النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ٣٤
٣٢١
سُورَةُ الحِهُ
والمَنْسك: موضع النُّسُك إذاكان اسمَ مكان، أو النسك إذا كان مصدراً،
وفسّره مجاهدٌ هنا بالذبح وإراقة الدماء على وجه التقرُّب إليه تعالى، فجعله مصدراً
وحَمَلَ النسكَ على عبادةٍ خاصَّة وهو أحدُ استعمالاته، وإن كان في الأصل بمعنى
العبادةِ مطلقًا وشاع في أعمال الحجّ.
وقال القَّراء(١): المنسَك في كلام العرب: الموضع المعتادُ في خَيْرٍ وبِرِّ،
وفسَّرِه هنا بالعيد، وقال قتادة: هو الحجّ. وقال ابنُ عرفةَ: ((مَنْسكًا)) أي: مذهبًا مِن
طاعته تعالی.
واختار الزمخشريّ(٢) ما روي عن مجاهد، وهو الأوفقُ، أي: شرع لكلِّ أهلٍ
دينٍ أن يذبحوا له تعالى على وجه التقرُّب لا لبعضٍ منهم، فتقديمُ الجارِّ والمجرور
على الفعل للتخصيص.
وقرأ الأخوان، وابنُ سعدان، وأبو حاتم عن أبي عمرو، ويونس، ومحبوب،
وعبد الوارث: ((مَنْسِكًا))، بكسر السين(٣). قال ابنُ عطيّة(٤): وهو في هذا شادٌّ،
ولا يجوز في القياس، ويشبه(٥) أن يكون الكسائيُّ سمعه مِن العرب، قال
الأزهريُّ: الفتحُ والكسرُ فيه لغتان مسموعتان(٦).
﴿لَيَذْكُرُوْ اسْمَ الَهِ﴾ خاصَّة دون غيرِه تعالى، كما يفهمه السياقُ والسباقُ، وفي
تعليل الجعلِ بذلك فقط تنبيهٌ على أنَّ المقصودَ الأهمَّ مِن شرعيَّة النسك ذِكْرِه عزَّ
وجلَّ ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ عند ذَبحها، وفيه تنبيهٌ على أن القربان
يجب أن يكون مِن الأنعام، فلا يجوز بالخيل ونحوها.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ قيل: للتعليل، وما بعدها علَّة
لتخصيصٍ اسم الله تعالى بالذِّكْر، والفاء في قوله سبحانه: ﴿فَلَهُ: أَسْلِمُواْ﴾ لترتيب
(١) في معاني القرآن له ٢٣٠/٢.
(٢) الكشاف ١٤/٣ .
(٣) التيسير ص١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢، والبحر المحيط ٣٦٨/٦.
(٤) المحرر الوجيز ١٢١/٤ .
(٥) جاء في هامش الأصل و(م): فيه أن القراءة بالرواية، فلا تغفل. انتهى منه.
(٦) الزاهر ص٢٧٦ بنحوه.

سُوَّةُ الدَّهُ
٣٢٢
الآية : ٣٤
ما بعدَها مِن الأمر بالإسلام على وحدانيَّته عزَّ وجلّ، وقيل: الفاء الأُولى لترتيب
ما بعدها على ما قبلها أيضاً، فإنَّ جَعْلَه تعالى لكلِّ أمّة مِن الأمم منسكاً يدلُّ على
وحدانيَّته جلَّ وعلا، ولا يخفى ما في وجه الدلالة مِن الخفاء، وتكلَّف بعضُهم في
بيانه بأنَّ شَرْعَ المنسك لكلِّ أمَّة ليذكروا اسمَ الله تعالى يقتضي أن يكون سبحانه إلهًا
لهم؛ لئلا يلزم السَّفَه، ويلزم مِن كونه تعالى إلهًا لهم أن يكون عزَّ وجلَّ واحداً ؛ لأنه
لا يستحقُّ الألوهيَّة أصلاً مَن لم يتفرَّد بها، فإنَّ الشركةَ نقصٌ، وهو كما ترى.
وفي ((الكشف)): لمَّا كانت العلَّةُ لقوله سبحانه: ((لكلِّ أمَّة جعلنا منسكاً)) ذِكْرَ اسمِه
تعالى على المناسك، ومعلوم أنَّ الذكر إنَّما يكون ذِكْراً عند مواطأةِ القلبِ اللسانَ،
وذكْر القلب إشعارٌ بالتعظيم، جاء قوله تعالى: ((فله أَسْلِموا)» مسبَّاً عنه تسبُباً حسناً .
واعترض بقوله تعالى: ((فإلهكم إلهٌ واحد)) لأنَّه يؤكّد الأمرَ بالإخلاص ويقوِّي
السببَ تقويةً بالغة، ويؤكّد أيضاً كون الذكر هو المقصودَ مِن شرعيَّة النسكِ. انتهى.
وهو يُشعِر بأنَّ الفاءَ الأولى للاعتراض، والفاء الثانية للترتيب. ولعلَّ ما ذكر أوَّلاً
أُظھرُ.
وأمَّا ما قيل مِن أنَّ الفاءَ الأولى للتعليل، والمعلَّل محذوف، والمعنى: إنَّما اختلفت
التكاليفُ باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلافِ المصالح لا لتعدُّد الإله، فإنَّ إلهَكم
إلهٌ واحدٌ، فممَّا لا ينبغي أن يخرَّج عليه كلامُ الله تعالى الجليل كما لا يخفى،
وإنَّما قيل: ((إله واحد)) ولم يقل: واحدٌ، لما أنَّ المرادَ بيانُ أنَّه تعالى واحدٌ في ذاته
كما أنَّه واحدٌ في إلهيَّته، وتقديم الجارِّ على الأمر؛ للقَصْر، والمراد: أخلصوا له تعالى
الذكرَ خاصَّة، واجعلوه لوجهه سالماً خالصاً لا تشوبوه بإشراك.
خطابٌ له وََّ، والمُخْبِتون: المطمئنُّون، كما روي عن
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
مجاهد، أو: المتواضعون، كما روي عن الضخَّاك. وقال عمرو بنُ أوس: هم
الذين لايَظلمون الناسَ، وإذا ◌ُلِموا لم يَنتصروا. وقال سفيان: هم الراضونَ
بقضاءِ الله تعالى. وقال الكلبيُّ: هم المجتهدونَ في العبادة. وهو مِن الإخبات،
وأصله كما قال الراغبُ(١): نزول الخَبْتِ وهو المطمئنُّ مِن الأرض. ولا يَخفى
حُسْنُ موقعٍ ذلك هنا مِن حيث إنَّ نزول الخَبْتِ مناسبٌ للحاجِّ.
(١) المفردات (خبت).

