النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٢٧
٣٠١
سُورَةُ الدِّو
وقرأ ابنُ أبي إسحاق: ((بالحِجِّ)) بكسر الحاء حيث وقع(١).
وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ﴾ جزم في جواب الأمر وهو ((أذن)) على القراءتين،
و(طهِّر)) على الثالثة، كما قال صاحب ((اللوامح)): وإيقاعُ الإتيان على ضميرِه عليه
السلام؛ لكون ذلك بندائه، والمراد: يَأْتوا بيتَكَ. وقوله سبحانه: ﴿رِجَالًا﴾ في
موضع الحال، أي: مشاة، جَمْعُ: رَاجِلٍ، كقيام جمعُ قائم.
وقرأ ابنُ أبي إسحاق: ((رُجَالًا)) بضمِّ الراء والتخفيف (٢)، وروي ذلك عن
عكرمة، والحسن، وأبي مجلز، وهو اسمُ جمع الراجل، كظؤار(٣) لظائر(٤)، أو هو
جمعٌ نادر، وروي عن هؤلاء، وابنِ عباس، ومحمد بن جعفر، ومجاهد ٹ:
(رُجَالًا)) بالضمِّ والتشديد(٥)، على أنَّه جمع راجلٍ، كتاجر وتُبَّار، وعن عكرمة أنَّه
قرأَ: ((رُجَالى)) كسُكَارى(٦)، وهو جمع رَجْلان أو راجل، وعن ابنِ عباس،
وعطاء، وابنِ حدير مِثْل ذلك إلَّا أنَّهم شدَّدوا الجيمَ(٧).
وقوله تعالى: ﴿وَعَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ عطف على ((رجالًا)) أي: وركباناً على كلِّ
بعير مهزول أَتْعَبَه بُعْدُ الشُّقَّة فهزله، أو زادَ هُزالَه، والضامر يُطلقَ على المذكَّر
والمؤثّث، وعدل عن ركباناً الأخصر؛ للدلالة على كثرةِ الآتينَ مِن الأماكن
البعيدة .
= لم يطَّلع عليها فنسب من اطّلع إلى التصحيف، ولو تأنَّى أصاب أو كاد.
(١) البحر المحيط ٦/ ٣٦٤.
(٢) المحتسب ٧٩/٢، والبحر المحيط ٣٦٤/٦.
(٣) في الأصل و(م): ((كُطُؤار))، والمثبت من المحتسب ٧٩/٢، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٤،
والدر المصون ٢٦٥/٨. والظؤار جمع ظئر: وهي العاطفة على ولد غيرها المرضعةُ له، في
الناس وغيرهم. القاموس (ظار).
(٤) في الأصل و(م): ((طائر))، ولم نقف فيما بين أيدينا من مصادر على أن ظؤار جمع ظائر،
بل هو جمع ظئر كما تقدم آنفاً، وما أثبت هو تبعاً لما ذهب إليه المصنّف من أنَّه على وزن
راجل.
(٥) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٧٩/٢، والبحر المحيط ٣٦٤/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٧٩/٢، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٤.
(٧) البحر المحيط ٦/ ٣٦٤.
سُورَةُ الحَهُ
٣٠٢
الآية : ٢٧
وفي الآية دليلٌ على جواز المشي والركوب في الحجّ، قال ابنُ العربيّ(١):
واستدلَّ علماؤنا بتقديم ((رجالًا)) على أنَّ المشيّ أفضلُ، وروي ذلك عن ابنٍ
عباس، فقد أخرج ابنُ سعدٍ، وابنُ أبي شيبة، والبيهقيُّ، وجماعةٌ أنَّه قال: ما آسى
على شيءٍ فاتني إلّا أنّي لم أحَّ ماشياً حتى أدركني الكِبرُ، أسمع الله تعالى يقول:
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فبدأ بالرجالِ قبل الركبان(٢). وفي ذلك حديثٌ
مرفوع فقد أخرج ابنُ سعدٍ، وابنُ مردويه، وغيرُهما عنه أنَّه قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول: ((إنَّ للحاجِّ الراكب بكلِّ خطوةٍ تخطوها راحلتُه سبعينَ
حسنة، وللماشي بكلِّ قَدَم سبع مئة حسنة مِن حسنات الحرم)) قيل: يا رسولَ الله
وما حسناتُ الحَرَمِ؟ قال: ((الحسنةُ مئةُ ألفِ حسنة))(٣). وأخرج ابنُ أبي شيبة عن
مجاهد: أنَّ إبراهيمَ وإسماعيل عليهما السلام حَجًّا وهما ماشيان(٤).
وقال ابنُ الفَرَس: واستدلَّ بعضُهم بالآية على أنَّه لا يجبُ الحجُّ على مَن في
طريقه بحرٌ ولا طريقَ له سواه؛ لكونه لم يُذكَر في الآية.
وتُعقّب بأنَّه استدلالٌ ضعيف؛ لأنَّ مَّة ليست على بحر، وإنَّما يُتوصَّل إليها على
إحدى الحالين مَشي أو ركوب، وأيضاً في دلالة عدم الذِّكْر على عدمِ الوجوب نظرٌ.
وقوله تعالى: ﴿يَأْنِينَ﴾ صفة لـ ((ضامر)) أو لـ ((كل))، والجمع باعتبار المعنى
كأنَّه قيل: وركباناً على ضوامر يأتين، و((كل)) هنا للتكثير لا للإحاطة، وما قيل مِن
أنَّها إذا أضيفت لنكرةٍ لم يُراعَ معناها إلا قليلًا، ردُّوه بهذه الآية ونظائرها، وكذا
ما قيل: إنَّه يجوز إذا كانا في جملتين؛ لأنَّ هذه جملةٌ واحدة.
(١) في أحكام القرآن له ١٢٦٨/٣.
(٢) ابن أبي شيبة ٩٧/٤-٩٨، والبيهقي ٣٣١/٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٥١٨/١٦.
(٣) الدر المنثور ٤/ ٣٥٥، وأخرجه أيضاً الفاكهي في أخبار مكة (٨٣٢)، والأزرقي في أخبار
مكة ٧/٢، والطبراني في الكبير ١٢/ (١٢٥٢٢) و(١٢٦٠٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان
٣٥٤/٢، والبيهقي ٣٣١/٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٥٦٧ من طرق مختلفة
وبأسانيد كلها فيها مقال، قال ابن الجوزي: هذان حديثان لا يصحان، مدارهما على
إسماعيل بن أمية، قال الدارقطني: كان يضع الحديث. اهـ. وينظر علل الحديث للرازي
٢٧٩/٢، والسلسلة الضعيفة للألباني (٤٩٥) و(٤٩٦).
(٤) ابن أبي شيبة ٩٨/٤، وأخرجه أيضاً الأزرقي في أخبار مكة ٣٤/١.
الآية : ٢٨
٣٠٣
سُورَةُ الحِجُ
وجوَّز أبو حيَّان(١) أن يكون الضميرُ شاملًا لرجال و((كل ضامرٍ))، والجملة صفةٌ
لذلك على معنى الجماعات الرفاق.
وتُعقِّب بأنَّه يلزمه تغليبُ غيرِ العقلاء عليهم، وقد صرَّحوا بمنعه. نعم قرأ
عبدُ الله وأصحابه، والضَّاك، وابنُ أبي عبلة: ((يأتون))(٢)، واعتبارُ التغليبِ فيه
على بابه، والمشهور جَعْلُ الضمير لـ ((رجالًا)) و((ركباناً))، فلا تغليبَ، وجوّز جعلُ
الضمير للناس، والجملة استئنافية.
﴿مِن كُلِّ فَجْ﴾ أي: طريق، كما روي عن ابنِ عباس ومجاهد، وقتادة،
والضَّّاك، وأبي العالية، وهو في الأصل: شقّة يَكتنفُها جبلان، ويستعمل في
الطريق الواسع، وكأنَّهم جرَّدوه عن معنى السعة؛ لأنَّه لا يناسبُ هنا بل يخلو مِن
خلل ﴿عَمِيقٍ ﴾﴾ أي: بعيدٍ، وبه فسَّره الجماعة أيضاً، وأصله: البعيدُ سُفْلًا،
وهو غيرُ مناسب هنا.
