النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ١٧ ٤١ سُورَةُ المُؤْمنُونَ سرُّ نَقْلِ الكلام من الغيبة إلى الخطاب. انتهى، وفيه من البعد ما فيه. وقيل: إنَّما بُولِغَ في القرينة الأولى لتَمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنَّهم نزلوا منزلةَ المنكِرينَ لذلك، وأُخْلِيتِ الثانيةُ لوضوح أدلتها وسُطوع براهينها، قال الطيبيُّ: هذا كلامٌ حسن لو ساعد عليه النظمُ الفائق. وربما يقال: إنَّ شدةَ كراهةِ الموت طبعاً، التي لا يكاد يَسْلَمُ منها أحدٌ، نزلت منزلةَ شدةِ الإنكار، فبولغَ في تأكيد الجملة الدالَّة عليه، وأما البعثُ فمن حيث إنه حياةٌ بعد الموت لا تكرهُه النفوس، ومن حيث إنه مظنةٌ للشدائد تكرهُه، فلمَّا لم يكن حاله كحال الموت ولا كحال الحياة، بل بينَ بينَ، أُكِّدت الجملةُ الدالّة عليه تأكيداً واحداً. وهذا وجهٌ للتأكيد لم يذكره أحدٌ من علماء المعاني، ولا يضرُّ فيه ذلك إذا كان وجيهاً في نفسه . وتكريرُ حرف التراخي للإيذان بتفاوتِ المراتب. وقد تضمَّنت الآيةُ ذكرَ تسعة أطوارٍ، ووقع الموتُ فيها الطورَ الثامن، ووافق ذلك أن مَن يولدُ لثمانية أشهر مِن حَمْلِهِ فَلَّما يعيش، ولم يذكر سبحانه طورَ الحياةِ في القبر؛ لأنه من جنس الإعادة. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾ بيانٌ لِخَلْقِ ما يحتاجُ إليه بقاؤهم إثرَ بيانِ خَلْقِهم. وقيل: استدلالٌ على البعث. أي: خَلَقْنا في جهة العلوِّ من غير اعتبارٍ فوقيَّتِها لهم؛ لأنَّ تلك النسبةَ إنَّما تَعْرِضُ بعد خَلْقِهم. ﴿سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ هي السماوات السبع، و((طرائق)) جمع طريقة بمعنى مطروقة، من طرقَ النعلَ والخوافي: إذا وضع طاقاتها بعضها فوق بعضٍ، قاله الخليل والفرَّاء والزجَّاج(١)، فهذا كقوله تعالى: ﴿ِبَاقًا﴾ [الملك: ٣] ولكلٍّ من السبع نسبةٌ وتعلُّقٌ بالمطارقة فلا تغليب (٢). (١) ذكره عنهم الرازي في تفسيره ٨٧/٢٣ بلفظ: وإنما قيل لها - يعني السماوات - طرائق لتَطَارُقِها، بمعنى كون بعضها فوق بعض؛ يقال: طارَقَ الرجل بين نعليه: إذا أطبق نعلاً على نعلٍ، وطارَقَ بين ثوبين: إذا لبس ثوباً فوق ثوب. وينظر العين ٩٧/٥، ومعاني القرآن للفراء ٢٣٢/٢، وللزجاج ٩/٤، ومفردات الراغب (طرق). (٢) هذا رد على من قال: إن السماء الدنيا ليست من الطرائق إذ لا سماء تحتها، فجَعْلُها منها من باب التغليب. ينظر حاشية الشهاب ٦/ ٣٢٤. سُوَّةُ المؤمنُونَ ٤٢ الآية : ١٨ وقيل: جمع طريقة بمعناها المعروف، وسمِّيت السماوات بذلك لأنها طرائقُ الملائكة عليهم السلام في هبوطهم وعُروجِهم لمصالح العباد، أو لأنها طرائقُ الكواكب في مسیرها . وقال ابن عطية: يجوز أن يكون الطرائق بمعنى المبسوطات، من طرقتُ الحديد مثلاً: إذا بسطته (١). وهذا لا ينافي القول بكُرَيَّتِها . وقيل: سمِّيتْ طرائقَ لأنَّ كلَّ سماءٍ طريقةٌ وهيئةٌ غير هيئةِ الأخرى. وأنت تعلم أن الظاهر أنَّ الهيئة واحدةٌ، نعم أَوْدَعَ الله تعالى في كلِّ سماءٍ ما لم يُؤْدِغْه سبحانه في الأخرى، فيجوزُ أن تكون تسميتها طرائق لذلك. ﴿وَمَا كُنَا عَنِ الْخَلْقِ﴾ أي: عن جميع المخلوقات التي من جُمْلَتِها السماواتُ السبعُ ﴿غَفِلِينَ ﴾﴾ مُهْمِلين أمرَه، بل نُفيضُ على كلٍّ ما تقتضيه الحكمةُ. ويجوز أن يراد بالخلق الناس، والمعنى: أنَّ خَلْقَنا السماوات لأجل منافعهم، ولسنا غافلين عن مصالحهم. و((أل)) على الوجهين للاستغراق. وجوِّز أن تكون للعهد على أنَّ المراد بالخَلْقِ المخلوقُ المذكور، وهو السماوات السبع، أي: وما كنّا عنها غافلين، بل نحفظُها عن الزوال والاختلال وندبِّر أمرها، والإظهار في مقام الإضمار للاعتناء بشأنها . وإفرادُ الخَلْقِ على سائر الأوجُه لأنه مصدرٌ في الأصل، أو لأنَّ المتعدِّد عنده تعالى في ◌ُهم شيءٍ واحد. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مٌَّ﴾ هو المطر عند كثير من المفسرين، والمراد بالسماء جهةُ العلوِّ، أو السحابُ. أو معناها المعروف، ولا يُعجز الله تعالى شيء، وكان الظاهرُ على هذا: منها، بدل: ((السماء))؛ ليعود الضميرُ على الطرائق، إلا أنه عدل عن الإضمار(٢) لأنَّ الإنزال منها لا يُعتبر فيه كونُها طرائقَ، بل مجرَّد كونها جهةَ العلوِّ. (١) المحرر الوجيز ١٣٩/٤ بنحوه. (٢) في الأصل و(م): إلا أنه عدل عنه إلى الإضمار، والصواب ما أثبتناه، وجاء في تفسير أبي السعود ١٢٨/٦ (والكلام فيه بنحوه): والعدول عن الإضمار. الآية : ١٨ ٤٣ سُؤَةُ المُؤْمنُون وتقديم الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح للاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخّر. وقوله تعالى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ صفةُ ((ماء))، أي: أنزلنا ماءً متلبِّساً بمقدارِ ما يكفيهم في حاجِهم (١) ومصالحهم، أو بتقديرٍ لائقٍ لاستجلاب منافعهم ودفع مضارِّهم، وجوِّز على هذا أن يكون في موضع الحال من الضمير، وقيل: هو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إنزالاً متلبِّساً بذلك، وقيل في الجارِّ والمجرور غير ذلك. ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه ثابتاً قارًّا فيها، ومن ذلك ماءُ العيون ونحوِها، ومعظمُ الفلاسفة يزعمون أنَّ ذلك الماء من انقلاب البخار المحتبِس في الأرض ماءً إذا مال إلى جهةٍ منها وبرد، وليس لماءِ المطر دخلٌ فيه، وكونُه من السماء باعتبارِ أنَّ لأشعةِ الكواكب التي فيها مدخلاً فيه من حيث الفاعلية. وقال ابن سينا في ((نجاته))(٢): هذه الأبخرةُ المحتِسةُ في الأرض إذا انبعثت عيوناً أمدَّتِ البحار بصَبِّ الأنهار إليها، ثم ارتفع من البحار والبطائح وبطون الجبال خاصةً أبخرةٌ أخرى، ثم قطرت ثانياً إليها، فقامت بدل ما يتحلَّلُ منها على الدور دائماً . وما في الآية يؤيِّد ما ذهب إليه أبو البركات البغداديُّ منهم فقد قال في ((المعتبر))(٣): إنَّ السبب في العيون والقنوات وما يجري مجراها هو ما يسيلُ من الثلوج ومياه الأمطار؛ لأنَّا نجدها تزيدُ بزيادتها وتنقصُ بنقصانها، وإن استحالةً الأهوية والأبخرة المنحصرة في الأرض لا مدخل لها في ذلك، فإنَّ باطن الأرض في الصيف أشدُّ برداً منه في الشتاء، فلو كان ذلك سببَ استحالتها لوجَبَ أن تكون العيون والقنوات ومياهُ الآبار في الصيف أزيدَ، وفي الشتاء أَنْقَصَ، مع أنَّ الأمر بخلاف ذلك على ما دلَّت عليه التجربةُ. انتهى. (١) جمع حاجة، وكذا حاجات وحِوَج وحوائج. القاموس (حوج). (٢) كتاب النجاة، لخّص فيه ابن سينا كتابه الشفاء. ينظر كشف الظنون ١٩٢٩/٢، وأبجد العلوم ٣٦٦/٢. (٣) المعتبر في المنطق لأبي البركات هبة الله بن علي بن ملكا، العلّامة الفيلسوف، شيخ الطب، اليهودي كان، ثم أسلم في أواخر عمره، توفي سنة نيف وخمسين وخمس مئة. السير ٤١٩/٢٠. سُؤَدَّةُ المؤمنُونَ ٤٤ الآية : ١٨ واختار القاضي حسين المَيْبُذي(١) أنَّ لكلٍّ من الأمرين مدخلاً، واعتَرَضَ على دليل أبي البركات بأنه لا يدلُّ إلا على نفي كون تلك الاستحالة سبباً تاماً، وأمّا على أنها لا مدخل لها أصلاً فلا. والحقُّ ما يشهد له كتابُ الله تعالى، فهو سبحانه أعلم بخَلْقِهِ، وكلُّ ما يذكره الفلاسفة في أمثال هذه المقامات لا دليلَ لهم عليه يفيدُ اليقينَ كما أشار إليه شارح «حكمة العين)). وقيل: المراد بهذا الماء: ماءُ أنهارٍ خمسة؛ فقد روي عن ابن عباس ◌ًّا عن النبيِّ وَّه قال: ((أَنْزِلَ الله تعالى من الجنَّة إلى الأرض خمسةَ أنهارٍ: سَيْحون وهو نهرُ الهند، وجَيْحون وهو نهر بَلْخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عينٍ واحدةٍ من عيون الجنة، من أسفل درجةٍ من درجاتها، على جناحَيْ جبريل عليه السلام، فاستَوْدَعها الجبالَ، وأجْراها في الأرض، وجَعَلَها منافعَ للناس في أصناف معايشهم، وذلك قولهُ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ) فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوجَ أرسل الله تعالى جبريل عليه السلام، فرفع من الأرض القرآن والعِلْمَ كلَّه، والحَجَرَ من ركن البيت، ومقامَ إبراهيم عليه السلام، وتابوتَ موسى عليه السلام بما فيه، وهذه الأنهارَ الخمسة، فيرفع كلَّ ذلك إلى السماء، فذلك قولُ الله تعالى: (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِ لَقَدِرُونَ) فإذا رُفعت هذه الأشياء من الأرض فَقَدَ أهلُها خيرَ الدنيا والآخرة)) ولا يخفى على المتتبِّع أنَّ هذا الخبر أخرجه ابن مردويه والخطيب بسندٍ ضعيف(٢). (١) في الأصل و(م): المبيدي، والصواب ما أثبتناه، وهو حسين بن معين الدين المعروف بقاضي مير، عالم بالحكمة والطبيعيات، أصله من مَيْيُذ قرب مدينة يزد (من أعمال فارس)، من تلاميذ الجلال الدواني، له تصانيف عربية وفارسية، توفي سنة (٩١٠هـ). هدية العارفين ٣١٦/١، والأعلام ٢/ ٢٦٠. (٢) تاريخ بغداد ٥٧/١-٥٨، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٨/٥، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ٣٤/٣-٣٥، وابن عدي في الكامل ٢٣١٦/٦. قال ابن عدي: هذا حديث غير محفوظ، بل منكر المتن. الآية : ١٨ ٤٥ سُورَةُ المُؤْمنُونَ نعم حديثُ: ((أربعة أنهارٍ من الجنة: سَيْحانُ وجَيْحانُ - وهما غيرُ سَيْحون وجَيْحون؛ لأنهما نهران بالعواصم عند المَصِّيصةِ وَطَرَسوس (١)، وسَيْحون وجَيْحون نهرا الهند وبَلْخ كما سمعت، على ما قاله عبد البر(٢) . والفراتُ والنيل))(٣)، صحيحٌ لكنَّ الكلام في تفسير الآية بذلك. وعن مجاهد أنه حمل الماء على ما يعمُّ ماءَ المطرِ وماءَ البحر، وقال: ليس في الأرض ماءٌ إلا وهو من السماء. وأنت تعلم أنَّ الأوفق بالأخبار وبما يذكر بعدُ في الآية الكريمة كونُ المرادِ به ما عدا ماءَ البحر. ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍ بِ﴾ أي: على إزالته بإخراجه عن المائية، أو بتغويره بحيث يَتَعذَّرُ استخراجهُ، أو بنحو ذلك ﴿لَقَدِّرُونَ ﴾﴾ كما كنَّا قادرين على إنزاله، فالجملةُ في موضع الحال. وفي تنكير ((ذهابٍ)) إيماءٌ إلى كثرة طرقه؛ لعموم النكرة وإن كانت في الإثبات، وبواسطة ذلك تُفْهَم المبالغة في الإثبات. وهذه الآيةُ أكثرُ مبالغةً من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوَرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. وذكر صاحبُ ((التقريب)) ثمانية عشر وجهاً للأبلغية: الأول: أن ذلك على الفرض والتقدير، وهذا على(٤) الجزم، على معنى أنه أدلُّ على تحقيق ما أوعد به وإن لم يقع. الثاني: التوكيد بـ ((إنَّ». الثالث: اللام في الخبر. الرابع: أنَّ هذه في مطلق الماء المنزل من السماء، وتلك في ماءٍ مضافٍ إليهم. (١) كما في النهاية (جيح)، يعني