النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ٧
٢١
سُوَّةُ المُؤْمنُونَ
ولعل الأقرب إلى الإنصاف أن يقال: متى قيل بنفي اللوازم من حصول
الإحصان، وحرمةِ الزيادة على الأربع، ونحو ذلك، كانت الآيةُ دليلاً على الحرمة؛
لأن المتبادر من الزوجية فيها الزوجيةُ التي يلزمها مثلُ ذلك، وهو كافٍ في
الاستدلال على مثل هذا المطلب الفرعي، ومتى لم يُقَلْ بنفي اللوازم، ولم يفرّقْ
بينها وبين النكاح المؤبَّد إلا بالتوقيت وعَدَمِه، لم تكن الآيةُ دليلاً على التحريم.
هذا ولي هاهنا بحثٌ لم أَرَ مَن تعرَّضَ له، وهو أنه قد ذُكر في الصحيحين أنَّ
النبيَّ ◌َّهِ حرَّم المتعة يوم خيبر(١)، وفي صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام
حرَّمها يوم الفتح(٢)، ووقَّق ابن الهمام بأنها حرِّمت مرتين(٣)، مرةً يومَ خيبر ومرةً
يومَ الفتح، وذلك يقتضي أنها كانت حلالاً قبل هذين اليومين، وقد سمعت آنفاً
ما يدلُّ على أنَّ هذه الآيةَ مكيةٌ بالاتفاق، فإذا كانت دالَّةً على التحريم كما سمعتَ
عن القاسم بن محمد، ورَوَى مثلَه ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم والحاكم وصحَّحه عن
عائشة ﴾(٤)، لزم أن تكون محرّمةً بمكة يوم نزلت الآية، وهو قبل هذين الیومین،
فتكون قد حرِّمَتْ ثلاثَ مرَّاتٍ، ولم أَرَ أحداً صرَّح بذلك(٥) .
وإذا التزمناه يبقى شيءٌ آخَرُ، وهو عدمُ تماميةِ الاستدلال بها وحدها على
تحريم المتعة لمن يعلم أنها أُحلَّت بعد نزولها كما لا يخفى. لا يقال: إنَّ للناس
في المكيِّ والمدنيِّ اصطلاحاتٌ ثلاثةٌ: الأول أنَّ المكيَّ ما نزل قبل الهجرة
والمدنيَّ ما نزل بعدها، سواءٌ نزل بالمدينة أم بمكةَ، عامَ الفتح أم عامَ حجةٍ
الوداع، أم بسَفَرٍ من الأسفار. الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة،
(١) صحيح البخاري (٤٢١٦)، وصحيح مسلم (١٤٠٧)، وأخرجه أحمد (٥٩٢)، وهو من
حديث علي غُ.
(٢) صحيح مسلم (١٤٠٦)، وأخرجه أحمد (١٥٣٣٧)، وهو من حديث سبرة بن معبد
(٣) فتح القدير لابن الهمام ٣٨٥/٢.
(٤) المستدرك ٢/ ٣٠٥ و٣٩٣، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٥/٥،
وأخرجه أيضاً الحارث في مسنده ( ٤٧٩- زوائد).
(٥) ومن العلماء مَن ذكر أن الأحاديث الواردة تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات، وذكر لها
أربع طرق في الصحيح وثلاثة في غيره. ينظر المفهم لأبي العباس القرطبي ٤/ ٩٢، وتفسير
القرطبي ٢١٦/٦-٢١٧.

سُوَّةُ الْمُؤْمنُونَ
٢٢
الآية : ٧
والمدنيَّ ما نزل بالمدينة، وعلى هذا تَثْبتُ الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه
مكيٍّ ولا مدنيٌّ. الثالث: أن المكيَّ ما وقع خطاباً لأهل مكة، والمدنيَّ ما وقع
خطاباً لأهل المدينة. وحينئذٍ يمكن أن تكون هذه الآية مكيةً بالاصطلاح الثاني
وتكون نازلةً يوم الفتح يومَ حرِّمت المتعة في المرة الثانية، ولا يكونُ التحريم
إلا مرتين، ويكون استدلالُ مَن استدلُّوا بها من الصحابة والتابعين وغيرِهم على
التحريم - وإنْ علموا أنَّ المتعة أحلَّتْ بعد الهجرة في بعض الغزوات - مما لا غبار
عليه. وإذا التُزْمَ هذا الاصطلاحُ في مكية جميع السورة المجمَع عليها حَسْبَما سمعتَ
عن ((البحر))(١) ينحلُّ إشكالُ حَمْلِ الزكاةِ على الزكاة الشرعية مع فرضيتها بالمدينة
بأن يقال: إنَّ أوائل السورة نزلت بعد فَرضِيَّةِ الزكاة في المدينة عامَ الفتح في
مكة = لأنَّا نقول: لا شبهةَ في أنه يمكنُ كونُ الآية مكيةً بالاصطلاح الثاني، وكونُها
نازلةٌ يومَ الفتح، وكذلك يمكنُ كونُ كلِّ السورة أو أغلبها مكيًّا بذلك الاصطلاح،
وكلُّ ما بني على ذلك صحيحٌ بناءً عليه، إلا أنَّ المتبادر من المكيِّ والمدنيِّ المعنى
المصطلحُ عليه أوَّلاً؛ لأن الاصطلاح الأول أشهرُ الاصطلاحات الثلاثة، كما قاله
الجلال السيوطيُّ في ((الإتقان))(٢).
فالظاهر من قولهم: إنَّ هذه السورة مكيةٌ، أنها نزلت قبل الهجرة، بل قد صرَّح
الجلالُ المذكورُ بأنها - إلَّا ما استُثني منها ممَّا سَمِعْتَه(٣) - مكيةٌ على الاصطلاح
الأول دون الثاني(٤)، ولا يجزمُ مثلُه بذلك إلا عن وقوفٍ، فما ذُكِرَ مجرَّدُ تجويزِ
أمرٍ لا يساعدُ على ثبوته صريحُ نقلٍ، بل النقلُ الصريحُ مساعدٌ على خلافه، وهو
المرجعُ فیما نحن فيه.
فقد قال القاضي أبو بكر في ((الانتصار)): إنما يُرْجَعُ في معرفة المكيِّ والمدنيِّ
لِحِفْظِ الصحابة والتابعين(٥). وكونُهما قد يُعرفان بالقياس على ما ذكره الجعبريُّ
(١) سلف في بداية تفسير هذه السورة.
(٢) ٢٦/١.
(٣) في بداية تفسير السورة.
(٤) الإتقان ١/ ٤٣.
(٥) الإتقان ٢٧/١، وينظر الانتصار ٢٤٧/١.

