النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٧٣ - ٧٤ ١٢١ سُؤَدَّةُ الْمُؤْمنُونَ تأكيدٌ لخيريَّةٍ خَرَاجِه سبحانه وتعالى؛ فإنَّ مَن کان خیرَ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِينَ الرازقين يكون رزقُه خيراً من رزق غيره. واستدلَّ الجبائيُّ بذلك على أنه سبحانه لا يساويه أحدٌ في الإفضال على عباده، وعلى أنَّ العباد قد يَرْزُقُ بعضُهم بعضاً .. تشهدُ العقولُ السليمةُ باستقامته، ليس فيه ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَغِيرٍ (®ـ شائبةُ اعْوِجاجٍ توجبُ الاتِّهام. قال الزمخشريُّ (١): ولقد ألزمَهم عز وجل الحجةَ، وأزاح عِلَلَهمَ في هذه الآيات، بأنَّ الذي أرسل إليهم رجلٌ معروفٌ أمرُه وحالُه، مخبورٌ سرُّه وعَلَنُه، خليقٌ بأنْ يُجْتَبَى مثلُه للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدَّعى مثل هذه الدعوى العظيمةِ بباطل، ولم يَجْعَلْ ذلك سلَّماً إلى النيل من دنياهم واستعطاءٍ أموالهم، ولم يَدْعُهم إلَّا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، مع إبرازِ المكنونِ من أدْوَائهم، وهو إخلالُهم بالتدبُّر والتأمُّلِ، واستهتارُهم بدين الآباء الضُلَّال من غير برهان، وتعلُّلهم بأنه مجنون بعد ظهور الحقِّ وثباتِ التصديقِ من الله تعالى بالمعجزات والآيات النيِّرةِ، وكراهتهم للحقِّ وإعراضُهم عمَّا فيه حظّهم (٢) من الذكر. اهـ. وهو من الحُسْنِ بمكان. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ﴾ هم كَفَرَةُ قريشِ المحدَّثُ عنهم فيما مرَّ، وُصفوا بذلك تشنيعاً لهم مما هم عليه من الانهماك في الدنيا، وزَعْمِهم أنْ لا حياةً بعدها، وإشعاراً بعلَّة الحكم، فإنَّ الإيمان بالآخرة وخوفَ ما فيها من الدَّواهي من أقوى الدَّواعي إلى طلب الحقِّ وسلوكٍ سبيله. وجوِّز أنْ يكون المرادُ بهم ما يعمُّهم وغيرهم من الكفرة المنكِرين للحشر، ويدخلون في ذلك دخولاً أوَّليّاً . ﴿عَنِ الْصِرَطِ﴾ المستقيم الذي تدعو اليه ﴿لَنَكِبُونَ (®﴾ أي: لعادلون. وقيل: المراد بالصِّراط جنسُه، أي: إنهم عن جنس الصراط، فضلاً عن الصراط المستقيم الذي تدعوهم إليه، لناكبون. ورجّح بأنه أدلُّ على كمال ضلالهم (١) في الكشاف ٣٨/٣. (٢) في (م): حفظهم، والمثبت من الأصل والكشاف. سُؤَدَةُ المُؤْمِنُونَ ١٢٢ الآية : ٧٥ وغايةٍ غوايتهم، لِمَا أنه ينبئُ عن كون ما ذهبوا إليه ممَّا لا يُطْلَقُ عليه اسم الصراط ولو کان معوجًا . وفيه أن التعليل بمضمون الصِّلة لا يساعد إلَّا على إرادة الصراط المستقيم. وأظنُّ أنه قد نَكَبَ عن الصراط مَن زعم أنَّ المراد به هنا الصراط الممدود على متن جهنم، وهو طريق الجنة، أي: إنهم يوم القيامة عن طريق الجنة لمائلون يمنةً ويسرةً إلى النار. ﴿وَلَوْ رَيْنَهُمْ وَكَثَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍ﴾ أي: من سوء حالٍ؛ قيل: هو ما عَرَاهم بسبب أَخْذٍ مُتْرَفيهم بالعذاب يومَ بدر، أعني الجزعَ عليهم، وذلك بإحيائهم وإعادتهم إلى الدنيا بعد القتل، أي: ولو رحمناهم وكشفنا ضرَّهم بإرجاع مُتْرَفيهم إليهم ﴿لَّلَجُواْ﴾ لتمادوا ﴿فِي ◌ُغْيَنِهِمْ﴾ إفراطِهم في الكفر والاستكبار وعداوةٍ الرسول وَل﴿ والمؤمنين ﴿يَعْمَهُونَ ﴾ عامهين متردِّدين في الضلال، يقال: عَمَهَ كمَنَعَ وفَرِحَ عمهاً وعموهاً وعموهةً وعَمَهَاناً . وقيل: هو ما هم فيه من شدَّةِ الخوف من القتل والسبي، ومزيد الاضطراب من ذلك، لمَّا رأوا ما حلَّ بمترفيهم يومَ بدر، وكَشْفُه بأمر النبيِّ وَِّ بالكفّ عن قتالهم وسَبیهم بعدُ، أو بنحو ذلك. وهو وجهٌ ليس بالبعيد. وقيل: المرادُ بالضرِّ عذاب الآخرة، أي: أنهم في الرداءة والتمرُّد إلى أنهم لو رُحموا وكُشِفَ عنهم عذابُ النار وردُّوا إلى الدنيا، لعادوا لشدَّة لجاجهم فيما هم عليه. وفيه من البُعْدِ ما فيه. واستَظْهرَ أبو حيان أنَّ المراد به القحط والجوع الذي أصابهم بدعاء رسول الله ﴿، وذَكَر أنه مرويٌّ عن ابن عباس وابن جريج(١). وقد دعا عليهم وَّه بذلك في مكةَ يومَ أَلْقَى عليه المشركون وهو قائمٌ يصلِّي عند البيت سَلَى جزورٍ، فقال: ((اللهمَّ اشدُدْ وطأتَكَ على مُضَرَ، اللهمَّ اجْعَلْها عليهم سنينَ كَسِيٌّ يوسُفَ)»(٢). (١) البحر ٤١٥/٦. (٢) حديث إلقاء سلى الجزور على النبي ◌َّر أخرجه البخاري (٢٤٠) عن ابن مسعود = الآية : ٧٥ ١٢٣ سُؤَةُالمُؤْنُونَ ودعا بذلك أيضاً بالمدينة، وقد رُوي أنه عليه الصلاة والسلام مَكَثَ شهراً إذا رفع رأسه من الركعة الثانية من صلاة الفجر بعد قوله: ((سمع الله لمن حَمِدَه)) يقول: ((اللهمَّ أنْجِ الوليد بنَ الوليد، وسَلمةَ بنَ هشام، وعياش بنَ أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين بمكة، اللهمَّ اشْدُدْ وطأتَك))(١) إلخ. وربَّما فعل ذلك بعد رَفْعِه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء(٢). وكلتا الروايتين ذكرهما برهان الدين الحلبيُّ في ((سيرته))(٣). والكثيرُ على أنَّه الجوعُ الذي أصابهم من مَنْعِ ثُمامةَ المِيْرةَ عنهم، وذلك أنَّ ثُمامةَ بنَ أُثَالِ الحنفيَّ جاءت به إلى المدينة سريةُ محمد بنِ مَسْلَمةَ حين بعثها وَلـ إلى بني بكر بن كلاب، فأسلم بعد أن امتنع من الإسلام ثلاثةَ أيام، ثم خرج معتمراً، فلمَّا قدم بطنَ مكة لبَّى، وهو أول مَن دخلها ملبِّياً، ومِن هنا قال الحنفيُّ: برَغْمِ أبي سفيانَ في الأشهُرِ الحرم(٤) ومنَّا الذي لبَّى بمكةَ معلناً فأخذته قريشٌ فقالوا: لقد اجْتَرأْتَ علينا، وقد صبوتَ يا ثمامة. قال: أسلمتُ واتَّبعتُ خيرَ دينٍ، دين محمدٍ وََّ، واللهِ لا يَصِلُ إليكم حبَّةٌ من اليمامة - وكانت ريفاً لأهل مكة - حتى يأذنَ فيها رسولُ اللهِ وَّهِ. ثم خرج ثمامةُ إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، حتى أضرَّ بهم الجوعُ، وأكلت قريشُ العِلْهِزَ(٥)، فكتبت = وأخرج البخاري (١٠٠٧) من حديث ابن مسعود ظه: أن النبي ◌َّ لما رأى من الناس إدباراً قال: ((اللهم سبعٌ كسبع يوسف» الحديث، قال الحافظ في الفتح ٥١١/٢: وأفاد الدمياطي أن ابتداء دعاء النبي ◌َّ على قريش بذلك كان عقب طرحهم على ظهره سلى الجزور، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا عليهم بذلك بعدها بالمدينة. اهـ. (١) أخرجه أحمد (٧٦٦٩)، والبخاري (١٠٠٦)، ومسلم (٦٧٥): (٢٩٤) من حديث . أبي هريرة رضي (٢) أخرج هذه الرواية من حديث أبي هريرة أحمد (١٠٠٧٢)، والبخاري (٦٣٩٣)، ومسلم (٦٧٥): (٢٩٥). (٣) السيرة الحلبية ١/ ٤٧١ . (٤) سيرة ابن هشام ٦٣٩/٢. (٥) بكسر العين والهاء وسكون اللام: دم كان يُخلط بوبرٍ ويُعالج بالنار، وقيل في معناه غير ذلك. ينظر حاشية الشهاب ٦/ ٣٤٢. سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ ١٢٤ الآية : ٧٦ قريش إلى رسول الله وَله: ألست تزعُمُ أنك بُعِثْتَ رحمةً للعالمين؟ فقد قَتَلْتَ الآباء بالسيف والأبناءَ بالجوع، إنك تأمر بصلَةِ الرَّحم، وأنت قد قطعتَ أرحامنا. فكتب رسول الله ◌َُّ إلى ثُمامةَ رَبه: ((خلِّ بين قومي وبين مِيْرَتِهِم)) ففعل(١). وفي روايةٍ: أنَّ أبا سفيان جاءه ◌َِّ، فقال: ألستَ .. إلخ(٢). ووَجْهُ الجمع ظاهرٌ، وكان هذا قبل الفتح بقليل. وعندي أنَّ ((لو)) تُبْعِدُ هذا القولَ كما لا يخفى، نعم أخرج ابن جرير وجماعةٌ عن ابن عباس ما هو نصٌّ في أنَّ قصة ثمامةَ سببٌ لنزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِلْعَذَابٍ﴾ إلى آخره(٣)، فيكون الجوعُ مراداً من العذاب المذكور فيه على ذلك، ولا يَرِدُ على مَن قال به قولهُ تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُواْ﴾، فما خضعوا بذلك. م﴾؛ لأنَّ له أن يقول: المرادُ بالخضوع له عزَّ وجلَّ الانقيادُ لأمره سبحانه، والإيمانُ به جلَّ وعلا، وما كان منهم مع رسول الله وَّر ليس منه في شيءٍ. والمشهورُ أن المراد بالعذاب ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر، ولا يَرِدُ على مَن فسَّر العذاب في قوله سبحانه: (حَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرِفِهِم بِالْعَذَابِ) به أيضاً لزومُ المنافاةِ بين ما هناك من قوله تعالى: (إِذَا هُمْ يَجْثَرُونَ) وما هنا من نفي الاستكانة لربِّهم ونفي التضرُّع المستفادِ من قوله سبحانه ﴿وَمَا يَنَضَرَّعُونَ ﴾﴾؛ إذ له أن يقول: الجوار مطلقُ الصراخ، وهو غيرُ الاستكانة لله عزَّ وجل، وغيرُ التضرُّعِ إليه سبحانه. وهو ظاهر. وكذا إذا أريد بالجوار الصراخ باستغاثةٍ بناءً على أنَّ المراد بالاستكانة له تعالى ما علمتَ آنفاً من الانقياد لأمره عز وجل، وأنَّ التضرُّعَ ما كان عن صميم الفؤاد (١) أخرجه أحمد (٩٨٣٣)، والبخاري (٤٣٣٢)، ومسلم (١٧٦٤) من حديث أبي هريرة ـ دون الشعر، ودون قوله: ثم خرج ثمامة إلى اليمامة فمنعهم .. إلخ. وأخرجه بتمامه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٦٣٨/٥-٦٣٩، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٤/ ٨٠، وبنحوه أحمد (٧٣٦١). (٢) أخرجه البخاري (١٠٢٠) من حديث ابن مسعود رُه. (٣) تفسير الطبري ٩٣/١٧، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٢٨٩)، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٨١. الآية : ٧٦ ١٢٥ سُوَّةُ الْمُؤْمنُونَ والجوارَ ما لم يكن كذلك، وكأنَّ التعبير هناك بالجوار للإشارة إلى أنَّ استغاثتهم كانت أشبه شيءٍ بأصوات الحيوانات. وقيل: ما تقدَّم لبيانٍ حال المقتولين، وما هنا لبيان حال الباقين. وعبَّر في التضرُّع بالمضارع ليفيد الدوام، إلا أنَّ المراد دوامُ النفي لا نفيُّ الدوام، أي: وليس من عادتهم التضرُّعُ إليه تعالى أصلاً. ولو حُمِلَ ذلك على نفي الدوام - كما هو ظاهر - لا يَرِدُ ما يتوهّمُ من المنافاة بين قوله تعالى: (إِذَا هُمْ يَخْثَرُونَ) وقوله سبحانه: (وَمَا يَنَضَرَّعُونَ) أيضاً . واستكان استفعل من الكون، وأصلُ معناه: انتقل من كون إلى كون، كاسْتَحْجَر، ثم غَلَبَ العرفُ على استعماله في الانتقال من كونِ الكِبْر إلى كون الخضوع، فلا إجمالَ فیه عرفاً . وقال أبو العباس أحمد بن فارس(١): سُئِلْتُ عن ذلك في بغداد لمَّا دخلتُها زمنَ الإمام الناصر، وجَمَعَ لي علماءَها، فقلتُ واستحسن منِّي: هو مشتقٌّ من قول العرب: كُنْتُ لك، إذا خضعت، وهي لغة هذيلية. وقد نقلها أبو عبيد في ((الغريبين))(٢)، وعليه يكون من باب قرَّ واستقرَّ. ولا يجعل من استفعل المبنيِّ للمبالغة، مثل استَعْصَمَ واستَحْسَرَ، إلا أنْ يراد في الآية حينئذٍ المبالغةُ في النفي لا نفيُّ المبالغة. وقيل: هو من الكين: اللَّحمةُ المستبطنة في الفرج؛ لذلَّةِ المستكين. وجوَّز الزمخشريُّ(٣) أن يكون افتعل من السكون والألفُ إشباعٌ، كما في قوله: ومن ذمِّ الرجال بمنتزاح(٤) وأنتَ من الغَوَائلِ حين تَرْمي (١) هو أحمد بن إسماعيل بن فارس جد ابن المنير، وكلامه في الانتصاف (مع الكشاف) ٣٩/٣، وحاشية الشهاب ٣٤٢/٦ نقلاً عن الانتصاف. (٢) كتاب الغريبين لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة (٤٠١هـ). كشف الظنون ١٢٠٩/٢. (٣) في الكشاف ٣٩/٣. (٤) البيت لإبراهيم