وقرأ ابنُ مسعود: ((مَعِيْق))(٣)، قال الليث: يقال: عَمِيْق ومَعِيْق لتميم، وأَعْمقتُ
البئرَ وأَمْعَقْتها، وَقَد عَمُقَتْ ومَعقَتْ عَماقَةً ومَعَاقَةً، وهي بعيدة العُمْق والمعق.
﴿وَلِيَشْهَدُواْ﴾ متعلِّق بـ: (يأتوك))، وجوَّز أبو البقاءِ (٤) تعلُّقه بـ ((أَذِّن))، أي:
ليحضروا ﴿مَنَفِعَ﴾ عظيمةَ الخَطَر كثيرةَ العدد، فتنكيرُها - وإن لم يكن فيه
تنوينٌ - للتعظيم والتكثير، ويجوز أن يكون للتنويع، أي: نوعاً مِن المنافع الدينيَّة
والدنيويَّة، وتعميمُ المنافع بحيث تشمل النوعينِ ممَّا ذهبَ إليه جمعٌ، وروي ذلك
عن ابنِ عباس، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم(٥) عنه أنَّه قال في الآية: منافع في
الدنيا ومنافع في الآخرة، فأمَّا منافعُ الآخِرة فرضوانُ الله تعالى، وأمَّا منافعُ
الدنيا فما يصيبونَ مِن لحوم البُدْنِ في ذلك اليوم والذبائح والتجارات.
وخصّ مجاهدٌ منافعَ الدنيا بالتجارة، فهي جائزةٌ للحاجِ مِن غير كراهة إذا لم
(١) البحر المحيط ٦/ ٣٦٤.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٤.
(٣) الكشاف ١١/٣، والبحر المحيط ٣٦٤/٦.
(٤) الإملاء ٣٧/٤.
(٥) في التفسير ٢٤٨٨/٨ (١٣٨٨٩).
سُورَةُ الحِه
٣٠٤
الآية : ٢٨
تكن هي المقصودة مِن السفر. واعتُرض بأنَّ نداءَهم ودعوتهم لذلك مستبعدٌ، وفيه
نظرٌ، على أنَّه إنَّما يتأتَّى على ما جوَّزه أبو البقاء، وعن الباقرِ رَظُه تخصيصُ
المنافع بالأخرويَّة، وفي رواية عن ابنِ عباس تخصيصُها بالدنيويَّة، والتعميم أولى.
﴿لَهُمْ﴾ في موضع الصفة لـ ((منافع))، أي: منافع كائنة لهم ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ﴾
عند النحر ﴿فِيّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ أي: مخصوصات، وهي أيَّام النحر، كما ذهب إليه
جماعةٌ منهم أبو يوسف ومحمَّد، عليهما الرحمة.
وعدَّتها ثلاثةُ أيام؛ يوم العيد ويومان بعده عندنا، وعند الثوريِّ، وسعيد بنِ
جبير، وسعيد بنِ المسيب؛ لما روي عن عمر، وعليٍّ، وابنِ عمر، وابنِ عباس،
وأنسٍ، وأبي هريرة ﴿ه أنَّهم قالوا: أيامُ النحر ثلاثةٌ، أفضلها أوَّلُها، وقد قالوه
سماعاً؛ لأنَّ الرأيَّ لا يهتدي إلى المقادير، وفي الأخبار التي يعوَّل عليها تعارضٌ،
فأخذنا بالمتيقّن وهو الأقلُّ، وقال الشافعيُّ، والحسنُ، وعطاء: أربعةُ أيَّام؛ يوم
العيد وثلاثة بعدَه، لقوله {ََّ: ((أيُّام التشريق كلُّها أيَّام ذَبْح))(١) وعند النخعيِّ: وقت
النحر يومان، وعند ابنِ سيرين يومٌ واحد، وعن أبي سلمة، وسليمان بنٍ يسار:
الأضحى إلى هلال المحرَّم. ولم نجد في ذلك مستنداً يعوَّل عليه.
واستدلَّ بذِكْر الأيام على أنَّ الذبح لا يجوز ليلًا، قال أبو حيَّان(٢): وهو
مذهبُ مالك وأصحاب الرأي. انتهى. والمذكور في كتب الأصحاب أنَّه يجوز
الذبحُ ليلًا إلا أنَّه يُكرَه؛ لاحتمال الغَلَط في ظلمة الليل.
وأمَّا الاستدلال على عدم الجواز بذِكْر الأيَّام فكما ترى، وقيل: الأيَّام
المعلومات عشرُ ذي الحجّة، وإليه ذهب أبو حنيفة - عليه الرحمة - وروي عن ابنِ
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٥٢)، والبزار (١١٢٦)، وابن حبان (٣٨٥٤)، والطبراني في الكبير
(١٥٨٣)، وابن عدي في الكامل ١١١٨/٣، والدارقطني (٤٧٥٦) و(٤٧٥٨)، والبيهقي
٢٣٩/٥ و٢٩٥/٩ من حديث جبير بن مطعم ضريبه.
قال ابن حجر في فتح الباري ٨/١٠: أخرجه أحمد لكن في سنده انقطاع، ووصله
الدارقطني ورجاله ثقات.
وأخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٤٠٠ عن أبي سعيد الخدري رظُ. قال ابن أبي حاتم في
العلل: قال أبي: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد.
(٢) البحر المحيط ٣٦٥/٦.
الآية : ٢٨
٣٠٥
سُورَةُ الحَّةُ
عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، ولعلَّ المرادَ بذِكْر اسمِه تعالى على هذا
ما قيل: حمده وشكره عزَّ وجلَّ، وعلى الأوَّل قولُ الذابح: بسم الله والله أكبر،
على ما روي عن قتادة، وذكر أنَّه يقال مع ذلك: اللهمَّ منكَ ولكَ عن فلانٍ،
وسيأتي إن شاء الله تعالى قولٌ آخَرُ. ورجّح كونه بمعنى الشكر بأنَّه أوفقُ بقوله
تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَفَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾.
واختار الزمخشريُّ(١) أنَّ الذِّكْرَ على بهيمة الأنعام أو مطلقاً على ما يقتضيه
ظاهرُ كلامٍ بعضهم كناية عن النَّحْر، وذكر أنَّه دلَّ بذلك على المقصود الأصلي مِن
النحر وما يميِّزه عن العادات. وأَوما فيه إلى أنَّ الأعمالَ الحجِّيَّة كلَّها شُرعَت
الذِّكْر. وأنَّه قيل ((على ما رزقهم)) إلى آخره؛ تشويقاً في التقرُّب ببهيمة الأنعام - المراد
بها الإِبل والبقر والضَّأُن والمَعْز - إلى الرازق، وتهويناً عليهم في الإنفاق، مع ما في
ذلك من الإجمال والتفسير، وظَرفيَّة الأيام المعلومات على القول بأنَّها عشر ذي
الحجَّة للنحر؛ باعتبار أنَّ يومَ النحر منها، وقد يقال مثلُ ذلك على تقدير إبقاءِ الذِّكْر
على ما يتبادر منه.
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ التفاتٌ إلى الخطاب، والفاء فصيحة، أي: فاذكروا اسمَ الله
تعالى على ضحاياكم، فكلوا مِن لحومها، والأمر للإباحة؛ بناءً على أنَّ الأكلَ
كان منهيًّا عنه شرعاً. وقد قالوا: إنَّ الأمرَ بعد المنع يقتضي الإباحةَ، ويدلُّ على
سَبْقِ النهي قوله وَِّ: ((كنتُ نهيتكم عن أكلٍ لحوم الأضاحي، فكلوا منها
وادَّخِروا))(٢). وقيل: لأنَّ أهل الجاهلية كانوا يتحرَّجون فيه، أو للندب على
مواساة الفقراء ومساواتهم في الأكل منها، وهذا على ما قال الخفاجيُّ(٣) مذهبُ
ـنه.
