النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٥٢ ٣٦١ سُورَةُ الحِّى تمثَّى كتابَ اللهِ أوَّل ليلِهِ تَمِنِّيَ داودَ الزبورَ على رِسْل(١) وفي ((البحر))(٢) أنَّ ذلك راجعٌ إلى الأصل المنقول عن أبي مسلم، فإنَّ التاليّ يقدّر الحروفَ ويتصوَّرها فيذكرها شيئاً فشيئاً. والمرادُ بذلك هنا عند كثيرٍ القراءةُ، والآية مسوقةٌ لتسلية النبيِّ وَّر بأنَّ السعيَ في إبطال الآيات أمرٌ معهود، وأنَّه لسعيّ مردود، والمعنى: وما أرسلنا مِن قَبْلك رسولاً ولا نبيًّا إلا وحالُه أنَّه إذا قرأ شيئاً مِن الآيات ألقى الشيطانُ الشُّبَهَ والتخيُّلاتِ فيما يقرؤه على أوليائه ليجادلوه بالباطلِ ويَردُوا ما جاء به كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَى أَوْلِيَآءِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوجِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وهذا كقولِهم عند سماع قراءةِ الرسول ◌َِّهِ: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]: إنَّه يُحِلُّ ذبيحَ نفسِه ويُحرِّم ذبيحَ الله تعالى؟! وقولهم على ما في بعض الرواياتِ عند سماع قراءته عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: إنَّ عيسى عُبِدَ مِن دونِ الله تعالى، والملائكةَ عليهم السلام عُبِدُوا مِن دون الله تعالی؟! ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ أي: فيُبطِل ما يلقيه مِن تلك الشُّبَه ويذهب به بتوفيق النبيِّ وَّ لردِّه أو بإنزال ما يردُّه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ﴾ أي: يأتي بها محكمةً مثبتةً لا تَقبلُ الردّ بوجهٍ مِن الوجوه، و((ثم)) للتراخي الرُّتبي، فإنَّ الإحكامَ أعلا رُتبةٍ من النَّسْخِ، وصيغةُ المضارع في الفعلين؛ للدلالة على الاستمرارِ التجدُّدي، وإظهار الجلالة في موقع الإضمار؛ لزيادة التقرير، والإيذان بأنَّ الألوهيَّة من موجباتِ أحكام آياتِه تعالى الباهرة. ومِثْلُ ذلك في زيادةِ التقرير إظهارُ ((الشيطان))، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبَالِغ في العِلْم بكلِّ ما مِن شأنه أن يُعلَم، ومن جملته ما يصدر مِن الشيطان وأوليائه ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ في كلِّ ما يَفعَل، ومِن جملته تمكينُ الشيطان مِن إلقاء الشُّبَه وأوليائِه مِن المجادلة بها، وإبداؤه تعالى ردَّها، والإظهار (١) لم نقف عليه في المطبوع من ديوانه، وأورده القرطبي في تفسيره ٢١٨/٢، وأبو حيَّان في البحر المحيط ٣٨٢/٦، والسمين الحلبي في الدر المصون ٤٤٧/١، ولم ينسبوه. (٢) البحر المحيط ٦/ ٣٨٢. سُورَةُ الحِهُ ٣٦٢ الآية : ٥٣ ، ٥٤ هاهنا لما ذُكرَ أيضاً مع ما فيه مِن تأكيد استقلالِ الاعتراض التذييليِّ ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ أي: الذي يُلقيه. وقيل: إلقاءه ﴿فِتْنَةُ﴾ أي: عذاباً. وفي ((البحر))(١): ابتلاءً واختباراً ﴿لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾ أي: شَكٌّ ونفاقٌ، وهو المناسبُ؛ لقولِه تعالى في المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضُ﴾ [البقرة: ١٠] وتخصيصُ المرض بالقلب مؤيِّد له؛ لعدم إظهار كفرهم، بخلاف الكافرِ المجاهر ﴿ وَلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: الكفّار المجاهرينَ، وقيل: المراد من الأوَّلين عامَّةُ الكفار، ومِن الأخيرين خواصُّهم كأبي جهل، والنضر، وعتبةَ، وحَمْلُ الأوَّلين على الكفَّار مطلقاً والأخيرين على المنافقين؛ لأنَّهم أحقُّ بوصف القسوة؛ لعدم انجلاء صَدَأْ قلوبِهِم بصيقل المخالطةِ للمؤمنين، ليس بشيء. ﴿وَإِنَّ الَّالِمِينَ﴾ أي: الفريقَيْن المذكورَيْن، فوضع الظاهرُ موضعَ ضميرِهم؛ تسجيلاً عليهم بالظّلم مع ما وصفوا به مِن المرض والقسوة ﴿لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ أي: عداوةٍ شديدة، ومخالفةٍ تامَّة، ووصف الشقاقُ بالبُعد مع أنَّ الموصوفَ به حقيقة هو معروضُه؛ للمبالغة، والجملة اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّر لمضمون ما قَبْله، ولامُ (ليجعل)) للتعليل، وهو عند الحوفيِّ متعلِّق بـ: ((يُحْكِم))، وعند ابنٍ عطيَّة(٢) بـ: ((ينسخ))، وعند غيرهما بـ: ((ألقى))، لكنَّ التعليلَ لما يُنبئُ عنه إلقاءُ الشيطان مِن تمكينه تعالى إيَّه مِن ذلك في حقِّ النبيِّ وَّرِ خاصَّة؛ لعطفِ قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ وكونُ ضمير ((أَنَّه)) للقرآن، وقيل: لا حاجةً للتخصيص، وضميرُ ((أنَّه)) لتمكينِ الشيطان مِن الإلقاء، أي: وليعلم العلماءُ أنَّ ذلك التمكينَ هو الحقُّ المتضمِّن للحكمة البالغة؛ لأنَّه مما جرت به عادتُه تعالى في جنس الإنس مِن لَدُنْ آدَمَ عليه السلام، وضميرا ((به))، و((له)) في قوله تعالى: ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ.﴾ أي: يثبتوا على الإيمان، أو: يزدادوا إيماناً ﴿فَتُغْبِتَ لَّهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالانقيادِ والخشية، للقرآن على التخصيص، وللربِّ على التعميم، وجعلهما لتمكينٍ الشيطان لا سيمًا الثاني ممّا لا وجه له. ورجّح ما قاله ابنُ عطيّة بأنَّ أَمْر التعليل عليه أظهرُ، أي: فينسخ اللهُ تعالى (١) البحر المحيط ٦/ ٣٨٢. (٢) المحرر الوجيز ١٢٩/٤. الآية : ٥٥ ٣٦٣ سُؤَةُ الحِف ما يُلقيه الشيطان، ويردّه ليجعلَه بسبب الردِّ وظهور فسادِ التمسُّك به عذاباً للمنافقين والكافرين، أي: سبباً لعذابهم حيث استرسلوا معه مع ظهورٍ فسادِه، أو اختباراً لهم هل يرجعونَ عنه، وليعلم الذين أوتوا العلم أنَّ القرآنَ هو الحقُّ حيث بَطَلَ ما أُورِد مِن الشُّبَه عليه، ولم يَبطُل هو، وقد يُقال مثلُ ذلك على ما ذهب إليه الحوفيُّ، ولا يَبعد أن يكون قولُه تعالى: ((ليجعل)) إلخ متعلِّقاً بمحذوف، أي: فعل ذلك ليجعل إلخ، والإشارة إلى النَّسْخ والإحكام، ويجعل ((ليجعل)) علَّة لفعل النسخ، ((وليعلم)) عَّة لفعل الإتيان بالآيات محكمة، ويجوز أن تكونَ الإشارةُ إلى التمكين المفهوم ممَّا تقدَّم مع النَّسْخ والإحكام، ويجعل ((ليجعل)) علَّة لفعل التمكين، وما بَعْدُ علَّة لما بعد، ويجوز أيضاً أن ترجعَ الضمائرُ في ((أنه))، و((به))، و((له)) للموحى الذي يقرأه كلٌّ مِن الرسل والأنبياء عليهم السلام المفهوم مِن الكلام، فلا حاجةَ للتخصيص، وأيًّا ما كان فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ اعتراضٌ مقرِّر لما قَبْله، والمراد بالذين آمنوا المؤمنون مِن هذه الأمَّة على تقدير التخصيص، أو المؤمنون مطلقاً على تقدير التعميم، والمراد بالصراطِ المستقيم النظرُ الصحيحُ الموصِل إلى الحقِّ الصريح، أي: إنَّه تعالى لهادي المؤمنين في الأمور الدينيّة خصوصاً في المداحضِ والمُشكلات التي من جملتها ردُّ شُبَهِ الشياطين عن آياتِ الله عزَّ وجلَّ. وقرأ أبو حيوةَ، وابنُ أبي عَبْلَة: ((لهادٍ)) بالتنوين(١). ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ﴾ أي: في شَكِّ ﴿مِّنْهُ﴾ أي: من القرآن، وقيل: مِن الرسول، ويجوز أن يرجع الضميرُ إلى الموحى على ما سمعتَ، و((من)) على جميع ذلكَ ابتدائيَّة، وجوّز أن يرجعَ إلى ما ألقى الشيطان، واختير عليه أنَّ ((مِن)) سببيَّة، فإنَّ مريةَ الكفار فيما جاءت به الرسلُ عليهم السلام بسبب ما ألقى الشيطانُ في الموحى مِن الشُّبَه والتخيلاتِ، فتأمَّل ﴿حَتَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: القيامةُ نفسُها كما يُؤذِن به قولُه تعالى: ﴿بَغْتَةً﴾ أي: فجأة، فإنَّها الموصوفةُ بالإتيان كذلك، وقيل: أَشراطها على حذفِ المضاف، أو على التجوُّز. (١) القراءات الشاذة ص٩٦، والبحر المحيط ٣٨٣/٦. سُورَةُ الخِ﴾ ٣٦٤ الآية : ٥٥ وقيل: الموت، على أنَّ التعريفَ في ((الساعة)) للعهد ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾﴾ أي: منفرد عن سائرِ الأيام لا مِثْلَ له في شدَّته، أو لا يومَ بعدَهُ، كأنَّ كلَّ يوم يَلِدُ ما بعده مِن الأيام، فما لا يوم بعدَه يكون عقيماً، والمراد به الساعة بمعنى يوم القيامة أيضاً، كأنَّه قيل: أو يأتيهم عذابُها، فوضع ذلك موضعَ ضميرِها؛ لمزيد التهويل والتخويف. و ((أو)) في محلٌّها لتغاير الساعة وعذابها، وهي لَمنْع الخلوِّ، وكأنَّ المرادَ المبالغةُ في استمرارهم على المِرْية، وقيل: المراد بـ: ((يوم عقيم)) يومُ موتِهم؛ فإنَّه لا يومَ بعده بالنسبة إليهم، وقيل: المراد به يومُ حرب يُقتَلون فيه، ووصف بالعقيم؛ لأنَّ أولادَ النساء يُقتَلون فيه فيصرنَ كأنهنَّ عقمٌ لم يَلِدْنَ، أو لأنَّ المقاتلينَ يقال لهم: أبناء الحرب، فإذا قُتلوا وُصِفَ يومُ الحرب بالعقيم وفيه على الأول مجاز في الإسناد ومجاز في المفرد، من جعل التُّكْل عقماً، وكذا على الثاني؛ لأن الولود والعقيم هي الحربُ على سبيل الاستعارة بالكناية، فإذا وُصِفَ يومُ الحرب بذلك كان مجازاً في الإسناد، ومِن ثَمَّ قيل: إنَّه مجازٌ موجَّه مِن قولهم: ثوبٌ مُوجَّه، له وجهان، وقيل: هو الذي لا خيرَ فيه يقال: ريحٌ عقيمٌ، إذا لم تُنْشِئ مطراً ولم تلقخ شجراً، وفيه على هذا استعارةٌ تبعيَّة؛ لأنَّ ما في اليوم مِن الصفة المانعة مِن الخير جعلَ بمنزلةِ العقم. وخصَّ غيرُ واحدٍ هذا اليومَ بيوم بدرٍ، فإنَّه يومُ حربٍ قُتِلَ فيه عتاةُ الكَفَرة، ويومٌ لا خيرَ فيه لهم، ويصحُّ أيضاً أن يكون وَصْفه بعقيم؛ لتفرُّده بقتال الملائكةِ عليهم السلام فيه، وأنتَ تَعلمُ أنَّ الظاهرَ - ممَّا يأتي بَعْدُ إن شاء الله تعالى - تعيُّن تفسيرٍ هذا اليوم بيوم القيامة، هذا وجوّز أن يُرادَ مِن الشيطان شَيطانُ الإنس كالنضر بنِ الحارث كان يُلقي الشُّبَه إلى قومه وإلى الوافدين يثبِّطهم بها عن الإسلام. وقيل: ضمير ((أُمنيَّتِه)) للشيطان، والمراد بها الصورةُ الحاصلة في النَّفْس مِن تمنَّى الشَّيءَ، و((في)) للسبيَّة مِثْلها في قوله نَّهَ: ((إنَّ امرأةً دخلت النارَ في هرَّةَ))(١) أي: ألقى الشيطانُ بسبب أمنيَّته الشُّبَه وأبداها ليُبْطِلَ بها الآيات. (١) أخرجه البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٣)، وسلف ١٠٥/٣. الآية : ٥٥ ٣٦٥ سُورَة الحہ وقيل: ((تمنَّى)): قرأ، و((أُمنَّته)»: قراءته، والضميرُ للنبيّ أو الرسول، و((في)) على ظاهرها، والمراد بـ: ((ما يُلقي الشيطان)) ما يقع للقارئ مِن إبدال كلمةٍ بكلمة، أو حرفٍ بحرف، أو تغييرٍ إعراب سهواً، وقيل: المراد ما يلقيه في الآيات المتشابهة مِن الاحتمالات التي ليست مراداً لله تعالى، وقيل: ((تمتَّى)): هيَّأَ وقدَّر في نفسه ما يَهواهُ. و((أُمنّيَّته)): قراءته، والمعنى: إذا تمَّى إيمانَ قومِه وهدايتهم، ألقى الشيطانُ إلى أوليائه شُبَهاً، فينسخُ الله تعالى تلكَ الشُّبَه ويُحكِم الآياتِ الدالّة على دَفْعها، وقيل: (تمتَّى)): قدَّر في نفسه ما يَهواهُ، و((أمنيَّته: )) تشهِّيه، و((ما يلقيه الشيطانُ)): ما يوجبُ اشتغاله في الدنيا، وجعله فتنةً باعتبار ما يظهر منه مِن الاشتغال بأمور الدنيا، ونَسْخُه: إبطالُه بعصمتِه عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزينه . وقيل: ((تمنَّى)): قرأ، و((أُمنيَّته)): قراءته، وما يُلقي الشيطان: كلماتٌ تُشابه الوحيّ يتكلّم بها الشيطانُ بحيث يظنُّ السامعُ أنَّها مِن قراءة النبيِّ، وقد رُويَ أنَّ ﴿ وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الآيةَ نزلت حين قَرَأَ عليه الصلاة والسلام: ﴿أَفََّتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] فألقى الشيطانُ في سَكْتَتِه محاكياً نغمتَه عليه الصلاة والسلام بحيث يسمعه مَن حولَه: تلكَ الغرانيقُ العُلَا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتَجى. فظنَّ المشركونَ أنَّه عليه الصلاة والسلام هو المتكلِّم بذلك، ففرحوا وسَجَدوا معه لما سَجَد آخِرَ السورة. وقيل: المتكلِّم بذلك بعضُ المشركين، وظنَّ سائرُهم أنَّه عليه الصلاة والسلام هو المتكلِّم به. وقيل: إنَّه ◌ِ ﴿ هو الذي تكلّم بذلك عامداً؛ لكن مستفهماً على سبيل الإنكار والاحتجاج على المشركين، وجعل مِن إلقاء الشيطان لما ترتّب عليه مِن ظَنِّ المشركين أنَّه مَدَخْ لآلهتهم، ولا يمنع ذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يُصلِي؛ لأنَّ الكلامَ في الصلاة كان جائزاً إذ ذاك. وقيل: بل كان ساهياً، فقد أخرج عبدُ بنُ حميد مِن طريق يونسَ، عن ابنِ شهاب، قال: حدَّثني أبو بكر بنُ عبدِ الرحمن: ((أنَّ رسولَ الله وَّهِ وهو بمكّة قرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْرِ﴾، فلما بلغ: ﴿أَفََّيُّ الَّتَ وَالْعُزَِّ ﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَ﴾ [الآية: ١٩ - ٢٠]، قال: ((إنَّ شفاعتهنَّ تُرتجى)) وسها رسولُ الله عليه الصلاة والسلام، ففرح المشركونَ بذلك، فقال ◌َّ: ((أَلَا إنَّما ذلك مِن