بن هرمة القرشي وهو في ديوانه ص٩٢، والحماسة البصرية ١٩٠/١، واللسان (نزح)، وسلف ٨٣/١٠ برواية: العواتك، بدل: الغوائل، و٣٠٤/١٢. سُورَةُ المؤمنُون ١٢٦ الآية : ٧٧ وقوله : أعوذُ بالله من العَقْرابِ الشائلاتِ عُقَدَ الأذنابِ(١) واعتُرض بأنَّ الإشباع المذكورَ مخصوصٌ بضرورة الشعر، وبأنه لم يُعهد كونُه في جمیع تصاریف الكلمة، واستکان جمیعُ تصاریفه کذلك، فهو يدل على أنه ليس مما فيه إشباع. ﴿حََّ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ من عذاب الآخرة، كما يُنْبئُ عنه التهويلُ بفتح الباب والوصفُ بالشدة، وإلى هذا ذهب الجبائيُّ. و((حتى)) مع كونها غايةً للنفي السابق مبتدأٌ لِمَا بعدَها من مضمون الشرطية، كأنه قيل: هم مستمرُّون على هذه الحال، حتى إذا فتحنا عليهم يومَ القيامة باباً ذا عذابٍ شديدٍ ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: في ذلك الباب، أو: في ذلك العذاب، أو: بسبب الفتح. أقوال، ﴿مُبْلِسُونَ ﴾﴾ متحيِّرون آيِسونَ من كلِّ خيرٍ، أو ذَوو حُزْنٍ من شدة اليأس. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. وقيل: هذا البابُ استيلاءُ النبيِّ وَّهِ والمؤمنين عليهم يوم الفتح، وقد أَيِسوا في ذلك اليومٍ من كلِّ ما كانوا يتوهّمونه من الخير. وأخرج ابن جرير: أنه الجوُ الذي أكلوا فيه العِلْهِز(٢). وعن ابن عباس رضيًّا: أنه القتلُ يومَ بدر (٣). وروت الإمامية - وهم بيتُ الكذب - عن أبي جعفر ﴿به: أنَّ ذلك عذابٌ يعذَّبون به في الرجعة(٤). ولعمري لقد افتَرَوْا على الله تعالى الكذبَ، وضلُّوا ضلالاً بعيداً. والوجه في الآية عندي ما تقدَّم. (١) الجمل في النحو للخليل ص ٢٤٤، وضرائر الشعر لابن عصفور ص ٣٣، والبحر ٤١٦/٦، واللسان والتاج (سبسب)، وسلف ٣٢٧/١٣. (٢) تفسير الطبري ١٧ / ٩٥ عن مجاهد. (٣) تفسير الطبري ١٧ / ٩٥. (٤) مجمع البيان ١٦٧/١٨، وسيأتي الكلام على مفهوم الرجعة عند الشيعة عند تفسير الآية (٨٣) من سورة النمل. الآية : ٧٨ - ٨٠ ١٢٧ سُؤَدَّةُ المؤمنُون والظاهرُ أنَّ هذه الآيات مدنيَّةٌ، وبعضُ مَن قال بمكِيَّتها ادَّعى أنَّ فيها إخباراً عن المستقبل بالماضي؛ للدلالة على تحقّق الوقوع. ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾ لتُحِسُّوا بها الآياتِ التنزيلية والتكوينية ﴿وَلَفِدَةُ﴾ لتتفكّروا بها في الآيات وتَسْتَدَلُّوا بها، إلى غير ذلك من المنافع. وقدِّم السمعُ لكثرة منافعه، وأُفْرِدَ لأنه مصدرٌ في الأصل، ولم يجمعه الفُصحاء في الأكثر. وقيل: أُقْرِدَ لأنه يدرَكُ به نوعٌ واحدٌ من المُذْرَكاتِ وهو الأصوات، بخلاف البصر فإنه يدرَكُ به الأضواء والألوان والأكوان والأشكال، وبخلاف الفؤاد فإنه يُدرَكُ به أنواعٌ شتَّى من التصوُّرات والتصديقات. وفي الآية إشارةٌ إلى الدليل الحسيِّ والعقليِّ، وتقديمُ ما يشير إلى الأول قد تقدَّم(١)، فتذكَّرْ فما في العهد من قِدَم. ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ أي: شكراً قليلاً تشكرون تلك النعمَ الجليلة؛ لأنَّ العمدةَ في الشكر صَرْفُ تلك القوى التي هي في أنفُسِها نِعَمٌ باهرةٌ إلى ما خُلقَتْ هي له، فنصب ((قليلاً)) على أنه صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ، والقِلَّةُ على ظاهرها بناءً على أنَّ الخطاب للناس بتغليب المؤمنين. وجوِّز أن تكون بمعنى النفي بناءً على أنَّ الخطاب للمشركين على سبيل الالتفات. وقيل: هو للمؤمنين خاصةً. وليس بشيءٍ. والأولى عندي كونُه للمشركين خاصةً مع جواز كون القلَّةِ على ظاهرها، كما لا يخفى على المتدبِّر. و((ما)) على سائر الأقوال مزيدة للتأكيد. ﴿وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلقكم وبنَّكم فيها ﴿ وَإِلَيْهِ تُخْشَرُونَ ﴾﴾ أي: تُجمعون يومَ القيامة بعد تفرُّقِكم، لا إلى غيره تعالى، فما لكم لا تؤمنون به سبحانه وتشکرونه عز وجل. ﴿وَهُوَ الَّذِى يُحِ، وَيُمِيتُ﴾ من غير أن يشاركه في ذلك شيءٌ من الأشياء ﴿وَلَهُ﴾ تعالى شأنُه خاصةً ﴿أَخْتِلَفُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: هو سبحانه وتعالى المؤثِّر في (١) ١٤ / ٢٠٢. سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ ١٢٨ الآية : ٨١ - ٨٣ اختلافهما، أي: تعاقُبِهما، من قولهم: فلانٌ يختلفُ إلى فلانٍ، أي: يتردّدُ عليه بالمجيءِ والذهاب. أو تخالُفُهما زيادةً ونقصاً. وقيل: المعنى: لأمره تعالى وقضائه سبحانه اختلافُهما، ففي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، واللامُ عليه يجوز أن تكون للتعليل. ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: أَلَا تتفكّرون فلا تعقلون، أو: أتتفكّرون فلا تعقلون بالنظر والتأمُّل أنَّ الكلَّ صار منَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ جميعَ الممكنات التي من جملتها البعث. وقرأ أبو عمرو في روايةٍ: ((يعقلون))(١) على أنَّ الالتفات إلى الغيبة لحكاية سوءٍ حال المخاطبين. وقيل: على أنَّ الخطاب الأولَ لتغليب المؤمنين، وليس بذاك. ﴿بَلْ قَالُواْ﴾ عطفٌ على مُضْمَرٍ يقتضيه المقام، أي: فلم يعقلوا بل قالوا ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ﴾﴾ أي: آباؤهم ومَن دان بدينهم من الكفرة المُنْكِرين للبعث. ، تفسيرٌ لِمَا قبله من المُبْهَمِ، ﴿قَالُواْ أَِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَّا لَبْعُونُونَ وتفصيلٌ لِمَا فيه من الإجمال، وقد مرَّ الكلامُ فيه(٢). ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَذَا﴾ البعثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلِّقٌ بالفعل من حيث إسنادُه إلى المعطوفِ عليه والمعطوفِ على ما هو الظاهرُ، وصحَّ ذلك بالنسبة إليهم؛ لأنَّ الأنبياء المُخبِرين بالبعث كانوا يُخْبِرون به بالنسبة إلى جميع مَن يموت. ويجوز أن يكون متعلِّقاً به من حيث إسنادُه إلى آبائهم لا إليهم، أي: ووُعد آباؤنا من قبل، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من («آباؤنا)) أي: كائنينَ من قبل. ﴿إِنْ هَذّآ﴾ أي: ما هذا ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ ﴾﴾ أي: أكاذيبُهم التي سطروها، جمع أسطورةٍ كأُحدوثةٍ وأُعجوبة، وإلى هذا ذهب المبرِّد(٣) وجماعة. وقيل: جمع أسطارٍ، جمع سَطَرٍ(٤)، كَفَرَسٍ وأَفْراسٍ. (١) القراءات الشاذة ص٩٨، والبحر ٤١٨/٦. (٢) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٤٩) من سورة الإسراء، وص ٧٠-٧١ من هذا الجزء. (٣) سلف قوله ٩٤/١٠ و٧٦/١٤. (٤) بفتح الطاء، وهو كالمسكَّن بمعنى الصف. حاشية الشهاب ٣١٣/٦. الآية : ٨٤ - ٨٧ ١٢٩ سُورَةُ المُؤْمِنُونَ والأول كما قال الزمخشريُّ أوفقُ (١)؛ لأنَّ جَمْعَ المفردِ أَوْلَى وَأَقْيَسُ، ولأنَّ بنية أُفْعُولة تجيءُ لِمَا فيه التلهِّي، فيكون حينئذ كأنه قيل: مكتوبات لا طائل تحتها . ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا﴾ من المخلوقات، تغليباً للعقلاء على غيرهم ﴿إِن كُمْ تَعْلَمُونَ (®﴾ جوابُه محذوفٌ ثقةً بدلالة الاستفهام عليه، أي: إن كنتم من أهل العلم ومن العقلاء، أو عالمينَ بذلك، فأخبروني به. وفي الآية من المبالغة في الاستهانة بهم وتقريرِ فَرْطِ جَهالتهم ما لا يخفى، ويقوِّي هذا أنه أخبر عن الجواب قبل أن يجيبوا، فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، فإنَّ بداهةَ العقل تَضْطَرُّهم إلى الاعتراف بأنه سبحانه خالقُها، فاللام للملك باعتبار الخلق. ﴿قُلْ﴾ أي: عند اعترافهم بذلك تبكيتاً لهم: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: أتعلمون، أو: أتقولون ذلك، فلا تتذكّرون أنَّ (٢) مَن فَطَر الأرضَ ومَن فيها ابتداءً قادرٌ على إعادتها ثانياً، فإنَّ البدء ليس بأهونَ من الإعادة، بل الأمرُ بالعكس في قياس المعقول. وقرئ: ((تتذكَّرون)) على الأصل(٣). أُعيدَ لفظُ الربِّ تنويهاً ﴿قُلْ مَن رَّبُّ الشَمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ بشأن العرش، ورفعاً لمحلِّ من أن يكون تبعاً للسماوات وجوداً وذِكْراً. وقرأ ابن محيصن: ((العظيمُ)) بالرفع (٤) نعتاً للربِّ. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوبُ بغير لامٍ فيه وفيما بعده(٥)، ولم يُقْرَأ - على ما قيل - في السابق بترك اللام، والقراءةُ بغيّر لامٍ على الظاهر، وباللَّام على المعنى، وكلا الأمرين جائزان، فلو قيل: مَن صاحبُ هَذه الدار؟ فقيل: زيدٌ، لكان(٦) جواباً عن لفظ السؤال، ولو قيل: لزيد، لكان جواباً على المعنى؛ لأنَّ (١) الكشاف ٣/ ٤٠. (٢) في الأصل و(م): أي، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٤٧/٦، والكلام منه. (٣) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٦/ ٣٤٤، وتفسير أبي السعود ١٤٨/٦. (٤) البحر ٤١٨/٦. (٥) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢. (٦) في (م): كان. سُوَةُ المُؤْمنُون ١٣٠ الآية : ٨٨ - ٨٩ معنى مَن صاحبُ هذه الدار؟: لمن هذه الدار، وكلا الأمرين واردٌ في كلامهم، أنشد صاحب ((المطلع)): وربُّ الجيادِ الجردِ قلتُ لخالدِ(١) إذا قيل مَن ربُّ المزالفِ والقُرى وأنشد الزجاج: وقال السائلون لمن حفرتُم فقال المخبرون لهم وزيرُ(٢) ﴿قُلْ﴾ إفحاماً لهم وتوبيخاً: ﴿أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴾﴾ أي: أتعلّمون ذلك ولا تَقُون (٣) أنفسَكم عقابَه على ترك العمل بموجب العلم، حيث تكفرون به تعالى، وتُنْكِرون ما أَخْبَرَ به من البعث، وتُثْبِتون له سبحانه شريكاً . ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ ممَّا ذُكر ومما لم يُذْكَر؛ وصيغةُ الملكوت للمبالغة في الملك، فالمراد به: الملكُ الشاملُ الظاهر. وقيل: المالكيةُ والمدبِّرية. وقيل: الخزائن. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ أي: يمنع مَن يشاء ممن يشاء ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: ولا يَمنع أحدٌ منه جلَّ وعلا أحداً. وتعديةُ الفعل بـ ((على)) لتضمينه معنى النصرة أو الاستعلاء. ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ تكريرٌ لاستهانتهم وتجهيلهم على ما مرَّ. وَسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ملكوتُ كلِّ شيءٍ، والوصفُ بأنه الذي يُجيرُ ولا يُجارُ عليه. ﴿قُلْ﴾ تهجيناً لهم وتقريعاً: ﴿فَأَّ تُسْحَرُونَ ﴾﴾ كيف، أو من أين تُخْدَعون وتُصْرَفون عن الرشد - مع عِلْمِكم به - إلى ما أنتم عليه من البغي، فإنَّ مَن لا يكون مسحوراً مختلَّ العقل لا يكون كذلك. (١) البيت في تفسير القرطبي ١٥/ ٨٠، وتفسير النسفي ١٢٦/٣. (٢) معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٠، وتفسير الطبري ١٤٠/١ و٩٩/١٧، ونسباه إلى بعض بني عامر، ونسبه الجاحظ في البيان والتبيين ١٨٤/٣ للوزيري، وهو دون نسبة في كتاب اللامات للزجاجي ص ٤٩. (٣) في الأصل و(م): تتقون، والمثبت من تفسير أبي السعود ٤/ ١٤٨ . الآية : ٩٠ - ٩١ ١٣١ سُؤَةُ الْمُؤْمِنُونَ وهذه الآياتُ الثلاثُ، أعني ((قل لمن)) إلى هنا، على ما قرِّر في ((الكشف)) تقريرٌ للسابق وتمهيدٌ للَّحق، وقد روعي في السؤال فيها قضيةُ الترقِّي، فسُئلَ عمَّن له الأرضُ ومَن فيها، وقيل: ((مَن)) تغليباً للعقلاء، ولأنه يلزمُ أن يكون له غيرُهم من طريق الأَوْلى. ثم سئل عمَّن له السماواتُ والعرشُ العظيم، والأرضُ بالنسبة إليه كَلَا شيءٍ. ثم سُئل عمَّن بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ، فأتى بأعمِّ العامِّ وكلمةِ الإحاطة، وأُؤْثِرَ الملكوتُ وهو الملكُ الواسع، وقيل: ((بيده)) تصويراً وتخييلاً. وكذلك روعي هذه النكتةُ في الفواصل، فعيِّروا أوَّلاً بعدم التذكّر، فإنَّ أيْسَرَ النظر يكفي في انحلال عَقْدِهم. ثم بعدم الاتِّقاء، وفيه وعيدٌ. ثم بالتعجُّب من خَدْعِ عقولهم فتخيِّلُ الباطلَ حقّاً والحقَّ باطلاً، وأنَّى لها التذكُّرُ والخوف. ﴿بَلْ أَنََّهُمْ يِلْحَقِّ﴾ إضرابٌ عن قولهم: ((إنْ هذا إلَّا أساطيرُ الأوَّلين))، والمرادُ بالحقِّ: الوعدُ بالبعث. وقيل: ما يعمُّه والتوحيدَ، ويدلُّ على هذا السياق. وقرئ: (بل أتيتُهم)) بتاء المتكلِّم. وقرأ ابن أبي إسحاق بتاء الخطاب(١). ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ في قولهم: ((إنْ هذا إلَّ أساطيرُ الأوَّلين))، أو في ذلك وقولهم بما ينافي التوحید. ا أَتَّخَذَ اَللَّهُ مِن ◌َِ﴾ُ لتنزُّهِه عزَّ وجلَّ عن الاحتياج، وتقدُّسِه تعالى عن مماثلة أحد. ﴿َمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَءٍ﴾ يشاركُه سبحانه في الألوهية ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أي: لاستبدَّ بالذي خَلَقه، واستقلَّ به تصرُّفاً، وامتاز ملكهُ عن الآخر. ﴿وَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَلَوَقَعَ التحارُبُ والتغالُبُ بينهم كما هو الجاري فيما بين الملوك، والتالي باطلٌ لِمَا يلزمُ من ذلك نفيُ ألوهيةِ الجميع، أو ألوهيةٍ ما عدا واحداً منهم، وهو خلافُ المفروض، أو لِمَا أنه يلزمُ أنْ لا يكون بيده تعالى وحدَه ملكوتُ كلِّ شيءٍ، وهو باطلٌ في نفسه لما برهن عليه في الكلام وعند الخصم؛ لأنه يقول باختصاص ملكوتِ كلِّ شيءٍ به تعالى، كما يدلُّ عليه السؤال والجواب السابقان آنفاً، وكذا قيل، ولا يخفى أنَّ اللزوم في الشرطية (١) القراءتان في الكشاف ٣/ ٤٠، والبحر ٤١٨/٦. سُوَّةُ الْمُؤْمنُونَ ١٣٢ الآية : ٩١ المفهومة من الآية عاديٌّ لا عقليٌّ، ولذا قيل: إنَّ الآية إشارةٌ إلى دليلٍ إقناعيٍّ للتوحيد لا قطعيٍّ. وفي ((الكشف)): قد لاح لنا مِن لُظْفِ الله تعالى وتأييدِه أنَّ الآية برهانٌ نيِّرٌ على توحيده سبحانه، وتقريرُه: أنَّ مرجّح الممكناتِ الواجبُ الوجودِ تعالى شأنُه جلَّ عن كلِّ كثرةٍ، أمَّا كثرةُ المقوِّمات أو الأجزاءِ الكميةِ فبيِّنةُ الانتفاءِ لإيذانها بالإمكان، وأمَّا التعدُّدُ مع الاتِّحاد في الماهية فكذلك؛ للافتقار إلى المميِّز، ولا يكونُ مقتضَى الماهيةِ لاتِّحادهما فيه، فيلزمُ الإمكانُ، ثم المميِّزان في الطرفين صفتا كمالٍ؛ لأنَّ الاتِّصاف بما لا كمالَ فیه نقصٌ، فهما ناقصان ممكنان مفتقران في الوجود إلى مكمِّلٍ خارج هو الواجبُ بالحقيقة، وكذلك الافتقارُ في كمالٍ ما للوجود يوجبُ الإمكان؛ لإيجابِهِ أنْ يكون فيه أمرٌ بالفعل وأمرٌ بالقوة، واقتضائه الترکیبَ والإمكان. ومن هنا قال العلماء: إنَّ واجب الوجود بذاته واجبٌ بجمیع صفاته ليس له أمرٌ منتظر، ومع الاختلاف في الماهية يلزمُ أن لا يكون المرجِّحُ مرجِّحاً، أي: لا يكون الإله إلهاً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ واحدٌ من الممكنات؛ إن استقلَّا بترجيحه لزم توارُدُ العلَّتين التامتين على معلولٍ شخصيٍّ، وهو ظاهرُ الاستحالة، فكونُه مرجِّحاً إلهاً يوجبُ الافتقار إليه، وكونُ غيره مستقلًّا بالترجيح يوجبُ الاستغناءَ عنه، فيكون مرجِّحاً غيرَ مرجِّحٍ في حالةٍ واحدة. وإنْ تَعاوَنَا فكمثل إذ ليس ولا واحد منهما بمرجِّح وفُرِضا مرجحين، مع ما فيه من العجز عن الإيجادِ والافتقارِ إلى الآخر. وإن اختصَّ كلٌّ منهما ببعضٍ مع أنَّ الافتقار إليهما على السواء، لزم اختصاصُ ذلك المرجّح بمخصِّصٍ يخصِّصُه بذلك البعض بالضرورة وليس الذات؛ لأنَّ الافتقار إليهما على السواء، فلا أولويةً للترجيح من حيث الذات ولا معلول الذات؛ لأنه يكون ممكناً والكلام فيه عائدٌ، فيلزم المحالُ من الوجهين الأوَّلين، أعني الافتقارَ إلى مميِّزٍ غيرِ الذات ومقتضاها، ولزومَ النقص لكلِّ واحدٍ؛ لأنَّ هذا المميِّز صفةُ كمالٍ، ثم مخصِّصُ كلِّ بذلك التمييز هو الواجبُ الخارجُ لا هما. الآية : ٩١ ١٣٣ سُوَرَّةُ المُؤْمِنُونَ وإلى المحال الأول الإشارةُ بقوله تعالى: (إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَامٍ بِمَا خَلَقَ) وهو لازمٌ على تقدير التخالُّفِ في الماهية واختصاص كلٌّ ببعض، وخصَّ هذا القسم لأنَّ ما سواه أظهرُ استحالةً. وإلى الثاني الإشارةُ بقوله سبحانه: (وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَى بَعْضَِّ) أي: إمّا مطلقاً وإمَّا من وجهٍ، فيكون العالي هو الإله، أو لا يكون ثَمَّ إلهٌ أصلاً، وهذا لازمٌ على تقديري التخالُفِ والاتِّحاد والاختصاص وغيره، فهو تكميلٌ للبرهان من وجهٍ، وبرهانٌ ثانٍ من آخر. فقد تَبَيَّن ولا كفَرَقٍ (١) الفجر أنه تعالى هو الواحدُ الأحدُ، جعل وجوده زائداً على الماهية أوْ لا، فاعلاً بالاختيار أوْ لا، وليس برهانُ الوحدةِ مبنيًّا على أنه تعالى فاعلٌ بالاختيار كما ظنَّه الإمام الرازي قدِّس سرُّه. انتهى، وهو كلامٌ يلوح عليه مخايلُ التحقيق، وربما يورَدُ عليه بعضُ مناقشاتٍ تندفع بالتأمُّل الصادق. وما أشرنا إليه من انفهام قضيةٍ شرطيةٍ من الآية ظاهرٌ جدًّا على ما ذهب إليه الفرَّاءِ(٢)، فقد قال: إنَّ ((إذاً) حيث جاءت بعدها اللامُ فقَبْلَها ((لو)) مقدَّرةٌ إنْ لم تكن ظاهرةً، نحو: (إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمْ بِمَا خَلَقَ) فكأنه قيل: لو كان معه آلهةٌ كما تزعمون لذهب كلُّ .. إلخ. وقال أبو حيان(٣): ((إذاً)) حرفُ جوابٍ وجزاء، ويقدَّر قسمٌ يكون ((لَذَهبَ)) جواباً له، والتقديرُ: والله إذاً، أي: إن كان معه من إلهٍ لذَهَبَ، وهو في معنى: ليذهَبَنَّ، كقوله تعالى: ﴿وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيْحًا فَأَوَهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: ٥١] أي: ليَظَلُّنَّ، لأن ((إذاً)) تقتضي الاستقبال، وهو كما ترى. وقد يقال: إنَّ ((إذاً)) هذه ليست الكلمةَ المعهودةَ، وإنَّما هي ((إذا)) الشرطيةُ حذفت جملتُها التي تضاف إليها وعوِّض عنها التنوين، كما في ((يومئذٍ))، والأصلُ: إذا كان معه من إلوٍ لذهب إلخ، والتعبيرُ بـ ((إذاً)) من قبيل مجاراة الخصم. (١) أي: كفلق. القاموس (فرق). (٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٤١. (٣) في البحر ٦/ ٦٥ و٤١٩. سُورَةُ المُؤْمْنُونَ ١٣٤ الآية : ٩٢ وقيل: ((كلُّ إلهٍ)) لِمَا أنَّ النفي عامّ يفيد استغراقَ الجنس. و((ما)) في ((بما خلق)) موصولةٌ حُذفَ عائدُها كما أشرنا إليه. وجوِّز أن تكون مصدريةً، ويحتاج إلى نوعٍ تكلُّفٍ لا يخفى. ولم يستدلَّ على انتفاءِ اتِّخاذِ الولد إمَّا لغايةِ ظهورٍ فسادهٍ، أو للاكتفاء بالدليل الذي أُقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إلهٌ، بناءً على ما قيل: إنَّ ابن الإلهِ يلزمُ أن يكون إلهاً؛ إذ الولدُ يكون من جنس الوالد وجوهرِهِ، وفيه بحثٌ. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾ مبالغةٌ في تنزيهه تعالى عن الولد والشريك، و ((ما)) موصولةٌ، وجوِّز أن تكون مصدريةً. وقرئ: ((تصفون)) بتاء الخطاب(١). ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: كلِّ غيبٍ وشهادة، وجُرَّ ((عالم)) على أنه بدلٌ من الاسم الجليل، أو صفةٌ له؛ لأنه أُريدَ به الثبوتُ والاستمرار فيتعرَّفُ بالإضافة. وقرأ جماعةٌ من السبعة وغيرِهم برَفْعِه(٢) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم، والجرِّ أجود عند الأخفش(٣)، والرفعُ أَبْرعُ عند ابن عطية (٤). وأيًّا ما كان فهو - على ما قيل - إشارةٌ إلى دليلٍ آخرَ على انتفاء الشريك، بناءً على تَوَافُقِ المسلمين والمشركين في تفرُّده تعالى بذلك. وفي ((الكشف)): إنَّ في قوله سبحانه (عالم)) إلخ إشارةً إلى برهانٍ آخَرَ راجعٍ إلى إثبات العلوِّ، أو لزوم الجهل الذي هو نقصٌ وضدُّ العلوِّ؛ لأنَّ المتعدِّدَينِ لا سبيل لهما إلى أن يعلم كلُّ واحدٍ حقيقة الآخر كعلم ذلك الآخر بنفسه بالضرورة، وهو نوعُ جهلٍ وقصور، ثم عِلْمُه به يكون انفعاليّاً تابعاً لوجود المعلوم، فيكون في إحدى صفات الكمال - أعني العلم - مفتقراً، وهو يؤذِنُ بالنقصان والإمكان. (١) القراءات الشاذة ص ٩٨، والبحر ٤١٩/٦. (٢) قرأ بالرفع من العشرة نافع وشعبة وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف. التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢. (٣) كما في المحرر الوجيز ١٥٤/٤، والبحر ٤١٩/٦. (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ١٥٤ . الآية : ٩٣ - ٩٤ ١٣٥ سُوَّةُ المُؤْمنُونَ ٤)﴾ تفريعٌ على كونه تعالى عالماً بذلك، فهو ٩٢ ﴿فَتَعَلَى﴾ الله ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ کالنتيجة لِما أشار إليه من الدليل. وقال ابن عطية: الفاء عاطفةٌ، كأنه قيل: عَلِمَ الغيب والشهادةَ فتعالى، كما تقول: زيدٌ شجاعٌ فَعَظُمَتْ منزلتُه، على معنى: شَجُعَ فعَظُمَتْ، ويحتمل أن يكون المعنى: فأقول تعالى .. إلخ، على أنه إخبارٌ مستأنف(١). ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِ﴾ أي: إن كان لا بدَّ من أنْ تُرِيَني؛ لأنَّ ((ما)) والنون زيدتا للتأكيد ﴿مَا يُوعَدُونَ ﴾﴾ أي: الذي يوعدونه من العذاب الدنيويِّ المستاصِلِ، وأمَّا العذابُ الأُخرويُّ فلا يناسبُ المقام. ﴾ أي: قريناً لهم فيما هم فيه من ﴿رَبِّ فَلَ تَجْعَلْنِ فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٩٤ العذاب، ووضعَ الظاهر موضعَ الضمير للإشارة إلى استحقاقهم للعذاب. وجاء الدعاء قبل الشرط وقبل الجزاء مبالغةً في الابتهال والتضرُّع، واختير لفظُ الربِّ لِمَا فيه من الإيذان بأنه سبحانه المالكُ الناظر في مصالح العبد. وفي أمره وَل﴿ أن يدعوَ بذلك مع أنه عليه الصلاة والسلام في حرزٍ عظيم من أن يُجعل قريناً لهم، إيذانٌ بكمال فظاعة العذاب الموعود، وكونه بحیث یجب أن يستعيذ منه مَن لا يكاد يمكِنُ أن يحيق به. وهو متضمِّنٌ ردًّ إنكارهم العذابَ واستعجالِهم به على طريقة الاستهزاء. وقيل: أُمِرَ وَّلّهِ بذلك هضماً لنفسه وإظهاراً لكمال العبودية. وقيل: لأنَّ شؤم الكفرةِ قد يحيقُ بمن سواهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]. وروي عن الحسن أنه جل شأنه أخبر نبيَّه ◌َله بأنَّ له في أمته(٢) نقمةً، ولم يُطْلِعْه على وقتها، أهو في حياته أم بعدها، فأمره بهذا الدعاء. (١) المحرر الوجيز ١٥٤/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٤١٩/٦. (٢) جاء في هامش (م): أي: أمة الدعوة. اهـ منه. سُؤَدَّةُ المؤمنُونَ ١٣٦ الآية : ٩٥ - ٩٦ وقرأ الضحاك وأبو عمران الجونيُّ: ((تُرِئَنِّي)) بالهمزة بدل الياء، وهو كما في (البحر)) إبدالٌ ضعيف(١). ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب ﴿لَقَدِرُونَ ﴾﴾ ولكنَّا لا نفعلُ، بل نؤخِّرُه عنهم لعِلْمِنا بأنَّ بعضهم أو بعضَ أعقابهم سيؤمنون، أو لأنَّا لا نعذُّبهم وأنت فيهم. وقيل: قد أَراه سبحانه ذلك، وهو ما أصابهم يوم بدر أو فتح مكة؛ قال شيخ الإسلام: ولا يَخْفَى بُعْدُه؛ فإنَّ المتبادِرَ أن يكون ما يستحقُّونه من العذاب الموعودِ عذاباً هائلاً مستأصلاً، لا يظهر على يديه وَّر للحكمة الداعية إليه(٢). ﴿أَدْفَعْ بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: ادفع بالحسنة التي هي أحسنُ الحسنات التي يُدْفَعُ بها ﴿السَّبِّئَةُ﴾ بأنْ تُحْسِنَ إلى المسيء في مقابلتها ما استطعتَ، ودون هذا في الحُسْنِ أن يُحسن إليه في الجملة، ودونه أن يصفح عن إساءته فقط. وفي ذلك من الحثِّ له وَّه إلى ما يليق بشأنه الكريم من حُسْنِ الأخلاق ما لا يخفى، وهو أبلغُ من: ادفع بالحسنة السيئةَ؛ لمكان ((أحسن))، والمفاضلةُ فيه على حقيقتها على ما ذكرنا، وهو وجهٌ حسنٌ في الآية. وجوِّز أن تعتبر المفاضلة بين الحسنة والسيئة على معنى أنَّ الحسنة في باب الحسنات أَزْيَدُ من السيئة في باب السيئات، ويطّردُ هذا في كلِّ مفاضلةٍ بين ضدَّين، كقولهم: العسلُ أحلى من الخلِّ، فإنهم يعنون أنه في الأصنافِ الحلوةِ أَمْيَزُ من الخلِّ في الأصناف الحامضة. ومن هذا القبيل ما يُحكى عن أشعب الماجن أنه قال: نشأتُ أنا والأعمشُ في حجر فلان، فما زال يعلو وأَسْفُلُ حتى استوينا. فإنه عَنَى استواءهما في بلوغ كلٍّ منهما الغايةَ، حيث بلغ هو الغايةَ في التدلِّي(٣)، والأعمشُ الغايةَ في التعلِّي. وعلى الوجهين لا يتعيَّنُ هذا الأحسن وكذا السيئة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو نعيم في ((الحلية)) عن أنس أنه قال في الآية: يقولُ (١) البحر ٦/ ٤٢٠، والقراءة ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٨. (٢) تفسير أبي السعود ١٤٩/٦ . (٣) في حاشية الشهاب ٣٤٥/٦ (والكلام منه): التدني. الآية : ٩٧ - ٩٨ ١٣٧ سُورَةُ المؤمنُون الرجل لأخيه ماليس فيه، فيقول: إن كنتَ كاذباً فأنا أسأل الله تعالى أن يغفر لك، وإن كنتَ صادقاً فأنا أسأل الله تعالى أن يغفر لي(١). وقيل: التي هي أحسنُ: شهادة أن لا إله إلا الله، والسيئةُ: الشرك. ٤٠ وقال عطاء والضحاك: التي هي أحسن: السلام، والسيئةُ: الفحش. وقيل: الأول الموعظة، والثاني المنكر. واختار بعضهم العمومَ وأنَّ ما ذكر من قبيل التمثيل. والآية قيل: منسوخةٌ بآية السيف. وقيل: هي محكمةٌ لأنَّ الدفع المذكور مطلوبٌ مالم يؤدِّ إلى ثَلْمِ الدِّين والازدراء بالمروءة. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾﴾ أي: بوصفهم إياك، أو بالذي يصفونك به مما أنت بخلافه، وفيه وعيدٌ لهم بالجزاء والعقوبة، وتسليةٌ لرسول الله وَلّهِ، وإرشادٌ له عليه الصلاة والسلام إلى تفويض أمره إليه عز وجل، والظاهرُ من هذا أنَّ الآية آیةُ موادَعةٍ، فافهم. ﴿وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ ﴾﴾ أي: وساوسِهم المغريةِ على خلافٍ ما أُمِرْتُ به، وهي جمع هَمْزَة، والهَمْز: النَّخْسُ والذَّفعُ بيدٍ أو غيرها، ومنه مهمازُ الرائض: الحديدةٍ تُرْبَطُ على مؤخّر رِجْلِهِ ينخسُ به الدابة لتُسْرِعَ أو لَئِبَ. وإطلاقُ ذلك على الوسوسة والحثِّ على المعاصي؛ لما بينهما من الشَّبَهِ الظاهر، والجمعُ للمرَّات، أو لتنوُّعِ الوساوس، أو لتعدُّدِ الشياطين. ﴾ أي: من حضورِهم حولي في حالٍ [من](٢) ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ الأحوال. وتخصيصُ حالٍ الصلاة وقراءة القرآن، كما روي عن ابن عباس ﴿ًُّا، وحالٍ حلول الأجل كما روي عن عكرمة؛ لأنها أحرى الأحوال بالاستعاذة منها، لاسيما الحال الأخيرة، ولذا قيل: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من النَّزْغِ عند النَّزْع. وإلى العموم ذهب ابن زید. (١) الحلية ٢٥٢/٨-٢٥٣، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٤/٥. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٦/ ١٥٠، والكلام منه. سُؤَةُ المُؤْمِنُونَ ١٣٨ الآية : ٩٩ وفي الأمر بالتعوُّذ من الحضور بعد الأمر بالتعوُّذ من همزاتهم مبالغةٌ في التحذير من مُلابَسَتِهِم. وإعادةُ الفعل مع تكرير النداء لإظهار كمالِ الاعتناء بالمأمور به؛ وعَرْضٍ نهايةِ الابتهال في الاستدعاء. ويُسَنُّ التعوُّذ من همزاتِ الشياطين وحضورِهم عند إرادة النوم، فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ وحسَّنه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رسول الله وَّهِ يعلِّمنا كلماتٍ نقولُهنَّ عند النوم من الفزع: ((بسم الله، أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّةِ من غَضَبِهِ وعقابه وشرِّ عباده، ومن هَمَزاتِ الشياطين وأنْ يَحْضُرون))(١). ﴿حَّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ ((حتى)) ابتدائيةٌ وغايةٌ لمقدَّرٍ يدلُّ عليه ما قبلها، والتقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهمزُهم الشياطينُ وتَحْضُرهم حتى إذا جاء .. إلخ، ونظيرُ ذلك قوله: فيا عجباً حتى كليبٌ تسبُّني (٢) فإنَّ التقدير: يسبُّني كلُّ الناسِ حتى كليبٌ، إلَّا أنه حذفت الجملةُ هنا لدلالة ما بعدَ ((حتى)). وقيل: إنَّ هذا الكلام