النص المفهرس

صفحات 201-220

الآية : ٤
٢٠١
سُورَةُ النّنُوزِ
ثم إنَّ الإسلام والحرية إذا لم یکونا موجودیْنِ وقت الزنى المقذوف به، بل کانا
موجودين وقتَ القذف لا يفيدان شيئاً، فلو قذف امرأةً مسلمة زنت في نصرانيتها،
أو رجلاً مسلماً زنى في نصرانيته، وقال: زنيتِ وأنتِ كافرة، أو زنيتَ وأنت كافر،
أو قذف معتَقاً زنى وهو عبدٌ، أو معتقةً زنتْ وهي أمةٌ، وقال: زنيتِ أو زنيتَ وأنتَ
عبدٌ أو وأنتِ أمةٌ، لا يحدُّ. وكذا المكاتَبُ والمكاتَبةُ، والكافر الحربيُّ إذا زنى في
دار الحرب ثم أسلم.
ويفهم من كلامهم أنَّ البلوغ والعقل كالإسلام والحرية في ذلك، فقد صرَّحوا
فيما إذا قال: زنيتٍ وأنتِ صغيرة، أو زنيتَ وأنتَ مجنونٌ، بأنه لا يحدُّ، وكان
المدار في درء الحدِّ الصدق في كلِّ ذلك، ومن هنا قال في ((المبسوط))(١): إنَّ
الموطوءة إذا كانت مكرهةً يسقط إحصائُها، ولا يحدُّ قاذفها، كما يسقط إحصانُ
المكرَهِ الواطئ ولا يحدُّ قاذفه؛ لأنَّ الإكراه يُسْقِطُ الإثمَ، ولا يَخرج الفعل به من أن
یکون زنى.
لكنْ ذَكَر فيه أنَّ مَن قذف زانیاً لا حدَّ عليه، سواءٌ قذفه بذلك الزنى بعينه، أو
بزنّى آخر من جنسه، أو أبهم في حالة القذف(٢). ووجّه أنَّ الله تعالى أوجب الحدَّ
على مَن رَمَى المتَّصِفَ بالإحصان، وبالزنى لا يبقى إحصانٌ، فلا يثبت الحدُّ، خلافاً
لإبراهيم وابن أبي ليلى(٣). نعم إذا كان القذفُ بزنّى تاب عنه المقذوفُ يعزَّرُ القاذف،
وهذا يقتضي أنه لا يحتاج سقوط الحدِّ في المسائل السابقة إلى التقييد، فليتأمل.
ولو تزوَّج مجوسيٌّ بأمِّه أو بنته، ثم أسلم ففُسِخَ النكاح، فقذفه مسلمٌ في حال
إسلامه، يحدُّ عند أبي حنيفة عليه الرحمة، بناءً على ما يراه من أنَّ أنكحة المجوس
لها حكمُ الصحة. وقال الإمامان: لا يحدُّ، بناءً على أنَّ ليس لها حكمُ الصحة،
وهو قول الأئمة الثلاثة.
(١) ١١٨/٩، ونقله المصنف بواسطة ابن الهمام في فتح القدير ٢٠٥/٤.
(٢) المبسوط ١١٦/٩.
(٣) حيث حكى عنهما أنه إن قذفه بغير ذلك الزنى أو بالزنى مبهماً فعليه الحد؛ لأن الرمي
موجب للحد إلا أن يكون الرامي صادقاً، وإنما يكون صادقاً إذا نسبه إلى ذلك الزنى بعينه.
المبسوط ١١٦/١.

الآية : ٤
٢٠٢
سودة النورِ
ولا يُعلم خلافٌ بين مَن يعتبر الحرية في الإحصان في أنه لا حدَّ على مَن قذف
مكاتباً مات وترك وفاءً، لتمكّنِ الشبهة في شرط الحدِّ وهو الإحصانُ؛ لاختلاف
الصحابة ﴿ه في أنه مات حرًّا أو عبداً، وذلك يوجبُ دَرْءَ الحدِّ.
ولأنه يُدْرَأُ بالشبهة، لا يحدُّ من قَذَفَ أخرسَ؛ فإنَّ هناك احتمالَ أنْ يصدِّقه لو
نطق، ولا يعوَّلُ على إشارته هنا - وإن قالوا: إنها تقومُ مقام عبارته في بعض
الأحكام - لقيام الاحتمال فيها .
واشترطوا أيضاً أن يوجد الإحصانُ وقتَ الحدِّ، حتى لو ارتدَّ المقذوفُ سقط
الحدُّ ولو أسلم بعدُ، وكذا لو زَنَى أو وَطِئَ وَظْئاً حراماً، أو صار معتوهاً أو
أخرسَ، وبقي ذلك، لم يُحَدَّ كما في ((كافي)) الحاكم(١).
واشترطوا أيضاً أن لا يموت قبل أن يحدَّ القاذف؛ لأن الحدَّ لا يُورَثُ، وأن
لا يكون المقذوفُ ولدَ القاذف، أو وَلَدَ ولدِهِ، فلا يُحدُّ مَن قذف أحدهما، إلى غير
ذلك مما ستعلم بعضه إن شاء الله تعالى.
ولم يصرِّح أكثر الفقهاء بشروط القاذف، ويُفهم من كلامهم أنه يشترط فيه أن
يكون: بالغاً فلا يحدُّ الصبيُّ إذا قذف ويعزَّر، عاقلاً فلا يحدُّ المجنونُ ولا السكران
إلَّا إذا سكر بمحرَّم، ناطقاً فلا يحدُّ الأخرسُ لعدم التصريح بالزنى، وصرَّح بهذا
ابن الشلبي عن ((النهاية))(٢)، طائعاً فلا يحدُّ المكرَه، قاذفاً في دار العدل فلا يحدُّ
القاذفُ في دار الحرب أو البغي. وفي الآية إشارة إلى بعض ذلك.
ويحتمل أن يعدّ من الشروط كونُه عالماً بالحرمة حقيقةً أو حكماً، بأن يكون
ناشئاً في دار الإسلام، لكن في ((كافي)) الحاكم(٣): حربيٍّ دخل دار الإسلام بأمانٍ
فقَذَفَ مسلماً، يحدُّ في قوله الأخير وهو قولُ صاحبيه، وظاهرُه أنه يحدُّ ولو كان
(١) حاشية ابن عابدين ٤٦/٤.
(٢) كما في حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٥. وابن الشلبي هو أحمد بن يونس المصري الحنفي، توفي
بالقاهرة سنة (٩٤٧هـ)، له فتاوى ابن الشلبي جمعها حفيده الشيخ نور الدين علي بن محمد
المتوفى سنة (١٠١٠هـ). كشف الظنون ١٢١٨/٢، والكواكب السائرة ١١٥/٢، وشذرات
الذهب ٣٨٢/١٠.
(٣) كما في حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٥.

