النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ٩
٢٤١
سُوَرَّةُ الَّنُوزِ
فَسَقا، أو ارتدًّا، وهذا بخلافِ ما إذا ماتا أو غابا بعد ما عُدِّلا؛ فإنه حينئذٍ لا يُقْضَى
باللعان.
فإن امتنع حَبَسه الحاكم حتى تَبِينَ منه بطلاقٍ أو غيره، أو يلاعنَ، أو يكذِّبَ
نفسه فيُحَدَّ. وعند الشافعيِّ إن امتنع حُدَّ حَدَّ القذف، وكذا إذا لا عَنَ فامتنعت تُحدُّ
عنده حَدَّ الزنى، وعندنا تُحْبَسُ حتى تلاعِنَ أو تصدِّقه، فیرتفع سببُ وجوب
لعانهما، وهو التكاذبُ على ما قيل، والأوجهُ كونُ السبب القَذْفَ، والتكاذُب
شَرْطه .
وكما لا لعانَ مع التصديق إذا كان بلفظ: صدَقْتَ، لا حدَّ عليها ولو أعادتْ
ذلك أربعَ مرَّاتٍ في مجالس متفرِّقةٍ، لأنَّ التصديق المذكورَ ليس بإقرارٍ قصداً
وبالذات، فلا يُعتبر في وجوب الحدِّ بل في دَرْئِهِ، فيندفع به اللِّعان ولا يجبُ به
الحدُّ، وكذا يندفع بذلك - كما في «كافي)) الحاكم - الحدُّ عن قاذفها بعدُ.
ولو صدَّقَتْه في نفي الولد فلا حدَّ ولا لعانَ أيضاً، وهو ولدُهما؛ لأنَّ النسب
إنما ينقطع بحكم اللعان ولم يوجد، وهو حقُّ الولد، فلا يصدَّقان في إبطاله،
وما في شرحي ((الوقاية)) و((النقاية)) من أنها إذا صدَّقته ينتفي، غيرُ صحيحٍ كما نبَّه
عليه في شرح ((الدُّرر والغرر))(١).
ووجهُ قول الشافعيِّ بالحدِّ عند الامتناع: أنَّ الواجب بالقذف مطلقاً الحدُّ؛
لعموم قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ) إلخ، إلا أنه يتمكّن من دفعه فيما إذا
كانت المقذوفةُ زوجةً باللعان تخفيفاً عليه، فإذا لم يدفعه به يحدُّ. وكذا المرأة
تلاعِنُ بعدما أَوْجَبَ الزوجُ عليها اللعانَ بلعانه، فإذا امتنعت حُدَّت للزنى، ويشير
إليه قولُه سبحانه وتعالى: (وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ).
ووجهُ قولنا أنَّ قوله تعالى: (وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ) إلى قوله تعالى: (فَشَهَدَةُ
أَحَدِهِمْ) إلخ يُفهم منه - كيفما كانت القراءةُ - أنَّ الواجب في قذف الزوجات اللعانُ،
ولا ينكِرُ ذلك إلا مكابرٌ، فإمّا أن يكون ناسخاً أو مخصِّصاً لعموم ذلك العامِ،
والظاهرُ عندنا كونُه ناسخاً؛ لتراخي نزوله كما تشهدُ له الأخبارُ الصحيحة،
(١) البحر الرائق ١٢٥/٤، وحاشية ابن عابدين ٤٨٦/٣.

الآية : ٩
٢٤٢
سُودَةُ النورِ
والمخصِّصُ لا يكون متراخيَ النزول، وعلى التقديرين يلزم كونُ الحكم الثابت في
قذف الزوجات إنما هو ما تضمَّنته الآية من اللعان حال قيام الزوجية كما هو
الظاهر، فلا يجب غيرُه عند الامتناع عن إيفائه، بل يُحْبَسُ لإيفائه كما في كلِّ حقِّ
امتنع مَن هو عليه عن إيفائه، ولم يتعيَّن كونُ المراد من العذاب في الآية الحدَّ؛
لجواز كونه الحبسَ، وإذا (١) قام الدليلُ على أنَّ اللعان هو الواجبُ وَجَبَ حَمْلُه
عليه .
قيل: والعجبُ من الشافعيّ عليه الرحمةُ لا يقبل شهادةَ الزوج عليها بالزنى مع
ثلاثةٍ عدولٍ، ثم يوجب الحدَّ عليها بقوله وحده وإن كان عبداً فاسقاً!
وأعجبُ منه أنَّ اللعان يمينٌ عنده، وهو لا يَصْلُحُ لإيجابِ المال ولا لإسقاطه
بعد الوجوب، وأسقط به كلٌّ من الرجل والمرأة الحدَّ عن نفسه، وأوجب به الرَّجْمَ
الذي هو أغلظُ الحدود على المرأة.
فإن قال: إنما وجب(٢) عليها لنكولها بامتناعها عن اللعان.
قلنا: هو أيضاً من ذلك العَجَبِ؛ فإنَّ كون النكول إقراراً فيه شبهة، والحدّ
مما يندفع بها، مع أنه غايةُ ما يكون بمنزلةٍ إقراره مرةً. ثم إنَّ هذه الشبهةَ أَثَّرتْ
عنده في منع إيجاب المال مع أنه يثبت مع الشبهة، فكيف يوجب الرجمَ به، وهو
أغلظُ الحدود، وأصعبُها إثباتاً، وأكثرُها شروطاً؟ انتهى. ولْيُراجَعْ في ذلك كتبُ
الشافعية .
وفي ((النهر)) نقلاً عن الأسْبيجابي(٣): أنهما يُحبسان إذا امتنعا عن اللِّعان بعد
الثبوت، ثم قال: وينبغي حملُه على ما إذا (٤) لم تعفُ المرأة كما في ((البحر))(٥)،
(١) في فتح القدير ٢٥١/٣: وإذ. والكلام منه.
(٢) في (م): يوجب، والمثبت من الأصل وفتح القدير.
(٣) أحمد بن منصور، أبو نصر الأسبيجابي القاضي، أحد شرَّاح مختصر الطحاوي، توفي سنة
(٤٨٠ هـ). الجواهر المضية ٢٥٩/١، والطبقات السنية ١١/٢، والفوائد البهية ص٤٢.
وكلامه من شرح مختصر الطحاوي كما ذكر صاحب البحر الرائق ٤/ ١٢٥.
(٤) في (م): على ماذا، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل والبحر الرائق.
(٥) ٤ / ١٢٥.