الآية : ٧
٢٣
سُوُدَّةُ المُؤْمنُون
وغيره ــ مع عدم جدواه - ليس بشيءٍ، نعم إذا جُعل استدلالُ الصحابيِّ أو التابعيِّ
المطّلع على إباحة المتعة بعد الهجرة بها قولاً باستثنائها عن أخواتها من آيات
السورةَ، وحُكْماً عليها بنزولها بعد الهجرة دونهنَّ، فالأمرُ واضحٌ، وسَتَطَّلِعُ أيضاً إن
شاء الله تعالى على ما يوجب استثناء غير ذلك.
وبالجملة: متى قيل: المدارُ في أمثال هذه المقامات صريحُ النقل تعيَّن القولُ
بأنَّ الآية مكيةٌ بمعنى أنها نزلت قبل الهجرة، وأشكل الاستدلال بها على تحريم
المتعة بعد تحليلها بعد الهجرة؛ لكون دليلِ التحليل مخصِّصاً لعمومها، ومذهبُ
الأئمة الأربعة جوازُ تخصيص عموم القرآن بالسنَّة مطلقاً، وهو المختارُ، ويُحتاجُ
حينئذٍ إلى دليلٍ غيرِها على التحريم، وبعد ثبوت الدليل تكونُ هي دليلاً آخر
بمعونته، وهذا الدليلُ الأخبارُ الصحيحةُ من تحريم رسول الله وَّرِ إياها وقد تقدَّم
بعضها، وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام: ((كَنْتُ أَذِنْتُ لَكُم في
الاستِمْتَاعِ من النساء، وقد حَرَّمَ الله تعالى ذلك إلى يوم القيامة))(١).
وأخرج الحازميُّ(٢) بسنده إلى جابر قال: خرجنا مع رسول الله وَل إلى غزوة
تبوك، حتى إذا كنَّا عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوةٌ، فذكرنا تمتُّعنا وهنَّ يَطُفْنَ
في رحالنا، فجاء رسول الله وَّه فنظر إليهنَّ وقال: مَن هؤلاء النسوة؟ فقلنا:
يا رسول الله، نسوة تمتَّعنا منهنَّ. فغضب رسول الله ◌َّژ حتى احمرَّتْ وجنتاه وتمغَّر
وجهُه، وقام فينا خطيباً فَحمِدَ الله تعالى وأَثْنَى عليه، ثم نَهَى عن المتعة، فتَوَادَعْنا
يومئذٍ الرجال والنساءُ، ولم نَعُدْ ولا نعودُ إليها أبداً.
وقد رَوَى تحريمَها عنه عليه الصلاة والسلام أيضاً عليٍّ كرَّم الله تعالی وجهه،
وجاء ذلك في صحيح مسلم (٣). ووقع - على ما قيل - إجماعُ الصحابة على أنها
حرام، وصحَّ عند بعضٍ رجوعُ ابن عباس ﴿ها إلى القول بالحرمة بعد قوله بحلِّها
(١) صحيح مسلم (١٤٠٦) من حديث سبرة بن معبد ظه، وهو عند أحمد (١٥٣٣٧)، وسلف
تخریجه قريباً .
(٢) في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص ٤٣٠ .
(٣) صحيح مسلم (١٤٠٧)، وأخرجه أيضاً البخاري (٤٢١٦)، وأحمد (٥٩٢)، وسلف تخريجه
قريباً.

سُورَةُ المُؤْمِنُون
٢٤
الآية : ٧
مطلقاً(١)، أو وقتَ الاضطرار إليها(٢). واستدلَّ ابن الهمام على رجوعه بما رواه
الترمذيُّ عنه أنه قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدمُ البلدَ
ليس له بها معرفةٌ، فيتزوَّجُ بقَدْرِ ما يرى أنه مقيمٌ، فتحفظُ له متاعَه وتُصلِحُ له شأنه،
حتى إذا نزلت الآية: ﴿إِلَّا عَلَىَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
قال ابن عباس: فكلُّ فَرْجِ سواهما فهو حرامٌ(٣) .
ولا أدري ما عنَى بأول الإسلام، فإنْ عنى ما كان في مكة قبل الهجرة أفاد
الخبر أنها كانت تُفعل قبلُ إلى أنْ نزلت الآية، فإنْ كان نزولُها قبل الهجرة،
فلا إشكالَ في الاستدلال بها على الحرمة لو لم يكن بعدَ نزولها إباحةٌ، لكنَّه قد
كان ذلك، وإنْ عَنَى ما كان بعد الهجرة أوائلَها، وأنَّها كانت مُباحةً إذ ذاك إلى أنْ
نزلت الآيةُ كان ذلك قولاً بنزول الآية بعد الهجرة، وهو خلافُ ما روي عنه من أنَّ
السورة مكيةٌ، المتبادر منه الاصطلاح الأول، ولعله يُلتزم ذلك ويقال: إنَّ استدلاله
بالآية قولٌ باستثنائها كما مرَّ آنفاً، أو يقال: إن هذا الخبر لم يصحَّ، ويؤيِّد هذا قولُ
العلامة ابن حجر: إنَّ حكاية الرجوع عن ابن عباس لم تصحّ، بل صحَّ كما قال
بعضهم عن جمع أنهم وافقوه في الحلِّ، لكن خالفوه فقالوا: لا يترتَّب على ذلك
أحكامُ النكاح، وبهذا نازَعَ الزركشيُّ فِي حكاية الإجماع فقال: الخلافُ محقَّقٌ وإن
ادَّعى جمعٌ نَفْيَه. انتهى. ويُفْهَمُ منه أنَّ ابن عباس يُدْخِلُ المستمتَعَ بها في الأزواج،
وحينئذٍ لا تقوم الآيةُ دليلاً عليه (٤). فتدبر.
(١) قال ابن العربي في القبس ٧١٤/٢: كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها،
فانعقد الإجماع على تحريمها .
(٢) أخرج الفاكهي في أخبار مكة (١٧١٢)، والخطابي في معالم السنن ١٩١/٣، والطبراني في
الكبير (١٠٦٠١)، والحازمي في الاعتبار ص٤٣١، عن سعيد بن جبير أنه ذكر لابن عباس
قول الشاعر:
يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
أقول للركب إذا طال الثواء بنا
في بضَّةٍ رَخْصةِ الأطراف ناعمة تكون مثواك حتى مَرْجِعِ الناس
فقال: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت، وما أحللت منها
إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير.
(٣) فتح القدير لابن الهمام ٣٨٦/٢، والحديث في سنن الترمذي (١١٢٢).
(٤) تحفة المحتاج بهامش حواشي الشرواني وابن قاسم ٧/ ٢٢٤.

الآية : ٧
٢٥
سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ
ونُسب القول بجواز المتعة إلى مالك ربه، وهو افتراء عليه، بل هو كغيره من
الأئمة قائلٌ بحرمتها، بل قيل: إنه زيادة على القول بالحرمة يوجبُ الحدَّ على
المستمتِع (١)، ولم يُوجِبْه غيرُه من القائلين بالحرمة لمكان الشُّبهة.
وكذا اختلف في استمناء الرجل بيده، ويسمَّى الخضخضةَ، وجَلْدَ عُمَيْرةَ(٢)،
فجمهورُ الأئمة على تحريمه، وهو عندهم داخلٌ فيما ((وراء ذلك)). وكان أحمد بن
حنبل يجيزُه لأنَّ المنيَّ فَضْلٌ في البدن فجاز إخراجها عند الحاجة، كالفَصْد
والحجامة(٣).
وقال ابن الهمام: يَحْرُمُ، فإنْ غلبته الشهوةُ ففعل إرادةَ تسكينِها به فالرجاءُ أنْ
لا يعاقَبَ (٤).
ومن الناس مَن مَنَعَ دخوله فيما ذُكر، ففي ((البحر)): كان قد جَرَى لي في ذلك
كلامٌ مع قاضي القضاة أبي الفتح محمد بن علي بن مطيع القشيريِّ بن دقيق العيد،
فاستَدلَّ على منع ذلك بهذه الآية، فقلت: إنَّ ذلك خرج مخرجَ ما كانت العرب
تفعله من الزنى والتفاخر به في أشعارها، وكان ذلك كثيراً فيهم بحيث كان في
بغاياهم صاحباتُ راياتٍ، ولم يكونوا ينكرون ذلك، وأمَّا جَلْدُ عُميرةَ فلم يكن
معهوداً فيهم، ولا ذَكَرِه أحدٌ منهم في شعرٍ فيما عَلِمْناه، فليس بمنْدَرِج فيما «وراء
ذلك»(٥). انتھی.
(١) قال أبو العباس القرطبي في المفهم ٩٣/٤: اختلف أصحابنا إذا دخل في نكاح المتعة، هل
يُحدُّ ولا يلحق به الولد، أو يدفع الحد بالشبهة ويلحق به الولد؟ على قولين، ولكن يعزَّر
ويعاقب.
(٢) قال القرطبي في التفسير ١٢/١٥: وهذا لأنهم يكنون عن الذَّكَر بـ: عُميرَة، وفيه يقول الشاعر:
إذا حللتَ بوادٍ لا أنيسَ به فاجْلِدْ عُميرةَ لا داءٌ ولا حَرَجُ
(٣) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٣٩٧/٦، ومثله في أحكام القرآن لابن العربي
١٢٩٨/٣، وتفسير القرطبي ١٢/١٥، والمنقول عن أحمد قولان، أصحهما أن الاستمناء
حرام، والآخر مكروه عند الضرورة. ينظر القواعد لابن رجب ص٢٤٦، وفتاوى ابن تيمية
٢٢٩/٣٤ و٢٣١، والإنصاف للمرداوي ٤٣٦/٢٦، وكشاف القناع ١٢٤/٦.
(٤) فتح القدير ٢/ ٦٤ .
(٥) البحر ٣٩٧/٧.

