النص المفهرس

صفحات 1-20

معاها
د
تفسير القرآن العظيم والسَُّنْ المثَانِى
تأليفٌ
شِهَابُ الدِّينُ أبيُ الثَّنَاءِ
◌َجٌمُودِبْن عَبْدُاللَّهِ الأَلْوُسيْ الْبَعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَةَ هَذَا الجزء
مَاهِرْ جَبُوشُ
سَاهُمْ في تحقيقه
وحسَيِّ الل عبدربهُ اَجُديبُ
المحلّ الّام عَشْرُ
مؤسسة الرسالة

◌ُوَةُ الْمَعَانِى
في
تَفِ القُرآن العَظِيمُ والِسَنْ المَاني
(١٨)

جَمِيعُ الحُقُوق محفوظَة لِلّاشِرُ
الطّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
ـة
مؤسسة الرساـ
للطّبَاعَة وَالنَّشْر وَالتَّوْزِيّعِ
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُؤَةُ الْمُؤْمِنُونَ
مكيةٌ كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس طًا(١). وفي ((البحر)): هي مكيةٌ
بلا خلافٍ(٢). واستُثْني منها كما في ((الإتقان)) قولُه تعالى: ﴿حَّ إِذَا أَخَذْنَا مُتْفِيهِم﴾
إلى قوله سبحانه: ﴿مُبْلِسُونَ﴾ [الآيات: ٦٤-٧٧](٣) واستشكل الحكمُ على ما عَدَاه
بكونه مكيًّا لِمَا فيه من ذكر الزكاة، وهي إنما فُرضَتْ بالمدينة.
وأُجيبَ: بأنه بعد تسليم أنَّ ما ذكر فيه يدلُّ على فرضيتها يقال: إنَّ الزكاة كانت
واجبةً بمكة والمفروسُ بالمدينة ذاتُ النصب، وستسمع تمام الكلام في ذلك إن
شاء الله تعالى.
وهي كما في كتاب ((العَدَد)» للداني و((مجمع البيان)) للطبرسيِّ مئةٌ وثمان عشرة
آيَةً في الكوفي، ومئةٌ وسبع عشرة آيةً (٤) في الباقي.
وقد مدح النبيُّ وَّرِ العَشْرَ الأُوَلَ منها؛ فقد أخرج أحمد والترمذيُّ والنسائيُّ،
والحاكمُ وصحَّحه، والضياءُ في ((المختارة))، وغيرُهم، عن عمر بن الخطاب
قال: كان إذا نَزَلَ على رسول الله وَّهِ الوحيُّ نسمع عند وجهه كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأُنزِلَ
عليه يوماً، فمَكَثْنا ساعةً، فسرِّي عنه، فاستقبل القبلةَ فرفع يديه فقال: ((اللهمَّ زِدْنا
ولا تَنْقُصْنا، وأَكْرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأَعْطِنا ولا تَحْرِمْنا، وآئِرْنا ولا تُؤْثِرْ علينا، وارْضَ
(١) الدر المنثور ٢/٥.
(٢) البحر ٣٩٥/٦.
(٣) الإتقان ١ / ٤٧ .
(٤) كذا في الأصل و(م) وحاشية الشهاب ٣١٨/٦، والصواب: وتسع عشرة، كما في
مجمع البيان ١٣٣/١٨، والبيان في عدِّ آي القرآن للداني ص١٩١، ومثله في الإتقان
٢١٤/١، والكشاف ٢٤/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣١٨/٦، وتفسير
أبي السعود ١٢٣/٦، وغيرها من كتب التفسير.

الآية : ١
٦
سُورَةُ المُؤْمنُونَ
عَنَّا وأَرْضِنا)) ثم قال: ((لقد أُنْزِلَتْ عليَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامهنَّ دَخَلَ الجنة)) ثم قرأ:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ حتى ختم العشر(١).
ومناسَبتُها لآخِرِ السورة(٢) قبلها ظاهرةٌ؛ لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله
سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ﴾ الآيةَ، وفيها: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الحج: ٧٧] فناسَبَ أن يحقِّق ذلك فقال عزَّ قائلاً:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
®﴾ والفلاحُ: الفوزُ بالمَرَام. وقيل: البقاءُ في الخير.
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
والإفلاحُ: الدخولُ في ذلك، كالإبشار الذي هو الدخولُ بالبشارة، وقد يجيءُ
متعدِّياً وعليه قراءةُ طلحةَ بنِ مصرِّفٍ وعمرو بن عبيد: ((أُفِحَ)) بالبناء للمفعول(٣).
و((قد)) لثبوتِ أمرٍ متوقَّع وتحقُّقهِ، والظاهرُ أنه هنا الفلاحُ؛ لأنَّ ((قد)) دخلت
على فِعْلِه وهو متوقَّعُ الثبوّتِ من حال المؤمنين، وجَعَله الزمخشريُّ الإخبارَ
بثباته(٤)، وذلك لأنَّ الفلاح مستقبلٌ أُبرِزَ في مَعْرِضٍ الماضي مؤكّداً بـ ((قد)» دلالةً
على تحقُّقه، فيفيدُ تحقُّقَ البشارةِ وثباتَها، كأنه قيل: قد تَحقَّقَ أنَّ المؤمنين من أهل
الفلاح في الآخرة.
وجوِّز أن یکون جملةُ ((قد أفلح» جوابَ قسم محذوفٍ، وقد ذكر الزجاج في قوله
تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا﴾ [الشمس: ٩] أنه جواب القسم المذكورِ قبلَه بتقديرِ اللَّام(٥).
وقرأ ورش عن نافع: ((قَدَ افْلَحَ)» (٦) بإلقاءِ حركةِ الهمزة على الدال، وحَذْفِها
(١) مسند أحمد (٢٢٣)، وسنن الترمذي (٣١٧٣)، وسنن النسائي الكبرى (١٤٤٣)، والمستدرك
٣٩٢/٢، والأحاديث المختارة (٢٣٤)، وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٦٠. قال
النسائي: هذا حديث منكر، لا نعلم أحداً رواه غير يونس بن سليم، ويونس بن سليم
لا نعرفه. اهـ. وقال العقيلي: يونس بن سليم الصنعاني لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به.
(٢) في (م): السور، وهو تصحيف.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٧، والبحر ٣٩٥/٦.
(٤) الكشاف ٣/ ٢٥.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٣١/٥.
(٦) التيسير ص ٣٥.