أبي حنيفة
﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيِسَ﴾ أي: الذي أصابه بؤسٌ، أي: شدَّة، وعن مجاهد وعكرمة
تفسيره بالذي يمدُّ كفّيه إلى الناس يسأل. ﴿الْفَقِيَرَ ﴾﴾ أي: المحتاج، والأمر
(١) الكشاف ٣/ ١١.
(٢) أخرجه أحمد (٢٧١٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري تظله، وهو عند مسلم (١٩٧١) من
حديث عائشة رضيها، و(١٩٧٧) (٣٧) من حديث بريدة بن الحصيب نَظُه بنحوه.
(٣) في حاشيته ٦/ ٢٩٣.
سُورَةُ الحِهُ
٣٠٦
الآية : ٢٩
للندب عند الإمام على ما ذكره الخفاجيّ(١) أيضاً، ويستحبُّ كما في ((الهداية))(٢)
أن لا ينقصَ ما يُطعَم عن الثلث؛ لأنَّ الجهاتِ: الأكلُ والإطعام الثابتان بالآية،
والادِّخار الثابت بالحديث، فتقسم الأضحية عليها أثلاثاً. وقال بعضهم: لا تحديدَ
فيما يُؤكل أو يُطعَم؛ لإطلاق الآية، وأوجبَ الشافعيَّة الإطعامَ، وذهب قومٌ إلى أنَّ
الأكلَ مِن الأضحية واجبٌ أيضاً.
وتخصيصُ ((البائس الفقير)) بالإطعام لا ينفي جوازَ إطعام الغنيِّ. وقد يستدل
على الجواز بالأمر الأوَّل؛ لإفادته جوازَ أكلِ الذابح، ومتى جاز أكله - وهو
غني - جاز أن يُؤْكِله غنيًّا .
﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ هو في الأصل: الوسخُ والقَذَرُ، وعن قُطْرب: تفثَ
الرجلُ: كَثُرَ وسخُه في سفره. وقال أبو محمَّد البصريُّ: التَّفَث: مِن التفِّ، وهو
وَسَخُ الأظفارِ، وقلبت الفاءُ ثاءً كما في مُغْثُور، وفسَّره جمعٌ هنا بالشعور والأظفار
والأخذ مِن الشوارب والعارِضَيْن كما في روايةٍ عن ابنِ عباس، ونتف الإبط وحَلْق
الرأس والعانة، وقيل: القضاءُ مقابلُ الأداءِ، والكلام على حذف مضاف، أي:
ليقضوا إزالةَ تَفَتهم، والتعبير بذلك؛ لأنَّه لمضيِّ زمانٍ إزالته عُدَّ الفعل قضاء
لما فات، وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن
ابن عمر ﴿يَا أَنَّه قال: التَّفَتُ: النُّسُك كلُّه مِن الوقوف بعرفةَ والسعي بين الصفا
والمروة ورمي الجمار(٣). والقضاء على هذا بمعنى الأداء، كأنَّه قيل: ثم ليؤدُّوا
نُسُكَهم. وكأنَّ التعبير عن النسك بالتفث؛ لما أنَّه يستدعي حصوله، فإن الحُجَّاج
ما لم يحلُّوا شُعْثٌ غُبْرٌ، وهو كما ترى، وقد يقال: إنَّ المرادَ مِن إزالة الثَّفَث
بالمعنى السابق قضاءُ المناسك كلِّها؛ لأنَّها لا تكون إلا بعده، فكأنَّه أراد أنَّ قضاءً
التَّفَث هو قضاءُ النسك كلِّه بضَرْب مِن التجوُّز، ويؤيِّده ما أخرجه جماعةٌ عن ابنٍ
عباس ◌ًِّا أنَّه قال: قضاءُ التَّفَت قضاءُ النسك كلِّه(٤).
(١) في حاشيته ٦/ ٢٩٤.
(٢) ٧٦/٨ -٧٧.
(٣) ابن أبي شيبة ٤/ ٨٤، وتفسير الطبري ٥٢٦/١٦.
(٤) تفسير الطبري ٥٢٨/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٨٩/٨ (١٣٨٩٩)، وعزاه السيوطي في
الدر المنثور ٤ / ٣٥٧ أيضاً إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
الآية : ٢٩
٣٠٧
سُورَةُ الحِهُ
﴿وَلَيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ ما ينذرونه مِن أعمال البِرِّ في حجِّهم، وعن ابنِ عباس
تخصيصُ ذلك بما ينذرونه مِنْ نحرِ البُدْن. وعن عكرمةَ: هي مواجب الحجِّ. وعن
مجاهد: ما وجب مِن الحجِّ والهدي، وما نذره الإنسان مِن شيء يكون في الحجِّ،
فالنذر بمعنى الواجب مطلقاً مجاز.
وقرأ شعبة عن عاصم: ((وليُوَنُوا)) مشدّداً (١) ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ طواف الإفاضة، وهو
طوافُ الزيارة الذي هو من أركان الحجِّ، وبه تمامُ التحلَّل، فإنَّه قرينةُ قضاءِ الثَّفَث
بالمعنى السابق، وروي ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، والضخّاك، وجماعةٍ، بل
قال الطبريُّ(٢) - وإن لم يُسلَّم له -: لا خلافَ بين المتأوِّلين في أنَّه طواف الإفاضة،
ويكون ذلك يوم النحر، وقيل: طواف الصَّدَر وهو طواف الوداع، وفي عدِّه مِن
المناسك خلافٌ.
» أخرج البخاريُّ في ((تاريخه))، والترمذيُّ وحسّنه،
﴿يَاَلْبَيْتِ الْعَتِيقِ )
والحاكم وصحَّحه، وابنُ جرير، والطبرانيُّ، وغيرُهم عن ابنِ الزبير قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّما سمَّى اللهُ البيت العتيقَ؛ لأنَّه أَعتقه مِن الجبابرة، فلم يظهر
عليه جبَّارٌ قطُ))(٣) وإلى هذا ذهب ابنُ أبي نجيح، وقتادة.
وقد قصده تُبَّع (٤) ليَهْدِمه فأصابه الفالجُ، فأشير عليه أن يكفَّ عنه، وقيل: له
ربُّ يمنعه، فتركه، وكساه وهو أوَّل مَن كساه. وقصده أبرهةُ فأصابه ما أَصابه،
وأما الحجّاج فلم يقصد التسلُّط على البيت، لكن تحصَّن به ابنُ الزبير فاحتالَ
(١) التيسير ص ١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢.
(٢) في التفسير ١٦/ ٥٣١.
(٣) التاريخ الكبير للبخاري ٢٠١/١، والترمذي (٣١٧٠)، والحاكم ٣٨٩/٢، وتفسير الطبري
٥٣١/١٦، والطبراني في الكبير (٢٦٢)، وأخرجه أيضاً البيهقي في الدلائل ١٢٥/١، وفي
الشُّعَب (٤٠١٠).
(٤) هو: حسان بن أسعد أبي كرب الحميري، ويقال: تُبَّع بن حسان، وقيل غير ذلك، من
أعاظم تبابعة اليمن في الجاهلية، عاش في القرن العاشر قبل الهجرة أو قبل ذلك. وخبر
هدمه للكعبة وأنه أول من كساها ذكره الأزرقي في أخبار مكة ١٣٣/١، ٢٤٩، وابن منظور
في مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ٢٩٥/٥ وما بعدها .
سُورةً للحِہ
٣٠٨
الآية : ٣٠
لإخراجه ثم بناه(١)، ولعلَّ ما وقع مِن القرامطة - وإن أخذوا الحجرَ الأسودَ وبقي
عندهم سنين - مِن هذا القبيل(٢)، ويقال فيما يكون آخر الزمان مِن هدم الحبشة إيَّاه
وإلقاء أحجارِه في البحر (٣) - إن صحَّ -: إنَّ ذلك مِن أشراطِ الساعة التي لا ترد
نقضاً على الأمور التي قيل باطّرادها، وقيل في الجواب غير ذلك.
وعن مجاهد أنَّه إنَّما سمِّي بذلك؛ لأنَّه لم يُملَك موضِعُه قَظُ، وفي روايةٍ أخرى
عنهُ أنَّ ذلكَ؛ لأنهُ أُعتقَ من الغَرَقِ زمانَ الطوفانِ، وعنِ ابنِ جبيرٍ أنَ العتيقَ بمعنى
الجيِّدِ، من قولهم: عتاقُ الخيلِ وعتاقُ الطير، وقيلَ: فَعِيْل بمعنى مفعلٍ أي: مُعْتِق
رقابَ المذنبين، ونسبة الإعتاقِ إليه مجازٌ؛ لأنَّه تعالى يُعِقُ رقابَهم بسببِ الطَّواف
به. وقال الحسن، وابنُ زيدٍ: العتيقُ: القديمُ، فإنَّه أوَّلُ بيتٍ وُضعَ للناس، وهذا
هو المتبادَر إلَّا أنَّك تَعلمُ أنَّه إذا صحَّ الحديثُ لا يُعدَل عنه، ثم إنَّ حِفْظَه مِن
الجبابرة وبقاءَه الدهرَ الطويل معَّماً يؤتى مِن كلِّ فجِّ عميقٍ بمحضٍ إرادة اللهِ تعالى
المبنيّة على الحكم الباهرة.
وبعض المُلحدين زعموا أنَّه بني في شرف زُحَل والطالع الدلو أحد بيتَيْه، وله
مناظرات سعيدةٌ، فاقتضى ذلك حفظَه مِن الجبابرة وبقاءَه معظماً الدهرَ الطويل،
ويسمُونه لذلك بيتَ زحل، وقد ضلُّوا بذلك ضلالاً بعيداً، وسنبيِّن - إن شاء الله
تعالى - خَطَأَ من يقول بتأثيرِ الطالع أتمَّ بيانٍ، والله تعالى المستعان.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر، وهذا وأمثاله مِن أسماء الإشارة يُطلَق للفصل بين
الكلامَيْن أو بين وجهي كلام واحد، والمشهور مِن ذلك هذا، كقوله تعالى: ﴿هَذَّا
(١) البحر المحيط ٣٦٥/٦.
(٢) الخبر ذكره ابن الأثير في الكامل ٨/ ٢٠٧ وما بعدها، وابن كثير في البداية والنهاية
١٦٠/١١.
(٣) الخبر هكذا ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب ١٢٢/٢، وذكره أيضاً العيني في عمدة
القاري ٢٣٣/٩ وعزاه لابن الجوزي، وأصله عند البخاري (١٥٩١) و(١٥٩٦)، ومسلم
(٢٩٠٩) عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((يُخرِّب الكعبةَ ذو السويقتين من
الحبشة)) وهو أيضاً عند البخاري عن ابن عباس رضيًا، عن النبي ◌َّ قال: ((كأني به أسود
أفحجَ، يقلعها حجراً حجراً». ولم يرد فيهما ذكر إلقاء الأحجار في البحرِ. ومعنى أفحج:
أي بعيد ما بين الساقين. فتح الباري ٤٦١/٣.
الآية : ٣٠
٣٠٩
سُوَرَّةُ الدِّهُ
وَإِنَّ لِلطَِّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ [ص: ٥٥] وكقول زهير وقد تقدَّم له وصفُ هَرِم بالكرم
والشجاعة :
هذا وليسَ كَمَنْ يَعْيا بخُطْبته وَسطَ النديِّ إذا ما ناطقٌ نطقًا (١)
واختيار (ذلكَ)) هنا؛ لدلالته على تعظيم الأمر وبُعْدِ منزلته وهو مِن الاقتضاب
القريب من التخلُّص لملاءمة ما بعدَه لما قَبَّله، وقيل: هو في موضع نصب بفعلٍ
محذوفٍ، أي: امتثلوا ذلك.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللهِ﴾ جمع: حُرْمَة، وهو: ما يُحتَرم شرعاً، والمرادُ بها
جميعُ التكليفات مِن مناسك الحجِّ وغيرها. وتعظيمُها بالعِلْم بوجوب مراعاتِها
والعمل بموجبه، وقال جمعٌ: هي ما أمرَ به مِن المناسك، وعن ابنِ عباسِ ◌ًّا:
هي جميعُ المناهي في الحجِّ: فسوقٌ وجدال وجماعٌ وصَيْد، وتعظيمها أن لا يحومَ
حولَها. وعن ابنٍ زيد: هي خمسٌ: المشعرُ الحرام، والمسجدُ الحرام، والبيتُ
الحرام، والشهرُ الحرام، والمُحرِمِ حتى يحلّ. ﴿فَهُوَ﴾ أي: فالتعظيم ﴿خَيْرٌ لَّهُ﴾
مِن غيره على أنَّ ((خير)) اسمُ تفضيل. وقال أبو حيَّان(٢): الظاهر أنَّه ليس المرادُ به
التفضيلَ، فلا يحتاج لتقدير متعلَّق، ومعنى كونه خيراً له ﴿عِندَ رَبٍِّ﴾ أنَّه يُئاب
عليه يومَ القيامة، والتعرُّض لعنوانِ الربوبيَّة مع الإضافة إلى ضمير ((مَن))؛ لتشريفه
والإشعار بعلَّة الحكم.
﴿وَأُحِلَّتْ لَكِكُمُ الْأَنْعَمُ﴾ أي: ذَبْحها وأكلها؛ لأنَّ ذاتها لا تُوصَف بحلِّ
وحُرمة، والمراد بها الأزواجُ الثمانية على الإطلاق، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا ما يُتلى عليكم آيةُ تحريمه، استثناء متَّصل كما اختاره الأكثرونَ
منها، على أنَّ ((ما)) عبارة عمَّا حرمَ منها لعارض، كالميتة وما أُهل به لغيرِ الله
تعالى، وجوّز أن يكون الاستثناء منقطعاً؛ بناء على أنَّ ((ما)) عبارة عمَّا حرم في قوله
سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ الآية [٣ من سورة المائدة]، وفيه ما ليس مِن جنس
(١) شرح ديوان زهير ص ٥٥، وفيه: بخطّته، بدل: بخطبته، والرجال، بدل: الندي، وذكره
بلفظ: بخطبته، ابن رشيق في العمدة ٢/ ١٣٤، وذكره القيراواني في زهر الآداب ٧٠٥/٢
بلفظ : بحُجَّته.
(٢) البحر المحيط ٣٦٦/٦.
سُورَةُ الحِهُ
٣١٠
الآية : ٣٠
الأنعام، والفعل على الوجهين لم يَرد منه الاستقبالُ؛ لسَبقِ تلاوةٍ آية التحريم،
وكأنَّ التعبيرَ بالمضارع؛ استحضاراً للصورة الماضية لمزيدِ الاعتناء، وقيل: التعبيرُ
بالمضارع للدلالة على الاستمرار التجدديِّ المناسب للمقام، والجملة معترضة
مقرِّرة لما قبلها مِن الأَمْرِ بالأكل والإطعام، ودافعةٌ لما عسى يتوهّم أنَّ الإحرام
يُحرِّم ذلك كما يُحرِّم الصيدَ.
﴿فَاجْتَلِبُواْ الرِّجْسَ﴾ أي: القَذَر ﴿مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ أي: الذي هو الأوثان، على
أنَّ (مِن)) بيانيَّة.
وفي تعريف ((الرجس)) بلام الجنس مع الإبهام والتعيين وإيقاع الاجتناب على
الذاتِ دونَ العبادة مالا يخَفى مِن المبالغة في التنفير عن عبادتها. وقيل: ((مِن))
لابتداءِ الغاية، فكأنَّه تعالى أمرهم باجتنابٍ الرجس عامًّا، ثم عيَّن سبحانه لهم مبدأَه
الذي منه يلحقهم، إذ عبادةُ الوَثَنِ جامعةٌ لكلِّ فسادٍ ورجسٍ، وفي ((البحر))(١):
يمكن أن تكون للتبعيض، بأن يعني بالرجس عبادة الأوثان، وقد رُويَ ذلك عن ابنٍ
عباس، وابن جريج، فكأنَّه قيل: فاجتنبوا مِن الأوثان الرجسَ، وهو العبادة؛ لأنَّ
المحرَّم منها إنَّما هو العبادة، ألا ترى أنَّه قد يتصوَّر استعمالُ الوَثَن في بناءِ وغيرِ
ذلك مما لم يُحرِّمه الشرعُ، فكأنَّ للوثنِ جهات، منها عبادته وهو المأمورُ باجتنابه،
وعبادتُه بعضُ جهاته، فقول ابنٍ عطيّة(٢): إنَّ من جعل ((مِن)) للتبعيض قَلَب المعنى
وأفسده، ليس في محلِّه. انتهى. ولا يَخفى ما في كلا الوجهين الابتداءِ والتبعيضٍ
مِن التكلُّف المستغنى عنه، وهاهنا احتمالٌ آخَر ستعلمه - مع ما فيه - إن شاء الله
تعالى قريباً، والفاءُ لترتيب ما بعدَها على ما يفيده قوله تعالى: ((ومَن يعظّم)) إلخ،
مِن وجوب مراعاةِ الحرمات والاجتناب عن هَتْكها .