الآية : ٤
٢٠٣
سُوَرَّةُ الَّنُوزِّ
قذفُه في فور دخوله، ولعل وجهه أنَّ الزنى حرامٌ في كلِّ ملَّةٍ، فيحرُمُ القذفُ به أيضاً
فلا يصدّقُ بالجهل.
ويشترط أن يكون القذف بصريح الزنى بأيِّ لسانٍ كان، كما صرَّح به جمعٌ
من الفقهاء، وألحقوا به بعضَ ألفاظِ ثبت الحدُّ بها بالأثر والإجماع، فيحدّ
بقوله: زنيتَ، أو: زاني، بياء ساكنة، وكذا: يا زانئُ، بهمزةٍ مضمومةٍ عند
أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد فلا يحدُّ بذلك عنده؛ لأنه حقيقةٌ عنده
في الصعود.
وتعقِّب بأنَّ ذلك إنما يفهم منه إذا ذُكر مقروناً بمحلِّ الصعود، على أنه ينبغي
أن يكون المذهبُ أنه لو قيل مع ذِكْرِ محلِّ الصعود في حالة الغضب والسُّباب يكون
قذفاً، فقد جزم في ((المبسوط)) بالحدِّ فيما إذا قال: زَنَأْتَ في الجبل، أو: على
الجبل، في حالة الغضب(١).
ولو قال لامرأةٍ: يا زاني، حُدَّ اتفاقاً، وعلَّله في ((الجوهرة))(٢) بأنَّ الأصل في
الكلام التذكير.
ولو قال للرجل: يا زانيةُ، لا يحدُّ عند الإمام وأبي يوسف؛ لأنه أحال كلامه
فوَصَفَ الرجلَ بصفة المرأة. وقال محمد: يحدُّ؛ لأن الهاء تدخل للمبالغة كما في
علَّامة.
وأجيب بأنَّ كونها للمبالغة مجازٌ، بل هي لِمَا عُهِدَ لها من التأنيث، ولو كانت
في ذلك حقيقةً فالحدُّ لا يجب للشك.
ويحدُّ بقوله: أنت أزنى من فلان، أو منِّي، على ما في ((الظهيرية)) وهو
(١) المبسوط ١٢٦/٩-١٢٧، ولم يقيَّد فيه بحالة الغضب. وقيدها بذلك وبالسباب ابن الهمام
في فتح القدير ٣٠١/٤ حيث قال: إن كان بحيث يقال بمعنى الفاحشة وبمعنى الصعود،
فحالة الغضب والسباب تعيِّن الفاحشة.
(٢) كما في حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٥. والجوهرة لأبي بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي
المتوفى في حدود سنة (٨٠٠هـ). اختصر فيه مصنِّفه كتابَه السراج الوهاج، الذي هو شرح
لمختصر القدوري. كشف الظنون ١٦٣١/٢.

الآية : ٤
٢٠٤
سُودُالنّورِ
الظاهر، لكن في ((الفتح)) عن ((المبسوط)) أنه لا حدَّ في: أنت أَزْنَى من فلان، أو:
أزنى الناسِ(١).
وعلَّله في ((الجوهرة))(٢) بأنَّ معناه: أنت أقدرُ على الزنى.
وفي ((الفتح)) بأن ((أفعل)) في مثله يُستعمل للترجيح في العلم، فكأنه قال: أنت
أعلم بالزنى (٣). ولا يخفى أنَّ قَصْدَ ذلك في حالة السباب بعيدٌ.
وفي ((الخانية))(٤) في: أنت أزنى الناس، أو: أزنى من فلانٍ، الحدُّ، وفي:
أنت أزنى مِنِّي، لا حدَّ. ولا يخفى أنَّ التفرقة غيرُ ظاهرة، وقد يقال: إنَّ قوله:
أنت أزنى من فلان، فيه نسبةُ فلانٍ إلى الزنى وتشريكُ المخاطب معه في ذلك؛
بخلاف: أنت أزنى منِّي، لأنَّ فيه نسبة نفسه إلى الزنى، وذلك غيرُ قذفٍ، فلا يكون
قذفاً للمخاطب؛ لأنه تشريكٌ له فيما ليس بقَذْفٍ.
ويحدُّ بـ: لستَ لأبيك؛ لِمَا فيه من نسبة الزنى إلى الأمِّ، لِمَا جاء في الأثر عن
ابن مسعود: لا حدَّ إلا في قذفِ محصنةٍ، أو نفي رجلٍ من أبيه. وقيِّد بكونه في
حالة الغضب؛ إذ هو في حالة الرضا يراد به المعاتبةُ بنفي مشابهته له. وذُكر أن
مقتضَى القياس أنْ لا حدَّ به مطلقاً لجوازٍ أنْ ينفي النسب من أبيه من غير أن تكون
الأمُّ زانيةً من كلِّ وجه، بأن تكون موطوءةً بشبهةٍ ولدت في عدَّة الواطئ، لكنْ تُرِكَ
ذلك للأثر.
ولا حدَّ بالتعريض، كأن يقول: ما أنا بزانٍ، أو: ليست أمِّي زانيةً، وبه قال
الشافعيُّ وسفيان الثوريُّ وابنُ شبرمة والحسن بنُ صالح، وهو الروايةُ المشهورة عن
أحمد.
وقال مالك، وهو روايةٌ عن أحمد: يحدُّ بالتعريض، لِمَا رَوَى الزهريُّ عن
سالم عن ابن عمر قال: كان عمر ◌ُهِ يَضْرِبُ الحدَّ بالتعريض. وعن عليٍّ كرم الله
(١) فتح القدير ٢١١/٤، والمبسوط ١٢٩/٩.
(٢) كما في حاشية ابن عابدين ٤٦/٤.
(٣) فتح القدير ٤/ ١٩١.
(٤) كما في فتح القدير ٢١١/٤، وحاشية ابن عابدين ٤٦/٤.

الآية : ٤
٢٠٥
سُورَةُ النّورِ
تعالى وجهه أنه جَلَدَ رجلاً بالتعريض. ولأنه إذا عرف المراد بدليله من القرينة صار
کالصريح.
وللجماعة أنَّ الشارع لم يعتبر مثلَه، فإنه حرَّم صريحَ خطبةِ المتوفَّى عنها زوجُها
في العدَّة، وأباح التعريضَ فقال سبحانه: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]
وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَاءِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ﴾ [البقرة:
٢٣٥] فإذا ثبت من الشرع عدمُ اتَّحادِ حُكْمِهما في غير الحدِّ لم يَجز أن يعتبر مثلُه
على وجهٍ يوجبُ الحدَّ المحتاطَ في دَرْئِه. وهو أولى من الاستدلال بأنه وَلِّ لم يُلْزم
الحدَّ للَّذي قال: يا رسول الله، إنَّ امرأتي ولدت غلاماً أسود. يعرِّضُ بنفيه(١)؛
لأن إلزام حدِّ القذف متوقِّفٌ على الدعوى، والمرأةُ لم تدَّع ذلك.
ولا حدَّ بـ : وَطِئَكِ فلانٌ وطئاً حراماً، أو: جامعكِ حراماً، أو: فَجَرْتَ
بفلانة، أو: يا حرام زاده(٢)، أو: اذهب فقل لفلان: إنك زانٍ، فذهب الرسول
فقال له ذلك عنه، بأنْ قال: فلانٌ يقول: إنك زانٍ، لا إذا قال له: إنك زانٍ، فإنه
يحدُّ الرسول حينئذٍ.
واستيفاءُ ما فيه حدٍّ وما لا حدَّ فيه في كتب الفقه. وقولُنا: في كذا حدٍّ، على
إرادةٍ إذا تحقَّق الشرط المفهومُ من قوله سبحانه: (ثُمَّ لَّ يَأْتُأ) إلخ، واشتُرِطَ الإتيان
بأربعة شهداءَ تشديداً على القاذف، ويُشترط كونُهم رجالاً؛ لِمَا صرَّحوا به من أنه
لا مدخلَ لشهادة النساء في الحدود، وظاهرُ إتيانِ التاء في العدد مشعرٌ باشتراطِ
کونھم کذلك.
ولا يشترطُ فيهم العدالةُ، ليلزمَ من عدم الإتيان بأربعة شهداءَ عدولِ الجَلْدُ؛ لِمَا
صرَّح به في ((الملتقط))(٣) من أنه لو أتى بأربعةِ فُسَّاقٍ فشهدوا أنَّ الأمر كما قال،
(١) أخرجه أحمد (٧١٨٩)، والبخاري (٧٣١٤)، ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة
والكلام من فتح القدير ٤/ ١٩١ .
(٢) قوله: يا حرام زاده، هي كلمة فارسية، ومعناها بالعربية كما في المعجم الذهبي: ياابن الحرام.
(٣) الملتقط في الفتاوى الحنفية للإمام ناصر الدين أبي القاسم محمد بن يوسف السمرقندي
المتوفى سنة (٥٥٦هـ). كشف الظنون ١٨١٣/٢. والكلام من الدر المختار مع حاشية ابن
عابدين ٤/ ٥٧ .