سُؤَدَّةُ الْمُؤْمِنُونَ
٢٦
الآية : ٧
وأنت تعلم أنه إذا ثبت أنَّ جَلْدَ عُميرَةً كنايةٌ عن الاستمناء باليد عند العرب
كما هو ظاهرُ عبارة ((القاموس)) (١) فالظاهرُ أنَّ هذا الفعل كان موجوداً فيما بينهم
وإن لم يكن كثيراً شائعاً كالزنى، فمتى كان ذلك من أفراد العامٌّ لم يتوقَّفْ اندراجُه
تحته على شيوعه كسائر أفراده.
وفي ((الأحكام))(٢): إذا كان من عادة المخاطَبين تناولُ طعام خاصٍّ مثلاً، فوَرَدَ
خطابٌ عامٌّ بتحريم الطعام، نحو: حرَّمتُ عليكم الطعامَ، فقد اتفق الجمهور من
العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كلِّ طعام على وجهٍ يدخل فيه
المعتادُ وغيرُه، وأنَّ العادة لا تكونُ مُنْزِلةً للعموم على تحريم المعتاد دون غيرِهِ،
خلافاً لأبي حنيفة عليه الرحمة، وذلك لأنَّ الحجة إنما هي في اللفظ الوارد، وهو
مستغرقٌ لكلِّ مطعوم بِلِفْظِه ولا ارتباطَ له بالعوائد، وهو حاكمٌ على العوائد فلا تكون
العوائدُ حاكمةً عليه. نعم لوكانت العادة في الطعام المعتادِ أكلُه قد خصَّصتْ بِعُرْفٍ
الاستعمالِ اسمَ الطعام بذلك الطعام كما خصِّصتِ الدابةُ بذوات القوائم الأربع،
لكان لفظُ الطعام منزلاً عليه دون غيره، ضرورةَ تنزيلِ مخاطَبةِ الشارع للعرب على
ما هو المفهومُ لهم من لغتهم. والفرقُ أنَّ العادة أوَّلاً إنما هي مطَّردةٌ في اعتياد أكل
ذلك الطعام المخصوص، فلا تكون قاضيةً على ما اقتضاه عمومُ لفظ الطعام، وثانياً
هي مطّردةٌ في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاصِّ، فتكون قاضيةً على
الاستعمال الأصلي. اهـ.
ومنه يعلم أنَّ الاستمناء باليد إنْ كانت(٣) قد جَرَتْ عادةُ العرب على إطلاق
ما((وراء ذلك)) عليه، دخل عند الجمهور وإن لم تَجْرِ عادتُهم على فعله، وإن كان لم
تَجْرِ عادتُهم على إطلاق ذلك عليه وجرت على إطلاقه على ما عَدَاه من الزنا
ونحوه، لم يدخل ذلك الفعلُ في العموم عند الجمهور.
ومن الناس مَن استدلَّ على تحريمه بشيءٍ آخر، نحو ما ذكره المشايخ من
قوله وَّه: ((ناكحُ اليدِ ملعونٌ)) (٤).
(١) مادة (عمر).
(٢) للآمدي ٣٥٨/٢.
(٣) في(م): كان.
(٤) لا أصل له، كما في المصنوع ص ١٩٩، وكشف الخفاء ٢/ ٤٣١.
:

الآية : ٨
٢٧
سُؤَدَّةُ المُؤْنُونَ
وعن سعيد بن جبير: عذَّب الله تعالى أمةً كانوا يعبثون بمذاكيرهم.
وعن عطاء: سمعتُ قوماً يُحشَرون وأيديهم حبالَى، وأظنُّ أنهم الذين يَسْتَمْنونَ
بأيديهم. والله تعالى أعلم.
وتمامُ الكلام في هذا المقام يُظْلَبُ من محلِّه، ولا يخفى أنَّ كلَّ ما يدخل في
العموم تفيد الآية حرمةَ فِعْلِه على أبلغ وجه، ونظيرُ ذلك إفادةُ قوله تعالى: ﴿وَلَا
نَفْرَبُواْ الزِفٌ﴾ [الإسراء: ٣٢] حرمةَ فعل الزنا. فافهم.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾﴾ قائمون بِحِفْظِها وإصلاحها، وأصلُ
الرعي: حفظُ الحيوان؛ إمَّا بغذائه الحافِظِ لحياته، أو بذَبِّ العدو عنه، ثم استُعمل
في الحفظ مطلقاً .
والأماناتُ جمعُ أمانة، وهي في الأصل مصدرٌ، لكنْ أريدَ بها هنا ما اؤْتُمِنوا(١)
عليه؛ إذ الحفظُ للعين لا للمعنى، وأمَّا جَمْعُها فلا يُعيِّنُ ذلك؛ إذ المصادرُ قد
تُجمَعُ كما قدَّمنا غيرَ بعيدٍ . (٢)
وكذا العهدُ مصدرٌ أريدَ به ما عُوهِدَ عليه لذلك.
والآيةُ عند أكثر المفسرين عامَّةٌ في كلِّ ما اؤْتُمِنوا عليه وعوهدوا من جهة الله
تعالى ومن جهة الناس، كالتكاليف الشرعية، والأموالِ المودَعةِ، والأيمان والنذور
والعقود ونحوها. وجُمِعَتِ الأمانةُ دون العهد، قيل: لأنها متنوّعةٌ متعدِّدةٌ جداً
بالنسبة إلى كلِّ مكلَّفٍ من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلَّفٌ من(٣) ذلك،
ولا کذلك العهد.
وجوَّز بعضُ المفسِّرين كونَها خاصةً فيما اؤتمنوا عليه وعُوهدوا من جهة
الناس، وليس بذاك.
ويجوز عندي أن يراد بالأمانات ما ائتَمنهم الله تعالى عليه من الأعضاء
والقوى، والمرادُ برَغْيِها حِفْظُها عن التصرُّف بها على خلافِ أَمْرِه عز وجل. وأن
(١) في (م): ائتمن.
(٢) ينظر ما سلف ص١٤-١٥ من هذا الجزء.
(٣) في الأصل: عن.
٠٠