الآية : ٢
٧
سُؤَةُ المُؤْنُونَ
لفظاً لالتقاء الساكنين - كما قال أبو البقاء - وهما: الهمزة الساكنةُ بعد نَقْلِ حركتها،
والدالُ الساكنةُ بحسب الأصل لأنه لا يعتدُّ بحركتها العارضة(١).
وقرأ طلحة أيضاً: ((قد أفْلَحُ)) بضم الهمزة والحاء (٢)، وإلقاءٍ واوِ الجمع،
وهي مخرَّجةٌ على لغةٍ: أكلوني البراغيثُ. وقولُ ابن عطية: هي قراءةٌ مردودة(٣)،
مردودٌ.
وعن عيسى بن عمر قال: سمعتُ طلحة يقرأ: ((قد أفلحوا المؤمنون)) فقلت له:
أَتَلْحَنُ؟ قال: نعم، كما لحنَ أصحابي. ولعل مراده: إنَّ مَرْجِعَ قراءتي الروايةُ،
ومتى صَحَّتْ في شيءٍ، لا يكون لحناً في نفس الأمر وإن كان كذلك ظاهراً.
وإثباتُ الواوِ في الرسم مرويٌّ عن كتاب ابن خالويه (٤)، وفي ((اللوامح)) أنها
حُذفتْ في الدَّرْجِ لالتقاء الساكنين وحُملت الكتابةُ على ذلك، فهي محذوفةٌ فيها
أيضاً، ونظير ذلك: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]. وقد جاء حذفُ الواو لفظاً
وكتابةً والاكتفاءُ بالضمة الدالَّة عليها، كما في قوله:
ولو أنَّ الأَطِبَّا كانُ حولي وكان مع الأطباء الأُسَاءُ(٥)
وهو ضرورةٌ عند بعض النحاة.
والمراد بالمؤمنين، قيل: إمَّا المصدِّقون بما عُلِمَ ضرورةً أنه من دين نبيِّنَا وَه
من التوحيد والنبوَّةِ والحَشْرِ الجسماني والجزاءِ ونظائرها، فقوله تعالى: ﴿اٌلَِّينَ هُمْ
﴾ وما عطف عليه صفاتٌ مخصّصةٌ لهم.
فِي صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ
(١) الإملاء ٥٠/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣١٩/٦.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: بفتح الهمزة وضم الحاء. ينظر الدر المصون ٣١٤/٨،
والقراءات الشاذة ص ٩٧، والكشاف ٣/ ٢٥، والمحرر الوجيز ١٣٦/٤، والبحر ٣٩٥/٦.
ووقع في (م): أفلحوا.
(٣) المحرر الوجيز ١٣٦/٤.
(٤) القراءات الشاذة ص ٩٧، وفيه ذكر الوجهين: ضم الحاء، وإثبات الواو، وينظر البحر
٣٩٥/٦.
(٥) مجالس ثعلب ص ٨٨، والإنصاف ٣٨٥/١، والكشاف ٢٥/٣، وشرح المفصل لابن يعيش
٥/٧ ,٨/٩، والخزانة ٢٢٩/٥.

سُؤَدَةُ المُؤْمِنُونَ
٨
الآية : ٢
وإما الآتونَ بفروعه أيضاً، كما يُنْبِئُ عنه إضافةُ الصلاة إليهم، فهي صفاتٌ
موضِّحة أو مادِحةٌ لهم. وفي بعض الآثار ما يؤيِّد كونَها مخصّصةً.
وجَعَلَ الزمخشريُّ (١) الإضافةَ للإشارة إلى أنهم هم المنتفعون بالصلاة دون
المصلّی له عز وجل.
والخشوعُ: التذلُّلُ مع خوفٍ وسكونٍ للجوارح، ولذا قال ابن عباس فيما رواه
عنه ابن جرير وغيرُه: ((خاشعون)»: خائفون ساكنون(٢).
وعن مجاهد: أنه هنا غضُّ البصر وخَفْضُ الجَناحِ.
وقال مسلم بن يسار وقتادة: تنكيس الرأس.
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: تَرْكُ الالتفات.
وقال الضحاك: وَضْعُ اليمين على الشمال.
وعن أبي الدرداء: إعظامُ المقام، وإخلاصُ المقال، واليقينُ التامُّ، وجَمْعُ
الاهتمام.
ويَتْبعُ ذلك تَرْكُ الالتفاتِ وهو من الشيطان، فقد روى البخاريُّ وأبو داود
والنسائيُّ عن عائشة رضيّا قالت: سألتُ رسول الله وَله عن الالتفات في الصلاة
فقال: ((هو اختلاسٌ يَخْتَلِسُه الشيطانُ مِنْ صلاةِ العَبْدِ))(٣).
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه قال في مرضه: أَقْعِدوني أَقْعِدوني فإنَّ
عندي وديعةً أَوْدَعَنِيها رسولُ اللهِ وَلِّ قال: ((لا يَلْتَفِتْ أحدُكم في صلاته، فإن كان
لا بدَّ فاعلاً ففي غيرِ ما افْتَرضَ الله تعالى عليه))(٤).
(١) في الكشاف ٢٥/٣.
(٢) تفسير الطبري ١٧/ ١٠.
(٣) صحيح البخاري (٧٥١)، وسنن أبي داود (٩١٠)، وسنن النسائي ٨/٣، وهو عند أحمد
(٢٤٧٤٦).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٤١/٢-٤٢، وهو من طريق الحسن عن أبي هريرة نظراته، والحسن لم
يسمع من أبي هريرة. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ٣٨.