الشيطان)) فأنزل الله تعالى: سُورَةُ الحِهُ ٣٦٦ الآية : ٥٥ ((وما أرسلنا)) حتى بلغ: ((عذابَ يومٍ عقيم))، قال الجلال السيوطيُّ: وهو خبرٌ مُرسَل صحيحُ الإسناد(١). وقيل: تكلَّم بذلك ناعساً، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: بَيْنا نبيُّ اللهِ وَ ◌ّهِ يُصلِّي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطانُ(٢) على لسانِه كلمةً، فتكلّم بها فقال: ((﴿أَفََُّّ اللَّتَ وَالْعُزّى وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتَجى وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَةِ ﴾﴾ ١٩ وإنَّها لمَعَ الغرانيقِ العلا)). فحفظها المشركونَ وأخبرهم الشيطانُ أنَّ نبيَّ اللهِ وَّل قد قَرَأَها، فزلَّت ألسنتهم، فأنزل الله تعالى: ((وما أرسلنا)) الآية(٣). وقيل: ((تمنَّى)): قدَّر في نفسه ما يَهواهُ، و((أمنيَّته)): قراءته، وما يُلقي الشيطانُ: كلماتٌ تُشابه الوحيَ، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم مِن طريق موسى بنٍ عقبة، عن ابنِ شهاب قال: أُنزلت سورةُ النجم، وكان المشركونَ يقولون: لو كان هذا الرجلُ يَذكُر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا مِن الشَّتْم والشَّرِّ، وكان رسول الله وَله قد اشتدّ عليه ما ناله أصحابُه مِن أذاهُم وتكذيبِهم، وأَحزنَه ضلالتُهم، فكان يتمَّنى وَمَنَوَةَ هداهُم، فلما أَنزل الله تعالى سورةَ النجم قال: ﴿أَفَيُ اللَّتَ وَالْعُزَّى ألقى الشيطانُ عندها كلماتٍ، فقال: وإنَّهنَّ لهنَّ الغرانيقُ الثَِّثَةَ الْأُخْرَى ®َّ العُلا، وإنَّ شفاعتهنَّ لهي التي تُرتَجى. وكان ذلك مِن سَجعِ الشيطانِ وفتنتِهِ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كلِّ مشركٍ بمكّة، وزلَّت بهماَ ألسنتُهم وتباشروا بهما، وقالوا: إنَّ محمداً قَدْ رَجَعَ إلى دينِه الأوَّل ودينِ قومِه، فلما بلغَ رسولُ اللهِ وَ﴿ آخِرَ النجم سَجَدَ وسَجَدَ كلُّ مَن حَضَر مِن مسلم أو مشركٍ، ففشت تلكُ الكلمة في الناس وَأَظهرها الشيطانُ حتى بلغت أرضَ الحبشة، فأنزل اللهُ تعالى ((وما أرسلنا)) الآيات (٤). (١) الدر المنثور ٣٦٧/٤. (٢) جاء في هامش الأصل و(م) ما نصه: ((قيل: يقال لذلك: الشيطان الأبيض. اهـ. منه)). (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠٢/٨ (١٤٠٠٢)، والدر المنثور ٣٦٨/٤. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠١/٨ (١٣٩٩٩)، والدر المنثور ٣٦٧/٤، وورد فيهما: وذلقت، بدل: وزلَّت. الآية : ٥٥ ٣٦٧ سُورَةُ الحَّةُ وقيل: إنَّ النبيَّ وَّهِ حين أَلقاها الشيطانُ تكلّم بها ظاناً أنَّها وَحْيٌّ، حتى نَّهه جبريلُ عليه السلام، ففي ((الدُّرِّ المنثور)): أخرج ابنُ جرير، وابنُ المنذر، وابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسولُ اللهُ وَّر بمَّة ((النجم))، وَمَنَوَةَ الثَِّثَةَ الْأُخْرَقِ (٣) ألقى الشيطانُ على ١٩ فلما بلغ: (أَفََّتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى لسانِهِ: تلك الغرانيقُ العُلا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتَجى. قالوا: ما ذَكَر آلهتَنا بخيرٍ قَبْلَ اليوم، فسجدَ وسجدُوا، ثم جاءَه جبريلُ عليهما الصلاة والسلام بعد ذلك، فقال: اعْرِضْ عليَّ ما جئتُكَ به، فلما بلغ: تلكَ الغرانيقُ العُلا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتَجى، قال له جبريل عليهما السلام: لم آتِكَ بهذا، هذا مِن الشيطان، فأنزل الله تعالى ((وما أرسلنا)) الآية(١). وأخرج البزَّارُ، والطبريُّ، وابنُ مردويه، والضياءُ في ((المختارة)) بسندٍ رجالُه ثقاتٌ مِن طريق سعيد، عن ابنِ عباس نحوَ ذلك(٢)، لكن ليس فيه حديثُ السجود، وفيه أيضاً مغايرةٌ يسيرة غير ذلك، وجاء حديث السجود في خبرٍ آخَر عنه أخرجه البزَّار، وابنُ مردويه أيضاً مِن طريق أميةَ بنِ خالد، عن شعبةً، لكن قال في إسناده: عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس، فيما أحسبُ، فشكَّ في وَصَّلِه(٣). وفي رواية ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ: أنَّ جبريل عليه السلام، قال له عليه الصلاة والسلام حين عَرَضَ عليه ذلك: معاذَ اللهِ أن أكونَ أَقرأتُكَ هذا، فاشتدَّ عليه عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى وطَيِّب نفسَه: ((وما أرسلنا)) الآية (٤). قيل: ولمشابهةِ ما أَلقى الشيطانُ للوحي المُنزلِ وكونه في أثنائه، أُطلق على إبطاله اسمُ النَّسْخِ الشائع إيقاعُه على ما هو وحيٌّ حقيقةً، لكن لا يخفى أنَّ النَّسْخَ الشرعيَّ لا يتعلَّقَ بنحو ما ذُكرَ مِن الأخبار، فلا بُدَّ مِن تأويلٍ ما لذلك. (١) الدر المنثور ٣٦٦/٤، وتفسير الطبري ٦٠٧/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠٠/٨-٢٥٠١ (١٣٩٩٨)، وأخرجه أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٣٢١. (٢) الدر المنثور ٣٦٦/٤، وتفسير الطبري ٦٠٧/١٦-٦٠٨، والمختارة للمقدسي ٢٣٥/١٠- ٢٣٦ (٢٤٧). (٣) وذكره عنهما ابنُ حجر في الكافي الشاف ص١١٤ . (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠٢/٨ (١٤٠٠٣)، والدر المنثور ٣٦٨/٤. سُورَةُ الحُ ٣٦٨ الآية : ٥٥ وقد أنكر كثيرٌ من المحقّقين هذه القصّةَ فقال البيهقيُّ (١): هذه القصَّةُ غيرُ ثابتة مِن جهة النقل. وقال القاضي عياض في ((الشفا))(٢): يكفيكَ في توهينٍ هذا الحديث، أنَّه لم يُخرِّجْه أحدٌ مِن أهل الصِّحَّة، ولا رواه ثقةٌ بسندٍ صحيح سليم مثَّصل، وإنَّما أُولِع به وبمثلِهِ المفسِّرون والمؤرِّخون المُولَعونَ بكلِّ غريبِ المتلقِّفون مِن الصُّحُفِ كلَّ صحيح وسقيمٍ . وفي ((البحر))(٣): إنَّ هذه القصَّةَ سُئِلَ عنها الإمامُ محمدُ بنُ إسحاق جامعُ ((السيرة النبوية))، فقال: هذا مِن وَضْع الزنادقة، وصنَّف في ذلك كتاباً. وذكر الشيخُ أبو منصور الماتريديُّ في كتاب ((حَصص الأتقياء))(٤): الصوابُ أنَّ قولَه: تلك الغرانيقُ العُلا، مِن جملة إيحاءِ الشيطان إلى أوليائه مِن الزنادقة حتى يُلْقُوا بين الضعفاء وأرقَّاء الدِّيْن؛ ليرتابوا في صحَّة الدِّيْن، وحَضْرةُ الرسالةِ بريئةٌ من مِثْل هذه الرواية. وذكر غيرُ واحد أنَّه يَلزم على القول بأنَّ الناطقَ بذلك النبيُّ ◌َّه بسبب إلقاء الشيطانِ الملبّس بالمَلَك أمور: منها تسلُّط الشيطانِ عليه عليه الصلاة والسلام، وهو ◌َّهِ بالإجماع معصومٌ من الشيطان لا سيمًا في