الآية : ٩
٢٤٣
سودة النّورِ
وعندي(١) في حَبْسِها بعد امتناعه نوعُ إشكالٍ؛ لأنَّ اللِّعان لا يجب عليها إلا بعد
لعانه، فقبلَه ليس امتناعاً لحقِّ وَجَبَ عليها. انتهى.
وأجاب الطحطاويُّ(٢) بأنه بعد الترافُع منهما صار إمضاءُ اللعان حقَّ الشرع،
فإذا لم تَعْفُ وأظهرت الامتناعَ تُحبس، بخلاف ما إذا أبى هو فقط، فلا تُحْبَسُ.
انتھی .
وقيل: ليس المراد امتناعَهما في آنٍ واحدٍ، بل المرادُ امتناعُه بعد المطالبة به،
وامتناعُها بعد لعانه. فتأمل.
والمتبادرُ من الشهادة ما كان قولاً حقيقةً، ولذا قالوا: لا لعانَ لو كانا أخرسين
أو أحدَهما، لفَقْدِ الركن وهو لفظُ: أَشْهدُ. وعلِّل أيضاً بأنَّ هناك شبهةُ احتمالٍ
تصديقِ أحدِهما للآخر لو كان ناطقاً، والحدُّ يدرأ بالشبهة، وكتابةُ الأخرس في هذا
الفصل كإشارته لا يعوَّلُ عليها، وذكروا: لو طرأ الخرسُ بعد اللعان قبل التفريق،
فلا تفريقَ ولا حدَّ.
ويُشعِرُ ظاهرُ الآية بتقديم لعان الزوج، وهو المأثور في السُّنة، فلو بدأ القاضي
بأمرها فلاعَنَتْ قبله، فقد أخطأ السُّنةَ ولا يجبُ كما في ((الغاية)) أن تعيد لعانها
بعدُ، وبه قال مالك(٣).
وفي ((البدائع)): ينبغي أنْ تُعيد؛ لأنَّ اللعان شهادةُ المرأة، وشهادتُها تقدحُ في
شهادة الزوج، فلا تصحُّ إلا بعدَ وجود شهادته، ولهذا يُبدأ بشهادة المدّعي في باب
الدعوى، ثم بشهادةِ المدَّعَى عليه بطريق الدفع له (٤). ونُقل ذلك عن الشافعيِّ
وأحمدَ عليهما الرحمة، وأشهبَ من المالكية.
والوجهُ ما تقدم، فقد أَعْقَبَ في الآية الرميَ بشهادةٍ أحدهم وشهادتها الدارئة
عنها العذاب، فيكونُ هذا المجموعُ بعد الرمي، وليس في الآية ما يدلُّ على
(١) أي: عند صاحب النهر. ينظر الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٨٦/٣.
(٢) في حاشيته على الدر المختار ٢٠٥/٢، ونقله المصنف عن حاشية ابن عابدين ٤٨٦/٣.
(٣) فتح القدير ٢٥٣/٣.
(٤) بدائع الصنائع ٢٧/٥ .

الآية : ٩
٢٤٤
سورةالنورِ
الترتيب بين أجزاء المجموع. وهذا نظيرُ ما قرَّره بعضُ أجلَّةِ الأصحاب في قوله
تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية [المائدة:
٦] في بيان أنه لا يدل على فرضية الترتيب كما يقوله الشافعية.
وظاهرُ الآية أنه لا يجب في لعانه أن يأتيَ بضمير المخاطَبةِ، ولا في لعانها أن
تأتي بضمير المخاطَبٍ، ففي ((الهداية)): صفةُ اللعان أنْ يبتدئ به القاضي، فيشهد
أربعَ مرَّاتٍ يقول في كلِّ مرةٍ: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتُها به من
الزنى، ويقول في الخامسة: لعنةُ الله عليه إنْ كان من الكاذبين فيما رميتُها به من
الزنى، يشير [إليها] في جميع ذلك. ثم تشهدُ المرأةُ أربعَ مرَّاتٍ تقول في كلِّ مرةٍ:
أشهدُ بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، وتقول في الخامسة: غَضَبُ الله
عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى، والأصلُ فيه الآية.
ورَوَى الحسن(١) عن أبي حنيفة: أنه يأتي بلفظة المواجهة، ويقول: فيما رميتُكِ
به من الزنى، أي: وتأتي هي بذلك أيضاً وتقول: إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به
من الزنى؛ لأنه أقطعُ للاحتمال، وهو احتمالُ إضمارٍ مرجعٍ للضمير الغائب غير
المراد.
ووجهُ الأول أن لفظة المغايبة إذا انضمَّتْ إليها الإشارة انقطع الاحتمال(٢).
وعن الليث أنه يُكتفى في اللعان بالكيفية المذكورة في الآية، ويأتي المُلاعِنُ
مكانَ ضمير الغائب بضميرٍ المتكلِّم في شهادته مطلقاً، وتأتي الملاعنةُ بذلك في
شهادتها الخامسةِ فتدخل ((على)) على ياء الضمير.
والمرادُ من الاكتفاء بالكيفية المذكورة أنه لا يحتاجُ إلى زيادةٍ: فيما رميتُها به
من الزنى، في شهادته، وإلى زيادةٍ: فيما رماني به من الزنى، في شهادتها .
وما ذكر من الإتيان بضمير المتكلِّم هو الظاهر، ولم يؤتَ به في النظم الكريم
لتَّسق الضمائرُ، وتكونَ في جميع الآية على طرزٍ واحدٍ، مع ما في ذلك من نكتةٍ
(١) ابن زياد الأنصاري، أبو علي، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة، نزل بغداد وصنف وتصدر
للفقه، توفي سنة (٢٤٠هـ). سير أعلام النبلاء ٥٤٣/٩.
(٢) الهداية مع فتح القدير ٢٥٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.

الآية : ٩
٢٤٥
سُورَةُ السَّنُوزِ
رعاية التالي على ما قيل، وليس في الآية التفاتٌ أصلاً كما توهّم بعض مَن أدركناه
من فضلاء العصر.
وأمَّا ما أشيرَ من عدم الاحتياج إلى زيادةٍ ما تقدَّم، فالظاهرُ أنَّ الأحوط
خلافُه، وقد جاءت تلك الزيادةُ فيما وقع في زمانه وَّ من اللعان بين هلالٍ
وزوجته، على ما في بعض الروايات(١).
وذكر الأصحابُ أنه يزيد في صورة اللعان بالقذف بنفي الولد بعد قوله: ((لَمِنَ
الصادقين)) قوله: فيما رميتُكِ به من نفي الولد. وأنها تزيد بعد ((لمن الكاذبين))
قولَها: فيما رميتَني به من نفي الولد. ولو كان القذفُ بالزنى ونفيٍ الولد ذُكر في
اللعان الأمران.
ونقل أبو حيان عن مالك أنَّ الملاعن يقول: أشهد بالله إني رأيتُها تزني،
والملاعنةُ تقول: أشهد بالله ما رآني أزني. وعن الشافعي أنَّ الزوج يقول: أشهد
بالله إني لصادقٌ فيما رميتُ به زوجتي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن كانت حاضرةً
أربعَ مراتٍ، ثم يُقْعِدُه الإمام ويذكِّره الله تعالى، فإنْ رآه يريد أن يَمضي أَمَر مَن
يضعُ يده على فيه، فإن لم يمتنع تَرَكَه، وحينئذٍ يقول الخامسةَ ويأتي بياء الضمير مع
((على))، وإن كان قد قذفها بأحدٍ يسمِّيه بعينه واحداً أو اثنين في كلِّ شهادة، وإن
نفى ولدها زاد: إنَّ هذا الولدَ ولد زنّى ما هو منِّي(٢).
والتخويفُ بالله عز وجل مشروعٌ في حقِّ المتلاعنين، فقد صحَّ في قصة هلال
أنه لمَّا كان الخامسةُ قيل له: اتَّقِ الله تعالى واحْذَرْ عقابَه فإنَّ عذاب الدنيا أسهلُ من
عذاب الآخرة، وإنَّ هذه هي الموجبةُ التي توجبُ عليك العقاب، وقيل نحوُ ذلك
لامرأته عند الخامسة أيضاً(٣).
وفي ظاهر الآية ردٌّ على الشافعيّ عليه الرحمةُ حيث قال: إنه بمجرَّد لعان
الزوج تثبتُ الفُرْقَةُ بينهما، وذلك لأنَّ المتبادر أنها تشهد الشهادات وهي زوجةٌ،
ومتى كانت الفرقة بلعانِ الزوج لم تَبْقَ زوجةً عند لعانها .
(١) أخرجه ابن حبان (٤٤٥١)، وأبو يعلى (٢٨٢٤) من حديث أنس
ۋە .
(٢) البحر ٤٣٥/٦، وفيه: وإن هذا الولد ما هو مني. وليس فيه: ولد زنى.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٣١)، وأبو داود (٢٢٥٦)، وسلفت قطعة منه ص٢٣١ من هذا الجزء.