سُوَرَةُ المُؤْمِنُونَ
٢٨
الآية : ٩
يراد بالعهد ما عاهدهم الله تعالى عليه (١) مما أمرهم به سبحانه بكتابه وعلى لسان
رسوله وَي*، والمرادُ برَعْبِه حفظُهُ عن الإخلال به، وذلك بفِعْلِه على أكمل
وجه. فحِفْظُ الأمانات كالتخلية، وحفظُ العهد كالتحلية. وكأنه جلَّ وعلا بعد أن
ذَكَر حِفْظَهم لفروجهم ذَكَر حِفْظَهم لِمَا يشملُها وغيرَها.
ويجوز أن تعمَّم الأماناتُ بحيث تَشْمَلُ الأموال ونحوَها، وجمعها لِمَا فيها
من(٢) التعدُّد المحسوس المشاهَدِ. فتأمَّلْ.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرٍو في رواية: ((لأمانتهم)) بالإفراد(٣).
﴿وَلَّذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ﴾ المكتوبة عليهم، كما أخرج ابن المنذر عن أبي صالح،
وعبد بن حميد عن عكرمة (٤).
﴿يُحَافِظُونَ﴾ بتأديتها في أوقاتها بشروطها وإتمامٍ ركوعها وسجودها وسائرٍ
أركانها، كما روي عن قتادة.
وأخرج جماعةٌ عن ابن مسعودٍ أنه قيل له: إنَّ الله تعالى يُكْثِرُ ذِكْرَ الصلاة
في القرآن: ﴿الَِّينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآَيِعُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ
) قال: ذاك على مواقيتها. قالوا: ما كنّا نرى ذلك إلَّا على فِعْلِها
٩
يُحَافِقُونَ
وعدمِ تركها؟ قال: تَرْكُها الكفر(٥).
وقيل المحافظةُ عليها: المواظبةُ على فِعْلِها على أكمل وجهٍ. وجيءَ بالفعل
دون الاسم كما في سائر رؤوسِ الآي السابقة لِمَا في الصلاة من التجدُّد والتكرُّر،
ولذلك جُمِعَتْ في قراءةِ السبعة ما عدا الأخوين(٦). وليس ذلك تكريراً لِمَا وَصَفَهم
به أولاً من الخشوع في جنس الصلاة؛ للمغايرة التامة بين ما هنا وما هناك
كما لا يخفى.
(١) قوله: عليه، ليس في الأصل.
(٢) في (م): لمن.
(٣) التيسير ص ١٥٨ عن ابن كثير، والمشهور عن أبي عمرو الجمع.
(٤) ذكرهما السيوطي في الدر المنثور ٥/٥.
(٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣٨٦/٢، والطبراني في الكبير (٨٩٣٨).
(٦) التيسير ص ١٥٨، والنشر ٣٢٨/٢. والأخوان هما حمزة والكسائي.

الآية : ١٠ - ١١
٢٩
سُوَّةُ المؤمنُونَ
وفي تصدير الأوصافِ وخَتْمِها بأمر الصلاة تعظيمٌ لشأنها، وتقديمُ الخشوع
للاهتمام به؛ فإنَّ الصلاة بدونه كَلا صلاةٍ بالإجماع، وقد قالوا: صلاةٌ بلا خشوعِ
جَسَدٌ بلا روحٍ.
وقيل: تقدیمه لعموم ما هنا له.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى المؤمنين باعتبار اتِّصافهم بما ذُكر من الصفات، وإيثارُها
على الإضمار للإشعار بامتيازهم بها عن غيرهم، ونُزولِهم منزلةً المشارِ إليهم حسًّا،
وما فيه من معنى البُعْدِ للإيذان بعلوٌ طبقتهم، وبُعْدِ درجتهم في الفضل والشرف.
أي: أولئك المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة ﴿هُمُ الْوَرِثُونَ ﴾ أي:
الأحِقَّاءُ أنْ يُسَمَّوا ورَّاثاً (١) دون مَن عَدَاهم ممن لم يتَّصِفْ بتلك الصفات من
المؤمنين. وقيل: ممن وَرِثَ رغائب الأموالِ والذخائرِ وكرائمَها .
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ صفةٌ كاشفةٌ، أو عطفُ بيانٍ، أو بدلٌ، وأيًّا ما كان
ففيه بيانٌ لِمَا يرثونه، وتقييدٌ للوراثة بعد إطلاقها تفخيماً لها وتأكيداً.
والفردوسُ أعلى الجنان، أخرج عبد بن حميد، والترمذيُّ - وقال: حسن
صحيح غريب - عن أنس به، أنَّ الرُّبِيِّع بنت النَّضر (٢) أتت رسولَ اللهِوَ له وكان
ابنُها الحارث بن سراقة أصيب يومَ بدرٍ، أصابه سهمٌ غَرْبٌ، فقالت: أخبرني عن
حارثةَ، فإنْ كان أصاب الجنة احْتَسَبْتُ وصَبَّرْتُ، وإن كان لم يُصِبِ الجنة اجتهدتُ
في الدعاء. فقال النبيُّ ◌َّهِ: («إنها جنانٌ في جنة، وإنَّ ابنَكِ أصابَ الفِرْدَوسَ
الأعلى، والفردوسُ ربوةُ الجنةِ وأَوْسَطُها وأَفْضَلُها))(٣). وعلى هذا لا إشكالَ في
(١) في الأصل: وارثاً.
(٢) في الأصل و(م): نضير، والصواب ما أثبتناه، وهي أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن
مالك ﴿. ينظر فتح الباري ٢٦/٦.
(٣) سنن الترمذي (٣١٧٤) وسقط من مطبوعه كلمة: غريب، وهي مثبتة في تحفة الأشراف
٣١٨/١، وتحفة الأحوذي ١٨/٩، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٦/٥،
لكن قوله: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، ليس من كلام النبي وَلقر وإنما هو
مدرج من قول قتادة كما جاء مصرحاً به عند البيهقي ١٦٧/٩. والحديث في مسند أحمد
(١٣٢٠٠)، وصحيح البخاري (٢٨٠٩) دون قول قتادة.

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
٣٠
الآية : ١٢
الحصر على ما أشرنا إليه أولاً؛ فإنَّ غيرَ المتَّصِفِ بما ذُكر من الصفات وإنْ دخل
الجنة لا يَرِثُ الفردوسَ التي هي أفضلُها، وبتقديرِ إرثه إياها فهو ليس حقيقاً بأن
يسمَّى وارثاً؛ لما أنَّ ذلك إنما يكون في الأغلب بعد كدٍّ ونَصَبٍ.
وإرثُهم إياها من الكفار، حيث فوَّتوها على أنفسهم؛ لأنه تعالى خَلَق لكلِّ
منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار؛ أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه وابن جرير وابن
المنذر وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((ما منكم من أحدٍ إلَّا وله
منزلان: منزلٌ في الجنة ومنزلٌ في النار، فإذا مات فدخل النار وَرِثَ أهلُ الجنة
منزله، فذلك قوله تعالى: (أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ) (١).
وقيل: الإرثُّ استعارةٌ للاستحقاق، وفي ذلك من المبالغة ما فيه؛ لأنَّ الإرثَ
أقوى أسبابِ الملك. واختيرَ الأولُ لأنه تفسيرُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على
ما صحّحه القرطبي(٢).
﴿هُمْ فِيهَا﴾ أي: في الفردوس، وهو - على ما ذكره ابن الشحنة - مما يؤنَّثُ
ويذكَّر، وذكر بعضُهم أن التأنيث باعتبارِ أنه اسمٌ للجنة أو لطبقتها العليا، وقد تقدَّم
لك تمامُ الكلام في الفردوس(٣). ﴿خَلِدُونَ﴾ لا يُخْرَجون منها أبداً .
والجملةُ إمَّا مستأنفةٌ مقرِّرَةٌ لِمَا قبلَها، وإما حالٌ مقدَّرةٌ من فاعلِ ((يرثون)) أو
مفعولِهِ، كما قال أبو البقاء(٤)؛ إذ فيها ذِكْرُ كلٍّ منهما، ومعنى الكلام: لا يموتون
ولا يُخْرَجون منها.
لمَّا ذكر سبحانه أولاً أحوالَ
١٢
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ
السُّعداءِ عقَّبه بذكر مبدئهم ومآلِ أمرهم في ضِمْنٍ ما يعمُّهم وغيرَهم، وفي ذلك
إعظامٌ للمنَّة عليهم، وحثٌّ على الاتِّصاف بالصفات الحميدة، وتحمُّلٍ مُؤَنٍ
التكليفات الشديدة. أوْ لمَّا ذَكَر إرْتَ الفردوس عقَّبه بذِكْرِ البعثِ لتَوقُّفِه عليه. أو
(١) سنن ابن ماجه (٤٣٤١)، وتفسير الطبري ١٥/١٧، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر
السيوطي في الدر المنثور ٦/٥. وصحح إسناده ابن حجر في الفتح ٤٤٢/١١.
(٢) يعني: تصحيح القرطبي لحديث أبي هريرة عند تفسير هذه الآية. تفسير القرطبي ١٦/١٥.
(٣) ١٦/ ٥٠.
(٤) في الإملاء ٤ / ٥١ .