سوداُالنودِ
٢٠٦
الآية : ٤
دُرِئ الحدُّ عن القاذف والمقذوفِ والشهود.
ووجهُ ذلك أن في الفاسق نوع قصورٍ وإن كان من أهل الأداء والتحمُّل، ولذا
لو قضى بشهادته نفذ عندنا، فيثبتُ بشهادتهم شبهةُ الزنى، فيسقط الحدُّ عنهم وعن
القاذف، وكذا عن المقذوف لاشتراط العدالة في الثبوت.
ولو كانوا عمياناً أو عبيداً أو محدودين في قذف، فإنهم يحدُّون للقذف دون
المشهود عليه؛ لعدم أهلية الشهادة فيهم كما قيل.
والظاهر أنَّ القاذف يحدُّ أيضاً؛ لأنَّ الشهود إذا حُدُّوا مع أنهم إنما تكلَّموا على
وجه الشهادة دون القذف، فحدُّ القاذف أولى.
والظاهر أنَّ المراد: ((ثم لم يأتوا بأربعة شهداءَ)) يشهدون على مَن رُمي بأنه زَنَی،
والمتبادرُ أن يكون ذلك عن معاينةٍ، لكن قال في ((الفتح)): لو شهد رجلان أو رجلٌ
وامرأتان على إقرارِ المقذوف بالزنى، يُدَرأُ عن القاذف الحدُّ، وكذا عن الثلاثة، أي:
الرجل والمرأتين؛ لأنَّ الثابت بالبينة كالثابت، فكأنَّا سمعنا إقراره بالزنى(١). انتهى.
وأنت تعلم أنَّ البينة على الإقرار لا تُعتبر بالنسبة إلى حدِّ المقذوف؛ لأنه إن
كان مُنْكِراً فقد رجع بالإنكار عن الإقرار، وهو موجبٌ لدرء الحدِّ، فتلغو البينةُ،
وإن أقرَّ بشَرْطِه لا تُسمع؛ فإنها إنما تُسْمَعُ مع الإقرار في سبع مواضع(٢) ليس هذا
الموضعُ منها .
ويشترطُ اجتماعُ شهود الزنى في مجلس الحاكم، بأن يأتوا إليه مجتمعين أو
فُرادى، ويجتمعوا فيه، ويقوم منهم إلى الحاكم واحدٌ بعد واحدٍ، فإن لم يأتوا
كذلك بأن أتوا متفرِّقين، أو اجتمعوا خارجَ مجلس الحاكم ودخلوا واحداً بعد
واحدٍ لم تُعتبر شهادتُهم، وحُدُّوا حدَّ القذف.
والظاهر أنه يجوز أن يكون أحد الشهود زوجَ المقذوفة؛ لاندراجه في ((أربعة
شهداء)) وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وروي ذلك عن الحسن والشعبيّ. وقال مالك
والشافعيُّ: يلاعِنُ الزوجُ وتُحدُّ الثلاثة، وروي مثلُه عن ابن عباس رضيًّا.
(١) فتح القدير ٢١٠/٤.
(٢) تنظر هذه المواضع في حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٧.

الآية : ٤
٢٠٧
سورة النورِ
وظاهرُ الآية أنه إذا لم يأتِ القاذفُ بتمام العدة بأن أتى باثنين أو ثلاثةٍ منها
جُلِدَ وحده ولا يُجْلَدُ الشاهد، إلَّ أنَّ المأثور جَلْدُه، فقد روي أنَّه شهد على المغيرة
بالزنى شِبْل بنُ مَعْبدٍ البجليُّ، وأبو بكرة، وأخوه نافعٌ، وتوقّف زياد، فحَدَّ الثلاثةَ
عمرُ رَُّه بمحضَرٍ من الصحابة ﴿ه ولم ينكروا عليه وهم هم (١).
وفي كلمة (ثم)) إشعارٌ بجواز تأخير الإتيان بالشهود، كما أن في كلمة ((لم))
إشارةٌ إلى تحقّق العجز عن الإتيان بهم وتقرُّرِه.
وفي غير كتاب من كتب الفروع لأصحابنا أنَّ القاذف إذا عجز عن الشهود
للحال، واستأجل لإحضارهم زاعماً أنهم في المصر، يؤجَّل مقدارَ قيام الحاكم من
مجلسه، فإن عجز حُدَّ، ولا يُكْفَلُ ليذهب لطلبهم، بل يُحبَسُ ويقال: ابعث إليهم
مَن يُحْضِرُهم، عند الإمام وأبي يوسف في أحد قوليه؛ لأنَّ سبب وجوب الحدِّ ظَهَرَ
عند الحاكم، فلا يكون له أن يؤخِّر الحدَّ؛ لتضرُّر المقذوفِ بتأخيرِ دَفْعِ العار عنه،
والتأخيرُ مقدارَ قيامه من المجلس قليلٌ لا يتضرَّر به. وفي قول أبي يوسف الآخر
وهو قولُ محمد: يُكْفَلُ - أي: بالنَّفْسِ - إلى ثلاثة أيام.
وكان أبو بكر الرازيُّ يقول(٢): مراد أبي حنيفة أنَّ الحاكم لا يُجبِرُه على إعطاء
الكفيل، فأما إذا سمحت نفسُه به فلا بأس؛ لأن تسليم نفسه مستحَقٌّ عليه، والكفيلُ
بالنفس إنما يطالَبُ بهذا القَدْرِ. وذكر ابن رستم(٣) عن محمد: أنه إذا لم يكن له مَن
يأتي بالشهود يبعثُ معه الحاكم واحداً ليردَّه عليه.
(١) علقه البخاري مختصراً قبل الحديث (٢٦٤٨)، وأخرجه الشافعي في الأم ٧/ ٤١،
وعبد الرزاق (١٣٥٦٤) و(١٣٥٦٥) و(١٣٥٦٦)، وابن أبي شيبة ٩٢/١٠، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ١٥٣/٤. قال ابن كثير في إرشاد الفقيه ٣٦٨/٢: وهو مشهور من طرق
جيدة، وهو كالمستفيض بين العلماء وأهل السير والتواريخ.
(٢) كما في فتح القدير ٢١٠/٤.
(٣) إبراهيم بن رستم، أبو بكر المروزي الحنفي، تفقَّه على محمد بن الحسن، وسمع من
مالك والثوري وحماد بن سلمة وغيرهم، له: النوادر في الفروع، توفي سنة (٢١١هـ).
الجواهر المضية ٨٠/١، وكشف الظنون ١٩٨١/٢. وكلامه في المبسوط ١١٥/٩، وفتح
القدير ٢١٠/٢.

الآية : ٤
٢٠٨
سوداُالنّورِ
والأمرُ في قوله سبحانه: ((فاجلدوهم)) لؤُلاةِ الأمر ونوَّابِهم، والظاهرُ وجوبُ
الجلدِ وإن لم يطالِب المقذوفُ، وبه قال ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة وأصحابُه
والاوزاعيُّ والشافعيُّ: لا يحدُّ إلا بمطالبته. وقال مالك كذلك، إلا أن يكون
الإمام سمعه يقذفُه فيَحُدُّه إن كان مع الإمام شهودٌ عدولٌ وإن لم يطالب المقذوف،
كذا قال أبو حيان(١).
وللمقذوف المطالبةُ وإن كان آمراً للقاذف بقذفه، لأنَّ بالأمر لا يسقط الحدُّ،
كما نقل الحصكفيُّ ذلك عن ((شرح التكملة))(٢).
ثم لا يخفى أنَّ القول بأنَّ القاذف لا يُحدُّ إلا بمطالبة المقذوفِ ظاهرٌ في أنَّ
الحدَّ حقُّ العبد، ويشهد لذلك أحكامٌ كثيرة ذكرها أصحابنا :
منها : أنه لا تَبطُلُ الشهادة على ما يوجبه بالتقادم.
ومنها: أنه لا يدفعُه الرجوعُ عن الإقرار بموجبه.
ومنها: أنه يقام على المستأمَن، وإنما يؤاخَدُ المستأمَنُ بما هو من حقوق
العباد.
ومنها: أنه يقدَّم استيفاؤه على استيفاء حدِّ الزنى وحدٌ السرقة وشرب الخمر.
ومنها: أنه يُقِيمُه القاضي بعِلْمِه إذا عَلِمَه في أيام قضائه، ولذا لو قَذَفَ بحضرته
یَحدُّه.
وعندنا أحكامٌ تشهد بأنه حقُّ الله عز وجل :
منها: أنَّ استيفاءه إلى الإمام، وهو إنما يتعيَّن نائباً في استيفاء حقِّ الله تعالى،
وأما حقُّ العبد فاستیفاؤه إليه.
ومنها: أنه لا يحلَّفُ القاذف إذا أنكر سببه وهو القذف ولم تَقُمْ عليه بينة.
ومنها: أنه لا ينقلب مالاً عند السقوط.
ومنها : أنه يتنصَّف بالرقِّ كسائر العقوبات الواجبة حقّاً له عز وجل.
(١) في البحر ٦/ ٤٣٢.
(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٨/٤.

