النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ٥٥
٣٨١
سُورَةُ الحِّة
على المدح في البين، كما لا يَخفى على مَن سَلِمَتْ عينُ قلبه عن الغينِ .
واعترض على الجواب الرابع: بأنَّ سجودَهم كان مع رسول الله وَّهِ آخِراً بَعْدَ
سماع قولِه تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطٍَّ﴾
[النجم: ٢٣] فكان ينبغي التنبيهُ بعد السجود، ولعلَّهم أَرجعوا ضميرَ ((هي)) للأسماء،
وهي قولهم: اللات والعزى ومناة، كما هو أحدُ احتمالين فيه
ذكرهما الزمخشريُ(١)، فيكون المعنى: ما هذه الأسماء إلا أسماء سمَّيتم بها
بهواكم وشهوتِكم، ليس لكم على صحّة التسمية بها برهانٌ تتعلَّقون به، وحينئذٍ
لا يكون فيه دليلٌ على ردِّ ما فهموه ممَّا أَلقى الشيطانُ مِن مدح آلهتِهم بأنَّها الغرانيقُ
العُلا، ويَحتمل أنَّهم أوَّلُوه على وجهٍ آخَر، وبابُ التأويل واسعٌ.
واعترض على قوله في الجواب الخامس: إنَّ هذا الاشتباه في حالة خاصَّة
للتأديب لا يقتضي أن يكون ◌َ﴿ على غير بصيرة فيما يُوحَى إليه في غير تلك
الحالة، بأنَّ المعترض لم يُرِدِ أنَّه إذا اشتبه الأمرُ عليه عليه الصلاة والسلام مرَّةً يَلزم
أن يكون على غيرٍ بصيرة فيما يُوحَى إليه في غيرها، بل أراد أنَّ اللائقَ بمقام
النبيِّ ◌َّهِ أن يكون على بصيرةٍ في جميع ما يُوحَى إليه، وأنَّه متى اشتبه عليه عليه
الصلاة والسلام في حالة مِن الأحوال، لم تَبْقَ الكُلِّيّةُ كُلِّيّةً، وهو خلافُ المراد.
وفي ((التنقيح)) أنَّ الوحيَ إِمَّا ظاهرٌ أو باطن، أمَّا الظاهر فثلاثةُ أقسام:
الأوَّل: ما ثبتَ بلسان المَلَك فوقع في سمعه وَّر بعد علمه بالمبلغ بآية قاطعةٍ،
والمراد بها كما قال ابنُ مَلَك: العِلْم الضرويُّ بأنَّ المبلِّغ مَلَكٌ نازل بالوحي مِن الله
تعالى، والقرآنُ مِن هذا القَبيل.
والثاني: ما وضح له وَلّ بإشارة المَلَك مِن غير بيانٍ بالكلام، كما قال عليه
الصلاة والسلام: ((إنَّ رُوْحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أنَّ نَفْساً لن تموتَ حتى تستكملَ
رِزْقَها)) الحديث(٢)، وهذا يُسمَّى خاطرَ المَلَك.
والثالث: ما تبدَّى لقلبه الشريف بلا شُبهة بإلهام مِن الله تعالى بأنْ أراهُ بنورٍ مِن
(١) الكشاف ٣١/٣.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٦٥) من سورة الكهف.

سُورَةُ الحَهُ
٣٨٢
الآية : ٥٥
عنده كما قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وكلُّ ذلك
حجَّة مطلقاً، بخلاف الإلهام للوليّ فإنَّه لا يكون حجَّةً على غيره، وأمَّا الباطنُ
فما يُنال بالرأي والاجتهاد، وفيه خلافٌ إلى آخرٍ ما قال، وهو ظاهر في أنه وَّ
على بصيرة في جميع ما يوحى إليه من القرآن؛ لأنه جعله من القسم الأول من
أقسام الوحي الظاهر، ويُعلَم منه عدمُ ثبوت تكلُّمه ◌َّهِ بما ألقى الشيطانُ؛ لأنَّه عند
زاعمه يكون قد اعتقدَه عليه الصلاة والسلام قرآناً ووحياً مِن الله تعالى، فيَجِبُ على
ما سمعتَ أن يكونَ عليه الصلاة والسلام قد عَلِمَ ذلك عِلْماً ضروريًّا، فحيث إنَّه
ليس كذلك في نفس الأَمْرِ يلزم انقلاب العِلْم جهلاً، واستثناءُ هذه المادة مِن
العموم ممَّا لا دليل عليه عند الزاعم سوى الخبرِ الذي زعم صحّته وبنى عليه تفسيرَ
الآية بما فسَّرها به، وذلك أوَّل المسألة.
ويجوز أن يقال: إنَّه أراد أنَّه إذا وَقَعَ الاشتباهُ مرَّة، اقتضى أن لا يكونَ عليه
الصلاة والسلام على بصيرةٍ في شيءٍ ممَّا يُوحَى إليه بَعْدُ؛ لأنَّ احتمالَ التأديبِ على
تعاطي ما ليس أكملَ بالنسبة إليه وَّرِ قائمٌ، والعصمة مِن ذلك ممنوعةٌ، فقد وقع
منه وَّهِ بَعْدَ هذه القصّة التي زعمها الخَصْمُ ما عُوتبَ عليه كقصَّة الأسرى المشار
إليها بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَشْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآية
[الأنفال: ٦٧]، وكقصَّة الإذن المشار إليها بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ
لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣]، وكقصَّة زينبَ ◌ّا المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ
◌ِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ
مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ودعوى أنَّ التأديبَ بذلك
على غيرِ التمنِّي ممَّا لا تقتضيه الحكمةُ، فلا يمكن وقوعُه مما لم يقم عليه دليلٌ،
وقصارى ما تفيده الآية أنَّ الإلقاءَ مشروط بالتمنِّ أو في وقته، بناءً على الخلاف
في أنَّ ((إذا)) للشرط أو لمجرَّد الظرفيَّة، وعند انتفاءِ ذلك الشرط أو عدم تحقّق ذلك
الوقت، يبقى الإلقاء على العدم الأصليِّ إنْ لم يكن هناك ما يقوم مقامَ ذلك
الشرط، أو ذلك الوقت.
ولا شكَّ أنَّ صدورَ خلافِ الأكمل لاسيَّما إذا كان کالتمنِّي أو فوقَه أو وقت
صدوره ممَّا يقوم مقامَ ذلك فيما يقتضيه، فيلزم حينئذٍ أن يكون ◌َّر في كلِّ وحي

الآية : ٥٥
٣٨٣
سُوَّةُ الحَة
متوقِّفاً غيرَ جازم بأنَّه وحي لا تلبيسٌ إلى أن يتضحَ له عليه الصلاة والسلام عدمُ
صدورٍ خلاف الأكمل بالنسبة إليه منه، وفي ذلك مِن البشاعة ما فيه.
واعترض على قوله في الجواب أيضاً: إنَّ ما قاله ابنُ العربيِّ قياسٌ مع
الفارق ... إلخ: بأنَّه غيرُ حاسم للقيل والقال، إذ لنا أن نقول: خلاصةُ ما أشار
إليه ابنُ العربيِّ أنَّه قد صحَّ بل تواترَ قولُهُ وَّهِ: ((مَن رآني في المنام فقد رآني حقاً؛
فإنَّ الشيطانَ لا يتمثَّل بي))(١) والظاهر أنَّه لا يتمثَّل به وَّ أصلاً لا للمخلصين
ولا لغيرِهم؛ لعمومِ ((مَن))، ولزوم مطابقةِ التعليل المعلَّل، وإذا لم يتمثَّل مناماً فَلأَن
لا يتمثَّل يقظةً مِن باب أَولى، وعلَّله الشُّرَّاح بلزوم اشتباهِ الحقِّ بالباطل.
وقالت الصوفيّة في ذلك: إنَّ المصطفى ◌َّهِ وإنْ ظَهَرَ بجميع أسماءِ الحقِّ تعالى
وصفاته تخلُّقاً وتحقُّقاً، فمقتضى رسالتِه للخَلْق أن يكون الأظهر فيه حكماً وسلطنةً مِن
صفات الحقِّ سبحانه وأسمائه جلَّ شأنه الهداية والاسم الهادي، والشيطان مَظهر
الاسم المُضِلِّ والظاهر بصفة الضلالة، فهما ضدَّان فلا يَظهرُ أحدُهما بصفةِ الآخَر،
والنبيُّ بَّهِ خُلِقَ للهداية، فلو ساغَ ظهورُ إبليس بصورته لزالَ الاعتمادُ عليه عليه
الصلاة والسلام، فلذلك عُصِمَتْ صورتُهُ وَّهِ عن أن يَظهر بها شيطانٌ. اهـ. ولا شَكَّ
أنَّ نسبةَ جبريل عليه السلام إليه وَّهِ وكذا إلى سائِر إخوانه الأنبياء عليهم السلام نسبةٌ
النبيِّ وَّةٍ إلى الأمَّة، فإذا استحالَ تمثُّل الشيطانِ بالنبيِّ وَّهِ يقظةً أو مناماً لأحدٍ مِن
أمَّته مُخْلِصاً أو غير مُخلِص؛ خوفَ الاشتباه وزوالِ الاعتماد وكمالِ التضادِّ، فليقل
باستحالة تمثِّله بجبريل عليه السلام لذلك، ومَن ادَّعى الفَرْقَ، فَقَدَ كابر.
وتعقّب ما ذكره في الجواب السادس بأنَّ كونَ المتتبع لما يعتقده وحياً للتلبيس
غير منقول، صحيحٌ إلا أنَّ القولَ باعتقاد ما ليس قرآناً قرآناً للتلبيس الناشئٍ عن
إرادةِ التأديب بسبب تمنِّي إيمان الجميع الغيرِ المراد له تعالى ليس به، وكون
التلبيس للتأديب كالسهو في الصلاة للتشريع، ولا يخفى ما فيه.
وأورد على قوله في الجواب السابع: إنَّه إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذينِ
أوتوا العِلْم والذين آمنوا؛ لأنَّ وثوقَ كلِّ منهما تابعٌ لوثوق مَتبُوعهم الصادق
(١) أخرجه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦)، وسلف ١٤٠/١٠.