الآية : ١٢
٣١
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
لمَّا حثَّ على عبادته سبحانه وامتثال أمره عقَّبه بما يدلُّ على ألوهيته؛ لتوقُّفِ العبادة
على ذلك. ولعل الأولَ أولى في وجهِ مناسبةِ الآية لِمَا قبلها، ويجوز أن يكون
مجموعَ الأمور المذكورة.
واللامُ واقعةٌ في جواب القسم، والواوُ للاستئناف، وقال ابن عطية: هي عاطفةٌ
جملةَ كلامٍ على جملةٍ، وإن تَبَايَنَتا في المعاني(١). وفيه نظر.
والمراد بالإنسان الجنسُ، والسلالةُ من سَلَلْتُ الشيءَ من الشيء: إذا
استخرجته منه، فهي ما سُلَّ من الشيء واستُخْرِجَ منه، فإنَّ فُعالة اسمٌ لِمَا يَحصُلُ
من الفعل، فتارةً تكون مقصودةً منه - كالخلاصة - وأخرى غيرَ مقصودةٍ منه كالقُلامة
والكُناسة، والسُّلالةُ من قبيل الأول فإنها مقصودةٌ بالسَّلّ. وذكر الزمخشريُّ أنَّ هذا
البناء يدلُّ على القلّة(٢).
و ((من)) الأولى ابتدائيةٌ متعلِّقةٌ بالخَلْقِ، و((من)) الثانية يحتمل أن تكون كذلك،
إلا أنها متعلِّقةٌ بـ ((سُلالة)) على أنها بمعنى مسلولة، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع صفة
لـ («سلالة))، ويحتمل أن تكون على هذا تبعيضيةً، وأن تكون بيانيةً. وجوِّز أن يكون
((من طين)) بدلاً أو عَظْفَ بيانٍ بإعادةِ الجارِّ. وخَلْقُ جنس الإنسان مما ذكر باعتبارٍ
خَلْقِ أولِ الأفراد وأصلِ النوع - وهو آدم عليه السلام - منه، فيكون الكلُّ مخلوقاً
من ذلك خَلْقاً إجماليًّا في ضِمْنٍ خَلْقِه كما مرَّ تحقيقهُ.
وقيل: خَلْقُ الجنس من ذلك باعتبارِ أنه مبدأ بعيد لأفراد الجنس؛ فإنهم من
النطف الحاصلة من الغذاء الذي هو سلالةُ الطین وصفوته، وفيه وصفُ الجنس
بوصفٍ أكثر أفراده، لأنَّ خَلْقَ آدم عليه السلام لم يكن كذلك، أو يقال: تُرِكَ بيانُ
حاله عليه السلام لأنه معلوم، واقتُصِرَ على بيان حال أولاده، وجاء ذلك في بعض
الروايات عن ابن عباس.
وقيل: المراد بالطين آدم عليه السلام، على أنه من مجاز الكون، والمرادُ
بالسلالة النطفةُ، وبالإنسان الجنسُ، ووَصْفُه بما ذكر باعتبار أكثر أفراده، أو يقال
(١) المحرر الوجيز ٤ / ١٣٧.
(٢) الكشاف ٢٧/٣.

سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ
٣١
الآية : ١٣
كما قيل آنفاً. ولا يخفى خفاءُ قرينةِ المَجَازِ، وعدمُ تبادُرِ النطفة من السلالة.
وقيل: المراد بالإنسان آدم عليه السلام، وروي ذلك عن جماعة. وما ذهبنا إليه
أولاً أولى.
والضميرُ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ﴾ عائدٌ على الجنس باعتبار أفراده
المغايِرَةِ لآدم عليه السلام، وإذا أريد بالإنسان أولاً آدم عليه السلام فالضميرُ على
ما في ((البحر)) عائدٌ على غير مذكورٍ، وهو ابنُ آدم، وجاز لوضوح الأمر وشهرته،
وهو كما ترى، أو على الإنسان والكلامُ على حذفِ مضافٍ، أي: ثم جَعَلْنا نَسْلَه.
وقيل: يراد بالإنسان أوَّلاً آدمُ عليه السلام، وعند عَوْدِ الضمير عليه: ما تناسل
منه على سبيل الاستخدام.
ومن البعيد جدّاً أن يراد بالإنسان أفرادُ بني آدم والضمير عائدٌ عليه، ويقدّر
مضافٌ في أول الكلام، أي: ولقد خلقنا أصل الإنسان .. إلخ. ومثلُه أن يراد
بالإنسان الجنسُ أو آدمُ عليه السلام والضمير عائدٌ على («سلالة)»، والتذكير بتأويل:
المسلول، أو الماء، أي: ثم صيَّرنا السلالة نطفة (١).
والظاهرُ أنَّ ((نطفة)) في سائر الوجوه مفعولاً ثانياً (٢) للجعل على أنه بمعنى
التصيير، وهو على الوجه الأخير ظاهرٌ، وأمَّا على وجه عودِ الضمير على الإنسان،
فلا بدَّ من ارتكاب مجاز الأَوْل بأنْ يراد بالإنسان ما سيصير إنساناً .
ويجوز أن يكون الجعلُ بمعنى الخلق المتعدِّي إلى مفعول واحد، ويكون
(نطفة)) منصوباً بنزع الخافض، واختاره بعض المحققين، أي: ثم خلقنا الإنسان من
نطفةٍ كائنةٍ ﴿فِ قَرَارٍ﴾ أي: مستقَرِّ، وهو في الأصل مصدرٌ من قرَّ يقرُّ قراراً، بمعنى
ثَبَتَ ثبوتاً، وأطلق على ذلك مبالغةً، والمرادُ به الرَّحِمُ، ووَصْفُه بقوله تعالى:
﴿مَكِينٍ ﴾ أي: متمكِّنٍ - مع أنَّ المتمكّن وصفُ ذي المكان، وهو النطفة
هنا - على سبيل المجاز كما يقال: طريقٌ سائر.
(١) البحر ٣٩٨/٦.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: مفعولٌ ثانٍ.