الآية : ٤
٢٠٩
سورة النورِ
وذكر ابن الهمام(١): أنه لا خلافَ في أنَّ فيه حقَّ الله تعالى وحقَّ العبد، إلَّا أنَّ
الشافعيَّ مال إلى تغليب حقِّ العبد باعتبارِ حاجته وغِنَى الحقِّ سبحانه وتعالى،
ونحن صِرْنا إلى تغليب حقِّ الله تعالى؛ لأنَّ ما للعبد من الحقوق يتولَّى استيفاءَه
مولاه، فيصير حقُّ العبد مُوجَباً لتغليب(٢) حقِّ الله تعالى لا مُهْدَراً، ولا كذلك
عكسُه، أي: لو غلِّب حقُّ العبد لزم أن لا يُستَوْفَى حقُّ الله عز وجل إلَّا بأن يجعل
ولاية استيفائه إليه، وذلك لا يجوز إلا بدليلٍ ينصبُه الشرعُ على إنابة العبد في
الاستيفاء، ولم يثبت ذلك، بل الثابتُ هو استنابة الإمام، حتى كان هو الذي
يستوفيه کسائر الحدود التي هي حقُّه سبحانه وتعالى.
ويتفرَّع على الخلاف: أنَّ مَن ثبت أنه قُذِفَ فمات قبل إقامة الحدِّ على القاذف
لا يُورَثُ عنه إقامةُ الحدِّ عندنا؛ إذ الإرثُ يجري في حقوق العباد بشرط كونها
مالاً، أو ما يَتَّصل بالمال(٣)، أو ما ينقلبُ إليه (٤)، وتُورَثُ عنده.
وأنَّ الحدَّ لا يسقط عندنا بعد ثبوته، إلّا أن يقول المقذوف: لم يقذفني، أو:
كَذَبَ شهودي، وحينئذ يظهر أن القذف لم يقع موجباً للحدِّ، لا أنه وقع ثم سقط
بقوله ذلك، وهذا كما إذا صدَّقه المقذوف.
وقال زين الدين: إنَّ المقذوف إذا عفا لم يكن للإمام استيفاءُ الحدِّ؛ لعدم
الطلب، فإذا عاد وطَلَبَ، يقيمُه ويَلْغو العفوُ. وعند الشافعيِّ يصحُّ العفو، وعن
أبي يوسف مثله(٥)، وكأنَّ المراد أنه إذا عفا سقط الحدُّ، ولا ينفع العودُ إلى
المطالبة.
وأنه لا يجوز الاعتياضُ عنه عندنا، وبه قال مالك، وعنده يجوزُ، وهو قولُ
أحمدَ.
وأنه يجري فيه التداخُلُ عندنا لا عنده، وبقولنا قال مالك والثوريُّ والشعبيُّ
(١) في فتح القدير ١٩٧/٤ - ١٩٨ .
(٢) في فتح القدير: فيصير حقُّ العبد مرعيّاً بتغليب.
(٣) بعدها في فتح القدير: كالكفالة.
(٤) بعدها في فتح القدير: كالقصاص.
(٥) البحر الرائق ٣٩/٥ بنحوه.

الآية : ٤
٢١٠
سورة النورِ
والنخعيُّ والزهريُّ وقتادةٌ وطاوسٌ وحمادٌ، وأحمدُ في روايةٍ، حتى إذا حُدَّ إلا سوطاً
فقَذَفَ آخر، فإنه يتمُّ الأول ولا شيءً للثاني.
وكذا إذا قَذَفَ واحداً مراتٍ، أو جماعةً بكلمةٍ مثل: أنتم زناة، أو بكلمات
مثل: أنت يا زيدُ زانٍ، وأنت يا عمرو زانٍ، وأنت يا بِشْرُ زان، في يوم أو أيامٍ،
يُحدُّ حدّاً واحداً إذا لم يتخلَّلْ حدٌّ بين القذفين.
ووافَقَنا الشافعيُّ في الحدِّ الواحد لقاذفٍ جماعةٍ بكلمةٍ مرةً واحدةً.
وفي ((الظهيرية)): مَن قَذَفَ إنساناً فحُدَّ، ثم قَذَفَه ثانياً لم يُحَدَّ، والأصلُ فيه
ما روي أنَّ أبا بكرةَ لمَّا شهد على المغيرة فحُدَّ لِمَا سمعتَ، كان يقول بعد ذلك في
المحافل: أشهدُ: إنَّ المغيرة لزانٍ، فأراد عمر رَّه أن يحدَّه ثانياً، فمنعه عليّ
كرم الله تعالى وجهه، فرجع إلى قوله وصارت المسألةُ إجماعاً(١). اهـ.
والظاهرُ أنَّ هذا فيما إذا قذفه ثانياً بالزنى الأول، أو أطلق، لحمل إطلاقه على
الأول؛ لأن المحدود بالقذف يكرِّر كلامه لإظهار صِدْقِه فيما حُدَّ به كما فعل
أبو بكرة، فإنه لم يُرِدْ: إنَّ المغيرة لزانٍ، أنه زانٍ غير الزنى الأول، أما إذا قذفه بعد
الحدِّ بزنّى آخر فإنه يحدُّ به كما في ((الفتح))(٢).
وذكر صدر الإسلام أبو اليسر (٣) في ((مبسوطه)): الصحيحُ أنَّ الغالب في هذا
الحدِّ حقُّ العبد كما قال الشافعي؛ لأنَّ أكثر الأحكام تدلُّ عليه، والمعقولُ يشهد
له، وهو أنَّ العبد ينتفع به على الخصوص، وقد نصَّ محمد في ((الأصل)) على أنَّ
حدَّ القذف كالقصاص حقُّ العبد، وتفويضُه إلى الإمام لأنَّ كلَّ أحدٍ لا يهتدي إلى
إقامته، ولأنه ربما يريد المقذوفُ موتَه لحنقه، فيقع متلَفاً، وإنما لا يورَثُ لأنه
مجرَّد حقّ، ليس مالاً ولا بمنزلته، فهو كخيارِ الشرط وحقِّ الشُّفعة، بخلاف
(١) البحر الرائق ٤٣/٥، وحاشية ابن عابدين ٥٨/٤. وخبر المغيرة أخرجه ابن أبي شيبة
١٠/ ٩٢-٩٣، والبيهقي ٢٣٥/٨.
(٢) ٢٣٧/٤.
(٣) محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي، انتهت إليه رئاسة الحنفية بما وراء النهر، ملأ
بتصانيفه بطون الأوراق، توفي ببخارى سنة (٤٩٣هـ). الفوائد البهية ص ١٨٨، وكشف
الظنون ١٥٨١/٢، وكلامه في فتح القدير ١٩٨/٤.