الآية : ٩
٢٤٦
سُورَةُ الَّنُوزِ
والذي ذهب إليه أبو حنيفة عليه الرحمةُ أنه إذا وقع التلامعُنُ ثبتتْ حرمةُ الوطء
ودواعيه على (١) المُلاعِنِ، فإنْ طلَّقها فذاك، وإن لم يطلِّقها بانَتْ بتفريق الحاكم
وإن لم يرضَيَا بالفرقة، ولو فرَّق خطأً بعد وجود الأكثر من كلِّ منهما صحّ(٢).
ويشترط كونُ التفريق بحضورهما، وحضورُ الوكيل كحضور الأصيل، ويتوارثان
قبله. ولو زالت أهلية اللِّعان بعده فإنْ كان بما يُرجى زواله كجنون فرّق، وإلَّا لا.
وقال زفر: تقع الفرقة بتلاعُنهما .
وإن أكذَبَ نفسَه من بعد اللعان والتفريق، وحُدّ أم لم يحدَّ، يحلُّ له تزوُّجُها
عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إذا افترق المتلاعنان فلا يجتمعان أبداً،
وثبتت بينهما حرمةٌ كحرمةِ الرضاع، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وأدلةُ هذه الأقوالِ وما لها وما عليها تُطلبُ من كتب الفقه المبسوطة.
واستُدلَّ بمشروعية اللُّعان على جواز الدعاء باللعن على كاذبٍ معيَّنٍ، فإنَّ
قوله: ((لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين)) دعاءٌ على نفسه باللَّعن على تقدير كذبِهِ،
وتعليقُه على ذلك لا يُخْرِجه عن التعيين، نعم يقال: إنَّ مشروعيته إن كان صادقاً،
فلو كان كاذباً فلا يَحِلُّ له.
واستدلَّ الخوارجُ على أنَّ الكذب كفرٌ؛ لاستحقاق مَن يَتَّصفُ به اللعنَ، وكذا
الزنى كفرٌ؛ لاستحقاق فاعِلِه الغضبَ، فإنَّ كلّاً من اللعن والغضب لا يستحقُّه
إلا الكافر؛ لأنَّ اللعن الطردُ عن الرحمة، وهو لا يكون إلَّا لكافر، والغضبُ أعظمُ
منه .
وفيه أنه لا يُسلَّمُ أن اللعن في أيِّ موضعٍ وقع بمعنى الطَّرد عن الرحمة، فإنه قد
يكون بمعنى الإسقاط عن درجة الأبرار، وقد يقصد به إظهارُ حساسة الملعون.
وكذا لا يُسلَّم اختصاصُ الغضب بالكافر وإن كان أشدّ من اللعن، والله تعالى
أعلم.
(١) في (م): عن.
(٢) وعند زفر وبقية الأئمة لا ينفذ؛ قال ابن الهمام في فتح القدير ٣/ ٢٥٤: لو فرق القاضي
بينهما بعد التعانهما ثلاثاً خطأً نفذ تفريقه عندنا، وعند زفر وبقية الأئمة لا ينفذ.

الآية : ١٠
٢٤٧
سُوَّةُ السَّنُوزِ
التفات إلى خطاب
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ حَكِيمٌ
الرَّامين والمرميَّات بطريقِ التغليب، لتوفيةِ مقام الامتنان حقَّه، وجوابُ ((لولا))
محذوفٌ لتهويله، حتى كأنه لا توجدُ عبارةٌ تحيط ببيانه، وهذا الحذفُ شائعٌ في
کلامھم؛ قال جرير:
كَذَبَ العواذلُ لو رأينَ مناخَنَا بِحَزِيزِ رامةَ والمَطِيُّ سَوامٍ(١)
ومن أمثالهم: لو ذاتُ سوارٍ لطمتني(٢). فكأنه قيل: لولا تفضُّلُه تعالى عليكم
ورحمتُه سبحانه، وأنه تعالى مُبالغٌ في قبول التوبة، حكيمٌ في جميع أفعاله
وأحكامِه، التي من جملتها ما شرع لكم من حُكْمِ اللعان، لكان مما لا يحيطُ به
نطاقُ البيان.
ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حدُّ القذف، مع
أنَّ الظاهر صِدْقُه؛ لأنه أعرفُ بحالٍ زوجته، وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في
الفضاحة. وبعد ما شرع لهم لو جَعَلَ شهاداته موجبةً لحدِّ الزنى عليها لفات النظرُ
إليها، ولو جعل شهاداتها موجبةً لحدِّ القذف عليه لفات النظر له.
ولا ريبَ في خروج الكلِّ عن سَنَنِ الحكمة والفضل والرحمة، فجَعْلُ شهاداتٍ
كلٌّ منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتماً دارئةٌ لِمَا توجَّه إليه من الغائلة الدنيوية،
وقد ابتلي الكاذبُ منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتمُّ مما دَرَأَتْه عنه
وأطمُّ، وفي ذلك من إحكام الحِكَمِ البالغة، وآثارِ التفضُّل والرحمة ما لا يخفى؛
أمَّا على الصادق فظاهرٌ، وأمَّا على الكاذب فهو إمهالُه والسترُ عليه في الدنيا، ودرءُ
الحدِّ عنه وتعريضُه للتوبة حَسْبما ينبئُ عنه التعرُّضُ لعنوان تَوَّابِيَّتْه تعالى، فسبحانه
ما أعظمَ شأنه وأوسعَ رحمته وأدقَّ حكمته! قاله شيخ الإسلام(٣) .
(١) ديوان جرير ٢/ ٩٩١، والنقائض ٢٧١/١، وفيه: الحزيز: أرض فيها غلظ واستواء. وقوله
سوام، يقول: رافعة أبصارها وأعناقها. والمطي: ما امتطي ظهره. وقوله: والمطي سوام،
أي: هي في بلد لا رعي فيها فهي تسمو بأبصارها إلى موضع الري. يقول: لو رأين مُناخنا
وما نلقى ما عذلننا في الطلب.
(٢) جمهرة الأمثال ٢/ ١٩٣، ومجمع الأمثال ١٧٤/٢، والمستقصى ٢/ ٢٩٧، قال الزمخشري:
أي: لو لطمتني حرةٌ ذات حليٍ لاحتملتُ، ولكن لطمتني أمةٌ عاطل.
(٣) ١٥٩/٦- ١٦٠.