الآية : ٢
٩
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
وتَرْكُ العبث بثيابه أو شيءٍ من جسده، وإنكارُ منافاته للخشوع مكابرةٌ، وقد
أخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) لكنْ بسندٍ ضعيفٍ، عن أبي هريرة، عن
رسول الله بَّه، أنه رأى رجلاً يعبثُ بلحيته في صلاته فقال: ((لو خَشَعَ قلبُ هذا
خَشَعَتْ جَوَارِحُه))(١).
وتَرْكُ رَفْعِ البصر إلى السماء وإنْ كان المصلِّي أعمى، وقد جاء النهيُ عنه، فقد
أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن سَمُرةً قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لينتهينَّ
أقوامٌ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا تَرْجِعُ إليهم)»(٢) .
وكان قبل نزول الآية غيرَ منهيٍّ عنه، فقد أخرج الحاكم وصحَّحه، وابن
مردويه، والبيهقيُّ في ((سننه))، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌َله
كان إذا صلَّى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
٢
فطأطأ رأسه(٣).
وتَرْكُ الاختصار: وهو وضعُ اليد على الخاصرة، وقد ذكروا أنه مكروه، وجاء
عنه ◌َِّ: ((الاختصارُ في الصلاة راحةُ أهلِ النار))(٤) أي: أنَّ ذلك فِعْلُ اليهود في
(١) نوادر الأصول ص ٣١٧، وأورده العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١٥١/١ بهامش
الإحياء)، والسيوطي في الجامع الصغير مع فيض القدير ٣١٩/٥، وضعفاه، وقال العراقي:
والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب، رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وفيه رجل لم
يسمَّ. اهـ. وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٩/٢ من طريق معمر، وفي مصنف عبد الرزاق
(٣٣٠٩) من طريق الثوري، كلاهما عن رجل عن ابن المسيب.
(٢) صحيح مسلم (٤٢٨)، وسنن أبي داود (٩١٣)، وسنن ابن ماجه (١٠٤٥).
(٣) المستدرك ٣٩٣/٢، وسنن البيهقي ٢٨٣/٢، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣/٥.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا خلافٌ فيه على محمد، فقد قيل
عنه مرسلاً ولم يخرجاه. اهـ. وقال الذهبي: الصحيح مرسل. وأخرج المرسل عبد الرزاق
(٣٢٦١) و(٣٢٦٢)، وأبو داود في المراسيل (٤٥)، والبيهقي ٢٨٣/٢، وقال: هذا هو
المحفوظ مرسل.
(٤) أخرجه ابن حبان (٢٢٨٦) من طريق عيسى بن يونس، عن هشام، عن محمد، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌ِّر. قال ابن رجب في فتح الباري ٩/ ٣٧٠: كذا خرجه، وإنما رواه
عيسى بن يونس عن عبيد الله بن الأزور عن هشام بهذا اللفظ، كذا رواه الطبراني [الأوسط
(٦٩٢٥)]، والعقيلي [الضعفاء ١١٨/٣] من رواية عيسى بن يونس عنه، وقال العقيلي:
=

سُوَّةُ المؤمنُونَ
١٠
الآية : ٢
صلاتهم استراحةً، وهم أهلُ النار، لا أنَّ لهم فيها راحةً، كيف وقد قال تعالى:
﴿لَا يُفَقَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥].
ومن أفعالهم أيضاً فيها التميُّل، وقد جاء النهي عنه؛ أخرج الحكيم الترمذيُّ
من طريق القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر، عن أمِّ رومان والدةِ
عائشةَ ﴿ّ قالت: رآني أبو بكر ◌ُه أتميَّلُ في صلاتي، فزجرني زجرةً كدتُ
أنصرفُ عن صلاتي، ثم قال: سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((إذا قام أحدكم في
الصلاة فليُسْكِنْ أطرافَه لا يتميَّل تميُّلَ اليهود، فإنَّ سكون الأطراف في الصلاة من
تمام الصلاة))(١).
وقال في ((الكشاف)): من الخشوع أن يستعمل الآداب، وذَكّر من ذلك تَوقِّيَّ
كفِّ الثوب، والتمِطِّيَ، والتثاؤبَ، والتغميضَ(٢)، وتغطيةَ الفم، والسدلَ،
والفرقعةَ، والتشبيكَ، وتقليبَ الحصى(٣).
وفي ((البحر)) نقلاً عن ((التحرير)) أنه اختلف في الخشوع: هل هو من
فرائض الصلاة، أو من فضائلها ومكمِّلاتها؟ على قولين، والصحيح الأولُ
ومحلُّه القلب(٤). اهـ، والصحيح عندنا خلافه، نعم الحق أنه شرط القبول
لا الإجزاء.
= لا يتابع عبيد الله بن الأزور على لفظه. اهـ. قلنا: ولم يرد في مطبوع العقيلي سوى التعليق
دون الحديث، وجاء عند الطبراني: عبد الله بن الأزور، وينظر الميزان ٣٩١/٢ و٣/٣.
وأخرج البخاري (١٢٢٠) من طريق يحيى عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: نُهي أن
يصلي الرجل مختصِراً.
(١) نوادر الأصول ص ١٨٤، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٢/ ٦٢٠. وفي إسناده الحكم بن
عبد الله بن سعد الأيلي، قال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال ابن معين: ليس بثقة،
وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب. الميزان ١/ ٥٧٢.
(٢) جاء في هامش(م): قيل هو فعل اليهود، وجاء النهي عنه لكن من طريق ضعيف، وقال
النووي: عندي أنه لا يُكره ما لم يخف ضرراً. انتهى. وربما يقال: إن فيه منعاً لتفريق
الذهن، فيكون سبباً لحضور القلب والخشوع، ولذا أفتى ابن عبد السلام بأنه أولى إذا
شَوَّشَ عدمُه خشوعَه أو حضورَ قلبه مع ربِّه عزَّ وجلَّ. اهـ منه.
(٣) الكشاف ٣/ ٢٥.
(٤) البحر ٣٩٥/٦.