الآية : ٤
٢١١
سُورَةُ الَّنودِ
القصاص فإنه ينقلب إلى المال، وأيضاً هو في معنى ملك العين؛ لأنَّ مَن له
القصاصُ يملك إتلاف العين، وملكُ الإتلاف ملكُ العين عند الناس، فصار مَن
عليه القصاصُ كالملك لمن له القصاصُ، فيملكه الوارث في حقِّ استيفاء
القصاص، وإنما لا يصحُّ عفوُه لأنه متعنِّتُ فيه؛ لأنه رضي بالعار، والرضا بالعار
عارٌ. ولا يخفى ما في ذلك من الأبحاث.
والشافعيُّ(١) يستدلُّ بالآية لعدم التداخل؛ فإنَّ مقتضاها ترتُّبُ الحكم على
الوصف المشعِرِ بالعِّية، فيتكرَّر بتكُّره.
ويجاب: بأن الإجماع لمَّا كان على دفع الحدود بالشبهات، كان مقيِّداً لِمَا
اقتضته الآية من التكرُّر - عند التكرُّرِ - بالتكرُّر الواقع من بعد الحدِّ الأول، بل هذا
ضروريٌّ؛ لظهورِ أنَّ المخاطبين بالإقامة في قوله تعالى: (فَالِدُوهُز) هم الحگّامُ،
ولا يتعلَّق بهم هذا الخطاب إلا بعد الثبوت عندهم، فكان حاصلُ الآية إيجابَ
الحدِّ إذا ثبت عندهم السببُ، وهو الرميُّ، وهو أعمّ من كونه بوصفِ الكثرة أو
القلّة، فإذا ثبت وقوعُه منه كثيراً كان موجباً للجَلْدِ ثمانين ليس غير، فإذا جُلد ذلك
وقع الامتثال.
ثم هو عليه الرحمةُ ترك مقتضَى التكرُّر بالتكررُّ فيما إذا قذف واحداً مرةً، ثم
قذفه ثانياً بذلك الزنى، فإنه لا يحدُّ مرتين عنده أيضاً، وكذا في حدِّ الزنى والشرب؛
فإنه إذا زنى ألفَ مرةٍ أو شرب كذلك، لا يحدُّ إلا مرةً. فالحقُّ أنَّ استدلاله بالآية
لا يخلص؛ فإنه مُلْجِئٌ إلى ترك مِثْلِها من آيةٍ أخرى، وهي آيةُ حدِّ الزنى، فيعود إلى
أنَّ هذا حقّ آدميّ بخلاف الزنى، فكان المبنى هو إثبات أنه حقُّ الله عز وجل، أو
حقُّ العبد، والنظر الدقيق يقتضي أنَّ الغالب فيه حقُّ الله سبحانه وتعالى، فتدبرَّ.
ثم الظاهرُ أنَّ الرمي المرادَ في الآية لا يتوقَّفُ على حضور المرميِّ وخطابه،
فقذفُ المحصَن حاضراً أو غائباً له الحكمُ المذكور، كما في ((التتارخانية)) نقلاً عن
((المضمرات))(٢) واعتمده في ((الدرر)). ويدلُّ على أنَّ الغيبة كالحضور حدُّهُ وَِّ أهلَ
(١) كما في فتح القدير ٢٠٨/٤-٢٠٩، وعنه نقل المصنف.
(٢) جامع المضمرات والمشكلات، ويقال له أيضاً: المضمرات، وهو من شروح مختصر
=

سُورَةُ الَّنُودِ
٢١٢
الآية : ٤
الإفك مع أنه لم يُشافِهْ أحدٌ منهم به مَن نزَّهها الله تعالى عنه.
فما في ((حاوي الزاهدي))(١): سمع من أناسٍ كثيرةٍ أن فلاناً يزني بفلانة، فتكلَّم
بما سمعه منهم مع آخَرَ في غيبة فلانٍ، لا يجب حدُّ القذف؛ لأنه غيبةٌ لا رميٍّ
وقذفٌ بالزنى؛ لأنَّ الرمي والقذف به إنما يكون بالخطاب، كقوله: يا زاني
يا زانية = ضعيفٌ لا يُعوَّلُ علیه .
والظاهرُ أيضاً أنه لا فرقَ بين رمي الحيِّ ورمي الميت، فإذا قال: أبوك زانٍ،
أو: أمُّك زانيةٌ، كان قذفاً ويحدُّ عند تحقّق الشرط، لا لو قال: جدُّك زانٍ، فإنه
لا حدَّ عليه لما في ((الظهيرية))(٢) من أنه لا يُدْرَى أيُّ جدِّ هو. وفي ((الفتح)): لأنَّ
في أجداده مَن هو كافر، فلا يكون قاذفاً مالم يعيِّن محصناً(٣).
ويطالِبُ بحدِّ القذف للميت مَن يقع القَدْحُ في نسبه بالقذف، وهو الوالد وإن
علا والولدُ وإن سفل، ولا يطالبان عن غائبٍ، خلافاً لابن أبي ليلى، لعدم اليأس
عن مطالبته، ولأنه يجوز أن يصدِّق القاذفَ، وولدُ البنت كولد الابن في هذا
الفصل، خلافاً لما روي عن محمد.
وتثبتُ المطالبة للمحروم عن الميراث بقتلٍ أو رقِّ أو كفرٍ، نعم ليس للعبد أن
يطالب مولاه بقذفٍ أمِّه الحرَّةِ التي قذفها في حال موتها، وعند زُفر: إذا كان الولد
عبداً أو كافراً، لا حقَّ له فيها مطلقاً .
وتَثبُت للأبعد مع وجود الأقرب، فيطالِبُ ولدُ الولد مع وجود الولد، خلافاً
الزفر. ولو عفا بعضهم كان لغيره المطالبةُ؛ لأنها لدفع العار عن نفسه.
والأمُّ كالأب تطالب بحدٍّ قَذْفٍ ولدها، لا أمُّ الأمُّ وأبوها.
= القدوري في فروع الحنفية، ليوسف بن عمر بن يوسف الصوفي المتوفى سنة (٨٣٢هـ).
كشف الظنون ١٦٣٢/٢-١٦٣٣. والكلام من حاشية ابن عابدين ٤٨/٤.
(١) مختار بن محمود الزاهدي الغزميني الحنفي، أبو الرجاء المتوفى سنة (٦٥٨هـ). كشف
الظنون ١/ ٦٢٨.
(٢) كما في البحر الرائق ٣٨/٥، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٥٠.
(٣) فتح القدير ١٩٦/٤، وفيه: مسلماً، بدل: محصناً، وكذا في حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٠ نقلاً
عن فتح القدير.