مِثْلِ هذا مِن أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [النحل: ٩٩] إلى غير ذلك. ومنها زيادته وية في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه عليه الصلاة والسلام؛ لمكان العصمة. (١) ونقله عنه الرازي في التفسير ٢٣/ ٥٠، وأبو حيّان في البحر المحيط ٣٨٢/٦، والمناوي في الفتح السماوي ٨٤٢/٢، وينظر تتمة كلام المناوي حول الخبر ثمة. (٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢٨٩/٢-٢٩٠. (٣) البحر المحيط ٦/ ٣٨١-٣٨٢. (٤) لم نقف على كتاب بهذا الاسم لأبي منصور الماتريدي فيما بين أيدينا من مصادر ترجمته، وذكره علاء الدين البخاري في كتابه كشف الأسرار ١٩٦/١ ولم ينسبه لأحد، وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون ٦٦٨/١ كتاباً وسمَّاه: حصن الأتقيا من قصص الأنبيا، وقال: قيل: لمسعود الكازروني، وهو فارسي. الآية : ٥٥ ٣٦٩ سُورَةُ الحَّةُ ومنها اعتقادُ النبيِّ وَ﴿ ما ليس بقرآن أنَّه قرآن مع كونه بعيدَ الالتئام متناقضاً ممتزج المدح بالذَّمِّ، وهو خطأٌ شنيعٌ لا ينبغي أن يُتُسَاهل في نسبتِهِ إليه ◌َِّر. ومنها أنَّه إمّا أن يكون عليه الصلاة والسلام عند نُطْقه بذلك معتقداً ما اعتقده المشركونَ مِن مدح آلهتِهم بتلك الكلمات، وهو كفرٌ محالٌ في حقِّه ◌ِوَِّ، وإمَّا أن يكون معتقداً معنَى آخَرَ مخالفاً لما اعتقدوه ومبايناً لظاهرٍ العبارة، ولم يبيِّنه لهم مع فَرَحِهم وادِّعائهم أنَّه مَدَحَ آلهتَهم، فيكون مقرًّا لهم على الباطل، وحاشاه ◌َِّ أن يقرَّ على ذلك. ومنها كونه ◌َّه اشتَبه عليه ما يُلقيه الشيطانُ بما يلقيه عليه المَلَك، وهو يقتضي أنَّه عليه الصلاة والسلام على غيرِ بصيرة فيما يُوحى إليه، ويقتضي أيضاً جوازَ تصوُّر الشيطان بصورة المَلَك ملِّساً على النبيِّ، ولا يصحُّ ذلك، كما قال في ((الشفا))(١): لا في أوَّل الرسالة ولا بعدَها، والاعتماد في ذلك دليلُ المعجزة. وقال ابنُ العربيِّ: تصوُّر الشيطانِ في صورة المَلَك ملبِّساً على النبيِّ كتصوُّره في صورة النبيِّ ملبِّساً على الخَلْقِ، وتسليطُ اللهِ تعالى له على ذلك كتسليطِه في هذا، فكيف يسوغُ في لبِّ سليم استجازة ذلك. ومنها التقوُّل على الله تعالى إمَّا عمداً أو خطاً أو سهواً، وكلُّ ذلك محال في حقِّه عليه الصلاة والسلام، وقد اجتمعتِ الأمَّة على ما قال القاضي عياض(٢) على عِصْمَتِه ◌َ فيما كان طريقه البلاغ مِن الأقوال عن الإخبار بخلاف الواقع لا قصداً ولا سهواً . ومنها الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يُؤْمَن فيه التبديلُ والتغييرُ، ولا يندفع كما قال البيضاويُّ(٣) بقوله تعالى: ((فينسخُ اللهُ ما يُلقي الشيطانُ ثم يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِه)) لأنَّه أيضاً يحتمل، إلى غير ذلك. وذهب إلى صحَّتها الحافظ ابن حجر في ((شرح البخاريِ))(٤) وساق طرقاً عن (١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢٨٥/٢. (٢) الشفا ٢/ ٢٨٥. (٣) في تفسيره ٣٠٦/٦-٣٠٧ (بهامش حاشية الشهاب). (٤) فتح الباري ٧/ ٤٣٩-٤٤٠. سُورَةُ الحِهُ ٣٧٠ الآية : ٥٥ ابنِ عباس وغيرِهِ، ثم قال: وكُلُّها سوى طريقٍ سعيدِ بنِ جُبير إمَّا ضعيفٌ وإمّا منقطعٌ، لكنَّ كثرةَ الطُرق تدلُّ على أنَّ لها أصلاً، مع أنَّ لها طريقاً متَّصلاً بسند صحيحٍ أخرجه البزار(١)، وطريقَيْن آخرين مُرْسَلَين رجالهما على شَرْطِ الصحيحين؛ أحدهما: ما أخرجه الطبريُّ(٢) مِن طريق يونسَ بنِ يزيد، عن ابنِ شهاب. والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمرِ بنِ سليمان، وحمَّاد بنِ سلمة - فرَّقهما - عن داودَ بنِ أبي هند، عن أبي العالية (٣)، ثم أَخَذَ في الرَّدِّ على أبي بكر بن العربيِّ، والقاضي عياض في إنكارِهما الصِّحَّةَ. وذهب إلى صحَّة القصّة أيضاً خاتمةُ المتأخِّرين الشيخُ إبراهيمُ الكورانيُّ ثم المدنيُّ، وذكر بعد كلام طويل أنَّه تحصَّل مِن ذلك أنَّ الحديثَ أخرجه غيرُ واحد مِن أهل الصحّة وأنَّه رواه ثقاتٌ بسند سليمِ متَّصل عن ابنِ عباس، وبثلاث أسانيدَ صحيحة عن ثلاثٍ من التابعين من أئمّةً التفسيرِ الآخِذين عن الصحابة، وهم سعيد بن جبير، وأبو بكر بنُ عبد الرحمن، وأبو العالية، وقد قال السيوطيُّ في (لباب النقول في أسباب النزول)) (٤): قال الحاكم في ((علوم الحديث))(٥): إذا أخبر الصحابيُّ الذي شهد الوحيَ والتنزيل عن آيةٍ مِن القرآن أنَّها نزلت في كذا، فإنَّه حديثٌ مسند. ومشى عليه ابنُ الصلاح(٦)، وغيره. ثم قال(٧): ما جعلناه مِن قبيل المسند مِن الصحابيِّ إذا وَقَعَ مِن تابعيٍّ فهو مرفوعٌ أيضاً، لكنَّه مُرسَل فقد يُقبَلُ إذا (١) كشف الأستار (٢٢٦٣)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٢٤٥٠). قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأمية بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. (٢) في التفسير ٦٠٨/١٦-٦٠٩، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٣٦٧/٤ وعزاه للطبري وعبد بن حميد. (٣) تفسير الطبري ٦٠٦/١٦-٦٠٧، وأوردهما السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٧-٣٦٨، وعزاهما إلى الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم [في التفسير ٢٥٠١/٨-٢٥٠٢ (١٤٠٠٠) و (١٤٠٠١)]. (٤) في مقدمة كتابه ص١٣-١٤ . (٥) ص٢٠. (٦) في كتابه علوم الحديث، الذي اشتهر بـ : مقدمة ابن الصلاح ص٥٠. (٧) أي: السيوطي، في كتابه لباب النقول ص١٥ . الآية : ٥٥ ٣٧١ سُورَةُ الَّةُ صحَّ السند إليه وكان مِن أئمّة التفسير الآخذينَ عن الصحابة كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، أو اعتضد بمرسَل، ونحو ذلك. فعلى هذا يكون الخبرُ في هذه القصّة مسنداً من الطريق المتصلة بابنِ عباس مرسلاً مرفوعاً من الطرق الثلاثة، والزيادة فيه التي رواها الثقاتُ عن ابنِ عباس في غير رواية البخاريِّ، ليست مخالفة لما في البخاريِّ(١) عنه، فلا تكون شاذَّةً، فإطلاق الطَّعْن فيه مِن حيث النقلُ ليس في محلّه. وأجاب عمَّا يلزم على تقدير كون الناطق بذلك النبيُّ وَّهِ، أمَّا عن الأوَّل: فبأنَّ السلطان المنفيَّ عن العبادِ المُخلصين هو الإغواء، أعني التلبيس المخلَّ بأَمْرِ الدِّيْن، وهو الذي وقعَ الإجماع على أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام معصومٌ منه، وأمَّا غيرُ المُخلِّ، فلا دليلَ على نَفْيه ولا إجماعَ على العصمةِ منه، وما هنا غيرُ مخلٍّ؛ لعدم منافاتِهِ للتوحيد، كما يبين إن شاء اللهُ تعالى، بل فيه تأديبٌ وتصفيةٌ وترقيةٌ للحبيب الأعظم ◌َّ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام تمتَّى هَدْيَ الكُلِّ، ولم يكن ذلك مراداً لله تعالى، والأكملُ في العبوديَّة فناءُ إرادته في إرادةِ الحقِّ سبحانه، فليس عليه عليه الصلاة والسلام الإلقاء حالةً تمنِّي هَذْي الكُلِّ المصادم للقَدَر والمنافي لما هو الأكمل، ليترقَّى إلى الأكمل، وقد حصل ذلك بهذه المرَّة، ولذا لم يقع التلبيسُ مرَّة أُخرى، بل كان يُرسَل بَعْدُ مِن بين يديه ومِن خَلْفه رَصَدٌ لِيَعلَم أن قد أَبلغوا رسالةَ ربِّه سبحانه، وفي ترتيب الإلقاء على التمنِّي ما يفهم العتابُ عليه. وأمَّا عن الثاني: فبأنَّ المستحيلَ المنافيّ للعصمة أن يزيدَ عليه الصلاة والسلام فيه مِن تِلقاء نفسِه، أي: يزيدَ عليه الصلاة والسلام فيه ما يَعلمُ أنَّه ليس منه، وما هنا ليس كذلك؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام إنَّما تَبِعَ فيه الإلقاء الملبّس عليه في حالةٍ خاصَّة فقط؛ تأديباً أن يعود لمثل تلك الحالة. وأمَّا عن الثالث: فبأنَّه يجوز أن يكون النبيُّ وَّهَ نَطَقَ به على فهم أنَّه استفهامٌ إنكاريٌّ حُذفَ منه الهمزةُ، أو حكاية عنهم بحَذْف القول، وحينئذٍ لا يكون بعيدَ (١) وهي في صحيحه في كتاب التفسير، في تفسير سورة الحج، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَئِنُ فِيَّ أُمْنِيَّتِهِ﴾: إذا حدَّث ألقى الشيطانُ في حديثه، فيُبطلُ اللهُ ما يلقي الشيطانُ، ویُحكم آياته. سُورَة الخَهُ ٣٧٢ الآية : ٥٥ الالتئام ولا متناقضاً ولا ممتزجَ المدح باللَّمِّ. ولا بُدَّ مِن التزام أحدِ الأمرين على تقدير صحَّة الخبر لمكان العصمة، والنُّكتة في التعبير كذلك إيهامُ الذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبُهم أنَّه عليه الصلاة والسلام مَدَحَ آلهتهم، ويحصل ذلك مراد اللهِ تعالى المشار إليه بقوله سبحانه: ((ليجعل)) إلخ. وأمَّا عن الرابع: فبأنَّا نختارُ الشِّقَّ الثاني بناءً على أنَّه استفهامٌ حُذفَ منه الهمزةُ أو حكاية بحذْف القول، وعلى التقديرين يكون عليه الصلاة والسلام معتقداً لمعنى مخالفٍ لما اعتقدوه، ولا يَلزمُ منه التقرير على الباطل؛ لأنَّه بَيَّن بطلانَ معتقدِهم بقوله تعالى بَعْدُ: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَءُ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤَّكُمْ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطٍَّ﴾ [النجم: ٢٣] فإن ما لم يُنزل الله تعالى به سلطاناً، لا تُرجى شفاعتُه، إذ لا شفاعةَ إلا مِن بعد إذنٍ إلهيٍّ؛ لقوله تعالى بَعْدُ: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَتِ لَا تُغْنِ شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وأمَّا عن الخامس: فبأنَّ هذا الاشتباه في حالة خاصَّة للتأديب لا يقتضي أن يكون وَّ على غيرِ بصيرة فيما يُوحَى إليه في غير تلك الحالة. وأمَّا قول القاضي عياض: لا يصحُّ أن يتصوَّر الشيطان بصورة المَلَك ويُلِّس عليه عليه الصلاة والسلام، فإن أراد به أنَّه لا يصحُّ أن يُلبِّس تلبيساً قادحاً، فهو مسلَّم، لكنَّه لم يقع، وإن أراد مطلقاً ولو كان غيرَ مُخِلٌّ فلا دليلَ عليه، ودليلُ المعجزة إنَّما ينفي الاشتباهَ المخلَّ بأَمْرِ النبوّة المنافي للتوحيد القادح في العصمة، وما ذكر غيرُ مخلِّ بل فيه تأديبٌ بما يتضمَّن تنقيةً وترقيةً إلى الأكمل في العبوديّة. وأمَّا ما ذكر ابنُ العربيِّ، فقياسٌ مع الفارق؛ لأنَّ تصوُّر الشيطانِ في صورة النبيِّ مطلقاً منفيٌّ بالنَّصِّ الصحيحِ، وتصوُّره في صورته ملبِّساً على الخَلْق إغواء يعمُّ، وهو سلطان منفيّ بالنَّصِّ عَنَ المخلصين، وأمَّا تصوُّره في صورةَ المَلَك في حالة خاصَّة ملبِّساً على النبيِّ بما لا يكون منافياً للتوحيد لما يريد الله تعالى بذلك تأديباً، ولإيهامه خلاف المراد فتنة لقوم، فليس من السلطان المنفيٍّ ولا بالتصور الممنوع؛ لعدم إخلالِهِ بمقام النبوَّة. وأمَّا عن السادسِ: فبأَنَّ التقوُّلَ تكلُّفُ القولِ، ومَن لا يتَّبع إلا ما يُلقى إليه مِن الله تعالى حقيقةً أو اعتقاداً ناشئاً مِن تلبيس غيرِ مخلٍّ لا تَكلَّفَ للقولِ عنده، الآية : ٥٥ ٣٧٣ سُورَةُ الحِى فلا تقوُّل على الله تعالى أصلاً، وما أشبه هذه القصّة بما تضمَّنه حديثُ ذي اليدين(١)، فالتلبيسُ عليه عليه الصلاة والسلام في الإلقاء في حالة التمنِّي تأديباً بإيقاع السهو عليه وَّر في الصلاة باعتقاد التمام تشريعاً، والنطق بما ألقاه الشيطان في حالة خاصَّة ممَّا لا ينافي التوحيدَ على أنَّه قَرآنٌ بناءً على اعتقاد أنَّ المُلْقِي مَلَكٌ تلبيساً للتأديبٍ كالنطق بالسَّلام، ثم بـ: (لَم أَنْسَ))(٢) معتقداً أنَّه مطابق للواقع بناءً على اعتقاد التمام سهواً، ووقوعُ البيان على لسان جبريل عليه السلام ثم النَّسْخ والإحكام، كوقوع البيان على لسانِ الصحابيِّ ثم التدارك وسجود السهو، فكما أنَّ السهوَ للتشريع غيرُ قادحٍ في منصب النبوّة، كذلك الاشتباه في الإلقاء للتأديب غيرُ قادح، وكما أنَّ النطقََبـ: ((لمْ أَنْسَ)) مع تبيَّن أنَّه عليه الصلاة والسلام قد نَسِيَ صِدْقٌ، بناءً على اعتقاد التمام سهواً، كذلك النطقُ بما يلقيه الشيطانُ في تلك الحالة على أنَّه قرآنٌ، بناء على اعتقاد أنَّ الملقي مَلَكٌ، صدقٌ، ولا شيء مِن الصدق بالتقوُّل، فلا شيء مِن النطق بما يُلقيه الشيطان في تلك الحالة به. وما ذكر عن القاضي عياض مِن حكاية الإجماع على عدم جوازٍ دخول السهو في الأقوال التبليغيَّة، كما قال الحافظ ابن حجر، مُتَعقَّب. وأمَّا عن السابع: فبأنَّه لا إخلالَ بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلمَ والذين ءامنوا؛ لأنَّ وثوقَ كلِّ منهما تابع لوثوقٍ متبوعِهم الصادق الأمين، فإذا جزم بشيءٍ أنَّه كذا جزموا به، وإذا رجع عن شيء بعد الجَزْم رجعوا، كما هو شأنهم في نَسْخِ غيرِ هذا مِن الآيات التي هي كلامُ الله تعالى لفظاً ومعنّى، إذ قَبْلَ نَسْخِ ما نُسِخَ لفظُه كانوا جازمين بأنَّهم متعبَّدون بتلاوتِه، وبعد النَّسْخ جزموا بأنَّهم مَا هم متعبَّدين بتلاوته، وما نُسِخَ حكمهُ كانوا جازمين بأنَّهم مكلَّفون بحُكْمِه، وبَعْدَ النَّسْخ جزموا بأنَّهم ما هم مكلَّفين به، فقول