الآية : ٢
١١
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
وفي ((المنهاج)) وشَرْحِهِ لابن حجر (١): ويُسنُّ الخشوعُ في كلِّ صلاته؛ بقلبه بأنْ
لا يُحْضِرَ فيه غيرَ ما هو فيه، وإِنْ تَعَلَّقَ بالآخرة، وبجوارحه بأنْ لا يعبث بأحدها .
وظاهرٌ أنَّ هذا(٢) مرادُ النوويِّ من الخشوع؛ لأنه سيذكر الأول بقوله: ويسنُّ دخولُ
الصلاة بنشاطٍ وفراغ قلبٍ، إلا أن يجعل ذلك سبباً له، ولذا خصَّه بحالة الدخول.
وفي الآية المرادُ كلٌّ منهما كما هو ظاهرٌ أيضاً، وكان سنَّةً لثناء الله تعالى في
كتابه العزيز على فاعِلِيه، ولانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه كما دلَّت عليه الأحاديثُ
الصحيحة(٣)، ولأنَّ لنا وجهاً اختاره جمعٌ، أنه شرطٌ للصحة لكنْ في البعض،
فيكره الاسترسالُ مع حديث النفس، والعبثُ كتسوية ردائه أو عمامته لغير ضرورةٍ
من تحصيلٍ سنَّةٍ أو دفعٍ مَضرَّةٍ، وقيل: يَحْرُمُ. اهـ.
وللإمام في هذا المقام كلامٌ طويلٌ مَن أراده فليَرْجِع إليه (٤).
وتقديم الظرف، قيل: لرعاية الفواصل. وقيل: ليقرِّبَ ذِكْرَ الصلاة مِن ذِكْرِ
الإيمان؛ فإنهما أخوان، وقد جاء إطلاقُ الإيمان عليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: للحصر، على معنى: الذين هم في جميع
صلاتهم دون بعضها خاشعون.
وفي تقديم وَصْفِهم بالخشوع في الصلاة على سائر ما يُذْكَرُ بعدُ ما لا يخفى من
التنويه بشأن الخشوع. وجاء أنَّ الخشوعَ أولُ ما يُرْفَعُ من الناس، ففي خبرٍ رواه
الحاكم وصحَّحه: أنَّ عبادة بن الصامت قال: يوشكُ أن تدخل المسجدَ فلا ترى
فيه رجلاً خاشعاً (٥).
(١) تحفة المحتاج بشرح المنهاج على هامش حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي ٢/ ١٠١.
(٢) أي: خشوع الجوارح، كما في حواشي الشرواني.
(٣) أخرج مسلم (٤٢٣) من حديث أبي هريرة ◌َبه قال: صلى بنا رسول اللهِ وَ ل﴿ يوماً، ثم
انصرف فقال: ((يا فلان، ألا تُحْسِنُ صلاتك؟ ألا ينظر المصلِّي إذا صلى كيف يصلي؟
فإنما يصلّي لنفسه ... )). وأخرج البخاري (٧٤٢)، ومسلم (٤٢٤) من حديث أنس ظُه عن
النبي ◌َّوقال: ((أقيموا الركوع والسجود ... )
(٤) ينظر تفسير الرازي ٧٧/٢٣-٧٩.
(٥) المستدرك ٩٩/١، وهو قطعة من حديث أبي الدرداء، وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٦٥٣)
وقال: حديث حسن غريب.

سُؤَّةُ المُؤْمنُونَ
١٢
الآية : ٣ - ٤
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمدُ في ((الزهد))، والحاكمُ وصحَّحه، عن حذيفة
قال: أولُ ما تفقدون من دينكم الخشوعُ، وآخِرُ ما تفقدون من دينكم الصلاةُ،
وتنتقضُ عُرَى الإسلام عروة عروة. الخبر(١).
﴿وَلَّذِيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾ وهو ما لا يعتدُّ به من الأقوال والأفعال، وعن ابن
عباس تفسيرُه بالباطل. وشاع في الكلام الذي يورَدُ لا عن رويةٍ وفكرٍ فيجري
مجرى اللغاءِ، وهو صوتُ العصافير ونحوِها من الطير.
وقد يُسمَّى كلُّ كلامٍ قبيح لغواً، ويقال فيه كما قال أبو عبيدة: لغوٌ ولَغاً، نحو
عيب وعاب، وأنشد:
عن اللَّغا ورَفَثِ التكلُّم (٢)
﴿مُعْرِضُونَ﴾ في عامة أوقاتهم؛ لما فيه من الحالة الداعية إلى الإعراض عنه،
مع ما فيهم من الاشتغال بما يعنيهم، وهذا أبلغ من أن يقال: لا يَلْهُونَ، من
وجوه: جَعْلُ الجملة اسميةً دالَّةً على الثبات والدوام، وتقديمُ الضميرِ المفيدُ لتقوِّي
الحكم بتكريره، والتعبيرُ في المسند بالاسم الدالِّ كما شاع على الثبات، وتقديمُ
الظرف عليه المفيدُ للحصر، وإقامةُ الإعراض مقامَ الترك ليدلَّ على تباعُدِهم عنه
رأساً مباشرةً وتسبُّباً وميلاً وحضوراً، فإنَّ أصله أن يكون في عُرْضٍ(٣) - أي
ناحيةٍ - غیرِ عُرْضِه.
الظاهرُ أنَّ المراد بالزكاة المعنى المصدريُّ - أعني
﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوِ فَعِلُونَ
التزكية - لأنه الذي يتعلَّق به فعلُهم، وأما المعنى الثاني وهو القَدْرُ الذي يُخْرِجُه
المزِّي، فلا يكون نفسُه مفعولاً لهم، فلا بد إذا أريد من تقديرِ مضافٍ، أي: لأداء
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣٨١/١٣-٣٨٢، والزهد لأحمد ص ٢٢٤، والمستدرك ٤٦٩/٤.
وقوله: وتنتقض عرى الإسلام .... ، لم يرد عند ابن أبي شيبة وأحمد.
(٢) في (م): التكليم، وهو تصحيف، والرجز للعجاج، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة
٧٠/١، وتهذيب اللغة ٧٧/١٥، والصحاح (رفث)، وتفسير الطبري ٢٣٠/٣ و٣٤/٤،
ومعاني القرآن للزجاج ٢٦٩/١، والمحتسب ٢٤٧/١، والخصائص ٣٣/١، وقبله:
وربِّ أسرابِ حجيجٍ كظّمٍ .
(٣) بضم فسكون. حاشية الشهاب ٦/ ٣٢٠.
.