الآية : ٤
٢١٣
سُوَرَةُ الَّنُوزِ
ولا يطالبُ الابنُ أباه وجدَّه وإن علا بقذفٍ أمِّه، وهو قول الشافعيِّ وأحمد
وروايةٌ عن مالك، والمشهورُ عنه أنَّ للابن أن يطالب الأبَ بقذفِ الأمِّ، فيقيم عليه
الحدَّ، وهو قول أبي ثور وابن المنذر؛ لعموم الآية أو إطلاقها، ولأنه حدٌّ هو
حقُّ الله عز وجل، ولا يمنع من إقامته قرابةُ الولاد.
وأجيب بأنَّ عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّقُل لَُّمَآ أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣] مانعٌ من إقامة
الولد الحدَّ على أبيه، ولا فائدة للمطالبة سوى ذلك، والمانعُ مقدَّم، وقد صحَّ
أنه وَّ قال: ((لا يقادُ الوالدُ بولده، ولا السيدُ بعبده))(١).
وأجمعوا على أنه لا يقتصُّ منه بقتل ولده، ولا شكَّ أن إهدار جنایته على نفس
الولد تُؤْجِبُ إهدارَها في عِرْضِه بطريق الأَوْلى، مع أن القصاص متيقَّنٌ سببُه
والمغلّبُ فيه حقُّ العبد، بخلاف حدِّ القذف فيهما .
ولا حقَّ لأخي الميت وعمِّه وعمته وخاله وخالته في المطالبة بحدٍّ قذفه.
وعند الشافعيِّ ومالكٍ عليهما الرحمةُ تثبتُ المطالبة لكلِّ وارثٍ، وهو روايةٌ
غريبةٌ عن محمد، وللشافعية فيمَن يرتُه ثلاثةُ أوجُهٍ؛ الأول: جميعُ الورثة، والثاني:
غير الوارث بالزوجية، والثالث: ذكورُ العصبات لا غير.
والظاهر أن مطالبة مَن له المطالبةُ بالحدِّ غيرُ واجبةٍ عليه، بل في
((التتارخانية))(٢): وحَسُنَ أن لا يرفعَ القاذفُ إلى القاضي ولا يطالبَ بالحدِّ، وحَسُنَ
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٥٧)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ١٨٢، وابن عدي ١٧١٣/٥،
والحاكم ٣٦٨/٤ من حديث عمر به بلفظ: ((لا يقاد مملوك من مالكه ولا والد بولده)) وفيه
قصة. وفي إسناده عمر بن عيسى القرشي، قال عنه البخاري: منكر الحديث. ينظر نصب الراية
٣٤٠/٤.
وأخرجه بإسناد آخر من حديث عمر أيضاً أحمد (١٤٧) و(٣٤٦)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن
ماجه (٢٦٦٢). والبيهقي ٣٨/٨ بلفظ: ((لا يقاد والد من ولد)). قال ابن عبد البر في التمهيد
٤٣٧/٢٣: روي حديث ((لا يقاد والد بولده)) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
ومن حديث عمر، ومن حديث ابن عباس، وهو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز
والعراق، مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكاد أن
يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفاً .
(٢) كما في حاشية ابن عابدين ٤٨/٤.

سودة النودِ
٢١٤
الآية : ٤
من الإمام أن يقول للمطالِب: أَعْرِضْ عنه ودَعْه. اهـ.
وكأنه لا فرقَ في هذا بين أن يعلم الطالبُ صِدْقَ القاذف وأن يعلم كذبه.
وما نقل في ((القنية) من أنَّ المقذوفَ إذا كان غيرَ عفيفٍ في السرِّ له مطالبةُ القاذفِ
ديانةً، فيه نظرٌ لا يخفى(١).
وظاهرُ الآية أنه لا فرقَ بين أن يكون الرامي حرّاً وأن يكون عبداً، فيُجْلَدُ كلٌّ
منهما إذا قَذَفَ وتحقَّق الشرطُ ثمانين جلدةً، وبذلك قال عبد الله بن مسعود
والأوزاعيُّ وجمهورُ الأئمة، على أنَّ العبد ينصَّفُ له الحدُّ؛ لِمَا علمتَ أولَ السورة.
وإذا أُرِيدَ إقامةُ الحدِّ على القاذف لا يجرَّدُ من ثيابه إلّا في قول مالك؛ لأن
سببه وهو النسبةُ الى الزنى كذباً غيرُ مقطوعٍ به؛ لجواز كونه صادقاً غير أنه عاجزٌ
عن البيان. نعم ينزع عنه الفروُ والثوبُ المحشوُّ؛ لأنهما يَمنعان من وصول الألم
إليه، كذا في عامة الكتب، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثوبٌ ذو بطانةٍ غيرُ محشوٍّ
لا يُنْزَعِ. والظاهرُ كما في ((الفتح)) أنه لو كان هذا الثوبُ فوق قميصٍ نُزع؛ لأنه
يصيرُ مع القميص كالمحشوِّ أو قريباً من ذلك، ويَمنع إيصالَ الألم(٢)، وكيف
لا والضربُ ھنا أخفُّ من ضرب الزنى؟
هذا وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم: ((بأربعةٍ))(٣) بالتنوين، فـ ((شهداءَ)) بدلٌ أو
صفة، وقيل: حالٌ أو تمييزٌ، وليس بذاك. وهي قراءةٌ فصيحةٌ ورجَّحها ابن جنِّي(٤)
على قراءة الجمهور، بناءً على إطلاق قولهم: إنه إذا اجتمع اسمُ العدد والصفة كان
الإتباعُ أجودَ من الإضافة.
وتعقِّبَ بأنَّ ذاك إذا لم تَجْرِ الصفة مجرى الأسماء في مباشرتها العوامل، وأمَّا
إذا جَرَتْ ذلك المجرى فحُكْمُها حُكْمُها في العدد وغيره، غايةٌ ما في الباب أنه
يجوزُ فيها الإبدالُ بعد العدد نظراً إلى أنها غيرُ متمخِّضةِ الاسمية، و((شهداء)» من
ذلك القبيل، فـ ((أربعة شهداءَ)) بالإضافة أفصحُ من ((أربعةٍ شهداءَ)) بالتنوين والإتباع.
(١) حاشية ابن عابدين ٤٨/٤.
(٢) فتح القدير ٤/ ١٩٢
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ١٠١/٢، والبحر ٤٣١/٦.
(٤) في المحتسب ١٠١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٤٣١/٦.

الآية : ٤
٢١٥
سُؤَدَّةُ الَّنُوزِ
وقال ابن عطية (١): وسيبويه يرى أنَّ تنوين العدد وتَرْكَ إضافته إنما يجوز في
الشعر. انتهى.
وكأنه أراد الطعن في هذه القراءة على هذا القول، وفيه أنَّ سيبويه إنما يرى
ذلك في العدد الذي بعده اسمٌ، نحو: ثلاثة رجال، دون الذي بعده صفةٌ فإنه على
التفصيل الذي ذكر، كما قال أبو حيان(٢).
وقولهُ سبحانه: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْ لَمْ شَهْدَةً أَبَدًّا﴾ أي: مدةَ حياتهم كما هو الظاهرُ،
عطفٌ على ((اجلدوا)) داخلٌ في حُكْمِه، تتمَّةٌ له، كأنه قيل: فاجلدوهم وردُوا
شهادتهم، أي: فاجمعوا لهم الجَلْدَ والرَّدَّ.
وردُّ شهادتهم عند الإمام أبي حنيفة عليه الرحمةُ معلَّقٌ باستيفاءِ الجَلْدِ، فلو
شهدوا قبل الجَلْدِ، أو قبل تمام استيفائه، قُبِلَتْ شهادتُهم. وقيل: تُرَدُّ إذا ضُربوا
سوطاً. وقيل: تردُّ إذا أقيم عليهم الأكثرُ.
ومن الغريب ما رَوَى ابنُ الهمام عن مالك، أنه مع قوله: إنَّ للابن أن يطالب
بحدِّ والده إذا قذف أمَّه، قال: إنه إذا حُدَّ الأب سقطتْ عدالةُ الابن؛ لمباشرته
سببَ عقوبةٍ أبيه(٣)، أي: وكذا عدالةُ الأب، وهذا ظاهرٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾﴾ كلامٌ مستأنفٌ مبيِّنٌ لسوء حالهم في
حُكْمِ الله عز وجل، وما في اسم الإشارة من معنى البعدِ للإيذان ببُعْدِ منزلتهم في
الشر والفساد، أي: أولئك هم المحكومُ عليهم بالفسق والخروج عن الطاعة
والتجاوُزِ عن الحدود الكاملون فيه، كأنهم هم المستحقُّون لإطلاق اسم الفاسق
عليهم، لا غيرُهم من الفسقة.
ويعلم مما أشرنا إليه أنهم فَسَقةٌ عند الشرع الحاكم بالظاهر، لا أنهم كذلك في
نفس الأمر وعند الله عز وجل العالِم بالسرائر؛ لاحتمال صِدْقِهم مع عَجْزِهم عن
الإتيان بالشهداء كما لا يخفى، وصرَّح بهذا بعضُ المفسرين.
(١) في المحرر الوجيز ١٦٤/٤، ونقله المصنف عن البحر ٤٣٢/٦.
(٢) في البحر ٦/ ٤٣٢. وينظر الكتاب ٢٠٦/١.
(٣) فتح القدير لابن الهمام ٤/ ١٩٧ .