سُورَةُ الحِه
٣٨٤
الآية : ٥٥
الأمين ﴿ أَنَّه إذا فتح باب التلبيس لا يُوثَق بالوثوق في شيء أصلاً؛ لجواز أن
يكون كلُّ وثوقٍ ناشئاً عن تلبيس، كالوثوق بأنَّ: تلك الغرانيقَ العُلا وإنَّ شفاعتهن
لتُرتَجى، قرآن، فلمَّا تطرَّق الاحتمال الوثوقَ، جاز أن يتطرّق الرجوع، ولا يظهر
فَرْقٌ بينهما، فلا يعوَّل حينئذٍ على جَزْمٍ ولا على رجوع.
وقوله فيما ذكره البيضاويُّ عليه الرحمةُ: ليس بشيءٍ. ليس بشيءٍ؛ لأنَّ مَنْعَ
الاحتمالِ عند الفِرَقِ الأربع بعد القولِ بجواز التلبيس مكابرةٌ، والآية التي ادّعى
دلالتها على انتفاء الاحتمال عند فريقين بعد النَّسْخ والإحكام فيها أيضاً ذلك
الاحتمال، والحقُّ أنَّه لا يكادُ يُفتَح بابُ قَبول الشرائع ما لم يُسَدَّ هذا الباب.
ولا يجدي نفعاً كون الحكمة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[الحجرات: ٨] آبيةٌ عن بقاء التلبيسِ، فلا أقلَّ مِن أن يتوقّف قَبولُ معظم ما يجيء به
النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلى أن يتبيَّن كونه ليس داخلاً في باب التلبيسٍ، مع أنَّا
نرى الصحابة ﴿ يُسارِعون إلى امتثال الأوامر عند إخبارِهِ وَّهِ إِيَّاهم بوحي اللهِ
تعالى إليه بها مِن غير انتظارٍ ما يَجيْءُ بعد ذلك فيها ممَّا يُحقِّق أنَّها ليست عن
تلبيسٍ، فافهم والله تعالى الموفق.
وتوسَّط جَمْعٌ في أَمْرِ هذه القصَّة فلم يُثبِتوها كما أَثبتها الكورانيُّ - عفا الله
تعالى عنه - مِن أَنَّه ◌ِ لِهِ نَطَقَ بما نَطَقَ عمداً معتقداً للتلبيس أنَّه وحيٌّ، حاملاً له على
خلافٍ ظاهره، ولم يَنْفُوها بالكليّة كما فَعَلَ أَجلَّة أثبات، وإليه أَميلُ، بل أَثبتوها
على وجهٍ غيرِ الوجه الذي أثبته الكورانيُّ، واختلفوا فيه على أوجهٍ تُعلَم مما أَسلفناه
من نقل الأقوال في الآية، وكلُّها عندي ممَّا لا ينبغي أن يُلتَفت إليها .
وفي ((شرح الجوهرة)) الأوسط: إنَّ حديثَ: تلك الغرانيق إلخ، ظاهرُه مخالفٌ
للقواطع، فيجب تأويلُه - إن صحَّ - بما هو مذكورٌ في موضعه ممَّا أقرّ به على نظرٍ فيه
أنَّ الشيطانَ ترصَّد قراءتَه عليه الصلاة والسلام وكان يُرتِّل القراءةَ إذ ذاك عند البيتِ،
فحين انتهى عليه الصلاة والسلام إلى قوله تعالى: ﴿أَفَّهَيْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى جَ وَمَنَوَةً
﴾ وكان منه عليه الصلاة والسلام وقفةٌ ما للترتيل، أدرج ذلك في
الثَِّثَةَ الْأُخْرَّ
تلاوته محاكياً صورته وَّله، فظنَّ أنَّه من قوله عليه الصلاة والسلام، وليس به. انتهى.
والنظر الذي أَشار إليه لا يَخفى على مَن أحاط بما قدَّمناه خبراً وأخذتِ العنايةُ بيديه.

الآية : ٥٦
٣٨٥
سُورَةُ الحَّةُ
وأَقبحُ الأقوال التي رأيناها في هذا الباب وأظهرُها فساداً أنَّه ◌َلِّ أدخل تلك
الكلمةَ مِن تلقاء نفسه؛ حرصاً على إيمانِ قومه ثم رَجَعَ عنها، ويجب على قائلٍ
ذلك التوبةُ، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]،
وقريبٌ منه ما قيل: إنَّها كانت قرآناً منزلاً في وَصْفِ الملائكة عليهم السلام، فلمَّا
توهّم المشركونَ أنَّه يريد عليه الصلاة والسلام مَدْحَ آلهتِهم بها، نُسِخَتْ، وأنتَ
تَعلمُ أنَّ تفسيرَ الآية - أعني قوله تعالى: ((وما أرسلنا)» إلخ لا يتوقَّف على ثبوتٍ
أصلٍ لهذه القصَّة، وأَقربُ ما قيل في تفسيرِها على القول بعدم الثبوت ما قدَّمناه،
وقيل: هو بعيدٌ، صدقوا لكن عن إيهام الإخلال بمقام النبوَّة ونحو ذلك، واستفتٍ
قَلْبَكَ إن كنتَ ذا قلبٍ سليم. هذا، وأخرجَ عبدُ بنُ حميد، وابنُ الأنباريِّ في
((المصاحف)) عن عمرو بن دينار قال: كان ابنُ عباس ◌ًَّا يقرأ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾، فنُسِخَ: ((ولا محدّث)) والمحدَّثون: صاحبُ يس،
ولقمان، ومؤمن آلٍ فرعون، وصاحبُ موسى عليه السلام.
﴿ الْمُلْكُ﴾ أي: السلطانُ القاهر والاستيلاءُ التامُّ والتصرُّف على الإطلاق
﴿يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يوم إذ تأتيهم الساعةُ أو عذابها؛ وقيل: أي يوم إذ تزولُ مريتهم،
وليس بذلك، ومثله ما قيل: أي يوم إذ يؤمنون ﴿لِلِّ﴾ وحدَه بلا شريك أصلاً بحيث
لا يكون فيه لأحدٍ تصرُّف مِن التصرفات في أمرٍ مِن الأمور لا حقيقةً ولا مجازاً
ولا صورةً ولا معنىّ كما في الدنيا، فإنَّ للبعض فيها تصرُّفاً صوريًّا في الجملة
والتنوين في ((إذ)) عوض عن المضاف إليه، وإضافة ((يوم)) إليه مِن إضافة العامِّ إلى
الخاصِّ وهو متعلِّق بالاستقرار الواقع خبراً.
وقوله سبحانه: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ جملةٌ مستأنفة وقعتْ جوابَ سؤالٍ نَشَأ مِن
الإخبار بكون الملك يومئذٍ لله، وضميرُ الجَمْع للفريقَيْن المؤمنين والكافرين
لِذِكْرهما أوَّلاً واشتمالِ التفصيل عليهما آخِراً، نعم ذكر الكافرين قبيله ربّما يُوهِم
تخصيصَه بهم، كأنَّه قيل: فماذا يصنعُ سبحانه بالفريقين حينئذٍ؟ فقيل: يَحكُم بينهم
بالمجازاةٍ، وجوّز أن تكون حالاً مِن الاسم الجليل.
﴿فَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ وهم الذين لا مريةَ لهم فيما أشير إليه
سابقاً كيفما كان متعلَّق الإيمان ﴿فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾﴾ أي: مستقرُّون في جنَّات