الآية : ٤
١٣
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
الزكاة فاعلون، أو تضمينٍ ((فاعلون)) معنى: مؤدُّون، وبذلك فسَّره التبريزيُّ(١).
إلا أنه تعقِّبَ بأنه لا يقال: فعلتُ الزكاة، أي: أدَّيتُها .
وإذا أُريدَ المعنى الأولُ أدَّى وَصْفُهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريقِ الكناية
التي هي أبلغ، وهذا أحدُ الوجوه للعدول عن: والذين يزكُّون، إلى ما في النظم
الكريم.
وجميع ما مرَّ آنفاً في بيان أبلغية ((والذين هم عن اللغو معرضون)) من: والذين
لا يلهون، جارٍ هنا، سوى الوجهِ الخامس اتفاقاً، والرابع عند بعضٍ؛ لأنَّ المقدَّم
متعلّقٌ تعلُّق الجارِّ والمجرور بما بعده، كيف واللامُ زائدةٌ لتقوية العمل من وجهين:
تقديمِ المعمول، وكونِ العامل اسماً.
وقال بعضٌ آخَرُ(٢): يمكن جَرَيانُ مِثْلِهِ، حيث قدِّم المعمول مع ضَعْفِ عامله
لا للتخصيص بل لكونه مصبَّ الفائدة، ويجوز اعتبارُ التخصيص الإضافيِّ أيضاً
بالنسبة إلى الإنفاق فيما لا يليق.
ووَصْفُهم بذلك بعد وَصْفِهم بالخشوع في الصلاة؛ للدلالة على أنهم لم يَأْلُوا
جهداً بالعبادة البدنية والمالية، وتوسيطُ حديث الإعراض بينهما لكمالِ ملابَستِهِ
بالخشوع في الصلاة، وإلَّا فأكثرُ ما تُذْكَرُ هاتان العبادتان في القرآن معاً بلا فاصلٍ.
وعن أبي مسلم (٣) أنَّ الزكاة هنا بمعنى العملِ الصالح، كما في قوله تعالى:
﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً﴾ [الكهف: ٨١].
واختار الراغب(٤) أنَّ الزكاة بمعنى الطهارة، واللامُ للتعليل، والمعنى: والذين
يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكّيهم الله تعالى، أو ليزُوا أنفسهم.
ونقل نحوه الطيبيُّ عن صاحب ((الكشف)) فقال: قال صاحب ((الكشف)): معنى
الآية: الذين هم لأَجْلِ الطهارة وتزكية النفس عاملون الخيرَ، ويُرشِدُ إلى ذلك قولُه
(١) كما في البحر ٣٩٦/٦.
(٢) هو الشهاب في الحاشية ٣٢٠/٦.
(٣) كما في البحر ٣٩٦/٦.
(٤) في مفرداته (زكا)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦/ ٣٢٠.

سُؤَةُ المُؤْمنُونَ
١٤
الآية : ٤
وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَى﴾ [الأعلى: ١٤ -١٥] و﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ
تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَّلَّى
١٤
زَّكَّنِهَا﴾ [الشمس: ٩]، فإنَّ القرآن يفسِّر بعضه بعضاً، ولا ينبغي أن يُعْدلَ عن تفسير
بعضه ببعض ما أَمْگن.
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ اقتران ذلك بالصلاة ينادي على أنَّ المراد وصفُهم بأداء
الزكاة الذي هو عبادةٌ مالية. وتنظيرُ ما نحن فيه بالآيتين بعيدٌ لأنهما ليستا من هذا
القبيل في شيء.
وربما يقال: الفصلُ بينهما يُشْعِرُ بما اختاره الراغب ومَن حذا حذوه، وأيضاً
كونُ السورة مكيةً والزكاة فُرضَتْ بالمدينة يؤيِّدُهُ؛ لئلا يحتاج إلى التأويل بما مرَّ.
فتدبّر.
وأيًّا ما كان فالآيةُ في أعلى مراتبِ الفصاحةِ والبلاغة، وقولُ بعضٍ زنادقة
الأعاجم الذين حُرِموا ذَوْقَ العربية: أَلَا قيل: مؤدُّون، بدل: ((فاعلون))، مِن مَحْضٍ
الجهل والحماقةِ التي أَعْيَتْ مَن يداويها؛ فإنه لو فُرِضَ أنَّ القرآن - وحاشا لله
سبحانه - كلامُ النبيِّ وَّر فهو عليه الصلاة والسلام الذي مَخَضَتْ له الفصاحةُ
زُبْدَها، وأعطَتْه البلاغةُ مِقْودَها، وكان نَّهَ بين مَصَاقِعِ نقَّادٍ لم يألوا جهداً في طلبٍ
طَعْنٍ ليستريحوا به من طَعْنِ الصِّعاد(١)، وقد جاءَ نظيرُ ذلك في كلام أمية بن
أبي الصَّلْتِ قال:
المُطْعِمونَ الطعامَ في السَّنّةِ الـ
أزمة والفاعلون للزَّكَواتِ(٢)
ولم يَردَّ عليه أحدٌ من فُصحاءِ العرب ولا أَعابوه، واختار الزمخشريُّ في هذا
حَمْلَ الزكاة على العين(٣) وتقديرَ المضاف، دون الآية، وعلَّلَ بجَمْعِها وهو
إنما يكون للعين دون المصدر.
وتُعقِّبَ بأنه قد جاء كثيرٌ من المصادر مجموعةً كالظنون والعلوم والحلوم
(١) جمع صَعْدة، وهي القناة، وقيل: القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج إلى التثقيف. اللسان
(صعد).
(٢) ديوان أمية ص ٣٠.
(٣) يعني في بيت أمية، أما في الآية فقد اختار فيها الحمل على المعنى. الكشاف ٢٦/٣،
والفائق ١١٩/٢.