الآية : ٣٥
٣٢٣
سُوَّةُ الحَّهُ
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ﴾ أي: خافت ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ منه عزَّ وجلَّ؛ لإشراق أشعةٍ
الجلالِ عليها ﴿ وَالصَِّرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ مِن مشاقٌ التكاليف ومَؤُناتِ النوائب،
كالأمراض والمِحَنِ والغُربة عن الأوطان، ولا يخفى حُسْنُ موقع ذلك هنا أيضاً،
والظاهر أنَّ الصبرَ على المكاره مطلقًا ممدوحٌ. وقال الرازيُّ (١): يجب الصبر على
ما كان مِن قِبَلِ الله تعالى، وأمَّا على ما يكون مِن قِبَلِ الظَّلَمة فغير واجبٍ، بل
يجب دفعه علی من یمکنه ذلك ولو بالقتال. انتهى. وفيه نظر.
﴿وَالْمُقِيمِى الصَّلَوِْ﴾ في أوقاته، ولعلَّ ذِكْرَ ذلك هنا؛ لأنَّ السفرَ مظنَّةُ التقصير
في إقامة الصلاة.
وقرأ الحسنُ، وابنُ أبي إسحاق، وأبو عمرٍو في رواية: ((الصلاةَ)) بالنصب(٢)
على المفعوليَّة لمقيمي، وحذفت النونُ منه؛ تخفيفاً، كما في بيت ((الكتاب)):
تَأتيهم مِن ورائهم نَطَفُ(٣)
الحافظو عورةً العشيرةِ لا
بنصبٍ: عورةٍ، ونظير ذلك قوله:
هُمُ القومُ كلُّ القومِ يَا أُمَّ مالكِ(٤)
إنَّ الذي حانَتْ بفَلْجٍ دماؤهم
و قوله:
قَتَلا المُلوكَ وفَكَّكا الأغلالا(٥)
أَبِنِي كُلَيْبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا
(١) في تفسيره ٣٤/٢٣.
(٢) الكشاف ١٤/٣، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٣) الكتاب لسيبويه ٢٨٦/١ و٢٠٢، وعزاه لرجل من الأنصار، وهو في جمهرة أشعار
العرب ٦٧٥/٢ ضمن قصيدة لعمرو بن امرئ القيس، وهذا ما رجَّحه البغدادي في
الخزانة ٢٨٣/٤، ونسبه البطليوسي في الحلل ص ١١٢ لقيس بن الخطيم، وهو في
الجمهرة والحلل برواية: وَكَف، بدل: نَطَف، قال البطليوسي: الوكف هنا: العيب،
ويروى: نَطَف، وهو نحو الوكف، اهـ. وروي: عورة، بالجرِّ، كما ذكره صاحب
الخزانة ٤/ ٢٧٣ .
(٤) البيت للأشهب بن رُميلة، وسلف ٤٤٨/٣ .
(٥) البيت للأخطل يهجو جريراً، وهو في ديوانه برواية اليزيدي ص ٤٤، وقوله: اللَّذا. أراد:
اللذان، فحذف النون، وأحدُ عمَّيه أبو حنش قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المرار
يوم الكلاب الأول. وبنو كليب بن يربوع: رَهْط جرير.

سُورَة الَّهُ
٣٢٤
الآية : ٣٦
وقرأ ابنُ مسعود، والأعمش: ((والمقيمين الصلاة)) بإثبات النون ونصبِ الصلاة
على الأصل(١).
وقرأ الضحَّاك: ((والمقيمَ الصلاة)) بالإفراد والإضافة(٢).
وَهُمَّا
رَزَقْتَهُمْ
يُغالونَ فیها .
في وجوه الخير، ومن ذلك إهداءُ الهدايا التي
يَنْفِقَوْنَ
٩
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعََبِرِ اللَّهِ﴾ أي: مِن أَعلام دينه التي شرعها الله
تعالى، ((والبُدْنَ)) جمع: بَدَنَّة، وهي كما قال الجوهريُّ(٣): ناقةٌ أو بقرةٌ تُنْحَر بمكّة.
وفي (القاموس)) (٤): هي مِن الإبل والبقر، كالأُضْحِيَة مِن الغنم تُهدَى إلى مَّة،
وتُطلَق على الذكر والأنثى، وسُمِّيت بذلك؛ لعظم بَدَنها، لأنَّهم كانوا يُسمِّنونها ثم
يُهدونها، وكونها مِن النوعين قولُ معظم أئمَّة اللغة، وهو مذهب الحنفيَّة، فلو نذر
نَحر بدنة، يجزئه نحرُ بقرةٍ عندهم، وهو قولُ عطاء، وسعيد بن المسيب، وأخرج
عبد بن حميد وابنُ المنذر عن ابنِ عمر ◌َّ: لا نعلمُ البدنَ إلا من الإبل والبقر(٥).
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر ظله: كنَّا ننحر البَدَنة عن سبعةٍ، فقيل: والبقرة؟
فقال: وهل هي إلا مِن البُدْنِ(٦). وقال صاحب ((البارع)) مِن اللغويين: إنَّها لا تُطلَق
على ما يكون مِن البقر. وروي ذلك عن مجاهد، والحسن، وهو مذهب الشافعيَّة،
فلا يجزئ عندهم مَن نذر نحرَ بَدَنة، نَحْرُ بقرة، وأُيِّد بما رواه أبوداود عن جابرٍ
قال: قال رسول الله وَّله: ((البدنةُ عن سبعةٍ، والبقرةُ عن سبعة))(٧)، فإنَّ العطفَ
(١) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٢) البحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٣) الصحاح (بدن).
(٤) مادة (بدن).
(٥) الدر المنثور ٤ / ٣٦٠.
(٦) كذا أورده بهذا اللفظ ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف ١٥٩/٢، وابن قدامة
في المغني ٤٥٨/٥ - ٤٥٩ دون عزو لمسلم، وهو عند مسلم (١٣١٨) (٣٥٣) بلفظ:
اشتركنا مع النبي ◌ّر في الحج والعمرة، كل سبعة في بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك في
البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البدن.
(٧) أبو داود (٢٨٠٨)، وهو عند مسلم (١٣١٨).

الآية : ٣٦
٣٢٥
سُوَرَّةُ الحَةُ
يقتضي المغايرةَ، وفيما يأتي آخراً تأييد لذلك أيضاً، والظاهر أنَّ استعمالَ البَدّنة
فيما يكون من الإبل أكثر، وإن كان أمر الإجزاء متَّحداً .
ولعلَّ مراد جابر بقوله في البقرة: وهل هي إلا مِن البدن. أنَّ حكمَها حكمُها،
وإلا فيبعد جهلُ السائل بالمدلول اللغويِّ ليردًّ عليه بذلك، ويمكن أن يقال فيما روي
عن ابنِ عمر: إنَّ مرادَه بالبُدْنِ فيه البُدْنُ الشرعيَّة، ولعلَّه إذا قيل باشتراكها بين ما يكون
مِن النوعين يُحكّم العرفُ أونحوه في التعيين فيما إذا نذرَ الشخصُ بدنةً، ويشير إلى
ذلك ما أخرجه ابنُ أبي شيبة، وعبدُ بنُ حميد عن يعقوب الرياحي، عن أبيه قال:
أوصى إليَّ رجلٌ وأوصى ببدَنة، فأتيتُ ابنَ عباس، فقلتُ له: إنَّ رجلاً أَوصى إليَّ
وأوصى ببدنةٍ، فهل تُجزئ عنِّي بقرة؟ قال: نعم، ثم قال: ممَّن صاحبكم؟ فقلت:
مِن رياح. قال: ومتى اقتنى بَنُو رِياح البقرَ إلى الإبل، وَهِمَ صاحبُكم، إنَّما البقرُ
لأَسدٍ وعبد القيس(١). فتدبّر.
وقرأ الحسن، وابنُ أبي إسحاق، وشيبة، وعيسى: ((البُدُن)) بضمِّ الباء
والدال ـ قيل: وهو الأصل، كخُشُب وخَشَبة، وإسكان الدال تخفيفٌ منه - ورويت
هذه القراءة عن نافع، وأبي جعفر(٢).
وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: بضمِّ الباء والدالِ وتشديدِ النون(٣)، فاحتمل أن
يكون اسماً مفرداً بني على فُعُلّ، كعُثُلّ(٤)، واحتمل أن يكون التشديدُ مِن التضعيف
الجائز في الوقف، وأُجريّ الوصلُ مجرى الوقف.
والجمهور على نصب ((البُدْن)) على الاشتغال، أي: وجعلنا البدنَ جعلناها.
وقرئ بالرفع على الابتداء(٥).
(١) الدر المنثور ٣٦١/٤، وأخرجه أيضاً الفسوي في المعرفة والتاريخ ٧/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٤) العُثُلُّ: الغليظ الجافي، قال الله تعالى: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]. مختار الصحاح
(عتل).
(٥) الكشاف ١٤/٣، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.

