؤْنِسوا أهل البيت من أنفُسِكم بالاستئذان ونحوِه، وتُؤْنِسوا أنفسَكم بأن تَعْلَموا أنْ قد شُعر بكم(٣). ولا يخفى ما فيه. وقيل: المعنى: حتى تطلبوا عِلْمَ أهلِ البيت بكم(٤)، والمراد: حتى تُعْلِموهم على أتمٍّ وجه. ويُرشد إلى ذلك ما روي عن أبي أيوب الأنصاريِّ أنه قال: قلنا : يا رسول الله ما الاستئناسُ؟ فقال: ((يتكلّم الرجلُ بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة، يتنحنُ، يُؤْذِنُ أهلَ البيت)»(٥) . (١) قوله: قيل، ساقط من (م). (٢) في حاشية الشهاب ٦/ ٣٧٠ (والكلام منه): السرج، بدل: المسرج. (٣) تفسير الطبري ١٧/ ٢٤٦ بنحوه. (٤) قوله: بكم، ليس في (م). (٥) أخرجه ابن ماجه (٣٧٠٧)، وضغَّف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ١١٠. الآية : ٢٧ ٢٩٧ سُورَةُ النُّدِ وما أخرجه ابن المنذر(١) وجماعةٌ عن مجاهد أنه قال: ((تستأنسوا)): تَنَحْنَحوا وتَنَخَّموا . وقيل: المراد: حتى تُؤْنِسوا أهل البيت بإعلامهم بالتسبيح أو نحوه. والخبران المذكوران لا يَأبَيانِه، وكلا القولين كما ترى. وفي دلالة ما ذُكر من تفسير الاستئناس في الخبر على ما سيق(٢) له بحثٌ سنشيرُ إليه إن شاء الله تعالى. ﴿وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ أي: الساكنين فيها. وظاهرُ الآية أنَّ الاستئذان قبل التسلیم، وبه قال بعضُهم. وقال النوويُّ: الصحيحُ المختار تقديمُ التسليم على الاستئذان(٣). فقد أخرج الترمذيُّ عن جابر بن عبد الله رَ﴿به قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((السلامُ قبل الكلام)»(٤). وابنُ أبي شيبةَ والبخاريُّ في ((الأدب المفرد)) عن أبي هريرة فيمَن يستأذنُ قبل أن يسلِّم، قال: لا يؤذَنُ له حتى يسلِّم(٥). وأخرج ابن أبي شيبة وابن وهب في كتاب ((المجالس)) عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر ◌ًِّا، فجئتُه فقلتُ: أَأَلِجُ؟ فقال: ادخُل. فلمَّا دخلتُ قال: مرحباً، يا ابن أخي لا تَقُلْ: أَأَِّجُ، ولكن قل: السلامُ عليكم، فإذا قيل: وعليك، فقل: أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخُلْ، فادْخُلْ(٦). وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في ((التمهيد)) عن ابن عباس قال: استَأُذَنَ عمر رضيُه على النبيِّ وَّرَ، فقال: السلامُ على رسول الله، السلامُ عليكم، أيدخُلُ عمر (٧)م (١) كما في الدر المنثور ٣٨/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٤٣/١٧. (٢) في (م): سبق. (٣) شرح صحيح مسلم للنووي ١٤/ ١٣١. (٤) سنن الترمذي (٢٧٩٩). قال الترمذي: هذا حديث منكر. وقال النووي في الأذكار ص٣١٦: السنَّة أن المسلم يبدأ بالسلام قبل كل الكلام، والأحاديث الصحيحة وعملُ سَلَفٍ الأمة وخَلَفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في دليل الفصل، وأما حديث جابر: ((السلام قبل الكلام» فهو حديث ضعيف. (٥) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٦٤٦، والأدب المفرد (١٠٦٦). (٦) مصنف ابن أبي شيبة ٦٠٨/٨، وعزاه لابن وهب السيوطي في الدر المنثور ٣٨/٥. (٧) التمهيد ٢٠٢/٣، وعزاه لقاسم ابن أصبغ السيوطي في الدر ٣٨/٥، وأخرجه أيضاً أحمد = سُودَةُ الَّنودِ ٢٩٨ الآية : ٢٧ واختار الماورديُّ التفصيلَ، وهو أنه إنْ وقعتْ عينُ المستأذِن على مَن في البيت قبل دخوله قدَّمَ السلام، وإلا قدَّم الاستئذانَ(١). والظاهرُ أنَّ الاستئذان بما يدلُّ على طلب الإذن صريحاً، والمأثورُ المشهورُ في ذلك: أأدخُلُ؟ كما سمعْتَ. وجوِّز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقاً، وجعلوا منه التسبيحَ والتكبيرَ ونحوَهما ممَّا يحصُلُ به إيذانُ أهلِ البيت بالجائي، فإنَّ في إيذانهم دلالةٌ مّا على طلب الإذن منهم، وحملوا ما تقدَّم من حديث أبي أيوب وكلامِ مجاهدٍ على ذلك. وهو على ما روي عن عطاءٍ واجبٌ على كلِّ محتلم، ويكفي فيه المرةُ الواحدةُ، على ما يقتضيه ظاهرُ الآية، وأخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال: كان يقال: الاستئذانُ ثلاثاً، فَمَنْ لم يُؤْذَنْ له فيهنَّ فليَرْجِعْ، أمَّا الأولى فيسمعُ الحيّ، وأما الثانية فيأخذوا حِذْرَهم، وأما الثالثة فإن شاؤوا أَذِنوا وإن شاؤوا رَدُّوا(٢). وفي الأمر بالرجوع بعد الثلاث حديثٌ مرفوعٌ أخرجه مالكٌ والبخاريُّ ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدريِّ (٣). وذكر أبو حيان أنه لا يزيدُ على الثلاث إلَّ إنْ تحقَّقَ أنَّ مَن في البيت لم (٤) يسمع(٤). وظاهرُ الآية مشروعيةُ الاستئذان إذا أريد الدخولُ على المحارم، وقد أخرج مالكٌ في ((الموطأ)) عن عطاء بن يسار، أنَّ رجلا قال للنبيِّ وَّرَ: أأستأذنُ على أمِّي؟ قال: ((نعم)). قال: ليس لها خادٌ غيري، أأستأذنُ عليها كلَّما دخلتُ؟ قال: ((أَتُحِبُّ أن تراها عريانة؟)) قال الرجل: لا. قال: ((فاستأذن عليها))(٥). = (٢٧٥٦)، وأبو داود (٥٢٠١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٨٠). (١) النكت والعيون ٤/ ٨٧. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٦٦/٨، والشعب (٨٨٢٠). (٣) الموطأ ٩٦٣/٢، وصحيح البخاري (٦٢٤٥)، وصحيح مسلم (٢١٥٣)، وسنن أبي داود (٥١٨٠)، وهو عند أحمد (١١٠٢٩). (٤) البحر ٦ / ٤٤٦ . (٥) الموطأ ٩٦٣/٢، وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (٤٨٨). قال ابن عبد البر في التمهيد الآية : ٢٧ ٢٩٩ سُوَّةُ الَّنُوزِ وأخرج ابن جرير والبيهقيُّ عن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على أمَّهاتكم وأخواتكم(١). وهو أيضاً على ما تقتضيه بعضُ الآثار مشروعٌ للنساء إذا أَرْنَ دخول بيوتٍ غيرِ بيوتهنَّ، فقد أخرج ابن أبي حاتم(٢) عن أمِّ إياس قالت: كنتُ في أربع نسوةٍ نستأذنٌ على عائشةَ ﴿ًُّا، فقلت: نَدْخُل؟ فقالت: لا. فقالت واحدة (٣): السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: (يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُنَا غَيَّرَ ◌ُتِكُمْ) إلخ. وإذا صحَّ ذلك ففي الآية نوعُ تغليبٍ. ووجهُ مشروعيةِ الاستئذان لهنَّ نحوُ وجهِ مشروعيته للرجال، فإنَّ أهل البيت قد يكونون على حالٍ لا يحبُّون اطّلاعَ النساء عليه كما لا يحبُّون اطّلاعَ الرجال. وصحَّ من حديثٍ أخرجه الشيخان وغيرُهما: ((إنما جُعِلَ الاستئذان من أجل النظر)»(٤). ومن هنا لا ينبغي النظرُ في قَعْرِ البيت قبل الاستئذان، وقد أخرج الطبرانيُّ عن أبي أمامةَ رَُّه، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((مَن كان يشهدُ أنّ رسولُ الله فلا يَدْخُلْ على أهلٍ بيتٍ حتى يستأذنَ ويسلِّم، فإذا نظر في فَعْرِ البيت فقد دخل))(٥). وکان رسول الله ◌َلاتر - كما أخرج أبو داود والبخاريُّ في ((الأدب المفرد)» عن