الآية : ٥ - ٦
١٥
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
والأشغال وغير ذلك. وهي إذا اختلفت(١) فالأكثرون على جوازٍ جَمْعِها، وقد
اختلفت هاهنا بحسب متعلقاتها؛ فإنَّ إخراجَ النقد غيرُ إخراج الحيوان، وإخراج
الحيوان غير إخراج النبات. فليحفظ.
إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
وَصْفٌ لهم بالعقَّة، وهو وإن استدعاه وَصْفُهم بالإعراض عن اللغو، إلَّا أنه
جيءَ به اعتناءً بشأنه. ويجوز أن يقال: إنَّ ما تقدَّم وإن استَدْعَى وَصْفَهم بأصل
العفة لكنْ جيءَ بهذا لِمَا فيه من الإيذان بأنَّ قوتهم الشهويةَ داعيةٌ لهم إلى
ما لا يخفى، وأنهم حافظون لها عن استيفاءِ مقتضاها، وبذلك يتحقَّقُ كمالُ
العقَّةِ.
واللامُ للتقوية كما مرَّ في نظيره، و((على)) متعلُّقٌ بـ ((حافظون)) لتضمينه معنى
مُمْسكون، على ما اختاره أبو حيان، والإمساكُ يتعدَّى بعلى كما في قوله تعالى
﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧](٢).
وذهب جمعٌ إلى اعتبار معنى النفي المفهوم من الإمساك ليصحَّ التفريغ، فكأنه
قيل: حافظون فروجَهُم لا يُرْسلونها على أحدٍ إلَّا على أزواجهم.
وقال بعضهم: لا يلزمُ ذلك لصحةِ العموم هنا، فيصُ التفريغ في الإيجاب.
وفي ((الكشف)): الوجهُ أن يقال: ما في الآية من قبيل: حَفِظْتُ على الصبيِّ
مالَه، إذا ضبطته (٣) مقصوراً عليه لا يتعدَّاه، والأصلُ: حافظون فروجَهم على
الأزواج لا تتعدَّاهن، ثم قيل: غير حافظين إلَّا على الأزواج، تأكيداً على تأكيدٍ،
وعلى هذا تضمينُ معنى النفي الذي ذكره الزمخشريُّ(٤) من السياق واستدعاءِ
الاستثناءِ المفرَّغ ذلك، ولم يؤخذ مما في الحفظ من معنى المنع والإمساك؛ لأنَّ
حرف الاستعلاءِ یمنعه. انتهى، وفيه ما فيه.
(١) في (م): اختلف، والمثبت من الأصل والبحر ٣٩٦/٦، وهو الصواب.
(٢) البحر ٣٩٦/٦.
(٣) في (م): ضبطه، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٦/ ٣٢٠.
(٤) في الكشاف ٢٦/٣.

سُؤَةُ المُؤْمنُون
١٦
الآية : ٥ - ٦
وياليت شعري كيف عَدَّ حَرْفَ الاستعلاء مانعاً عن ذلك، مع أنَّ كونَ الإمساكِ
ممَّا يتعدَّى به أمرٌ شائع؟!
وقال الفرَّاء وتبعه ابنُ مالك وغيرُه: إنَّ (على)) هنا بمعنى ((مِن))، أي: إلَّا مِن
أزواجهم، كما أنَّ ((مِن)) بمعنى ((على)) في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:
٧٧] أي: على القوم(١).
وقيل: هي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ضميرٍ ((حافظون))، والاستثناءُ مفرٌَّ
من أعمِّ الأحوال، أي: حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إلَّا حال كونهم والينَ
وقوَّامين على أزواجهم، من قولك: كان فلانٌ على فلانةٍ فمات عنها، ومنه قولُهم:
فلانة تحت فلانٍ، ولذا سمِّيت المرأة فراشاً.
أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ يدلُّ عليه ((غيرُ مَلُومِينَ))كأنه قيل: يُلامون إلَّ على
أزواجهم، أي: يلامون على كلِّ مباشر إلا على ما أُطلقَ لهم فإنَّهم غيرُ ملومين
عليه. وكلا الوجهين ذكرهما الزمخشريُّ (٢).
واعتُرض بأنهما متكلَّفان ظاهرٌ(٣) فيهما العجمة. وَأُوْرِدَ على الأخير أنَّ إثباتَ
اللَّومِ لهم في أثناء المدح غيرُ مناسبٍ، مع أنه لا يختصُّ بهم. وكونُ ذلك على
فرض عصيانهم وهو مثلُ قوله تعالى: (فَمَنِ أَنْتَغَى) إلخ، لا يدفعُه كما تُوهُّم.
ولا يجوز أن تتعلَّق بـ ((ملومين)) المذكورِ بعدُ؛ لما قال أبو البقاء(٤) من أنَّ
ما بعد ((إنَّ» لا يعمل فيما قبلها، وأنَّ المضاف إليه لا يعمل فيما قبله.
والمرادُ ممَّا ملكت أيمانُهم: السريَّات، والتخصيصُ بذلك للإجماع على عدم
حِلِّ وَظْءِ المملوك الذكر. والتعبيرُ عنهنَّ بـ ((ما)) على القول باختصاصها بغير
العقلاء؛ لأنهنَّ يُشْبِهْنَ السلع بيعاً وشراءً، أو لأنهنَّ لأُنوثتهنَّ المنبئةِ عن قلَّةِ عقولِهِنَّ
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣١/٢، ونقله المصنف عنه وعن ابن مالك بواسطة أبي حيان في
البحر ٣٩٦/٦.
(٢) في الكشاف ٢٦/٣.
(٣) في(م): ظاهراً. والمعترض هو أبو حيان، ينظر البحر ٣٩٦/٦، والدر المصون ٣١٨/٨.
(٤) في الإملاء ٥١/٤ .