سُورَةُ النُّورِ
٢٤٨
الآية : ١١
وعن ابن سلام تفسير الفضل بالإسلام، ولا يخفى أنه مما لا يقتضيه المقام.
وعن أبي مسلم أنه أَدْخَلَ في الفضل النهيَ عن الزنى، ويَحْسُنُ ذلك لو جُعلت
الجملة تذبيلاً لجميع ما تقدَّم من الآيات، وفيه من البُعْد ما فيه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو يَلِفْكِ﴾ أي: بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وكثيراً ما يفسّر
بالكذب مطلقاً. وقيل: هو البهتانُ لا تَشْعرُ به حتى يَفْجَأَكَ. وجوِّز فيه فتحُ الهمزة
والفاءِ، وأصله من الأَفْكِ بفتح فسكون، وهو القلبُ والصَّرفُ؛ لأنَّ الكذب
مصروفٌ عن الوجه الذي يحقُّ.
والمرادُ به ما أُفك به الصديقةُ أُّ المؤمنين ◌َّا، على أنَّ اللام فيه للعهد،
وجوِّز حملُه على الجنس؛ قيل: فيفيد القَصْرَ كأنه لا إفكَ إلا ذلك الإفكُ.
وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له
أصل.
وتفصيلُ القصة ما أخرجه البخاريُّ وغيرُهُ(١) عن عروةَ عن عائشة ﴿ًُّا قالت:
كان رسول الله ◌َّ﴿ إذا أراد أن يخرج أَفْرِعَ بين أزواجِه، فأيتُهنَّ خرِجَ سهمُها خَرَجَ
بها رسولُ اللهِوَّرِ معه. قالت عائشة: فأْرَعَ بيننا في غزوةٍ (٢) غزاها فخرج سهمي،
فخرجتُ مع رسول اللهِوَ ﴿ بعد ما نزل الحجابُ، فأنا أُحْمَلُ في هودجي وأُنْزَلُ
فيه، فسرنا(٣) حتى إذا فَرَغَ رسول الله وَّرَ من تلك وقَفَل(٤)، ودنونا من المدينة
قافلينَ، آذَنَ ليلةً بالرحيل [فقمتُ حين آذَنُوا بالرحيل] فمشيتُ حتى جاوزتُ
الجيشَ، فلمَّا قَضَيْتُ شأني أقبلتُ إلى رَحْلي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ ظَفَارٍ(٥) قد
انْقَطَعَ، فالتمستُ عِقْدي وحَبَسني ابتغاؤُه، وأقبل الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلون لي
(١) صحيح البخاري (٤٧٥٠)، وهو عند أحمد (٢٥٦٢٣)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): هي غزوة بني المصطلق، وكانت في سنة ستُّ. اهـ منه.
(٣) في مسند أحمد وصحيح مسلم: مسيرنا.
(٤) في المسند وصحيح مسلم: من غَزْوِهِ وقفل، وفي صحيح البخاري: من غزوته تلك وقفل.
(٥) الجَزْعُ: الخرز اليماني، وظفارٍ: اسم مدينة لحِمْيَر باليمن، ويروى: أظفار، وهو جنس من
الطيب، وقيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر، كأنه يؤخذ ويثقب
ويجعل في العقد والقلادة. النهاية (جزع) و(ظفر).

الآية : ١١
٢٤٩
سُورَةُ الَّنُوزِ
فاحتملوا هَوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يَحْسِبون أنِّي فيه،
وكان النساءُ إذ ذاك خفافاً لم يُثْقِلْهِنَّ اللحمُ، إنما نأكل العُلقةَ من الطعام، فلم
يستنكر القومُ خفَّةَ الهودج حين رفعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعثوا الجمل
وساروا، فوجدتُ عِقْدي بعد ما استمرَّ الجيش، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ
ولا مجيبٌ، فَأَمَمْتُ منزلي الذي كنتُ به، وظننتُ أنهم سيفقدوني فيَرْجِعون إليَّ،
فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتْني عيني فنمتُ، وكان صفوان بنُ المُعَطِّل السلميُّ - ثم
الذكوانيُّ - من وراء الجيش، فأدْلَجَ فأصبح عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ،
فأتاني فعرفني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني،
فخمَّرتُ وجهي بجلبابي، والله ما كلَّمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعه،
حتى(١) أناخ راحلته فوَطِئَ على يديها فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلةَ حتى أتينا
الجيش بعد ما نزلوا مُؤْغِرينَ في نَحْرِ الظهيرة، فهلك فيَّ مَن هلك(٢)، وكان الذي
تولَّى الإفك عبد الله بنُ أبيّ ابن سلول، فقَدِمْنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ
شهراً، والناسُ يُفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو
يَرِيبُني في وجعي أنِّي لا أعرفُ من رسول الله وَّرِ اللَّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين
أشتكي، إنما يدخلُ عليَّ رسول الله وَل ◌َفيسلِّم ثم يقول: ((كيف تيكم؟)) ثم ينصرفُ،
فذاك الذي يَرِيبُني ولا أشعرُ بالشرِّ، حتى خرجتُ بعد ما نَقَهْتُ، فخرجَتْ معي أمُّ
مِسْطَحِ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وهو متبرَّزُنا، وكنّا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن
نتَّخذ الكُنُفَ قريباً مَن بيوتنا، وأَمْرُنا أمرُ العرب الأولِ في التبرُّزِ قِبَلَ الغائط، فكنّا
نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتَّخذها عند بيوتنا، فانطلقتُ أنا وأمُّ مسطحٍ، وهي ابنةُ أبي رُهْم بنِ
عبد مناف، وأمُّها بنت صخر بن عامر خالةُ أبي بكر الصديق، وابُنها مِسْطَح بنُ
أثاثةَ، فأقبلتُ أنا وأُّ مِسْطَحِ قِبَلَ بيتي قد فَرَغْنا من شأننا، فعثَرَتْ أمُّ مسطحِ في
مِرْطها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَخٌ. فقلتُ لها: بئسَ ما قلتِ، أتسبِّين رجلاً شهد بدراً؟
قالت: أي مَنْتَاهُ(٣)، أَوَلم تسمعي ما قال؟ قالت: قلتُ: وما قال؟ فأخبرتني بقول
(١) في الأصل و(م): حين، والمثبت من المصادر.
(٢) في المسند وصحيح مسلم: فهلك من هلك في شأني، وفي صحيح البخاري: فهلك مَن
هلك.
(٣) أي: يا هذه. النهاية (هنا).

سُورَةُ الَّوزِ
٢٥٠
الآية : ١١
أهلِ الإفك، فازددتُ مرضاً على مرضي. فلما رجعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ
رسولُ اللهِ وَِّ ثم قال: ((كيف تيكم؟)) فقلتُ: أتأذنُ لي أنْ آتِي أَبويَّ؟ قالت: وأنا
حينئذٍ أريد أن أستيقنَ الخبر من قِبَلِهما. قالت: فأذِنَ لي رسولُ اللهِّهِ، فجئتُ
أبويَّ فقلتُ لأمي(١): يا أمَّتاه، ما يتحدَّث الناس؟ قالت: يا بنيةُ، هوِّني عليكِ،
فوالله لقلَّما كانت امرأةٌ قٌ وضيئةٌ عند رجل(٢) ولها ضرائرُ إلَّا كَثَّرْنَ عليها. قالت:
فقلتُ: سبحان الله، ولقد تحدَّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيتُ تلك الليلةَ حتى
أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي، فدعا رسول الله وَليد
علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحيُّ، يستأمرُهما في فراق أهله،
قالت: فأمَّا أسامةُ بنُ زيد فأشار على رسول الله وَّهِ بالذي يَعْلَمُ من براءة أهله،
وبالذي يعلمُ لهم في نفسه من الودِّ، فقال: يا رسول الله أهْلكَ، وما نعلم إلا خيراً.
وأمَّا عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيِّقِ الله عليك، والنساءُ سواها
كثيرٌ، وإن تَسْألِ الجارية تَصْدُقْكَ. قالت: فدعا رسول الله وَّه بريرةَ فقال: ((أَيْ
بريرةُ، هل رأيتٍ من شيءٍ يَرِيبُكِ؟)) قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحقِّ، إنْ رأيتُ
عليها أمراً أَغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ تنامُ عن عجين أهلها،
فتأتي الدَّاجِنُ فتأكله. فقام رسول الله وَّر فاستعذر يومئذٍ من عبد الله بن أبي ابن
سلول، قالت: فقال رسولُ اللهِ وَله وهو على المنبر: ((يا معشرَ المسلمين، مَن
يَعْذِرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيراً،
ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)) فقام
سعد بن معاذ الأنصاريُّ فقال: يا رسول الله، أنا أَعذِرُكَ منه، إن كان من الأوس
ضربتُ عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمَرْتَنا ففعلنا أمركَ. قالت: فقام
سعد بن عبادة وهو سيدُ الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكنِ احْتَمَلَتْه
الحميَّةُ، فقال لسعد: كذبتَ، لَعَمْرُ الله لا تقتُله ولا تقدر على قتله. فقام أُسيد بن
حُضَيرٍ وهو ابنُ عمِّ سعدٍ فقال لسعد بن عبادة: كذبتَ، لعَمْرُ الله لنقتلنَّه، فإنك
منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فثار(٣) الحيان من الأوس والخزرج، حتى همُّوا أن
(١) في هامش الأصل و(م): هي أم رومان زينب بنت دهمان. اهـ منه.
(٢) في المصادر: عند رجل يحبها .
(٣) في صحيح البخاري: فتثاور.

الآية : ١١
٢٥١
سُوَرَّةُ الَّنُوزِ
يقتتلوا، ورسولُ اللهِ ﴿ قائمٌ على المنبر، فلم يَزَلْ رسولُ اللهِوَلَّهِ يخفِّضُهم حتى
سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ، ولا اكتحلُ بنومِ،
قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيتُ ليلتين ويوماً، لا أكتحلُ بنومٍ، ولا يَرْقَأُ لِّي
دمعٌ، يَظنَّان (١) أنَّ البكاء فالقٌ كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي
فاستأذنتْ عليَّ امرأة من الأنصار، فأذِنْتُ لها، فجلستْ تبكي معي. قالت: فبينا
نحن على ذلك دخل علينا رسول الله وَ ﴿ فسلَّم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي
منذ قيل فيَّ ما قيل قبلها، وقد لَبِثَ شهراً لا يُؤْحَى إليه في شأني قالت: فتشهَّد
رسول الله وَل﴿ حين جلس ثم قال: ((أمَّا بعدُ، يا عائشةُ، فإنه قد بلغني عنكِ كذا
وكذا، فإنْ كنتٍ بريئةً فسيبرِّتُكِ اللهُ، وإنْ كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي
إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)) قالت: فلمَّا قضى
رسول الله ﴿﴿ مقالته قَلَصَ دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أَجِبْ
رسولَ الله ◌َ ﴿ فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله. فقلتُ لأمي:
أجيبي رسولَ الله. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله وَّه، قالت: فقلتُ، وأنا
جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأ كثيراً من القرآن: إنِّي والله لقد علمتُ أنكم سمعتُم هذا
الحديث حتى استقرَّ في أنفسكم وصدَّقْتُم به، فلئن قلتُ لكم: إني بريئةٌ والله يعلمُ
أني بريئةٌ لا تصدِّقوني، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ والله يعلم أنِّي منه بريئةٌ لتُصَدِّقُنِي،
والله لا أَجِدُ لي ولا لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٨٣] فاضطجعتُ على فراشي وأنا حينئذٍ أعلم أنِّي بريئةٌ،
وأنَّ الله مُبرِّئي ببراءتي، ولكنْ ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله منزلٌ في شأني وحياً يُتْلَى،
ولَشَأْني في نفسي كان أحقرَ من أنْ يتكلَّم الله فيَّ بأمرٍ يُتْلَى، ولكنْ كنتُ أرجو أن
يَرَى رسولُ اللهِوَ ﴿ في النوم رؤيا يبرِّئني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام (٢)
رسولُ اللهِ وَلِّ، ولا خرج أحدٌ من أهل البيت، حتى أُنزِلَ عليه، فأخذه ما كان
يأخُذُه من البُرَحاءِ، حتى إنه ليتحذَّرُ منه مثلُ الجُمانِ من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ،
من ثِقَلِ القول الذي ينزلُ عليه. قالت: فلمَّا سُرِّيَ عن رسول اللهِوَّهُ سَرِّيَ عنه
(١) في (م): يظناني.
(٢) أي: فارق، ومصدره: الريم، بخلاف رام بمعنى الطلب، فمصدره الرَّوْم. فتح الباري ٤٧٦/٨.

سورة النور
٢٥٢
الآية : ١١
وهو يضحكُ، فكان أولُ كلمةٍ تكلَّم بها: ((يا عائشةُ، أمَّا اللهُ فقد برأك)) فقالت
أمي: قومي إليه. فقلتُ: واللهِ لا أقومُ، ولا أحمدُ إلا الله، وأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ
جَآءُو بِآلْإِفْكِ) العَشْرَ الآياتِ كلَّها .
والظاهر أنَّ قوله تعالى: ﴿عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ خبرُ ((إنَّ) وإليه ذهب الحوفيُّ
وأبو البقاء(١). وقال ابن عطية: هو بدلٌ من ضمير ((جاؤوا)) والخبرُ جملةُ قوله
تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ والتقديرُ: إنَّ فِعْلَ الذين، وهذا أنسقُ في المعنى وأكثرُ
فائدةً من أن يكون ((عصبةٌ)) الخبر(٢). انتهى، ولا يخفى أنه تكلف.
والفائدة في الإخبار على الأول، قيل: التسليةُ بأنَّ الجائين بذلك الإفكِ فرقةٌ
متعصِّبةٌ متعاوِنةٌ، وذلك من أمارات كونه إفكاً لا أصل له.
وقيل: الأَوْلَى أن تكون التسليةُ بأنَّ ذلك ممَّا لم يُجْمَعْ عليه، بل جاء به شرذمةٌ
منكم.
وزعم أبو البقاء أنه بوصف العصبة بكونها منهم أفاد الخبر(٣)، وفيه نظر.
والخطابُ في ((منكم)) على ما أَميل إليه لمن ساءه ذلك من المؤمنين، ويدخل
فيه رسول الله وَله وأبو بكر وأمُّ رومان وعائشةُ وصفوان دخولاً أوَّليّاً.
وأصلُ العُصْبةِ: الفرقةُ المتعصِّبةُ قلَّتْ أو كَثُرتْ، وكَثُر إطلاقها على العشرة
فما فوقها إلى الأربعين، وعليه اقتصر في ((الصحاح))(٤). وتُطلق على أقلّ من ذلك،
ففي مصحف حفصةَ: ((عُصْبةٌ أربعةٌ)(٥).
وقد صحَّ أنَّ عائشةَ ◌ِّا عدَّتِ المنافقَ عبدَ الله ابنَ أبيِّ ابن سلول، وحمنةً
(١) في الإملاء ٤/ ٧٣.
(٢) المحرر الوجيز ١٦٩/٤. قال السمين في الدر المصون ٣٨٩/٨: والاعتراض عليه واضح،
من حيث إنه أوقع خبر ((إنَّ) جملةً طلبيةً، وقد تقدم أنه لا يجوز، وإن ورد شيءٌ منه في
الشعر أوّل.
(٣) الإملاء ٤/ ٧٣.
(٤) مادة (عصب).
(٥) تفسير القرطبي ١٦٦/١٥، وحاشية الشهاب ٣٦٢/٦.