سُورَةُ الحِ﴾
٣٨٦
الآية : ٥٧
مشتملةٍ على النِّعَم الكثيرة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾ وهم الذين لا يزالون في
مريةٍ مِن ذلك، وفي متعلَّق الكفر احتمالات كاحتمالات متعلَّق الإيمان وزيادة،
وهي احتمال أن يكونَ متعلَّقه الآياتُ، والظاهر أنَّ المرادَ بها الآيات التنزيلية،
وجوّز أن يُراد بها الأدلَّة وأن يراد بها الأعمُّ، ويتحصَّل ممَّا ذُكِرَ خمسةَ عَشَرَ
احتمالاً في الآية، ولعلَّ أولاها ما قَرُبَ به العطف إلى التأسيس، فتأمَّل.
والموصول مبتدأٌ أوَّل، وقوله تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ مبتدأٌ ثانٍ، وهو إشارة إلى
الموصول باعتبار اتِّصافه بما في حيِّز الصلة، وما فيه مِن معنى البعد؛ للإيذان ببعد
المنزلة في الشَّرِّ والفساد.
وقوله سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ جملة اسميَّة مِن مبتدأ وخبرٍ مقدَّم عليه، وقعت
خبراً للمبتدأ الثاني، أو (لهم)) خبرٌ له، و((عذاب)) مرتفعٌ على الفاعليَّة بالاستقرار في
الجارِّ والمجرور؛ لاعتماده على المبتدأ، وجملة المبتدأ الثاني وخبرِه خبرٌ للمبتدأ
الأوَّل، وتصديره بالفاء؛ قيل للدلالة على أنَّ تعذيبَ الكفَّار بسبب قبائحِهم، ولذا
چيءَ بـ ((أولئك)).
وقيل: لهم عذابٌ بلام الاستحقاقِ، وكأن الظاهر في ((عذاب)) كما قيل ((في
جنَّات))، وجُعِلَ تجريدُ خبرِ الموصول الأوَّل عنها؛ للإيذان بأنَّ إثابةَ المؤمنين بطريق
التفضُّل لا لإيجاب محاسنِهم إيَّهم، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُّ غَيُّ
تَنُونٍ﴾ [التين: ٦] ونحوه؛ لأنَّها بمقتضى وَعْدِه تعالى على الإثابة عليها قد تُجعَل سبباً،
وقيل: جيْءَ بالفاء؛ لأنَّ الكلامَ لخروجه مَخْرج التفصيل بتقدير أمَّا، فكأنَّه قيل: فأمَّا
الذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا فأولئك ... إلخ، وليس بشيءٍ؛ لأنَّ ذلك يقتضي تقدير أمَّا
في قوله تعالى: ((فالذين آمنوا)) إلخ، ولا يتسنَّى فيه؛ لعدم الفاء في الخبر.
وقوله تعالى: ﴿قُهِينٌ ﴾﴾ صفةٌ لعذاب مؤكِّدة لما أفاده التنوينُ مِن
الفخامة، ولم يتعرَّض لوصف هؤلاء الكفرة بعملِ السيئات كما تعرَّض لوصف
المؤمنين بعملِ الصالحات، قيل: لظهور عدم اتِّصافهم بغيره، أعني: العمل
الصالح الذي شرعه اللهُ تعالى على لسانِ الرسول عليه الصلاة والسلام بعد كُفرِهم
وتكذيبهم بالآيات، وقيل: مبالغة في تهويل أَمْرِ الكفر حيث أخبر سبحانه أنَّ
للمتَّصف به دونَ عمل السيئات عذاباً مهيناً، ولو تعرَّض لذلك لأفاد أنَّ ذلك

الآية : ٥٨
٣٨٧
سِوَرَةَ الحَّى
العذابَ للمثَّصف بالمجموع فيَضعفُ التهويلُ، والقول بأنَّ المرادَ مِن التكذيب
بالآيات عملُ السيئات، أو في الكلام صنعة الاحتباك، والأصل: فالذين آمنوا
وصدَّقوا بآياتنا وعملوا الصالحات في جنَّات النعيم، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا
وعملوا السيئاتِ فأولئك لهم عذاب مهينٌ، خلافُ الظاهر كما لا يخفى.
﴿وَلَّيْنَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد حسبما يَلوحُ به قولُه تعالى:
﴿ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾ أي: في تضاعيف المهاجرة.
وقرأ ابنُ عامر: ((قُتِلوا))(١) بالتشديد، ومحلُّ الموصول الرفعُ على الابتداء،
وقولُه تعالى: ﴿لَيَرْزُقَّنَّهُمُ اللَّهُ﴾ جوابٌ لِقَسَم محذوف، والجملة خبرُه على الأصحِّ
مِن جواز وقوعِ القَسَم وجوابِهِ خبراً، ومَن مَنَعَ، أضمر قولاً هو الخبر، والجملة
محكيَّة به، وقوله سبحانه: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ إمَّا مفعولٌ ثانٍ ليرزق على أنَّه من بابٍ
النقض(٢) والذبح، أي: مرزوقاً حسناً، أو مصدر مبيِّن للنوع، والمراد به عند بعضٍ
ما يكون للشهداء في البرزخ من الرزق، ويؤيِّده ما أخرجه ابنُ أبي حاتم، وابن
مردويه، عن سلمان الفارسيِّ رَُّه قال: سمعتُ رسولَ الله وَّلَه يقول: ((مَن ماتَ
مرابطاً، أُجريَ عليه الرزقُ وأُمِنَ مِن الفتَّانين، واقرؤوا إن شئتم: (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ) إلى قوله تعالى: (حَلِيمٌ)(٣)) وقد نصَّ سبحانه
في آية أخرى على أنَّ الذين يُقتَلون في سبيل الله تعالى أحياء عند ربِّهم يُرزقون،
وليس ذلك في تلك الآية إلا في البَرْزخ. وقال آخرون: المراد به ما لا يَنقطع أبداً
مِن نعيم الجنَّة. ورُدَّ بأنَّ ذلك لا اختصاصَ له بمن هاجر في سبيل الله، ثم قتل أو
مات، بل يكون للمؤمنين كلِّهم.
وتُعقِّب بأنَّ عدمَ الاختصاص ممنوعٌ، فإنَّ تنكيرَ ((رزقاً)) يجوز أن يكون للتنويع،
ويختصُّ ذلك النوع بأولئك المهاجرين، وقيل: المراد تشريفُهم وتبشيرُهم بهذا
الوَعْدِ الصادر ممَّن لا يُخلفِ الميعادَ المقترن بالتأكيد القَسَميِّ، ويكفي ذلك في
تفضيلهم على سائر المؤمنين كما في المبشَّرين مِن الصحابة ﴿ه، وفيه نَظَرٌ.
(١) التيسير ص٩١، والنشر ٢٤٣/٢.
(٢) في تفسير أبي السعود ١١٦/٦: الرعي، والكلام منه.
(٣) الدر المنثور ٣٦٨/٤-٣٦٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠٣/٨ (١٤٠١٠).