الآية : ٥ - ٦
١٧
سُؤَرَّةُ الْمُؤْنُونَ
جارياتٌ مجرى غيرِ العقلاء، وهذا ظاهرٌ فيما إذا كنَّ مِن الجركس أو الروم أو
نحوهم، فكيف إذا كن من الزنج والحبش وسائر السودان، فلَعَمْري إنهنَّ حينئذٍ إن
لم يكنَّ مِن نوع البهائم فما نوعُ البهائم منهن ببعيد.
والآيةُ خاصَّةٌ بالرجال، فإن التَّسرِّيَ للنساء لا يجوزُ بالإجماع، وعن قتادة(١)
قال: تَسرَّتِ امرأةٌ غلاماً، فذُكرتْ لعمر ﴿به، فسألها: ما حَملكِ على هذا؟
فقالت: كنتُ أرى أنه يَحِلُّ لي ما يَحِلُّ للرجال من ملك اليمين. فاستشار عمر فيها
أصحاب النبيِّ وَّر، فقالوا: تأوَّلَتْ كتاب الله تعالى على غير تأويله. فقال له:
لا جَرَمَ لا أُحِلُّكِ لحرِّ بعده أبداً. كأنه عاقبها بذلك، ودرأ الحدَّ عنها، وأمر
العبدَ أنْ لا يَقْرَبَها .
ولو كانت المرأة متزوِّجةً بعبدٍ فملكته فأعتقته حالةَ الملكِ انفسخ النكاحُ عند
فقهاء الأمصار، وقال النخعيُّ والشعبيُّ وعبيد الله بنُ عبد الله بن عتبة: يبقيان على
نكاحهما(٢).
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُوبِينَ﴾ تعليلٌ لِمَا يفيدُه الاستثناء من عدم حِفْظِ فروجهم من
المذكورات، أي: فإنهم غيرُ ملومين على تَرْكِ حِفْظِها منهنَّ.
وقيل: الفاء في جواب شرطٍ مقدَّرٍ، أي: فإنْ بذلوا فروجهم لأزواجهم أو
إمائهم فإنَّهم غيرُ ملومين على ذلك.
والمراد بيانُ جنسٍ ما يَحِلُّ وطؤه في الجملة، وإلا فقد قالوا: يَحْرُمُ وَظْءُ
الحائضِ، والأَمَةِ إذا زوَّجَتْ، والمُظاهِرِ منها حتى يكفِّر، وهذا مُجْمَعٌ عليه.
وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين، وبين المملوكة وعمَّتها أو خالتها،
خلافٌ على ما في ((البحر))(٣)، وذكر الآمديُّ في ((الأحكام)) أنَّ عليًّا كرم الله وجهه
(١) جاء في حاشية (م): أخرجه عبد الرزاق. اهـ منه. وهو في مصنف عبد الرزاق (١٢٨١٨).
(٢) ذكر قولهم ابن عبد البر في الاستذكار ٣١٧/١٦ ثم قال: ولا يقول هذا أحد من فقهاء
الأمصار؛ لأنها بملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق، وإنما هو فسخ
للنكاح، وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد، ولو كانت في عدَّةٍ منه.
(٣) ٦/ ٣٩٧.

سُوَّةُ المؤمنُون
١٨
الآية : ٧
احتجَّ على جواز الجمع بين الأختين في الملك بقوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ
١٠
﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: المذكورِ من الحدِّ المتَّسع، وهو أربعٌ من الحرائر
وما شاء من الإماء. وانتصابُ ((وراء)) على أنه مفعولُ ((ابتغى))، أي: خلافَ ذلك،
وهو الذي ذهب إليه أبو حيان(٢).
وقال بعض المحققين: إنَّ ((وراء)) ظرفٌ لا يصلُحُ أن يكون مفعولاً به، وإنما هو
سادٌّ مسدّ المفعول به، ولذا قال الزمخشري: أي: فَمَنْ أَحْدَثَ ابتغاء وراء ذلك(٣).
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ الكاملون في العدوان المتناهون فيه، كما يشير إليه
الإشارةُ والتعريفُ وتوسيطُ الضمير المفيدُ لجَعْلِهِم جنسَ العادين أو جميعَهم. وفي
الآية رعايةُ لَفْظِ ((مَن)) ومعناها.
ويدخل فيما ((وراء ذلك)): الزنا، واللواط، ومواقعةُ البهائم، وهذا مما لا خلافَ
فيه .
واختلف في وَظْءِ جارية أبيحَ له وَطْؤُها، فقال الجمهور: هو داخلٌ فيما وراء
ذلك أيضاً فيَحْرُمُ، وهو قول الحسن وابن سيرين، وروي ذلك عن ابن عمر ـ
نا،
فقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عنه أنه سئل عن امرأةٍ أَحلَّتْ جاريتها
لزوجها، فقال: لا يَحِلُّ لك أن تطأ فرجاً - أي: غيرَ فَرْجِ زوجتك - إلا فرجاً إن
شئتَ بعتَ، وإن شئتَ وَهَبْتَ، وإنْ شِئْتَ أعتقت (٤).
وعن ابن عباس أنه غير داخلٍ فلا يحرم، فقد أخرج عبد الرزاق عنه ظلاله قال:
إذا أَحَلَّت امرأةُ الرجل أو ابنته أو أخته له جاريتها فَلْيُصِبْها وهي لها (٥).
(١) الأحكام ٢/ ٢٥٤، وفيه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣]. قال القرطبي ١٩٤/٦: ولم
يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول ... ، وينظر بقية كلامه ثمة.
(٢) في البحر ٦/ ٣٩٧.
(٣) الكشاف ٢٦/٣.
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٢٨٤٧)، وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر ٥/٥، وعنه نقل
المصنف.
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٢٨٥٢).