وذكر أنَّ بالاستثناء حسن التخلُّص إلى ذلك، وهو السِّرُّ في عدم حَمْلِ الأنعام
على ما ذكر مِن الضحايا والهدايا المعهودة خاصَّة ليستغنى عنه، إذ ليس فيها ما حرم
لعارض، فكأنَّه قيل: ومَن يُعظّم حرماتِ اللهِ فهو خيرٌ له، والأنعام ليست مِن
الحرمات فإنَّها محلَّلة لكم إلا ما يُتلى عليكم آيةُ تحريمه، فإنَّه مما يجبُ الاجتناب
(١) ٣٦٦/٦.
(٢) المحرر الوجيز ١٢٠/٤.
الآية : ٣٠
٣١١
سُورَةُ الحَرفُ
عنه، فاجتنبوا ما هو معظم الأمور التي يجب الاجتنابُ عنها وهو عبادةُ الأوثان،
وقيل: الظاهر أنَّ ما بعدَ الفاءِ متسبّب عن قوله تعالى: ((أُحلَّت لكم الأنعام)) فإنَّ
ذلك نعمةٌ عظيمةٌ تستدعي الشكرَ للهِ تعالى لا الكفرَ والإشراكَ، بل لا يَبَعُد أن يكون
المعنى: فاجتنبوا الرجسَ مِن أجل الأوثان، على أنَّ ((من)) سببيَّة وهي تخصيصٌ
لما أهلَّ به لغير الله تعالى بالذكر، فيتسبَّب عن قوله تعالى: ((إلَّا ما يُتلى))، ويؤيِّده
قولُه تعالى: فيما بعد ﴿غَّرَ مُشْرِكِينَ ب٤ِ﴾ [الآية: ٣١] فإنَّه إذا حمل على ما حملوه
كان تكراراً. انتهى. وأوردَ على ما ادَّعى ظهوره أنَّ إحلالَ الأنعام وإن كان مِن
النِّعَم العظام إلّا أنَّه مِن الأمور الشرعيَّة دونَ الأدلة الخارجيّة التي يُعرَف بها التوحيد
وبطلانُ الشرك فلا يَحسُن اعتبارُ تسبُّب اجتنابِ الأوثان عنه. وأمَّا ما ادَّعى عدم
بُعدِهِ، فبعيدٌ جدًّا وإنكار ذلك مكابرةٌ، فتأمَّل.
تعميمٌ بعد تخصيصٍ، فإنَّ عبادةً
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ﴾﴾
الأوثان رأسُ الزُّور؛ لما فيها مِن ادِّعاء الاستحقاقِ، كأنَّه تعالى لما حثَّ على
تعظيم الحرمات، أَتبِعَ ذلك بما فيه ردٌّ لما كانت الكفرة عليه مِن تحريم البحائر
والسوائب ونحوهما والافتراءِ على الله تعالى، بأنَّه حَكَم بذلك، ولم يعطف ((قولَ
الزور)) على ((الرجس))، بل أعاد العاملَ؛ لمزيدِ الاعتِناء.
والمراد مِن ((الزُّور)): مُطلَق الكذبِ وهو مِن الزَّوَر بمعنى الانحرافِ، فإنَّ
الكذبَ منحرفٌ عن الواقع، والإضافة بيانيّة، وقيل: هو أمرٌ باجتناب شهادةِ الزُّوْر؛
لما أخرج أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجه، والطبرانيُّ، وغيرُهم عن ابنٍ مسعود
أنَّهِ وَّهِ صلَّى صلاةَ الصبح، فلما انصرفَ قائماً قال: ((عَدَلَتْ شهادةُ الزُّور الإشراكَ
بالله تعالى)) ثلاثَ مرَّات، ثم تلا هذه الآيةَ(١).
(١) الطبراني في الكبير (٨٥٧٠)، ولم نقف عليه عند غيره من المصادر المذكورة أعلاه عن ابن
مسعود رضيُه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠١/٤: رواه الطبراني في الكبير وإسناده
حسن. اهـ. قلنا: وفيه ضرار بن صرد، وهو متروك. تهذيب الكمال.
وأخرجه أحمد (١٨٨٩٨)، وأبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢)،
والطبراني في الكبير (٤١٦٢) من حديث خريم بن فاتك الأسدي قه.
وأخرجه أحمد (١٧٦٠٣)، والترمذي (٢٢٩٩) من حديث أيمن بن خريم ظته. قال
الترمذي: وهذا حديث غريب ... ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبيِّ بَّـ اهـ.
سُورَةُ الحِهُ
٣١٢
الآية : ٣١
وتُعقِّب بأنَّه لا نصَّ فيما ذكر مِن الخبر - مع ما في سندِه في بعضٍ الطرق مِن
المقال - على التخصيصٍ؛ لجواز بقاءِ الآية على العموم وتلاوتها لشمولِها لذلك،
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن مقاتل أنَّه قال: يعني بـ: ((قول الزور)): الشركَ بالكلام،
وذلك أنَّهم كانوا يطوفون بالبيت، فيقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريكَ لكَ إلا شريكاً
هو لكَ تَملكُه وما مَلَك (١). وهو قولٌ بالتخصيص. ولا يخفى أنَّ التعميمَ أَولى منه
وإن لَاءَم المقامَ، كتخصيص بعضِهم ذلك بقولِ المشركين: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ.
﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ﴾ مائلينَ عن كلِّ دينٍ زائغ إلى الدينِ الحقِّ، مخلصِين له تعالى ﴿غَيْرَ
مُشْرِكِينَ بِهٍ﴾ أي: شيئاً مِن الأشياء، فيدخل في ذلك الأوثان دخولاً أوليًّا،
وهما حالانِ مؤكِّدتان مِن واو: ((فاجتنبوا))، وجوّز أن يكون حالاً مِن واو
((واجتنبوا))، وأخّر التبرِّي عن التوليِّ؛ ليتَّصل بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُثْرِك ◌ِاللَّهِ فَكَنَّمَا
خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهي جملةٌ مبتدأةٌ مؤكّدة لما قَبلها مِن الاجتناب مِن الإشراك،
وإظهار الاسم الجليل؛ لإظهار كمال قُبْح الإشراك، وقد شبّه الإيمان بالسماء؛
لعلوِّه، والإشراك بالسقوط منها، فالمشرَك ساقطٌ مِن أوج الإيمان إلى حضيضٍ
الكفر، وهذا السقوط إن كان في حقِّ المرتدِّ فظاهر، وهوَ في حقِّ غيره باعتبار
الفطرة، وجعل التمكُّن والقوّة بمنزلة الفعل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الْقُلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
﴿فَتَخْطَفُهُ الْغَيْرُ﴾ فإنَّ الأهواءَ المُردِية توزِّع أفكارَه، وفي ذلك تشبيهُ الأفكار
الموزَّعة بخطفِ جوارح الطيرِ، وهو مأخوذٌ مِن قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاً رَّجُلًا
فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] وأصلُ الخطفِ: الاختلاسُ بسرعة.