سُورَةُ الْنُودِّ
٢١٦
الآية : ٤
وجوِّز أن يكون المراد الإخبارَ عن فِسْقِهم عند الله تعالى وفي عِلْمِه، ووجهُه إذا
كانوا كاذبين ظاهرٌ. وأما وجهُه إذا كانوا صادقين، فهو أنهم هتکوا ستر المؤمنین،
وأوقعوا السامعَ في الشكِّ من غير مصلحةٍ دينية بذلك، والعِرْضُ مما أمر الله تعالى
بصَوْنِهِ إذا لم يتعلَّقْ بهَتْكِه مصلحةٌ، فكانوا فسقةً غير ممثلين أمرَه عز وجل.
ولا يخفى حُسْنُ حَمْلِ الآية على هذا المعنى، وهو أوفقُ لما ذكره الحصكفيُّ
في (شرح الملتقى)»(١) نقلاً عن النجم الغزِّيِّ، من أن الرمي بالزنى من الكبائر وإن
كان الرامي صادقاً ولا شهود له عليه، ولو من الوالد لولده وإن لم يحدَّ به بل يعزَّر،
ولو لغير (٢) مُخْصَنٍ، وشَرْطُ الفقهاء الإحصانَ إنما هو لوجوب الحدِّ لا لكونه
كبيرة، وقد روى الطبرانيُّ عن واثلة عن النبيِّ بَِّ أنه قال: ((مَن قذفَ ذميّاً حُدَّ له
يومَ القيامة بسياطٍ من نار))(٣).
وهذه مسألةٌ مختلفٌ فيها، ففي ((شرح جمع الجوامع)) للعلَّامة المحلِّي (٤): قال
الحَليميُّ: قذفُ الصغيرة والمملوكةِ والحرَّةِ المتهتِّكةِ من الصغائر؛ لأنَّ الإيذاء في
قَذْفِهِنَّ دونه في الحرَّة الكبيرة المستترة(٥). وقال ابن عبد السلام: قَذْفُ المحصَنِ
في خلوةٍ بحيث لا يسمعه إلَّ اللهُ تعالى والحفظةُ ليس بكبيرةٍ موجبةٍ للحدِّ؛ لانتفاء
المَفْسَدة، أمَّا قذفُ الرجلِ زوجتَه إذا أتت بولدٍ يَعْلَمُ أنه ليس منه فمباٌ، وكذا جَرْحُ
الراوي والشاهدِ بالزنى إذا عُلِمَ، بل هو واجبٌ. انتهى.
وظاهرُ ما نُقِلَ عن ابن عبد السلام نفي إيجاب الحدِّ، لا نفيُ كونه كبيرةً أيضاً؛
الشيوع توجّه النفي إلى القيد في مثله، وإن قلنا: إنه هنا لنفي القيد والمقيّد، فهو
ظاهرٌ - كما قال الزركشيُّ - فيما إذا كان صادقاً، لا فيما إذا كان كاذباً؛ لجرأته
على الله تعالى جلَّ شأنُه، فهو كبيرةٌ وإن كان في الخلوة.
(١) على هامش مجمع الأنهر ١/ ٦١٢، وذكره عنه ابن عابدين في الحاشية ٤/ ٤٤.
(٢) في (م): غير، والمثبت من الأصل وشرح الملتقى وحاشية ابن عابدين.
(٣) المعجم الكبير ٢٢/(١٣٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٨٠: فيه محمد بن محصن
العكاشي وهو متروك.
(٤) شرح جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/ ١٥٤.
(٥) في شرح جمع الجوامع: المتستّرة.

الآية : ٥
٢١٧
سُوَدَّةُ الَّنُودِ
ولعل ما ذكره من وجوب جَرْحِ الشاهد بالزنى - إذا عُلم - مقيَّدٌ بما إذا قدر على
الإتيان بالشهود. والأوْلى عندي فيما إذا كان الضررُ في قبول شهادته عليه يسيراً
عدمُ الجَرْحِ بذلك وإن قدر على إثباته.
وما ذكره في جَرْحِ الراوي لا يتمُّ - فيما أرى - على رأي مَن يعتبر الجَرْحَ
المجرَّدَ عن بيان السبب.
ولا يَبْعُدُ القول بأنَّ الرمي منه ما هو كفرٌ، كرمي عائشةَ ظَّا، سواءٌ كان جهراً
أو سرّاً، وسواءٌ كان بخصوص الذي برَّأه الله تعالى منه أو بغيره، وكذا رميُ سائرٍ
أمَّهاتِ المؤمنين رضي الله عنهن، وكذا القولُ في مريم عليها السلام.
ومنه ما هو كبيرةٌ دون الكفر، ومثالُه ظاهرٌ.
ومنه ما هو صغيرةٌ كرمي المملوكة والصغيرة.
ومنه ما هو واجبٌ كرمي شاهدٍ على مسلم معصوم الدم بما يكون سبباً لقتله لو
قُبلت شهادته، وعلم كونها زوراً، وتعيَّن ذلك لردِّ شهادته وصيانةٍ ذلك المسلم من
القتل، ولو كان رميُه مع إقامة البينة عليه بالزنى موجباً لرَجْمِهِ.
ومنه ما هو سنَّةٌ، كرمي ترتَبتْ عليه مصلحةٌ دون مصلحةِ الرمي الواجب.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّيْنَ تَابُواْ﴾ أي: رجعوا عما قالوا، وندموا على ما تكلَّموا،
استثناءٌ من ((الفاسقين)) كما صرَّح به أكثر الأصحاب. وقال بعضهم: المستثنى منه
في الحقيقة ((أولئك)»، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّق بذلك. ومحلُّ المستثنى
النصبُ لأنه عن الموجب.
وقوله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لتهويل المَتوبِ عنه، أي: من بعد ما اقترفوا
ذلك الذنبَ العظيم الهائل.
وقوله تعالى ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ على معنى: وأصلحوا أعمالَهم بالاستحلال ممن رمَوْه.
وهذا ظاهرٌ إن كان قد بقي حيّاً، فإن كان قد مات، فلعل الاستغفارَ له يقومُ مقام
الاستحلال منه، كما قيل في نظير المسألة.
فإن كانوا قد رَمَوا أمواتاً فالظاهرُ أنهم يستحلُّون ممَّن خاصمَهم وطَلَبَ إقامةً