الآية : ٧
١٩
سُؤَدَةُ المُؤْنُونَ
وهو قول طاووس؛ أخرج عنه عبد الرزاق أيضاً أنه قال: هو أَحَلُّ من الطعام،
فإن وَلَدتْ فولدُها للذي أُحِلَّت له، وهي لسيدها الأول(١).
وأخرج عن عطاء أنه قال: كان يُفْعَلُ ذلك، يُحِلُّ الرجلُ وليدتَه لغلامه وابنه
وأخيه وأبيه، والمرأةُ لزوجها، وقد بلغني أنَّ الرجل يرسل وَليدتَه لصديقه(٢).
وإلى هذا ذهبت الشيعةُ، والآيةُ ظاهرةٌ في ردِّه؛ لظهور أنَّ المُعَارةَ للجماع
ليست بزوجةٍ ولا مملوكةٍ، وكذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣] فإنَّ السكوت في معرض البيان يفيد الحصر، خصوصاً إذا كان
المقام مقتضياً لذكر جميع ما لا يجبُ العدلُ فيه، وفي عدم وجوب العدل تكون
العاريَّةُ أقدمَ من الكلِّ؛ إذ لا يجب فيها إلَّا تحمُّلُ منّةٍ مالكِ الفرج فقط، وكذا قولُه
سبحانه: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
[النساء: ٢٥] فإنه لو جازت العاريَّة لما كان خوف العنت والحاجة إلى نكاح الإماء
وإلى الصبر على ترك نكاحهن متحقِّقاً، ونحوه قولُه سبحانه: ﴿وَلَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ نِكَمًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِةٍ﴾ [النور: ٣٣] فإنه لو كانت العاريَّة جائزةً لم يؤمر
الذين لا يجدون نكاحاً بالاستعفاف، ولعل الرواية السابقة عن ابن عباس غيرُ
صحيحة .
وكذا اختلف في المتعة فذهبت الشيعة أيضاً إلى جوازها، ويُرَدُّ عليهم بما ذكرنا
من الآيات الظاهرة في تحريم العاريَّة، وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ((ناسخه))
عن القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي محرَّمةٌ في كتاب الله تعالى،
الآية(٣).
٥٠
وتلا : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
وقرِّر وجهُ دلالة الآية على ذلك أنَّ المستمتَعَ بها ليست ملكَ اليمين ولا زوجةً،
فوجب أن لا تحلَّ له، أمَّا أنها ليست ملك اليمين فظاهرٌ، وأمَّا أنها ليست زوجةً له
(١) مصنف عبد الرزاق (١٢٨٥١).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٢٨٥٠)، وفيه - بعد قوله: والمرأة لزوجها - زيادة: وما أحب أن
يفعل ذلك، وما بلغني عن ثَبْتٍ.
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٤٠٣٦)، وعزاه لأبي داود السيوطي في الدر المنثور ٥/٥.

سُؤَدَّةُ المُؤْمنُونَ
٢٠
الآية : ٧
فلأنهما لا يتوارثان بالإجماع، ولو كانت زوجةً لحصل التوارُثُ؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢].
وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّ لهم أن يقولوا: إنها زوجةٌ يكشفُ الموت عن بينونتها
قبيله، كما أنها تَبِينُ بانقضاء الأجل قضاءً لحقِّ التعليق والتأجيل، وحاصلُه منع
استفسار في الملازمة، إن أُريدَ: لو كانت زوجةً حالَ الحياة، لم يُفِدْ، وإن أريد
بعد الموت فالملازمةُ ممنوعةٌ. فإن قيل: لا تَبينُ بالموت كالنكاح المؤبَّد. أجيب
بأنه قياسٌ في عينِ ما افترق النكاحان به، وهو فاسدٌ بالإجماع.
وتعقّب هذا شيخُ الإسلام لخفاءِ معناه عليه، بأنه ليس للترديد معنىّ محصّلٌ،
ولو قيل: إن أريد: لو كانت زوجةً حالَ الحياة فالملازمةُ ممنوعةٌ، وإن أريد بعد
الموت لم يُفِدْ، لكان له وجه. وقال هو في ردِّ الاستدلال: لهم أن يقولوا: إنها
زوجةٌ له في الجملة، وأمَّا أنَّ كلَّ زوجةٍ تَرِثُ فهم لا يسلِّمونه (١).
وقال بعضهم: الحقُّ أنَّ الآية دليلٌ على الشيعة؛ فإنَّ ظاهر كلامهم أنها ليست
بزوجة أصلاً حيث ينفون عنها لوازمَ الزوجية بالكلِّية، من العِدَّة، والطلاقِ،
والإيلاء، والظهار، وحصولِ الإحصان، وإمكان اللِّعان، والنفقةِ، والكسوةِ،
والتوارُثِ، ويقولون بجواز جَمْع ما شاء بالمتعة، ولا شكَّ أنَّ نفي اللازم دليلُ نَفْي
الملزوم.
وتعقّب: بأنَّ هذا حقٌّ لو سلِّم أنهم ينفُون اللوازمَ كلَّها، لكنه لا يسلّم، ونفيُّ
بعضٍ اللوازم لا يكفي في الردِّ عليهم إذا قالوا: إنَّ الزوجية قسمان: كاملةٌ وغيرُ
كاملة، إذ بنفي ذلك البعض إنما ينتفي القسم الأول وهو لا يضرُّهم.
وقيل: الذي يقتضيه الإنصافُ أنَّ الآية ظاهرةٌ في تحريم المتعة، فإنَّ المستَمْتَعَ
بها لا يقال لها زوجة في العرف، ولا يقصَدُ منها ما هو السرُّ في مشروعية النكاح
من التوالُد والتناسُل لبقاء النوع، بل مجرَّدُ قضاءِ الوطر وتسكينٍ دغدغة المنيِّ، ونحو
ذلك، وزُعِمَ أنه يتمُّ الاستدلال بالآية بهذا الطرزِ على التحريم، سواءٌ نُفيتِ اللوازمُ
أم لم تُنْفَ كما هو مذهبُ بعضِ القائلين بالحِلِّ، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى.
(١) تفسير أبي السعود ١٢٥/٦.