الآية : ١١
٢٥٣
سُورَةُ الَّنودِ
بنتَ جحشٍ أختَ أمِّ المؤمنين زينبَ ﴿ٌّا وزوجةَ طلحةَ بنِ عبيد الله، ومسطح بنَ
أثاثة، وحسان بنَ ثابت. ومن الناسِ مَن برَّأ حسان وهو خلافُ ما في ((صحيح
البخاريِّ)) وغيره(١).
نعم الظاهرُ أنه ◌ُه لم يتكلّم به عن صميم قلبٍ، وإنما نقله عن ابن أبيٍّ لعنه الله
تعالى. وقد جاء أنه ظُّه اعتذر عما نُسب إليه في شأن عائشةَ ﴿ّا فقال:
وتُصْبحُ غَرْثَى من لحوم الغوافل(٢)
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ
نبيِّ الهدى ذي المَكْرُماتِ الفَوَاضِلِ
حليلةُ خيرٍ الناس ديناً ومَنْصِباً
عقيلةُ(٣) حيٍّ من لؤيّ بنِ غالبٍ
كرامِ المساعي مجدُهم غيرُ زائلٍ
مهذَّبةٌ قد طيَّبَ الله خِيمَها (٤)
وطهَّرَها من كلِّ سوءٍ وباطلٍ
فلا رَفَعتْ سوطي إليَّ أناملي
فإنْ كنتُ قد قلتُ الذي قد زَعَمتُمو
وكيف وودِّي ما حَييْتُ ونُصْرتي
له رتَبٌ عالٍ على الناس كلِّهم
فإنَّ الذي قد قيل ليس بلائط
لآل رسول الله زينِ المحافلِ
تَقاصَرُ عنه سَوْرَةُ المتطاولِ
ولكنه قولُ امرئ بي ماحل(٥)
وكانت عائشةُ ﴿ُّ تُكْرِمُه بعد ذلك وتَذْكُره بخيرٍ - وإنْ صحَّ أنها قالت له حین
(١) صحيح البخاري (٤١٤١) و(٤١٤٦)، وصحيح مسلم (٢٧٧٠).
(٢) الحصان هنا: العفيفة. والرَّزان: كاملة الوقار والعقل. ما تزنُّ، أي: ما تُنَّهم. غَرْثَى:
جائعة، والمعنى: أنها كافَّةٌ عن أعراض الناس. والغوافل: جمع غافلة. المفهم ٦/ ٤٢١،
والإملاء المختصر في شرح غريب السير ٤٣/٣-٤٤، وما سيأتي من شرح الغريب منه.
والبيت ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري (٤١٤٦)، ومسلم (٢٤٨٨)، وسيأتي
قريباً.
(٣) أي: كريمة.
(٤) الخِيمُ: الطبع والأصل. ومهذَّبة، أي: صافيةٌ مخلّصة.
(٥) جاء في هامش الأصل و(م): يقال: محل به، إذا سعى به إلى السلطان، فهو ماحل. اهـ
منه. وقوله: ليس بلائط، أي: ليس بلاصق، يقال: هذا لا يَليطُ بفلان، أي: لا يلصقُ
به. وهذه الأبيات في ديوان حسان ص ٣٨٠-٣٨١، والسيرة النبوية ٣٠٦/٢،
والاستيعاب ٩٠/١٣، وأخرجها الطبراني في الكبير ٢٣/ (١٥١) في حديث طويل عن
عائشة

سُورَةُ الَّنودِ
٢٥٤
الآية : ١١
أنشدها أولَ هذه الأبيات: لكنَّك لَسْتَ كذلك(١) - فقد أخرج ابن سعد(٢) عن
محمد بن سيرين أنَّ عائشة ﴿َّا كانت تَأْذَنُ لحسان، وتدعو له بالوسادة، وتقول:
لا تُؤذوا حساناً فإنه كان ينصر رسول الله صل﴾ بلسانه.
وأخرج ابن جَريرٍ (٣) من طريق الشعبيِّ عنها أنها قالت: ما سمعتُ بشيءٍ أحسنَ
من شعرٍ حسانَ، وما تمثَّلتُ به إلا رجوتُ له الجنةَ، قولهُ لأبي سفيان بن
الحارث بن عبد المطلب :
وعند الله في ذاك الجزاءُ
هَجَوْتَ محمداً وأَجَبْتُ عنه
لعِرْضٍ محمدٍ منكم وقاءُ
فإنَّ أبي ووالدتي وعِرْضي
فشرُّكما لخيرِكما الفداءُ
أتشتُّمه ولستَ له بكُفٍ
وبحري لا تكدِّرُه الدِّلاءُ
لساني صارمٌ لا عيبَ فيه
وعدَّ بعضُهم مع الأربعة المذكورين زيد بنَ رفاعة (٤)، ولم نَرَ فيه نقلاً صحيحاً،
وقيل: إنه خطأ .
ومعنى ((منكم)): من أهل ملَّتكم وممن ينتمي إلى الإسلام، سواءٌ كان كذلك في
نفس الأمر أم لا، فيشمَلُ ابنَ أبيٍّ لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهراً، وإن كان
كافراً في نفس الأمر.
وقيل: إنَّ قوله تعالى: (مِنْكُمْ) خارجٌ مخرجَ الأغلب، وأغلبُ أولئك العصبةِ
مؤمنون مُخْلِصون، وكذا الخطابُ في ((لا تحسبوه شرًّا لكم)). وقيل: الخطاب في
الأول للمسلمين، وفي هذا لسيد المخاطَبين رسولِ اللهِوَله، ولأبي بكر وعائشةَ
، والكلامُ مسوقٌ لتسليتهم.
وصفوان
(١) أخرجه البخاري (٤١٤٦)، ومسلم (٢٤٨٨)، وقد سلف تخريجه مع البيت الأول. وسيأتي
بتمامه قريباً .
(٢) كما في الدر المنثور ٣٣/٥.
(٣) في تفسيره ١٧/ ١٩٣ .
(٤) الكشاف ٥٢/٣. قال ابن حجر في الفتح ٤٦٤/٨: زاد الزمخشري زيد بن رفاعة، ولم أره
لغيره.

الآية : ١١
٢٥٥
سورة النورِ
وأخرج ابن أبي حاتم والطبرانيُّ عن سعيد بن جبير أنَّ الخطاب في الثاني
لعائشة وصفوان(١).
وأَبْعدَ عن الحقِّ مَن زعم أنه للذين جاؤوا بالإفك، وتكلّف للخيرية ما تكلّف،
ولعل نسبته إلى الحسن لا تصحّ.
والظاهرُ أنَّ ضمير الغائب في ((لا تحسبوه)) عائدٌ على الإفك. وجوِّز أن يعود
على القَذْفِ، وعلى المصدر المفهوم من ((جاؤوا))، وعلى ما نال المسلمين من
الغمِّ، والكلُّ كما ترى.
وعلى ما ذهب إليه ابنُ عطية(٢) يعود على المحذوف المضاف إلى اسم ((إنَّ)
الذي هو الاسم في الحقيقة.
ونُهوا عن حسبان ذلك شرًّا لهم إراحةً لبالهم بإزاحةِ ما يوجبُ استمرارَ
بلبالهم، وأردف سبحانه النهيَ عن ذلك بالإضراب بقوله عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ خَبْرٌ
لَّكُمْ﴾ اعتناءً بأمر التسلية، والمراد: بل هو خيرٌ عظيم لكم لنیلكم بالصبر عليه
الثوابَ العظيم، وظهورٍ كرامتكم على الله عز وجل بإنزال ما فيه تعظيمُ شأنِكم،
وتشديدِ الوعيد فيمَن تكلّم بما أحزنكم.
والآيات المنزلةُ في ذلك على ما سمعتَ آنفاً عن عائشة ﴿ّا عشرةٌ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: نزلت ثماني عشرةً آيةً
متواليات بتكذيب مَن قَذَفَ عائشةَ وبراءتِها(٣) .
وأخرج الطبرانيُّ عن الحكم بن عتيبة قال: إنه سبحانه أنزل فيها خمس عَشْرةً
آية من سورة (النور)). ثم قرأ حتى بلغ: (الْخَبِئَتُ لِلْخَبِيثِينَ) (٤).
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٤٤/٨، والمعجم الكبير ٢٣/ (١٧١)، وعزاه إليهما السيوطي في
الدر المنثور ٣٠/٥.
(٢) يعني من قوله: إن ((عصبةٌ)) بدل من ضمير ((جاؤوا))، وجملة ((لا تحسبوه)) هي الخبر،
والتقدير: إنَّ فِعْلَ الذين جاؤوا، وقد سلف قريباً.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٤٣/٨- ٢٥٤٤.
(٤) المعجم الكبير ٢٣/ (٢٥١).