سُورَةُ الحِّرةُ
٣٢٦
الآية : ٣٦
وقوله تعالى: ((لكم)) ظرف متعلّق بالجعل، و((مِن شعائر الله)) في موضع
المفعول الثاني له.
وقوله تعالى: ﴿لَكُرُّ فِيَهَا خَيْرٌ﴾ أي: نفع في الدنيا وأَجْر في الآخرة، كما روي
عن ابنِ عباس، وعن السُّدِّيِّ الاقتصار على الأجر، جملةٌ مستأنفة مقرِّرة لما قبلها .
﴿فَذَكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾ بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله والله أكبر، اللَّهمَّ منكَ
ولكَ. وقد أخرج ذلك جماعةٌ عن ابنِ عباس، وفي ((البحر))(١): بأن يقولَ عند
النحر: الله أكبر، لا إلهَ إلا الله، والله أكبر، اللَّهمَّ منكَ وإليك. ﴿صَوَآنٌ﴾ أي:
قائماتٍ قد صففنَ أيديهنَّ وأرجلهنَّ، فهو جمعُ صافَّة، ومفعوله مقدَّر.
وقرأ ابنُ عباس، وابنُ عمر، وابنُ مسعود، والباقر، ومجاهد، وقتادةُ،
وعطاء، والكلبيُّ، والأعمش بخلافٍ عنه: ((صوافنَ)) بالنون(٢)، جمع صافنة، وهو
إمَّا مِن صَفَنَ الرجلُ: إذا صفَّ قدمَيْهِ، فيكون بمعنى صوافّ، أو مِن صَفَنَ الفرسُ:
إذا قام على ثلاثٍ وَطَرَفٍ سُنْبُكِ(٣) الرابعة؛ لأنَّ البدنةَ عند الذبح تُعقَل إحدى
يدَيْها، فتقوم على ثلاث، وعَقْلُها عند النحر سنَّةٌ، فقد أخرج البخاريُّ ومسلم
وغيرُهما، عن ابنِ عباس ﴿ُّ أنَّه رأى رجلاً قد أناخَ بدنته، وهو ينحرها
فقال: ابعثها قياماً مقيّدةً سنَّةً محمد ◌ََّ(٤).
والأكثرون على عَقْلِ اليد اليسرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابنِ سابط رَؤُه:
أنَّ النبيَّ نَّهِ وأصحابَه كانوا يَعقلونَ يَدَ البدنة اليسرى وينحرونها قائمةً على ما بقي
مِن قوائمها(٥). وأخرج عن الحسنِ قيل له: كيف تنحرُ البدنة؟ قال: تُعقَل يدُها
اليسرى إذا أُريد نحرُها(٦).
(١) البحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٨١/٢، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٣) السُّنْبُك: طَرَف الحافر، القاموس (سنبك).
(٤) البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠)، وأحمد (٤٤٥٩)، وأبو داود (١٧٦٨) من حديث ابن
عمر څ، ولم نقف علیه عن ابن عباس
(٥) ابن أبي شيبة ٢٠٦/٤ (نشرة العمروي)، وهو عند أبي داود أيضاً (١٧٦٧).
(٦) ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٧ (نشرة العمروي).

الآية : ٣٦
٣٢٧
سُورَةُ الحَّةُ
وذهب بعضٌ إلى عَقْلِ اليمنى؛ فقد أخرج ابنُ أبي شيبة أيضاً عن ابنِ عمر
أنَّه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى(١). وقيل: لافَرْقَ بين عَقْل اليسرى وعَقْل
اليمنى، فقد أخرج ابنُ أبي شيبة أيضاً عن عطاء قال: اعْقِل أيَّ اليدينِ شئتَ.
وأخرج جماعةٌ عن ابنِ عمر أنَّه فسَّر ((صوافَّ)) بقائماتٍ معقولةً إحدى أيديهنَّ،
فلا فرقَ في المراد بين ((صوافٌ)) و((صوافِنَ)) على هذا أصلاً، لكن روي عن مجاهد
أنَّ (الصوافَّ)) على أربعٍ، و((الصوافنَ)) على ثلاثٍ.
وقرأ أبو موسى الأشعريُّ، والحسنُ، ومجاهد، وزيدُ بنُ أَسلم، وشقيق،
وسليمان التيميُّ، والأعرج: ((صوافيَ)) بالياء(٢)، جمع: صافية، أي: خوالص
لوجهِ الله عزَّ وجلَّ لا يُشرَك فيها شيءٌ كما كانت الجاهليَّة تُشرِك.
ونوَّن الياءَ عمرو بنُ عبيد(٣)، وهو خلافُ الظاهر؛ لأنَّ(صوافي)) ممنوعٌ مِن
الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع، وخرّج على وجهين، أحدهما: أنَّه وقفَ عليه
بألفِ الإطلاق؛ لأنَّه منصوب، ثم نوِّن تنوينَ الترثُّم لا تنوينَ الصَّرْف بدلاً مِن
الألف. وثانيهما: أنَّه على لغة مَن يَصرفُ ما لا ينصرفُ، لاسيَّما الجمع المتناهي،
ولذا قال بعضهم:
والصَّرْفُ في الجَمْعِ أتى كثيرا حتى ادَّعى قومٌ به الشَّخْييرا(٤)
وقرأ الحسن أيضاً: ((صوافٍ)) بالتنوين والتخفيف(٥)، على لغة مَن ينصب
المنقوصَ بحركة مقدَّرة ثم يحذف الياءَ، فأصل ((صواف)): صوافي، حذفت الياء؛
لثقل الجمع، واكتفي بالكسرة التي قبلها، ثم عوّض عنها التنوين ونحوه.
ولو أنَّ واشٍ باليمامة دارُه وداري بأعلى حَضْرمَوتَ اهتدى لِيا(٦)
وقد تبقى الياءُ ساكنةً، كما في قوله:
(١) ابن أبي شيبة ٢٠٦/٤ (نشرة العمروي).
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٢/ ٨١، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٤) الرجز في البحر المحيط ٣٦٩/٦ و٣٩٤/٨ ولم ينسبه.
(٥) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٦) القائل مجنون لیلی، والبيت في دیوانه ص ٢٩٤.

سورة الحج
٣٢٨
الآية : ٣٦
لا تُفْسِدنْها وأَعْطِ القوسَ بَاريْها(١)
يا باري القوسِ بریاً لستَ تُحْسِنھا
وعلى ذلك قراءةُ بعضِهم: ((صوافي)) بإثبات الياء ساكنة(٢)؛ بناءً على أنَّه كما في
القراءة المشهورة حالٌ مِن ضمير ((عليها))، ولو جعل - كما قيل - بدلاً مِن الضمير،
لم يحتج إلى التخريج على لغة شاذَّة.
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبِهَا﴾ أي: سقطت على الأرض، وهو كنايةٌ عن الموت. وظاهر
ذلك مع ما تقدَّم مِن الآثار يقتضي أنَّها تُذبَح وهي قائمة، وأيِّد به كون البُدْن مِن
الإبل دون البقر؛ لأنَّه لم تَجْرِ عادةٌ بذبحها قائمةً، وإنَّما تُذبَح مضطجعةً،
وقلّما شوهد نَحْرُ الإبل وهي مُضطّجعةٌ.
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ﴾ أي: الراضيَ بما عنده وبما يُعطَى مِن غير مسألة
ولا تعرُّضٍ لها، وعليه حمل قول لبيد :
فمنهم سعيدٌ آخذٌ بنصيبه
ومنهم شقيٍّ بالمعيشةِ قانع(٣)
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ أي: المعترض للسؤال، مِن اعترَّه: إذا تعرَّض له، وتفسيرهما بذلك
مرويٌّ عن ابنِ عباس، وجماعة، وقال محمد بنُ كعب ومجاهد، وإبراهيم،
والحسن، والكلبيّ: ((القانع)): السائل، كما في قولِ عديٍّ بنِ زيد:
وما خُنْتُ ذا عهدٍ وَأيتُ بعهدِه
ولم أحْرِمِ المُضْطَرَّ إذ جاءَ قانِعا (٤)
(المعترّ)) المعترض مِن غير سؤال، فالقانع قيل على الأوَّل مِن قَنِعَ يَقْنَعُ كتَعِبَ
يَتْعَبُ قَنَعاً: إذا رضيَ بماعنده مِن غير سؤال، وعلى الثاني مِن قَنَعَ يَقْنَعُ كسَأَلَ يَسْأَلُ
لفظاً ومعنّى قُنُوعاً. وعلى ذلك جاءَ قول الشاعر:
العبدُ حرِّ إنْ قَنِعْ
(١) البيت في التمثيل والمحاضرة ص٢٩٣، ومجمع الأمثال للميداني ١٩/٢، وخزانة الأدب
٣٤٩/٨.
(٢) الإملاء ٤٠/٤، وتفسير أبي السعود ٦/ ١٠٧.
(٣) شرح ديوان لبيد ص ١٧٠ .
(٤) البيت في غريب الحديث لأبي عبيد ١٥٦/٢، والصحاح (قنع)، واللسان (قنع)
و(وأي)، وورد في المصادر كلها عدا اللسان (وأي): وَأَبْتُ، بدل: وَأَيْتُ. قال ابن منظور
في اللسان (وَأَي): الوَأَيُّ: الوعد. ووَأَيْتُ له على نفسي أَئي وَأَياً: ضمنتُ له ◌ِدَةً.

الآية : ٣٦
٣٢٩
سورة الحج
والحرُّ عبدٌ إنْ قَضَعْ
فاقنَعْ ولا تَطمعْ فما
شيءٌ يشينُ سوى الطَّمَعْ(١)
فلا يكون ((القانع)) على هذا مِن الأضداد؛ لاختلاف الفعلين، ونصّ على ذلك
الخفاجيُّ(٢) حاكماً بتوهُّم مَن يقول بخلافِه، وفي ((الصحاح))(٣) نقل القول بأنَّه مِن
الأضداد عن بعضٍ أهل العلم، ولم يتعقَّبه بشيء، ونقل عنه أيضاً أنه يجوز أن
يكون السائلُ سُمِّيَ قانعاً؛ لأنَّه يَرضى بما يُعطَى قلَّ أو كَثُرَ، ويقبله ولا يردُّ، فيكون
معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا. وإلى كون قَنِعَ بالكسر بمعنى رَضِيَ، وقَنَعَ بالفتح
بمعنى سَأَل، ذهبَ الراغبُ(٤)، وجعل مصدر الأوَّل قَنَاعةً وقَنَعاناً، ومصدر الثاني
قُنُوعاً. ونقل عن بعضِهم أنَّ أصلَ ذلك مِن القِناع وهو ما يُغطّى به الرأسُ، فـ: قَنِعَ
بالكسر: لَبِسَ القناعَ ساتراً لِفَقْرِهِ، كقولهم: خَفِيَ: إذا لَبِسَ الخفاءَ، وقَنَعَ: إذا رَفَعَ
قناعَه كاشفاً لفَقْره بالسؤال، نحو خَفيَ: إذا رَفَعَ الخَفاءَ. وأيِّد كون القانعِ بمعنى
الراضي بقراءةٍ أبي رجاء: ((القَنِع)) بوزن الحَذِر(٥)، بناءً على أنَّه لم يرد بمعنى
(١) السجع ذكره كاملاً الزرقاني في شرحه على موطأ مالك ٩٣/٣ دون نسبة، وذكره
العسكري في جمهرة الأمثال ٢٧٨/١ وعزاه للنبي وَطهو، ولم نقف عليه، والحصري في زهر
الآداب ٣٥٩/١ ولم ينسبه، والأبشيهي في المستطرف ١٥٥/١ ونسبه للكندي، واقتصرت
روايتهم على :
الـعـبد حر إن قنع
والحر عبد إن طمع
وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٢٤/١٠، والبيهقي في الزهد (٩٨)، والخطيب البغدادي في
تاريخ بغداد ٧/ ١٠١ عن بنان البغدادي، وروايته عندهم هكذا :
الـــرعـدما طمع
والـعـبد حر ما قنع
(٢) حاشية الشهاب ٢٩٩/٦.
(٣) الصحاح (قنع).
(٤) المفردات (قنع).
(٥) المحتسب ٨٢/٢، والبحر المحيط ٣٧٠/٦.

سُورَةُ الرِّجُ
٣٣٠
الآية : ٣٦
السائل، بخلاف القانع فإنَّه ورد بالمعنيين، والأصل توافقُ القراءات، وعن
مجاهد: ((القانع)): الجارُ وإن كان غنيًّا، وأخرج ابنُ أبي شيبة عنه وعن ابنِ جبير
أنَّ ((القانعَ)): أهلُ مَّة، ((والمعترّ) سائرُ الناس(١). وقيل: ((المعترُ)): الصديقُ
الزائر، والذي أختاره مِن هذه الأقوال أوَّلها .
وقرأ الحسن: ((والمُعْتَرِيَ))(٢) اسمُ فاعل مِن اعترى، وهو واعترَّ بمعنّى.
وقرأ عمرو وإسماعيل، كما نقل ابنُ خالويه: ((المُعْتَرِ)) بكسر الراء بدون ياء(٣)،
وروى ذلك المقري عن ابن عباس، وجاء ذلك أيضاً عن أبي رجاء(٤)، وحذفت
الياء؛ تخفيفاً منه واستغناءً بالكسرة عنها .
واستدلَّ بالآية على أنَّ الهديَ يُقسَم أثلاثاً، ثلثٌ لصاحبه، وثلثٌ للقانع، وثلث
للمعترِّ، وروي ذلك عن ابنِ مسعود، وقال محمد بنُ جعفر ﴿ّا بقسمته أثلاثاً أيضاً
إلا أنَّه قال: أُطعِم القانعَ والمعترَّ ثلثاً، والبائسَ الفقيرَ ثلثاً، وأهلي ثلثاً، وفي
القلب مِن صحّته شيءٌ.
وقال ابنُ المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربعُ، وكأنَّه عدَّ القانعَ
والمعترَّ والبائسَ الفقيرَ ثلاثة، وهو كما ترى، قال ابنُ عطيّة(٥): وهذا كلُّه على جهة
الاستحسانِ لا الفرض. وكأنَّه أرادَ بالاستحسان الندبَ، فيكون قد حمل كِلا
الأمرين في الآية على الندبِ.
وفي ((التيسير)): أَمْرُ ((كلوا)» للإباحة، ولو لم يأكل جاز، وأمْرُ(أطعموا)) للندب،
ولو صرفه كلَّه لنفسه، لم يضمن شيئاً، وهذا في كلِّ هَذْي نُسُكٍ ليس بكفَّارة، وكذا
الأضحية، وأما الكفَّارة فعليه التصدُّق بجميعِها، فما أَكَلَه أو أهداه لغنيٌّ، ضمنه.
وفي ((الهداية)): يستحبُّ له أن يأكلَ مِن هدي التطوُّع والمتعة والقِران، وكذا
(١) ابن أبي شيبة ٤/ ٧٢ عن مجاهد، ولم يرد فيه عن ابن جبير.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٨٢/٢، والبحر المحيط ٦/ ٣٧٠.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٦/ ٣٧٠
(٤) البحر المحيط ٦/ ٣٧٠.
(٥) المحرر الوجيز ١٢٣/٤.

الآية : ٣٧
٣٣١
سُوَّةُ الحَّةُ
يستحبُّ أن يتصدَّق على الوجه الذي عرف في الضحايا(١). وهو قولٌ بنحو
ما يقتضيه كلام ابنِ عطيّة في كلا الأمرين.
وأباح مالكٌ الأكلَ مِن الهدي الواجب إلا جزاء الصيد والأذى والنذر، وأباحه
أحمد إلا مِن جزاء الصيد والنذر، وعند الحسن الأكلُ مِن جميع ذلك مباحٌ،
وتحقيق ذلك في کتبٍ الفقه.
﴿ كَذَلِكَ﴾ أي: مثلُ ذلك التسخيرِ البديع المفهوم مِن قوله تعالى: ((صواف)»:
﴿سَخَرَهَا لَكُمْ﴾ُ مع كمالِ عِظَمِها ونهايةٍ قوَّتها، فلا تستعصي عليكم حتى إنَّكم
تأخذونها منقادةً فتعقلونها وتحبسونها صافَّة قوائمها، ثم تطعنون في لبَّاتها،
ولولا تسخيرُ الله تعالى لم تطقْ، ولم تكن بأعجزَ مِن بعض الوحوش التي هي أصغر
منها جِرْماً وأقلَّ قوَّة، وكفى ما يتأبَّد مِن الإبل شاهداً وعبرة. وقال ابنُ عطيّة(٢):
كما أَمرناكم فيها بهذا كلِّه سخّرناها لكم. ولا يَخفى بُعدُه. ﴿لَعَلَّكُمْ نَشْكُرُونَ
(٣٦)
أي: لتشكروا إنعامنا عليكم بالتقرُّب والإخلاص.
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ أي: لن يصيبَ رضا الله تعالى اللحومُ
المتصدَّقُ بِها ولا الدماءُ المهراقةُ بالنَّحْرِ مِن حيث إنَّها لحوم ودماء ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ
النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ولكن يصيبه ما يَصحبُ ذلك مِن تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى
تعظيمِه تعالى والتقرُّب له سبحانه والإخلاص له عزَّ وجلَّ.
وقال مجاهد: أراد المسلمونَ أن يفعلوا فِعْل المشركين مِن الذَّبْح وتشريحِ
اللحم ونَصْبِهِ حولَ الكعبة ونصْجها بالدماء؛ تعظيماً لها وتقرُّباً إليه تعالى، فنزلت
هذه الآية، وروي نحوه عن ابنِ عباس، وغيره.
وقرأ يعقوب، وجماعة: ((لن تَنَالَ))، ((ولكنْ تَنَالُه)) بالتاءِ(٣). وقرأ أبو جعفر
الأوَّلَ بالتاء والثاني بالياء آخِر الحروف(٤)، وعن يحيى بنٍ يعمر، والجحدريِّ
(١) الهداية مع شرحه فتح القدير ٣٢٢/٢.
(٢) المحرر الوجيز ١٢٣/٤ .
(٣) مجمع البيان ١٧/ ١٠٦.
(٤) مجمع البيان ١٧/ ١٠٦.

سُورَةُ الحَّهُ
٣٣٢
التفسير الإشاري (١-٣٧)
أنَّهما قرأا بعكس ذلك(١). وقرأ زيدُ بنُ عليٍّ ط﴿هَا: ((لن يُنال))، ((ولكن يُناله)) بالبناء
لما لم يُسَمَّ فاعلُه في الموضعين، و((لُحومَها ولا دِماءَها)) بالنصب(٢).
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ُ كرَّره سبحانه؛ تذكيراً للنعمة وتعليلاً له بقوله تعالى:
﴿لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ﴾ أى: لتعرفوا عظمتَه تعالى باقتداره على ما لا يَقدِرُ عليه غيرُه عزَّ وجلَّ،
فتوحِّدوه بالكبرياء، وقيل: أي: لتقولوا: اللهُ أكبرُ، عند الإحلال أو الذَّبْح ﴿عَلَى مَا
هَدَنكُمْ﴾ أي: على هدايته وإرشاده إيَّكم إلى طريق تسخيرِها وكيفيَّة التقُّب بها،
فـ ((ما)) مصدريَّة، وجوِّز أن تكون موصوفة، وأن تكون موصولة، والعائدُ محذوفٌ،
ولا بُدَّ أن يعتبر منصوباً عند مَن يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً
بمثل ما جُرَّ به الموصول لفظاً ومعنَى ومتعلَّقاً، و((على)) متعلّقة بـ ((تكبِّروا))؛ لتضمُّنه
معنى الشكر أو الحمد، كأنَّه قيل: لتكبِّروهُ تعالى شاكرينَ أو حامدينَ على ما هداكم.
وقال بعضهم: ((على)) بمعنى اللام التعليليَّة، ولا حاجةَ إلى اعتبار التضمين، ويؤيِّد
ذلك قولُ الداعي على الصفا: اللهُ أكبرُ على ماهدانا، والحمد لله تعالى على ما أَولانا .
ولا يَخفى أَنَّ لعدم اعتبارِ التضمين هنا وجهاً ليس فيما نحن فيه، فافهم.
﴿وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: المخلصين في كلِّ ما يأتون ويَذَرون في أمور
دينهم. وعن ابنِ عباس: هم الموحّدون.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ بالإعراض عن
السِّوَى وطلب الجزاء، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ وهي مبادي القيامة الكبرى.
﴿يَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ وهي موادُّ الأَشياء، فإنَّ لكلِّ شيء مادةً
ملكوتيَّة ترضع رضيعها مِن الملكِ، وتربِّه في مهد الاستعداد.
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ وهي الهيولات، ﴿خَّلَهَا﴾ وهي الصورُ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
اَلْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ﴿وَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ الحيرة ﴿وَمَا هُم
بِسُكَرَى﴾ المحبة، قيل: سُكْرُ الأعداء مِن رؤية القهريَّات، وسُكْرُ الموافقينَ مِن
(١) القراءات الشاذة ص ٩٥ - ٩٦، والبحر المحيط ٦/ ٣٧٠.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣٧٠ مقتصراً على ذكر: ((يُناله)).

التفسير الإشاري (١-٣٧)
٣٣٣
سُورَةُ الحَّةُ
رؤية بدائعِ الأفعال، وسُكْرُ المريدينَ مِن لمعان الأنوار، وسُكْرُ المحبِّين مِن كشوف
الأسرار، وسُكْرُ المشتاقين مِن ظهور سَنَى الصفات، وسُكْرُ العاشقينَ مِن مكاشفة
الذات، وسُكْرُ المقرَّبين مِن الهيبة والجلال، وسُكْرُ العارفين مِن الدخول في حجالِ
الوصال، وسُكْرُ الموحِّدين مِن استغراقهم في بحار الأوَّليَّة، وسُكْرُ الأنبياء
والمرسلين عليهم السلام مِن اطلاعهم على أسرار الأزليّة:
وفي طَرْفه خمرٌ وخمرٌ على الكفّ
ألمَّ بِنا ساقٍ يجلُّ عن الوصفِ
وأسكرني واللهِ مِن خمرةِ الظَّرْفِ(١)
فأَسْكَرَ أصحابي بخمرةٍ كفِّه
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية، يدخل فيه مَن يعبدُ اللهَ تعالى طمعاً في
الكرامات ومحمدةِ الخَلْقِ ونَيْلِ دنياهم، فإن رأى شيئاً مِن ذلك سَكَنَ إلى العبادة،
وإن لم يَرَ، تركها وتهاونَ فيها ﴿خَسِرَ الذُّنْيَا﴾ بفقدان الجاه والقبول والافتضاح عند
الخَلْقِ ﴿وَالْآَخِرَةَ﴾ ببقائه في الحجابِ عن مشاهدة الحقِّ واحتراقِهِ بنار البُعد.
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبٍَ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية،
فيه إشارة إلى حُسْنِ مقام التسليم والرضا بما فَعَلَ الحكيم جلَّ جلاله. ((وإذ بوَّأنا
لإبراهيم مكانَ البيتِ أن لا تشرك بي شيئاً وطهِّر بيتي للطائفين والقائمينَ والرَُّّع
السجود)» فيه من تعظيم أَمْرِ الكعبةِ ما فيه، وقد جعلها اللهُ تعالى مثالاً لعرشه،
وجَعَلَ الطائفينَ بها مِن البشر كالملائكة الحافِين مِن حول العرش يسبِّحون بحمد
ربِّهم إلا أنَّ تسبيحَ البشر وثناءَهم عليه عزَّ وجلَّ بكلمات إلهيّة قرآنيّة، فيكونون مِن
حيث تسبيحُهم وثناؤهم بتلك الكلمات مِن حيث إنَّها كلماتُه تعالى نوَّاباً عنه عزَّ
وجلَّ في ذلك، ويكون أهلُ القرآنِ وهم كما في الحديثِ: ((أهل اللهِ تعالى
وخاصَّته))(٢)، وللكعبة أيضاً امتيازٌ على العرش وسائر البيوت الأربعة عشر لأمر
ما نقل إلينا أنَّه في العرش ولا في غيره مِن تلك البيوت وهو الحَجَر الأسود الذي
جاء في الخبر أنَّه يمينُ اللهِ عزَّ وجلَّ(٣)، ثم إنَّه تعالى جعل لبيته أربعةَ أركان لسرِّ
(١) البيتان لأبي الحسن علي بن محمد بن علي النيريزي الشيرازي، المتوفى سنة (٦٠٢هـ).
الوافي بالوفيات ٨٨/٢٢، وورد فيه: طيفٌ، بدل: ساقٍ.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٢٧٩)، وابن ماجه (٢١٥).
(٣) الخبر سلف عند تفسير الآية (١٧٤) من سورة الأعراف.

سُورَةُ الحُ
٣٣٤
التفسير الإشاري (١-٣٧)
إلهيٍّ وهي في الحقيقة ثلاثة؛ لأنَّه شكل مكعّب الركن الذي يلي الحَجَر كالحَجَر في
الصورة مكعَّب الشكل، ولذلك سمّى الكعبة تشبيهاً بالكعب، ولما جعل اللهُ تعالى
له بيتاً في العالم الكبير جعل نظيرَه في العالَم الصغير وهو قلبُ المؤمن، وقد ذكروا
أنَّه أشرفُ مِن هذا البيت: ((ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلبُ عبدي
المؤمن)»(١)، وجعل الخواطر التي تمرُّ عليه كالطائفين، وفيها مَثَّلهم المحمود
والمذموم، وجعل محلَّ الخواطر فيه كالأركان التي للبيت، فمحلُّ الخاطر الإلهيِّ
كركن الحجر، ومحلُّ الخاطر المَلَكي كالركن اليمانيِّ، ومحلُّ الخاطر النفسي
كالمكعب الذي في الحَجَر لا غير، وليس للخاطر الشيطانيِّ فيه محلٌّ، وعلى هذا
قلوبُ الأنبياء عليهم السلام، وقد يقال: محلُّ الخاطر النفسيِّ كالركن الشاميِّ،
ومحلُّ الخاطر الشيطانيِّ كالركن العراقيِّ، وإنما جعل ذلك للركن العراقيّ؛ لأنَّ
الشارعَ شرع أن يقال عنده: ((أعوذ بالله تعالى مِن الشقاق والنفاق وسوءٍ
الأخلاق))(٢)، وعلى هذا قلوبُ المؤمنين ما عدا الأنبياء عليهم السلام، وأودع
سبحانه فيه كنزاً أراد ◌ََّ أن يُخرِجِه فلم يَفعلْ لمصلحةٍ رآها، وكذا أراد عمرُ فامتنع
اقتداءً برسولِ اللهِ وَّر. وكذلك أودع جلَّ وعلا في قلب الكامل كنزَ العلم به عزَّ
وجلَّ.
وارتفاعُ البيتِ - على ما مرَّ - سبعةٌ وعشرونَ ذراعاً وربعُ ذراعٍ. وقال بعضهم :
ثمانيةٌ وعشرونَ ذراعاً، وعليه يكون ذلك نظير منازل القلب التي تقطعها كواكب
الإيمان السيّارة لإظهار حوادث تجري في النفس كما تقطع السيّارة منازلَها في
الفَلَك لإظهار الحوادث في العالم العنصريِّ إلى غيرِ ذلك مما لا يعرفه إلا أهلُ
الكشف .
﴿لَكُّ فِيَهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى ثُمَّ مَمِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ أي: إلى
ما يليه، فإنَّ النحرَ بمنَّى، وجعلت محلًّا للقرابين على ما ذكر الشيخ الأكبر
(١) حديث موضوع، وسلف ٢٢١/٤.
(٢) كان من دعائه بَّر ذلك، لكنه لم يرد بخصوص الركن العراقي بل ورد عنه الدعاء به مطلقاً،
والخبر عند أبي داود (١٥٤٦)، والنسائي في المجتبى ٢٦٤/٨ عن أبي هريرة ظه، قال
المنذري في مختصر السنن ١٥٩/٢: في إسناده بقية بن الوليد ورُوَيد بن نافع، وفيهما مقال.

سُورَةُ الحَةُ
٣٣٥
التفسير الإشاري (١-٣٧)
محيي الدين قدِّسَ سرُّه؛ لأنَّها مِن بلوغ الأمنية، ومَن بَلَغَ المنى المشروع فقد
بلغَ الغاية، وفي نَحْرِ القرابين إتلافُ أرواحٍ عن تدبيرٍ أجسام حيوانيَّة لتتغذّى بها
أجسام إنسانيّة، فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها فتدبرها إنسانيّة بعدما كانت
تدبرها إبلاً أو بقراً، وهذه مسألة دقيقة لم يفطن لها إلا مَن نوَّر اللهُ تعالى
بصيرتَه مِن أهل الله تعالى(١). انتهى. وتعقُّله مفوَّض إلى أهله، فاجهد أن تكون
منهم.
﴿وَبَشِيرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ حسبما يحصل لهم من
التجلِّي عند ذلك، وقد يحصل مِن الذكر طمأنينةُ القلب لاقتضاء التجلِّي إذ ذاك
ذلك، وذكر بعضهم أنَّ لكلِّ اسم تجلِّياً خاصًّا، فإذا ذُكرَ الله تعالى حصل حسَب
الاستعداد، ومِن هاهنا يحصل تارَةً وَجَلٌ، وتارةً طمأنينةٌ، و﴿إِذَا﴾ لا تقتضي الكليّة،
بل كثيراً ما يُؤْتَى بها في الشرطيّة الجزئيَّة، وقيل: العارف متى سمعَ الذِّكْرَ مِن غيرِهِ
تعالى وَجِلَ قلبُه، ومتى سمعه منه عزَّ وجلَّ اطمأنَّ. ويفهم مِن ظاهر كلامهم أنَّ
السامعَ الذِّكْر إمَّا وَجِلٌ أو مطمئنٌّ، ولم يصرّح بقسمٍ آخَر، فإن كان فالباقي على
حالهِ قبل السماع، وأكثر مشايخٍ زماننا يرقصونَ عند سماعِ الذِّكْر، فما أدري أَينشأُ
رقصُهم عن وَجَلٍ منه تعالى أم عن طمأنينةٍ؟ وسيظهر ذلك يوم تُبلى السرائر وتَظهرُ
الضمائر.
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَكَبِ اللَّهِ لَكُمْ فِهَا خَيْرٌ فَذَكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآنٍّ﴾
قد تقدَّم لكَ أنَّهم ينحرونَ البُدْنَ معقولَة اليد اليسرى قائمةً على ما بقيَ مِن قوائمها،
وذكروا في سرِّ ذلك أنَّه لما كان نحرُها قُرْبَةً، أراد ◌َ لِ المناسبة في صفة نحرِها في
الوتريَّة، فأقامها على ثلاثِ قوائم؛ لأنَّ اللهَ تعالى وِتْرٌ يحبُّ الوِتْرَ، والثلاثة أوَّل
الإفراد، فلها أوَّل المراتب في ذلك، والأوليَّة وتريَّة أيضاً، وجعلها قائمةً؛ لأنَّ
القيوميّة مثل الوتريَّة صفةٌ إلهيّة، فيذكر الذي ينحرها مشاهدةَ القائم على كلِّ نفس
بما كسبت، وقد صحَّ أنَّ المناسكَ إنَّما شُرعت لإقامة ذِكْرِ الله تعالى، وشَفَعَ
الرِّجْلَين؛ لقوله تعالى ﴿وَالْفَتِ السَّاقُ بِلسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] وهو اجتماع أَمْرٍ
الدنيا بالآخرة، وأفرد اليمين مِن يد البُدْن؛ حتى لا تعتمد إلا على وترٍ له الاقتدار.
(١) الفتوحات المكية ٧٥٤/١.

