النص المفهرس
صفحات 161-180
التفسير الإشاري ١٦١ سُؤَدَةُ الْمُؤْمِنُونَ ومن باب الإشارة في الآيات: قيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: وصلوا إلى المحلِّ الأعلى والقُربةِ والسعادة، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾ ظاهراً وباطناً. والخشوعُ في الظاهر: انتكاسُ الرأس، والنظرُ إلى موضع السجود وإلى ما بين يديه، وتركُ الالتفات، والطمأنينةُ في الأركان(١)، ونحو ذلك. والخشوعُ في الباطن: سكونُ النفس عن الخواطر والهواجس الدنيوية بالكلِّية، أو تركُ الاسترسال معها، وحضورُ القلب لمعاني القراءة والأذكار، ومراقبةُ السرِّ بتّرْكِ الالتفات إلى المكونات، واستغراقُ الروح في بحر المحبة. والخشوعُ شرط لصحة الصلاة عند بعض الخواصِّ، نقل الغزاليُّ عن أبي طالب المكيِّ عن بشرٍ الحافي: مَن لم يَخْشَعْ فَسَدَتْ صلاتُهُ(٢). وهو قولٌ لبعض الفقهاء، وتفصيلُه في كتبهم. ولا خلافَ في أنه لا ثوابَ في قولٍ أو فعلٍ من أقوالِ أو أفعالِ الصلاة أُدِّيَ مع الغفلة، وما أقبح مُصَلٌّ يقول: ((الحمد لله رب العالمين)) وهو غافلٌ عن الربِّ جلَّ شأنُه، متوجّهٌ بشراشرِهِ إلى الدرهم والدينار (٣)، ثم يقول: ((إياك نعبد وإياك نستعين)) وليس في قلبه وفِكْرِه غيرُهما. ونحوُ هذا كثيرٌ، ومن هنا قال الحسن: كلُّ صلاةٍ لا يَحْضُرُ فيها القلبُ فهي إلى العقوبة أسرع. وقد ذكروا أنَّ الصلاة معراجُ المؤمن، أَفَتَرى مثلَ صلاةِ هذا تَصْلُحُ لذلك؟! حاشَ للهِ تعالى، مَن زَعَمَ ذلك فقد افترى. ﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ الَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال بعضهم: اللغوُ كلُّ ما يَشْغَلُ عن الحقِّ عَزَّ : وجلَّ. وقال أبو عثمان: كلُّ شيءٍ فيه للنفس حظّ فهو لغو. وقال أبو بكر بن طاهر: كلُّ ما سوى اللهِ تعالى فهو لغوٌ. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوْةِ فَعِلُونَ﴾ هي تزكيةُ النفس عن الأخلاق الذميمة. (١) إلى هذا الموضع نهاية السقط من الأصل. (٢) إحياء علوم الدين ١٦٠/١. (٣) في الأصل: والدنيا. سُؤَةُ الْمُؤْمِنُونَ ١٦٢ التفسير الإشاري ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَىَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ إشارةٌ إلى استيلائهم على القوة الشَّهْوية فلا يتجاوزون فيها ما حُدَّ لهم. وقيل: الإشارةُ فيه إلى حِفْظِ الأسرار، أي: والذين هم ساترون لِمَا يَقْبُحُ كَشْفُه من الأسرار عن الأغيار، إلا على أقرانهم ومَن ازْدَوَجَ معهم، أو على مُريديهم الذین هم کالعبيد لهم. ﴿وَلَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ﴾ قال محمد بن الفضل: سائر جوارحهم ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ الميثاق الأزليّ ﴿رَعُونَ﴾ فهم حَسنو الأفعال والأقوال والاعتقادات. ﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُونَ﴾ فيؤدُّونها بشرائطها، ولا يفعلون فيها وبعدها ما يضيِّعها كالرياء والعُجْب. ﴿وَلَغَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَِّ مِّن ◌ِينٍ﴾ قيل: المخلوقُ من ذلك هو الهيكلُ المحسوسُ، وأمَّا الروحُ فهي مخلوقةٌ من نورٍ إلهيِّ يَعِزُّ على العقول إدراكُ حقيقته . وفي قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾ إشارةٌ إلى نفخ تلك الروح المخلوقة من ذلك النور، وهي الحقيقةُ الآدميةُ المرادة في قوله وَليه: (حَلَقَ الله تعالى آدم على صورته)) (١) أي: على صفته سبحانه من كونه حيّاً عالماً مريداً قادراً، إلى غير ذلك من الصفات. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَِّقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِينَ﴾ إشارةٌ إلى مراتب النفس التي بعضُها فوق بعضٍ، وكلُّ مرتبةٍ سُفْلَى منها تحجُبُ العليا، أو إشارةٌ إلى حُجُبِ الحواسِّ الخمس الظاهرة وحاسَّتي الوهم والخيال، وقيل غيرُ ذلك. ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قيل: أي: سماء العناية ﴿مَّ﴾ أي: ماءَ الرحمة، ﴿يِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدارِ استعدادِ السالك ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضٍ وجوده ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُ بِهِ، جَنَّتٍ مِّنْ تَّخِيلٍ﴾ أي: نخيل المعارف ﴿وَأَعْنَبٍ﴾ أي: أعناب الكشوف. (١) أخرجه أحمد (٨١٧١)، والبخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة التفسير الإشاري ١٦٣ سُوَّةُ الْمُؤْمِنُونَ وقيل: النخيل إشارةٌ إلى علوم الشريعة، والأعنابُ إشارةٌ إلى علوم الطريقة. ﴿لَّكُمْ فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ هي ما كان منها زائداً على الواجب، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ إشارةٌ إلى ما كان واجباً لا يتمّ قوامُ الشريعة والطريقة بدونه. ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْنَآءَ﴾ إشارةٌ إلى النور الذي يُشْرِقُ من طور القلب بواسطة ما حصل له من التجلِّي الإلهيّ. ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعٍ لِلْأَكِينَ﴾ أي: تَنْبتُ بالجامع لهذين الوصفين، وهو الاستعداد، والآكلين إشارةٌ إلى المتغذِّين بأطعمة المعارف. ﴿أَدْفَعْ بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ﴾ فيه من الأمر بمكارم الأخلاق ما فيه. ﴿وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَرْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزِّينَ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي الاغترارُ بالأعمال، وإرشادٌ إلى التشبُّث برحمة الملك المتعال. نسال الله تعالى أن يوفِّقنا لطاعته، ويغفر لنا ما ارتكبناه من مخالفته، ويتفضَّلَ علينا بأعظم مما نؤمِّلُه من رحمته، كرامةً لنبيِّه الكريم، وحبيبه الذي هو بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وشَرَّفَ وعظّم وكرَّم. سُورَةُ النّورِ مَدَنيَّةٌ كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير ﴾(١). وحكى أبو حيان الإجماعَ على مدنيَّتها(٢). ولم يَسْتَثْنِ الكثيرُ من آيها شيئاً، وعن القرطبيِّ أنَّ آيَةَ: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَذِنَكُمْ) إلخ مكية(٣). وهي اثنتان وستُّون آيَةً، وقيل: أربعٌ وستُّون آية. ووَجْهُ اتصالِها بسورة المؤمنين أنه سبحانه لمَّا قال فيها: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ ذكر في هذه أحكام مَن لم يَحْفَظُ فَرْجَه من الزانية والزاني، حَفِظُونَ وما اتَّصل بذلك من شأن القَذْفِ وقصةِ الإفك، والأمرِ بغضِّ البصر الذي هو داعيةٌ للزنى، والاستئذانِ الذي إنما جُعل من أجل النظر، وأَمَرَ فيها بالإنكاح حفظاً للفرج، وأَمَرَ مَن لم يقدر على النكاح بالاستعفاف، ونهى عن إكراه الفتيات على الزنى. وقال الطبرسيُّ في ذلك: إنه تعالى لمَّا ذكر فيما تقدَّم أنه لم يخلق الخَلْقَ للعبث بل للأمر والنهي، ذَكَر جلَّ وعلا هاهنا جملةً من الأوامر والنواهي(٤). ولعل الأول أَوْلَی. وَلة: («علموا رجالكم سورة المائدة، وجاء عن مجاهد قال: قال رسول الله وعلِّموا نساءكم سورة النور))(٥). (١) الدر المنثور ١٨/٥، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٣٧. (٢) البحر ٤٢٦/٦. (٣) تفسير القرطبي ٣٣٢/١٥. (٤) مجمع البيان ٦/١٨. (٥) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٤٢٨). الآية : ١ ١٦٥ سُورَةُ الَّنودِ وعن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ ◌َُّه قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ظه: أن تعلَّموا سورة النساء والأحزاب والنور(١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةُ﴾ُ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هذه سورةٌ، وأُشيرَ إليها بـ ((هذه)) تنزيلاً لها منزلةَ الحاضر المشاهَدِ، وقوله تعالى: ﴿أَنزَلْنَهَا﴾، مع ما عُطِفَ عليه صفاتٌ لها، مؤكِّدةٌ لِمَا أفاده التنكيرُ من الفخامة من حيث الذاتُ بالفخامة من حيث الصفاتُ، على ما ذكره شيخ الإسلام(٢). والقولُ بجواز أن تكون للتخصيص احترازاً عمَّا هو قائم بذاته تعالی، ليس بشيءٍ أصلاً كما لا يخفى. وجوِّز أن تكون ((سورة)) مبتدأً محذوفَ الخبر، أي: ممَّا يُتْلَى عليكم، أو: فيما أَوْحينا إليك، سورةٌ أنزلناها .. إلخ، وذَكَر بعضُهم أنه قُصد من هذه الجملة(٣) الامتنانُ والمدحُ والترغيبُ، لا فائدةُ الخبر ولا لازمُها وهو كونُ المخبرِ عالماً بالحكم للعلم بكلِّ ذلك، والكلامُ فيما إذا قُصد به مثلُ هذا إنشاءٌ على ما اختاره في ((الكشف)»، وهو ظاهرُ قول الإمام المرزوقيّ في قوله: قَومِي هُمُوا قتلوا أُمَيْمَ أَخِي هذا الكلامُ تحزُّنٌ وتفجُّعٌ، وليس بإخبار (٤). واختار آخرون أنَّ الجملة خبريةٌ مرادٌ بها معناها إلا أنها إنما أُوْرِدتْ لغرضٍ سوى إفادةِ الحكم أو لازمه، وإليه ذهب السيالكوتيُّ، وأَوَّلَ كلامَ المرزوقيّ بأنَّ المراد بالإخبار فيه الإعلام، وتحقيقُ ذلك في موضعه. (١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٢٨ . (٢) في تفسيره ٦/ ١٥٥ . (٣) أي: على القول بأن ((سورة)) مبتدأ محذوف الخبر. ينظر حاشية الشهاب ٣٥١/٦. (٤) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢٠٤/١، وسلف البيت ١٣٦/٤ و٣٧٣/٦ و٢٤٨/١٢. وعجزه: فإذا رميتُ يصيبني سهمي. سورةالنورِ ١٦٦ الآية : ١ واعترض شيخُ الإسلام هذا الوجهَ بما بحث فيه(١). وجوَّز ابنُ عطية أن تكون ((سورة)) مبتدأً، والخبر قوله تعالى: (الَِّيَّةُ وَالَّانِ) إلخ(٢). وفيه من البُعْدِ ما فيه. والوجهُ الوجيهُ هو الأول، وعندي في أمثال هذه الجمل أنَّ الإثبات فيها متوجّهٌ إلى القيد، وقد ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر، وهو هنا إنزالُها وفَرْضُها، وإنزالُ آيَاتٍ بينات فيها لأَجْلِ أن يتذكّر المخاطبون، أو مرجوًّا تَذَكُرُهم، فتأمَّل. وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهدٌ وعيسى بنُ عمر الثقفيُّ البصريُّ وعيسى بن عمر الهمدانيُّ الكوفيُّ وابنُ أبي عبلةَ وأبو حيوةَ ومحبوبٌ عن أبي عمرو وأمّ الدرداء: ((سورةً)) بالنصب(٣) على أنها مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي: اتلُ، وقدَّر بعضهم: اتلوا بضمير الجمع؛ لأنَّ الخطابات الآتيةَ بعده كذلك، وليس بلازم؛ لأنَّ الفعل متضمِّنٌ معنى القول، فيكون الكلام حينئذٍ نظيرَ قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ) ولا شكَّ في جوازه. وجوَّز الزمخشريُّ أن تكون نصباً على الإغراء، أي: دونك سورةً(٤). وردّه أبو حيان: بأنه لا يجوز حذفُ أداة الإغراء(٥)؛ لضَعْفِها في العمل؛ لِمَا أنَّ عملها بالحمل على الفعل، وكلامُ ابن مالك يقتضي جوازَه، وزَعَم أنه مذهبُ سيبويه(٦)، وفیه بحث. وجوَّز غيرُ واحدٍ كونَ ذلك من باب الاشتغال، وهو ظاهرٌ على مذهبٍ مَن (١) تفسير أبي السعود ٦/ ١٥٥، وفيه: وأما كونها مبتدأ محذوف الخبر، على أن يكون التقدير: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، فيأباه أن مقتضى المقام بيان شأن السورة الكريمة، لا أن في جملة ما أوحي إلى النبي وَ ﴿ سورة شأنها كذا وكذا، وحَمْلُها على السورة الكريمة بمعونة المقام يوهم أن غيرها من السور الكريمة ليست على تلك الصفات. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٠ . (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ٩٩/٢، والبحر ٦/ ٤٢٧. (٤) الكشاف ٤٦/٢. (٥) البحر ٤٢٧/٦. (٦) حاشية الشهاب ٦/ ٣٥٢. ويعني بكلام ابن مالك ما ذكره الشهاب من أن ابن مالك أجاز في قوله: أيها المائح دلوي دونكا، أن يكون دلوي مفعولاً لدونك آخر مضمراً. الآية : ١ ١٦٧ سُودَةُ النّورِ لا يشترط في المنصوب على الاشتغال صحةً الرفع على الابتداء، وأمَّا على مذهب مَن يشترطُ ذلك فغيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ((سورة)) نكرةٌ لا مسوِّغ لها، فلا يجوز رَفْعُها على الابتداء، ولعل مَن يشترطُ ذلك ويقول بالنصب على الاشتغال هنا يجعل النكرةَ موصوفةً بما يدلُّ عليه التنوينُ، كأنه قيل: سورةً عظيمةً، كما قيل في: شرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ(١). وقال الفرَّاء: نصب ((سورةً)) على أنها حالٌ من ضمير النصب في ((أنزلناها)) والحالُ من الضمير يجوز أن يتقدَّم عليه(٢). انتهى، ولعل الضمير على هذا للأحكام المفهومة من الكلام، فكأنه قيل: أنزلنا الأحكام سورةً، أي: في حال كونها سورةً من سُوَرِ القرآن، وإلى هذا ذهب في ((البحر))(٣). وربما يقال: يجوز أن يكون الضمير للسورة الموجودة في العِلْم من غير ملاحظةٍ تقييدها بوَصْفٍ، و((سورةً)) المذكورةُ موصوفةٌ بما يدلُّ عليه تنوينُهَا، فكأنه قيل: أنزلنا السورةَ حالَ كونها سورةً عظيمة. ولا يخفى أنَّ كلَّ ذلك تكلُّفٌ لا داعيَ إليه مع وجود الوجه الذي لا غبارَ عليه. وقوله تعالى: ﴿وَفَضْتَهَا﴾ إما على تقدير مضافٍ، أي: فرضنا أحكامها، وإمَّا على اعتبارِ المجازِ في الإسناد، حيث أسند ما للمدلول للدالِّ لملابسةٍ بينهما تُشْبِهُ الظرفية. ويحتمل على بُعْدٍ أن يكون في الكلام استخدامٌ بأن يراد بـ ((سورة)) معناها الحقيقيُّ، وبضميرها معناها المجازيُّ، أعني الأحكامَ المدلول عليها بها. والفَرْضُ في الأصل: قَطْعُ الشيء الصلب والتأثيرُ فيه، والمراد به هنا الإيجابُ على أتمٍّ وجهٍ، فكأنه قيل: أَوْجَبْنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً، وفي ذكر ذلك براعةُ استهلالٍ على ما قيل. وقرأ عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وأبو عمرو، وابن (١) المستقصى ١٣٠/٢، ومجمع الأمثال ١/ ٣٧٠، والقاموس (هرر)، وفيه: يُضرب في ظهور أمارات الشرِّ ومخابله، لمَّا سمع قائلُه هريراً أشفق من طارق شرِّ، فقال ذلك تعظيماً للحال عند نفسه ومستمعه. (٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٤ بنحوه. (٣) ٦/ ٤٢٧. الآية : ١ ١٦٨ سورة النورِ كثير: ((وفرَّضناها)) بتشديد الراء (١) لتأكيد الإيجاب، والإشارة إلى زيادة لزومه، أو لتعدُّدِ الفرائض وكثرتها، أو لكثرةِ المفروض عليهم من السَّلَفِ والخَلَف. وفي بعض الحواشي الشهابية (٢): قد فُسِّر ((فرَّضناها)) بفصَّلناها، ويجري فيه ما ذُكر أيضاً. ﴿وَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في هذه السورة ﴿مَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ يحتملُ أن يراد بها الآياتُ التي نِيْطَتْ بها الأحكامُ المفروضةُ، وأمرُ الظرفية عليه ظاهر، ومعنى كونها بيناتٍ وضوحُ دلالتها على أحكامها لا على معانيها مطلقاً؛ لأنها أسوةٌ لأكثر الآيات في ذلك، وتكريرُ ((أنزلنا)) مع استلزام إنزالِ السورة إنزالَها لإبراز (٣) كمال العناية بشأنها . ويحتملُ أن يراد بها جميعُ آيات السورة، والظرفيةُ حينئذٍ باعتبارِ اشتمالِ الكلِّ على كلِّ واحدٍ من أجزائه، ومعنى كونها بيناتٍ أنها لا إشكالَ فيها يُخْوِجُ إلى تأويلٍ كبعض الآيات، وتكريرُ («أنزلنا)) مع ظهورٍ أنَّ إنزالَ جميع الآيات عينُ إنزالِ السورة؛ لاستقلالها بعنوانٍ رائقٍ داعٍ إلى تخصيص إنزالها بالذكر إبانةً لخطرها ورَفْعاً لمحلِّها، كقوله تعالى: ﴿وَيِّنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ﴾ [هود: ٥٨] بعد قوله سبحانه: ﴿نَّنَا هُودًا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾ [هود: ٥٨]. والاحتمالُ الأول أَظْهَرُ، وقال الإمام: إنه تعالى ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائلَ التوحيد، فقوله تعالى: (وَفَضْتَهَا) إشارةٌ إلى الأحكام المبيَّنةِ أولاً، وقوله سبحانه: (وَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍِ بَيِنَتٍ) إشارةٌ إلى ما بيّن من دلائل التوحيد، ويؤيِّده قولُه عز وجل: ﴿لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ فإنَّ الأحكام لم تكن معلومةً حتی یتذگّرونها(٤). انتهى. وهو عندي وجهٌ حسن، نعم قيل: فيما ذكره من التأييد نظرٌ، إذ لمن ذهب إلى الاحتمال الأول أن يقول: المراد من التذكُّر غايتُه، وهو انِّقاءُ المحارِمِ بالعمل (١) التيسير ص ١٦١، والنشر ٣٣٠/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو. (٢) ٣٥٣/٦. (٣) في (م): إبراز، وهو خطأ . (٤) تفسير الرازي ١٣٠/٢٣. الآية : ٢ ١٦٩ سُودَةُالنّورِ بموجب تلك الآيات. ولقائل أن يقول: إنَّ هذا مُخْوِجٌ إلى ارتكاب المجاز في التذكُّر، دون ما ذكره الإمام؛ فإنَّ التذكُّر عليه على معناه المتبادِرِ، ويكفي هذا القَدْرُ في كونه مؤيّداً . وأصل ((تَذَكَّرون)»: تتذكَّرون حذف إحدى التاءين. وقرئ بإدغام الثانية منهما في الذال(١). ﴿الَِّيَّةُ وَِّ﴾ شروعٌ في تفصيل الأحكام التي أُشيرَ إليها أوَّلاً، ورَفْعُ ((الزانية)) على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والكلامُ على حذفِ مضافٍ وإقامةِ المضاف إليه مقامه، والأصلُ: ممَّا يُتْلَى عليكم، أو: في الفرائض - أي: المشارِ إليها في قوله تعالى: ﴿وَفَضْنَهَا﴾ - حكمُ الزانية والزاني. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ فِنْهُمَا مِائَةَ جَدَّةٍ﴾ سببيةٌ، وقيل: سيفُ خطيب. وذهب الفرَّاء والمبرِّد والزجَّاجُ(٢) إلى أنَّ الخبر جملةُ ((فاجلدوا)) إلخ، والفاء في المشهور لتضمُّنِ المبتدأ معنى الشرط؛ إذ اللام فيه وفيما عُطِفَ عليه موصولةٌ، أي: التي زَنَتْ والذي زَنَی فاجلدوا .. إلخ. وبعضُهم يجوِّزُ دخول الفاء في الخبر إذا كان في المبتدأ معنًى يستحقُّ به أن يترتَّب عليه الخبر وإنْ لم يكن هناك موصولٌ، كما في قوله: وقائلةٍ خولانُ فانْكِحْ فتائَهم(٣) فإنَّ هذه القبيلة مشهورةٌ بالشرف والحُسْنِ شهرةَ حاتمٍ بالسخاء وعنترةَ بالشجاعة، وذلك معنّى يستحقُّ به أن يترتَّب عليه الأمرُ بالنكاح، وعلى هذا يَقْوَى أمرُ دخول الفاء هنا كما لا يخفى. وقال العلّامة القطب: جيءَ بالفاء لوقوع المبتدأ بعد ((أمَّا)) تقديراً، أي: أمَّا (١) أي: ((تذَّگَّرون)) وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو ونافع وابن كثير وشعبة ويعقوب وأبي جعفر، وقرأ الباقون: ((تَذَكَّرون)). التيسير ص ١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٤٤/٢، والكامل ٨٢٢/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٧/٤-٢٨. (٣) وعجزه: وأكرومةُ الحيين خِلْوٌ كما هيا، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها، وسلف ١٨٩/٧ . الآية : ٢ ١٧٠ سُوَّةُ الّنُزِ الزانيةُ والزاني فاجلدوا .. إلخ، ونقل عن الأخفش أنها سيفُ خطيب. والداعي لسيبويه على ما ذهب إليه(١) ما يُفْهَمُ من ((الكتاب)) - كما قيل - من أنَّ النهج المألوفَ في كلام العرب إذا أريد بيانُ معنَى وتفصيلُه اعتناءً بشأنه أن يذكر قبله ما هو عنوانٌ وترجمةٌ له، وهذا لا يكون إلا بأنْ يُبْنَى على جملتين، فما ذهب إليه في الآية أَوْلَى لذلك ممَّا ذهب إليه غيره، وأيضاً هو سالمٌ من وقوع الإنشاء خبراً والدغدغة التي فيه، وأمرُ الفاء عليه ظاهرٌ لا يحتاج إلى تكلُّفٍ، وقال أبو حيان: سببُ الخلاف أنَّ سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبرَ كونَ المبتدأ موصولاً بما يقبل مباشرةً أداة الشرط، وغيرهما لا يشترط ذلك(٢). وقرأ عبد الله: ((والزَّانِ)) بلا ياءٍ تخفيفاً(٣). وقرأ عيسى الثقفيُّ، ويحيى بن يعمر، وعمرو بن فائد، وأبو جعفر، وشيبةُ، وأبو السمال، ورويس: ((الزانيةَ والزانيّ)) بنَصْبِهما(٤) على إضمارٍ فعلٍ يفسِّره الظاهر، والفاء على ما قال ابنُ جِنِّي(٥) لأنَّ مآل المعنى إلى الشرط، والأمرُ في الجواب يقترنُ بها، فيجوز: زيداً فاضْرِبِه، لذلك، ولا يجوز: زيداً فضَرَبْتُه، بالفاء؛ لأنها لا تدخل في جواب الشرط إذا كان ماضياً. والمراد هنا على ما في بعض شروح ((الكشاف)): إنْ أردتُم معرفةَ حُكْمٍ الزانية والزاني فاجلدوا .. إلخ. وقيل: إنْ جلدتُم الزانيةَ والزاني فاجلدوا .. إلخ، وهو لا يدلُّ على الوجوب المرادِ. وقيل: دخلت الفاء لأن حقَّ المفسِّر أن يذكر عقبَ المفسَّر، كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. (١) أي: في اعتباره أن ((الزانية)) خبر مبتدأ محذوف، كما سلف قريباً، والمصنف رحمه الله لم ينسب هذا القول لسيبويه عند ذكره له، وهو مذهبٌ مشهور عنه. ينظر الكتاب ١/ ١٤٢ -١٤٣. (٢) بنحوه في البحر ٦/ ٤٢٧. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٦/ ٤٢٧. (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ٢/ ١٠٠، والبحر ٦/ ٤٢٧. (٥) في المحتسب ٢/ ١٠٠، وينظر حاشية الشهاب ٣٥٣/٦. الآية : ٢ ١٧١ سُودَةُالَّنُوزِ ويجوز أن تكون عاطفةً، والمراد: جَلْدٌ بعد جَلْدٍ، وذلك لا ينافي كونَه مفسِّراً للمعطوف عليه؛ لأنه باعتبار الاتِّحاد النوعيِّ. انتهى. وأنتَ تعلم أنه لم يُعْهَدِ العطفُ بالفاء فيما اتَّحد فيه لفظُ المفسِّر والمفسَّر، وقد نصُّوا على عدم جواز: زيداً فضَرَبْتُه، بالاتِّفاق، فلو ساغ العطفُ فيما ذكر لجاز هذا على معنى: ضَرْبٌ بعد ضَرْبٍ، على أنَّ كون المراد فيما نحن فيه جَلْدٌ بعد جَلْدٍ ممَّا لا يخفى ما فيه، فالظاهرُ ما نُقِلَ عن ابن جنِّي. والمشهور أنَّ سيبويه والخليل يفضلان قراءة النصب(١)؛ لمكان الأمر، وغيرُهما من البصريين والكوفيين يفضِّلون الرفعَ لأنه كالإجماع في القراءة، وهو أقوى في العربية؛ لأنَّ المعنى عليه: مَن زَنَى فاجْلِدوه، كذا قال الزجَّاج(٢). وقال الخفاجيُّ بعد نقله كلام سيبويه في هذا المقام: ليس