سورةالنورِ
٢٥٦
الآية : ١١
وكأنَّ الخلاف مبنيٌّ على الخلاف في رؤوس الآي، وفي كتاب ((العدد» للداني
ما يوافق المرويّ عن ابن جبير.
﴿لِكُلِّ امْرٍِ مِنْهُمْ﴾ أي: من الذين جاؤوا بالإفك ﴿مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي:
جزاءُ ما اكتسب، وذلك بقَدْرِ ما خاض فيه؛ فإنَّ بعضهم تكلّم وبعضهم ضحك
كالمُعْجَبِ الراضي بما سمع، وبعضهم أَكْثَرَ، وبعضهم أقلّ.
﴿وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف. وقرأ الحسنُ والزهريُّ وأبو رجاءٍ ومجاهدٌ
والأعمشُ وأبو البرهسم وحميدٌ وابنُ أبي عبلةَ وسفيان الثوريُّ ويزيد بنُ قطيب
ويعقوبُ والزعفرانيُّ وابن مقسم وعمرةُ بنتُ عبد الرحمن، وسورةُ عن الكسائيِّ،
ومحبوبٌ عن أبي عمرو: ((كُبْرَه)) بضم الكاف (١)، وهو ومكسورُها مصدران لكَبُرَ
الشيء: عَظُم، ومعناهما واحد.
وقيل: الكبرُ بالضم المُعْظَمُ، وبالكسر البداءةُ بالشيء، وقيل: الإثم.
والجمهور على الأول. أي: والذي تحمَّل مُعْظَمه ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من الجائين به
﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط.
وفي التعبير بالموصول، وتكريرِ الإسناد، وتنكيرِ العذاب، ووَصْفِه بالعظم من
تهويل الخطب ما لا يخفى.
والمراد بـ ((الذي تولَّى كبره)) كما في ((صحيح البخاريِ)) عن الزهريِّ، عن
عروة، عن عائشة ◌ّنا عبد الله بن أُبيِّ عليه اللعنة(٢)، وعلى ذلك أكثرُ المحدِّثين.
وكان لَعَنَه الله تعالى يجمعُ الناس عنده ويذكُر لهم ما يذكر من الإفك، وهو أولُ مَن
اخْتَلَقه وأشاعه لإمعانه في عداوةٍ رسول الله وَّهِ. وعذابُه في الآخرة بعد جَعْلِه في
الدَّرْكِ الأسفلِ من النار لا يَقْدرُ قَدْرَه إلا اللهُ عز وجل، وأما في الدنيا فوسمُه بميسم
الذلِّ، وإظهارُ نفاقه على رؤوس الأشهاد، وحَدُّه حدَّين على ما أخرج الطبرانيُّ
وابنُ مردويه عن ابن عمر ﴿ها، من أنه ◌ََّ بعد أنْ نزلت الآياتُ خرج إلى المسجد
فدعا أبا عبيدة بنَ الجرَّاح، فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل اللهُ تعالى من البراءة
(١) القراءة في النشر ٣٣١/٢ عن يعقوب، وذكرها عنهم جميعاً أبو حيان في البحر ٦/ ٤٣٧.
(٢) صحيح البخاري (٤٧٤٩).

الآية : ١١
٢٥٧
سُورَةُ الَّنُوزِ
لعائشةَ، وبعث إلى عبد الله بن أبيٍّ فجيء به فضربه عليه الصلاة والسلام حدَّين،
وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضُربوا ضرباً وجيعاً، ووُجئوا في رقابهم (١).
وقيل: حُدَّ حدّاً واحداً، فقد أخرج الطبرانيُّ عن ابن عباس أنه فسَّر العذاب في
الدنيا بجلد رسول الله * إياه ثمانين جلدةً، وعذابه في الآخرة بمصيره إلى
النار(٢).
وقيل: إنه لم يُحدَّ أصلاً لأنه لم يُقِرَّ، ولم يلتزم إقامة البيئةِ عليه تأخيراً لجزائه
إلى يوم القيامة، كما أنه لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدورٍ ما يوجب قتله
لذلك. وفيه نظر.
وزعم بعضهم أنه لم يُحدَّ مسطح. وآخرون أنه لم يُحدَّ أحدٌ ممن جاء بالإفك؛
إذ لم يكن إقرارٌ ولم يلتزم إقامة بينةٍ. وفي ((البحر)) أنَّ المشهور حَدُّ حسانَ ومسطح
وحمنةً(٣). وقد أخرجه البزَّارُ وابن مردويه بسندٍ حسنٍ عن أبي هريرة (٤). وقد جاءً
ذلك في أبياتٍ ذكرها ابن هشام في ملخّص السيرة لابن إسحاق(٥) وهي:
وحمنةُ إذ قالوا ھَجیراً(٦) ومسطحُ
لقد ذاق حسانُ الذي کان أهله
وسَخْطةَ ذي العرشِ الكريم فأُتْرِحوا
تعاطَوا برَجْم الغيب أمرَ(٧) نبيِّهم
مخازيَ بغيٍ يمموها (٨) وفضّحوا
وآذَوْا رسولَ الله فيها فجُلِّلوا
(١) المعجم الكبير ٢٣/(١٦٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٤٠: فيه إسماعيل بن يحيى
التيمي، وهو كذاب.
(٢) المعجم الكبير ٢٣/ (١٦٨) و(١٨١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٧٧: في إسناده
موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، وهو ضعيف.
(٣) البحر ٦/ ٤٣٧.
(٤) مسند البزار ( ٢٦٦٣ - كشف)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٧/٥. وله شاهد
أخرجه أبو داود (٤٤٧٥) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن مرسلاً، وأخرجه أبو داود
(٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨١) وحسنه متصلاً من طريق عمرة عن عائشة، وفيه: فلما نزل من
المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدَّهم.
(٥) ٣٠٧/٢، وذكرها ابن شبَّة في تاريخ المدينة ٣٤٧/١.
(٦) الهجير: الهُجْر هنا، وهو القول الفاحش القبيح. الإملاء المختصر ٤٤/٣-٤٥.
(٧) في السيرة وتاريخ المدينة: زوج نبيهم.
(٨) في السيرة وتاريخ المدينة: مخازي تبقى عُمِّموها.

سُودا النورِ
٢٥٨
الآية : ١١
وصُبَّ(١) عليهم محصداتٌ كأنها
شآبيبُ قَطْرٍ من ذُرَى المُزْنِ تَسْفَحُ(٢)
وقيل: الذي تولَّ كِبْرَه حسان، واستدلَّ بما في ((صحيح البخاري)) أيضاً عن
مسروق قال: دخل حسان على عائشةَ فشبَّب وقال: حصانٌ .. ، البيتَ. قالت:
لكنَّك لستَ كذلك. قلتُ: تَدَعين مثلَ هذا يدخلُ عليكِ وقد أنزل الله تعالى:
﴿وَِّ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت: وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمى(٣)؟
وجاء في بعض الأخبار أنها قيل لها: أليس الله تعالى يقول: (وَالَّذِى تَوَّ كِبْرَهُ)
الآيةَ؟ فقالت: أليس أصابه عذابٌ عظيم، أليس قد ذهب بصرُهُ وكُسِعَ بالسيف؟
تعني الضربةَ التي ضَرَبَها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلّم في ذلك؛ فإنه يُروَى
أنه ضربه بالسيف على رأسه لذلك، ولأبياتٍ عرَّض فيها به وبمن أسلم من العرب
من مُضَرَ، وأنشد:
غلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعرٍ
تَلقَّ ذبابَ السيفِ منِّي فإنَّني
من الباهت الرأي البريءِ الظواهر (٤)
ولكنني أحمي حماي وأتقي
وكاد يقتلُه بتلك الضربة؛ فقد روى ابنُ إسحاق(٥) أنه لمَّا ضربه وثب عليه
ثابت بن قيس بن شماس، فجمع یدیه إلى عنقه بحبلٍ ثم انطلق به إلى دار بني
الحارث بن الخزرج، فلقيه عبدُ الله بن رواحةً فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك
ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله. فقال له عبد الله: هل علم
رسول الله ◌َ﴿ بذلك وبما صنعتَ؟ قال: لا والله. قال: لقد اجترأت، أظلِقٍ
(١) في السيرة وتاريخ المدينة: وصبت.
(٢) قوله: محصدات، يعني سياطاً محكمة الفتل شديدات. والشآبيب جمع شُؤبوب، وهي
الدفعة من المطر. والذرى: الأعالي. والمزن: السحاب. وتسفح: تسيل. الإملاء
المختصر ٤٥/٣ .
(٣) صحيح البخاري (٤١٤٦) و(٤٧٥٦)، وهو عند مسلم (٢٤٨٨).
(٤) أخرجه مطولاً الطبراني في الكبير ١٥١/٢٣، ومختصراً الحاكم ٥٢٧/٣ كلاهما من حديث
عائشة رضينا. ورواية البيت الثاني في الكبير:
ولكنني أحمي حماي وأنتقم من الباهت الرامي البراة الطواهر
وفي المستدرك :... وأشتفي من الباهت الرامي البراء الطواهر.
(٥) كما في سيرة ابن هشام ٣٠٥/٢، وما سیأتي بین حاصرتين منه.