سُورَةُ الحِه
٣٣٦
التفسير الإشاري (١-٣٧)
وكان العَقْل في اليد اليسرى؛ لأنَّها خليَّة عن القوَّة التي لليمنى، والقيام لايكون
إلا عن قوَّة. وقد أخرج مسلم عن ابنِ عباس أنَّه قال: صلَّى رسولُ اللهِوَّهِ الظهرَ
بذي الحليفة، ثم دعا بناقتِهِ فأشعرها في صَفْحةِ سنامها الأيمنِ، وسَلَتَ عنها الدمَ،
وقلَّدها نعلين، ثم ركبَ راحلته. الحديث(١).
والسِّرُّ في كون هديه عليه الصلاة والسلام مِن الإبل - مع أنَّه جاء فيها أنَّها
شياطينُ، ولذا كُرهت الصلاةُ في معاطِنها(٢) - الإشارةُ إلى أنَّ مقامَه عليه الصلاة
والسلام رَدُّ البعداءِ مِن الله تعالى إلى حالِ التقريب، وفي إشعارِها في سنامها الذي
هو أرفع ما فيها إشعارٌ منه وَل وبأنه عليه الصلاة والسلام أتى عليهم مِن صفة
الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم فليجتنبوها، فإِنَّ الدارَ الآخرةَ إنَّما جُعلت
للذين لا يريدونَ علوًّا في الأرض ولا فساداً، ووقع الإشعار في الصَّفْحة اليمنى؛
لأنَّ اليمين محلُّ الاقتدارِ والقوّة، والصَّفْحة مِن الصَّفْح، ففي ذلك إشعارٌ بأنَّ اللهَ
تعالى يَصفحُ عمَّن هذه صفته إذا طَلَبَ القُربَ مِن الله تعالى وزالَ عن كبريائه الذي
أوجب له البُعدَ، وجعل عليه الصلاة والسلام الدلالةَ على إزالة الكبرياء في شيطنة
البُدْنِ في تعليقِ النعال في رقابها، إذ لا يُصْفَعُ بالنعال إلا أهلُ الهونِ والمذلَّة، ومَن
كان بهذه المثابة فما بقيَ فيه كبرياء تشهد، وعلّق النعال بقلائد العِهْن ليتذَّر بذلك
ما أَراد الله تعالى وتكون الجبال كالعِهْنِ المنفوش، وقد ذكروا لجميع أفعال الحجِّ
أسراراً مِن هذا القبيل، وعندي أنَّ أكثرَها تعبديَّة، وأنَّ أكثرَ ما ذكروه مِن قبيل
الشعر، والله تعالى الموفِّق للسداد.
(١) مسلم (١٢٤٣). ومعنى: ((وسَلَتَ عنها الدَم)»: أماطه عنها.
(٢) أخرج ابن حبان في صحيحه (١٧٠٢) عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله وَّةٍ: «صلُّوا
في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في معاطن الإبل، فإنها خُلقت من الشياطين)). وهو عند أحمد
(١٦٧٩٩).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦/٢: ورجال أحمد رجال الصحيح. اهـ. وقال ابن حبان
إثر الحديث: قوله وتلقى: ((فإنها خلقت من الشياطين)) أراد به أن معها شياطين، وهكذا
قوله ◌َلجر: ((فليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان)). اهـ. وهو عند البخاري
(٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري ه.

الآية : ٣٨
٣٣٧
سُورَةُ الحَةُ
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كلامٌ مستأنَف مسوقٌ لتوطين قلوبِ المؤمنين
ببيانِ أنَّ اللهَ تعالى ناصرُهم على أعدائهم بحيث لا يقدرونَ على صدِّهم عن الحجِّ،
وذكر أنَّ ذلك متَّصلٌ بقوله تعالى: ((إن الذين كفروا ويصدون)) وأنَّ ما وقع في البَيْنِ
مِن ذِكْرِ الشعائرِ مستطردٌ؛ لمزيدِ تهجينِ فِعْلِهِم وتقبيحِهم لازدياد قُبْحِ الصَّدِّ بازدياد
تعظيم ما صدَّ عنه، وتصديره بكلمة التحقيقِ؛ لإبراز الاعتناء التامِّ بمضمونه، وصيغةٌ
المفاعلة إمَّا للمبالغة، أوللدلالةِ على تكرُّر الدَّفْع، فإنَّها قد تتجرَّد عن وقوع الفعل
المتكرِّر مِن الجانبين، فيبقى تكرُّره كالممارسةَ، أي: إنَّ اللهَ تعالى يُبالغ في دَفْعِ
غائلة المشركينَ وضررهم الذي مِن جملته الصَّدُّ عن سبيل الله تعالى والمسجدِ
الحرام مبالغةً مَن يُغالب فيه، أو يَدفعها عنهم مرَّة بعد أُخرى حسبما يتجدَّد منهم
القصدُ إلى الإضرار بهم، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَاً أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرَّبِ أَلْفَهَا الََّّ﴾
[المائدة: ٦٤].
وقرأ أبو عمرو، وابنُ كثير: ((يَدْفَعُ))(١)، والمفعول محذوف، كما أشير إليه،
وفي ((البحر))(٢): أنَّه لم يذكر ما يَدفعُه سبحانه عنهم؛ ليكون أعظمَ وأفخمَ وأعمَّ.
وأنت تَعلمُ أنَّ المقامَ لا يقتضي العمومَ، بل هو غيرُ صحيح.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوٍَّ كَفُورٍ ﴾ تعليل لما في ضمن الوعدِ
الكريم من الوعيدِ للمشركين، وإيذانٌ بأنَّ دفعَهم بطريق القَهْر والخِزْي. وقيل:
تعليلٌ للدفاع عن المؤمنين بيُغْضِ المدفوعينَ على وجهٍ يتضمَّن أنَّ العلةَ في ذلك
الخيانةُ والكفر، وأوثر: ((لا يحب)) على: يبغض؛ تنبيهاً على مكان التعريض، وأنَّ
المؤمنين هم أحبَّاءُ الله تعالى، ولعلَّ الأوَّل أَولى؛ لإيهام هذا أنَّ الآيةَ مِن قبيل
قولك: إنِّي أدفعُ زيداً عن عمرٍو؛ لبغضي زيدًا، وليس في ذلك كثيرُ عناية بعمرٍو،
أي: إنَّ الله تعالى يُبْغِضُ كلَّ خَوَّان في أماناته تعالى، وهي أوامره تعالى شأنه
ونواهيه، أو في جميع الأمانات التي هي معظمها كفورٌ لنعمه عزَّ وجلَّ، وصيغةُ
المبالغة فيهما؛ لبيان أنَّ المشركين كذلك، لا للتقييد المشعر بمحبَّة الخائن
والكافر، أو لأنَّ خيانة أمانة الله تعالى وكفرانَ نعمته لا يكونان حقیرین، بل
(١) التيسير ص ١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢.
(٢) البحر المحيط ٦ / ٣٧٣.
٠