سُورَةُ الحِه
٣٨٨
الآية : ٥٨
وقال الكلبيُّ: هو الغنيمة، وقال الأَصَمُّ: هو العِلْم والفَهْم، كقولٍ شعيب عليه
السلام: ﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] ويَرِدُ عليهما أنَّه تعالى جَعَلَ هذا الرزقَ
جزاءً على قَتْلهم أو موتهم في تضاعيف المهاجرة في سبيل الله تعالى، فلا يصحُّ أن
يكون في الدنيا، ولعلَّ قائل ذلك يقول: إنَّه في الآخرة، وفيها تتفاوت مراتبُ العِلْم
أيضاً .
وظاهرُ الآية على ما قيل: استواءُ مَن قُتِلَ ومَن مات مهاجراً في سبيل الله تعالى
في الرُّتبة، وبه أَخذ بعضُهم، وذكر أنَّه لما مات عثمانُ بنُ مظعون وأبو سلمةَ بنُ
عبدِ الأسد قال بعضُ الناس: مَن قُتْلَ مِن المهاجرين أفضلُ ممَّن مات حَتْفَ أنفِه،
فنزلت الآيةُ مسوِّيةً بينهم(١) .
وأخرج ابنُ جرير، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم عن فضالَةٍ بنِ عبيد الأنصاريِّ
الصحابيِّ أنَّه كان بموضع فمرُّوا بجنازتَيْن؛ إحداهما قتيلٌ والأُخرى متوقّى، فَمالَ
الناسُ على القتيل في سبيلِ الله تعالى، فقال: واللهِ ما أُبالي مِن أَيِّ حفرتَيْهما بُعِثْتُ،
اسمعوا كتابَ الله تعالى، فقال: (وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ
مَاتُواْ) الآية (٢).
ويؤيّد ذلك بما رويَ عن أنسٍ قال: قال رَّهِ: ((المقتولُ في سبيلِ الله تعالى
والمتوقَّى في سبيلِ الله تعالى بغيرِ قتلِ هما في الأَجْرِ شريكان))(٣). فإنَّ ظاهرَ
الشركةِ يُشعِر بالتسوية، وظاهر القول بالتسوية أنَّ المتوقَّى مهاجراً في سبيل الله
تعالى شهيداً كالقتيل، وبه صرَّح بعضُهم، وفي ((البحر))(٤): إنَّ التسويةَ في الوعَدْ
بالرِّزْق الحَسَن لا تدلُّ على تفضيلٍ في المُعطَى ولا تسوية، فإنْ يكن تفضيلٌ فمِن
دليلٍ آخَرِ، وظاهرُ الشريعة أنَّ المقتولَ أَفضلُ. انتهى. وما تقدَّم في سبب النزول
غيرُ مُجمَع عليه، فقد روي أنَّ طوائفَ مِن الصحابة ﴿ه قالوا: يا نبيَّ اللهِ هؤلاء
(١) المحرر الوجيز ٤ /١٣٠.
(٢) الدر المنثور ٣٦٩/٤، وتفسير الطبري ٦١٩/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠٣/٨
(١٤٠١١).
(٣) تفسير الرازي ٥٨/٢٣، وتفسير اللباب لابن عادل ١٣٢/١٤، ولم نقف عليه مسنداً.
(٤) البحر المحيط ٣٨٣/٦.

الآية : ٥٩
٣٨٩
سُورَةُ الحَّةُ
الذين قُتلوا قد عَلِمْنا ما أعطاهم اللهُ تعالى مِن الخير، ونحن نجاهدُ معكَ
كما جاهدوا، فما لنا إنْ مُتْنَا معكَ؟ فنزلت. واستدلَّ بعضُهم بهذا أيضاً على
التسوية، وقال مجاهد: نزلت في طوائفَ خرجوا مِن مَّة إلى المدينة للهجرة،
فتَبِعَهم المشركونَ وقاتلوهم. وعلى هذا القول ليس المرادُ مِن المهاجرة في سبيله
تعالى المهاجرةَ في الجهاد، وأيًّا ما كان فهذا ابتداءُ كلامٍ غيرِ داخل في حيِّز
التفضيل. ويُوهِم ظاهرُ كلام بعضهم الدخولَ، وأنَّه تعالى أَفَرَدَ المهاجرينَ بالذِّكر
مع دخولهم دخولاً أوليًّا في الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ تفخيماً لشأنِهم، وهو
فإنَّه جلّ وعلا یَرزقُ بغير حساب
٥٨
كما ترى ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ
مع أنَّ ما يرزقه قد لا يَقدِرُ عليه أحدٌ غيره سبحانه، وأنَّ غيرَه تعالى إنَّما يرزقُ ممَّا
رَزَقه هو جِلَّ شأنه.
واستدلَّ بذلك على أنَّه قد يُقال لغيرِه تعالى: رازق، والمراد به معطي،
والأَولى عندي أنْ لا يُطلَق رازقٌ على غيرِه تعالى، وأن لا يتجاوزَ عمَّا ورد.
وأمَّا إسناد الفعل إلى غيرِه تعالى، كـ : رَزَقَ الأميرُ الجنديَّ، وأَرزق فلاناً مِن
كذا، فهو أهونُ مِن إطلاق رازق، ولعلَّه ممَّا لا بأسَ به، وصرَّح الراغبُ(١) بأنَّ
الرَّزَّاقَ لا يُقال إلا للهِ تعالى، والجملة اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّر لما قبله.
وقوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ استئنافٌ مقرِّر لمضمونِ قولهِ
سبحانه: ((ليرزقنَّهم الله)) أو بدلٌ منه مقصود منه تأكيدُه، و((مُدخَلاً)) إمَّا اسم مكانٍ
أُريد به الجنَّة، كما قال السُّدِّيُّ وغيرُه، أو درجاتٌ فيها مخصوصة بأولئك
المهاجرينَ كما قيل، وقيل: هو خيمةٌ مِن دُرَّةٍ بيضاءَ لا فصمَ فيها ولا وصمَ،
لها سبعونَ ألف مصراعٍ، أو مصدر ميميٍّ، وهو على الاحتمال الأوَّل مفعولٌ ثانٍ
للإدخال، وعلى الثاني مفعولٌ مُطلَق، ووصفه بـ يرضونه على الاحتمالين لما أنَّهم
يَرَوْن إذا أدخلوا مالا عينٌ رَأتْ ولا أُذُنُ سَمعتْ ولا خَطَر على قَلْبٍ بشرٍ، وقيل
على الثاني: إنَّ رضاهم لما أنَّ إدخالَهم مِن غير مشقَّة تنالهم، بل براحةٍ
واحترام.
(١) المفردات (رزق).

سُورَةُ الحِهُ
٣٩٠
الآية : ٦٠
وقرأ أهلُ المدينة: ((مَدْخَلاً)) بالفتح، والباقون بالضَّمِّ(١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمُ﴾
بالذي يُرضِيهم فيعطيهم إِيَّه، أو لَعليمٌ بأحوالهم وأحوالِ أعدائهم الذين هاجروا
لجهادهم ﴿حَلِيمٌ ﴾﴾ فلا يُعاجِل أعداءهم بالعقوبة، وبهذا يظهر مناسبة هذا
الوصفِ لما قبله، وفيه أيضاً مناسبةٌ لما بعد ﴿ذَلِكَ﴾ قد حقِّق أَمرُه ﴿وَمَنْ عَاقَبَ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: مَن جازى الجاني بمثلِ ما جنى به عليه، وتسمية ما وَقَعَ
ابتداءً عقاباً مع أنَّ العقابَ كما قال غيرُ واحد جزاءُ الجناية؛ لأنَّه يأتي عَقِبَها وهو
في الأصل شيءٌ يأتي عَقِبَ شيءٍ؛ للمشاكلة، أو لأنَّ الابتداءً لما كان سبباً للجزاء،
أطلق عليه مجازاً مرسلاً بعلاقة السببيَّة، وقال بعضُ المحقّقين: يجوز أن يقال:
لا مشاكلةَ ولا مجازَ؛ بناءً على أنَّ العُرْفَ جارٍ على إطلاقه على ما يعذّب به، وإن
لم يكن جزاء جناية. و((من)) موصولة، وجوّز أن تكون شرطيَّة سدَّ جوابُ القَسَم
الآتي مَسَدَّ جوابِها، والجملةُ مستأنفة، والباء في الموضعين، قيل للسبب لا للآلةِ،
وإليه ذهب أبو البقاء(٢)، وقال الخفاجيّ(٣): باءُ ((بمثل)) آليَّة لا سببيَّة؛ لئلا يتكرَّر
مع قوله تعالى: ((به)) والمنساقُ إلى ذهني القاصر كونها في الموضعين للآلة،
وفيما ذكره الخفاجيُّ نَظَرٌ، فتأمَّل.
﴿ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العقاب ﴿لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ على مَن بَغَى عليه
تعليلٌ للنُصرة حيث
لا محالة عند كره للانتقام منه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ ﴾﴾
كانت لمن ارتكبَ خلافَ الأَولى مِن العفوِ عن الجاني المندوبِ إليه والمستوجبِ
للمَدْحِ عنده تعالى، ولم يَنظُرْ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُُّ عَلَى الَّهِ﴾.
[الشورى: ٤٠]، ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَّ وَغَفَرَ إِنَّ
ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] بأنَّ ذلك لأنَّه لا يلوم على تَرْكِ الأَولى إذا رُوعيَ
الشريطة وهي عدمُ العدوان، وفيه تعريضٌ بمكان أوَّلَيَّة العفوِ، لأنَّ ذِكْرَ الصفتَيْن يدلُّ
على أنَّ هناك شبهُ جناية، وإظهارُ الاسم الجليل في مقام الإضمار؛ للإشارة إلى أنَّ
ذلك مِن مقتضى الألوهيَّة.
(١) التيسير ص٩٥، والنشر ٢٤٩/٢.
(٢) الإملاء ٤ /٤٦ .
(٣) حاشية الشهاب ٣٠٩/٦.