أنهما يقعان جنوب تركيا. ينظر أطلس تاريخ الإسلام (خريطة رقم: ٦٠ و ٧٢). (٢) وقاله النووي في شرح صحيح مسلم ١٧/ ١٧٦ . (٣) أخرجه أحمد (٧٨٨٦)، ومسلم (٢٨٣٩) من حديث أبي هريرة له بلفظ: ((سيحان وجيحان والنيل والفرات كلٌّ من أنهار الجنة)). (٤) قوله: على، ليس في (م). سُورَةُ المُؤْمنُنَ ٤٦ الآية : ١٨ الخامس: أنَّ الغائر قد يكون باقياً بخلاف الذاهب. السادس: ما في تنكير ((ذهاب)) من المبالغة. السابع: إسناده هاهنا إلى مُذْهِبٍ بخلافه ثمَّة، حيث قيل: ((غوراً)). الثامن: ما في ضمير المعظّم نفسه من الروعة. التاسع: ما في ((قادرون)) من الدلالة على القدرة عليه، والفعلُ الواقع من القادر أبلغ. العاشر: ما في جَمْعِه. الحادي عشر: ما في لفظ ((به)) من الدلالة على أنَّ ما يمسكه فلا مرسلَ له. الثاني عشر: إخلاؤه من التعقيب بإطماعٍ، وهنالك ذَكَرَ الإتيانَ المُطْمِع. الثالث عشر: تقديم ما فيه الإيعاد وهو الذهاب على ما هو كالمتعلَّق له أو متعلَّقه على المذهبين البصري والكوفي. الرابع عشر: ما بين الجملتين الاسمية والفعلية من التفاوت ثباتاً وغيره. الخامس عشر: ما في لفظ ((أصبح)) من الدلالة على الانتقال والصيرورة. السادس عشر: أن الإذهاب هاهنا مصرح به. وهنالك مفهومٌ من سياق الاستفهام. السابع عشر: أنَّ هنالك نفيُ ماءٍ خاصٍّ، أعني: المعين، بخلافه هاهنا. الثامن عشر: اعتبارُ مجموع هذه الأمور التي يكفي كلٌّ منها مؤكّداً. ثم قال: هذا ما يَحضُرنا الآن والله تعالى أعلم. اهـ، وفي النفس من عدِّ الأخير وجهاً شيءٌ. وقد يزاد على ذلك فيقال: التاسع عشر: إخبارُه تعالى نفسه به من دون أمرٍ للغير هاهنا، بخلافه هنالك فإنَّه سبحانه أَمَرَ نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك. العشرون: عدمُ تخصيص مخاطَبٍ هاهنا، وتخصيصُ الكفار بالخطاب هنالك. الآية : ١٨ ٤٧ سُوَةُ المُؤْمنُون الحادي والعشرون: التشبيهُ المستفادُ من جَعْلِ الجملة حالاً كما أشرنا إليه فإنه يفيدُ تحقيقَ القدرة، ولا تشبيهَ ثَمة. الثاني والعشرون: إسنادُ القدرة إلیه تعالی مرَّتین. وقد زاد بعض أجِلَّة أهل العَصْرِ العاصِرِينَ سُلَافَ(١) التحقيق من كرم أذهانهم الكريمة أَكْرمَ عصرٍ، أعني به ثالثَ الرافعيِّ والنواوي، أخي الملَّ محمد أفندي الزهاوي فقال: الثالث والعشرون: تضمينُ الإيعاد هنا إيعادَهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ لأنَّ ((ذَهَبَ به)) يستلزمُ مصاحبةَ الفاعل المفعولَ، وذهابُ الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهابٍ رحمته سبحانه عنهم، ولَعْنِهم وطَرْدِهم عنها، ولا كذلك ما هناك. الرابع والعشرون: أنه ليس الوقتُ للذهاب معيَّناً هنا، بخلافه في ((إن أصبح)» فإنه يُقْهَمُ منه أنَّ الصيرورة في الصبح على أحد استعمالي أصبح ناقصاً. الخامس والعشرون: أنَّ جهة الذهاب به ليست معيَّنَةً بأنها السفل. السادس والعشرون: أنَّ الإيعاد هنا بما لم يُبْتَلوا به قظُ، بخلافه بما هنالك. السابع والعشرون: أنَّ المُؤْعَدَ به هنا إنْ وقع فهم هالكون ألبتة. الثامن والعشرون: أنه لم يبق هنا لهم متشبَّثٌ ولو ضعيفاً في تأميل امتناع المُؤْعَدِ به، وهناك حيث أسند الإصباح غوراً إلى الماء، ومعلومٌ أنَّ الماء لا يصبح غوراً بنفسه كما هو تحقيقُ مذهب الحكيم أيضاً، احتمل أن يتوهَّموا(٢) الشرطيةَ مع صِدْقِها ممتنعةَ المَقْدَمِ، فيأمنوا وقوعه. التاسع والعشرون: أنَّ المُؤْعَدَ به هنا يحتملُ في بادي النظر وقوعه حالاً، بخلافه هناك فإنَّ المستقبل متعيِّنٌ لوقوعه لمكان ((إنْ))، وظاهرٌ أنَّ التهديد بمحتمل الوقوع في الحال أهولُ، وبمتعيِّن(٣) الوقوع في الاستقبال أهون. (١) السُّلاف: الخمر. القاموس (سلف). (٢) في (م): يتوهم. (٣) في (م): ومتعين. سُورَةُ المُؤْمِنُونَ ٤٨ الآية : ١٩ الثلاثون: أنَّ ما هنا لا يحتمل غير الإيعاد، بخلافٍ ما هناك فإنه يحتمل - ولو على بُعْدٍ(١) - أن يكون المراد به الامتنان بأنه: إنْ أصبح ماؤكم غوراً فلا يأتيكم بماءٍ مَعينٍ سوى اللهِ تعالى، ويؤيِّده ما سُنَّ بعدَه من قولٍ: اللهُ ربُّنا وربُّ العالمين(٢). انتهى، فتأمَّلْ ولا تَغْفَلْ، والله تعالى الهادي لأسرار كتابه. واختيرت المبالغةُ هاهنا - على ما قاله بعضُ المحقّقين(٣) - لأنَّ المقام يقتضيها؛ إذ هو لتَعْدادِ آيات الآفاق والأنفس على وجهٍ يتضمَّن الدلالةَ على القدرة والرحمة مع كمال عظمةِ المتَّصفِ بهما، ولذا ابتُدئ بضمير العظمة مع التأكيد، بخلافِ ما ثَمة فإنه تتميمٌ للحثِّ على العبادة والترغيبِ فيها، وهو كافٍ في ذلك. ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُرُ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء، وهو ظاهرٌ فيما عليه السلف، وقال الخَلَف: المرادُ: أنشأنا عنده. ﴿حَثَتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾ قَدَّمهما لكثرتهما وكثرةِ الانتفاع بهما، لاسيما في الحجاز والطائف والمدينة. ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنات ﴿فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ تتفكّهون بها وتتنعَّمون زيادةً على المعتاد من الغذاء الأصلي. والمرادُ بها: ما عدا ثمراتِ النخيل والأعناب. ﴿وَمِنْهَا﴾ أي: من الجنات، والمرادُ: من زروعها وثمارها، و((من)) ابتدائية، وقيل: إنها تبعيضية ومضمونُها مفعولُ ﴿تَأْكُونَ ﴾ والمرادُ بالأكل معناه الحقيقيُّ. وجوِّز أن يكون مجازاً أو كنايةً عن التعيُّش مطلقاً، أي: ومنها تُرزقون وتُحَصِّلون معايشكم، من قولهم: فلانٌ يأكل من حرفته. وجوِّز أن يعود الضميران للنخيل والأعناب، أي: لكم في ثمراتها أنواعٌ من الفواكه - الرُّطَب، والعِنَب، والتمر، والزبيب، والدِّبس من كلٌّ منهما، وغير (١) في (م): علم، وهو تصحيف. (٢) لم نقف على هذه السنة، وفي تفسير الجلالين أنه يستحب أن يقال عقب ((معين)): الله ربُّ العالمين. (٣) هو الشهاب في الحاشية ٣٢٨/٦. الآية : ١٩ ٤٩ سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ ذلك - وطعامٌ تأكلونه، فثمرتهما جامعةٌ للتفكُّه والغذاء، بخلافٍ ثمرةِ ماعَدَاهما، وعلى هذا تكون الفاكهة مطلقةً على ثمرتهما . وذكر الراغب في الفاكهة قولين: الأول: أنها الثمار كلُّها. والثاني: أنها ما عدا العنب والرمَّان(١). وصاحبُ ((القاموس)(٢) اختار الأول، وقال: قولُ مُخْرِج التمرِ والرمانِ منها مستدلا بقوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَعْلٌ وَرُكَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] باطلٌ مردود، وقد بيَّنتُ ذلك مبسوطاً في ((اللَّامِعِ المُعْلَمِ العُجَابِ)) (٣). اهـ. وأنت تعلم أنَّ للفقهاء خلافاً في الفاكهة، فذهب الإمامُ أبو حنيفة إلى أنها التفاحُ والبطيخُ والمشمشُ والكمثرى ونحوُها، لا العنبُ والرمانُ والرُّطَبُ، وقال صاحباه: هذه(٤) المستثنياتُ أيضاً فاكهةٌ. وعليه الفتوى. ولا خلافَ - كما في القهستانيٌّ نقلاً عن الكرمانيّ - في أنَّ اليابسَ منها، كالزبيب والتمر وحبِّ الرمان، ليس بفاكهةٍ (٥). وفي ((الدر المختار)): أنَّ الخلافَ بين الإمام وصاحبيه خلافُ عصرٍ، فالعبرةُ فيمَن حلف لا يأكلُ الفاكهةَ العرفُ، فيحنث بأكل ما يعدُّ فاكهةً عُرفاً، ذَكرَ ذلك الشُّمُّنِي وأقرَّه الغزيُّ(٦). ولا يخفى أن شيئاً واحداً يقال له فاكهة في عرفِ قومٍ ولا يقال له ذلك في عرفِ آخرين، ففي ((النهر)) عن ((المحيط)): ما رُوي من أنَّ الّجوزَ واللَّوزَ فاكهةٌ فهو في عُرْفِهم، أمَّا في عُرْفِنا فإنه لا يؤكَلُ للتفكُّه(٧). اهـ. (١) مفردات الراغب (فكه). (٢) مادة (فكه). (٣) اللامع المعلم العجاب الجامع بين المُحكّم والعُباب، ثم لخّصه وسماه: القاموس المحيط. مفتاح السعادة لطاشگبرِي زاده ١١٩/١. (٤) قوله: هذه، ليس في (م). (٥) حاشية ابن عابدين ٣/ ٧٧٧. (٦) الدر المختار ٤٠٤/١، وحاشية ابن عابدين ٧٧٧/٣، والغزي هو شمس الدين محمد بن عبد الله بن أحمد بن تمرتاش الغزي الحنفي المتوفى سنة (١٠٠٤ هـ) صاحب كتاب: تنوير الأبصار وجامع البحار، والذي شرحه الحصكفي في: الدر المختار. ينظر كشف الظنون ٥٠١/١. (٧) حاشية ابن عابدين ٣/ ٧٧٧. سُؤَدَّةُ الْمُؤْمِنُونَ ٥٠ الآية : ٢٠ ثم إنِّي لم أَرَ أحداً من اللغويين ولا من الفقهاء عدَّ الدبس فاكهةً، فتدبّر ولا تغفل. ﴿وَشَجَرَةَ﴾ بالنصب عطفُ على ((جنات))، وقرىء بالرفع(١) على أنه مبتدأ خبرُه محذوف، والأَوْلَى تقديره مقدَّماً، أي: [ومما](٢) أنشأنا لكم شجرةٌ. ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾ وهو جبلُ موسى عليه السلام الذي ناجى ربَّه سبحانه عنده، وهو بين مصر وأَيْلَة، ويقالُ لها اليوم: العَقَبة. وقيل: بفلسطين من أرض الشام، ویقال له: طور سینین. وجمهورُ العرب على فتح سين سَيناء والمدّ، وبذلك قرأ عمر بن الخطاب ويعقوب، وأكثرُ السبعة(٣)، وهو اسم للبقعة. ، والطورُ اسمٌ للجبل المخصوص أو لكلِّ جبلٍ، وهو مضافٌ إلى ((سيناء) كما أجمعوا عليه، ويقصد تنكيرُه على الأول كما في سائر الأعلام إذا أضيفت، وعلى الثاني يكون طور سيناء كمنارة المسجد. وجوِّز أن يكون كامرئ القيس، بمعنى أنه جُعِلَ مجموعُ المضاف والمضافِ إليه عَلَماً على ذلك العَلَم. وقيل: سيناء اسمٌ لحجارة بعينها أضيفَ الجبلُ إليها لوجودها عنده، وروي هذا عن مجاهد(٤). وفي ((الصحاح)): طور سيناء جبلٌ بالشام، وهو طورٌ أضيف إلى سيناء وهو شجر(٥). وقيل: هو اسم الجبل، والإضافة من إضافة العامِّ إلى الخاصِّ كما في (١) القراءات الشاذة ص ٩٧، والكشاف ٢٩/٣. (٢) ما بين حاصرتين من الكشاف ٢٩/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٢٥/٦، وتفسير أبي السعود ١٢٨/٦ . (٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر من السبعة. التيسير ص ١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢. وذكرها عن عمر ◌ُه أبو حيان في البحر ٦/ ٤٠١. (٤) ذكره البغوي ٣٠٦/٣، وأبو حيان في البحر ٦/ ٤٠٠، وعنه نقل المصنف. (٥) الصحاح (سنن). الآية : ٢٠ ٥١ سُؤَدَّةُ المُؤْنُونَ جبل أحد. وحَكَى هذا القول في ((البحر)) عن الجمهور (١)، لكنْ صحِّح القولُ بأنه اسم البقعة. وهو ممنوعٌ من الصرف للألف الممدودة فوزنه فعلاء كصحراء. وقيل: مُنع من الصرف للعَلَمية والعُجْمة. وقيل: للعَلَمية والتأنيث بتأويل البقعة، ووزنُه فَيْعَال لا فَعْلال؛ إذ لا يوجد هذا الوزنُ في غير المضاعف في كلام العرب إلا نادراً كَخَزْ عَال لظَلْعِ الإبل؛ حكاه الفرَّاء (٢)، ولم يُثْبِتْه أبو البقاء(٣). والأكثرون على أنه ليس بعربيٍّ بل هو إمَّا نبطيٍّ أو حَبَشي، وأصل معناه: الحَسَن أو المبارك. وجوَّز بعضٌ أن يكون عربيًّا من السَّناء بالمدِّ وهو الرفعة، أو السَّنَا بالقصر وهو النور. وتعقّبه أبو حيان بأنَّ المادتين مختلفتان؛ لأنَّ عين السَّناء أو السَّنا نونٌ، وعين سيناء ياء(٤). ورُدَّ بأن القائل بذلك يقول: إنه فَيْعال، ويَجْعَلُ عينَه النونَ وياءَه مزيدةً وهمزتَه منقلبةً عن واو. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو والحسن: ((سِيناء)) بكسر السين والمدِّ(٥)، وهي لغةٌ لبني كنانة، وهو أيضاً ممنوعٌ من الصرف للألف الممدودةِ عند الكوفيين؛ لأنهم يُْبِتون أنَّ همزة فعلاء تكون للتأنيث. وعند البصريين ممنوعٌ من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، أو العَلَميةِ والتأنيث؛ لأن ألف فعلاء عندهم لا تكون للتأنيث بل (١) البحر ٤٠٠/٦. (٢) كما في تهذيب اللغة ٢٧٥/٣، والإملاء ٥٢/٢. قال الأزهري: سلمة عن الفراء: ناقةٌ بها خَزْعال، أي: ظَلْع، وليس في الكلام مثله. اهـ. وفي التاج (خزعل): زاد غيره قَسْطال للغبار، وخَرْطال للحَبّ. اهـ. والتَّلع، قال صاحب القاموس (ظلع): ظَلَعَ البعيرُ: غَمَزَ في مشیه . (٣) في الإملاء ٢/ ٥٢. (٤) البحر ٦ / ٤٠١ . (٥) التيسير ص١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢. سُؤَدَّةُ المُؤْمنُونَ ٥٢ الآية : ٢٠ للإلحاق بفِعْلال، كعِلْباء(١) وحِرْباء، وهو ملحقٌ بقِرْطاس وسِرْداح(٢)، وهَمْزتُه منقلبةٌ عن واوٍ أو ياء؛ لأنَّ الإلحاق يكون بهما . وقال أبو البقاء: همزةُ سِيناء بالكسر أصلٌ، مثل: حِمْلاق، وليست للتأنيث إذ ليس في الكلام مثلُ حِمراء، والياءُ أصلٌ إذ ليس في الكلام سناً(٣). وجوَّز بعضُهم أن یکون فیعالا کدیماس. وقرأ الأعمش: ((سَيْنا)) بالفتح والقصر(٤). وقرئ: ((سِينا)) بالكسر والقصر(٥)، فألفُه للتأنيث إن لم يكن أعجميًّا . والمراد بهذه الشجرة: شجرةُ الزيتون، وتخصيصُها بالذكر من بين سائر الأشجار لاستقلالها بمنافعَ معروفةٍ. وقد قيل: هي أول شجرة نَبتَتْ بعد الطوفان، وتعمِّر كثيراً، ففي ((التذكرة))(٦) أنها تدومُ ألفَ عام، ولا تَبَعُدُ صحَّته لكن علَّله بقوله: لتعلُّقها بالكوكب العالي، وهو بعيدُ الصحة. وفي ((تفسير الخازن)): قيل: تبقى ثلاثة آلافٍ سنةٍ (٧). وتخصيصُها بالوصف بالخروج من الطور مع خروجها من سائر البقاع أيضاً - وأكثرُ ما تكون في المواضع التي زاد عرضُها على ميلها، واشتدَّ بَرْدُها، (١) العلباء: عصب عنق البعير. القاموس (علب). (٢) السِّزْداح: الناقة الطويلة، أو الكريمة، أو العظيمة، أو السمينة، أو القوية الشديدة التامة. القاموس (سردح). (٣) الإملاء ٥٢/٤، وسقط من مطبوعه: إذ ليس في الكلام مثل حمراء والياء أصل، ولفظ المصنف موافق لما نقله السمين في الدر ٣٢٦/٨ عن أبي البقاء، ووقع بدل سناً في الأصل ومطبوع الإملاء: سيناء، وفي (م): سناء، والمثبت من الدر المصون، وقال السمين: يعني مادة سین ونون وهمزة. (٤) القراءات الشاذة ص ٩٧، والدر المصون ٣٢٦/٨. (٥) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٢٦/٦، وتفسير أبي السعود ١٢٨/٦. (٦) التذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين محمد بن محمد الطوسي، وشرحها الشريف علي بن محمد الجرجاني. كشف الظنون ٣٩١/١. (٧) تفسير الخازن ٣٥/٣-٣٦. الآية : ٢٠ ٥٣ سُوَةُ الْمُؤْمِّنُونَ وكانت جبليةً ذا تربة بيضاءً أو حمراء - لتعظيمها، أو لأنه المنشأ الأصليُّ لها. ولعل جَعْلَه للتعظيم أولى، فيكون هذا مدحاً لها باعتبار مكانها . وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالذُّهْنِ﴾ مدحاً لها باعتبارِ ما هي عليه في نَفْسِها، والباءُ للمُلابسة والمصاحبة، مثلُها في قولك: جاء بثيابِ السَّفر، وهي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالًا من ضمير الشجرة، أي: تَنْبتُ مُلْتبِسةً بالدُّهن، وهو عصارةُ كلِّ ما فيه دسم، والمرادُ به هنا الزيتُ، وملابستُها به (١) باعتبار ملابسةِ ثمرها؛ فإنه المُلابِسُ له في الحقيقة. وجوِّز أن تكون الباءُ متعلِّقةً بالفعل معدِّيةً له، كما في قولك: ذهبتُ بزيد، كأنه قيل: تُنبتُ الدُّهنَ، بمعنى: تتضمَّنهُ وتحصِّلُه. ولا يخفى أنَّ هذا وإنْ صحَّ إلَّا أنَّ إنباتَ الدُّهن غيرُ معروفٍ في الاستعمال. وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وسلامٌ وسهلٌ ورُوَيسٌ والجحدريُّ: ((ُنْبِتُ)) بضمٌ التاء المثنَّاة من فوق وكَسْرِ الباء (٢) على أنه من باب الإفعال، وخرِّج ذلك على أنه مِن أَنْبتَ بمعنى نَبَتَ، فالهمزةُ فيه ليستْ للتعدية، وقد جاء كذلك(٣) في قول زهير: رأيتُ ذوي الحاجات حولَ بيوتهم قطيناً لهم حتى إذا أَنْبتَ البقلُ(٤) وأنكر ذلك الأصمعيُّ وقال: إنَّ الرواية في البيت: نَبتَ، بدون همزةٍ، مع أنه يحتمل أن تكون همزةٌ أَنْبتَ فيه إن كانت للتعدية بتقديرِ مفعولٍ، أي: أَنْبَتَ البقلُ ثَمَره، أو: ما يأكلون، ومنهم مَن خرَّج ما في الآية على ذلك، وقال: التقدير: تُنْبِتُ زيتونَها بالدهن، والجارُّ والمجرورُ على هذا في موضع الحال من المفعول أو من الضمير المستتر في الفعل. وقيل: الباءُ زائدةٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَبْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَّةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. (١) قوله: به، ليس في الأصل. (٢) التيسير ص ١٥٩ عن ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة رويس في النشر ٣٢٨/٢. (٣) في الأصل: ذلك. (٤) شرح ديوان زهير ص١١١، وفيه: القطين: أهل الرجل وحَشَمه، أو الساكن النازل في الدار. وسلف البيت ١٤/ ٤٢ . سُؤَدَّةُ المُؤْمِنُونَ ٥٤ الآية : ٢٠ ونسبةُ الإنبات إلى الشجرة بل وإلى الدهن مجازيةٌ. قال الخفاجيّ(١): ويحتملُ تعديةُ أَنْبتَ بالباء لمفعولٍ ثانٍ. وقرأ الحسن والزهريُّ وابن هرمز: ((تُنْبَتُ)) بضمِّ أوله وفَتْحِ ما قبلَ آخرِه مبنيًّا للمفعول(٢)، والجارُّ والمجرور في موضع الحال. وقرأ زرّ بنُ حبيش: ((تُنْبِتُ)) من الإفعال ((الدُّهنَ)) بالنصب(٣). وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب: ((بالدِّهان)) جمع دهنٍ(٤)، كرِماح جمع رمح. وما رَوَوْا من قراءة عبد الله: ((تُخْرِجُ الدُّهْنَ))(٥). وقراءةٍ أبيٍّ: ((تُثْمِرُ بالدُّهن))(٦) محمولٌ على التفسير على ما في ((البحر))؛ لمخالفته سوادَ المصحف المجمَعِ عليه، ولأن الرواية الثابتة عنهما كقراءة الجمهور (٧). ﴿وَصِيْعٍ لِّلْأَكِينَ ﴾﴾ معطوفٌ على الدهن، ومغايرتُه له التي يقتضيها العطفُ باعتبار المفهوم، وإلا فذاتُهما واحدةٌ عند كثيرٍ من المفسرين، وقد جاء كثيراً تنزيلُ تغايُرِ المفهومين منزلةَ تغايُرِ الذاتين، ومنه قولُه: إلى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ(٨) والمعنى: تنبتُ بالشيءِ الجامع بين كونه دهناً يُدْهَنُ به ويُسْرَجُ منه، وكونِهِ إداماً يُصْبَغُ فيه الخبز، أي: يُغْمَسُ للائتدام، قال في ((المُغْرِب)): يقال: صَبَغَ الثوبَ (١) في الحاشية ٣٢٦/٦، وما قبله منه. (٢) القراءات الشاذة ص٩٧، والمحتسب ٨٨/٢، والمحرر الوجيز ١٤٠/٤، والكشاف ٢٩/٣، والبحر ٦/ ٤٠١. (٣) المحرر الوجيز ١٤٠/٤، والبحر ٤٠١/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٩٧، والمحرر الوجيز ٤/ ١٤٠، والبحر ٤٠١/٦. (٥) البحر ٤٠١/٦، وهي في الكشاف ٢٩/٣ برواية: ((تُخْرِجُ الدهنَ وصبغَ الآكلين)). وفي المحتسب ٨٨/٢ بلفظ: ((تَخْرِجُ بالدُّهن)» .. (٦) القراءات الشاذة ص ٩٧، والكشاف ٢٩/٣، والبحر ٤٠١/٦. (٧) البحر ٦/ ٤٠١ . (٨) معاني القرآن للفراء ١٠٥/١، والخزانة ٤٥١/١، وسلف ٣٥٠/٢. الآية : ٢٠ ٥٥ سُوَّةُ المؤمنُون بصِبْغٍ حَسَنٍ وصِباغٍ، ومنه الصِّبغُ والصِّباغُ من الإدامِ، لأن الخبز يُغْمَسُ فيه ويلوَّنُ به كالخلِّ والزيتُ(١). وظاهرُ هذا اختصاصُه بكلِّ إدامٍ مائعٍ، وبه صرَّح في ((المصباح)(٢). وصرَّح بعضهم بأن إطلاق الصبغ على ذلك مجازٌ، ولعل في كلام «المغرب» نوعُ إشارةٍ إلیه. وروي عن مقاتل أنه قال: الدهن الزيتُ، والصبغُ الزيتون. وعلى هذا يكون العطف من عَظْفِ المتغايرين ذاتاً، وهو الأكثر في العطف. ولا بد أن يقال عليه: إنَّ الصبغ الإدامُ مطلقاً وهو ما يؤكلُ تبعاً للخبز في الغالب مائعاً كان أم جامداً، والزيتونُ أكثر ما يأكله الفقراء في بلادنا تبعاً للخبز، والأغنياء يأكلونه تبعاً لنحو الأرز، وقلَّما يأكلونه تبعاً للخبز. وأنا مشغوفٌ به مُذْ أنا يافعٌ، فكثيراً ما آكلُه تبعاً واستقلالاً، وأمَّا الزيتُ فلم أر في أهل بغداد مَن اصْطَبغَ منه، وشدَّ مَن أكل منهم طعاماً هو فيه، وأكثرهم يعْجَبُ ممن يأكلُه، ومنشأُ ذلك قلَّةُ وجوده عندهم، وعدمُ إلفهم له، فتَعافُّه نفوسُهم. وقد كنتُ قديماً تعافُه نفسي وتدريجاً أَلِفْتُه والحمد لله تعالى، فقد كان ◌َچ﴿ يأكله، وصحَّ أنه ﴿ ﴿ طبخ له لسانُ شاةٍ بزيتٍ فَأَكَل منه(٣). وأخرج أبو نعيم في ((الطب)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلاته: ((كلوا الزيتَ وادَّهِنوا به، فإنه شفاءٌ من سبعين داءً منها الجذام»(٤). وأخرج الترمذيُّ في الأطعمة عن عمر ◌َه مرفوعاً: ((كلوا الزيتَ وادَّهنوا به، فإنه يخرجُ من شجرةٍ مباركة)»(٥). (١) المغرب للمطرزي ص٤٦٦. (٢) مادة (صبغ). (٣) لم نقف عليه. (٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٢٤٧، ورمز لضعفه. (٥) سنن الترمذي (١٨٥١)، قال الترمذي: هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما يذكر فيه: عن عمر عن النبي ◌َّ، وربما رواه على الشك فقال: أحسبه عن عمر عن النبي بي ليه، وربما قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي وَلغير مرسلاً . = سُورَةُ المُؤْمِنُونَ ٥٦ الآية : ٢١ لكن قال بعضُهم: هذا الأمرُ لمن قدرَ على استعماله ووافق مزاجَه، وهو كذلك، فلا اعتراضَ على مَن لم يوافق مزاجه في عدم استعماله، بل الظاهرُ حرمةٌ استعماله عليه إن أضرَّ به، كما قالوا بحرمة استعمال الصفراويِّ للعسل، ولا فرق في ذلك بين الأكل والادِّهان، فإنّ الادِّهان به(١) قد يضرُّ كالأكل. قال ابن القيم: الدهنُ في البلاد الحارَّة كالحجاز من أسباب حِفْظِ الصحة وإصلاحِ البدن، وهو كالضروريِّ لأهلها، وأمَّا في البلاد الباردة فضارٌّ، وكثرةُ دهنٍ الرأس بالزيت فيها فيه خطرٌ على البصر (٢). انتهى. وقرأ عامر بن عبد الله: ((وصباغاً))(٣) وهو بمعنى ((صِبْغ)) كما مرَّت إليه الإشارة ومنه دِبْغ ودِباغ، ونَصْبُه بالعطف على موضعٍ ((بالدهن)). وفي تفسير ابن عطية: وقرأ عامر بن عبد قيس: ((ومتاعاً للآكلين)) (٤) وهوَ محمولٌ على التفسير. ﴿وَإِنَّ لَكُرْ فِي الْأَنْعَِ لَعِبْرَةٌ﴾ بيانٌ للنعم الواصلةِ إليهم من جهة الحيوان إثرَ بيانِ النعم الفائضة