مردودٌ على ((يَصِفُون)) الثاني، على معنى أنَّ ((حتى)) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ يدلُّ عليه، كأنه قيل: لا يزالون على سوء المقالة والطعنِ في حضرة الرسالة حتى إذا .. إلخ، وقولُه تعالى: (وَقُل رَّبِّ) إلخ اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإغضاء المدلول عليه بقوله سبحانه: (أَدْفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) إلخ، بالاستعاذة به تعالى من الشياطين أن يُزِلَّوه عليه الصلاة والسلام عمَّا أُمِرَ به. وقيل: على ((يصفون)) الأول، أو على ((يشركون)). وليس بشيءٍ. وجوَّز الزمخشريُّ أن يكون مردوداً(٣) على قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ) (٤)، (١) مسند أحمد ١٨١/٢، وسنن أبي داود (٣٨٩٣)، وسنن الترمذي (٣٥٢٨)، وعمل اليوم والليلة للنسائي (٧٦٦). (٢) وعجزه: كأن أباها نهشل أو مجاشع، والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٤١٩/١. (٣) في (م): مروراً. (٤) الكشاف ٣/ ٤٢. الآية : ٩٩ ١٣٩ سُؤَدَّةُ المُؤْمِنُونَ ويكون من قوله سبحانه: (مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ) إلى هذا المقام كالاعتراض تحقيقاً لكذبهم ولاستحقاقهم جزاءه. وليس بالوجه. ويُفْهَمُ من كلام ابن عطية (١) أنه يجوزُ أن تكون ((حتى)) هنا ابتدائيةً لا غايةٌ لِمَا قبلها. وتعقَّبه أبو حيان بأنَّها إذا كانت ابتدائيةً لا تفارقُها الغاية(٢). والظاهرُ الذي لا ينبغي العدولُ عنه أنَّ ضمير ((أحدهم)) راجعٌ إلى الكفار، والمراد من مجيءٍ الموت ظهورُ أماراته، أي: إذا ظهر لأحدهم أيّ أحدٍ كان منهم أماراتُ الموت، وبَدَتْ له أحوالُ الآخرة ﴿قَالَ﴾ تحسُّراً على ما فرَّط في جَنْبِ الله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾﴾ أي: رُدَّني إلى الدنيا، والواو لتعظيم المخاطَب وهو اللهُ تعالى، كما في قوله: فإنْ لم أَكُنْ أهلاً فأنتَ له أهلُ (٣) أَلَا فارْحَموني يا إلهَ محمدٍ وقول الآخر: وإنْ شئتُ حرَّمْتُ النساءَ سواكم وإن شئتُ لم أَظْعَمْ نُقَاخاً ولابَرْدًا(٤) والحقُّ أنَّ التعظيم يكون في ضمير المتكلِّم والمخاطَب، بل والغائبِ والاسم الظاهر، وإنكارُ ذلك غيرُ رضيٍّ، والإيهامُ الذي يدّعيه ابن مالك(٥) هنا لا يُلتفتُ إليه. وقيل: الواو لكون الخطاب للملائكة عليهم السلام، والكلامُ على تقديرٍ مضافٍ، أي: يا ملائكةَ ربِّي ارْجِعوني. وجوِّز أن يكون ((ربِّ)) استغاثةً به تعالى، و((ارجعوني)) خطاباً (٦) للملائكة عليهم (١) في المحرر الوجيز ١٥٥/٤. (٢) البحر ٤٢٠/٦ . (٣) ذكر صدره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٢، وأبو حيان في البحر ٦/ ٤٢١. (٤) البيت للعَرْجي، كما في الأضداد لابن الأنباري ص ٦٤، والصحاح (نقخ). وهو بلا نسبة في تفسير الغريب لابن قتيبة ص ١٤٦ و٥٠٩، والبحر ٤٢١/٦. وجاء في هامش الأصل و(م): النقاخ: الماء البارد، والبرد: النوم. (٥) كما في الدر المصون ٣٦٦/٨ حيث نقل السمين عن ابن مالك قوله: إنه لم يَعْلَم أحداً أجاز للداعي يقول: يا رحيمون؛ لئلا يوهم خلاف التوحيد. (٦) في (م): خطاب. سُؤَةُ الْمُؤْضْنُونَ ١٤٠ الآية : ٩٩ السلام، وربما يُستأنسُ لذلك بما أخرجه ابن جَريرٍ وابنُ المنذر عن ابن جُرَيْجِ قال: زعموا أنَّ النبيَّ ◌َ لِ قال لعائشة رضيُها: ((إنَّ المؤمنَ إذا عايَنَ الملائكةَ قالوا: نَرْجِعُكَ إلى دار الدنيا؟ قال: إلى دارِ الهموم والأحزان؟ بل قدوماً إلى الله تعالى. وأمَّا الكافر فيقولون له: نَرْجِعُكَ؟ فيقول: ربِّ ارْجِعوني))(١). وقال المازنيُّ: جمع الضمير ليدلَّ على التكرار، فكأنه قال: ربِّ ارجعني ارجعني ارجعني، ومثلُ ذلك تثنيةُ الضمير في: قفا نَبْكِ(٢)، ونحوِه. واستشكل ذلك الخفاجيُّ بأنه إذا كان أصلُ ارجعوا مثلاً: ارجع ارجع ارجع، لم يكن ضميرُ الجمع بل تركيبه الذي فيه حقيقةً، فإذا كان مجازاً فمِن أيِّ أنواعه؟ وكيف دلالتُه على المراد؟ وما علاقتُه؟ وإلَّا فهو ممَّا لا وجه له. ومن غريبه أنَّ ضميره كان مفرداً واجبَ الاستتار، فصار غيرَ مفردٍ واجبَ الإظهار. ثم قال: لم تَزَلْ هذه الشبهةُ قديماً في خاطري، والذي خَطَرَ لي أنَّ لنا استعارةً أخرى غيرَ ما ذُكر في المعاني، ولكونها لا علاقة لها بالمعنى لم تُذْكَر، وهي استعارةُ لفظٍ مكانَ لفظٍ آخَرَ لنكتة، بقّطْع النظر عن معناه، وهو كثيرٌ في الضمائر، كاستعمال الضمير المجرور الظاهرِ مكانً المرفوع المستتر في: کفی به، حتی لزم انتقالهُ عن صفةٍ إلى صفةٍ أخرى، ومن لَفْظٍ إلى آخر، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنه غيِّر الضمائر المستترة إلى ضمير جمعٍ ظاهرٍ، فلزم الاكتفاءُ بأحد ألفاظِ الفعل، وجعل دلالة ضمير الجمع على تكرُّر الفعل قائماً مقامه في التأكيد من غير تجوُّزٍ فيه. ولابن جنِّ في (الخصائص)) كلامٌ يدلُّ على ما ذكرناه، فتأمَّلْ(٣). انتهى كلامه. ولعَمْري لقد أَبْعَدَ جدّاً، ولعل الأقربّ أن يقال: أراد المازنيُّ أنه جمع الضمير للتعظيم بتنزيل المخاطب الواحد منزلةَ الجماعة المخاطبين، ويَتْبعُ ذلك كونُ الفعل (١) تفسير الطبري ١٧/ ١٠٧، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٤/٥ . (٢) قطعة من بيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٨، وتمامه: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسِقْطِ اللِّوى بين الدَّخول وحَوْمَلٍ (٣) حاشية الشهاب ٣٤٦/٦، وينظر الخصائص ٤٦٦/٢، باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد.