النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ٤٠ ٣٤١ سُورَةُ الحِهُ النفوسِ. وقيل: بالنبيِّين عليهم السلام عن المؤمنين، والكلُّ مما لا يقتضيه المقامُ، ولا ترتضيه ذوو الأفهام. والصَّوامع: جمع: صَوْمَعة بوزن فعولة(١)، وهي: بناءٌ مرتفعٌ حديدُ الأعلى، والأصْمَع مِن الرجال: الحديدُ القول، وقال الراغبُ: هي كلُّ بناءٍ متصمِّعُ الرَّأْسِ، أي: متلاصقُه، والأَضْمَع: اللاصقة أُذُنُهُ برأسِه(٢). وهو قريبٌ مِن قريبٍ، وكانت قبل الإسلام كما قال قتادة مختصَّة برهبانِ النصارى وبعبَّاد الصابئة، ثم استعملت في مئذنة المسلمين، والمراد بها هنا متعبَّد الرهبان عند أبي العالية، ومتعبَّد الصابئة عند قتادة، ولا يخفى أنَّه لا ينبغي إرادةُ ذلك حيث لم تكن الصابئةُ ذات ملَّة حقّة في وقت مِن الأوقات. والبِيَعُ: واحدها: بِيْعَة، بوزن فِعْلَة، وهى مصلَّى النصارى، ولا تختصُّ برهبانهم كالصومعة. قال الراغبُ: فإن يكن ذلك عربيًّا في الأصل، فوجه التسمية به لما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتََّى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [١١١ من سورة التوبة]. وقيل: هي كنيسةُ اليهود. وقرأ أهل المدينة، ويعقوب: ((ولولا دفاعُ)) بالألف(٣). وقرأ الحِرْمِيَّان، وأيوب، وقتادة، وطلحة، وزائدة عن الأعمش، والزعفرانيُّ: ((لَهُدِمَتْ)) بالتخفيف(٤)، والتضعيف باعتبار كثرةٍ المواضع. ◌ْوَصَلَوَتٌ﴾ جمع: صلاة، وهي: كنيسةُ اليهود، وقيل: معبدٌ للنصارى دون البِيْعة، والأوَّل أشهر، وسُمِّيت الكنيسةُ بذلك؛ لأنَّها يُصلَّى فيها، فهي مجاز مِن تسمية المحلِّ باسم الحالِّ، وقيل: هي بمعناها الحقيقيّ. وهدِّمت: بمعنى عُطّلت، أو في الكلام مضاف مقدَّر، وليس بذاك. (١) كذا في الأصل و(م)، والبحر المحيط ٣٧١/٦، والذي في تفسير القرطبي ٤١٠/١٤، والدر المصون ٢٨٥/٨، والصحاح واللسان (صمع): وزنها فوعلة. ولعلها الصواب. (٢) المفردات (صمع)، وورد فيه: اللاصق، بدل: اللاصقة. (٣) التيسير ص ٨٢، والنشر ٢٣٠/٢. (٤) التيسير ص ١٥٧، والنشر ٣٢٧/٢، والبحر المحيط ٣٧٥/٦. سُودَةُ الحِهُ ٣٤٢ الآية : ٤٠ وقيل: (صَلَوات)) معرَّب صَلُؤْثا، بالثاء المثلَّثة والقَصْر، ومعناها بالعبرانيَّة: المصلَّى. وروي عن أبي رجاء، والجحدريِّ، وأبي العالية، ومجاهد أنَّهم قرؤوا بذلك(١). والظاهر أنَّه على هذا القول اسمُ جنسٍ لا عَلَم، قَبْلَ التعريبِ وبعده، لكن ما رواه هارون عن أبي عمرٍو مِن عدم تنوينهِ وَمَنْعِ صَرْفه للعلميّة والعُجْمةِ (٢) يقتضي أنَّه عَلَمُ جنسٍ، إذ كونه اسمَ موضعٍ بعينهِ كما قيلَ بعيدٌ، فعليه كان ينبغي مَنْعُ صَرْفِهِ على القراءة المشهورة، فلذا قيل: إنَّه صُرِفَ؛ لمشابهته للجمع لفظاً، فيكون كعَرَفات، والظاهر أنَّه نُكِّر إذ جُعلَ عامًّا لمَّا عُرِّب، وأمَّا القول بأنَّ القائلَ به لا ينوِّنه، فتكلُّف، قاله الخفاجيُّ(٣). وقرأ جعفرُ بنُ محمد ◌ٌ﴾ًا: ((صُلُوات)) بضمِ الصاد واللام(٤). وحكى عنه ابنُ خالويه بكسرِ الصاد وسكونِ اللام، وحُكيت عن الجحدريّ(٥)، وحكي عنه أيضاً: ((صُلَوات)) بضمِّ الصاد وفتح اللام، وحكيت عن الكلبيّ(٦)، وقرأ أبو العالية في رواية: ((صَلْوات)) بفتح الصادِ وسكون اللام(٧)، وقرأ الحجّاج بنُ يوسف: ((صُلُوت)) بضمِّ الصاد واللام من غير ألفٍ، وحكيت عن الجحدريِّ أيضاً(٨)، وقرأ مجاهد: ((صُلُوتا)) بضمَّتين وتاء مثناة بعدها ألفٌ(٩)، وقرأ الضخَّاكِ، والكلبيُّ: ((صُلُوث)) بضمَّتين من غيرِ ألف وبثاء مثلَّئة(١٠)، وقرأ عكرمة: (صِلْوِيثا)) بكسرِ الصاد وإسكان اللام، وواو مكسورة بعدها ياء، بعدها ثاء مثلَّثة بعدها ألف (١١)، وحكي عن الجحدري أيضاً: ((صُلْوَاث)) بضمِّ الصاد وسكون اللام (١) القراءات الشاذة ص ٩٦، والبحر المحيط ٦/ ٣٧٥. (٢) البحر المحيط ٣٧٥/٦. (٣) حاشية الشهاب ٣٠١/٦. (٤) المحتسب ٨٣/٢، والبحر المحيط ٣٧٥/٦. (٥) القراءات الشاذة ص ٩٦، والمحتسب ٨٣/٢، إلا أن ابن خالويه نسبها للجحدري فقط دون جعفر بن محمد. (٦) القراءات الشاذة ص ٩٦، والمحتسب ٨٣/٢، والبحر المحيط ٣٧٥/٦. (٧) القراءات الشاذة ص ٩٦، والبحر المحيط ٣٧٥/٦. (٨) القراءات الشاذة ص ٩٦، والمحتسب ٢/ ٨٣. (٩) القراءات الشاذة ص ٩٦، والمحتسب ٨٣/٢، والبحر المحيط ٣٧٥/٦، إلا أنه ورد في مطبوع القراءات الشاذة: صُلُونا. بالثاء، بدل التاء. (١٠) المحرر الوجيز ١٢٥/٤، والبحر المحيط ٣٧٥/٦. (١١) القراءات الشاذة ص ٩٦، والمحتسب ٨٣/٢ إلا أنه وقع فيه: صلويتا، بالتاء بدل الثاء. الآية : ٤٠ ٣٤٣ سُورَةُ الحَّهُ وواو مفتوحة بعدها ألف بعدها ثاء مثلَّثة(١)، وحكي عن مجاهد أنَّه قرأ كذلك إلا أنَّه بكسرِ الصاد(٢)، وحكى ابنُ خالويه وابنُ عطيّة عن الحَجَّاج والجحدريُّ: ((صُلُوب)) بضمَّتين وباء موحدة على أنَّه جمع صليب(٣)، كظريف وظُرُوف، وجَمْعُ فَعِيْل على فُعُول شاٌّ، فهذه عدَّة قراءات قلَّما يوجد مثلها في كلمة واحدة. ﴿وَمَسَجِدُ﴾ جمع: مسجد، وهو: معبدُ معروفٌ للمسلمين، وخصَّ بهذا الاسم؛ اعتناءً بشأنه مِن حيث إنَّ السجودَ أقربُ ما يكون العبدُ فيه إلى ربِّه عزَّ وجلَّ، وقيل: لاختصاصِ السجود في الصلاة بالمسلمين، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] وحَمْلُ السجودِ فيها على المعنى اللغويِّ بعيدٌ، وقال ابنُ عطيّة(٤): الأسماء المذكورة تشترك الأممُ في مسمَّياتها إلا البِيْعةَ، فإنَّها مختصَّة بالنصارى في عُرْفِ كلِّ لغة، والأكثرون على أنَّ الصوامعَ للرهبان، والبِيَعَ للنصارى، والصلواتِ لليهود، والمساجدَ للمسلمين. ولعلَّ تأخيرَ ذِكْرِها مع أنَّ الظاهرَ تقديمُها لشرفِها؛ لأنَّ الترتيبَ الوجوديَّ كذلك، أو لتقع في جوار مَدْحِ أهلِها، أو للتبعيد مِن قُرب التهديم، ولعلَّ تأخيرَ (صلوات)) عن ((بِيَع)) مع مخالفة الترتيبِ الوجوديِّ له؛ للمناسبة بينها وبين المساجد، كذا قيل، وقيل: إنَّما جِيْءَ بهذه المتعبَّدات على هذا النَّسَق؛ للانتقال مِن شريفٍ إلى أشرف، فإنَّ البِيَعَ أشرفُ من الصوامع؛ لكثرة العبَّاد فيها، فإنَّها معبدٌ للرهبان وغيرهم، والصوامع معبدٌ للرهبان فقط، وكنائس اليهود أشرفُ مِن البِيَع؛ لأنَّ حدوثَها أقدمُ، وزمان العبادة فيها أطولُ، والمساجدُ أشرفُ مِن الجميع؛ لأنَّ الله تعالى قد عُبِدَ فيها بما لم يُعْبَدْ به في غيرها . ولعلَّ المراد مِن قوله تعالى: ((لهُدِّمت)) ... إلخ، المبالغة في ظهورِ الفساد ووقوع الاختلال في أَمْرِ العباد لولا تسليطُ الله تعالى المحقِّين على المبطلين لا مجرَّد تهديم متعبَّدات للملِّيين. (١) القراءات الشاذة ص٩٦، والبحر المحيط ٣٧٥/٦. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٦، والبحر المحيط ٦/ ٣٧٥. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٦، والمحرر الوجيز ١٢٥/٤. (٤) المحرر الوجيز ١٢٥/٤. سُورَةُ الحِہ ٣٤٤ الآية : ٤١ ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرٌ﴾ في موضع الصفةِ لـ ((مساجد))، وقال الضخَّاك، ومقاتل، والكلبيُّ: في موضع الصفةِ للجميع، واستظهره أبو حيَّان(١)، وكونُ كونِ بيانِ ذِكْر الله عزَّ وجلَّ في الصوامع والبِيَع والكنائس بعد انتساخٍ شرعيّتها مما لا يقتضيه المقامُ = ليس بشيء؛ لأنَّ الانتساخَ لا ينفي بقاءَها ببركة ذِكرُ اللهِ تعالى فيها، مع أنَّ معنى الآية عامٌ لما قَبْل الانتساخِ، كما مرَّ. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُءُ﴾ أي: وبالله لينصرنَّ اللهُ تعالى مَن ينصر دينَه، أو من يَنصُر أولياءَه، ولقد أَنجزَ اللهُ تعالى وَعْدَه حيث سلَّط المهاجرين والأنصار على صناديدِ العرب وأكاسرةِ العجم وقياصرةِ الروم، وأورثهم أرضَهم وديارَهم. ﴿إِنّ اللَّهَ لَقَوِىٌ﴾ على كلِّ ما يريده مِن مراداته التي مِن جملتها نَصْرُهُم ﴿عَزِيزٌ ﴾﴾ لا يمانعه شيء ولا یدافعه. ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ﴾ وصفٌ للذين أُخرجوا، مقطوع أو غير مقطوع، وجوّز أن يكون بدلاً، والتمكينُ: السلطنةُ ونفاذُ الأمر، والمراد بالأرض جنسُها، وقيل: مَّة، والمراد بالصلاة الصلاةُ المكتوبة، وبالزكاة الزكاةُ المفروضة، وبالمعروف التوحيدُ، وبالمنكَر الشِّرْكُ، على ما روي عن زيد بن أسلم. ولعلَّ الأولى في الأخيرين التعميمُ، والوصف بما ذُكرَ كما روي عن عثمان رَّهِ: ثناء قبل بلاء، يعني أنَّ اللهَ تعالى أثنى عليهم قبل أن يُحدِثوا مِن الخير ما أَحدثوا، قالوا: وفيه دليلٌ على صحَّة أَمْرِ الخلفاء الراشدين ﴿ه أجمعين، وذلك على ما في ((الكشف))؛ لأنَّ الآيةَ مخصوصةٌ بالمهاجرين؛ لأنهَّم المُخرَجُون بغير حقٍّ، والممكّنون في الأرض، منهم الخلفاء دون غيرهم، فلو لم تثبت الأوصاف الباقية، لزم الخُلْفُ في المقال، تعالى الله سبحانه عنه، لدلالته على أنَّ كلَّ ممكن منهم يلزمه التوالي؛ لعموم اللفظ، ولمَّا كان التمكينُ واقعاً تمَّ الاستدلالُ دون نظر إلى استدعاءِ الشرطيَّة الوقوع، كالكلام المقرون بـ ((لعلَّ) و((عسى)) مِن العظماء، فإنَّ لزومَ التالي مقتضى اللفظ لا محالةَ، ولما وقع المقدَّم، لزم وقوعه أيضاً، وفي (١) البحر المحيط ٣٧٥/٦. الآية : ٤٢، ٤٣ ٣٤٥ سُورَةُ الحِه ثبوت التالي ثبوت حقِّيَّة الخلافة ألبتة، وهي واردةٌ على صيغة الجمعِ المنافية للتخصيص بعليٍّ وحده رَظُه، وعن الحسن، وأبي العالية: هم أمَّة محمَّد بَّهِ. والأولى على هذا أن يُجعل الموصول بدلاً مِن قوله تعالى: ((مَن يَنْصُرُه)) كما أعربه الزَجَّاج (١)، وكذا يقال على ما روي عن ابنِ عباس أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون، وعلى ما روي عن أبي نجيحِ أنَّهم الولاةُ. وأنتَ تَعلمُ أنَّ المقامَ لا يقتضي إلا الأوَّلَ. ﴿وَلِلّهِ﴾ خاصة ﴿عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾﴾ فإنَّ مرجعَها إلى حُكْمه تعالى وتقديرِهِ فقط، وفيه تأکیدٌ للوعد بإعلاء کلمتِه وإظهارٍ أوليائه . ﴿وَإِنِ يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوَّمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٨ وَقَوْمُ إِزَهِيَمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ مَدْيٌَ﴾ تسليةٌ لرسول الله وَّةِ، وصيغةُ المضارع في الشَّرْط مع تحقُّق التكذيبِ لما أنَّ المقصودَ تسليتُه عليه الصلاة والسلام عمَّا يترتَّب على التكذيب مِن الحزن المتوقَّع، أو للإشارة إلى أنَّه ممَّا لا ينبغي تحقُّقه، وإلحاق: كَذَّبَ، تاء التأنيث؛ لأن الفاعلَ وهو ((قوم)) اسمُ جمع يجوز تذكيرُه وتأنيثُهُ، ولا حاجةَ لتأويله بالأمَّة أو القبيلة، كما فعل أبو حيَّان(٢) ومَن تبعهُ، وفي اختيارِ التأنيث حظّ لقَدْر المكذِّبين، ومفعولُ كذَّب محذوفٌ؛ لكمال ظهورِ المراد. وجوّز أن يكون الفعلُ منزَّلاً منزلةَ اللازم، أي: فَعَلَت التكذيبَ، واستغنى في ((عادٍ وثمودَ)) عن ذِكْر القومِ؛ لاشتهارِهم بهذا الاسم الأخصر، والأصل في التعبير العَلَمُ، فلذا لم يقل: قوم صالح وقوم هود. ولا عَلَّم لغير هؤلاء، ولم يقل: وقوم شعيب، قيل: لأنَّ قومَه المكذِّبين له عليه السلام هم هؤلاء دونَ أهلِ الأيْكَة؛ لأنَّهم - وإِنْ أُرسلَ عليه السلام إلیھم فكذَّبوه - أجنبیُّون، وتكذيبُ هؤلاء أيضاً أسبقُ وأشدُّ، والتخصيص؛ لأنَّ التسليةَ للنبيّ عليه الصلاة والسلام عن تكذيبٍ قومِه، أي: وإن يكذِّبك قومُك فاعْلَم أنَّكَ لست بأوحديٍّ في ذلك، فقد كذّبَتْ قَبْلَ تكذيبٍ قومِك إِيَّاك قومُ نوحٍ ... إلخ. (١) معاني القرآن وإعرابه ٤٣١/٣. (٢) البحر المحيط ٣٧٦/٦. سُورَةُ الحِہ ٣٤٦ الآية : ٤٤، ٤٥ ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ المكذِّب له عليه السلام هم القبطُ، وليسوا قومَه، بل قومه عليه السلام بنو إسرائيل ولم يكذّبوه بأَسْرهم، ومَن كذَّبه منهم تابَ إلا اليسيرَ، وتكذيبُ اليسيرِ مِن القوم كلا تكذيبٍ، ألا ترى أنَّ تصديقَ اليسير مِن المذكورين قَبْلَ عدِّ كلا تصديق، ولهذا لم يَقُل: وقوم موسى، كما قيل: ((قوم نوح)) و ((قوم إبراهيم))، وأمَّا أنَّه لم يقل: والقِبْط، بل أُعيد الفعلُ مبنيًّا للمفعول؛ فللإيذان بأنَّ تكذيبَهم له عليه الصلاة والسلام في غاية الشناعة، لكون آياتِهِ في كمالِ الوضوح. ﴿فَأَمْلَيَّتُ لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: أمهلتُهم حتى انصرمتْ حبالُ آجالِهم، والفاء لترتيب إمهال كلٍّ فريق مِن فِرَقِ المكذِّبين على تكذيبٍ ذلك الفريق، لا لترتيب إمهال الكلِّ على تكذيب الكلِّ. ووضعَ الظاهرُ موضعَ المضمرِ العائد على المكذِّبين لذمِّهم بالكفر، والتصريح بمكذُّبي موسى عليه السلام حيث لم يُذكَروا فيما قَبْلُ تصريحاً . ﴿ِثُرَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: أخذتُ كلَّ فريقٍ مِن فِرَقِ المكذِّبين بعد انقضاءِ مدَّة إملائه وإمهاله، والأَخْذُ كنايةٌ عن الإهلاك ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (@﴾ أي: إنكاري عليهم، بتغيُّرِ ماهم عليه مِن الحياة والنِّعْمة وعمارةِ البلاد وتبديله لضدِّه، فهو مصدر مِن نكرتُ عليه إذا فعلتَ فعلاً يردعُه، بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار. وياءُ الضمير المضاف إليها محذوفةٌ؛ للفاصلة، وأثبتها بعضُ القرَّاء(١)، والاستفهام للتعُّب، كأنَّه قيل: فما أشدّ ما كان إنكاري عليهم، وفي الجملة إرهابٌ لقريش. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ﴾ منصوبٌ بمضمر يفسِّره قوله تعالى: ﴿أَمْلَكْنَهَا﴾ أي: فأهلكنا كثيراً مِن القرى أَهلكناها، والجملة بدلٌ مِن قوله سبحانه: ((فكيف كان نكير))، أو مرفوع على الابتداء، وجملة (أهلكناها)) خبره، أي: فكثير مِن القرى أَهلكناها، واختار هذا أبو حيَّان(٢)، قال: الأجودُ في إعراب ((كأيِّن)) أن تكون مبتدأ، وكونها منصوبةً بفعل مضمر قليلٌ. وقرأ أبو عمرو، وجماعة: ((أهلكتُها)) بتاء المتكلِّم(٣) على وفقِ: ((فَأَمليتُ للكافرين ثم أخذتُهم))، ونسبةُ الإهلاك إلى القرى مجازيَّة، والمراد إهلاكُ أهلِها، (١) أثبتها ورش وصلاً، ويعقوب وصلاً ووقفاً. التيسير ص ١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢. (٢) البحر المحيط ٣٧٦/٦. (٣) التيسير ص ١٥٧، والنشر ٣٢٧/٢. الآية : ٤٥ ٣٤٧ سُوَّةُ الحَّة ويجوز أن يكون الكلامُ بتقديرِ مضاف، وقيل: الإهلاك استعارةٌ؛ لعدم الانتفاع بها بإهلاك أهلِها . وقوله تعالى: ﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ جملةٌ حاليَّة مِن مفعولٍ: أهلكنا، وقوله تعالى: ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ﴾ عطف على ((أهلكناها)) فلا محلَّ له من الإعراب، أو محلُّه الرفع كالمعطوف عليه، ويجوز عطفُه على جملة ((كأيِّن)) إلخ الاسميَّة، واختاره بعضُهم؛ لقضية التشاكل، والفاءُ غيرُ مانعة؛ بناءً على ترتُّب الخَوَاء على الإهلاك؛ لأنَّه على نحو: زيدٌ أبوكَ، فهو عطوفٌ عليك. وجوّز عطفُها على الجملة الحالية، واعترض بأن خواءها ليس في حال إهلاك أهلها، بل بعده، وأجيب بأنها حال مقدَّرة، ويصح عطفها على الحال المقارنة، أو يقال: هي حالٌ مقارنة أيضاً بأن يكون إهلاك الأهل بخوائِها عليهم، ولا يخفى أنَّ كلا الجوابين خلافُ الظاهر. والخَواء إمّا بمعنى السقوط مِن خَوَى النجمُ: إذا سقط، وقوله تعالى ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ متعلِّق به، والمراد بالعروش: السقوفُ، والمعنى: فهي ساقطةٌ حيطانُها على سقوفها، بأن تعطّل بنيانها، فخرَّت سقوفُها، ثم تهدَّمت حيطانُها فسقطت فوقَ السقوف، وإسناد السقوطِ على العروش إليها؛ لتنزيل الحيطان منزلةَ كلِّ البُنيان؛ لكونها عمدةً فیه. وإمَّا بمعنى الخلوِ، مِن خَوَتِ الدارُ تَخوي خَواء: إذا خَلَت مِن أهلها، ويقال: خَوي البطنُ يَخوِي خَوَى، إذا خلا مِن الطعام، وجعل الراغبُ(١) أصلَ معنى الخَواء هذا، وجعل خَوَى النجمُ مِن ذلك، فقال: يقال: خَوَى النجمُ وأَخْوَى، إذا لم يكن منه عند سقوطه مطرٌ، تشبيهاً بذلك. فقوله تعالى ((على عروشها)) إمَّا متعلِّق به، أو متعلِّق بمحذوف وقع حالاً، و((على)) بمعنى ((مع))، أي: فهي خاليةٌ مع بقاء عروشها وسلامتها، ويجوز على تفسير الخواء بالخلوِّ أن يكون ((على عروشها)) خبراً بعد خبر، أي: فهي خالية وهي على عروشها، أي: قائمةٌ مشرفة علي عروشها، على أنَّ السقوفَ سقطت إلى الأرض، وبقيت الحيطانُ قائمةً وهي مشرفةٌ على السقوف الساقطة، وإسنادُ الإشراف إلى الكلِّ مع كونه حالَ الحيطان؛ لما مرَّ آنفاً . (١) المفردات (خوي). سُورَةُ الحِہ ٣٤٨ الآية : ٤٥ ﴿وَيَثْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عطف على ((قرية))، والبئر مِن بَأَرْتُ، أي: حفرتُ، وهي مؤنَّئة على وزن فِعْل بمعنى مفعول، وقد تُذَكَّر على معنى القليب، وتجمع على أَبْآر، وآبار، وأبؤُر، وآبُر، وبِئار، وتعطيلُ الشيء إيطالُ منافعه، أي: وكم بئر عامرة في البوادي تُركَت لا يُسقَى منها؛ لهلاك أهلِها . وقرأ الجحدريُّ، والحسن، وجماعة: ((مُعْطَلَة)) بالتخفيف(١)، من أَعْطَلَه بمعنى عَطَّلَه . ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾﴾ عطف على ما تقدَّم أيضًا، أي: وكم قصر مرفوع البُنيان، أو مبنيٍّ بالشِّيْد - بالكسر- أي: الحِصِّ، أَخليناه عن ساكِنيه كما يُشعِر به السياقُ ووصفُ البئرِ بمعظّلة، قيل: وهذا يؤيِّد كون معنى: ((خاوية على عروشها»: خالية مع بقاءِ عروشها، وفي ((البحر)) (٢): ينبغي أن يكون ((بئر)) و((قصر)) من حيث عطفُهما على ((قرية)) داخلين معها في حيِّز الإهلاك مخبراً به عنهما بضَرْبٍ من التجوُّز، أي: وكم بئرِ معطّلة وقصرٍ مشيدٍ أَهلكنا أهلَهُما. وزعم بعضُهم عطفهما على ((عروشها))، وليس بشيءٍ، وظاهر التنكيرِ فيهما عدم إرادةٍ معيَّن منهما، وعن ابنِ عباس أنَّ البئرَ كانت لأهل عَدَن مِن اليمن وهي الرَّسُّ، وعن كعب الأحبار أنَّ القَصْر بناه عادٌ الثاني. وعن الضحَّاك وغيرِهِ أنَّ القَصْر على قُلَّةٍ جبلٍ بحَضْرمَوْت، والبئر بسَفْحه، وأنَّ صالحاً عليه السلام نزل عليها مع أربعةٍ آلاف نفر ممَّن آمَنَ به، ونجَّاهم الله تعالى من العذاب، وسمِّيت حَضْرَمَوْت بفتح الراءِ والميم ويُضمَّان، ويُبنى ويُضاف؛ لأنَّ صالحاً عليه السلام حين حَضَرها مات(٣)، وعند البئر بلدةٌ اسمها حاضُورا بناها قومُ صالحٍ وأمَّروا عليها جلهسَ بنَ جلاس، وأقاموا بها زماناً، ثم كفروا وعبدوا صنماً، وَأرسل اللهُ تعالى إليهم حنظلة بن صفوان نبيًّا، فقتلوه في السوق، فأهلكهم اللهُ تعالى عن آخِرِهم، وعظَّل سبحانه بئرَهم وقَصْرَهم. (١) القراءات الشاذة ص٩٦، والمحتسب ٨٥/٢. (٢) ٦/ ٣٧٧. (٣) جاء في هامش الأصل ول(م) ما نصه: ((فالظاهر أن قبره عليه السلام هناك، وقيل: هو بعكا، وعليه الإمام أبو القاسم الأنصاري، والله تعالى أعلم. اهـ. منه)). الآية : ٤٦ ٣٤٩ سُورَةُ الحَّةُ وجوّز أن يكون إرادةُ ذلك بطريقِ التعريض، وفيه بُعْدٌ. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ حتٌّ لهم على السفر؛ للنَّظَرِ والاعتبارِ بمصارع الهالكين، هذا إن كانوا لم يسافروا، وإن كانوا سافروا، فهو حتّ على النظر والاعتبارِ، وذِكْر المسير؛ لتوقّفه عليه: وجوّز أن يكون الاستفهامُ للإنكار أو التقرير، وأيًّا ما كان فالعطف على مقدَّر يقتضيه المقامُ. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَمُمْ﴾ منصوبٌ في جواب الاستفهام عند ابنِ عطيَّة(١)، وفي جواب التقرير عند الحوفيٍّ، وفي جواب النفي عند بعض، ومذهب البصريِّين أنَّ النصبَ بإضمار ((أن)) وينسبك منها ومن الفعل مصدرٌ يعطف على مصدرٍ متوهَّم. ومذهب الكوفيين أنَّه منصوبٌ على الصرف، إذ معنى الكلام الخبرُ، صرفوه عن الجَزْم على العطف على ((يسيروا))، وردُّوه إلى أخي الجَزْم وهو النصبُ، وهو كما ترى. ومذهب الجرميِّ أنَّ النصبَ بالفاء نفسِها. وقرأ مُبَشِّرُ بنُ عبيد: ((فيكونَ)) بالياء التحتيّة(٢). ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي: يَعلمون بها ما يَجب أن يُعلَم مِن التوحيدِ، فمفعول ((يعقلون)) محذوفٌ؛ لدلالة المقام عليه، وكذا يقال في قوله تعالى: ﴿أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ﴾ أي: يسمعونَ بها ما يجب أن يُسمَع مِن الوحي أو مِن أخبارِ الأمم المُهلَكة ممَّن يجاورهم مِن الناس، فإِنَّهم أعرفُ منهم بحالهم. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ ﴾﴾ ضمير ((فإنّها)) للقصَّة، فهو مفسَّر بالجملة بعده، ويجوز في مثله التذكيرُ باعتبار الشأن، وعلى ذلك قراءةُ عبدِ الله: ((فإنَّه))(٣)، وحَسَّنَ التأنيثَ هنا وقوعُ ما فيه تأنيثٌ بعده، وقيل: يجوز أن يكون ضميراً مبهَماً مفسَّراً بالأبصار، وكأن الأصل: فإنَّها الأبصارُ لا تَعمى، على أنَّ جملة ((لا تعمى)) مِن الفعل والفاعل المستتر خبرٌ بعد خبرٍ، فلمَّا تُرك الخبر الأوَّل أُقيم الظاهرُ مقامَ الضمير، لعدم ما يرجع إليه ظاهراً، فصار فاعلاً مفسِّراً (١) المحرر الوجيز ٤/ ١٢٧. (٢) القراءات الشاذة ص٩٦، والبحر المحيط ٣٧٧/٦. (٣) الكشاف ١٧/٣، والبحر المحيط ٣٧٨/٦. سُورة الحو ٣٥٠ الآية : ٤٦ للضمير. واعترضه أبو حيَّان(١) بأنَّه لا يجوز؛ لأنَّ الضميرَ المفسّر بمفرد بعده محصورٌ في أمور، وهي باب (رُبَّ))، وباب ((نِعْمَ)) و((بِئْسَ))، وباب الإعمال، وباب البدل، وباب المبتدأ والخبر، وما هنا ليس منها. ورُدَّ بأنَّه مِن باب المبتدأ والخبر، نحو: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] ولا يضرُّه دخولُ الناسخ، وفيه نظرٌ، والمعنى أنَّه لا يعتدُّ بعمى الأبصار، وإنَّما يعتدُّ بعمَى القلوب، فكأنَّ عمى الأبصار ليس بعمّى بالإضافة إلى عَمَى القلوب، فالكلامُ تذييلٌ؛ لتهويلِ ما بهم مِن عدم فِقْهِ القلب، وأنَّه العمى الذي لا عمى بعدَه، بل لاعمَى إلا هو، أو المعنى: إنَّ أبصارهم صحيحةٌ سالمة لا عمى بها، وإنّما العمى بقلوبهم، فكأنَّه قيل: أَفَلَم يسيروا فتكون لهم قلوبٌ ذاتُ بصائر، فإنَّ الآفةَ ببصائرٍ قلوبهم لا بأبصار عيونهم، وهي الآفة التي كلٌّ آفةٍ دونها، كأنَّه يحثُّهم على إزالة المرض، ويَنعي عليهم تقاعدَهم عنها. ووصف القلوب بالتي في الصدور على ما قال الزجَّاج (٢)؛ للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم﴾ [آل عمران: ٦٧] وقولك: نظرتُ بعيني. وقال الزمخشريُّ(٣): قد تُعورفَ واعتُقد أنَّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أَنْ تُصاب الحَدَقةُ بما يطمسُ نورَها، واستعمالُه في القلب استعارةٌ ومَثَلٌ، فلما أُريد إثباتُ ما هو خلافُ المعتَقَد مِن نسبة العمى إلى القلوب حقيقةً، ونفيُه عن الأَبصار، احتاج هذا التصويرُ إلى زيادةٍ تعيين وفَضْلٍ تعريف؛ ليتقرَّر أنَّ مكانَ العمى هو القلوبُ لا الأبصار، كما تقول: ليس المَضَاء للسيف، ولكنه لِلِسَانِك الذي بين فكّيك، وهو في حُكم قولك: ما نفيتُ المضاءَ عن السيف وأَثبتُّه للسانِك فلتةً ولا سهواً منِّي، ولكن تعمَّدت به إِيَّاه بعينه تعمُّداً . وهذه الآية على ما قيل: نزلت في ابنٍ أمِّ مكتوم حين سمع قولَه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اٌلْأَخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]، فقال: يا رسولَ الله، أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى (٤)؟! وربَّما يرجّح بهذه الرواية - إن (١) البحر المحيط ٣٧٨/٦. (٢) معاني القرآن وإعرابه ٤٣٢/٣. (٣) الكشاف ١٧/٣ . (٤) تفسير القرطبي ١٤/ ٤٢٠، وتفسير أبي السعود ١١١/٦، ولم نقف عليه مسنداً. الآية : ٤٦ ٣٥١ سُورَةُ الدِّفُ صحَّتٍ - المعنى الأوَّل، إذ حصولُ الجوابِ بالآية عليه ظاهرٌ جدًّا، فكأنَّه قيل له: أنتَ لا تدخل تحت عموم ((ومَن كان)) إلخ؛ لأنَّ عمى الأبصار في الدنيا ليس بعمى في الحقيقة في جَنْبٍ عمى القلوب، والذي يَدخُل تحت عموم ذلك منِ اتَّصف بعمى القلب، وهذا يكفي في الجواب، سواء كان معنى قولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اٌلْأَخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]: ومَن كان في الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة كذلك، أو: ومن كان في الدنيا أعمَى القلب فهو في الآخرة أعمى البصر؛ لأنَّه فيها تُبلَى السرائر فيظهر عمى القلب بصورةٍ عمى البصر، نعم في صحّة الرواية نَظَرٌ. وفي ((الدر المنثور)): أخرج ابنُ أبي حاتم عن قتادةً أنَّه قال في هذه الآية: ذُكِرَ لنا أنَّها نزلت في عبدِ الله بنِ زائدة يعني: ابن أمِّ مكتوم (١). ولا يخفى حُكْمُ الخبرِ إذا رُويَ هكذا . واستدلَّ بقوله تعالى: ((أفلم يسيروا)) ... إلخ على استحباب السياحة في الأرض وتطلُّب الآثار. وقد أخرج ابنُ أبي الدنيا(٢) في كتاب ((التفكّر)) عن مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أنِ اتَّخِذْ نعلَيْن مِن حدیدٍ وعصا، ثم سُخ في الأرض، فاطلب الآثارَ والعِبَر حتى تَحفى النعلان، وتنكسر العصا. وبقوله تعالى: ((فتكون)) ... إلخ على أنَّ محلَّ العقل القلبُ لا الرأسُ، قاله الجلال السيوطيُّ في ((أحكام القرآن العظيم)). وقال الإمام الرازيُّ(٣): في الآية دلالةٌ على أنَّ العقلَ هو العِلْمُ، وعلى أنَّ محلَّه هو القلبُ. وأنت تَعلمُ أنَّ كونَ العقل هو العِلْم هو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني، واستدلَّ عليه بأنَّه يقال لمن عقلَ شيئاً: عَلِمَهُ، ولمن عَلِمَ شيئاً: عَقَلَهُ، وعلى تقديرِ التغاير لا يقال ذلك، وهو غيرُ سديد؛ لأنَّه إن أُرِيدَ بالعلم كلُّ عِلْم، (١) الدر المنثور ٣٦٥/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٩٨/٨ (١٣٩٨٣). (٢) في الأصل و(م): حاتم. والمثبت من الدر المنثور ٣٦٥/٤، وهو الصواب. (٣) في تفسيره ٤٥/٢٣ . سُورَة الحى ٣٥٢ الآية : ٤٦ يَلزمُ منه أن لا يكونَ عاقلاً مَن فاته بعضُ العلوم مع كونه محصِّلاً لما عداه، وإن أُريد بعضُ العلوم فالتعريف غيرُ حاصل؛ لعدم التمييز، وما ذكر مِن الاستدلال غيرُ صحيح؛ لجواز أن يكون العِلْم مغايراً للعقل، وهما متلازمان. وقال الأشعريُّ: لا فرقَ بين العَقْل والعِلْم إلا في العموم والخصوص، والعِلْم أعُّ من العقل، فالعقلُ إذاً عِلْمٌ مخصوصٌ، فقيل: هو العِلْم الصارفُ عن القبيح الداعي إلى الحُسْنِ، وهو قول الجبَّائيِّ، وقيل: هو العِلْم بخَيْر الخيرَيْن وشَرِّ الشرَّيْن، وهو قولٌ لبعض المعتزلة أيضاً، ولهم أقوالٌ أُخَر، والذي اختاره القاضي أبو بكر أنَّه بعضُ العلوم الضروريَّة كالعِلْم باستحالة اجتماع الضِّدَّيْن، وأنَّه لا واسطةً بين النفي والإثبات، وأنَّ الموجودَ لا يخرج عن أن يكون قديماً أو حادثاً ونحو ذلك. واحتجَّ إمامُ الحرمين على صحّة ذلك وإبطال ما عداه بما ذكره الآمديُّ في ((أبكار الأفكار))(١) بما له وعليه. واختار المحاسبيُّ - عليه الرحمة - أنَّه غريزةٌ يتوصَّل بها إلى المعرفة. ورُدَّ بأنَّه إن أراد بالغريزة العِلْمَ، لزمه ما لزمَ القائلَ بأنَّه العِلْمِ، وإن أراد بها غير العِلْم فقد لا يُسلَّم وجودُ أَمْر وراءَ العِلْم يتوصَّل به إلى المعرفة . وقال صاحب ((القاموس))(٢)، بعد نقل عدَّة أقوال في العقل: والحقُّ أنَّه نُورٌ رَوحانيٌّ به تُدرِك النفسُ العلومَ الضروريَّة والنظريَّة. ولعلَّنا نُحقِّق ذلك في موضع آخَر إن شاء الله تعالى. ثم إنَّ في محلِّيَّة القَلْب للعِلْم خلافاً بين العقلاء، فالمشهور عن الفلاسفة أنَّ محلَّ العِلْم المتعلِّق بالكلِّيَّات والجزئيّات المجرّدة النفسُ الناطقة، ومحلُّ العِلْم المتعلِّق بالجزئيات الماديّة قوى جسمانيَّة قائمةٌ بأجزاء خاصَّة مِن البَدَن، وهي منقسمةٌ إلى خمسٍ ظاهرة، وخمسٍ باطنة، وتُسمَّى الأُولى الحواسَّ الظاهرةَ، والثانيةَ الحواسَّ الباطنة، وأَمْرُ كلِّ مشهورٌ. وزعم بعضُ متفلسفة المتأخِّرين أنَّ المدُرِك للكلِّيَّات والجزئيَّات إنَّما هو (١) ١/ ١٣٠ والكلام السالف منه. (٢) القاموس المحيط (عقل). الآية : ٤٧ ٣٥٣ سُورَةُ الحِّة النَّفْسُ، والقوى مطلقاً غيرُ مُدرِكة، بل آلةٌ في إدراكِ النفس، وذهب إليه بعضٌ منَّا. وفي ((أبكار الأفكار))(١) - بعد نَقْلِ قولِ الفلاسفة -: وأمَّا أصحابنا فالبُنْية المخصوصة غيرُ مشترطة عندهم، بل كلُّ جزءٍ من أجزاء بَدَن الإنسان إذا قام به إدراكٌ وعِلْم، فهو مُدرِك عالِم، وكون ذلك مما يقوم بالقلب أو غيرِهِ ممَّا لا يجب عقلاً ولا يمتنعُ، لكن دلَّ الشرعُ على القيام بالقلب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧]، وقولِه سبحانه: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهِآَ﴾ [الحج: ٤٦]، وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. انتهى. ولا يخفى أنَّ الاستدلالَ بما ذكر على محلِّيَّة القَلْب للعِلْم لا يخلو عن شيء، نعم لا يُنكر دلالةُ الآياتِ على أنَّ للقلب الإنسانيّ - لِما أُودعَ فيه - مدخلاً تامًا في الإدراك، والوجدان يَشهد بمدخليَّة ما أودع في الدماغ في ذلك أيضاً، ومِن هنا لا أَرى للقول بأنَّ لأحدهما مدخلاً دون الآخر وجهاً، وكون الإنسان قد يُضرَب على رأسه فيذهب عقلُه لا يدلُّ على أنَّ لِمَا أُودعَ في الدماغ لا غير مدخلاً في العِلْم، كما لا يَخفى على مَن له قلب سليمٌ وذهن مستقيم، فتأمَّل. ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِلْعَذَابِ﴾ الضميرُ لقريشٍ، كَان ◌َ يُحذِّرهم عذابَ اللهِ تعالى ويُوعدهم مجيئَه، وهم يُنكِرون ذلك أشدَّ الإنكارِ، ويطلبون مجيئه؛ استهزاءً وتعجيزاً له وَلِّ، فَأَنكر عليهم ذلك، فالجملة خبرٌ لفظاً واستفهامٌ وإنشاءٌ معنّى. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ جملة حاليَّة جِيْءَ بها؛ لبيانِ بُطلان إنكارهم العذابَ في ضمنِ استعجالهم به، كأنَّه قيل: كيف تُنكرون مجيءَ العذاب الموعودِ والحالُ أنَّه تعالى لا يُخلِفِ وَعْدَه، وقد سَبَقَ الوعدُ، فلا بُدَّ مِن مجيئه، أو اعتراضيَّة؛ لما ذُكرَ أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَيِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾﴾ جملةٌ مستأنفةٌ إن كانت الأُولى حاليّةً، ومعطوفةٌ عليها إن كانت اعتراضيَّةً، سيقت لتحقيق إنكارِ الاستعجال وبيان خَطَئِهم فيه، ببيان كمال سَعَةِ ساحة حِلْمه تعالى، وإظهارٍ (١) ١٠٩/١-١١٠، وما قبله منه أيضاً. سورة الحج ٣٥٤ الآية : ٤٧ غاية ضِيْق عَطَنِهم المستتبع لكون المدَّة القصيرة عنده تعالى مدداً طِوالاً عندهم حسبما ينطقُ به قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿﴿ وَهُ فَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧] ولذا يَرَوْن مجيئَه بعيداً، ويتَّخذونه ذريعةً إلى إنكاره، ويجترؤون على الاستعجالِ به، ولا يَدْرُون أنَّ معيارَ تقديرِ الأمور كلِّها وقوعاً وإخباراً ما عنده مِن المقدار. وقراءة الأخوين، وابنٍ كثير: (يَعدُّون)) على صيغة الغيْبة(١) - أي: يعدُّه المستعجلون - أوفقُ لهذا المعنى، وقد جعل الخطاب في قراءة الجمهور لهم أيضاً بطريق الالتفات، لكنَّ الظاهرَ أنَّه للرسول وَّهُ ومَن معه مِن المؤمنين، وقيل: المراد بوَعْده تعالى ما جَعَلَ لهلاكِ كلِّ أمَّةٍ مِن موعد معيَّن وأجلٍ مسمَّى، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُسَمَّى لَءَ هُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] فتكون الجملةُ الأولى مطلقاً مبيِّنة لبطلان الاستعجالِ به، ببيانِ استحالةٍ مجيئه قبل وقتِه الموعود، والجملة الأخيرة بياناً لبطلانِه، ببيانِ ابتنائه على استطالةِ ما هو قصيرٌ عنده تعالى على الوجه المارِّ بيانه، وحينئذٍ لا يكون في النظم الكريم تعرُّض لإنكارهم مجيئه الذي دسُّوه تحت الاستعجال، ويكتفى في ردِّ ذلك ببيان عاقبة مَن قبلهم مِن أمثالهم، وأيًّا ما كان فالعذاب المستعجَل به العذاب الدنيويّ، وهو الذي يقتضيه السباق والسياق. وقيل: المراد بالعذاب العذابُ الأُخرويُّ، والمراد باليوم المذكور يومُ ذلك العذابِ، واستطالتُه؛ لشدَّته، فإنَّ أيَّامَ الترحةِ مستطالةٌ، وأيَّامَ الفرحة مستقصرةٌ، كما قيل: تمثَع بأيَّام السرورِ فإنَّها قصارٌ وأيَّامُ الهمومِ طوالٌ(٢) وعلى ذلك جاء قوله : بالُول والطّوْل يا طوبى لو اعْتَدَلَا لَيْلي ولَيْلى نَفَى نومي اختلافُهما بالطّوْل لَيْلَى وإن جادَتْ به بَخِلَا(٣) يَجودُ بالظُول لَيْلي كلَّما بَخِلَتْ (١) التيسير ص١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢. (٢) كذا ذكره الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٠٤/٦، ولم ينسبه. (٣) البيتان ذكرهما العماد الأصفهاني في خريدة العصر وجريدة القصر ١٠٢/٢ (قسم شعراء الشام) وعزاهما لأبي المكارم الفضل بن عبد القاهر، وذكرهما أيضاً - دون نسبة - العباسي في معاهد التنصيص ٢٦٦/١، واليوسي في زهر الأكم ١٧٨/٢ -١٧٩، إلا أن عجز البيت = الآية : ٤٧ ٣٥٥ سُورَةُ الحِّة فيكون قد ردًّ عليهم إنكارَ مجِيْءٍ العذاب بالجملة الأولى، وأنكر عليهم الاستعجالَ به، وإن كان ذلك على وجهِ الاستهزاء بالجملة الثانية، فكأنَّه قيل: كيف تُنكرونَ مجيئه وقد سَبَقَ به الوعدُ، ولن يُخلِفِ اللهُ تعالى وعدَه فلا بُدَّ مِن مجيئه حتماً، وكيف تستعجلونَ به واليوم الواحد مِن أيَّامه لشدَّته يُرى كألفِ سنةٍ ممَّا تعدُّون، ويقال نحو ذلك على القول بأنَّ المرادَ باليوم أحد أيَّام الآخرة، فإنَّها اعتبرت طوالاً، أو أنَّها تستطال؛ لشدّة عذابها . واعتُرض بأنَّ ذلك ممَّا لا يُساعده السباقُ ولا السياق وقال الفرَّاء(١): تضمَّنت الآيةُ عذابَ الدنيا والآخرة، وأُريد بالعذاب المستعجل به عذاب الدنيا، أي: لن يُخلِفِ اللهُ تعالى وعدَه في إنزال العذاب بكم في الدنيا، وإنَّ يوماً مِن أيَّام عذابكم في الآخرة كألفِ سنة مِن سِنِيِّ الدنيا. ولا يَخلو عن حُسْنٍ إلا أنَّ فيه بُعْداً کما لا يخفى. واستدلَّ المعتزلة بقوله تعالى: ((لن يُخْلِفَ اللهُ وعدَه)) على أنَّ اللهَ سبحانه لا يَغْفِرُ للعصاة؛ لأنَّ الوعدَ فيه بمعنى الوعيد، وقد أخبر سبحانه أنَّه لا يُخلِفه، والمغفرةُ تستلزم الخُلْفَ المستلزِمِ للكذب المُحالِ عليه تعالى؟ وأجاب أهلُ السُّنَّة بأنَّ وعيداتِ سائرِ العصاة إنشاءاتٌ أو إخباراتٌ عن استحقاقِهم ما أُوعدوا به لا عن إيقاعِه، أو هي إخباراتٌ عن إيقاعِه مشروطةٌ بعدم العَفْوِ وتَرْكِ التصريح بالشرط بزيادةِ الترهيب، ولا كذلك وعيداتُ الكفار، فإنَّها محضُ إخباراتٍ عن الإيقاع غيرٍ مشروطة بشرطِ أصلاً، كمواعيد المؤمنين، والدَّاعي للتفرقة الجَمْعُ بين الآيات، وأنتَ تَعلمُ أنَّ وعيداتِ الكفّار بالعذاب الدنيويِّ كوعيداتهم بالعذاب الأخرويِّ لا يتطرَّقها عدمُ الوقوع، فلا يجوز العفو عن عذابهم مطلقاً متى وعدَ به، وعندي في التسوية بين الأمرين تردّد، ويُعلَم مِن ذلك = الأول ورد عند العباسي هكذا : حتى لقد صيَّراني في الهوى مثلا وورد عند الیوسي هكذا : قد صيَّراني جميعاً في الهوى مثلا (١) ينظر معاني القرآن له ٢٢٨/٢-٢٢٩. سُورَة الحِہ ٣٥٦ الآية : ٤٨ حالُ هذا الجواب على تقدير حَمْلِ العذاب في الآية على العذاب الدنيويِّ الأوفق للمقام، والوعد على الوَعْد به. وأجاب بعضُهم هنا بأنَّ المرادَ بالوعد وَعْدُه تعالى بالنِّظْرَة والإمهال، وهو مقابلٌ للوعيد في نظر المُمْهَل، ولا خلافَ في أنَّ اللهَ تعالى لا يُخلف الوعدَ المقابل للوعيدِ، وأنَّ ما يؤدى به خبرٌ محض لا شَرْط فيه. وقيل: المراد به وعدُه تعالى نبيَّه وَّ بإنزال العذابِ المستعجل به عليهم، وذلك مقابل للوعيد مِن حيث إنَّ فيه خيراً له عليه الصلاة والسلام، ولا مانعَ مِن أن يكون شيءٌ واحدٌ خيراً وشرًّا بالنسبة إلى شخصَيْن، فقد قيل: مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ(١) وحينئذٍ لا دليلَ للمعتزلة في الآية على دعواهم. ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنِ قَرْيَةٍ﴾ أي: كم مِن سَكَنةِ قرية ﴿أَمْلَيْتُ لَا﴾ كما أَمليتُ لهؤلاء حتى أنكروا مجِيْءَ ما وعد مِن العذاب واستعجلوا به استهزاءً وتعجيزاً لرسلهم عليهم السلام كما فعل هؤلاء، والجملة عطفٌ على ما تقدَّمها جِيْءَ بها؛ لتحقيق الردِّ كما تقدَّم، فلذا جِيْء بالواو، وجِيْءَ في نظيرتها السابقة بالفاء، قيل: لأنَّها أُبدلت مِن جملة مقرونة بها، وفي إعادة الفاء تحقيقٌ للبدليَّة، وقيل: جِيْءَ بالفاء هناك؛ لأنَّ الجملةَ مترتّبة على ما قبلها، ولم يَجِئ بها هنا؛ لعدم الترتُّب. وقوله تعالى: ﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ جملةٌ حاليَّة مفيدة لكمالِ حِلْمه تعالى، ومُشعِرة بطريق التعريض بظُلْم المستعجلينَ، أي: أَمليتُ لها والحال أنَّها ظالمةٌ مستوجبة لتعجيلِ العقوبة كدَأُب هؤلاء ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب والنَّكال بعد طُول الإملاء والإمهال ﴿وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (٨)﴾ أي: إلى حُكْمي مرجعُ جميعِ الناسِ، أو جميعِ أهلِ القرية لا إلى أحدٍ غيري لا استقلالاً ولا شَرِكةً، فأَفعلُ بَهم ما أَفعل ممَّاً يليقُ بأعمالهم، والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّر لما قَبْلَه مصرِّح بما أَفاده ذلك بطريق التعريضِ مِن أنَّ مَآَلَ أَمْرِ المستعجلين أيضاً ما ذكر مِن الأَخْذِ الوبيل. (١) عجز بيت للمتنبي، وصدره: بذا قضت الأيام ما بين أهلها وسلف ٢٢١/١٣. الآية : ٤٩ ، ٥٠ ٣٥٧ سُورَةَ الحَةُ ظاهرُ السياق يقتضي أنَّ المرادَ ٤٩ ﴿قُلْ يَأَتُهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ بالناس المشركونَ، فإنَّ الحديثَ مسوقٌ لهم، فكأنَّه قيل: قل: يا أيُّها المشركونَ المستعجلونَ بالعذاب إنَّما أنا منذرٌ لكم إنذاراً بيِّناً بما أُوحِي إليَّ مِن أنباءِ الأُمم المهلكة مِن غير أن يكون لي دَخْلٌ في إتيان ما تستعجلونَ مِن العذاب الموعود حتى تَستعجلوني به، فوجهُ الاقتصارِ على الإنذار ظاهرٌ، وأمَّا وجهُ ذِكْرِ المؤمنين وثوابِهم في قوله تعالى : فالزيادة في إغاظةٍ ﴿قَالَّذِينَ ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ المشركينَ فهو بحسب المآلِ إنذارٌ، ويجوز أن يقال: إنَّ قوله سبحانه: ((فالذين آمنوا)) الآية، تفصيلٌ لمن نَجَعَ فيه الإنذارُ مِن الناس المشركين، ومَن بقي منهم على كُفْرِه غير ناجع فيه ذلك، كأنَّه قيل: أَنْذِرْ يا محمَّد هؤلاء الكفرةَ المستعجلينَ بالعذاب وبَالِغَ فيه، فمَن آمَنَ وَرَجَعَ عمَّا هو عليه فله كذا، ومَن داوم على كُفْره واستمرَّ على ما هو عليه فله كذا، واختاره الطيبيُّ، وهو كما في ((الكشف)) حَسَن، وعليه: لا يكون التقسيمُ داخلاً في المقول، بخلاف الوجه الأوَّل. وقال بعضُ المحقّقين: ((الناسُ)) عامٌّ للمؤمن والكافر، والمنذَر به قيامُ الساعة، وإنَّما كان ◌َِّ نذيراً مبيناً؛ لأنَّ بَعْثَهُ عليه الصلاة والسلام مِن أَشْراطها، فاجتمع فيه الإنذارُ قالاً وحالاً بقوله: ((أنا لكم نذير مبين))، كقوله ◌َّر الثابت في الصحيحين: (أنا النذيرُ العريان))(١)، وقد دلَّ على ذلك تعقيب الخطابِ بالإنذار تفصيلُ حالٍ الفريقين عند قيامها . اهـ. ولا مانعَ منه لولا ظاهرُ السياق، وكون المؤمنينَ لا يُنذَرون لاسيمًا وفيهم الصالحُ والطالحُ ممَّا لا وجهَ له، ومَن مَنَعَ مِن العموم لذلك قال: التقديرُ عليه: بشير ونذير، ونقل هذا عن الكرمانيّ؛ ثم المغفرة تحتمل أنْ تكون لما نَدَرَ مِن الذين ءامنوا مِن الذُّنوب، وذلك لا ينافي وصفَهم بعمل الصالحات، وتحتمل أن تكون لما سَلَفَ منهم قبل الإيمان والرجوع عمَّا كانوا عليه. والمرادُ بالرزق الكريم هنا الجنَّةُ، كما يُشعِر به وقوعُه بعدَ المغفرة، وكذلك في (١) البخاري (٧٢٨٣)، ومسلم (٢٢٨٣) عن أبي موسى الأشعري حوله، وسلف عند تفسير الآية (٨٥) من سورة الإسراء. سُورَةُ الحِ﴾ ٣٥٨ الآية : ٥١، ٥٢ جميع القرآن على ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن محمَّد بنِ كعب القرظيِّ(١)، ومعنى الكريم في صفات غيرِ الآدميِين: الفائق. ﴿وَلَّذِيْنَ سَعَوْ فِّ ◌َايَئِنَا﴾ أي: بذلوا الجهدَ في إبطالها، فسمَّوها تارةً سحراً، وتارة شِعْراً، وتارةً أساطير الأولين. وأصلُ السعي: الإسراعُ في المشي، ويُطلَق على الإصلاح والإفساد، يقال: سعى في أَمْرِ فلانٍ: إذا أصلحه أو أَفسده بسَعْيه فيه ﴿مُعَجِزِينَ﴾ أي: مسابقينَ للمؤمنين، والمراد بمسابقتهم مشاقتهم لهم ومعارضتهم، فكلما طلبوا إظهارَ الحقِّ طلب هؤلاء إبطالَه، وأصله مِن عاجَزَه فأعْجَزَه وعَجَزَه، إذا سابقه فسَبَقه، فإنَّ كلَّ من المتسابقين يريد إعجازَ الآخَر عن اللَّحاق. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والجحدريُّ، وأبو السمَّال، والزعفرانيُّ: (مُعَجِّزين)) بالتشديد(٢)، أي: مثبِّطين الناسَ عن الإيمان. وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ(٣): ناسبينَ المسلمينَ إلى العَجْز، كما تقول: فَسَّقْتُ فلاناً، إذا نسبتَه إلى الفِسْق. وهو المناسب؛ لقوله تعالى: ((يَستعجلونكَ بالعذاب)). وقرأ ابنُ الزبير: ((مُعْجِزِين)) بسكونِ العين وتخفيف الزاي (٤)، مِن أَعْجَزَكَ: إذا سبقكَ ففاتكَ. قال صاحب ((اللوامح)): والمراد هنا ظانَّين أنَّهم يُعجِزوننا، وذلك لظنِّهم أنَّهم لا يُبعَثون، وفسّر ((معاجزين)) في قراءةِ الجمهور بمثلِ ذلك، والوَصْفُ على جميع القراءات حالٌ مِن ضمير: ((سعوا))، وليست مقدَّرة على شيءٍ منها، كما يظهر للمتأمِّل ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفونَ بما ذُكر ﴿أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي: ملازمو النَّار الشديدة التأجُّج، وقيل: هو اسم دركةٍ من دَرَكات النار. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ (مِن)) الأُولى ابتدائيَّة، والثانية مزيدةٌ؛ لاستغراقِ الجنس، والجملة المصدَّرة بـ ((إذا)) في موضع الحال عند أبي حيَّان(٥)، وقيل: في موضعِ الصفة، وأُفرد الضمير بتأويلٍ (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٩٩/٨ - ٢٥٠٠ (١٣٩٩٠). (٢) التيسير ص١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢، والبحر المحيط ٣٧٩/٦. (٣) الحجّة ٢٨٤/٥. (٤) البحر المحيط ٣٧٩/٦. (٥) البحر المحيط ٣٨٢/٦. الآية : ٥٢ ٣٥٩ سُورَةُ الحِهُ كلِّ واحد، أو بتقدير جملةٍ مثل الجملةِ المذكورة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوُ﴾ [التوبة: ٦٢] والظاهر أنَّ ((إذا)) شرطيَّة، ونصَّ على ذلك الحوفيُّ، لكن قالوا: إنَّ ((إلَّا)) في النفي إمَّا أن يليها مضارعٌ نحو: ما زيدٌ إلَّا يفعل، وما رأيتُ زيداً إلَّا يفعل، أو يليها ماضٍ بشرط أن يتقدّمه فِعْلٌ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا﴾، إلخ [الحجر: ١١]، أو (١) يكون الماضي مصحوباً بـ ((قد)» نحو: ما زيدٌ إلا قَد قام، ويُشكِل عليه هذه الآية إذ لمَ يلِها فيها مضارعٌ ولا ماضَ، بل جملة شرطيَّة، فإنَّ صحَّ ما قالوه، احتيج إلى التأويل، وأَوَّلَ ذلك في ((البحر))(٢) بأنَّ ((إذا)) جرِّدت للظرفيَّة، وقد فُصِلَ بها وبما أُضيفت إليه بين ((إلَّا)) والفعل الماضي الذي هو: ((أَلقى))، وهو فصلٌ جائز، فتكون (إلَّا)) قد وَلِيها ماضٍ في التقدير ووُجِدَ الشرطُ، وعطف ((نبيٌّ)) على ((رسول)) يدلُّ على المغايرةِ بينهما وهو الشائع، ويَدلُّ على المغايرة أيضاً ما روي أنَّهِ وَّهِ سُئِلَ عن الأنبياء فقال: ((مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً)). قيل: فكم الرسلُ منهم؟ قال: ((ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَر جمًّا غفيراً)) وقد أخرج ذلك ـ كما قال السيوطيُّ - أحمدُ، وابنُ راهويه في مسنَدَيْهما مِن حديث أبي أمامة(٣)، وأخرجه ابنُ حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)) مِن حديث أبي ذرِّ(٤). وزعم ابنُ الجوزيِّ أنَّه موضوعٌ(٥)، وليس كذلك، نعم قيل في سندِهِ ضَعْفٌ، جُبرَ بالمتابعة؛ وجاء في رواية: ((الرسل ثلاث مئة وخمسةً عَشَر))(٦). واختلفوا هنا في تفسير كلٍّ منهما فقيل: الرسول: ذَكَرٌ حرِّ بعثه اللهُ تعالى بشرعٍ جديدٍ يَدعو الناسَ إليه. والنبيُّ يعمُّه، ومَن بعثه لتقريرِ شَرْعٍ سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليه السلام. وقيل: الرسول: ذَكَرٌ حرِّ بعثه اللهُ تعالى إلى قومٍ بشرعٍ جديد بالنسبة إليهم، وإن (١) جاء في هامش الأصل و(م) ما نصه: [((أو)) لمنع الخلو. اهـ. منه]. (٢) البحر المحيط ٦/ ٣٨٢. (٣) مسند أحمد (٢٢٢٨٨)، وفي إسناده ضعف. (٤) ابن حبان (٣٦١)، والمستدرك ٥٩٧/٢، وسلف ٢٢١/٣. (٥) ونقله عنه ابن حجر في الكافي الشاف ص١١٤ . (٦) وهي رواية أحمد (٢٢٢٨٨) من حديث أبي ذرِّ، الآنفة الذكر. سورة الحِہ ٣٦٠ الآية : ٥٢ لم يكن جديداً في نفسه، كإسماعيل عليه السلام إذ بُعِثَ لجُرْهم أوَّلاً . والنبيُّ يعمُّه ومَن بُعِثَ بشرعٍ غیر جدیدٍ كذلك. وقيل: الرسول: ذَكَرٌ حُرٌّ له تبليغ في الجملة وإن كان بياناً وتفصيلاً لشَرْع سابق، والنبيُّ مَن أوحيَ إليه ولم يُؤمَر بتبليغٍ أصلاً، أو أعمُّ منه ومن الرسول، وقيل: الرسول من الأنبياء مَن جَمَعَ إلى المعجزة كتاباً مُنزَلاً عليه، والنبي غير الرسول مَن لا كتاب له، وقيل: الرسول مَن له كتابٌ أو نسخ في الجملة، والنبيُّ مَن لا کتابَ له ولا نسخ. وقيل: الرسول(١): مَن يأتيه المَلَكُ عليه السلام بالوحي يقظةً، والنبيُّ يقال له ولمن يُوحَى إليه في المنام لا غير. وهذا أغربُ الأقوالِ، ويقتضي أن بعضَ الأنبياء عليه السلام لم يُوحَ إليه إلا مناماً، وهو بعيدٌ، ومِثْلُه لا يُقال بالرأي. وأنتَ تَعلمُ أنَّ المشهورَ أنَّ النبيَّ في عُرْفِ الشرعِ أعمُّ مِن الرسول، فإنَّه مَن أُوحِيَ إليه، سواء أُمِرَ بالتبليغ أم لا، والرسول مَن أُوحِيَ إليه وأُمرَ بالتبليغ، ولا يصحُّ إرادةُ ذلك؛ لأنَّه إذا قُولَ العامُّ بالخاصِّ، يُراد بالعامِّ ما عدا الخاصِّ، فمتى أُريدَ بالنبيِّ ما عدا الرسول، كان المرادُ به من لم يُؤْمَر بالتبليغ، وحيث تعلَّق به الإرسالُ صار مأموراً بالتبليغ فيكون رسولاً، فلم يَبْقَ في الآية بعد تعلُّق الإرسال رسولٌ ونبيٌّ مقابل له، فلا بُدَّ لتحقيق المقابلة أن يُرادَ بالرسول مَن بُعِثَ بشرعٍ جديد، وبالنبيِّ مَن بُعِثَ لتقرير شرع مَن قَبْله، أو يُراد بالرسول مَن بُعِثَ بكتابٍ، وبالنبيِّ مَن بُعِثَ بغير كتاب، أو يُراد نحو ذلك ممَّا يحصل به المقابلة مع تعلّق الإرسال بهما . والتمنِّي - على ما قال أبو مسلم - نهاية التقدير، ومنه المَنِيَّة: وفاةُ الإنسان الوقت الذي قدَّره الله تعالى. والأُمْنِية على ما قال الراغبُ(٢): الصورة الحاصلةُ في النفس مِن التمنِّي. وقال غيرُ واحد: التمنِّي: القراءةُ، وكذا الأُمنية، وأنشدوا قولَ حسان فى عثمان (١) جاء في هامش الأصل و(م) ما نصه: ((قائله الإمام الرازي))، وكلامه في تفسيره ٤٩/٢٣. (٢) المفردات (مني).