النص المفهرس
صفحات 141-160
الآية : ١٠٠ ١٤١ سُؤَدَةُ الْمُؤْمنُون الصادر منه بمنزلة الفعل الصادر من الجماعة، ويتبعُهما كون ((ارجعوني)) مثلاً بمنزلة: ارجعني ارجعني ارجعني، ولكن إجراء نحو هذا في نحو: قفا نَبْكِ، لا يتسنَّى إلا إذا قيل بأنه قد يُقْصَدُ بضمير التثنية التعظيمُ، كما قد يُقْصَدُ ذلك بضمير الجمع، ولم يخطر لي أنِّي رأيتُهُ، فَلْيُتَبَّعْ ولْيُتَدَبَّر. ﴿لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْثُ﴾ أي: في الإيمان الذي تركتُه، و((لعل)) للترجِّي، وهو إما راجعٌ للعمل والإيمان لعِلْمِه بعدم الرجوع، أو للعمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع، فهو كما في قولك: لعلي أربح في هذا المال، أو كقولك: لعلي أبني على أُسِّ، أي: أُؤسِّسُ ثم أبني. وقيل: فيما تركتُ من المال أو من الدنيا، جَعَلَ مفارقة ذلك تركاً له. ويجوز أن تكون ((لعل)) للتعليل؛ وفي ((البرهان)): حَكَى البغويُّ عن الواقديِّ أنَّ جميع ما في القرآن من ((لعل)) فإنها للتعليل، إلَّا قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَّخْلُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] فإنها للتشبيه(١). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدِّيِّ عن أبي مالكٍ نحوه (٢). ثم إنَّ طَلَبَ الرَّجْعةِ ليس من خواصِّ الكفار، فعن ابن عباس ﴿هَا: أنَّ مانع الزكاة وتارِكَ الحجِّ المستطيعَ يَسْألان الرجعة عند الموت. وأخرج الدَّيلميُّ(٣) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((إذا حضر الإنسانَ الوفاةُ يُجْمَعُ له كلُّ شيءٍ يمنعه عن الحقِّ فيُجْعَلُ بين عينيه، فعند ذلك يقول: ((ربِّ ارْجعوني لعِّي أعملُ صالحاً فيما تركتُ)). وهذا الخبرُ يؤيِّد أنَّ المراد من ((ما تركتُ)): المالُ ونحوُه. ﴿َلََّ﴾ُ رَدْعُ عنِ طَلَبِ الرجعةِ واستبعادٌ لها ﴿إِنَّهَا﴾ أي: قوله: «ربِّ ارجعوني)) إلخ ﴿كَلِمَهُ هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا محالةَ، لا يخلِّيها ولا يسكتُ عنها؛ لاستيلاء الحسرة وتسلّطِ الندم عليه، فتقديمُ المسندِ إليه للتقوِّي، أو: هو قائلُها وحدَه، (١) البرهان ٤/ ٣٩٤. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦٠/١، والدر المنثور ٣٣/١. (٣) كما في الدر المنثور ١٥/٥. سُوَةُ الْمُؤْمنُونَ ١٤٢ الآية : ١٠١ فالتقديمُ للاختصاص، ومعنى ذلك: أنه لا يُجاب إليها ولا تُسْمَعُ منه، بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلةً قولِها، حتى كأنَّ المعتدَّ بها شريكٌ لقائلها. ومثلُ هذا متداوَلٌ، فيقول مَن كلَّمه صاحبُه بما لا جدوى تحته: اشْتَغِلْ أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلَّمْ واستَمِعْ، يعني أنها مما لا تُسْمَعُ منك ولا تستحقُّ الجواب. والكلمة هنا بمعنى الكلام، كما في قولهم: كلمة الشهادة، وهي في هذا المعنى مجازٌ عند النحاة. وأمَّا عند اللغويين؛ فقيل: حقيقة، وقيل: مجازٌ مشهور. والظاهر أنَّ ((كلَّا)) وما بعدها من كلامه تعالى، وأَبْعَدَ جدّاً مَن زَعَم أنَّ ((كلَّا)) مِن قولِ مَن عايَنَ الموتَ، وأنه يقولُ ذلك لنفسه على سبيل التحسُّرِ والندم. ﴿وَمِن وَرَآيِهِم﴾ أي: أمامهم، وقد مرَّ تحقيقُه(١)، والضميرُ لـ ((أحدهم))، والجمعُ باعتبار المعنى لأنه في حُكْمِ كلّهم، كما أنَّ الإفراد في الضمائر الأُوَلِ باعتبار اللَّفْظِ. · حاجزٌ بينهم وبين الرجعة ﴿إِلَى يَوْرِ يُبْعَثُونَ ﴾﴾ من قبورهم، وهو يوم القيامة، وهذا تعليقٌ لرجعتهم إلى الدنيا بالمُحالِ، كتعليق دخولهم الجنةً بقوله سبحانه: ﴿حََّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وعن ابن زيد أنَّ المراد: من ورائهم حاجزٌ بين الموت والبعثِ في القيامة من القبور، باقٍ إلی یوم یبعثون. وقيل: حاجزٌ بينهم وبين الجزاء التامِّ باقٍ إلى يوم القيامة، فإذا جاء ذلك اليومُ جُوزوا على أتمٍّ وَجْهٍ. ﴿فَإِذَا نُفِيخَ فِي الصُّورِ﴾ لقيام الساعة، وهي النفخةُ الثانية التي يقع عندها البعثُ والنشور. وقيل: المعنى: فإذا نفخ في الأجساد أرواحُها، على أنَّ ((الصُّوْرَ)) جمعُ صورة - على نحو بُسْرٍ وبُسْرَةٍ - لا القَرْنُ، وأيِّد بقراءةِ ابن عباس والحسن وابن عياض: ((في الصُّوَر)) بضمِّ الصاد وفتح الواو، وقراءةٍ ابن رزين: ((في الصِّوَر)) بكسر (١) ١٦/ ٩. الآية : ١٠١ ١٤٣ سُورَةُ المُؤْمنُون الصاد وفتح الواو(١)، فإنَّ المذكور في هاتين القراءتين جمعُ صورةٍ لا بمعنى القرن قطعاً، والأصلُ توافُقُ معاني القراءات، ولا تَنافيّ بين النفخ في الصُّور بمعنى القرن الذي جاء في الخبر (٢) ودَلَّت عليه آياتٌ أُخَرُ، وبين النفخ في الصُّور جمع صورةٍ، فقد جاء أنَّ هذا النفخَ عند ذاك. ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُم یومیزٍ﴾ أي: يومَ إذ نُفِخَ في الصُّور، کما هي بینھم الیوم، والمراد أنها لا تنفعهم شيئاً، فهي منزَّلةٌ منزلةَ العدم لعِظَم الهولِ واشتغالٍ كلِّ بنفسه، بحيث يفرُّ المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. وقد أخرج ابن المبارك في ((الزهد))، وابنُ جريرٍ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في ((الحلية))، وابن عساكر، عن ابن مسعود نظرا الله قال: إذا كان يومُ القيامة جَمَع الله تعالى الأوَّلين والآخِرِينَ - وفي لفظ: يؤخذُ بيد العبد أو الأمة يومَ القيامة على رؤوس الأوَّلين والآخِرِين - ثم ينادي منادٍ: ألا إنَّ هذا فلان بن فلان، فمن كان له حقِّ قِبَلَه فليأت إلى حقِّه - وفي لفظٍ: مَن كان له مظلمةٌ فلْيَجِئء ليأخذ حقَّه - فيفرحُ والله المرءُ أن يكون له الحقُّ على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً، ومصداقُ ذلك في كتاب الله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ)(٣). وهذا الأثرُ يدلُّ على أنَّ هذا الحكم غيرُ خاصِّ بالكفرة بل يعمُّهم وغيرهم. وقيل: هو خاصٌّ بهم كما يقتضيه سياق الآية. وقيل: لا ينفع نسبٌ يومئذٍ إلَّا نسبُه وَّه، فقد أخرج البزَّار والطبرانيُّ والبيهقيُّ وأبو نعيم والحاكم والضياء في ((المختارة)) عن عمر بن الخطاب نظريته قال: سمعتُ (١) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٩٨، والبحر ٤٢١/٦. وابن عياض هو سعد - وقيل: سعيد - بن عياض الثمالي الكوفي، روى عن النبي وَالر مرسلاً وعن ابن مسعود، قال ابن عبد البر: لا تصح له صحبة. التهذيب ١/ ٦٩٦. (٢) أخرجه أحمد (١١٠٣٩) و(١١٦٩٦)، والترمذي (٢٤٣١) من حديث أبي سعيد الخدري ره، ولفظه: ((كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور، وحَنَّى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر)) وجاء في بعض رواياته: القرن، بدل: الصور. (٣) الزهد لابن المبارك (١٤١٦)، وتفسير الطبري١١٢/١٧-١١٣، والحلية ٢٠١/٤-٢٠٢، وتاريخ ابن عساكر٢٨٥/١٨، والكلام من الدر المنثور ١٥/٥ . سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ ١٤٤ الآية : ١٠١ رسول الله وَله يقول: ((كلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ منقطعٌ يومَ القيامة إلَّا سبي ونَسَبِي))(١). وقد أخرج جماعةٌ نحوَه عن مِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةٍ عَظُه مرفوعاً (٢)، وأخرج ابن عساكر نحوَه مرفوعاً أيضاً عن ابن عمر ﴾(٣). وهو خبرٌ مقبولٌ لا يكاد يردُّه إلَّا مَن في قلبه شائبةُ نَصْبٍ (٤)، نعم ينبغي القولُ بأنَّ نَفْعَ نسبِهِ وَّهِ إنما هو بالنسبة للمؤمنين الذين تشرَّفوا به، وأمَّا الكافرُ والعياذُ بالله تعالی فلا نَفْعَ له بذلك أصلاً . وقد يقال: إنَّ هذا الخبر لا ينافي إرادة العموم في الآية، بأن يكون المرادُ نفيّ الالتفات إلى الأنساب عقيب النفخة الثانية من غير فَصْلِ حَسْبَما يُؤْذِنُ به الفاءُ الجزائية، فإنَّها على المختار تدلُّ على التعقيب، ويكون المراد تهويلَ شأن ذلك الوقت ببيان أنه يَذْهَلُ فيه كلُّ أحدٍ عمَّن بَيْنَه وبَيْنَه نسبٌ، ولا يلتفتُ إليه ولا يخطر هو بباله، فضلاً عن أنه ينفعُه أو لا ينفعه، وهذا لا يدل على عدم نفع كلِّ نسبٍ فضلاً عن عدم نفع نسبه وَلَد . وعن ابن عباس ﴿ه، وحكي عن الجبائيّ: أنَّ المراد أنه لا يُفتخَرُ يومئذٍ بالأنساب كما يُفتخَرُ بها في الدنيا، وإنما يُفْتَخَرُ هناك بالأعمال والنجاةِ من الأهوال، فحيث لم يُفتخَرْ بها ثَمةَ كانت كأنها لم تكن. فعلى هذا وكذا على ما تقدَّم يكون قولُه تعالى: (فَلَآ أَنَابَ) من باب المجاز. وجوِّز أن يكون فيه صفةٌ مقدَّرةٌ، أي: فلا أنسابَ نافعةً أو مُلتفَتاً إليها أو مفتخَراً بها، وليس بذاك. والظاهر أنَّ العامل في ((يومئذٍ)) هو العملُ في ((بينهم))، لا ((أنساب))؛ لِمَا لا يخفى. (١) كشف الأستار (٢٤٥٥)، والمعجم الكبير (٢٦٣٣) و(٢٦٣٥)، وسنن البيهقي ٦٣/٧ - ٦٤، والحلية ٣٤/٢ و٣١٤/٧، والمستدرك ١٤٢/٣، والأحاديث المختارة (١٠١) و(١٠٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٢٧٢: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. (٢) أخرجه أحمد (١٨٩٠٧)، والطبراني ٢٠/ (٣٠)، وصححه الحاكم ١٥٨/٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠٣/٩: وفيه أم بكر بنت المسور، ولم يجرحها أحد ولم يوثقها أحد، وبقية رجاله وثقوا . (٣) تاريخ ابن عساكر ٢١/٦٧. (٤) أهل النَّصْب: المتدينون ببغضة عليٍّ ظُه. القاموس (نصب). الآية : ١٠١ ١٤٥ سُؤَةُ المُؤْمنُونَ ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ أي: ولا يسألُ بعضُهم بعضاً عن حاله وممن هو، ونحوٍ ذلك؛ لاشتغال كلِّ منهم بنفسه عن الالتفات إلى أبناء جنسه، وذلك عقيب النفخة الثانية من غير فَصْلِ أيضاً، فهو مقيّدٌ بـ ((يومئذٍ)) وإن لم يذكر بعده، اكتفاءً بما تقدَّم، وكأنَّ كِلَا الحُكْمينِ بعدَ تحقّق أمر تلك النفخة لديهم، ومعرفةِ أنها لماذا كانت، وحينئذٍ يجوزُ أن يقال: إنَّ قولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّْ﴾ [يس: ٥٢] قبل تحقّق أمرٍ تلك النفخة لديهم، فلا إشكالَ. ويحتمل أنَّ كِلَا الحُكمين في مبدأ الأمر قبل القول المذكور، كأنهم حين يسمعون الصيحة يذهَلُون عن كلِّ شيءٍ، الأنسابٍ وغيرها، كالنائم إذا صيحَ به صيحةً مُفْزِعةً، فهبَّ من منامه فَزِعاً ذاهلاً عمَّن عنده مثلاً، فإذا سَكَّنَ روعُهم في الجملة قال قائلهم: (مَن بَعَثَنا من مرقدنا)). وقيل: لا نسلِّم أن قولهم: ((مَن بعثنا من مرقدنا)) أنه كان بطريق التساؤل. وعلى الاحتمالين لا يُشْكِلُ هذا مع قوله تعالى في شأن الكفرة يومَ القيامة: ﴿وَقْلَ يَعْفُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَسََّلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، وفي شأن المؤمنين: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] فإنَّ تساؤل الكفرة المنفيَّ في موطنٍ، وتساؤلَهم المثبتَ في موطنٍ آخَرَ، لعله عند جهنم، وهو بعد النفخة الثانية بكثير، وكذا تساؤلُ المؤمنين بعدها بكثيرٍ أيضاً؛ فإنه في الجنة كما يرشدُ إليه الرجوع إلى ما قبل الآية. وقد يقال: إنَّ التساؤل المنفيَّ هنا تساؤلُ التعارُفِ ونحوه مما يترتَّبُ علیه دفعُ مضرَّةٍ أو جلبُ منفعةٍ، والتساؤلُ المثبتُ لأهل النارِ تساؤلٌ وراءَ ذلك، وقد بيَّنه سبحانه بقوله عزَّ مِن قائل: ﴿قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآية [الصافات: ٢٨]، وقد بيَّن جلَّ وعلا تساؤلَ أهل الجنة بقوله سبحانه: ﴿قَالَ قََّبِلٌ مِّنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِينٌ﴾ الآية [الصافات: ٥١]، وهو أيضاً نوعٌ آخَرُ من التساؤل ليس فيه أكثرُ من الاستئناس، دون دَفْعٍ مضرَّةٍ عَمَّن يتكلّم معه أو جَلْبٍ منفعةٍ له. وقيل: المنفيُّ التساؤلُ بالأنساب، فكأنه قيل: لا أنساب بينهم ولا يسألُ بعضهم بعضاً بها، والمراد أنها لا تنفع في نفسها وعندهم، والآيةُ في شأن الكفرة، وتساؤلُهم المثبتُ في آيةٍ أخرى ليس تساؤلاً بالأنساب، وهو ظاهرٌ فلا إشكال. سُورَةُ المؤمنُون ١٤٦ الآية : ١٠٢ - ١٠٣ ورَوَى جماعةٌ عن ابن عباس ◌ًَّا أنه سُئل عن وجه الجمع بين النفي هنا والإثباتِ في قوله سبحانه: (وَقْبَلَ بَعْفُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسََّلُونَ) فقال: إنَّ نفي التساؤل في النفخة الأولى حين لا يبقى على وجهِ الأرض شيءٌ، وإثباتُه في النفخة الثانية(١). وعلى هذا فالمرادُ عنده بقوله تعالى: (فَإِذَا نُفُخَ فِ الصُّورِ): فإذا نُفِخَ النفخةُ الأولى، وهذه إحدى روايتين عنه ﴿ه، والروايةُ الثانيةُ حَمْلُه على النفخة الثانية، وحينئذٍ يُختارُ في وجه الجمع أحدُ الأوجُهِ التي أشرنا إليها . وقرأ ابن مسعود: ((ولا يسَّاءلون)) بتشديد السين(٢). ﴿فَمَنْ ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ أي: موزوناتُ حسناته من العقائد والأعمال، ويجوز أن تكون الموازينُ جمعَ ميزان ووجهُ جَمْعِه قد مرَّ(٣)، والمعنى عليه: مَن ثَقُلَتْ موازينُه بالحسنات. ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ الفائزون بكلِّ مطلوبٍ، الناجُون عن كلِّ مهروب. ﴿وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ﴾ أي: موازينُ أعماله الحسنةِ، أو أعمالِهِ التي لا وَزْنَ لها ولا اعتدادَ بها، وهي أعمالُه السيئة، كذا قيل؛ وهو مبنيٌّ على اختلافهم في وَزْنِ أعمال الكفرة، فَمَنْ قال به قال بالأول ومَن لم يقل به قال بالثاني، وقد تقدم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة الأعراف(٤)، فتذكَّر. ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ضيَّعوها بتضييع زمانِ استكمالها، وأبطلوا استعدادَها لنيل كمالها . واسمُ الإشارة في الموضعين عبارةٌ عن الموصول، وجمعُه باعتبارٍ معناه، كما أن إفراد الضميرين في الصلتين باعتبار لَفْظِه. ، خبرٌ ثانٍ لـ ((أولئك))، وجوِّز أن يكون خبرَ مبتدأ ﴿فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (١) أخرجه البخاري في التفسير، قبل الحديث (٤٨١٦) بنحوه. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٩، والكشاف ٣/ ٤٣، والبحر ٤٢١/٦. (٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف و١١٢/١٧، وما بعدها. (٤) ٨ / ٨٤ . الآية : ١٠٤ ١٤٧ سُوَّةُ المُؤْمنُونَ محذوفٍ، أي: هم خالدون في جهنم، والجملةُ إما استئنافية جيء بها لبيان خسرانهم أنفسَهم، وإما خبرٌ ثانٍ لـ ((أولئك)) أيضاً. وجوِّز أن يكون ((الذين)) نعتاً لاسم الإشارة، و((خالدون)) هو الخبر. وقيل: ((خالدون)) مع معموله بدلٌ من الصِّلةِ، قال الخفاجيُّ: أي: بدلُ اشتمالٍ؛ لأنَّ خلودهم في جهنم يشتملُ على خسرانهم، وجُعِلَ كذلك نظراً لأنه بمعنى: يخلدون في جهنم، وبذلك يصلح لأن يكون صلةً كما يقتضيه الإبدال من الصلة (١). وظاهرُ صنيع الزمخشريِّ يقتضي ترجيحَ هذا الوجه(٢)، وليس عندي بالوجه کما لا يخفى وجهُه. وتعقَّب أبو حيان القول بأنَّ ((في جهنم خالدون)) بدلٌ، فقال: هذا بدلٌ غريب، وحقيقتُه أن يكون البدل ما يتعلَّق به ((في جهنم))، أي: استقروا، وكأنه من بدل الشيءٍ من الشيء وهما لمسمَّى واحد على سبيل المجاز؛ لأنَّ مَن خَسِر نفسه استقرَّ (٣) في جهنم(٣). وأنت تعلم أنَّ الظاهر تعلُّقُ ((في جهنم)) بـ ((خالدون))، وأنَّ تعليقه بمحذوفٍ وجَعْلَ ذلك المحذوف بدلاً وإبقاء ((خالدون)) مفلتاً، مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه مع ظهور الوجه الذي لا تكلُّف فيه. وقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ جملةٌ حاليةٌ أو مستأنفةٌ، واللَّفْحُ: مسُّ لَهَبِ النارِ الشيءَ، وهو كما قال الزجَّاجُ أشدُّ من النفح تأثيراً. والمراد: تُحرقُ وجوهَهم النارُ، وتخصيصُ الوجوه بذلك لأنها أشرفُ الأعضاء، فبيانُ حالِها أَزْجَرُ عن المعاصي المؤدِّية إلى النار، وهو السُّ في تقديمها على الفاعل. ﴿وَهُمّ فِهَا كَلِعُونَ ﴾ متقلِّصو الشفاه عن الأسنان من أثر ذلك اللَّفْح. وقد صحَّ من رواية الترمذيِّ وجماعةٍ عن أبي سعيد الخدريِّ رَُّه، عن رسول الله وَلو أنه قال (١) بنحوه في حاشية الشهاب ٣٤٨/٦. (٢) الكشاف ٤٣/٣، ويعني بظاهر صنيع الزمخشري تقديمُه لهذا القول على ما عداه من الأقوال. (٣) البحر ٦/ ٤٢٢. سُورَةُ المُؤْمنُون ١٤٨ الآية : ١٠٥ - ١٠٦ في الآية: ((تَشْويهِ النارُ فتَقْلِصُ شفتهُ العُلْيا حتى تَبْلُغَ وسطَ رأسِه، وتَسْتَرْخي شفتُه السُّفْلَى حتى تَضْرِبَ سُرَّتَه))(١). وأخرج ابن مردويه والضياء في ((صفة النار)) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَّ في قوله تعالى: (تَلْفَعُ) إلخ: «تلفحُهم لفحةً فتسيلُ لحومُهم على أعقابهم))(٢). وعن ابن عباس ظها: أنَّ الكلوحَ بُسُورُ الوجه وتقطيبُه. وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابنُ أبي عبلة: ((كَلِحُون)) بغير ألفٍ جمع كَلِحِ كحَذِرٍ (٣). ﴿أَلَّمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُثْلَ عَلَيْكُ﴾ على إضمار القول، أي: يقال لهم تعنيفاً وتوبيخاً وتذكيراً لِمَا به استحقُّوا ما ابتُلوا به من العذاب: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عليكم في الدنيا ﴿فَكُنتُم بِهَا تُكَذِبُونَ ﴾﴾ حينئذٍ. ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: استَوْلَتْ علينا ومَلَكَتْنا شقاوَتُنا التي اقتضاها سوءُ استعدادِنا، كما يومئُ إلى ذلك إضافتُها إلى أنفسهم. وقرأ شبل في اختياره: (شَقْوَتُنا)) بفتح الشين(٤). وقرأ عبد الله والحسن وقتادة وحمزة والكسائيُّ، والمفضَّل عن عاصم، وأبان، والزعفرانيُّ وابن مقسم: ((شَقاوتنا)) بفتح الشين وألف بعد القاف(٥). وقرأ قتادة أيضاً، والحسنُ في رواية خالد بن حوشب عنه: ((شِقاوتُنا)) بالألف وكَسْرِ الشين(٦). (١) سنن الترمذي (٢٥٨٧) و(٣١٧٦)، ومسند أحمد (١١٨٣٦). قال الترمذي: حسن صحيح غريب. اهـ. وهو من طريق أبي السَّمْح عن أبي الهيثم، وأبو السمح هو دراج بن سمعان، وهو صدوق، وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٢) الدر المنثور ١٦/٥، وعزاه لابن مردويه أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٩، والبحر ٤٢٢/٦. وأبو بحرية هو عبد الله بن قيس الكندي السَّكوني التَّراغِمي، مشهور بكنيته، من رجال التهذيب. (٤) البحر ٤٢٣/٦. (٥) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ٦/ ٤٢٢. (٦) البحر ٦/ ٤٢٢-٤٢٣. الآية : ١٠٧ ١٤٩ سُوَّةُ المؤمنُونَ وهي في جميع ذلك مصدرٌ، ومعناها ضدُّ السعادة، وفسَّرها جماعةٌ بسوء العاقبة التي عَلِمَ الله تعالى أنهم يستحقُّونها بسوء أعمالهم، ونُسب ذلك لجمهور المعتزلة . وعن الأشاعرة أنَّ المراد بها ما كتبه الله تعالى عليهم في الأزل من الكفر والمعاصي. وقال الجبائيُّ: المراد بها الهوى وقضاءُ اللذَّات مجازاً من باب إطلاق المسبّب على السبب. وأيًّا ما كان فنسبةُ الغَلْبِ إليها لاعتبارٍ تشبيهها بمن يتحقَّق منه ذلك، ففي الكلام استعارة مكنيةٌ تخييليةٌ، ولعل الأولى أن يخرج الكلام مخرجَ التمثيل، ومرادُهم بذلك على جميع الأقوال في الشقوة: الاعترافُ بقيام حجة الله تعالى عليهم؛ لأنَّ منشأها على جميع الأقوال عند التحقيق ما هم عليه في أنفسهم، فكأنهم قالوا: ربَّنا غلب علينا أمرٌ منشؤُه ذواتنا ﴿وَكُنَا﴾ بسبب ذلك ﴿قَوْمًا صَالِينَ ﴾﴾ عن الحقِّ، مكذِّبين بما يُتْلَى من الآيات، فما تُنْسَبُ إلى حيفٍ في تعذیبنا . ولا يجوز أن يكون اعتذاراً بما عَلِمَه الله تعالى فيهم وكَتَبَه عليهم من الكفر، أي: غَلَبَ علينا ما كَتَبْتَه علينا من الشقاوة، وكَّا في علمك قوماً ضالِين، أو غلب علينا ما عَلِمْتَه وكتبتَه، وكنّا بسبب ذلك قوماً ضالِّين، فما وقع منَّا من التكذيب بآياتك لا قدرةَ لنا على رَفْعِه (١) = وإلَّا لزم انقلابُ العلم جهلاً وهو محالٌ؛ لأنَّ ذلك باطلٌ في نفسه لا يَضْلُح للاعتذار، فإنه سبحانه ما كتب إلا ما عَلِمَ، وما عَلِمَ إلَّا ما هم عليه في نفس الأمر، من سوء الاستعداد المؤدِّي إلى سوء الاختيار، فإنَّ العلم على ما حقِّق في موضعه تابعٌ للمعلوم. ويؤيِّد دعوى الاعتراف قولُه تعالى حكايةً عنهم: ﴿رَّاً أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (®﴾ أي: ربَّنا أخرجنا من النار وأَرْجِعنا إلى الدنيا، فإنْ عُدْنا بعد ذلك إلى ما كنَّا عليه فيها من الكفر والمعاصي فإنَّا متجاوزون الحدَّ في الظلم = لأنَّ (١) في الأصل: دفعه. سُوَدَّةُ المؤمنُونَ ١٥٠ الآية : ١٠٨ اجتراءهم على هذا الطلب أَوْفَقُ بكون ما قبله اعترافاً، فإنه كثيراً ما يهوِّنُ به المُذْنِبُ غضبَ من أَذْنبَ إليه. والاعتذارُ وإن كان كذلك بل أعظم، إلّا أنَّ هذا الاعتذارَ أشبهُ شيءٍ بالاعتراض الموجبٍ لشدة الغضب الذي لا يَحْسُنُ معه الإقدامُ على مثل هذا الطلب. هذا مع أنهم لو لم يعتقدوا أنَّ ذلك عذرٌ مقبولٌ والاعتذارُ به نافعٌ لم يُقْدِموا عليه، ومع هذا الاعتقاد لا حاجةَ بهم إلى طلب الإخراج والإرجاع، ولا يقال مثلُ هذا على تقدير كونه اعترافاً؛ لأنهم إنما قالوه تمهيداً للطلب المذكور؛ لما أنه مظنةٌ تسكينٍ لَهَبِ نار الغضب على ما سمعتَ. ثم إنَّ القوم لعلهم ظنُّوا تغيَُّ ما هم عليه من سوء الاستعداد لو عادوا؛ لِمَا شاهدوا من حالهم في ذلك اليوم، ولذلك طلبوا ما طلبوا . وفي قولهم: ((عدنا)) إشارةٌ إلى أنهم حين الطلب على الإيمان والطاعة، فيكون الموعودُ على تقدير الرجعة إلى الدنيا الثباتَ عليهما؛ لينتفعوا بهما بعد أن يَموتوا ويُحشروا، فتأمَّل. ﴿قَالَ﴾ الله سبحانه إقناطاً لهم أشدَّ إقناطِ: ﴿أَخَْشُواْ فِيهَا﴾ أي: ذِلُّوا وانْزَجِروا انزجارَ الكلاب إذا زُجِرَتْ، من خَسَأْتُ الكلبَ: إذا زجرته فخَسَاً، أي: انْزَجَر. أو: اسكتوا سكوت هوانٍ، ففيه استعارة مكنيةٌ قرينتُها تصريحية. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ باستدعاء الإخراج من النار والرجع إلى الدنيا. وقيل: لا تكلِّمون في رفع العذاب. ولعل الأولَ أوفقُ بما قبله وبالتعليل الآتي. وقيل: لا تكلِّمون أبداً، وهو آخرُ كلام يتكلَّمون به. أخرج ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (١) عن حذيفة، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إنَّ الله تعالى إذا قال لأهل النار: ((اخسؤوا فيها ولا تكلِّمون)) عادت وجوههم قطعةً لحم ليس فيها أفواهٌ ولا مناخرُ، يتردّد النَّفَسُ في أجوافهم)). وأخرج الطبرانيُّ، والبيهقي في ((البعث))، وعبد الله بن أحمد في زوائد (١) كما في الدر المنثور ١٧/٥. الآية : ١٠٨ ١٥١ سُورَةُ المُؤْمِنُونَ ((الزهد))، والحاكم وصحَّحه، وجماعةٌ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إنَّ أهل جهنم ينادون مالكاً: ليَقْضِ علينا ربُّك. فيذَرُهم أربعين عاماً لا يجيبهم، ثم يجيبهم: ((إنكم ماكثون)) ثم ينادون ربَّهم: ربَّنا أخرجنا منها فإنْ عدنا فإنَّا ظالمون. فيذرُهم مثلي الدنيا لا يجيبهم، ثم يجيبهم: ((اخسؤوا فيها ولا تكلِّمون)) قال: فما نَس القوم بعدها بكلمةٍ، وما هو إلَّا الزفيرُ والشهيق(١). وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وغيرُهما عن محمد بن كعب قال: لأهل النار خمسُ دعواتٍ، يجيبُهم الله تعالى في أربعةٍ، فإذا كانت الخامسةُ لم يتكلَّموا بعدها أبداً، يقولون: ﴿رَبَّآَ أَتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحَْيْتَنَا أَنْتَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] فيجيبُهم الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] فيجيبهم الله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِتُمْ لِقَآءَ بَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيِنَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] ثم يقولون: ﴿رَبََّ أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَشَّحِعِ الرُّسُلُ﴾ فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنِ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ نُعَمِزَكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَّكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن تَّصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] ثم يقولون: ﴿رَبََّا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا صَالِينَ * رَبََّآَ (٣) فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ فلا يتكلَّمون بعدها أبداً (٢). وفي بعض الآثار أنهم يَلْهَجون بكلِّ دعاءٍ ألفَ سنةٍ. ويُشْكِلُ على هذه الأخبار ظواهرُ الخطابات الآتية كما لا يخفى، ولعلها (١) البعث والنشور (٦٤٨)، والمستدرك ٥٩٨/٤، وعزاه للطبراني الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩٦/١٠، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣٩٢/٤. وأخرجه أيضاً ابن المبارك في الزهد (٣١٩-زوائد نعيم)، وهناد في الزهد (٢١٤)، وابن أبي حاتم ٢٥٠٩/٨. (٢) الدر المنثور ١٦/٥، وأخرجه أيضاً البيهقي في البعث والنشور (٦٦٠). وفي إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو متروك. سُؤَّةُ المُؤْمِنُونَ ١٥٢ الآية : ١٠٩ - ١١٠ لا يصحُّ منها شيءٌ، وتصحيحُ الحاكم محكومٌ عليه بعدم الاعتبار (١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنَّهُ﴾ تعليلٌ لِمَا قبله من الزَّجر عن الدعاء، أي: إنَّ الشأن. وقرأ أبيٍّ وهارون العتكي: (أنه)) بفتح الهمزة(٢)، أي: لأنَّ الشأن. ﴿كَانَ﴾ في الدنيا التي تريدون الرجعة إليها ﴿فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى﴾ وهم المؤمنون. وقيل: هم الصحابة. وقيل: أهل الصفَّة ◌ِ﴿ه أجمعين. فَأَّخَذْتُهُمْ سِخْرِنَّ﴾ أي: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ () هزؤاً . أي: اسكتوا عن الدعاء بقولكم: ((ربنا)» إلخ؛ لأنكم كنتم تستهزئون بالداعينَ خوفاً من هذا اليوم بقولهم: ((ربَّنا آمنا)) إلخ ﴿حَتَّىَ أَنَوْكُمْ﴾ بتشاغُلِكم بالاستهزاء بهم ﴿ذِكْرِى﴾ أي: خوفَ عقابي في هذا اليوم ﴿وَكُنتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾﴾ وذلك غايةٌ الاستهزاء. وقيل: التعليلُ على معنى: إنما خَسَأناكم كالكلب ولم نَحْتَفِلْكم إذ دعوتُم؛ لأنكم استهزأتُم غايةَ الاستهزاء بأوليائي حين دَعَوا، واستمرَّ ذلك منكم حتى نسيتُم ذكري بالكلِّية ولم تخافوا عقابي، فهذا جزاؤكم. وقيل: خلاصةُ معنى الآية: إنه كان فريقٌ من عبادي يَدْعونَ فتشاغلتُم بهم ساخرين، واستمرَّ تشاغُلُكم باستهزائهم إلى أنْ جرَّكم ذلك إلى تَرْكِ ذكري في أوليائي، فَلمْ تخافوني في الاستهزاء بهم، ثم قيل: وهذا التذنيبُ لازمٌ ليصحَّ قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ) إلخ تعليلاً، ويرتبطَ الكلام ويتلاءمَ مع قوله سبحانه: (وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) ولو لم يُرد به ذلك يكون إنساءُ الذكر كالأجنبيِّ في هذا المقام، وفيه تَسَخُّطٌ عظيمٌ لفِعْلِهم ذلك، ودلالةٌ على اختصاصٍ بالغٍ لأولئك العباد المسخورِ (١) كذا قال، وفي كلامه نظر، فقد قال فيه المنذري في الترغيب والترهيب ٣٩٣/٤: رواته محتجُّ بهم في الصحيح. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩٦/١٠: رجاله رجال الصحيح. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٩، والبحر ٤٢٣/٦. الآية : ١١١ ١٥٣ سُؤَةُ المُؤْمنُونَ منهم، كما نَّه عليه أولاً في قوله تعالى: (مِنْ عِبَادِى) وخَتَمه بقوله سبحانه: (إِنِّى جَزَيْتُهُمُ) إلى قوله تعالى: (هُمُ الْفَآِرُونَ) وزاد في خَسْئِهم بإعزازِ أضدادهم. انتهى ولا يخلو عن بحث. وقرأ نافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ((سُخْريًّا)) بضم السين(١)، وباقي السبعة بكَسْرِها، والمعنى عليها واحد - وهو الهزؤ - عند الخليل وأبي زيد الأنصاريِّ وسیپویه(٢). وقال أبو عبيدة والكسائيُّ والفرَّاء: مضمومُ السين بمعنى الاستخدام من غير أجرة، ومكسورُها بمعنى الاستهزاء(٣). وقال يونس: إذا أريد الاستخدامُ ضُمَّ السينُ لا غير، وإذا أريد الهزؤُ جاز الضُّ والكسر. وهو في الحالين مصدرٌ زيدَتْ فيه ياء النسبة للمبالغة كما في أحمريّ. وقوله تعالى: ﴿إِنِى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَا﴾ أي: بسبب صبرهم على أذيَّتِكم، استئنافٌ لبيان حُسْنِ حالِهم، وأنهم انتفعوا بما آذَوْهم، وفيه إغاظةٌ لهم. وقوله سبحانه: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآبِرُونَ ﴾ إما في موضع المفعول الثاني للجزاء، وهو يتعدَّى له بنفسه وبالباء كما قال الرَّاغب(٤)، أي: جزيتُهم فوزَهم بمجامع مُراداتهم - كما يُؤذِنُ به معمولُ الوصف(٥) - حالَ كونهم مخصوصین بذلك، كما يؤذن به توسيطُ ضمير الفصل. وإما في موضع جرِّ بلام تعليلٍ مقدَّرة، أي: لفوزهم بالتوحيد المؤدّي إلى كلِّ سعادة، ولا يمنع من ذلك تعليلُ الجزاء بالصبر؛ لأنَّ الأسباب لكونها ليست عملاً تامَّةً يجوزُ تعدُّدُها. (١) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢، وهي قراءة أبي جعفر وخلف من العشرة. (٢) ذكره عن الخليل وسيبويه النحاس في إعراب القرآن ١٢٣/٣-١٢٤، وذكره الفراء في معاني القرآن ٢٤٣/٢ عن الكسائي. (٣) معاني القرآن للفراء ٢٤٣/٢، ومجاز القرآن ٦٢/٢. (٤) في مفرداته (جزى). (٥) أي: مفعول ((فائزين)) وقد حذف للعموم. حاشية الشهاب ٣٤٩/٦. سُورَةُ المؤمنُون ١٥٤ الآية : ١١٢ - ١١٣ وقرأ زيد بن عليٍّ وحمزةُ والكسائيُّ وخارجةُ عن نافع: ((إنهم)) بالكسر(١) على أنَّ الجملة استئنافٌ معلِّلٌ للجزاء. وقيل: مبيِّنٌ لكيفيته، فتدبر. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى شأنُه، أو المَلَكُ المأمورُ بذلك، لا بعضُ رؤساء أهل النار كما قيل، تذكيراً لِمَا لبثوا فيما سألوا الرجعة إليه من الدنيا، بعد التنبيه على استحالته، وفيه توبيخٌ على إنكارهم الآخرة. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن كثير: ((قل))(٢) على الأمر للمَلَكِ لا لبعض الرؤساء كما قيل، ولا لجميع الكفار على إقامةِ الواحدِ مقامَ الجماعة كما زَعَمه الثعالبيُّ. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ التي تَدْعُون أنْ ترجعوا إليها، أي: كم أقمتُم فيها أحياءً ﴿عَدَدَ سِنِينَ (٣)﴾ تمييزٌ لـ ((كم))، وهي ظرفُ زمانٍ لـ ((لبثتم))، وقال أبو البقاء: (عددَ)) بدلٌ من (كم))(٣). وقرأ الأعمش والمفضَّل عن عاصم ((عدداً)) بالتنوين (٤)، فقال أبو الفضل الرازي(٥): ((سنين)) نصبٌ على الظرف، و((عدداً) مصدرٌ أُقيم مقام الاسم، فهو نعتٌ مقدَّمٌ على المنعوت. وتجويزُ أن يكون معنى ((لبثتم)): عدَدَتُم، بعید. وقال أبو البقاء: ((سنين)) - على هذه القراءة - بدلٌ من ((عدداً)(٦). ﴿قَالُوْ لِتْنَا يَمَا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ﴾ استقصاراً لمدَّةٍ لُبثهم بالنسبة إلى ما تحقَّقوه من طولِ زمانٍ خلودهم في النار. وقيل: استَقْصَروها لأنها كانت أيامَ سرورهم بالنسبة إلى ما هم فيه، وأيامُ السرور قِصَارٌ. وقيل: لأنها كانت منقضيةً، والمنقضي لا يُعتَنَى بشأنه، فلا يُدْرَى مقدارُه طولاً وقِصَراً، فيُظَنُّ أنه كان قصيراً. (١) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢-٣٣٠ عن حمزة والكسائي. (٢) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٣٠/٢. (٣) الإملاء ٦٥/٤ . (٤) المحرر الوجيز ١٥٩/٤، والبحر ٤٢٤/٦. (٥) صاحب اللوامح، وكلامه في البحر ٤٢٤/٦، وعنه نقل المصنف. (٦) الإملاء ٤ / ٦٥. الآية : ١١٤ ١٥٥ سُؤَدَّةُ المؤمنُونَ ﴿فَسْئَلِ الْعَآِينَ (٣)﴾ أي: المتمكِّنين من العدِّ؛ فإنَّا بما دُهِمْنا من العذاب بمعزلٍ من ذلك. أو الملائكةَ العادِّين لأعمار العباد وأعمالِهم، على ما رواه جماعةٌ عن مجاهد. وقرأ الحسن والكسائيُّ في رواية: ((العادِينَ)) بتخفيف الدَّال(١)، أي: الظّلمةَ فإنهم يقولون كما نقول، كأنَّ الأتباع يسمُّون الرؤساء بذلك لظُلْمِهم إياهم بإضلالهم. وقرئ: ((العاديِّينَ) بتشديد الياء(٢) جمع عاديّ نسبةً إلى قوم عادٍ، والمراد بهم المعمَّرون؛ لأنَّ قوم عادٍ كانوا يعمَّرون كثيراً، أي: فاسأل القدماء المعمَّرين، فإنهم أيضاً يستقصرون مدة لبثهم. ﴿قَالَ﴾ أي: الله تعالى، أو المَلَكُ. وقرأ الأخوان: ((قل)) على الأمر(٣)، كما قرأا فيما مرَّ كذلك. وفي ((الدرِّ المصون)): الفعلان في مصاحف الكوفة بغير ألفٍ، وبألفٍ في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة(٤). ونُقِلَ مثلُه عن ابن عطية(٥). وفي (الكشاف)) عكسُ ذلك(٦). وكأنَّ الرسم بدون ألفٍ يَحْتَمِلُ حَذْفها من الماضي على خلاف القياس، وفي رَسْم المصحف من الغرائب ما لا يخفى، فلا تغفل. ﴿إِن ◌َِّثْتُمْ﴾ أي: ما لبثتم ﴿إِلَّا قَلِيلاً﴾ تصديقٌ لهم في مقالتهم. ﴿لَّوَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: تعلمون شيئاً، أو: لو كنتم من أهل العلم. و (لو)) شرطيةٌ، وجوابُها محذوفٌ ثقةً بدلالة الكلام عليه، أي: لو كنتم تعلمون لعلمتم يومئذٍ قِصَرَ أيام الدنيا كما علمتم اليومَ، ولعملتُم بموجب ذلك، ولم يَصْدُرْ منكم ما أوجب خلودكم في النار، وقولنا لكم: ((اخسوا فيها ولا تكلِّمون)). (١) القراءات الشاذة ص ٩٩، والبحر ٦/ ٤٢٤. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٩، والبحر ٦/ ٤٢٤. (٣) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٣٠/٢. (٤) الدر المصون ٣٧٢/٨. (٥) المحرر الوجيز ١٥٨/٤، والبحر ٤٢٤/٦. (٦) الكشاف ٤٤/٣. وفي المقنع للداني ص ٩٥ أن في بعض المصاحف ((قال))، وفي بعضها ((قل)، ولم يعيّن. سُورَةُ المُؤْمنُونَ ١٥٦ الآية : ١١٥ وقيل: المعنى: لو كنتم تعلمون قلَّةً لبئكم في الدنيا بالنسبة للآخرة ما اغْتَرَرْتُم بها وعصيتُم. وكأن نفي العلم بذلك عنهم على هذا لعدم عملهم بموجبه، ومَن لم يعمل بعِلْمِه فهو والجاهلُ سواء. وقدَّر أبو البقاء الجواب: لما أَجبتُم بهذه المدة(١). ولعله يجعل الكلامَ السابق ردّاً عليهم لا تصديقاً، وإلا لا يصحُّ هذا التقدير. وجوِّز أن تكون ((لو)) للتمنِّي فلا تحتاج لجواب. ولا ينبغي أن تُجعل وَصْليةً لأنها بدون الواو نادرةٌ أو غيرُ موجودة. هذا، وقال غيرُ واحدٍ من المفسِّرين: المرادُ سؤالُهم عن مدَّةٍ لبثهم في القبور، حيث إنهم كانوا يزعمون أنهم بعد الموت يصيرون تراباً، ولا يقومون من قبورهم أبداً. وزعم ابن عطية أنَّ هذا هو الأصوبُ، وأنَّ قوله سبحانه فيما بعد: (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) يقتضيه(٢). وفيه منعٌ ظاهر. ويؤيِّد ما ذهبنا إليه ما روي مرفوعاً: ((إنَّ الله تعالى إذا أدخل أهل الجنةِ الجنةً، وأهل النارِ النارَ، قال: يا أهل الجنة، كم لبئتم في الأرض عدد سنين. قالوا: لبثنا يوماً أو بعضَ يومٍ. قال: لنِعْمَ ما أنجزتُم في يومٍ أو بعضٍ يوم، رحمتي ورضواني وجَّتي، امكثوا فيها خالدين مخلَّدين. ثم يقول: يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عددَ سنين. قالوا: لبثنا يوماً أو بعضَ يوم. فيقول: بئسما أنجزتُم في يومٍ أو بعضٍ يومٍ، ناري وسَخَطي، امكثوا فيها خالدين مخلَّدين))(٣). ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ أي: ألم تعلموا شيئاً فحسبتُم أنَّما خلقناكم بغير حكمةٍ حتى أنكرتُم البعثَ، فـ ((عبثاً)) حالٌ من نون العظمة، أي: عابئين. أو مفعولٌ به، أي: أفحسبتم أنما خلقناكم للعَبَثِ. وهو ماخلا عن الفائدة مطلقاً، أو عند الفائدة المعتدِّ بها، أو عمَّا يقاوِمُ الفعل كما ذكره الأصوليون. (١) الإملاء ٦٦/٤. (٢) المحرر الوجيز ١٥٨/٤-١٥٩. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥١١/٨، وأبو نعيم في الحلية من طريق أيفع بن عبد الكلاعي عن النبي ◌َّر. قال أبو نعيم: كذا رواه أيفع مرسلاً، وأسند أيفع عن معاوية بن أبي سفيان وغيره. الآية : ١١٦ ١٥٧ سُؤَةُ الْمُؤْمِنُونَ واستَظْهَرَ الخفاجيُّ إرادةَ المعنى الأول هنا (١)، واختار بعضُ المحقّقين الثاني. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (9)﴾ عطفٌ على ((أنما خلقناكم)) أي: أفحسبتُم ذلك وحسبتُم أنكم لا تبعثون. وجوِّز أن يكون عطفاً على ((عبئاً) والمعنى: أفحسبتُم أنَّما خلقناكم للعبث ولترككم غيرَ مرجوعين، أو عابثين ومقدِّرين أنكم إلينا لا ترجعون. وفي الآية توبيخٌ لهم على تغافُلهم، وإشارةٌ إلى أنَّ الحكمة تقتضي تكليفهم وبعثَهم للجزاء. وقرأ الأخوان: (تَرْجِعون)) بفتح التاء (٢) من الرجوع. ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ﴾ استعظامٌ له تعالى ولشؤونه سبحانه التي يصرِّفُ عليها عبادَه جلَّ وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة البالغة، أي: ارتفع سبحانه بذاته وتنزَّه عن مماثلةِ المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعالهِ، وعن خلوِّ أفعاله عن الحِكْمِ والمصالح الحميدة. ﴿اَلْمَلِكُ الْحَقّ﴾ أي: الحقيقُ بالمالكية على الإطلاق إيجاداً وإعداماً، بَدْءاً وإعادةً، إحياءً وإماتةً، عقاباً وإثابةً، وكلُّ ما سواه مملوكٌ له مقهورٌ تحت مَلَكونِيَّتِهِ. وقيل: ((الحق)) أي: الثابتُ الذي لا يزول ولا يزول ملكُه، وهذا وإن كان أشهرَ إلَّا أنَّ الأول أوفقُ بالمقام. ﴿لََ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ فإنَّ كلَّ ما عداه عبيدُه تعالى ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ وهو جرٌ عظيمٌ وراء عالم الأجسام والأجرام، وهو أعظمُها، وقد جاء في وصف عِظَمِه ما يبهرُ العقول، فيلزمُ من كونه تعالى ربَّه كونُه سبحانه ربَّ كلِّ الأجسام والأجرام، ووُصِفَ بالكريم لشرفه، وكلُّ ما شرف في بابه وُصِفَ بالكرم، كما في قوله تعالى: ﴿وَزُرُوعِ وَمَقَارٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] وقوله سبحانه: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى غير ذلك. (١) حاشية الشهاب ٣٤٩/٦. (٢) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٢٠٨/٢-٢٠٩ عن حمزة والكسائي ويعقوب وخلف. سُؤَدَّةُ المؤمنُونَ ١٥٨ الآية : ١١٧ وقد شرف بما أَوْدَعَ الله تعالى فيه من الأسرار، وأعظمُ شرفٍ له تخصيصُه باستوائه سبحانه علیه. وقيل: إسنادُ الكرم إليه مجازيٌّ، والمراد: الكريم ربُّه، أو المراد ذلك على سبيل الكناية. وقيل: هو على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخصٍ كريم. ولعل ما ذكرناه هو الأظهر. وقرأ أبان بن تغلب، وابن محيصن، وأبو جعفر، وإسماعيل عن ابن كثير: ((الكريمُ)) بالرفع(١) على أنه صفة الربِّ، وجوِّز أن يكون صفةً للعرش على القَطْعِ، وقد يرجَّحُ بأنه أوفقُ بقراءة الجمهور. ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾ أي: يعبدْ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أي: مع وجوده تعالى وتحقُّقه سبحانه ﴿إِلَهًا ،َخَرَ﴾ إفراداً أو إشراكاً، أو: مَن يعبد مع عبادة الله تعالى إلهاً آخر كذلك، ويتحقَّقُ هذا في الكافر إذا أَفرد معبوده الباطل بالعبادة تارةً وأَشْرَكَه مع الله تعالى أخرى، وقد يُقْتَصَر على إرادة الإشراك في الوجهين، ويُعلم حال مَن عَبَدَ غيرَ الله سبحانه إفراداً بالأولى. وذِكْرُ ((آخر))، قيل: إنه للتصريح بألوهيته تعالى، وللدلالة على الشريك فيها، وهو المقصودُ، فليس ذكرُه تأكيداً لِمَا تدلُّ عليه المعيةُ وإنْ جوِّز ذلك، فتأمَّل. نعم قوله تعالى: ﴿لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾ صفةٌ لازمةٌ لـ ((إلهاً)) لا مقيِّدةٌ، جيء بها للتأكيد وبناءِ الحكم المستفاد من جزاء الشرط - من الوعيد بالجزاء على قَدْرِ ما يستحق - [عليه] (٢) تنبيهاً على أنَّ التديُّن بما لا دليل عليه ممنوعٌ فضلاً عما دلَّ الدليل على خلافه. ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء جيء به للتأكيد، كما في قولك: مَن أَحْسَنَ إلى زيد لا أَحَقَّ منه بالإحسان، فالله تعالى مُثیبه. (١) القراءات الشاذة ص ٩٩. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٦/ ٣٥٠، وتفسير أبي السعود ١٥٣/٦. الآية : ١١٨ ١٥٩ سُورَةُ المُؤْمنُونَ ومِن الناس مَن زَعَمَ أنه جوابُ الشرط دون قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَيِّدِّ﴾ وجَعَلَه تفريعاً على الجملة، وليس بصحيح لأنه يلزمُ عليه حَذْفُ الفاء في جواب الشرط، ولا يجوز ذلك كما قال أبو حيان إلَّا في الشعر (١). والحسابُ كنايةٌ عن المجازاة، كأنه قيل: مَن يعبدْ إلهاً مع الله تعالى فالله سبحانه مُجازٍ له على قَدْرِ ما يستحقُّه. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ ﴾ أي: إنَّ الشأنَ لا يفلح .. إلخ. وقرأ الحسن وقتادة: ((أنه)) بالفتح(٢) على التعليل، أو جَعْلِ الحاصل من السَّبكِ خبرَ ((حسابه)) أي: حسابهُ عدمُ الفلاح، وهذا على ما قال الخفاجيّ(٣) من باب: تحيةُ بِينِهِم ضربٌ وجيعُ(٤) وبهذا مع عدم الاحتياج إلى التقدير رجِّح هذا الوجهُ على سابقه، وتَوَافُق القراءتين عليه في حاصل المعنى، ورجّح الأولُ بأنَّ التوافُقَ عليه أتمّ. وأصلُ الكلام على الإخبار: فإنما حسابُه عند ربِّه أنه لا يفلح هو، فوُضع ((الكافرون)» موضعَ الضمير؛ لأنَّ ((مَن يَدْعُ)) في معنى الجمع، وكذلك: حسابُه أنه لا يفلح، في معنی: حسابهم أنهم لا يفلحون. وقرأ الحسن: ((يَفْلَحُ)) بفتح الياء واللام(٥) . وما ألطفَ افتتاحَ هذه السورة بتقدير فلاح المؤمنين، وإيرادَ عدمٍ فلاح الكافرين في اختتامها، ولا يخفى ما في هذه الجمل من تسلية رسول الله وَله . وكأنه سبحانه بعد ما سلَّاه بذكر مآلٍ مَن لا ینجعُ دعاؤه فيه، أمره بما يرمز إلى مُتَارَكةٍ مُخالِفِيهِ، فقال جل وعلا: ﴿وَقُل رَّبِّ﴾ وقرأ ابن محيصن: ((ربُّ)) بالضم (٦) (١) البحر ٤٢٥/٦. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٩، والمحتسب ٩٨/٢، والبحر ٤٢٥/٦. (٣) في الحاشية ٦/ ٣٥٠. (٤) وصدره: وخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل، والبيت لعمرو بن معدي كرب كما في الكتاب ٣/ ٥٠، وسلف ٦٤/٥. (٥) القراءات الشاذة ص ٩٩، والبحر ٤٢٥/٦. (٦) البحر ٦/ ٤٢٥. سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ ١٦٠ الآية : ١١٨ ﴿أَغْفِرْ وَأَرْحَرْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ﴾ والظاهرُ أنَّ طَلَبَ كلٍّ من المغفرة والرحمة على وجه العموم له عليه الصلاة والسلام ولمتَّبعيهِ، وهو أيضاً أعمُّ من طلب أصل الفعل والمداومة عليه، فلا إشكال، وقد يقال في دفعه غيرُ ذلك. وفي تخصيص هذا الدعاء بالذكر ما يدلُّ على أهميةِ ما فيه، وقد علَّم ◌َيه أبا بكر الصدِّيقَ ظُبه أن يقول نحوَه في صلاته، فقد أخرج البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه وابن حِبَّان وجماعةٌ عن أبي بكر ظُبه أنه قال: يا رسول الله، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نفسي ظُلْماً كثيراً، وإنَّه لا يَغْفِرُ الذنوبَ إلَّا أنتَ، فاغْفِرْ لي مغفرةً مِن عندِكَ، وارحمني إِنَّك أنتَ الغفور الرحيم)»(١). ولقراءة هذه الآيات - أعني قولَه تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ) إلى آخر السورة - على المصاب نفعٌ عظيم، وكذا المداومةُ على قراءة بعضها في السفر. أخرج الحكيم الترمذيُّ وابن المنذر وأبو نعيم في «الحلية)) وآخرون، عن ابن مسعود ره، أنه قرأ في أذن مصاب: ((أفحسبتُم)) حتى ختم السورة، فبرأ، فقال رسول الله وَّه: ((والذي نفسي بيده لو أنَّ رجلاً موقناً قرأ بها على جبلٍ لزال))(٢). وأخرج ابن السنيِّ وابن منده، وأبو نعيم في ((المعرفة)) بسندٍ حسنٍ من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث التميميٍّ عن أبيه قال: بَعَثَنَا رسول اللهِ وََّ في سريةٍ وأَمَرَنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) فقرأناها فغنمنا وسَلِمْنا(٣). هذا والله تعالى المسؤول لكلِّ خير. (١) صحيح البخاري (٨٣٤)، وصحيح مسلم (٢٧٠٥)، وسنن الترمذي (٣٥٣١)، والمجتبى ٥٣/٣، وسنن ابن ماجه (٣٨٣٥)، وصحيح ابن حبان (١٩٧٦). (٢) الحلية ٧/١، وعزاه للحكيم الترمذي السيوطي في الدر المنثور ١٧/٥، ولم نقف عليه عن ابن المنذر. وأخرجه أيضاً أحمد في العلل (٥٩٧٩)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ١٦٣، وابن الجوزي في الموضوعات (٢٧٠). قال أحمد: هذا الحديث موضوع. (٣) عمل اليوم والليلة لابن السني (٧٧)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٧٢٦)، وعزاه لابن منده السيوطي في الدر ١٧/٥، وعنه نقل المصنف.