الآية : ٦٠
٣٩١
سُوَّةُ الحَّةُ
وحَمْلُ الجملةِ على ما ذكرَ أحدُ أوجهٍ ثلاثة ذَكَرها الزمخشريٌّ(١) في بيان
مطابقةِ ذِكْر العفوِ الغفورَ هذا الموضع.
وثانيها: أنَّه دلَّ بذلك على أنَّه تعالى قادرٌ على العقوبة؛ لأنَّه لا يُوصَف بالعفوِ
إلا القادر على ضدِّه.
قال في ((الكشف)): فهو، أي: ((إنَّ اللهَ)) ... إلخ، على هذا أيضاً تعليلٌ
للنُصرة، وأنَّ المعاقَبَ يستحقُّ فوقَ ذلك، وإنَّما الاكتفاءُ بالمِثْل لمكان عَفْوِ الهِ
تعالى وغفرانِه سبحانه، وفيه إدماجٌ أيضاً للحَثِّ على العَفْو، وهذا وجهٌ وجيه. اهـ.
وثالثها: أنَّه دلَّ بذلك على نفي اللوم على تَرْكِ الأَولى حسبما قرَّر أوَّلاً إلا أنَّ
الجملةَ عليه خبر ثانٍ، لقوله تعالى: ((مَن عاقبَ بمِثْل ما عُوقبَ به))، والخبر الآخَر
قولُه تعالى: ((ليَنْصرَّه اللهُ) فيكون قد أخبرَ عنه بأنَّه لا يلومه على تَرْكِ العفو، وأنَّه
ضامنٌ لنَصْره في إخلاله ثانياً بذلك.
وجعل ذلك بعضُهم مِن التقديم والتأخير، ولا ضرورةَ إليه، وقيل: إنَّ العفوَ
ليس لارتكاب المعاقَب خلافَ الأَولى، بل لأنَّ المماثلةَ مِن كلِّ الوجوه متعسِّرة،
فيحتاج للعفو عمَّا وقع فيها، وليس بذاك. ونقل الطيبيُّ عن الإمام(٢) أنَّ الآيةَ نزلت
في قومٍ مشركين لَقُوا قوماً مِن المسلمين لليلتَيْن بقيتا مِن المُحرَّم، فقالوا: إنَّ
أصحاب محمَّد ◌َّهِ يكرهونَ القتالَ في الشهرِ الحرام، فاحْمِلُوا عليهم، فناشدهم
المسلمونَ بأَنْ يكفُّوا عن القتالِ، فَأَبَوْا، فقاتلوهم فنُصِرَ المسلمون ووقع في أنفسهم
شيءٌ مِن القتال في الشهر الحرام، فأنزل اللهُ تعالى الآيةَ، ثم قال: فعلى هذا أَمْرُ
المطابقة ظاهرٌ، ويكون أوفقَ؛ لتأليف النظم، وذلك أنَّ لفظَة ((ذلك)) فصل
للخطاب، وقوله تعالى: ((ومن عاقب)) شروعٌ في قصَّة أُخرى لأولئك السادة بَعْدَ
قوله سبحانه: ((والذين هاجروا)) الآيتين. اهـ.
وتعقّب بأنَّ الآيةَ تقتضي ابتداءً ثُمَّ جزاءً ثم بغياً ثم جزاءً، والقصَّة لم تدلَّ عليه
إلا أن يُجعَل ما بينهم من التعادي معاقبة بالمِثْل، ويُجعَل البغي مناوأتهم لقتالِ
(١) الكشاف ٣/ ٢٠.
(٢) تفسير الرازي ٥٩/٢٣.

سُورَةُ الحِہ
٣٩٢
الآية : ٦١
المسلمين في الشهر الحرام، وهو خلافُ الظاهر، وأمَّا الموافقةُ لتأليفِ النظم، فعلى
ما ذكره غيرُه أبين؛ لأنَّه لما ذَكَرَ حالَ المقتولين منهم والميِّتِين منهم، قيل الأَمْرُ ذلك
فيما يرجعُ إلى حالِ الآخرة، وفيما يَرجعُ إلى حال الدنيا إنَّهم لهم المنصورونَ؛ لأنَّهم
بين معاقِب وعافٍ، وكلاهما منصوران؛ أمَّا الأوَّل فنصًّا، وأما الثاني فمِن فحوى
الخطاب، أعني مفهومَ الموافقة، وفيه وَعيدٌ شديد للباغي، وأنَّه مخذولٌ في الدارين،
مسلوك في قرنٍ مَن كان في مِرْية حتى أتته الساعةُ أو العذاب. اهـ. وهو كلام رصينٌ،
ولا يُعكّر عليه قولهم: إنَّه أتى بذلك للاقتضاب، فتأمَّل.
وعن الضَّخَّاك أنَّ الآيةَ مدنيّةٌ وهي في القصاص والجراحات.
واستدلَّ بها الشافعيُّ على وجوب رعاية المماثلة في القصاص، وعندنا لا قودَ
إلا بالسيف، كما جاء في الخبر(١)، والمراد به السلاح، وخبر: ((مَن غرَّق غرَّقناه،
ومَن حرَّق حرَّقناه))(٢): لم يصحَّ، وبتسليم صحّته محمولٌ على السياسة، وينبغي أن
يُعلمَ أنَّ المعاقَبة بالمِثْل على الإطلاق غيرُ مشروعة، فإنَّ الرجلَ قد يُعاقَب بنحو:
يازاني، وقد قالوا: إنَّه إذا قيل له ذلك، فقال: لا بل أنتَ زانٍ، حُدَّ هو والقائل
الأوَّل، فليحفظ .
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى النصر المدلولِ عليه بقوله تعالى: ((لينصرنَّه)) وما فيه مِن
معنى البُعد؛ للإيذان بعلوِّ رتبته، وقيل: لعدم ذِكْر المشار إليه صريحاً، ومحلُّه الرفع
على الابتداء، وخبرُه قولُه سبحانه: ﴿يِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ
النَّهَارَ فِ الََّّلِ﴾ والباء فيه سبيَّة، والسبب ما دلَّ عليه ما بَعْدُ بطريقِ اللزوم، أي:
ذلك النصرُ كائنٌ بسبب أنَّ اللهَ - تعالى شأنه - قادرٌ على تغليبٍ بعض مخلوقاتِه على
بعض والمداولة بين الأشياء المتضادّة، ومِن شأنِه ذلك.
(١) أخرج ابن ماجه (٢٦٦٧) عن النعمان بن بشير أن رسول الله وَّ﴾ قال: ((لا قَوَدَ إلَّا
بالسيف)). قال البوصيري في الزوائد: في إسناده: جابر الجعفي، وهو ضعيف.
وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٦٦٨) من حديث أبي بكرة ربه. قال البوصيري في الزوائد: في
إسناده: مبارك بن فضالة، وهو يدلِّس، وقد عنعنه، وكذا الحسن. اهـ. وقال عبد الحق:
طرقه كلها ضعيفة. وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد. التلخيص الحبير ١٩/٤.
(٢) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٧١٨٥) من حديث عمران بن نوفل بن يزيد بن
البراء، عن أبيه، عن جدِّه. وقال: في الإسناد بعض من يجهل.