وقرأ نافع: ((فَتَخَطَّفُهُ)) بفتح الخاءِ والطاء مشدّدة (٢). وقرأ الحسنُ، وأبو رجاء،
والأعمش: ((فَتِخِطِّفُهُ)) بكسرِ التاء والخاء والطاء مشدّدةً(٣)، وعن الحسنِ كذلك
= وقال عن حديث خريم بن فاتك: هذا عندي أصح، وخريم بن فاتك له صحبة، وقد روى
عن النبي ◌َّر أحاديث، وهو مشهور.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٩١/٨ (١٣٩١٤).
(٢) التيسير ص١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٦/٦.
الآية : ٣١
٣١٣
سُورَةُ الحَّةُ
إلا أنَّه فتح الطاء مشدّدة(١). وقرأ الأعمش أيضاً: ((تَخْطَفُهُ)) بغير فاء، وإسكان
الخاء وفتح الطاء مخفَّفة(٢)، والجملة على هذه القراءة في موضع الحالِ، وأمَّا على
القراءات الأُوَل فالفاء للعطف، وما بعدها عطف على (خَرَّ)، وفي إيثار المضارع
إشعارٌ باستحضار تلك الحالة العجيبةِ في مشاهدِ المخاطب تعجيباً له، وجوَّز
أبو البقاء(٣) أن يكون الكلامُ بتقدير: فهو يخطفه، والعطف مِن عطف الجملة على
الجملة ﴿أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تُسقِطه وتَقْذِفه.
وقرأ أبو جعفر، وأبو رجاء: ((الرياح)) (٤) ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾﴾ بعيدٍ، فإنَّ
الشيطانَ قد طوَّح به في الضلالة، وفي ذلك تشبيهُ الشيطان المُضِلِّ بالريح المهويّة،
وهو مأخوذٌ مِن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّ﴾ [مريم:
٨٣] فالتشبيه في الآية مفرّق، والظاهر أنَّ (تهوي)) عطف على ((تخطف))، و((أو))
للتقسيم على معنى أنَّ مهلكَه إمَّا هوّى يتفرَّق به في شعب الخسار، أو شيطان يطوِّح
به في مَهْمَهِ البوار، وفرق بين خاطر النفس والشيطان، فلا يرد ما قاله ابنُ المنيِّر(٥)
مِن أنَّ الأفكارَ مِن نتائج وساوس الشيطان، والآية سيقت لجعلهما شيئين، وفي
تفسير القاضي(٦) أنَّها للتخيير على معنى: أنتَ مخيَّر بين أن تُشبِّه المشركَ بمن خرّ
مِن السماء فتخطفه الطيرُ، وبين من خرَّ من السماء فتهوي به الريحُ في مكانٍ
سحيق، أو للتنويع على معنى أنَّ المشبّه به نوعان، والمشبَّه بالنوع الأوَّل - الذي
توزَّع لحمُه في بطونِ جوارح الطير - المشركُ الذي لا خلاصَ له مِن الشرك ولا نجاةً
أصلاً، والمشبَّه بالنوع الثاني - الذي رمته الريح في المهاوي - المشركُ الذي يُرجى
خلاصُه، على بُعْدٍ. وقال ابنُ المنيِّر (٧): إنَّ الكافر قسمان لا غير: مُذبذَب متمادي
على الشَّكِّ وعدم التصميم على ضلالة واحدة، وهذا مشبَّه بمن اختطفته الطيرُ
(١) البحر المحيط ٣٦٦/٦.
(٢) البحر المحيط ٣٦٦/٦.
(٣) الإملاء ٣٨/٤.
(٤) النشر ٢٢٤/٢، والقراءات الشاذة ص ٩٥.
(٥) في كتابه: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ١٣/٣ .
(٦) البيضاوي بهامش حاشية الشهاب ٢٩٥/٦.
(٧) الانتصاف ٣/ ١٣.
سُورَة الخَهُ
٣١٤
الآية : ٣٢
وتوزعته، فلا يستولي طائرٌ على قطعةٍ منه إلا انتهبها منه آخرُ، وتلك حالُ المذبذب
لا يلوح له خيالٌ إلا اتَّبَعه وتَرَكَ ما كان عليه. ومشرك مصمِّم على مُعتقَد باطل لو
نُشِرَ بالمناشيرلم يَكِعَّ(١)، ولم يرجع، لا سبيل إلى تشكيكِه ولا مطمَع في نَقْله عمَّا
هو عليه، فهو فرح متبهجٌ بضلالته، وهذا مشبّه في قراره على الكفر باستقرار مَن
هوت به الريح إلى وادٍ سافلٍ هو أبعد الأحياز(٢) عن السماء فاستقرَّ فيه. انتهى.
ولا يخفى أنَّ ما ذكرناه أوفقُ بالظاهر.
وجوَّز غيرُ واحد أن يكون مِن التشبيهات المرَّبة، فكأنَّه سبحانه قال: مَن
أشرك بالله تعالى فقد أهلك نفسَه إهلاكاً ليس بعده [نهاية]، بأنْ صوَّرَ حاله بصورة
حالٍ مَن خرَّ من السماء، فاختطفَتْه الطيرُ فتفرَّقَ قِطَعاً في حواصلها، أو عصفت به
الريحُ حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة(٣). وجعل في ((الكشف)) ((أو)) على
هذا للتخيير، وليس بمتعيَّن فيما يظهر، وعلى الوجهين تفريقُ التشبيه وتركيبه في
الآية تشبيهان .
وذكر الطيبيُّ أنَّ فيها على التركيب تشبيهين، و(تهوي)) عطف على ((خرَّ))، وعلى
التفريق تشبيهاً واحداً، و(تهوي)) عطف على ((تخطف))، وزعم أنَّ في عبارة
((الكشاف)) ما يُؤذِن بذلك، وهو غير مُسلَّم.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو: امتثلوا ذلك ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ أي: البُدْنَ
الهدايا، كما روي عن ابنِ عباس، ومجاهد، وجماعةٍ، وهي جمعُ: شَعيرةٍ أو
شِعارة بمعنى العَلَامة كالشِّعَار، وأطلقت على البُدْن الهدايا؛ لأنَّها مِن معالم الحجِّ
أو علامات طاعتِه تعالی وهدايته.
وقال الراغبُ(٤): لأنَّها تُشعَر، أي: تُعلَّم، بأن تُدمَى بشعيرة، أي: حديدةٍ
يُشعَر بها. ووجه الإضافة على الأوجه الثلاثة لا يَخفى، وتعظيمها أنْ تُختار حِسَاناً
سماناً غاليةَ الأثمان، روي أنَّه وَّرَ أَهدى مئةَ بدنةٍ فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ
(١) كَمَّ يَكِثُ ويَكُثُّ: جَبُنَ وضَعُفَ، فهوكٌَّ وكاٌ وكُنْكُعٌ. القاموس (كعع).
(٢) في الانتصاف ١٣/٣: الأخباء.
(٣) الكشاف ٣/ ١٢ وما بين حاصرتین استدركت منه.
(٤) المفردات (شعر).
الآية : ٣٢
٣١٥
سُورَّةُ الحَّهُ
مِن ذهب(١). وعن عمرَ أنَّه أهدى نَجِيبةٌ طُلبَت منه بثلاثِ مئة دينار، وقد سأل
النبيَّ ◌َّ أن يبيعها ويشتري بثمنها بُدْناً، فنهاه عن ذلك، وقال: ((بل أَهْدِها))(٢).
وكان ابنُ عمر ﴿مَا يَسوقُ البُدْن مجلَّلة بالقباطي(٣)، فيتصدَّق بلحومِها
وبجِلالها. وقال زيدُ بنُ أسلم: الشعائرُ ستّ: الصفا، والمروة، والبُدْن،
والجِمار، والمسجدُ الحرام، وعرفةُ، والركنُ، وتعظيمها إتمامُ ما يُفْعَل بها. وقال
ابنُ عمر، والحسنُ، ومالكٌ، وابنُ زيدٍ: الشعائرُ: مواضعُ الحجِّ كلّها مِن منی
وعرفةً والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك، وهو نحو قول زید.
وقيل: هي شرائعُ دينه تعالى، وتعظيمها: التزامها، والجمهور على الأوَّل،
وهو أوفقُ لما بعد.