عبد الله بن بُسْرٍ - إذا أتى بابَ قومٍ لم يستقبل البابَ من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه = ٢٢٩/١٦: وهذا الحديث لا أعلم يستند من وجه صحيح بهذا اللفظ، وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه. (١) تفسير الطبري ٢٤٢/١٧، وسنن البيهقي ٧ / ٩٧. (٢) في تفسيره ٢٥٦٩/٨، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣٨/٥، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وعزاه لابن أبي حاتم أيضاً. (٣) في الأصل و(م): فقال واحد، والمثبت من الدر المنثور، وجاء في تفسير ابن أبي حاتم بدلاً منها: فقلت لصاحبتكن: نستأذن، فقالت. وفي تفسير ابن كثير: قلن لصاحبتكن تستأذن، فقالت. (٤) صحيح البخاري (٦٩٠١)، وصحيح مسلم (٢١٥٦)، وهو من حديث سهل بن سعد وأخرجه أحمد (٢٢٨٠٢). (٥) المعجم الكبير (٧٥٠٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٣/٨: رواه الطبراني، وفيه: السفر بن نسير وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وعبد الله بن رجاء الشيباني لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. سُورَةُالَّنودِ ٣٠٠ الآية : ٢٧ الأيمنِ أو الأيسر، ويقول: ((السلام عليكم))(١). وذلك أنَّ الدُّورَ لم يكن عليها يومئذٍ ستورٌ، فاستقبالُ الباب ربما يفضي إلى النظر. وظاهرُ الآية أيضاً مشروعية الاستئذان للأعمى؛ لدخوله في عموم الموصول، ووجهُها كراهةُ اطِّلاعه بواسطة السمع على ما لا يحبُّ أهلُ البيتِ اطّلاعَه عليه من الکلام مثلاً . وفي ((الكشاف)): إنما شُرِعَ الاستئذانُ لئلا يوقَفَ على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفّظون من اطّلاع أحدٍ عليها، ولم يُشْرَعْ لئلّا يطَّلع الدامرُ(٢) على عورةٍ أحدٍ، ولا تسبقَ عينُه إلى ما لا يحلُّ النظر إليه فقط (٣). وهو تعليلٌ حسنٌ إلا أنه يحتاجُ القولُ بذلك إلى القول بأنَّ قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما جُعِلَ الاستئذانُ من أجل النظر)) خارجٌ مخرجَ الغالب، وجيءَ بـ ((إنما)) لمزيدِ الاعتناءِ لا للحصر، وقد صرَّحوا بمجيءٍ ((إنما)) لذلك فلا تغفل. ثم اعلم أنَّ الاستئذانَ والتسليمَ متغايران، لكنَّ ظاهر بعض الأخبار يقتضي أنَّ الاستئذان داخلٌ في التسليم، كما أنَّ بعضها يقتضي مغايرتَه له وعدمَ دخوله فيه، ووجهُ جَعْلِه من التسليم أنه بدونه كالعدم؛ لما أنَّ السنَّة فيه أن يُقْرَنَ بالتسليم. هذا، وفي مصحف عبد الله كما أَخْرجَ ابنُ جَريرٍ وغيرُه عن إبراهيم: ((حتى تسلِّموا على أهلها وتستأذنوا))(٤). ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ - على ما قيل - إلى الدخول بالاستئذان والتسليم، المفهوم من الكلام. وقيل: إشارةٌ إلى المذكور في ضِمْنِ الفعلين المُغيًّا بهما، أي: الاستئذانُ والتسليم ﴿غَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من الدخول بغتةً، والدخولِ على تحية الجاهلية، فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتاً غيرَ بيته يقول: حُيِّيتُم صباحاً، حُيِّيتم مساء، (١) سنن أبي داود (٥١٨٦)، والأدب المفرد (١٠٧٨). وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٦٩٤). (٢) الدامر: الطفيلي، ومعنى دَمَر: دخل بغير إذن. معجم متن اللغة (دمر). (٣) الكشاف ٥٩/٣. (٤) تفسير الطبري ١٧/ ٢٤١ .