الآية : ٦٢
٣٩٣
سُورَةُ الرَّةُ
وعبَّر عن ذلك بإدخال أَحَدِ المَلَوين(١) في الآخَرِ، بأن يزيدَ فيه ما ينقص مِن
الآخَر، كما هو الأوفقُ بالإيلاج، أو بتحصيلِ أحدهما في مكانِ الآخَر كما قيل،
لا بأَنْ يجعلَ بينَ كلِّ نهارين ليلاً، وبين كلِّ ليلَيْن نهاراً، كما قد توهم، لكونه أظهرَ
المواد وأوضحها، أو كائنٌ بسببِ أنَّه تعالى خَالقُ الليل والنهار ومصرِّفهما،
فلا يَخفى ما يجري فيهما على أيدي عبادِهِ مِن الخير والشَّرِّ، والبغي والانتصار،
كما قيل، وعلى الأوَّل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيْعٌ﴾ بكلِّ المسموعات التي مِن
جملتها ما يقول المعاقَب ﴿بَصِيرٌ ﴾﴾ بكلِّ المبصرات التي مِن جملتها ما يقع منه
مِن الأفعال من تتمَّة الحكم لابدَّ منه، إذ لا بُدَّ للناصر مِن القُدرة على نَصْرِ المظلوم،
ومِن العِلْم بأَنَّه كذلك، وعلى الثاني هو تتميمٌ وتأكيد، والأوَّل أَولى، وقيل: لا يَبْعُد
أن يكون المعنى: ذلك النصرُ بسببٍ تعاقب الليل والنهار وتناوبِ الأزمان والأدوار
إلى أن يَجِيْءَ الوقتُ الذي قدَّره المَلِكُ الجبار لانتصارِ المظلوم وغلبته، وفيه أنَّه
لا محصّل له مالم يُلاحِظ قدرةَ الفاعل لذلك، وقيل: يجوز أن تكون الإشارة إلى
الاتِّصاف بالعفو والغفرانِ، أي: ذلك الاتِّصاف بسبب أنَّه تعالى لم يُؤاخِذ الناسَ
بذنوبهم، فيجعل الليلَ والنهار سرمداً فتتعطّل المصالح، وفيه أنَّه مع كونه لا يُناسب
السياقَ غير ظاهر، لاسيَّما إذا لوحظ عطفُ قولِه تعالى: ((وأنَّ اللهَ سميعٌ بصيرٌ)» على
مدخول الباءِ فيما قبل، نَعَم الإشارةُ إلى الاتِّصاف في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْحَقُّ﴾ فالمعنى ذلك الاتصافُ بكمال القدرة الدَّال عليه قوله تعالى: ((يولج الليلَ
في النهار)) إلخ، وكمال العلم الدالِّ عليه: ((سميع بصير)) بسببٍ أنَّ الله تعالى
الواجب لذاتِهِ الثابت في نفسه وحدَه، فإنَّ وجوبَ وجودِه ووحدته يستلزمان أن يكون
سبحانه هو الموجدَ لسائرِ المصنوعات، ولا بدَّ في إيجاده لذلك حيث كان على أبدع
وجهٍ وأحكمه مِن كمال العلم على ما بُيِّنَ في موضعه. وقيل: إنَّ وجوبَ الوجودِ
وحدَه متكفل بكلِّ كمال حتى الوحدة، أو المعنى: ذلك الاتِّصاف بسبب أنَّ اللهَ
تعالى الثابت الإلهية وحدَه، ولا يصلح لها إلا مَن كان كاملَ القدرة كاملَ العلم.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.﴾ إلهاً ﴿هُوَ الْبَطِلُ﴾ أي: المعدوم في حدِّ ذاته،
أو الباطل الإلهيَّة، والحصر يحتمل أن يكون غيرَ مرادٍ، وإنَّما جيْءَ به للمشاكلة،
(١) المَلَوان: الليل والنهار. مختار الصحاح (ملا).
٠٤

سُوَرَّةُ الحَهُ
٣٩٤
الآية : ٦٣
ويحتمل أن يكون مراداً على معنى أنَّ جميعَ ما يدعون مِن دونه هو الباطل لا بعضه
دون بعض، وقيل هو باعتبارٍ كمال بطلانه وزيادة ((هو)) هنا، دون ما في سورة
لقمان مِن نظير هذه الآية(١)؛ لأنَّ ما هنا وَقَعَ بين عشر آياتٍ، كلّ آيةٍ مؤكّدة مرَّة أو
مرَّتين، ولهذا أيضاً زيدت اللامُ في قوله تعالى الآتي: ((وإنَّ اللهَ لهو الغنيُّ الحميدُ))
دونَ نظيره في تلك السورة، ويمكن أن يقال: تقدَّم في هذه السورة ذِكْرُ الشيطان،
فلهذا ذُكرت هذه المؤكّدات، بخلافِ سورة لقمان، فإنَّه لم يتقدَّم ذِكْر الشيطان
هناك بنحوِ ما ذكر هاهنا. قاله النيسابوريُّ(٢)، ويجوز أن يكون زيادة ((هو)) في هذا
الموضع؛ لأنَّ المعلَّل فيه أزيد منه في ذلك الموضع، فتأمَّل.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ﴾ على جميع الأشياء ﴿الْكَبِيرُ
سبحانه شريكٌ. لا شيءَ أعلى منه تعالى شأناً وأكبر سلطاناً.
عن أن یکون له
٦٣
وقرأ الحسن: ((وإنَّ ما)) بكسرِ الهمزة(٣). وقرأ نافع، وابنُ كثير، وابنُ عامر،
وأبو بكر: ((تَدْعُون)) بالتاء(٤) على خطابِ المشركين. وقرأ مجاهد، واليمانيُّ،
وموسى الأسواري: ((يُدْعَون)) بالياء التحتية مبنيًّا للمفعول(٥)، على أنَّ الواو لـ ((ما))،
فإنَّه عبارةٌ عن الآلهة، وأمر التعبير عنها بـ ((ما)) ثم إرجاع ضميرِ العقلاء إليها ظاهرٌ،
فلا تغفل.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: مِن جهة العلوِّ ﴿مَآءً﴾ أي: أَلَم
تَعلَم ذلك، وجوّز كون الرؤيةِ بصريَّة نظراً للماء المنزل، والاستفهام للتقرير، وقوله
تعالى: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ﴾ أي: فتصير، وقيل: تصبح على حقيقتها،
والحكم بالنظرِ إلى بعض الأماكن تمطر السماء فيها ليلاً، فتصبح الأرضُ مخضرَّة،
والأوَّل أَولى، عطف على ((أنزل))، والفاء مغنية عن الرابط، فلا حاجةً إلى تقدير
(١) في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِ اٌلْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾
[لقمان: ٣٠].
(٢) في كتابه: غرائب القرآن ١١٥/١٧.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٣٨٤.
(٤) التيسير ص ١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٦، والبحر المحيط ٦/ ٣٨٤.

الآية : ٦٣
٣٩٥
سُورَةَ الحَةُ
بإنزاله، والتعقيب عرفيٍّ أو حقيقيٌّ، وهو إمَّا باعتبار الاستعداد التامِّ للاخضرار أو
باعتباره نفسِه، وهو كما ترى، وجوّز أن تكون الفاءُ لمحضٍ السبب، فلا تعقيبَ
فيها، والعدول عن الماضي إلى المضارع؛ لإفادة بقاء أَثَرِ المطر زماناً بعد زمانٍ،
كما تقول: أَنْعَمَ عليَّ فلانٌ عامَ كذا فأروح وأغدو شاكراً له. ولو قلتَ: فرحتُ
وغدوتُ. لم يقع ذلك الموقعَ، أو لاستحضار الصورة البديعة، ولم ينصب الفعل
في جوابِ الاستفهام هنا في شيءٍ مِن القراءات فيما نَعلم، وصرَّح غيرُ واحد
بامتناعِه، ففي ((البحر))(١): إنَّه يمتنعُ النصبُ هنا؛ لأنَّ النفيَ إذا دخلَ عليه الاستفهامُ
وإن كان يقتضي تقريراً في بعضٍ الكلام هو مُعامَلٍ معاملةَ النفي المحضٍ في
الجواب، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكذلك في
الجواب بالفاء إذا أجبتَ النفيَ كان على معنيين في كلٍّ منهما ينتفي الجوابُ، فإذا
قلتَ: ما تأتينا فتحدِّثَنا بالنصب، فالمعنى: ما تأتينا محدِّثاً إنَّما تأتينا ولا تحدِّث،
ويجوز أن يكون المعنى: إنَّك لا تأتينا، فكيف تحدِّثنا؟ فالحديثُ منتفٍ في
الحالتين، والتقرير بأداةِ الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته همزةٌ
الاستفهام، وينفي الجواب فيلزم مِن ذلك هنا إثباتُ الرؤية وانتفاءُ الاخضرارِ، وهو
خلافُ المراد، وأيضا جوابُ الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام شَرْطُ وجزاءٌ،
ولا يصحُّ أن يقال هنا: إنْ تَرَ إنزالَ الماء تصبح الأرضُ مخضرَّة؛ لأنَّ اخضرارها
ليس مترتِّباً على عِلْمك أو رؤيتك، إنَّما هو مترتِّب على الإنزال. اهـ
وإلى انعكاسِ المعنى على تقدير النصبِ ذهب الزمخشريُّ(٢)، حيث قال: لو
نُصِبَ الفعلُ جواباً للاستفهام، لأَعطى ما هو عكسُ الغَرَض؛ لأنَّ معناه إثباتُ
الاخضرار فيَنقلبُ بالنصبِ إلى نفي الاخضرارِ، لكن تعقَّبه صاحبُ ((الفرائد)» حيث
قال: لا وجهَ لما ذكره صاحبُ ((الكشّاف)) ولا يلزم المعنى الذي ذكر، بل يَلزم مِن
نصبه أن يكون مشاركاً لقوله تعالى: ((أَلَم تَرَ)) تابعاً له، ولم يكن تابعاً لـ («أنزل))،
ويكون مع ناصبه مصدراً معطوفاً على المصدر التي تضمنه ((ألم تر))، والتقدير: أَلَم
تكن لك رؤية إنزال الماء من السماء وإصباح الأرض مخضرَّة، وهذا غير مراد من
(١) البحر المحيط ٣٨٦/٦.
(٢) الكشاف ٣/ ٢١.