و ((من)) إمَّا شرطيّة، أو موصولة، وعلى التقديرين لا بُدَّ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا
مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ ﴾﴾ مِن ضمير يعود إليها، أو ما يقوم مقامَه، فقيل: إنَّ التقديرَ:
فإنَّ تعظيمها إلخ، والتعظيم مصدرٌ مضاف إلى مفعولِه، ولا بُدَّ له مِن فاعل، وهو
ليس إلا ضميراً يعود إلى ((من))، فكأنَّه قيل: فإن تعظيمَه إيَّاها، و((من)) تحتمل أن
تكون للتعليل، أي: فإنَّ تعظيمَها لأجلِ تقوى القلوب، وأن تكون لابتداء الغاية،
أي: فإنَّ تعظيمَها ناشئٌ مِن تقوى القلوب، وتقديرُ هذا المضاف واجبٌ على ما قيل
مِن حيث إنَّ الشعائرَ نفسَها لا يصحُّ الإخبارُ عنها بأنَّها مِن التقوى بأيِّ معنّى كانت
(من)). وقال الزمخشريُّ(٤): التقديرُ: فإنَّ تعظيمَها مِن أفعال ذوي تقوى القلوب،
بَنْه. وهو عند أبي داود
(١) أخرجه بهذا اللفظ البزار في مسنده (٦١٧) من حديث علي
(١٧٤٩) عن ابن عباس رضيّ بنحوه، ودون ذكر عدد البُدْن.
(٢) أخرجه أبو داود (١٧٥٦) عن ابن عمر ﴿ًا، وهو عند أحمد (٦٣٢٥)، والبخاري في
التاريخ الكبير ٢٣٠/٢. قال البخاري: لا يُعرف لجهم سماع من سالم. وقال الذهبي في
الميزان: فيه جهالة. اهـ. والنجيبة: تأنيث النجيب، وهو الفاضل من كلِّ حيوان. ووردت
عند أحمد: بختيّة، والبُختيّة: الأنثى من الجمال البُخت، والذكر بُختيٍّ، وهي جمال طوال
الأعناق. النهاية (نجب) و(بخت).
(٣) القُبْطِيَّة: الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وكأنه منسوب إلى القِبْط وهم أهل مصر.
النهاية (قبط).
(٤) الكشاف ٣/ ١٣ -١٤ .
سُورَةُ الحِه
٣١٦
الآية : ٣٢
فحذفت هذه المضافاتُ، ولا يستقيمُ المعنى إلا بتقديرها؛ لأنَّه لا بُدَّ من راجع مِن
الجزاء إلى ((من)) ليرتبط به. اهـ.
وتعقّبَهُ أبو حيَّانٍ(١) بأنَّ ما قدَّرَه عارٍ من راجعٍ إلى ((من))، ولذا لمَّا سلكَ جمعٌ
مسلَكَهُ في تقديرِ المضافات، قيل: التَّقديرُ: فإنَّ تعظيمَها منه من أفعال ... إلخ،
أو: فإنَّ تعظيمَها من أفعالِ ذوي تقوى القلوبِ منهم، فجاؤوا بضميرٍ مجرورٍ عائدٍ
إلى ((من) في آخرِ الكلام أو في أثنائِهِ، وبعضُ مَنْ سَلَكَ ذلكَ لم يقدِّرْ: ((منه))
ولا ((منهم))، لكن التزم جَعَلَ اللَّام في ((القلوب)) بدلاً من الضميرِ المضاف إليه على
رأي الكوفيين للربطِ، أي تقوى قلوبِهم. والدمامينيُّ(٢) جعلَ الرابطَ في تقدير
الزمخشريِّ فاعلَ المصدرِ المحذوفِ؛ لفهم المعنى، فلا يكونُ ما قدَّرهُ عارياً عن
الراجع إلى ((من)) كما زعمه أبو حيَّان، فإنَّ المحذوفَ المفهومَ بمنزلةِ المذكور.
وقال صاحبُ ((الكشف)) في الانتصار له أيضاً: أرادَ أنَّه على ما قدَّرهُ يكونُ
عمومُ ذوي تقوى القلوبِ بمنزلة الضميرِ، فتقديرُ ((منه)) كما فعلَ البيضاويُّ(٣) ليس
بالوجهِ. واعترضَ صاحبُ ((التقريبِ)) تقديرَ المضافين الأخيرَيْن، أعني: ((أفعال))
و((ذوي)) بأنَّه إنَّما يحتاجُ إليه إذا جعلَ ((من)) للتبعيضِ، وأمَّا إذا جعلَ للابتداءِ فلا،
إذ المعنى حينئذٍ: فإنَّ تعظيمَها ناشئٌ من تقوى القلوبِ، وهو قولٌ بأحدِ الوجهين
اللذين سمعتهما أوّلاً، ولم يرتضِ ذلك صاحبُ ((الكشفِ))، قال: إنَّ إضمارَ
الأفعالِ؛ لأنَّ المعنى: إنَّ التعظيمَ بابٌ من التَّقوى ومن أعظم أبوابِها، لا أنَّ
التعظيمَ صادرٌ من ذي تقوى. ومنه يظهرُ أنَّ الحملَ على أنَّ التعظيمَ ناشئٌ من تقوى
القلوبِ، والاعتِراض بأنَّ قولَ الزمخشريِّ: إنَّما يستقيمُ إذا حُمِل على التبعيضِ،
ليس على ما ينبغي، على أنَّه حينئذٍ إنْ قدِّر: من تقوى قلوبِهم، على المذهبِ
الكوفيِّ، أو: من تقوى القلوبِ منهم، اَّسعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ، ثم التَّقوى إنْ
جُعِلَتْ متناولة للأَفعالِ والتُّروكِ على العُرفِ الشرعيِّ، فالتعظيمُ بَعضٌ ألبتةَ، وإنْ
جُعِلَتْ خاصَّة بالتروك فمنشأ التعظيم منها غيرُ لائح إلا على التجوُّز. انتهى.
(١) البحر المحيط ٣٦٨/٦.
(٢) ونقله عنه الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٢٩٦/٦-٢٩٧.
(٣) تفسير البيضاوي بهامش حاشية الشهاب ٢٩٦/٦.
الآية : ٣٢
٣١٧
سُورَةُ الحَّة
واعتُرِضَ بأنَّ دعواهُ أنَّ المعنى على أنَّ التعظيمَ بابٌ من التَّقوى دونَ أنَّ التَّعظيمَ
صادرٌ من ذي تقوى، دعوى بلا شاهدٍ، وبأنَّه لا تظهرُ الدّلالةُ على أنَّه من أعظمٍ
أبوابِ التَّقوى كما ذكره، وبأنَّ القولَ بعدم الاحتياج إلى الإضمار على تقدير
أنْ يكونَ التعظيمُ بعضاً من التَّقوى، صلحَ لا يرضى به الخصمُ، وبأنَّه إذا صحَّ
الكلامُ على التجوُّزِ لا يستقيم قولُ الزمخشريِّ: لا يستقيمُ ... إلخ.
وتعقّب بأنَّه غيرُ واردٍ، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّ السِّياق للتحريض على تعظيمِ الشَّعائرِ،
وهو يقتضي عدَّهُ من التَّقوى بل مِن أعظمِها، وكونه ناشئاً منها لا يقتضي كَونَهُ منها،
بل ربَّما يشعرُ بخلافِهِ .
وأمَّا الثَّاني؛ فلأنَّ الدلالةَ على الأعظميَّةِ مفهومة من السياقِ كما إذا قُلْتَ: هذا
من أفعالِ المتَّقين، والعفو من شيمِ الكرامِ، والظُّلمُ من شيمِ النُّفوسِ، كما يشهد به
لذَّوقُ.
وأمَّا الثَّالث؛ فلأنَّه لم يدَّعِ عدمَ الاحتياج إلى الإضمارِ على تقديرٍ كونِ التعظيمِ
بعضاً، بل يقولُ: الرَّابطُ العموم كما قال أوَّلاً .