الآية : ١٤
٣٣
سُورَةُ المُؤْنُونَ
وجوِّز أن يقال: إنَّ الرَّحِمَ نفسَها متمكِّنّةٌ، ومعنى تمكّنِها أنها لا تنفصلُ لثقل
حملها، أو لا تَمجُّ ما فيها، فهو كنايةٌ عن جَعْلِ النطفة مُخْرَزةً مصونةً، وهو وجهٌ
وجيهٌ.
﴿ُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ﴾ أي: دماً جامداً، وذلك بإفاضة أعراض الدم عليها،
فتصيِّرها دماً بحسب الوصف، وهذا من باب الحركة في الكيف.
﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أي: قطعةً لحم بقَدْرٍ ما يُمضَغُ، لا استبانةً ولا تَمايُزَ
فيها، وهذا التصييرُ - على ما قيل - بحسب الَّذات، كتصيير الماء حجراً وبالعكس،
وحقيقتُه إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضةٌ صورةٍ أخرى عليها، وهو من باب
الكون والفساد، ولا يخلو ذلك من الحركة في الكيفية الاستعدادية، فإن استعداد
الماء مثلاً للصورة الأولى الفاسدة يأخذ في الانتقاص، واستعداده للصورة الثانية
الكائنة يأخذ في الاشتداد، ولا يزال الأول ينقصُ والثاني يشتدُّ إلى أنْ تنتهي المادةُ
إلى حيث تزول عنها الصورة الأولى، فتحدثُ فيها الثانية دفعةً، فتتوارد هذه
الاستعداداتُ التي هي من مقولة الكيف على موضوع واحد.
﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾ غالبَها ومعظمَها، أو كلَّها ﴿عِظَامًا﴾ صغاراً وعظاماً،
حَسْبَما تقتضيه الحكمة، وذلك التصيير بالتصليب لما يراد جَعْلُه عظاماً من المضغة،
وهذا أيضاً تصييرٌ بحَسَبِ الوَصْفِ، فيكون من الباب الأول.
وفي كلام العلّامةِ البيضاويِّ إشارةٌ ما إلى مجموعٍ ما ذكرنا، وهو يستلزمُ القول بأنَّ
النطفة والعلقة متَّحدان في الحقيقة، وإنما الاختلافُ بالأعراض كالحمرة والبياض
مثلاً. وكذا المضغةُ والعظامُ متَّحدان في الحقيقة وإنما الاختلاف بنحو الرخاوة
والصلابة. وأنَّ العلقة والمضغة مختلفان في الحقيقة كما أنهما مختلفان بالأعراض(١).
والظاهرُ أنه تتعاقَبُ في جميع هذه الأطوار على مادَّةٍ واحدةٍ صورٌ حَسبَ
تعاقُبِ الاستعدادات، إلى أن تنتهي إلى الصورة الإنسانية، ونحن نقول به إلى أن
يقوم الدليل على خلافه، فتدبر.
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٦/ ٣٢٣، وفيه: ((ثم خلقنا النطفة علقة)) بأن أَحَلْنا النطفة
البيضاء علقة حمراء، ((فخلقنا العلقة مضغة)) فصيرناها قطعة لحم، ((فخلقنا المضغة عظاماً))
بأن صلَّبناها .

سُؤَّةُ المؤمنُون
٣٤
الآية : ١٤
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ﴾ المعهودةَ ﴿لَتْمًا﴾ أي: جَعَلْناه ساتراً لكلٍّ منها كاللباس،
وذلك اللحمُ يحتملُ أن يكون من لحم المُضغةِ بأنْ لم تُجْعَلْ كلُّها عظاماً بل
بعضُها، ويبقى البعضُ فيمدُّ على العظام حتى يسترها، ويحتملُ أن يكون لحماً آخر
خَلَقه الله تعالى على العظام من دمٍ في الرَّحِم.
وجَمْعُ ((العظام)» دون غيرها مما في الأطوار لأنها متغايرةٌ هيئةً وصلابةً بخلاف
غيرها، ألا ترى عظم الساق، وعظمَ الأصابع، وأطرافَ الأضلاع؟ وعِدَّةُ العظام
مطلقاً - على ما قيل - مئتان وثمانيةٌ وأربعون عظماً، وهي عِدَّةُ: رحم، بالجُمَّل
الكبير (١)، وجَعَلَ بعضُهم هذه عدَّةَ أجزاءِ الإنسان، والله تعالى أعلم.
وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبان والمفضَّل والحسن وقتادة وهارون
والجعفيُّ، ويونس عن أبي عمرو، وزيد بنُ علي ◌َّ بإفراد ((العظام)) في
الموضعين(٢)؛ اكتفاءً باسم الجنس الصادق على القليل والكثير مع عدم اللبس،
كما في قوله:
كلوا في بعض بَظْنِكم تَعِقُّوا(٣)
واختصاصُ مثلٍ ذلك بالضرورة - على ما نُقِلَ عن سيبويه(٤) - لا يخلو عن نظر.
وفي الإفراد هنا مشاكلةٌ لِمَا ذكر قبلُ في الأطوار كما ذكره ابن جنِّي(٥).
وقرأ السلميُّ، وقتادة أيضاً، والأعرج والأعمش ومجاهدٌ وابن محيصن بإفراد
الأول وجمع الثاني(٦).
(١) لأن الراء بحساب الجمّل مئتان، والحاء ثمانية، والميم أربعون، فيكون المجموع مئتين
وثمانية وأربعين بحساب الجمَّل، وينظر لمعنى الجمَّل الكبير كشاف اصطلاحات الفنون
والعلوم للتهانوي ١/ ٥٨٢.
(٢) التيسير ص ١٥٨، والنشر ٣٢٨/٢ عن ابن عامر وأبي بكر، وذكرها عنهم جميعاً أبو حيان
في البحر ٣٩٨/٦.
(٣) وعجزه: فإن زمانكم زمن خميص. والبيت في الكتاب ٢١٠/١، والخزانة ٥٣٧/٧، قال
البغدادي: الخميص: الجائع، والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها .
(٤) نقله عنه أبو حيان في البحر ٣٩٨/٦، وينظر الكتاب ٢١٠/١.
(٥) في المحتسب ٨٧/٢.
(٦) المحتسب ٨٧/٢، والبحر ٣٩٨/٦.

الآية : ١٤
٣٥
رَةَ المُؤْمنُونَ
وقرأ أبو رجاء، وإبراهيم بن أبي بكر، ومجاهدٌ أيضاً بجَمْعِ الأول وإفراد
الثاني(١).
﴿ثُمَّ أَنشَأْتَهُ خَلْقَا ءَآخَرَّ﴾ مُبايناً للخَلْقِ الأوَّلِ مباينةً ما أَبْعَدَها، حيث جُعِلَ
حيواناً ناطقاً سميعاً بصيراً، وأُوْدِعَ كلُّ عضوٍ منه وكلُّ جزءٍ عجائب وغرائبَ لا تُدْرَكُ
بوصفٍ، ولا تُبْلَغ بشرحٍ، ومن هنا قيل:
وتَزْعُمُ أنك جرٌ صغير
وفيك انْطَوى العالمُ الأكبرُ(٢)
وقيل: الخلقُ الآخرُ الروحُ، والمرادُ بها: النفسُ الناطقة، والمعنى: أنشأنا
له - أو فيه - خَلْقاً آخر، والمتبادرُ من إنشاء الروح خَلْقُها، وظاهرُ العطف بـ ((ثم))
يقتضي حدوثَها بعد حدوث البدن، وهو قولُ أكثر الإسلاميين، وإليه ذهب أرسطو.
وقيل: إنشاؤها نَفْخُها في البدن، وهو عند بعضٍ عبارةٌ عن جَعْلِها متعلِّقةً به،
وعند أكثر المسلمين جعلها ساريةً فيه. وإذا أُريدَ بالروح الروحُ الحيوانيةُ، فلا كلامَ
في حدوثها بعد البدن وسريانها فيه.
وقيل: الخَلْقُ الآخَرُ القوى الحسّاسة.
وقال الضحاك ـ ويكاد يُضْحَكُ منه - فيما أخرجه عنه عبد بن حميد(٣): الخلق
الآخر الأسنانُ والشعر، فقيل له: أليس يُولَدُ وعلى رأسه الشعر؟ فقال: فأين العانةُ
والإبط .
وما أشرنا إليه من كون ((ثم)) للترتيب الزمانيِّ هو ما يقتضيه أكثر استعمالاتها،
ويجوزُ أن تكون للترتيب الرُّتْبي؛ فإنَّ الخَلْقَ الثاني أعظمُ من الأول ورتبتُه أعلى.
وجاءت المعطوفاتُ الأُوَلُ بعضُها بـ ((ثم)) وبعضها بالفاء، ولم يَجِئُ جميعُها
بـ ((ثم) أو بالفاء مع صحة ذلك في مثلها؛ للإشارة إلى تفاؤُتِ الاستحالات،
فالمعطوفُ بـ (ثم)) مُسْتَبعدٌ حصولُه مما قبله، فجُعِلَ الاستبعادُ عقلاً أو رتبةً بمنزلة
التراخي والبعدِ الحسيِّ؛ لأنَّ حصول النطفة من أجزاءٍ ترابيةٍ غريبٌ جدًّا، وكذا
(١) البحر ٣٩٨/٦، وهي في المحتسب ٨٧/٢ عن مجاهد وحده.
(٢) البيت في الديوان المنسوب لعلي وظلبه ص ٥٧ برواية: وتحسب ...
(٣) كما في الدر المنثور ٦/٥.

سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ
٣٦
الآية : ١٤
جَعْلُ النطفة البيضاء السيالة دماً أحمرَ جامداً بخلاف جَعْلِ الدم لحماً مشابهاً له في
اللون والصورة، وكذا تصليب المضغة حتى تصير عظماً، وكذا مدُّ لحمها عليه
ليستره، كذا قيل، ولا يخلو عن قيل وقال.
واستدلَّ الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى: (ثُرَّ أَنشَأْنَهُ) إلخ على أنَّ مَن غَصَبَ بيضةٌ
فَأَفْرِخَتْ عنده، لَزِمه ضمانُ البيضة لا الفرخِ؛ لأنه خَلْقٌ آخر.
قال في ((الكشف)): وفي هذا الاستدلال نظرٌ على أصل مُخالِفِيهِ؛ لأنَّ مُباينتَه
للأول لا تُخْرِجُه عن ملکه عندهم.
وقال صاحب ((التقريب)): إنَّ تضمينه للفرخ لكونه جزءاً من المغصوب لا لكونه
عينه أو مسمّی باسمه.
وفي هذا بحثٌ، وفي المسألة خلافٌ كثيرٌ وكلامٌ طويل يُطلب من كتب الفروع
المبسوطة.
وقال الإمام: قالوا: في الآية دلالةٌ على بطلان قول النظّام: إنَّ الإنسان هو
الروحُ لا البدن، فإنه تعالى بيَّن فيها أنَّ الإنسان مركّبٌ من هذه الأشياء. وعلى
بطلان قول الفلاسفة: إنَّ الإنسان لا ينقسم، وإنه ليس بجسم(١) .
وكأنهم أرادوا أنَّ الإنسان هو النفسُ الناطقةُ، والروحُ الأمرية المجرّدةُ، فإنها
التي ليست بجسم عندهم ولا تقبل الانقسام بوجهٍ، وليست داخل البدن
ولا خارجه.
﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ﴾ فتعالى وتقدَّس شأنُه سبحانه في علمه الشامل وقدرته الباهرة،
و((تبارك)) فعلٌ ماضٍ لا يتصرَّفُ، والأكثرُ إسنادهُ إلى غير مؤنَّثٍ.
والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخالِ الروعة، والإشعارِ بأنَّ
ما ذُكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية، وللإيذان بأنَّ حقَّ كلِّ مَن سَمِعَ
ما فصّل من آثار قدرته عزَّ وجلَّ، أو لاحَظَه، أن يُسارِعَ إلى التكلُّم به إجلالاً
وإعظاماً لشؤونه جل وعلا.
(١) تفسير الرازي ٨٥/٢٣.

الآية : ١٤
٣٧
سُؤَُّ المُؤْمِنُونَ
﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾﴾ نعتٌ للاسم الجليل، وإضافةُ أفعل التفضيل محضةٌ،
فتفيدُه تعريفاً إذا أضيف إلى معرفةٍ على الأصح.
وقال أبو البقاء(١): لا يجوزُ أن يكون نعتاً لأنه نكرةٌ وإِنْ أضيفَ؛ لأنَّ المضاف
إليه عوضٌ عن ((مِن))، وهكذا جميع بابٍ أفعل منك، وجَعَلَه بدلاً، وهو يقلُّ في
المشتقَّات، أو خبرَ مبتدأ مقدَّرٍ، أي: هو أحسنُ الخالقين، والأصلُ عدمُ التقدير.
وتمييز (٢) أفعل محذوفٌ لدلالةِ ((الخالقين)) عليه، أي: أحسنُ الخالقين خَلْقاً،
فالحُسْنُ الخَلْقِ، قيل: نظيرُه قوله ◌َّهِ: ((إنَّ الله تعالى جميلٌ يحبُّ الجمال)(٣) أي:
جميلٌ فِعْلُه، فحُذفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه، فانقلب مرفوعاً فاستتر.
والخَلْقُ بمعنى التقدير، وهو وصفٌ يطلَقُ على غيره تعالى، كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الِينِ كَهَيْئَةِ اَلَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] وقول زهير:
ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ ضُ القومِ يَخْلقُ ثم لا يَفْري(٤)
وفي معنى ذلك تفسيرُه بالصنع كما فعل ابنُ عطية(٥). ولا يصحُّ تفسيره
بالإيجاد عندنا؛ إذ لا خالقَ بذلك المعنى غيرُه تعالى إلا أن يكون على الفرض
والتقدير، والمعتزلة يفسِّرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالقٌ لأفعاله وموجِدٌ لها
استقلالاً، فالخالقُ الموجِدُ متعدِّدٌ عندهم، وقد تكفَّلت الكتب الكلامية بردِّهم.
ومعنى حُسْنِ خَلْقِه تعالى: إتقانُه وإحكامُه، ويجوز أن يراد بالحُسْنِ مقابلة
القبح، وكلُّ شيءٍ منه عز شأنه حسنٌ لا يتَّصِفُ بالقبح أصلاً من حيث إنه منه،
فلا دليل فيه للمعتزلة بأنه تعالى لا يخلق الكفر والمعاصي كما لا يخفى.
روي أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله وَّهِ، فَأَمْلَى
عليه وَّه قولَه تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ) حتى إذا بلغ عليه الصلاة والسلام: (ثُّ
(١) في الإملاء ٤/ ٥١.
(٢) في (م): وتميز، وهو تصحيف.
(٣) سلف ٦/ ٤٤١.
(٤) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ٩٤، والخزانة ٣٢٣/٦. والفري: القطع.
اللسان (فري)، وسلف ٢/ ١٢.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٨/٤.

سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ
٣٨
الآية : ١٤
أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ) نطق عبدُ الله بقوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ) إلخ قبل إملائه، فقال له
عليه الصلاة والسلام: ((هكذا نزلت)) فقال عبد الله: إن كان محمدٌ نبيًّا يوحى إليه
فأنا نبيٌّ يوحَى إليَّ. فارتدَّ ولَحِقَ بمكة كافراً، ثم أسلم قبل وفاته عليه الصلاة
والسلام وحَسُنَ اسلامه(١). وقيل: مات كافراً (٢).
وطعن بعضُهم في صحَّةِ هذه الرواية، بأنَّ السورة مكيةٌ وارتدادُه بالمدينة
كما تقتضيه الرواية.
وأجيب بأنه يمكن الجمعُ بأن تكون الآيةُ نازلةً بمكة واستَكْتَبها وَلِ إياه
بالمدينة، فكان ما كان، أو يُلتزمُ كونُ الآية مدنيةً لهذا الخبر. وقوله: إنَّ السورة
مكيةٌ، باعتبار الأكثر، وعلى هذا يكون اقتصارُ الجلال السيوطيِّ على استثناء قوله
تعالى: (حَتَّ إِذَا أَخَذْنَا مُتَزَفِيهِم) إلى قوله سبحانه: (مُبْلِسُونَ) قصوراً، فتذكَّر.
وتُروَى هذه الموافقةُ عن معاذ بن جبل؛ أخرج ابن راهويه، وابن المنذر، وابن
أبي حاتم، والطبرانيُّ في ((الأوسط))، وابنُ مردويه عن زيد بن ثابت ظُبه قال:
أَمْلَى عليَّ رسولُ اللهِوَّر هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ
١٢
إلى قوله تعالى: (خَلْقَا ءَاخَرَ) فقال معاذ بن جبل ◌َظَه: (فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)
فضحك رسول الله وَّر، فقال له معاذ: ممَّ ضكحتَ يا رسول الله؟ قال: ((بها
خُتِمَتْ))(٣).
ورويتْ أيضاً عن عمر ﴿به؛ أخرج الطبرانيُّ، وأبو نعيم في ((فضائل
الصحابة))، وابنُ مردويه عن ابن عباس ﴿ّ قال: لمَّا نزلت: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن
(١) الكشاف ٢٨/٣. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١١٥: كذا ذكره الثعلبي
عن ابن عباس، وعزاه الواحدي إلى الكلبي عن ابن عباس
(٢) وفي الإصابة ٦/ ١٠١ أنه أسلم وشهد فتح مصر مع عمرو بن العاص، ثم ولاء عثمان على
مصر، وكان محموداً في ولايته، وغزا ثلاث غزوات: إفريقية وذات الصواري والأساود،
وقُبض وهو يصلي الصبح.
(٣) المعجم الأوسط (٤٦٥٧) وعزاه لابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه
السيوطي في الدر ٧/٥، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: في إسناده جابر الجعفي وهو
ضعيف جدًّا.