سورة الحِهُ
٣٩٦
الآية : ٦٣
الآية، بل المراد أن يكون إصباح الأرض مخضرة بإنزال الماء، فيكون حصولُ
اخضرارِ الأرض تابعاً للإنزال معطوفاً عليه. اهـ. وفيه بحثٌ.
وقال صاحب ((التقريب)) في ذلك: إنَّ النصبَ بتقدير ((أن))، وهو عَلَم للاستقبال
فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بإخباره، وتلخيصه أنَّ الرفعَ جزمٌ بإثباته، والنصب
ليس جزماً بإثباته، لا أنَّه جزمٌ بنفيه، ولا يخفى أنَّه إن صحَّ في نفسِه لا يطابق مغزى
الزمخشريِّ، وعلَّل أبو البقاءِ(١) امتناعَ النصبِ بأمَرْين: أحدهما: انتفاءُ سببيَّة
المستفهم عنه لما بَعْدَ الفاء، كما تقدَّم عن ((البحر))(٢). والثاني: أنَّ الاستفهامَ
المذكور بمعنى الخبر، فلا يكون له جوابٌ، وإلى هذا ذهب الفرَّاء(٣)، فقال: ((أَلَم
تَرَ)) خبر، كما تقول في الكلام: اعْلَم أنَّ اللهَ تعالى يفعل كذا فيكون كذا. وقال
سيبويه (٤): وسألته - يعني الخليل - عن قولِه تعالى: ((أَلَم تَرَ أنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِن السماءِ ماءً
فتُصبح الأرضُ مخضرَّةً)) فقال: هذا واجبٌ، وهو تنبيه، كأنَّك قلت: أَتسمَعُ - وفي
النسخة الشرقيّة مِن ((الكتاب)): انتبه - أَنْزَلَ اللهُ مِن السماء ماءً، فكان كذا وكذا(٥).
وقال بعض المتأخِّرين: يجوز أن يعتبر تسبّب الفعل عن النفي، ثم يعتبر دخول
الاستفهام التقريريِّ، فيكون المعنى: حصل منكَ رؤيةُ إنزالِ اللهِ تعالى الماءَ فإصباح
الأرض مخضرَّة؛ لأنَّ الاستفهامُ المذكورَ الداخل على النفي يكون في معنى نفي
النفي وهو إثبات. فإن قلت: الرؤيةُ لا تكونُ سبباً لا نفياً ولا إثباتاً للاخضرار؟
قلت: الرؤية مُقْحَمة، والمقصود هو الإنزال، أو هي كنايةٌ عنه؛ لأنَّها تَلزمه مع أنَّه
يكفي التشبيهُ بالسبب، كما نصَّ عليه الرضيُّ في: ما تَأْتِيْنا فتحدِّثَنا، في أَحَدٍ
اعتباريه، واختار هذا في الاستدلال على عدم جواز النصب أنَّ النصبَ مخلصُ
المضارع للاستقبال اللائقِ بالجزائيَّة على ما قرِّرَ في علم النَّحْو، ولا يمكن ذلك في
الآية الكريمة كما ترى.
(١) الإملاء ٤ / ٤٦ .
(٢) ٣٨٦/٦.
(٣) معاني القرآن له ٢٢٩/٢.
(٤) الكتاب ٣/ ٤٠ .
(٥) عبارة الكتاب: أتسمع أن الله أنزل من السماء ماء ... ، والكلام أعلاه منقول من البحر.
المحيط ٣٨٦/٦.

الآية : ٦٤ ، ٦٥
٣٩٧
سُورَةُ الحِهُ
وبالجملة إنَّ الذي عليه المحقّقون أنَّ مَن جوَّز النصبَ هنا، لم يُصِبْ، وأنَّ
المعنى المراد عليه ينقلب.
وقرئ: ((مَخْضَرة)) بفتح الميم وتخفيف الضاد (١) مثل مَبْقَلة ومَجْزَرة، أي: ذات
خُضْرة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: متفضِّل على العباد بإيصالِ منافعهم إليهم برِفْق،
ومِن ذلك إنزالُ الماءِ من السماء واخضرارُ الأرضِ بسببه ﴿خَبِيرٌ ﴾ أي: عليم
بدقائقِ الأمور، ومنها مقاديرُ مصالحٍ عباده.
وقال ابنُ عباس: (لطيفٌ)) بأرزاق عبادِهِ، ((خبيرٌ)) بما في قلوبهم مِن القُنُوط.
وقال مقاتل: ((لطيفٌ)) باستخراج النبات، ((خبيرٌ)) بكيفيَّة خَلْقه. وقال الكلبيُّ:
(لطيفٌ)) بأفعالِهِ، ((خبيرٌ)) بأعمالَ عباده. وقال ابنُ عطيّة(٢): اللطيفُ هو المُحكِم
للأمور برِفْق. ونقل الآمديُّ: أنَّه العالِمُ بالخفيَّات. وأنتَ تَعلم أنَّه المعنى المشهور
للخبيرِ، وفسَّره بعضُهم بالمُخبِر، ولا يناسبُ المقامَ كتفسير اللطيفِ بما لا تُذْركه
الحاسَّة.
﴿لَّهُ مَا فِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ خَلْقاً ومِلْكاً وتصرُّفاً، فاللام للاختصاصِ
التامِّ ﴿وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ﴾ الذي لا يفتقر إلى شيءٍ أصلاً ﴿الْحَمِيدُ
٦٤٦
الذي حَمِدَهُ بصفاته وأفعالِهِ جميعُ خَلْقه قالاً أو حالاً .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: جَعَلَ ما فيها مِن الأشياء مذلَّلة لكم
معدّةً لمنافعِكم، تتصرَّفون فيها كيف شئتم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول
الصريح لما مرَّ غير مرَّةٍ؛ من الاهتمام بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤشّر.
﴿﴿وَالْفُلْكَ﴾ بالنصب وإسكانِ اللام. وقرأ ابنُ مقسم، والكسائيُّ عن الحسن
بضمِّها(٣)، وهو معطوف على ((ما)) عطف الخاصِّ على العامِّ؛ تنبيهاً على غرابة
تسخيرِها وكثرة منافعِها. وجوّز أن يكونَ عطفاً على الاسم الجليل.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِى فِ اٌلْبَحْرِ بِأَمْرِ﴾ على الأوَّل حالٌ منه، وعلى الثاني خَبَرٌ
(١) الكشاف ٣/ ٢١، والبحر المحيط ٣٨٧/٦.
(٢) المحرر الوجيز ١٣١/٤.
(٣) البحر المحيط ٣٨٧/٦.