سُورَةُ الْنُودِ
٢١٨
الآية : ٥
الحدِّ عليهم، ويحتمل أن يغنيَ عنه الاستغفارُ لمن رموه، والجمعُ بين الاستحلال
من أولئك المخاصمين والاستغفارِ للمَرْميينَ أولى، ولم أَرَ مَن تعرَّضَ لذلك.
وكونُ الاستثناء من الجملة الأخيرة مذهبُ الحنفية، فعندهم لا تُقبَلُ شهادةٌ
المحدود في قذفٍ وإن تاب وأصلح، لكن قالوا: إنْ حُدَّ الكافرُ ثم أسلم قُبلَتْ
شهادتُه وإن لم تكن تقبل قَبْلُ على أهل الذمة، ووجهُه: أنَّ النصَّ موجبٌ لردِّ
شهادته الناشئةِ عن أهليته الثابتةٍ له عند القَذْفِ، ولذا قيل: ((ولا تقبلوا لهم شهادةً»
دون: ولا تقبلوا شهادتهم، أي: ولا تقبلوا منهم شهادةً من الشهادات حالَ كونها
حاصلةً لهم عند الرمي، والشهادةُ التي كانت حاصلةً للكافر عند الرمي هي الشهادةُ
على أبناء جنسه، فتدخلُ تحت الردِّ، وأما الشهادةُ التي اعتُبِرتْ بعد الإسلام فغيرُ
تلك الشهادة، ولهذا قُبِلتْ على أهل الإسلام وغيرهم، فلم تدخل تحت الردِّ.
وهذا بخلاف العبد إذا حدَّ في قذفٍ ثم أعتق، فإنه لا تقبل شهادتهُ لأنه لم تكن
له شهادةٌ من قبلُ للرِّقٌّ، فلزم كونُ تتميم حدِّه بردِّ شهادته التي تجدَّدت له.
وقد طُلبَ الفرقُ بينه وبين مَن زنى في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام فإنه
لا يحدُّ، حيث توقَّفَ حكمُ الموجب في العبد إلى أن أَمْكَّنَ، ولم يتوقَّف في الزنى
في دار الحرب إلى الإمكان بالخروج إلى دار الإسلام.
وأجيبَ بأنَّ الزنى في دار الحرب لم يقع موجباً أصلاً؛ لعدم قدرة الإمام، فلم
يكن الإمامُ مخاطباً بإقامته أصلاً؛ لأنَّ القدرة شرطُ التكليف، فلو حُدَّ بعد خروجه
من غير سببٍ آخَرَ كان بلا موجِبٍ، وغيرُ الموجب لا ينقلب موجباً بنفسه، خصوصاً
في الحدِّ المطلوب دَرْؤُه، وأما قَذْفُ العبد فموجبٌ - حال صدوره - للحدِّ، غير أنه
لم يكن تمامُه في الحال، فيتوقَّف تتميمُه على حدوث ذلك بعد العتق، کذا قيل.
وقال في ((المبسوط)) في الفرق بين الكافر إذا أسلم بعد الحدِّ والعبدِ إذا أعتق
بعده: إن الكافر استفاد بالإسلام عدالةً لم تكن موجودةً له عند إقامة الحدِّ، وهذه
العدالةُ لم تكن مجروحةً، بخلاف العبد فإنه بالعتق لا يستفيدُ عدالةً لم تكن من
قبل، وقد صارت عدالته مجروحةً بإقامة الحدِّ(١).
(١) المبسوط ١٢٨/١٦.

الآية : ٥
٢١٩
سُورَةُ السَّنُورِ
ثم لا فرقَ في العبد بين أن يكون حُدَّ ثم أُعتق، وبين أن يكون أُعتق ثم حُدَّ،
حيث لم تُقبل شهادته في الصورتين، وأما الكافرُ فإنه لو قَذَفَ محصناً ثم أسلم ثم
حُدَّ، لا تقبلُ شهادته.
ومقتضى الآية عدمُ قبول كلِّ شهادةٍ للمحدود حادثةً كانت أو قديمةً؛ لما أنَّ
((شهادة) نكرةٌ، وهي واقعةٌ في حيِّز النهي فتفيدُ العمومَ، كالنكرة الواقعة في حيِّز
النفي، وهذا يعكِّر على ما مرَّ من قبول شهادة الكافر المحدود إذا أسلم.
وأجاب العلامة ابن همام(١): بأن التكليف بما في الوسع، وقد كلِّف الحكامُ
بردّ شهادته، فالامتثالُ إنما يتحقَّق بردِّ شهادةٍ قائمة، فحيث ردَّت تحقَّقَ الامتثالُ
وتمَّ، وقد حدثَتْ أخرى فلو ردَّت كانت بلا مقتضٍ(٢)، إذ الموجب أخذُ مقتضاه.
وللبحث فيه مجال.
ومقتضى العموم أيضاً عدمُ قبول شهادة المحدود في الديانات وغيرها، وهي
روايةٌ ((المنتقى)) (٣)، وفي روايةٍ أخرى أنها تقبل في الديانات، وكأنهم اعتبروها
روايةً وخبراً لا شهادةً، وربَّ شخصٍ تردُّ شهادته وتقبل روايته.
وأورد على العموم أنهم اكتَفَوْا في النكاح بشهادة المحدودین.
وأجيب: بأنَّ الشهادة هناك بمعنى الحضور، وإنما يكتفَى به في انعقاد النكاح،
وقد صرَّحوا بأنَّ للنكاح حُكْمين: حُكْمُ الانعقاد وحُكْمُ الإظهار، ولا يقبل في
الثاني إلا شهادةُ من تُقْبلُ شهادتُه في سائر الأحكام كما في ((شرح الطحاوي)) (٤).
والحاصلُ أنَّ الآية تدلُّ على وجوب ردِّ شهادة المحدود على الحكّام، بمعنى:
أنه إذا شهد عندهم على حكم وجب عليهم ردُّ شهادته، ويندرج في ذلك شهادتُه في
النكاح؛ لأنه يشهد عندهم إذًا وقع التجاحُد، فلا يعكِّر على العموم اعتبارُ حضوره
مجلسَ النكاح في صحة انعقاده؛ إذ ذلك أمرٌ وراء ما نحن فيه، كذا قيل فليتدبّر.
(١) في فتح القدير ٢٠٧/٤.
(٢) في الأصل: كانت غير مقتض، وفي (م): كان غير مقتضى، والمثبت من فتح القدير.
(٣) كما في فتح القدير ٣١/٦.
(٤) حاشية ابن عابدين ٢٣/٣.

سودة النّورِ
٢٢٠
الآية : ٥
وذهب الشافعيُّ إلى قبول شهادة المحدود إذا تاب، والمرادُ بتوبته أن يكذِّبَ
نفسه في قذفه. ومَبْنَى الخلاف - على المشهور - الخلافُ فيما إذا جاء استثناءٌ بعد
جُملٍ مقترنة بالواو، هل ينصرف للجملة الأخيرة، أو إلى الكلِّ، أو هناك تفصيلٌ؟
فالذي ذهب إليه أصحاب الشافعيِّ انصرافُه إلى الكلِّ، والذي ذهب إليه
أصحاب أبي حنيفة انصرافُه للجملة الأخيرة. وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين
البصريُّ وجماعةٌ من المعتزلة: إنْ كان الشروع في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى
ولا يضمر فيها شيءٌ مما في الأولى فالاستثناءُ مختصٌّ بالجملة الأخيرة؛ لأنَّ
الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الأولى - مع استقلالها بنفسها - إلى غيرها إلَّا وقد
تمَّ مقصودُه منها .
وذلك على أربعة أقسام:
الأول: أن تختلف الجملتان نوعاً، كما لو قال: أَكْرِمْ بني تميم والنحاةُ
البصريون إلَّا البغاددة؛ إذ الجملة الأولى أمرٌ والثانية خبر.
الثاني: أن يتَّحدا نوعاً ويختلفا اسماً وحكماً، كما لو قال: أَكْرِمْ بني تميم
واضْرِبْ ربيعةً إلا الطّوال؛ إذ هما أمران.
الثالث: أن يتَّحِدا نوعاً ويشتركا حكماً لا اسماً، كما لو قال: سَلِّم على بني
تميم وسَلِّم على بني ربيعةً إلا الطّال.
الرابع: أن يتَّحدا نوعاً ويشتركا اسماً لا حكماً، ولا يشتركَ الحُكْمانِ في
غرضٍ من الأغراض، كما لو قال: سَلِّم على بني تميم واسْتَأُجِرْ بني تميم
إلا الطّوال. وقوةُ اقتضاءِ اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة في هذه الأقسام على
هذا الترتيب.
وإن لم يكن الشروعُ في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى، بأنْ كان بين
الجملتين نوعُ تعلَّقٍ، فالاستثناءُ ينصرف إلى الكلِّ، وذلك على أربعة أقسام أيضاً:
الأول: أن يتَّحِدَ الجملتان نوعاً واسماً لا حُكمْاً، غيرَ أنَّ الحُكمين قد اشتركا
في غرضٍ واحد، كما لو قال: أَكْرِمْ بني تميم وسلِّم على بني تميم إلا الطّوال؛
لاشتراكهما في غرضِ الإعظام.