البيضاويِّ: إنَّ ذلك لا يَندفعُ بقوله تعالى: (فينسخ الله)) إلخ؛ لأنَّه أيضاً يحتمله، ليس بشيءٍ، وبيانُه أنَّه إن أراد أنَّه يَحتمله عند الفِرَقِ الأربعِ المذكورة في الآيات، وهم الذين في قلوبهم مرضٌ، والقاسيةُ (١) أخرجه البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣)، وهو عند أحمد (٧٢٠١) من حديث أبي هريرة (٢) هو جزء من حديث ذي اليدين، المشار إليه آنفاً. سُورَة الِہ ٣٧٤ الآية : ٥٥ قلوبهم، والذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، فهو ممنوعٌ؛ لدلالةِ قوله تعالى: ((وليعلم)) إلخ، على انتفاءِ الاحتمال عند فريقَيْن مِن الفِرَقِ الأربع بعد النَّسْخِ والإحكام، وإن أراد أنَّه يحتمله في الجملة، أي: عند بعضٍ دون بعض، فهو مسلّم وغيرُ مُضِرّ؛ لعدم إخلالِهِ بالوثوق بالقرآن عند الذين أُوتوا العِلْمَ والذين آمنوا، وأمَّا إخلالُه بالنسبة إلى الفريقَيْن الآخرين، فهو مرادُ الله عزَّ وجلَّ. هذا واعترض على الجواب الأوَّل بأنَّ التلبيسَ بحيث يَشتبه الأمرُ على النبيِّ وَّل فيعتقد أنَّ الشيطانَ مَلَكٌ، مُخِلٌّ بمقام النبوَّة، ونقصٌّ فيه، فإنَّ الوليَّ الذي هو دونَه عليه الصلاة والسلام بمراتِب لا يَكاد يَخفَى عليه الطائع مِن العاصي، فيُدرِك نورَ الطاعة وظلمةَ المعصية، فكيف بمَن هو سيِّد الأنبياء ونورُ عيون قلوبِ الأولياء يَلتبسُ عليه مَن هو محضُ نورٍ بمَن هو محضُ ديجور، واشتباهُ جبريل عليه السلام عليه وَّر في بعض المرَّات حتى لم يعرفه إلى أن ذهب فقال: ((والذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفتُه حتى وَلَّى)) (١) إذا صحَّ، ليس مِنِ قبيل اشتباهِ الشيطان به عليه السلام، إذ يجوز أن يكون مِن اشتباه مَلَك بمَلَك، وكلٌّ منهما نورانيٌّ، وقد كان يأتيه وَِّ غيرُ جبريل عليه السلام مِن الملائكة الكرام، وأن يكون مِن اشتباه مَلَكِ بواحدٍ مِن البشر نورانيٍّ أيضاً لم يكن رآهُ عليه الصلاة والسلام قبل ذلك كالخَضِر وإلياس مثلاً إن قلنا بحياتِهما . وأيضاً قال المحقِّقون: إنَّ الأنبياء عليهم السلام ليس لهم خاطرٌ شيطانيٍّ، وكون ذلك ليس منه، بل كان مجرَّدَ إلقاءٍ على اللسان دونَ القَلْب، ممنوعٌ؛ ألا ترى أنَّه قال تعالى: ((ألقى الشيطانُ في أمنيَّته)) دون: ألقى الشيطانُ على لسانه، وتسميةٌ القراءةِ أمنيّة؛ لما أنَّ القارئَ يقدِّر الحروفَ في قلبه أوَّلاً، ثم يَذكرها شيئاً فشيئاً، وأيضاً حفظهُ بَّهِ لذلك إلى أن أمسى - كما جاء في بعض الروايات - فنبَّهه عليه جبريلُ عليهما السلام، يُبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنَّا لو سلَّمنا ذلك وقلنا: إنَّ الشيطانَ ألقى على لسانِهِ وَِّ ولم يُلْقِ في قلبه، كما هو شأنُ الوحي (١) أخرجه ابن خزيمة كما في فتح الباري ١ / ١١٦ - ومن طريقه ابن منده في الإيمان (١٤) - وابن حبان في صحيحه (١٧٣)، والدارقطني (٢٧٠٨) من حديث عمر بن الخطاب رضي ◌ُه. وهو حديث تعليمٍ جبريل عليه السلام النبيَّ وَ ﴿ أمورَ الدين، وأصله عند البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨) من حديث عمر، لكن دون هذه الزيادة المذكورة أعلاه. الآية : ٥٥ ٣٧٥ سُورَّةُ الحَّهُ عَلَى قَلْيِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُذِرِينَ﴾ ١٩٢ المشار إليه بقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤] وقلنا: إنَّ ذلك مما يُعقَل، للزم أن يَعلَمِ نَّهِ مِن خلوٍّ قلبه واشتغالٍ لسانه أنَّ ذلك ليس مِن الوحي في شيءٍ، ولم يَحتج إلى أن يُعلِمِه جبريلُ عليه السلام، والقول بأنَّه لبّس الحال عليه عليه الصلاة والسلام للتأديبٍ والترقية إلى المقام الأكمل في العبوديَّة وهو فناءُ إرادته بَّهِ في إرادة مولاه عزَّ وجلَّ حيث تمتَّى إيمانَ الكلِّ وحرصَ عليه، ولم يكن مرادَ الله تعالى، ممَّا لا ينبغي أن يُلتَفت إليه؛ لأنَّ القائلَ به زَعَمَ أنَّ التأديبَ بذلك كان بَعْدَ قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِىِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِثَايٍَّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] ولا شَكَّ أنَّ التأديبَ به لم يُبْقِ ولم يَذَر، ولم يقرن بما فيه تسليةٌ أصلاً، فإذا قيل - والعياذ بالله تعالى -: إنَّ ذلك لم ينجعْ، فكيف يَنجع ما دونه، وأيضاً أيَّة دلالة في الآية على التأديب وهي لم تَخرج مَخرجَ العتاب، بل مخرجَ التسلية على أبلغ وجٍ عمَّا كان يفعل المشركونَ مِن السعي في إبطال الآيات، ولا نُسلِّم أنَّ ترتيبََ الإلقاء على التمنِّ مع ما في السباق والسياق ممَّا يدلُّ على التسليةِ عن ذلك يُجدي نفعاً في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الألباب. ویرد على قوله: إنَّه بعد حصولِ التأدیب بما ذكر، کان یرسل مِن بین یدیه ومِن خَلْفِه رَصَدٌ يحفظونه مِن إلقاء الشيطان، أنَّه لم يدلَّ دليلٌ على تخصيص الإرسال بما بعد ذلك، بل الظاهر أنَّ ذلك كان في جميع الأوقات، فقد أخرج عبدُ بنُ حميد وابنُ جرير عن الضخَّاك بنِ مزاحم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ. يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] قال: كان النبيُّ ◌َهَ إذا بُعِثَ إليه المَلَك بالوحي، بُعِثَ معه ملائكةٌ يحرسونه مِن بين يديه ومِن خلفه؛ أن يتشبّه الشيطان بالمَلَكَ(١). وقد ذكروا أنَّ ((كان)) في ذلك للاستمرار. وأخرج ابنُ أبي حاتم بسندٍ صحيح عن سعيدِ بنِ جبير قال: ما جاءَ جبريلُ عليه السلام بالقرآن إلى النبيِّ وَّه إلا ومعه أربعةٌ مِن الملائكة حَفَظَةٌ(٢). وهذا (١) الدر المنثور ٢٧٦/٦، وتفسير الطبري ٣٥٣/٢٣. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٧٨/١٠ (١٩٠٠٩). سُورَةُ الحُ ٣٧٦ الآية : ٥٥ صريحٌ في ذلك، ولا شَكَّ أنَّ هذا الإلقاءَ عند مَن يقول به، كان عند نزول الوحي، فقد أخرج ابنُ جرير، وابنُ مردويه مِن طريق العوفيِّ، عن ابنِ عباس: أنَّ النبيَّ وَّهَ بينما هو يُصلِّي إذ نزلت عليه قصَّة آلهةِ العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركونَ، فقالوا: إنَّا نسمعُه يَذكُر آلهتنا بخير. فدَنَوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: ((أفرأيتمُ اللاتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثةَ الأُخَرى)) ألقى الشيطانُ: تلك الغرانيقُ العُلا منها الشفاعةُ تُرتَجى(١). فعلى هذا ونحوه يكون الرَّصَد موجوداً مع عدم ترثُّب أَثره عليه، والقول بأنَّ جبريل عليه السلام ومَن معه تنخّوا عنه حتى أَلقى الشيطانُ ما ألقى، بناءً على ما أَخرِج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس أنَّه قال في آية الرَّصَد: كان النبيُّ وَّرِ قَبل أن يُلقي الشيطانُ في أمنيَّته يَدنونَ منه، فلما ألقى الشيطانُ في أمنيَّته أَمرهم أن يتنحّوا عنه قليلاً(٢). فإنَّ المرادَ مِن قولِه فيه: فلمَّا أَلقى: فلمَّا أَراد أن يُلقي، في حيِّز المنع، وكذا صحَّة هذا الخبر، ثم أيَّةُ فائدةٍ في إنزال الرَّصَدِ إذا لم يَحصُل به الحفظُ، بل كيف يسمَّى رَصَداً. وممَّا ذُكرَ في هذا الاعتراض يعلم ما في الجواب الثاني مِن الاعتراض، وهو ظاهر، وقد يقال: إنَّ إعجازَ القرآن معلومٌ له بَّرِ ضرورةً، كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعريُّ، بل قال القاضي: إنَّ كلَّ بليغ أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة يَعلَم ضرورة إعجازه، وذكرَ أنَّ الإعجازَ يتعلَّق بسورة أو قَدْرها مِن الكلام بحيثُ يتبيَّن فيه تفاضلُ قوى البلاغة، فإذا كانت آيةٌ بقَدْرٍ حروف سورةٍ - وإن كانت كسورة الكوثر - فهو مُعجِزٌ، وعلى هذا يمتنع أن يأتيَ الجنُّ والإنسُ - ولو كانَ بعضُهم لبعض ظهيراً - بمقدارٍ أقصرِ سورةٍ منه تُشبِهه في البلاغة، ومتى أتى أَحَدٌ بما يَزعُم فيه ذلك، لم تَنفُق سُوقُه عند رسولِ الله وَّه، وكذا عند كلِّ بليغ محيط بما تقدَّم، ولم يَخْفَ على الرسول عليه الصلاة والسلام ولا على ذلك البليغ عدمُ إعجازِهِ، فلا يَشتبه عنده بالقرآن أصلاً، ولا شَكَّ أنَّ ما ألقى الشيطانُ - على ما في بعض الروايات - حروفه بقَدْر حروفٍ سورةِ الكوثر، بل أزيد إن اعتُبَر الحرفُ المشدَّد بحرفَيْن، وهو: وإِنَّهنَّ لهنَّ الغرانيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعتهنَّ لهي التي (١) الدر المنثور ٣٦٦/٤-٣٦٧، وتفسير الطبري ٦٠٧/١٦-٦٠٨ . (٢) الدر المنثور ٢٧٥/٦. الآية : ٥٥ ٣٧٧ سُورَةُ الحَّةُ تُرتَجى. الوراد فيما أخرجه ابنُ أبي حاتم مِن طريق موسى بنِ عقبة عن ابنِ شهاب(١) . وجاء في رواية ابنٍ جرير، وابنِ المنذر، وابنٍ أبي حاتم بسندٍ - قال السيوطي: هو صحيح - عن أبي العالية، أنَّه ألقى: تلك الغرانيقُ العُلا وشفاعتهنَّ تُرتَجى تُرتَضى ومثلهنَّ لا يُنسى(٢). وحروفُه أزيد مِن حروفِها، إذا لم يُعتَبر الحرف المشدَّد في شيء منهما بحرفَيْن، أمَّا إذا اعتُبر، فحروفُها أزيد بواحدٍ، فإن كان ما ذُكرَ ممَّا يتعلَّق به الإعجاز، فإن كان مُعجزاً، لزم أن يكون مِن الله تعالى لا مِن إلقاء عدوِّه؛ ضرورةً عجزِه كسائر الجنِّ والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن مما يتعلَّق به الإعجاز، فهو كلام غيرُ يسير يتنبَّه البليغُ الحاذق إذا سمعَه أثناء كلام فوقَه بمراتب؛ لكونه ليس منه، فيبعد كلَّ البُعد أن يخفى عليه عليه الصلاة والسلام قصورُ بلاغتِه عن بلاغة شيءٍ مِن آيات القرآن، سواء قلنا بتفاوتِها في البلاغة، كما اختاره أبو نصر القشيريُّ وجماعةٌ، أم قلنا بعدم التفاوت، كما اختاره القاضي، فيعتقد أنَّه قرآنٌ حتى ينبِّهه جبريلُ عليه السلام، لا سيَّما وقد تكرَّر على سمعه الشريف سُكْرُ الآياتِ وما زَجَتْ لحمَه ودمَه، والواحد منَّا وإن لم يكن مِن البلاغة بمكانٍ إذا أَلِفَ شِعْرَ شاعرٍ وتكرَّر على سمعه يعلمُ إذا دُسَّ بيتٌ أو شَطْرٌ في قصيدةٍ له، أنَّ ذلك ليس له، وقد يُطالَب بالدليل فلا يَزِيدُ على قوله: لأنَّ النَّفَسَ مُختلِفٌ، وهذا البُعد متحقِّق عندي على تقديرٍ كون الملقى ما في الرواية الشائعة وهو: تلك الغرانيقُ العُلا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتَجى، أيضاً لا سيمًا على قول جماعةٍ: إنَّ الإعجازَ يتعلَّق بقليلِ القرآنِ وكثيرِهِ مِن الجمل المفيدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] والقولُ بأنَّ النبيَّ وََّ خَفِيَ عليه ذلك للتأديبِ، فيه ما فيه، ولا يَبعُد استحقاقُ قائلِه للتأنيب. وما ذكره في الجواب عن الثالثِ من أنَّه لا بُدَّ مِن حَمْلِ الكلام على الاستفهام أو حَذْفِ القول، وهو دون الأوَّل إذا صحَّ الخبرُ، صحيحٌ لكنَّ إثباتَ صحَّة الخبر (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠١/٨ (١٣٩٩٩). (٢) الدر المنثور ٣٦٧/٦، وتفسير الطبري ٦٠٦/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠١/٨ (١٤٠٠٠). سُورَةُ الحَّةُ ٣٧٨ الآية : ٥٥ أشدُّ مِن خَرْطِ القَتَادُ (١)، فإنَّ الطاعنينَ فيه مِن حيث النقلُ علماءُ أجلاء عارفونَ بالغَثِّ والسمينِ مِن الأخبار، وقد بذلوا الوُسْعَ في تحقيق الحقِّ فيه، فلم يَروه(٢) إلا مردوداً، وما ألقى الشيطانُ إلى أوليائه معدوداً، وهم أكثر ممَّن قال بقبوله ومنهم مَن هو أعلم منه، ويغلب على الظَّنِّ أنَّهم وَقَفوا على رواتِهِ في سائر الظُّرُق فرأَوْهم مجروحينَ، وفات ذلك القائلَ بالقَبول، ولعمري إنَّ القولَ بأنَّ هذا الخبرَ ممَّا ألقاه الشيطانُ على بعضِ ألسنةِ الرواة، ثم وفَّق اللهُ تعالى جَمْعاً مِن خاصَّته لإبطاله، أهونُ مِن القول بأنَّ حديثَ الغرانيق ممَّا ألقاهُ الشيطانُ على لسانِ رسولِ اللهِ وَّ ثم نَسَخَه سبحانه وتعالى، لاسيّما وهو ممَّا لم يتوقَّف على صحّته أَمْرٌ ديني ولا معنى آية ولا ولا، سوى أنَّها يتوقّف عليها حصولُ شُبَه في قلوب كثيرٍ مِن ضعفاء المؤمنين لا تكاد تُدفَع إلا بجهدٍ جهيد، ويؤيِّد عدمَ الثبوت؛ مخالفتُه لظواهر الآياتِ، فقد قال سبحانه في وصف القرآن: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] والمراد بالباطل ما كان باطلاً في نفسه، وذلك المُلقى كذلك وإن سوِّغ نُطْقُ النبيِّ وَّ ر به تأويله بأحد التأويلين، والمراد بـ ﴿لَّا يَأْتِهِ﴾ استمرارُ النفي لا نفيُ الاستمرار. وقال عزَّ وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ, ◌َحَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فجِيْءَ بالجملة الاسميَّة مؤكّدة بتأكيدين، ونسب فيها الحفظ المحذوف متعلَّقه؛ إفادةً للعموم إلى ضميرِ العظمة، وفي ذلك مِن الدلالة على الاعتناء بأمر القرآنِ ما فيه. وقد استدلَّ بالآية من استدلَّ على حفظ القرآن مِن الزيادة والنقص، وما علينا ما قيل في ذلك، وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظَ، لأنَّه نُسِخَ ولم يَبْقَ إلا زماناً يسيراً، لا يخلو عن نَظَر، والظاهر أنَّه وإن لم يُنَافِ الحفظَ في الجملة، لكنَّه ينافي الحفظَ المشار إليه في الآية على ما يقتضيه ذلك الاعتناء، ثم إنْ قيل: بما روي عن الضحاك مِن أنَّ سورة الحجِّ كلَّها مدنيّةٌ، لزم بقاءُ ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد رسولِ اللهِ وَ﴿ والمؤمنين زماناً طويلاً، والقول بذلك مِن الشَّنَاعة بمكان، وقال جلَّ (١) الخَرْط: قَشْرُكَ الورق عن الشجرة اجتذاباً بكفِّك. والقتاد: شجر له شوك أمثال الإبر. وهو مَثَل يُضرَب للأمر دونه مانع. مجمع الأمثال للميداني ٢٦٥/١ . (٢) في (م): يرووه. الآية : ٥٥ ٣٧٩ سُورَةُ الحَّة وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] والظاهر أنَّ الضميرَ لما يَنطق به عليه الصلاة والسلام ممَّا يتعلَّق بالدِّيْن، ومِن هنا أخرج الدارمِيُّ عن يحيى بن أبي كثير، أَنَّه قال: كان جبريلُ عليه السلام ينزل بالسُّنَّة كما يَنزِلُ بالقرآن(١). والمتبادر مِن لحن الخطاب أنَّ جميعَ ما ينطِق به عليه الصلاة والسلام مِن ذلك ليس عن إلقاء شيطانيٍّ كما أنَّه ليس عن هوى، وبقيت آياتٌ أُخَرُ في هذا الباب ظواهرُها تدلُّ على المدّعى أيضاً، وتأويلُ جميع الظواهر الكثيرة لقول شِرْذمة قليلة بصحّة الخبر المنافي لها مع قولِ جمٍّ غفير بعد الفحص التامٌّ بعدم صحّته، مما لا يَميلُ إليه القلبُ السليم ولا يَرتضيه ذو الطبعِ المستقيم، ويبعدُ القولَ بثبوته أيضاً عدمُ إخراج أحدٍ مِن المشايخ الكبار له في شيءٍ مِن الكتب السِّتِّ مع أنَّه مشتملٌ على قصَّة غريبة، وفي الطباع مَيْلٌ إلى سماعِ الغريب وروايتهِ، ومع إخراجهم حديثَ سجودِ المشركين معه ◌َ ل﴿ حين سَجَدَّ آخِرَ النجم، فقد روى البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيُّ، وغيرُهم عن ابنِ مسعود: أنَّ النبيَّ وَهُ قَرَأ: (وَالنَّجْرِ)، فسجد فيها وسَجَدَ كلُّ مَن كان معه، غير أنَّ شيخاً (٢) مِن قريش أَخَذَ كفّا مِن حصّى أو ترابٍ ورَفَعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا (٣). وروى البخاريُّ أيضاً، والترمذيُّ عن ابنِ عباس: أنَّ رسول الله،وَ لّ سَجَدَ بالنجم وسَجَدَ معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنسُ (٤)، إلى غير ذلك. وليس لأحدٍ أن يقول: إنَّ سجودَ المشركين يدلُّ على أنَّه كان في السورة ما ظاهرُه مدحُ آلهتِهم، وإلّا (١) الدر المنثور ١٢٢/٦، والذي في سنن الدارمي (٥٨٧) عن يحيى بن أبي كثير، قال: السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاضٍ على السنة. وجاء بعده برقم (٥٨٨): أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان، قال: كان جبريل ينزل على النبي ◌َّه بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن. فلعلَّ السيوطيَّ أخطأ في نقله عن الدارمي، واشتبه عليه يحيى بن أبي كثير بمحمد بن كثير شيخ الدارمي. وقول حسان بن عطية أخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (٥٣٦)، والمروزي في السنة (٤٠٢)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة (٩٩). وعزاه ابن حجر في فتح الباري ٢٩١/١٣ للبيهقي وصحَّحه. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): جاء في رواية: أنه أمية بن خلف. اهـ. منه. (٣) البخاري (٤٨٦٣)، ومسلم (٥٧٦)، وأبو داود (١٤٠٦)، والنسائي في المجتبى ١٦٠/٢. (٤) البخاري (١٠٧١)، والترمذي (٥٧٥). سُودَةُ الحِ﴾ ٣٨٠ الآية : ٥٥ لما سجدوا؛ لأنَّا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشةٍ أصابتهم، وخوفٍ اعتراهم وَثَمُودَا فَآَ عند سماع السورة؛ لما فيها مِن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا أُلْأُولَى فَفَشَّنْهَا مَا ٥٣ وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى ٥٢ أَبْقَى (® وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌ إِنَهُمْ كَانُواْ هُمْ أَنْلَمَ وَأْغَى غَشَى﴾ إلى آخرِ الآياتِ [النجم: ٥٠-٥٤]، فاستشعروا نزولَ مِثْلٍ ذلك بهم، ولعلَّهم لم يَسمعوا قبل ذلك مِثْلَها منه وَّر وهو قائمٌ بين يَدَي ربِّه سبحانه في مقام خطرٍ وجمع كثير، وقد ظنُّوا مِن ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدَّم أنَّ سجودَهم ولو لم يكن عن إيمانٍ كافٍ في دَفْعِ ما توقَّموه، ولا تستبعد خوفَهم مِن سماعٍ مِثْلِ ذلك منه ◌َِّ، فقد نزلت سورةُ (حم) السجدة بعد ذلك كما جاء مصرَّحاً به في حديث عن ابنٍ عباس، ذكره السيوطيُّ في أوَّل ((الإتقان))(١)، فلما سمع عتبةُ بنُ ربيعة قوله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ صَِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] أَمسكَ على فَم رسولِ اللهِ وَّهِ وناشَده الرَّحِمَ، واعتذرَ لقومه حين ظنُّوا به أنَّه صَبَأَ، وقال: كيف وَقَد علمتم أنَّ محمداً إذا قال شيئاً لم يكذبْ، فخِفتُ أن يَنزِلَ بكم العذابُ. وقد أخرج ذلك البيهقيُّ في ((الدلائل)) وابنُ عساكر في حديث طويلٍ عن جابر بنِ جي (٢) . عبد الله ويمكن أن يُقال على بُعْدٍ: إنَّ سجودَهم كان لاستشعار مَدْحِ آلهتهم، ولا يلزم منه ثبوتُ ذلك الخبر؛ لجواز أن يكون ذلك الاستشعارُ مِن قوله تعالى: ﴿أَفَّهَيْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَِّ ﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ [النجم: ١٩-٢٠] بناءً على أنَّ المفعولَ محذوفٌ وقدَّروه حسبما يشتهون، أو على أنَّ المفعولَ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْنَى﴾ [النجم: ٢١] وتوهمَّوا أنَّ مصبَّ الإنكار فيه كون المذكوراتِ إناثاً، والحُبُّ للشيء يُعمِي ويُصِمُّ، وليس هذا بأبعدَ مِن حَمْلهِم: تلك الغرانيق العُلا وإن شفاعتهنَّ لتُرتَجى، على المدح حتى سجدوا لذلك آخِرَ السورة مع وقوعِه بين ذمّيْن المانع مِن حمله (١) ٢٧/١-٢٨. (٢) الدر المنثور ٣٥٩/٥، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٢٤٢/٣٨، ولم نقف عليه في دلائل النبوة للبيهقي، وهو في دلائل النبوة للأصفهاني (١٨٢)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٩٥/١٤، وعبد بن حميد (١١٢٣)، وأبو يعلى (١٨١٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٠: رواه أبو يعلى، وفيه: الأجلح الكندي وثّقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وباقي رجاله ثقات.