سُورَةُ الحِهُ
٣٩٨
الآية : ٦٥
لـ «أنَّ»، وتكون الواو قد عطفت الاسمَ على الاسم والخبرَ على الخبر، وهو خلافُ
الظاهر. وفي ((البحر))(١): هو إعرابٌ بعيدٌ عن الفصاحة.
وقرأ السلميُّ، والأعرجُ، وطلحةُ، وأبو حَيوة، والزعفرانيُّ: ((والفُلْكُ))
بالرفع(٢) على الابتداء، وما بعدَه خبرُه، والجملةُ مستأنفة. وجوّز أن تكونَ حاليّةً،
وقيل: يجوز أن يكون الرفعُ بالعطف على محلِّ ((أنَّ)) مع اسمِها، وهو على طرزِ
العطف على الاسم.
﴿وَيُمْسِكُ الشَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ أي: عن أن تقعَ عليها، فالكلامُ على
حذفٍ حرف الجرِّ، و((أنْ)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ منصوب أو مجرور، على
القولين المشهورين في ذلك، وجعل بعضُهم ذلك في موضع المفعول لأجله بتقدير:
كراهة أن تقعَ، عن البصريين، والكوفيون يقدِّرون: لئلا تقع.
وقال أبو حيَّانَ(٣): الظاهر أنَّ (أَنْ)) تقعُ في موضع نصب بدل اشتمالٍ مِن
((السماء))، أي: ويمنعُ وقوعَ السماء على الأرض. وردًّ بَأَنَّ الإمساك بمعنى اللزوم
يتعدَّى بالباء، وبمعنى الكفِّ بـ ((عن))، وكذا بمعنى الحفظ والبُخْل كما في ((تاج
المصادر)»(٤)، وأمَّا بمعنى المَنْع فهو غيرُ مشهور. وتُعقّب بأنَّه ليس بشيءٍ؛ لأنَّهَ
مشهور مصرَّح به في كتب اللغة، قال الراغب(٥): يقال: أمسكتُ عنه كذا، أي:
مَنَعْتُه، قال تعالى: ﴿هَلْ هُنَ مُنْسِكَتُ رَحْمَتِهِ ﴾ [الزمر: ٣٨] وكُنِّي عن البُخْل
بالإمساك. اهـ. وصرَّح به الزمخشريُّ (٦) والبيضاويُّ(٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يُمْسِىُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولًا﴾ [فاطر: ٤١] نَعَم الأظهرُ هو الإعرابُ الأوَّل،
(١) البحر المحيط ٣٨٧/٦.
(٢) تفسير الطبري ٦٢٤/١٦، والبحر المحيط ٣٨٧/٦، ووردت القراءة في مطبوع القراءات
الشاذة لابن خالويه ص٩٦ هكذا: الفُلُكُ. وعزاها للأعرج والسلمي.
(٣) البحر المحيط ٣٨٧/٦.
(٤) وهو لأبي جعفر أحمد بن علي البيهقي، المعروف بجعفرك المقرئ، المتوفى سنة أربع
وأربعين وخمس مئة. كشف الظنون ٢٦٩/١.
(٥) المفردات (مسك).
(٦) الكشاف ٣١٢/٣.
(٧) تفسير البيضاوي ٧/ ٢٣٠ (بهامش حاشية الشهاب).

الآية : ٦٥
٣٩٩
سُورَةُ الحِّةُ
والمراد بإمساكها عن الوقوع على الأرض حِفْظُ تماسكها بقدرته تعالى بعد أن
خَلَقها متماسكةً آناً فاناً، وعدم تعلُّق إرادته سبحانه بوقوعها قطعاً قطعاً، وقيل:
إمساكه تعالى إيَّاها عن ذلك يَجْعلها محيطةٌ لا ثقيلة ولا خفيفةً، وهذا مبنيٌّ على
اتِّحاد السماء والفَلَك، وعلى قول الفلاسفةِ المشهور بأنَّ الفَلَكَ لا ثقيل ولا خفيفٌ،
وبَنَوا ذلك على زعمهم استحالةَ قَبوله الحركةَ المستقيمة، وفرَّعوا عليه أنَّه لا حارٌّ
ولا بارد، ولا رَظْبٌ ولا يابس، واستدلُّوا على استحالة قَبوله الحركةَ المستقيمة
بما أَبطله المتكلِّمون في كتبهم.
والمعروف مِن مذهب سلفِ المسلمين أنَّ السماءَ غيرُ الفَلَك، وأنَّ لها أَطيطاً؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أَّتِ السماءُ وحقّ لها أن تئِطّ، ما فيها موضعُ قَدَمِ
إلا وفيه مَلَك قائمٌ أو ساجد))(١) وأنَّها ثقيلةٌ محفوظة عن الوقوع بمحضٍ إرادته
سبحانه وقدرته التي لا يتعاصاها شيءٍ، لا لاستمساكها بذاتِها .
وذكر بعض المتكلِّمين لنفي ذلك أنَّها مشاركة في الجسميَّة لسائر الأجسام
القابلة للميلِ الهابط فتَقبله كقَبول غيرها، وللبحث فيه على زعم الفلاسفة مجال،
والتعبيرُ بالمضارع لإفادة الاستمرار التجدديِّ، أي: يمسكها آناً فاناً مِن الوقوع ﴿إِلَّا
بِإِذْنُِ﴾ أي: بمشيئتِه، والاستثناء مفرَّغْ من أعمِّ الأسباب، وصحَّ ذلك في
الموجب؛ قيل: لصحّة إرادةِ العموم، أو لكون ((يمسك)) فيه معنى النفي، أي:
لا يتركها تقع بسببٍ من الأسباب، كمزيد مرور الدهور عليها وكثِقَلها بما فيها
إلا بسبب مشيئتِه وقوعَها، وقيل: استثناء مِن أعمِّ الأحوال، أي: لا يتركها تقع في
حال من الأحوال إلا في كونها ملتّبِّسةً بمشيئتهِ تعالى، ولعلَّ ما ذكرناه أظهر.
وفي ((البحر))(٢): إنَّ الجارّ والمجرورَ متعلِّق بـ ((تقع)). وقال ابنُ عطيّة(٣):
يحتمل أن يتعلَّق بـ ((يمسك))؛ لأنَّ الكلامَ يقتضي بغير عَمَدٍ ونحوه، فكأنَّه أرادَ
إلا بإذنه: فَبِهِ يمسكها. ولو كان كما قال لكان التركيبُ بدون ((إلَّا)). انتهى.
(١) سلف عند تفسير الآية (١٢) من سورة الإسراء.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣٨٧.
(٣) المحرر الوجيز ١٣٢/٤.

سُورَةَ الحَهُ
٤٠٠
الآية : ٦٥
ولعمري إنَّ ما قاله ابنُ عطيّة لا يقوله مَن له أدنى روية كما لا يَخفى، ثم إنَّه
لا دلالةَ في الآية على وقوع الإذن بالوقوع، وقيل: فيها إشارةٌ إلى الوقوع، وذلك
يوم القيامة، فإنَّ السماءَ فيه تتشقّق وتقع على الأرض وأنا ليس في ذهني من الآيات
أو الأخبار ما هو صريح في وقوع السماء على الأرض في ذلك اليوم، وإنَّما هي
صريحةٌ في المَوْرِ والانشقاق والطَّيِّ والتبدُّل، وكلُّ ذلك لا يدلُّ على الوقوع على
الأرض فضلاً عن أن يكون صريحاً فيه، والظاهر أنَّ المرادَ بالسماء جنسُها الشاملُ
السماوات السبع، ويؤيِّده ما أخرجه الطبرانيُّ عن ابنِ عباس(١) قال: إذا أتيتَ
سلطاناً مهيباً تخاف أن يَسْطُو بك فقل: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ مِن خَلْقه جميعاً، اللهُ أكبرُ
ممَّا أَخافُ وأَحذر، أعوذُ بالله الذي لا إله إلا هو الممسِك السماواتِ السبعَ أن
يقعنَ على الأرض إلا بإذنه مِن شرِّ عبدِك فلانٍ وجنودِه وأتباعه وأشياعِه مِن الجنِّ
والإنس، إلهي كُنْ لي جاراً مِن شرِّهم، جلَّ ثناؤك، وعزَّ جارك، وتباركَ اسمُك
لا إلهَ غيرُك. ثلاث مرَّات.
والظاهر أيضاً أنَّ مساق الآية للامتنانِ لا للوعيد، كما جوَّزه بعضُهم، ويؤيِّد
ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ حيث سخّر لهم ما سخّر،
ومَنَّ عليهم بالأمن مما يحولُ بينهم وبين الانتفاعِ به مِن وقوعِ السماء على الأرض.
وقيل: حيث هيَّأْ لهم أسبابَ معايشِهم، وفَتَحَ عليهم أبوابَ المنافع، وأوضحَ لهم
مناهجَ الاستدلال بالآيات الكوينيَّة والتنزيليَّة، وجَعْلُ الجملةِ تعليليَّة لما في ضمن:
(أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ)) إلخ، أَظهر فيما قلنا .
والرأفةُ قيل: ما تقتضي دَرْءَ المضارِّ. والرحمةُ قيل: ما تقتضي جَلْبَ
المصالح، ولكون درءِ المضرَّة أهمّ مِن جَلْب المصلحة، قدَّم رؤوف علی رحيم،
وفي كلٌّ ممَّا امتنَّ به سبحانه دَرْءٌ وجَلْبٌ، نعم قيل: إمساكُ السماءِ عن الوقوع أظهر
في الدَّرْءِ، ولتأخيره وجهٌ لا يَخفى. وقال بعضُهم: الرأفةُ أبلغُ مِن الرحمة، وتقديمُ
رؤوف؛ للفاصلة. وذهب جمعٌ إلى أنَّ الرحمَة أعمُّ، ولعلَّه الظاهر. وتقديم
(١) الطبراني في الكبير (١٠٥٩٩)، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في حلية الأولياء ٣٢٢/١. وورد
فيهما: الله أعز مما أخاف وأحذر، بدل: الله أكبر. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٧ :
رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.