الآية : ١٥
٣٩
سُؤَةُ المُؤْمنُونَ
سُلَلَتٍ مِّن طِينٍ) إلى آخر الآية، قال عمر بنظُبه: (فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ) فنزلتْ
كما قال(١).
وأخرج ابن عساكر وجماعةٌ عن أنس: أنَّ عمر څبه كان يفتخر بذلك، ویذُر
أنها إحدى موافقاته الأربع لربِّه عز وجل(٢).
ثم إنَّ ذلك من حُسْنِ نَظْم القرآن الكريم، حيث تدلُّ صدورُ كثيرٍ من آياته على
أعجازها، وقد مُدِحَتْ بعض الأشعار بذلك فقيل:
قصائدٌ إنْ تكن تُثْلَى على ملأ صدورُها عُلِمَتْ منها قوافيها(٣)
لا يقال: فقد تكلَّم البشر ابتداءً بمثل نَظُمِ القرآن الكريم وذلك قادحٌ في
إعجازه؛ لِمَا أنَّ الخارج عن قدرة البشر - على الصحيح - ما كان مقدارَ أقصرِ سورةٍ
منه، على أن إعجاز هذه الآية الكريمة منوطٌ بما قبلها كما تُعْرِبُ عنه الفاء فإنها
اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله.
﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد ما ذُكِرَ من الأمور العجيبة، حَسْبَما يُنْبِئُ عنه
ما في اسم الإشارة من معنى البُعْدِ المُشْعِر بعلوِّ رتبةِ المشارِ إليه، وبُعْدِ منزلته في
الفضل والكمال، وكونه بذلك ممتازاً منزَّلاً منزلةَ الأمور الحسية.
﴿لَسُِّونَ ﴾﴾ أي: لصائرون إلى الموت لا محالة، كما يُؤْذِنُ به اسمیةُ
الجملة، و((إنَّ»، واللامُ، وصيغةُ النعت الذي هو للثبوت.
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿ًا، وابن أبي عبلة، وابن محيصن: ((لمائتون))(٤) وهو اسمُ فاعلٍ
يرادُ به الحدوث، قال الفراء وابن مالك: إنما يقال: مائتٌ، في الاستقبال فقط(٥).
(١) المعجم الأوسط (٥٦٦٢)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٥/ ٧.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١١٣/٤٤-١١٤، وأخرجه أيضاً الطيالسي ص ٩- ١٠. وأصله عند أحمد
(١٥٧)، والبخاري (٤٠٢) بلفظ: وافقت ربي في ثلاث، فذكرها ولم يذكر هذه فيها.
(٣) البيت لابن نباتة السعدي كما في المثل السائر ٣٢٩/٢، ويتيمة الدهر ٤٤٨/٢، وصدره
عندهم: خذها إذا أنشدت في القوم من طرب ...
(٤) القراءات الشاذة ص ٩٧، والكشاف ٢٨/٣، والبحر ٣٩٩/٦.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٣٢/٢، ونقله المصنف عنه وعن ابن مالك بواسطة أبي حيان في
البحر ٣٩٩/٦.

سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ
٤٠
الآية : ١٦
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عند النفخة الثانية ﴿تُبْعَثُونَ ﴾﴾ من قبوركم للحساب،
والمجازاةٍ بالثواب والعقاب، ولم يؤكّد سبحانه أمر البعث تأكيدَه لأمر الموت مع كثرة
المتردِّدين فيه والمُنْكِرين له، اكتفاءً بتقديم ما يُغني عن كثرة التأكيد، ويشيدُ أركان
الدعوى أتمَّ تشييد، من خَلْقِه تعالى الإنسانَ من سلالةٍ من طين، ثم نَقْلِه من طورٍ إلى
طورٍ، حتى أنشأه خَلْقاً آخر يستغرقُ العجائب ويستجمع الغرائب، فإنَّ في ذلك أدلّ
دليلٍ على حكمته، وعظيم قدرته عز وجل على بَعْثِهِ وإعادته، وأنه جل وعلا لا يُهْمِلُ
أمره ويتركهُ بعد موته نَسْياً منسيًّا مستقرًّا في رَحِمِ العدم كأن لم يكن شيئاً .
ولمَّا تضمَّنت الجملةُ السابقةُ المبالغةَ في أنه تعالى شأنُه أَحْكُم خَلْقَ الإنسان
وأَتْقَنه، بالغَ سبحانه عز وجل في تأكيد الجملة الدالّة على موته - مع أنه غير مُنْكرٍ - لِمَا
أنَّ ذلك سببٌ لاستبعاد العقل إياه أشدَّ استبعاد، حتى يوشك أن ينكرَ وقوعَه مَن لم
يُشاهِدْهِ وسَمِع أنَّ الله جلَّ جلالُه أَحْكَم خَلْقَ الإنسان وأَتْقَنه غايةَ الإتقان.
وهذا وجهٌ دقيقٌ لزيادة التأكيد في الجملة الدالة على الموت وعدمٍ زيادته في
الجملة الدالّة على البعث لم أرَ أني سُبِقْتُ إليه.
وقيل في ذلك: إنه تعالى شأنُه لمَّا ذكر في الآيات السابقة من التكليفات
ما ذَكَر، نَّه على أنه سبحانه أَبْدعَ خَلْقَ الإنسان وقلَّبه في الأطوار حتى أَوْصَلَه إلى
طورٍ هو غايةُ كماله، وبه يصحُّ تكليفُه بنحو تلك التكليفات، وهو كونُه حيًّا عاقلاً
سميعاً بصيراً، وكان ذلك مستدعياً لذكر طورٍ يقع فيه الجزاءُ على ما كلَّفه تعالى
به، وهو أنْ يُبعثَ يوم القيامة، فنبَّه سبحانه عليه بقوله: ﴿ثُّرَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
تُبْعَثُونَ﴾ فالمقصودُ الأهمُّ بعد بيان خَلْقِهِ وتأهُّله للتكليف بيانُ بَعْثِهِ، لكنْ وسّط
حديث الموت لأنه برزخٌ بين طوره الذي تأهّل به للأعمال التي تستدعي الجزاء
وبين بَعْثِهِ، فلا بدَّ من قَطْعِه للوصول إلى ذلك، فكأنه قيل: أيها المخلوق العجيبُ
الشأن، إنَّ ماهيتك وحقيقتك تَفْنَى وتَعْدَمُ، ثم إنَّها بعينها من الأجزاء المتفرِّقة،
والعظام البالية، والجلودِ المتمزِّقة المتلاشية في أقطار الشرق والغرب تُبعثُ وتُنْشَرُ
ليوم الجزاء؛ لإثابةِ مَن أَحْسَنَ فيما كلَّفناه به، وعقابٍ مَن أساء فيه، فالقرينة
الثانية - وهي الجملة الدالَّةُ على البعث - لم تفتقر إلى التوكيد افتقارَ الأولى وهي
الجملةُ الدالّة على الموت؛ لأنها كالمقدِّمة لها، وتوكيدُها راجعٌ إليها، ومنه يُعْلَمُ