في كلام سيبويه شيءٌ مما يدلُّ على التفضيل كما سمعتَ، بل يُفْهَمُ منه أنَّ الرفع في نحو ذلك أفصحُ وأبلغُ من النصب من جهة المعنى، وأفصحُ من الرفع على أنَّ الكلام جملةٌ واحدةٌ من جهة المعنى واللفظ معاً(٣)، فليُراجَعْ ولْيتَأَمَّلْ. والجَلْدُ: ضَرْبُ الجِلْدِ، وقد اطّرد صوُ فعلِ المفتوح العين الثلاثيٍّ من أسماء الأعيان، فيقال: رَأَسَه وظَهَرَه وبَطَنَه: إذا ضَرَبَ رَأْسَه وظَهْرَه وبَطْنَه. وجوَّز الراغب أن يكون معنى جَلَده: ضَرَبه بالجِلْدِ، نحو عَصَاه: ضربه بالعصا (٤). والمراد هنا المعنى الأولُ، فإنَّ الأخبار قد دلَّتْ على أنَّ الزانية والزاني يُضربان بسوطٍ لا عقدةَ عليه، ولا فَرْعَ له، وقيل: إنَّ كون الجَلْدِ بسوط كذلك كان في زمن عمر رُه بإجماع الصحابة، وأمَّا قبله فكان تارةً باليد، وتارةً بالنعل، وتارةً بالجريدة الرطبة، وتارةً بالعصا . ثم الظاهرُ من ضرب الجِلد أعمُّ من أن يكون بلا واسطةٍ أو بواسطة، وزعم بعضهم - وليس بشيءٍ - أنَّ الظاهر أن يكون بلا واسطة، وأنه ربما يُستأنس به لِمَا (١) ينظر الكتاب ١٤٤/١. (٢) في معاني القرآن ٢٧/٤. (٣) حاشية الشهاب ٣٥٣/٦. (٤) مفردات الراغب (جلد). سُورَةُالنودِ ١٧٢ الآية : ٢ ذهب إليه أصحابُنا، وبه قال مالكٌ، من أنه يُنزع عن الزاني عند الجَلْدِ ثيابه إلا الإزار، فإنه لا يُنزع لستر عورته به، وعن الشافعيِّ وأحمد: أنه يترك عليه قميصٌ أو قميصان. ورَوَى عبدُ الرزاق بسنده عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه أُتي برجلٍ في حدٍّ، فضربه وعليه كساءٌ قسطلانيٌّ (١). وعن ابن مسعود رُله: لا يحلُّ في هذه الأمة تجريدٌ ولامٌ(٢). وأما الامرأةُ(٣) فلا يُنزِعُ عنها ثيابُها عندنا إلا الفروُ والمحشوُّ، ووجهُه ظاهر .. وفي بعض الأخبار ما يدلُّ على أنَّ الرجل والمرأة في عدم نَزْع الثياب إلَّا الفروَ والمحشوَّ سواءٌ(٤). وكأنَّ مَن لا يقول بنَزْع الثياب يقول: إنَّ الَجَلْدَ في العُرْفِ الضَّرْبُ مطلقاً، وليس خاصّاً بضرب الجِلْدِ بلا واسطةٍ، نعم ربما يقال: إنَّ في اختياره على الضرب إشارةً إلى أنَّ المراد ضَرْبٌ يؤلمُ الجِلْدَ، وكأنه لهذا قيل: يُنْزَعُ الفرؤُ والمحشوُّ، فإنَّ الضرب في الأغلب لا يؤلم جِلْدَ مَن عليه واحدٌ منهما. وينبغي أن لا يكون الضرب مبرِّحاً لأنَّ الإهلاك غيرُ مطلوب، ومن هنا قالوا: إذا كان مَن وجب عليه الحدُّ ضعيفَ الخِلْقةِ فخيفَ عليه الهلاكُ يُجلَدُ جَدْداً ضعيفاً يَحْتَمِلُه، وكذا قالوا: يفرَّقُ الضربُ على أعضاء المحدود؛ لأنَّ جَمْعَه في عضوٍ قد يفسدُه، وربما يُقْضي إلى الهلاك. وينبغي أن يُتَّقَى الوجهُ والمذاكير؛ لِمَا رُوي موقوفاً على عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، أنه أُتي برجلٍ سكرانَ، أو في حدٍّ، فقال: اضْرِبْ وأعْطِ كلَّ عضوٍ حقّه، واتَّقِ الوجهَ والمذاكير (٥). (١) مصنف عبد الرزاق (١٣٥٢٣). (٢) مصنف عبد الرزاق (١٣٥٢٢). (٣) كذا في الأصل و(م)، والأفصح: المرأة. قال الزبيدي في تاج العروس (مرأ): وقد حكى أبو علي: الامرأة، بدخول ((أل)) على امرأة المقرون بهمزة الوصل من أوَّله، أنكرها أكثر شرَّاح الفصيح، ومن أثبتها حكم بأنها ضعيفة. (٤) أخرج عبد الرزاق في المصنف (١٣٥٢٦) عن المغيرة بن شعبة به أنه سئل عن القاذف: أتنزعُ عنه ثيابه؟ فقال: لا تنزع إلا أن تكون فرواً أو محشوًّا. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٨/١٠-٤٩. الآية : ٢ ١٧٣ سُودَةُ النودِ وكذا الرأسُ؛ لأنه مَجْمَعُ الحواسِّ الباطنةِ فربما يَفْسُدُ، وهو إهلاكٌ معنى، وكان أبو يوسف يقول باتِّقائه، ثم رجع وقال: يُضْرَبُ ضربةً واحدة. وروي عنه أنه استثنى البطن والصدر، وفيه نظرٌ، إلّا أن يقال: كان الضربُ في زمانه كالضرب الذي يفعلُه ظَلَمَةُ زماننا، وحينئذ ينبغي أن يقول باستثناء الرأس قطعاً . وعن مالك أنه خصَّ الََّهْرَ وما يليه بالجَلْدِ؛ لِمَا صحَّ من قوله ◌َِّ لهلال بن أمية: ((البيئةَ وإلَّا فحدٌّ في ظهرك))(١) . وأجيب بأن المراد بالظهر فيه نَفْسُه، أي: فحدٌّ ثابتٌ عليك، بدليلٍ ما ثَبَتَ عن كبار الصحابة من عمر وعليٍّ وابن مسعود ظه، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا ضَرَبَ أحدُكم فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ))(٢) فإنه في نحوِ الحدِّ، فما سواه داخلٌ في الضرب، ثم خُصَ منه الفرجُ بدليل الإجماع. وعن محمد: في التعزير ضَرْبُ الَّهْرِ، وفي الحدود ضَرْبُ الأعضاء. ثم هذا الضربُ يكون للرجل قائماً غيرَ ممدودٍ، وللمرأة قاعدةً، وجاء ذلك عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. وكأنَّ وجهه أنَّ مَبْنَى الحدِّ على التشهير زجراً للعامَّة عن مثله، والقيامُ أبلغ فيه، والمرأةُ مَبْنَى أمرِها على الستر، فيُكتفَى بتشهير الحدِّ فقط من غير زيادةٍ، وإن امتنع الرجلُ ولم يقف، أو لم يصبر، فلا بأس برَبْطِه على أسطوانةٍ، أو إمساك أحدٍ له. والمراد من العدد المفروض في جَلْدِ كلِّ واحدٍ منهما - أعني مئةَ جَلْدةٍ - ما يقال له مئةُ جلدةٍ بوجهٍ من الوجوه، وإن لم تتعيَّن الأولى والثانيةُ والثالثةُ، وهكذا إلى تمام المئة، فلو ضربه مئةُ رجلٍ بمئة سوطٍ دفعةً واحدةً كفى في الحدِّ، بل قالوا: جاز أن تُجمع الأسواط فيُضْربَ مرةً واحدة بحیث یصیبه كلُّ واحدٍ منها، وروي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه ضَرَبَ في حدٍّ بسوطٍ له طرفان أربعين ضربةً، فحَسَب كلَّ ضربةٍ بضربتین . (١) أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس بقـ (٢) أخرجه أحمد (٧٣٢٣)، وأبو داود (٤٤٩٣) من حديث أبي هريرة ظه، وهو عند البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢)، بلفظ: ((إذا قاتل أحدكم .. )). الآية : ٢ ١٧٤ سورةالنورِ وقدِّمت الزانيةُ على الزاني مع أنَّ العادة تقديمُ الزاني عليها؛ لأنها هي الأصل؛ إذ الباعثةُ فيها أقوى ولولا تمكينُها لم يَزْنِ . واشتقاقُهما من الزنى، وهو مقصورٌ في اللغة الفصحى، وهي لغة أهل الحجاز، وقد يمدُّ في لغة أهل نجد، وعليها قال الفرزدق: أبا طاهرٍ مَن يَزْنِ يُعْرَفْ زناؤُه ومَن يشربِ الخرطومَ يُصْبِحْ مُسَكَّراً(١) والزِّنى في عُرْفِ اللغة والشرع على ما قيل: وَظْءُ الرجلِ المرأةَ في القُبُلِ في غير الملكِ وشُبْهةِ الملك. وفيه أنه يَرِدُ عليه زنى المرأة؛ فإنه زنّى ولا يَصْدُقُ عليه التعريف. وما قيل في الجواب عنه: إنَّ فِعْلَ الوطء أمرٌ مشترٌ بين الرجل والمرأة، فإذا وُجد بينهما يتَّصفُ كلٌّ منهما به، وتسمَّى هي واطئة، ولذا سمَّاها سبحانه وتعالى: زانيةً، لا يخفى ما فيه، مع أنَّ في التعريف مالا يصلحه هذا الجواب لو كان صحيحاً. والحقُّ أنَّ زناها لغةً: تمكينُها من زنى الرجل بها، وأنه إذا أريد تعريفُ الزنى المرادِ في الآية بحيث يشمل زناها فلابدَّ من زيادة التمكين بالنسبة إليها، بل زيادته بالنسبة إلى كلٍّ منهما، وأن يقال: هو إدخالُ المكلَّف الطائع قَدْرَ حشفته قُبُلَ مشتهاةٍ حالاً أو ماضياً بلا ملكٍ أو شبهةٍ، أو تمكينُه من ذلك أَو تمكينُها في دار الإسلام؛ ليَصْدُقَ على ما لو كان مستلقياً فقعدت على ذَكَرِه فتركها حتى أدخلته، فإنهما يحدَّان في هذه الصورة، وليس الموجودُ منه سوى التمكين. ويُعلم من هذا التعريف أنه لا حدَّ على الصبيِّ، والمجنونِ، ومَن أكرهه السلطان، ولا على مَن أَوْلَجَ في دبرٍ، أو في فرجٍ صغيرةٍ غيرِ مشتهاةٍ، أو ميتةٍ، أو بهيمةٍ، بخلافٍ مَن أولج في فرجِ عجوزٍ. ولا على مَن زنى في دار الحرب، ولا على مَن زنى مع شبهةٍ. وفي بعض ما ذكر كلامٌ يطلب من كتب الفقه. والحُكْمُ عامٌّ فيمَن زَنَى وهو مُحْصَنٌ وفي غيره، لكنْ نُسِخَ في حقِّ المحصَنِ قطعاً، فإنَّ الحكم في حقِّه الرَّجْمُ، ويكفينا في تعيين الناسخ القطعُ بأمره وَّة (١) البيت في الصحاح وأساس البلاغة (زنى)، واللسان والتاج (سكر)، وفيهما: المسَكَّر: المخمور. الآية : ٢ ١٧٥ سُودَةُ النّورِ بالرَّجْمِ، وفعله في زمانه عليه الصلاة والسلام مرَّاتٍ، فيكون من نسخ الكتاب بالسُّنَّة القطعية . وقد أجمع الصحابةُ ﴿ه ومَن تقدَّم من السَّلفِ وعلماء الأمة وأئمة المسلمين على أنَّ المُحصَنَ يُرْجَمُ بالحجارة حتى يموت، وإنكارُ الخوارج ذلك باطلٌ؛ لأنهم إنْ أنكروا حجِّيَّةَ إجماع الصحابة ﴿، فجَهْلٌ مركَّبٌ، وإن أنكروا وقوعَه من رسول الله وَ﴾ لإنكارهم حجِّيَّةَ خبر الواحد، فهو بعد بطلانه بالدليل ليس ممَّا نحن فيه؛ لأنَّ ثبوتَ الرجم منه عليه الصلاة والسلام متواترُ المعنى، كشجاعةٍ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وجُوْدٍ حاتم، والآحادُ في تفاصيل صُوَرِهِ وخصوصياتِهِ، وهم كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنّى كالمتواتر لفظاً . إلّا أنَّ انحرافهم عن الصحابة والمسلمين، وتَرْكَ التردُّدِ إلى علماء المسلمين والرواةٍ، أوقعهم في جهالاتٍ كثيرةٍ لخفاء السمع عنهم والشهرة، ولذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز في القول بالرجم مِن كونه ليس في كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزَّكوات، فقالوا: ذلك من فِعْلِهِ وَّهِ والمسلمين، فقال لهم: وهذا أيضاً كذلك. وقد كوشف بهم عمر بن الخطاب رظُه وكاشفّ بهم حيث قال كما رَوَى البخاري: خشيتُ أن يطول بالناس زمانٌ حتى يقول قائلٌ: لا نَجِدُ الرجم في كتاب الله عز وجل، فيضلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله عز وجل، أَلا وإنَّ الرجم حقٌّ على مَن زنى وقد أُحْصِنَ، إذا قامت البينةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعتراف(١). وروى أبو داود أنه ربه خطب وقال: إنَّ الله عز وجل بعث محمداً وَلَيه بالحقِّ، وأنزل عليه كتاباً، فكان فيما أنزل عليه آيةُ الرجم - يعني بها قوله تعالى: ((الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم)) - فقرأناها ووَعَيْناها، إلى أن قال: وإِنِّي خشيتُ أن يطول بالناس زمانٌ فيقول قائل: لا نَجِدُ الرجم، الحديثَ بطُرقِهِ(٢). (١) صحيح البخاري (٦٨٢٩). (٢) سنن أبي داود (٤٤١٨)، وهو عند أحمد (٢٧٦)، والبخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١). وليس عندهم ذكر لفظ آية الرجم، وورد ذلك في رواية النسائي في الكبرى (٧١١٨)، وابن سودة النودِ ١٧٦ الآية : ٢ وقال: لولا أن يقال: إنَّ عمر زاد في الكتاب لكتبتُها على حاشية المصحف الشريف(١). ومن الناس مَن ذهب إلى أنَّ الناسخ الآيةُ المنسوخةُ التي ذكرها عمر ٠ وقال العلّامةُ ابنُ الهمام(٢): إنَّ كونَ الناسخ السُّنةَ القطعيةَ أولى من كون الناسخ ما ذُكر من الآية؛ لعدم القَطْعِ بثبوتها قرآناً ثم نَسْخِ تلاوتها، وإن ذكرها عمر وسكت الناس؛ فإنَّ كون الإجماع السكوتيِّ حجةً مختلفٌ فيه، وبتقدير حجِیتهِ لا نقطعُ بأنَّ جميع المجتهدين من الصحابة ﴿ه كانوا إذ ذاك حضوراً، ثم لا شكَّ في أنَّ الطريق في ذلك إلى عمر رَبُه ظنيٍّ، ولهذا - والله تعالى أعلم - قال عليٍّ كرم الله تعالى وجهه حين جَلَدَ شُراحةَ ثم رَجَمها: جَلَدْتُها بكتاب الله تعالى، وَرَجَمتُها بسنَّةِ رسول الله وََّ(٣). ولم يعلِّل الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة. ويُعلم من قوله المذكورِ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قائلٌ(٤) بعدم نَسْخِ عموم الآية، فيكون رأيه أنَّ الرجم حكمٌ زائدٌ في حِقِّ المحصَنِ ثَبَتَ بالسُّنة، وبذلك قال أهلُ الظاهر، وهو روايةٌ عن أحمد، واستدلُّوا على ذلك بما رواه أبو داود من قوله ◌َّه : (الثيبُ بالثيبِ جَلْدُ مئةٍ ورميٌّ بالحجارة))(٥) وفي روايةِ غيره: ((ورَجْمٌ بالحجارة))(٦). وعند الحنفية لا يجمعُ بين الرجم والجلد في المحصَن، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ، وروايةٌ أخرى عن أحمد؛ لأنَّ الجلد يَعْرَى عن المقصود الذي شُرِعَ = ماجه (٢٥٥٣). قال النسائي: لا أعلم أن أحداً ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة فارجموها البتة غير سفيان، وينبغي أن يكون وَهِمَ، والله أعلم. (١) قطعة من رواية أبي داود، دون قوله: على حاشية المصحف الشريف، ونقله المصنف عن فتح القدير لابن الهمام ٤/ ١٢١ . (٢) في فتح القدير ٤/ ١٢٥ . (٣) أخرجه أحمد (٧١٦)، والنسائي في الكبرى (٧١٠٢)، والحاكم ٤/ ٣٦٥ وصححه، والحازمي في الاعتبار ص ٤٧٣. (٤) في الأصل: أنه غير قائل، وهو خطأ، والمثبت من (م)، وفتح القدير ١٢٥/٤، والكلام منه . (٥) سنن أبي داود (٤٤١٥) من حديث عبادة بن الصامت ﴿ه. (٦) أخرج هذه الرواية أحمد (٢٢٧١٥)، ومسلم (١٦٩٠). ولفظ مسلم :.... جَلْدُ مئة والرجم. الآية : ٢ ١٧٧ سُورَةُ الّنودِ الحدُّ له، وهو الانزِجارُ أو قَصْدُه إذا كان القتل لاحقاً له، والعمدةُ في استدلالهم على ذلك أنه وَل﴿ لم يجمع بينهما قَطْعاً، فقد تَضَافَرت الطرق أنه وَّه بعد سؤاله ماعزاً عن الإحصان وتَلْقينِهِ الرجوعَ لم يَزِدْ على الأمر بالرجم، فقال: ((اذهبوا به فارجموه))(١) وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: ((اغْدُ يا أنيس إلى امرأةِ هذا، فإن اعْتَرفَتْ بذلك فارْجُمْها))(٢) ولم يقل: فاجْلِدْها ثم ارْجُمْها. وجاء في باقي الحديث الشريف: فاعترفَتْ، فأمر بها وَِّ فُرُجِمَتْ. وقد تكرّر الرَّجْمُ في زمانه وَّهِ ولم يَرْوِ أحدٌ أنه جَمَعَ بينه وبين الجلد، فقَطَعْنا بأنه لم يكن إلَّا الرجمُ، فوَجَبَ كونُ الخبر السابق منسوخاً وإن لم يُعْلَمْ خصوصُ الناسخ. وأجيب عمَّا فعل عليٍّ كرم الله تعالى وجهه من الجمع بأنه رأيٌ لا يُقاوِمُ ما ذكر من القَطْع عن رسول الله بََّ، وكذا لا يُقاوِمُ إجماعَ الصحابة ويحتمل أن يقال: إنه كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عندهُ الإحصانُ إلَّا بعد الجلد، وهو بعيدٌ جدّاً كما يظهر من الرجوع إلى القصة، والله تعالى أعلم. وإحصانُ الرَّجْم يتحقَّق بأشياء نَظَمها بعضُهم فقال: فخذها عن النصِّ مستفهما شروطُ إحصانٍ(٣) أتت ستةً ورابعُها كونُه مسلما بلوٌ وعقلٌ وحرِّيةٌ متى اختلَّ شرطٌ فلن يُرْجمَا وعقدٌ صحيحٌ ووَظْءٌ مباح (١) أخرج حديث ماعز مسلم (١٦٩٢) و(١٦٩٣) و(١٦٩٤)، و(١٦٩٥) من حديث جابر بن سمرة وابن عباس وأبي سعيد وبريدة. وأخرجه البخاري (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١) من حديث أبي هريرة ظته، ولم يذكر فيه اسم ماعز. (٢) أخرجه أحمد (١٧٠٣٨)، والبخاري (٢٣١٤-٢٣١٥)، ومسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨)، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. (٣) في الدر المختار: شروط الإحصان، وقال ابن عابدين في حاشيته ١٨/٤: ويوجد في بعض النسخ: شروط الحصانة في ستة، وهذا هو الصواب. اهـ. وذكر ابن عابدين أن هذا النظم نقله القاضي زين الدين بن رشيد صاحب العمدة عن الفاكهاني المالكي. سودة النودِ ١٧٨ الآية : ٢ وزاد غيرُ واحدٍ كونَ [كلّ](١) واحدٍ من الزوجين مساوياً الآخرَ في شرائط الإحصان وقتَ الإصابة بحكم النكاح، فلو تزوَّج الحرُّ المسلم البالغُ العاقلُ أَمَةً أو صبيةً أو مجنونةً أو كتابيةً ودخل بها، لا يصير محصناً بهذا الدخول، حتى لو زنی مِن بعدُ لا يُرْجَم، وكذا لو تزوَّجتِ الحرَّةُ البالغةُ العاقلةُ المسلمة من عبدٍ أو مجنونٍ أو صبيٍّ ودخل بها، لا تصير مُحْصَنةً، فلا تُرْجَمُ لو زَنَتْ بعدُ. وذكر ابن الكمال شرطاً آخَرَ، وهو أن لا يبطل إحصائُهما بالارتداد(٢)، فلو ارتدًّا - والعياذُ بالله تعالى - ثم أسلما، لم يَعُدْ إلَّا بالدخول بعده، ولو بطل بجنونٍ أو عتهٍ عاد بالإفاقة، وقيل: بالوطء بعده. والشافعيُّ لا يشترط المساواة في شرائط الإحصان وقتَ الإصابة، فلا رَجْمَ عنده(٣) في المسألتين السابقتين، وكذا لا يَشْتَرِطُ الإسلامَ، فلو زنى الذمِّيُّ الثَيِّبُ الحرُّ يُجلَدُ عندنا ويُرْجَمُ عنده، وهو روايةٌ عن أبي يوسف، وبه قال أحمد، وقولُ مالكِ کقولنا . واستدلَّ المخالفُ بما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﴿ها، أنَّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَ﴿ فذكروا له أنَّ امرأةً منهم ورجلاً زَنَيا، فقال رسول الله وَّه: ((ما تَجِدُونَ في التوراة في شأنِ الرَّجْم))؟ فقالوا: نفضحُهم ويُجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتُم فيما زعمتم، إنَّ فيها الرجمَ. فَأَتوا بالتوراة فسَرَدوها، فوضع أحدهم - يعني عبد الله بن صوريا - يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا آيةٌ الرجم، فقالوا: صَدَقَ يا محمد. فَأَمَر بهما النبيُّ نَّرِ فُرُجِما(٤). ودليلنا ما رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) قال: أخبرنا عبد العزيز بن (١) ما بين حاصرتين من فتح القدير ١٣١/٤، والكلام منه. (٢) لأنهما إن ارتدًّا بطل إحصانهما. ينظر فتح القدير ١٣١/٤، والكلام من الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤/ ١٧-١٨ . (٣) كذا قال، وهو وهم، والصواب: فالرجم عنده. (٤) صحيح البخاري (٣٦٣٥)، وصحيح مسلم (١٦٩٩)، وليس فيهما ذكر اسم الواضع يده، وورد ذلك في رواية ابن حبان (٤٤٣٥). وجاء في المصادر: فنشروها، بدل: فسردوها. الآية : ٢ ١٧٩ سُؤَدَّةُ الَّنُوزِ محمد، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ وَّه قال: ((مَن أشرك بالله فليس بِمُحْصَنٍ)) وقد رُفع هذا الخبر - كما قال إسحاق - مرةً ووُقفَ أخرى(١). ورواه الدارقطني في ((سننه)»(٢) وقال: لم يرفعه غيرُ ابن راهويه(٣)، ويقال: إنه رجع عن ذلك، والصوابُ أنه موقوفٌ. اهـ. وفي ((العناية))(٤) أنَّ لفظ إسحاق كما تراه ليس فيه رجوعٌ وإنما ذكر عن الراوي أنه مرةً رفعه ومرةً أخرجه مخرج الفتوى ولم يَرْفَعْه، ولاشك في أنَّ مثله بعد صحة الطريق إليه محكومٌ برَفْعِه على ما هو المختار في علم الحديث من أنه إذا تعارض الرفعُ والوقفُ حُكِمَ بالرفع، وبعد ذلك إذا خرِّج من طرقٍ فيها ضَعْفٌ لا يَضُرّ. وأجاب بعضُ أَجِلَّةِ أصحابنا بأنه كان الرجم مشروعاً بدون اشتراطِ الإسلام حين رجم ◌َّي الرجل والمرأة اليهوديين، وذلك بما أنزله الله تعالى إليه عليه الصلاة والسلام. وسؤالُه ◌َّر اليهود عمَّا يجدونه في التوراة في شأنه ليس لأنْ يعلمَ حُكْمَه من ذلك. والقولُ بأنه عليه الصلاة والسلام كان أولَ ما قَدِمَ المدينةَ مأموراً بالحكم بما في التوراة، ممنوعٌ، بل ليس ذلك إلَّا ليبكّتهم بترك الحكم بما أنزل الله تعالى عليهم، فلمَّا حصل الغرضُ حَكّمَ بَّهِ بَرَجْمِهما بشَرْعِه الموافقِ لشرعهم. وإذا عُلِمَ أنَّ الرجم كان ثابتاً في شرعنا حالَ رَجْمِها بلا اشتراطِ الإسلام، وقد ثَبَتَ حديثُ ابن عمر ﴿ّ المفيدُ لاشتراطِ الإسلام، وليس تاريخٌ يُعرف به تَقدُّمُ اشتراط الإسلام على عدم اشتراطه أو تأخّرُه عنه، حصل التعارُضُ بين فِعْلِهِ وَه رَجْمَ اليهوديين وقولِه المذكور، فيطلب الترجيح، وقد قالوا: إذا تعارَضَ القولُ والفعلُ ولم يُعْلَمِ المتقدِّمُ من المتأخِّرِ يقدَّمُ القول على الفعل. وفيه وجهٌ آخر وهو أنَّ تقديم هذا القول موجبٌ لدَرْءِ الحدِّ، وتقديم ذلك الفعل (١) نصب الراية ٣٢٧/٣. (٢) برقم (٣٢٩٥). (٣) في (م): راهويه ابن راهويه، وهو خطأ . (٤) العناية بمعرفة أحاديث الهداية، لمحيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي، والكلام من فتح القدير لابن الهمام ١٣٢/٤. الآية : ٢ ١٨٠ سود انوزِ يوجبُ الاحتياط في إيجاب الحدِّ، والأَوْلَى في الحدود ترجيحُ الرافع عند التعارض. ولا يخفى أنَّ كلَّ مترجّح فهو محكومٌ بتأخّره اجتهاداً، فيكون المعوَّلُ عليه في الحكم حديث ابن عمر ﴿ًا. وقولُ المخالف: إنَّ المراد بالمحصن فيه المحصنُ الذي يقتصُّ له من المسلم، خلافُ الظاهر؛ لأنَّ أكثر استعمال الإحصان في إحصان الرجم. وردًّ بعضهم بالآية على القائلين: إنَّ حدَّ زنى البكر بالبكر جلدُ مئةٍ وتغریبُ سنةٍ، وهم الإمام الشافعيُّ والإمام أحمد والثوريُّ والحسن بن صالح. ووجهُ الردِّ: أن قوله تعالى: (الَِّيَةُ وَالَّانِ) إلخ شروعٌ في بيانِ حكم الزنى ما هو، فكان المذکورُ تمامَ حكمه، وإلا كان تجهيلاً لا بياناً وتفصيلاً؛ إذ يفهم منه أنه تمامٌ وليس بتمام في الواقع، فكان مع الشروع في البيان أبعدَ من البيان؛ لأنه أَوْقَعَ في الجهل المركّب، وقبله كان الجهل بسيطاً، فيفهم بمقتضى ذلك أن حدَّ الزانية والزاني ليس إلا الجَلْدَ. وأَخْصَرُ من هذا أنَّ المقام مقامُ البيان، فالسكوت فيه يفيد الحصر. وقال المخالف: لو سلَّمنا الدلالة على الحصر، وأنَّ المذكور تمامُ الحكم ليكون المعنى أنَّ حدَّ كلٍّ ليس إلا الجلدَ، فذلك منسوخٌ بما صحَّ من رواية عبادة بن الصامت عنه وَله: ((البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ وتغريبُ عامِ))(١). وأجيب: بأنه بعد التسليم لا تصحُّ دعوى النسخ بما ذكر؛ لأنه خبرُ الواحد، وعندنا لا يجوز نسخُ الكتاب به. والقولُ بأنَّ الخبر المذكورَ قد تلقَّته الأمَّة بالقبول، لا يُجدي نفعاً؛ لأنه إن أريدَ بتلقِّيه بالقبول إجماعُهم على العمل به فممنوعٌ، فقد صحَّ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه لا يقول بتغريبهما، وقال: حَسْبُهما من الفتنة أن يُنْفَيَا، وفي رواية: كفى بالنفي فتنةً. وإن أريدَ إجماعُهم على صحته بمعنى صحةٍ سنده، فكثيرٌ من أخبار الآحاد كذلك، ولم تَخْرُجْ بذلك عن كونها آحاداً. على أنه ليس فيه أكثر من كون التغريب (١) أخرجه أحمد (٢٢٦٦٦)، ومسلم (١٦٩٠)، وأوَّله: ((خذوا عني قد جعل الله لهنَّ سبيلاً، البكر بالبكر ... )).