عليهم(٥) من جهة الماء والنبات، وقد بيَّن أنها مع كونها في نفسها نعمةً ينتفعون بها على وجوهٍ شتَّى عبرةٌ لا بدَّ من أن يعتبروا بها، ويستدلُّوا بأحوالها على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ رحمته، ويَشْكُروه ولا يَكْفُروه، وخصَّ هذا بالحيوان لِمَّا أنَّ محلّ العبرة فيه أظهر. وقوله تعالى: ﴿نُشْقِيكُ مِّنَا فِ بُطُونَ﴾ تفصيلٌ لِمَا فيها من مواقع العبرة، وصوب ابن معين في تاريخه ( ٥٩٥ - رواية الدوري) أن يكون عن زيد مرسلاً (ويعني = بالمرسل المنقطع). وله شاهد لا يفرح به من حديث أبي أسيد في مسند أحمد (١٦٠٥٤)، وفي إسناده مجهول. وآخر لا يُفرح به أيضاً من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٣٣٢٠) وفي إسناده عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو متروك كما قال الحافظ في التقريب. (١) قوله: به، ليس في الأصل. (٢) زاد المعاد ٢٨٢/٤. (٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٧، وأبو حيان في البحر ٦/ ٤٠١ برواية: ((وصباغ))، وكذا ذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٩/٣ لكن دون نسبة، ورواية النصب ذكرها ابن خالويه والزمخشري وأبو حيان عن الأعمش بلفظ: ((وصبغاً)). (٤) المحرر الوجيز ٤ / ١٤٠. (٥) قوله: عليهم، ساقط من (م). الآية : ٢٢ ٥٧ سُؤَدَّةُ المُؤْمنُونَ و ((ما في بطونها)) عبارةٌ إمَّا عن الألبان فـ ((من)) تبعيضية، والمرادُ بالبطون الأجوافُ، فإنَّ اللبن في الضروع. أو عن العَلَفِ الذي يتكوَّن منه اللبنُ فـ ((مِن)) ابتدائية والبطونُ على حقيقتها. وأيًّا ما كان فضمير ((بطونها)) للأنعام باعتبارٍ نسبةٍ ما للبعض إلى الكلِّ، لا للإناث منها على الاستخدام(١)؛ لأنَّ عموم ما بعدها يأباه. وقرئ بفتح النون(٢)، وبالتاء أي: تَسْقيكم الأنعام(٣). ﴿وَلَكُرُ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ﴾ غير ما ذُكر من أصوافها وأشعارها وأوبارها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴾ الظاهرُ أنَّ الأكل على معناه الحقيقيِّ، و((من)) تبعيضيةٌ لأنَّ من أجزاء الأنعام ما لا يؤكل. وتقديمُ المعمول للفاصلة، أو للحصر الإضافيِّ بالنسبة إلى الحمير ونحوِها، أو الحصر باعتبارِ ما في ((تأكلون)) من الدلالة على العادة المستمرة. وكأن هذا بيانٌ لانتفاعهم بأعيانها، وما قبله بيانٌ لانتفاعهم بمرافقها وما يَحصُلُ منها . ويجوز عندي - ولم أَرَ مَن صرَّح به - أن يكون الأكل مجازاً أو كنايةً عن التعيُّش مطلقاً كما سمعتَ قبلُ، أي: ومنها تُرزقون وتحصِّلون مَعايِشَكم. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾﴾ في البرِّ والبحر بأنفسكم وأثقالكم، وضمير ((عليها)) الأنعام باعتبار نسبة ما للبعض إلى الكلِّ أيضاً. ويجوز أن يكون لها باعتبارٍ أنَّ المراد بها الإبلُّ على سبيل الاستخدام؛ لأنها هي المحمولُ عليها عندهم، والمناسِبةُ للفلك فإنها سفائن البَرِّ؛ قال ذو الرُّمَّة في صيدحه: سفينةُ بَرٍّ تحت خذِّي زِمامُها(٤) (١) الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١. (٢) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر ويعقوب. التيسير ص ١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢. (٣) هي قراءة أبي جعفر. النشر ٢/ ٣٠٤. (٤) وصدره: طُروقاً وجِلْبُ الرَّحْل مشدودةٌ به، وهو في الديوان ١٠٠٤/٢، والخزانة ٤٢٠/٣، وصيدح هي ناقة ذي الرمة. قال البغدادي: الطروق مصدر طرق، أي: أتى ليلاً. وجلب الرحل بکسر الجیم وضمها: عیدانه وخشبه، وقوله: به، أي: بالجلب، یرید أنه کان نزل عن ناقته آخر الليل، وجعل زمامها تحت خده ونام. سُؤَةُ المُؤْمنُون ٥٨ الآية : ٢٣ وهذا مما لا بأس به. وأمَّا حَمْلُ الأنعام من أول الأمر على الإبل فلا يناسبُ مقام الامتنان ولا سياقَ الكلام، وفي الجمع بينها(١) وبين الفُلْكِ في إيقاع الحمل عليها مبالغةٌ في تحمُّلها للحَمْلِ، قيل: وهذا هو الداعي إلى تأخير هذه المنفعة - مع كونها من المنافع الحاصلة منها - عن ذكر منفعة الأكل المتعلّقة بعينها . ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْيِهِ﴾ شروعٌ في بيان إهمال الناسِ وتَرْكِهم النظرَ والاعتبارَ فيما عدَّد سبحانه من النِّعم، وما حاقهم(٢) من زوالها، وفي ذلك تخويفٌ لقریش. وتقديمُ قصة نوحٍ عليه السلام على سائر القصص مما لا يخفى وجههُ، وفي إيرادها إثرَ قوله تعالى: (وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) من حُسْنِ الموقع ما لا يوصف، وتصديرُها بالقَسَم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها . والكلامُ في نسب نوح عليه السلام وكميةٍ لبثه في قومه ونحوِ ذلك قد مرَّ(٣)، والأصحُّ أنه عليه السلام لم تكن رسالته عامةً، بل أُرسل إلى قوم مخصوصين. ﴿فَقَالَ﴾ متعطّفاً عليهم ومُسْتَميلاً لهم إلى الحق: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ الَّهَ﴾ أي: اعبدوه وحده، كما يُفْصِحُ عنه قولهُ تعالى في سورة هود: ﴿أَنْ لَّ نَعْبُدُواْ إِلَّ اللّهُ﴾ [الآية: ٢٦] وتركُ التقييد به للإيذان بأنها هي العبادة فقط، وأما العبادة مع الإشراك فليست من العبادة في شيءٍ رأساً. وقولُه تعالى: ﴿مَا لَكُرُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُّةٌ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتعليل العبادة المأمور بها، أو تعليلِ الأمر بها، و«غيرُه)، بالرفع صفةٌ لـ ((إله)) باعتبارِ محلِّه الذي هو الرفعُ على أنه فاعلٌ بـ ((لكم))، أو مبتدأ خبره ((لكم))، أو محذوفٌ و((لكم)) للتخصيص والتبيين، أي: مالكم في الوجود إلهٌ غيرهُ تعالى. (١) في (م): بينهما، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢٩/٦، والكلام منه . (٢) قوله: حاقهم، ضمَّنه معنى أصابهم. فعدَّاه بنفسه، وأصله أن يتعدَّى بالباء. حاشية الشهاب ٣٢٧/٦. (٣) عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأعراف. الآية : ٢٤ ٥٩ سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ وقرئ: ((غيرِه)) بالجرِّ(١) اعتباراً لِلَفْظِ ((إله)). الهمزةُ لإنكارِ الواقع واستقباحه، والفاءُ للعطف على مقدَّرٍ ﴿أَقْلَا نَتَّقُونَ ◌َّـ يقتضيه المقامُ، أي: أتعرفون ذلك - أي: مضمونَ قوله تعالى: ﴿مَا لَكُ مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ﴾ - فلا تتقون عذابَه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم عليه مِن تَرْكِ عبادته سبحانه وحده، وإشراكِكم به عز وجل في العبادة ما لا يستحقُّ الوجودَ لولا إيجادُ اللهِ تعالى إياه، فضلاً عن استحقاق العبادة، فالمنكَرُ عدُ الاتِّقاء مع تحقَّق ما يُوجبه. ويجوز أن يكون التقدير: ألا تلاحظون فلا تتَّقون، فالمنگرُ كلا الأمرین، فالمبالغةُ حينئذٍ في الكمية، وفي الأول في الكيفية. وتقديرُ مفعولٍ: ((تتقون)) حَسْبما أَشَرْنا إليه أَوْلى من تقدير بعضِهم إياه: زوالَ النعم، ولا نسلِّم أنَّ المقام يقتضيه كما لا يخفى. ﴿فَقَالَ الْمَلَوْا﴾ أي: الأشراف ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الکلِّ فیه؛ للإيذان بكمال عراقتهم وشدة شکیمتھم فیه، وليس المراد من ذلك إلَّا ذمَّهم دون التمييز عن أشرافٍ آخرين آمنوا به عليه السلام؛ إذ لم يؤمن به أحدٌ من أشرافهم كما يُفْصِحُ عنه قول: ﴿وَمَا نَرَكَ أَّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَازِلْنَا﴾ [هود: ٢٧] وقال الخَفَاجيُّ: يصحُّ أن يكون الوصفُ بذلك للتمييز وإن لم يؤمن بعضُ أشرافهم وقتَ التكلُّم بهذا الكلام؛ لأنَّ من أهله عليه السلام المتَّبِعِينَ له أشرافاً، وأمَّا قول: ((ما نراك)) إلخ فعَلَى زعمهم، أو لقلَّة المتَّبعين له من الأشراف(٢). وأيًّا ما كان فالمعنى: فقال الملأ لعوامُّهم: ﴿مَا هَذّآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أي: في الجنس والوصفِ من غير فرقٍ بينكم وبينه، وَصَفوه عليه السلام بذلك مبالغةً في وضع رتبته العالية، وحطّها عن منصب النبوّة. ووَصَفوه بقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ إغضاباً للمخاطَبين عليه - عليه السلام - وإغراءً لهم على معاداته. والتفضُّلُ: طلبُ الفضل، وهو كنايةٌ عن السيادة، كأنه قيل: يريد أن يَسُودَكم ويتقدَّمكم بادِّعاء الرسالة مع كونه مثلكم. (١) هي قراءة الكسائي وأبي جعفر. التيسير ص ١١٠، والنشر ٢/ ٢٧٠. (٢) حاشية الشهاب ٣٢٧/٦. سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ ٦٠ الآية : ٢٤ وقيل: صيغةُ التفعُّل مستعارةٌ للكمال، فإن(١) ما يتكلَّف له يكون على أكمل وجهٍ، فكأنه قيل: يريد كمالَ الفضل عليكم. ﴿وَلَّ شَآءَ اللَّهُ لَأَنَزَلَ مَلَكَةٌ﴾ بيانٌ لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زَعْمِهم الفاسد بعد تحقيق بشريَّته عليه السلام، أي: ولو شاء الله تعالى إرسالَ الرسول لأَرْسلَ رسلاً من الملائكة، وإنما قيل: (لأنزل)) لأنَّ إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعولُ المشيئة مطلقُ الإرسال المفهوم من الجواب لا نفسُ مضمونه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَنِكُمْ﴾ [النحل: ٩] ولا بأس في ذلك. وأما القولُ بأنَّ مفعول المشيئة إنما يُحذف إذا لم يكن أمراً غريباً وكان مضمونَ الجزاء، فهو ضابطةٌ للحذف المطّرد فيه لا مطلقاً، فإنه كسائر المفاعيل يحذف ويقدَّر بحسب القرائن، وعلى هذا يجوزُ أن يقال: التقدير: ولو شاء الله تعالى عبادتَه وحده لأنزل ملائكةً يبلِّغوننا ذلك عنه عز وجل، وكأنَّ هذا منهم طعنٌ في قوله عليه السلام لهم: ((اعبدوا الله)) وكذا قوله تعالى: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآَيِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ بل هو طعنٌ فيما ذكر على التقدير الأول أيضاً، وذلك بناء على أنَّ (هذا)) إشارةٌ إلى الكلام المتضمِّنِ الأمرَ بعبادة الله عز وجل خاصةً، والكلامُ على تقدير مضافٍ، أي: ما سمعنا بمثلِ هذا الكلام في آبائنا الماضين قبل بعثته عليه السلام، وقدِّر المضافُ لأنَّ عدم السماع بكلام نوح المذكور لا يصلح للردِّ؛ فإنَّ السماع بمثله كافٍ للقبول. وقيل: الإشارة إلى نفس هذا الكلام مع قطع النظر عن المشخِّصات، فلا حاجة إلی تقدیر المضاف، وهو كلامٌ وجيه. ثم إنَّ قولهم هذا إمَّا لكونهم وآبائهم في فترةٍ، وإمَّا لفّرْطِ غلوِّهم في التكذيب والعناد، وانهماكهم في الغيِّ والفساد. وأيًّا ما كان ينبغي أن يكون هو الصادر عنهم في مبادي دعوته عليه السلام كما تُنْبِئُ عنه الفاء الظاهرة في التعقيب في قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلَوُّأ) إلخ. (١) في (م): فإنه.