سورة الحج
٣٣٨
الآية : ٣٩
هما أمران عظيمان، أو لكثرة ما خانوا فيه مِن الأمانات وما كفروا به مِن النِّعَم، أو
للمبالغة في نفي المحبة على اعتبار النفي أوَّلاً، وإيراد معنى المبالغة ثانياً، كما قيل
في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقد علمتَ ما فيه.
وأيًّا ما كان، فالمراد نفيُ الحبِّ عن كلِّ فردٍ فردٍ من الخونةِ الكفرة.
﴿أَذِينَ﴾ أي: رُخِّصَ، وقرأ ابن عباس وابن كثير، وابنُ عامر، وحمزة،
والكسائيُّ: (أَذِنَ)) بالبناء للفاعل(١)، أي: أَذِنَ اللهُ تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ أي:
يُقاتلهم المشركون، والمأذونُ فيه القتالُ، وهو في قوَّة المذكور؛ لدلالة المذكور
عليه دلالةً نيِّرة.
وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر، ويعقوب: ((يُقاتِلونَ)) على صيغة المبنيّ للفاعل(٢)،
أي: يريدون أن يقاتلوا المشركين في المستقبل ويحرصونَ عليه، فدلالته على
المحذوف أَنور.
﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ أي: بسبب أنَّهم ◌ُلموا. والمراد بالموصول أصحابُ النبيِّ ◌َّل
الذين في مكّة، فقد نقل الواحديُّ وغيرُه أنَّ المشركينَ كانوا يُؤْذونَهم، وكانوا يأتون
النبيَّ عليه الصلاة والسلام بين مضروبٍ ومشجوج، ويتظلَّمون إليه صلوات الله
تعالى وسلامُه عليه، فيقول لهم: ((اصبروا فإنِّي لم أُومَرْ بالقتال)» حتى هاجر،
فأنزلت هذه الآيةُ (٣). وهي أوَّل آيةٍ نزلت في القتال بعد ما نُهي عنه في نيفٍ
وسبعين آية، على ما روى الحاكم في ((المستدرك)) (٤) عن ابنِ عباس ﴿ًّا، وأخرجه
عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهريِّ(٥) .
(١) التيسير ص ١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢.
(٢) النشر ٣٢٦/٢، والبحر المحيط ٣٧٣/٦.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٣١٩.
(٤) ٦٦/٢، ٢٤٦، ٣٩٠، وهو عند أحمد (١٨٦٥)، والنسائي في المجتبى ٢/٦. قال الحاكم:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
(٥) مصنف عبد الرزاق (٩٧٤٣) ضمن حديث طويل فيمن هاجر إلى الحبشة، وأخرجه من
طريقه ابن أبي عاصم في الأوائل (١٠١) مختصراً. وهو عند النسائي في الكبرى
(١١٢٨٣)، وصحَّح إسناده ابن حجر في فتح الباري ٧/ ٢٨٠.

الآية : ٤٠
٣٣٩
مرة الحى
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية: أنَّ أوَّل آيةٍ نزلت فيه: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وفي ((الإكليل)) للحاكم: أنَّ أوَّلَ آيةٍ نزلت في ذلك:
﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾(١) [التوبة: ١١١].
وروى البيهقيُّ في ((الدلائل)) وجماعة أنَّها نزلت في أناس مؤمنينَ خرجوا
مهاجرينَ مِن مَّة إلى المدينة، فاتَّبعهم كفار قريش، فأذن اللهُ تعالى لهم في
قتالهم (٢). وعدمُ التصريح بالظالم؛ لمزيد السُّخْطِ، تحاشياً عن ذِكْره.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ وَعْدٌ لهم بالنصر، وتأكيدٌ لما مرَّ من العِدَة،
وتصريحٌ بأنَّ المرادَ به ليس مجرَّدَ تخليصهم مِن أيدي المشركين، بل تغليبُهم
وإظهارُهم عليهم، وقد أُخرِجَ الكلامُ على سننِ الكبرياء، فإنَّ الرَّمْزةَ والابتسامةَ مِن
المَلِكِ الكبير كافيةٌ في تيقُّن الفوز بالمطلوب، وقد أُوكد تأكيداً بليغاً؛ زيادةً في
توطین نفوس المؤمنين.
﴿الَّذِينَ أُخْرِعُواْ مِن دِيَرِهِمْ﴾ في حيِّز الجرِّ على أنَّه صفةٌ للموصول قَبْلُ، أو بيانٌ
له، أو بدلٌ منه، أو في محلِّ النصب على المدح، أوفي محلِّ الرفع بإضمار مبتدأٍ،
والجملة مرفوعةٌ على المدح، والمراد الذين أَخرجهم المشركون مِن مَّة ﴿بِغَيْرِ
حَقٍ﴾ متعلِّق بالإخراج، أي: أُخرجوا بغير ما يُوجِبُ إخراجهم. وجوّز أن يكون
صفةً مصدر محذوف، أي: أُخرجوا إخراجاً كائناً بهذه الصفة، واختار الطبرسيُّ (٣)
كونه في موضع الحال، أي: كائنينَ بغير حقِّ مترتّب عليهم يوجب إخراجَهم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ استثناء منَّصل مِن ((حقِّ))، ((وأنْ))
(١) الإتقان ٨٤/١، وحاشية الشهاب ٦/ ٣٠٠، والقول الأول عن أبي العالية أخرجه ابن جرير
الطبري في التفسير ٢٨٩/٣ - ٢٩٠، والبغوي في تفسيره ١٤٣/١ معلّقاً عن الربيع،
وأخرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره كما في الدر المنثور ١/ ٢٠٥- ومن طريقه ابن أبي حاتم
في تفسيره ٣٢٥/١ (١٧١٩) - عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.
(٢) الدر المنثور ٣٦٤/٤ وعزاه أيضاً لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم
[٢٤٩٦/٨ (١٣٩٦٢)] عن مجاهد، ولم نقف عليه في مطبوع دلائل النبوة للبيهقي، ولا في
مطبوع ابن أبي شيبة.
(٣) مجمع البيان ١٧ / ١٠٩.

سورة الحِہ
٣٤٠
الآية : ٤٠
وما بعدها في تأويل مصدرٍ بدل منه، لما في ((غير)) من معنى النفي، وحاصل
المعنى لا موجبَ لإخراجِهم إلا التوحيد، وهو إذا أُريد بالموجب النفسي الأمري،
على حدٍّ قول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم
بهِنَّ فلولٌ مِن قراعِ الكتائبِ(١)
وجوّز أن يكون الإبدال مِن ((غير))، وفي ((أُخرجوا)) معنى النفي، أي: لم يُقَرُّوا
في ديارهم إلا بأن يقولوا ... إلخ، وهو كما ترى، وجوّز أن يكون الاستثناء
منقطعاً، وأوجبه أبو حيَّان(٢)، أي: ولكن أُخرِجوا بقولهم: ربُّنا الهُ، وأَوجبَ
نصبَ ((ما)) بعد (إلا)) كما أوجبوه في قولهم: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع
إلا ما ضرّ، وردّ كونه متصلاً وكونَ ((ما)) بعد ((إلا)) بدلاً مِن ((حقّ)) بما هو أشبه شيء
بالمغالطة، ويُفهَم مِن كلامه جواز أن تكون ((إلا)) بمعنى ((سوى)) صفة ((لحقِّ))، أي:
أُخرجوا بغير حقِّ سوى التوحيد، وحاصله: أُخرجوا بكونهم موحِّدين.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ﴾ تحريض على القتال
المأذونِ فيه بإفادة أنَّه تعالى أَجرى العادةَ بذلك في الأمم الماضية؛ لينتظمَ به
الأمرُ، وتقومَ الشرائعُ، وتصانَ المتعبَّدات مِن الهَدْم، فكأنَّه لما قيل: ((أُذنَ للذين
يُقاتلونَ)) ... إلخ، قيل: فليقاتل المؤمنون، فلولا القتالُ وتسليطُ اللهِ تعالى المؤمنين
على المشركينَ في كلِّ عصرٍ وزمان، لهدِّمت متعبَّداتهم، ولذهبوا شَذَر مَذَر،
وقيل: المعنى: لولا دفعُ اللهِ بعضَ الناس ببعضٍ بتسليط مؤمني هذه الأمَّة على
كفَّارها، لهدِّمت المتعبَّداتُ المذكورة، إلا أنَّه تعالى سلَّط المؤمنين على الكافرين،
فبقيت هذه المتعبَّداتُ، بعضها للمؤمنين، وبعضها لمن في حمايتهم مِن أهل الذمَّة.
وليس بذاك. وقال مجاهد: أي: لولا دَفْعُ ظُلْمٍ قومٍ بشهادة العدولِ ونحو ذلك،
لهدِّمت ... إلخ.
وقال قوم: أي: لولا دَفْعُ ظُلْم الظلمة بعدلِ الولاة. وقالت فرقة: أي: لولا دَفْعُ
العذاب عن الأشرار بدعاءِ الأخيار. وقال قطرب: أي: لولا الدَّفْع بالقصاص عن
(١) سلف ٥ / ٤٠٧.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣٧٤.