الآية : ١١
٢٥٩
سُورَةُ النّورِ
الرجلَ. فأطلقه، فأتوا رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكروا ذلك له، فدعا حسان
وصفوان، فقال صفوان: يا رسول الله، آذاني وهجاني، فاحتملني الغضبُ فضربتُه.
فقال ◌َ: ((يا حسان أتشوَّهْتَ على قومي(١) بعد أن هداهم الله تعالى للإسلام)) ثم
قال: ((أحْسِنْ يا حسان في الذي أصابك)) فقال: هي لك يا رسول الله. فعوَّضه
رسول الله وَ﴿ منها بِيرَحاء، وكان [أبو] طلحة بن سهل أعطاها إياه عليه الصلاة
والسلام، ووَهَبَه أيضاً سيرين - أمة قِبْطية - فولدتْ له عبد الرحمن بنَ حسان.
وفي روايةٍ في ((صحيح البخاري)) عن عائشة أيضاً عُؤُها أنها قالت في ((الذي
تولى كبره منهم)): هو - أي: المنافقُ - ابن أبيٍّ وحمنةٌ(٢).
وقيل: هو وحسان ومسطحٌ، وعذابُ المنافق الطردُ وظهورُ نفاقه، وعذابُ
الأخيرين بذهاب البصر.
ولا يأبى إرادةَ المتعدِّد إفرادُ الموصول؛ لما في ((الكشف)» من أنَّ ((الذي)» يكون
جمعاً وإفرادُ ضميره جائزٌ باعتبار إرادةِ الجمع، أو الفوجِ، أو الفريقِ، أو نظراً إلى
أنَّ صورتَه صورةُ المفرد، وقد جاء إفرادُه في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهٌ﴾ [الزمر: ٣٣] وجمعُه في قوله سبحانه: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾
[التوبة: ٦٩].
والمشهورُ جوازُ استعمال ((الذي)) جمعاً مطلقاً، واشترط ابن مالك في
(التسهيل)) أن يراد به الجنسُ لا جَمْعٌ مخصوصٌ، فإن أريدَ به(٣) الخصوصُ قُصِرَ
على الضرورة (٤).
هذا، ولا يخفى أنَّ إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعْدٍ، والذي أختاره إرادةٌ
الواحد، وأنَّ ذلك الواحد هو عدوُّ الله تعالى ورسولِهِ وَّهِ والمؤمنين ابنُ أبيٍّ، وقد
روى ذلك الزهريُّ عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص،
و[عبيد الله بن] عبد الله بن عتبةً، وكلَّهم سمع عائشة تقول: ((الذي تولَّى كِبْرَه))
(١) أي: أتنكّرت وتقبَّحت لهم. النهاية (شوه).
(٢) صحيح البخاري (٤٧٥٧) معلقاً، ووصله مسلم (٢٧٧٠): (٥٨).
(٣) قوله: به، ساقط من (م).
(٤) التسهيل ص٣٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٦٣/٣.

الآية : ١١
٢٦٠
سورة النورِ
عبدُ الله بن أبيّ (١). وقد تضافرت رواياتٌ كثيرةٌ على ذلك، والذاهبون إليه من
المفسّرين أكثر من الذاهبين منهم إلى غيره.
ومن الإفك الناشئ من النَّصْبِ قولُ هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى
ما يستحقُّ حين سأل الزهريَّ عن «الذي تولَّى كِبْرَه)» فقال له: هو ابنُ أبيٍّ: كَذَبْتَ هو
عليٌّ. يعني به أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه. وقد رَوَى ذلك
عن هشام البخاريُّ، والطبرانيُّ، وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل))(٢)، ولا بدعَ
من أمويُّ الافتراءُ على أمير المؤمنين عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه ورضي عنه.
وأنت تعلم أنَّ قُصارى ما روي عن الأمير رظُبه أنه قال لأخيه وابنٍ عمِّه
رسولِ الله وَّهو حين استشاره: يا رسول الله، لم يضيِّقِ الله تعالى عليك، والنساءُ
سواها كثيرٌ، وإنْ تسأل الجارية تَصْدُقْكَ(٣).
وفي رواية أنه قال: يا رسول الله، قد قال الناسُ وقد حلَّ لك طلاقُها (٤).
وفي روايةٍ أنه وُ ضَربَ بريرةَ وقال: اصْدُقي رسولَ الله ◌َِّ(٥).
وليس في ذلك شيءٌ ممَّا يَصْلُحُ مستنداً لذلك الأمويِّ الناصبي، وجلُّ غرض
الأمير مما ذكر أن يسرِّيَ عن رسول الله وَّ ما هو فيه من الغمِّ، غايةُ ما في الباب
أنه لم يسلك في ذلك مَسْلَكَ أسامةَ، وهو أمرٌ غيرُ متعيّنٍ، ومَن دَقَّق النظر عرف
مَغْزَى الأميرِ كرَّم الله تعالى وجهه، وأنه بعيدٌ عمَّا يزعمه النواصبُ بُعْدَ ما بين
المشرق والمغرب، فليتدبّر.
(١) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٣٩٣/١، وابن شبَّة في تاريخ المدينة ٣٣٧/١، وما بين
حاصرتين منهما، وأخرجه البخاري (٤٧٤٩) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة،
وسلف ص٢٥٦ من هذا الجزء.
(٢) بنحوه في صحيح البخاري (٤١٤٢)، والمعجم الكبير ٣/ (١٤٥)، ودلائل النبوة للبيهقي
٧٢/٤، والدر المنثور ٣٢/٥، وجاء فيه عندهم: الوليد بن عبد الملك، بدل: هشام،
وليس فيه قوله: كذبت. وأخرجه بلفظ المصنف مع زيادة فيه يعقوب بن شبة في مسنده
كما في الدر المنثور ٣٢/٥، وابن عساكر في تاريخه ٣٧٠/٥٥-٣٧١.
(٣) سلف ضمن حديث الإفك ص٢٤٨-٢٥٢ من هذا الجزء.
(٤) وردت هذه العبارة ضمن رواية ابن عمر عند الطبراني في الكبير ٢٣/ (١٦٤).
(٥) تنظر هذه الرواية وغيرها في فتح الباري ٨/ ٤٦٩.