وأمَّا الرَّابع؛ فلأنَّ صحةَ الكلامِ بدونٍ تقديرٍ على التجوُّز؛ لكونِهِ خفيًّا في قوَّة
الخطأ، إذ لا قرينةَ عليه، والتبعيضَُ متبادرٌ منه، فلا غبارَ إلا على نظرِ المعترضِ،
وأقول: لا يخفى أنَّه كلَّما كان التقديرُ أقلَّ كان أولى، فيكونُ قولُ من قال:
التَّقديرُ: فإنَّ تعظيمَها من تقوى القلوبِ أولى من قول من قال: التَّقديرُ: فإنَّ
تعظيمَها مِن أفعالِ ذوي تقوى القلوب. و((من)) في ذلك للتبعيضٍ، وما يقتضيهِ
السّياقُ من تعظيم أمرٍ هذا التعظيم يُفهم مِن جعله بعضَ تقوى القلوبِ بناءً على أنَّ
تقييدَ التَّقوى بالقلوبِ للإشارة إلى أنَّ التقوى قسمان: تقوى القلوب والمرادُ بها
التقوى الحقيقيّة الصَّادقة التي يتَّصفُ بها المؤمنُ الصَّادقُ، وتقوى الأعضاءِ والمرادُ
بها التَّقوى الصوريَّة الكاذبة التي يتَّصفُ بها المنافقُ الذي كثيراً ما تخشعُ أعضاؤه،
وقلبهُ ساهٍ لاهٍ. والتركيبُ أشبه التراكيبِ بقولهم: العَفْوُ من شيمِ الكرامِ، فمتى فُهمَ
منه كون العفوِ من أعظمٍ أبوابِ الشيمِ، فليفهم من ذلكَ كونَ التعظيم من أعظمٍ
أبوابٍ التقوى، والفرقُ تَحكّم، ولعلَّ كونَ الإضافةِ لهذة الإشارةِ أَولى من كونِهاَ
لأنَّ القلوبَ منشأُ التَّقوى والفجورِ والآمرةُ بهما، فتدبَّره، ومن الناسِ مَنْ لَمْ يوجبْ
سُورَةُ الحُِّ
٣١٨
الآية : ٣٣
تقديرَ التعظيم، وأرجعَ ضمير ((فإنَّها)) إلى الحرمةِ أو الخصلةِ كما قيلَ نَحو ذلك في
قولِهِ وَله: ((مَن توضَّأَ يومَ الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ))(١) أو إلى مصدرٍ مؤنَّثٍ مفهومٍ من
(يُعَظِّم)) أي: التعظيمة.
واعتُرِضَ هذا بأنَّ المصدرَ الذي تضمَّنه الفعلُ لا يؤنَّثُ إلا إذا اشتُهِرَ
تأنيثُهُ كرحمة، وهذا ليس كذلك، ونُظِرَ فيه: نَعم إنَّ اعتبارَذلك مما لا يستلذُّه الذوقُ
السليمُ، ومنه يُعلَم حال اعتبارِ التعظيماتِ بصيغةِ الجمع، على أنَّه قيل عليه: إنَّه
يُوهمُ أنَّ التعظيمةَ الواحدةَ ليست من التَّقوى، ولا يدفعه أنَّه لا اعتبارَ بالمفهومِ، أو
أنَّ ذلك من مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ كما لايخفى.
وإذا اعتُبرَ المذهبُ الكوفِيُّ في لامِ ((القلوب)» لم يحتج في الآيةِ إلى إضمارٍ
شيءٍ أصلاً .
وذَهَبَ بعضُ أهلِ الكمالِ إلى أنَّ الجزاء محذوف، تقديره: فهم متَّقون حقًّا؛
لدلالة التعليلِ القائم مقامَه عليه.
وتُعقِّب بأنَّ الحذفَ خلافُ الأصلِ، وما ذكرٌ صالحٌ للجزائيَّةِ باعتبارِ الإعلام
والإخبارِ كما عُرِفَ في أمثالِهِ، وأنت تعلَمُ أنَّ هذا التقديرَ ينساقُ إلى الذِّهنِ، ومثلُهَ
كثير في الكتابِ الجلیلِ .
وقرئ: ((القلوبُ)) بالرَّفع(٢)، على أنَّه فاعل بالمصدرِ الذي هو ((تقوى)).
واستدلَّ الشيعةُ ومَنْ يحذو حَذْوَهم بالآيةِ على مشروعيَّةٍ تعظيم قبورِ الأئمَّةِ
وسائِر الصالحينَ بإيقادِ السُّرُجِ عليها وتعليقِ مصنوعاتِ الذَّهبِ والفضَّةِ ونحو ذلك
مما فَاقُوا به عبدةَ الأصنامِ، ولَا يَخَفى ما فيه.
﴿لَكُ فِيهَا﴾ أي: في الشَّعائر بالمعنى السَّابقِ ﴿مَنَفِعُ﴾ هي دَرُّها ونسلُها
وصوفُها ورُكوبُ ظهورِها ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ وهو وقتُ أَنْ يسمِّيها ويوجبَها هَذْياً،
وحينئذٍ ليس لهم شيءٌ من منافِعِها، قالَه ابن عباسٍ في روايةٍ مقسم، ومجاهد،
وقتادة، والضَّخَّاك، وكذا عند الإمام أبي حنيفةٍ، فإنَّ المُهدِي عنده بعد التسميةِ
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٤)، وهو عند أحمد (٢٠١٧٤) من حديث سمرة بن جندب
ـنّه .
(٢) تفسير القرطبي ٣٨٩/١٤، والبحر المحيط ٣٨٦/٦.
الآية : ٣٣
٣١٩
سُورَةُ الحِهُ
والإيجاب لا يَملكُ منافعَ الهدي أصلاً؛ لأنَّه لو مَلَكَ ذلك لجاز له أن يُؤْجِرَه
للركوب، وليس له ذلك اتفاقاً، نَعمْ يجوزُ لهُ الانتفاعُ عند الضَّرورةِ، وعليه يُحمَلُ
ما رُويَ عن أبي هريرةَ أنَّه ◌ِهِ مرَّ برجلٍ يسوقُ هَدْيه وهو في جهادٍ، فقال عليه
الصلاة والسَّلام: ((ارْكَبْها)) فقال: يا رسول الله! إنَّها هَديٌّ. فقال: ((اركَبْها،
وَيْلَكَ))(١)
.
وقال عطاءٌ: منافِعُ الهدايا بعد إيجابِها وتسميتها هَدْياً أنْ تُركبَ ويُشربَ لبنُها
عند الحاجة إلى أجلٍ مسمَّى وهو وقتُ أَنْ تُنْحرَ، وإلى ذلك ذَهَبَ الشافعيُّ، فعن
جابرٍ أَنَّهِ وَ ◌ّهِ قال: ((اركبُوا الهَدْيَ بالمعروفِ حتَّى تجدُوا ظهراً))(٢) واعتُرضَ على
ما تقدَّمَ بأنَّ مولَى أمِّ الولدِ يملكُ الانتفاعَ بها وليس له أَنْ يبيعَها، فلمَ لا يجوزُ أَنْ
يكون الهَدْيُ كذلك لا يَملكُ المُهْدِي بيعَهُ وإجارتَهُ ويملكُ الانتفاعَ بهِ بغير ذلك.
وقيل : الأجلُ المسمَّى: وقتُ أنْ تُشعَرَ فلا تركبُ حينئذٍ إلا عند الضرورةِ.
وروى أبو رزين عن ابنِ عبَّاس: الأجلُ المسمَّى: وقتُ الخروجِ من مگَّةَ، وفي
روايةٍ أخرى عنه: وقتُ الخروجِ والانتقالِ من هذه الشَّعائِرِ إِلى غيرها، وقيل:
الأجلُ المسمَّى: يومُ القيامة، ولا يَخفى ضَعْفُهُ.
﴿ثُمَّ مِلُّهَا﴾ أي: وجوبُ نَحْرِها، على أنْ يكونَ محلٌّ مصدراً ميمياً بمعنى
الوجوبٍ مِن حَلَّ الدينُ إذا وجبَ، أو وقتُ نحرِها على أَنْ يكونَ اسمَ زمانٍ، وهو
على الاحتمالينِ معطوفٌ على ((منافع))، والكلامُ على تقدير مضافٍ.
في موضع الحالِ، أي: منتهية إلى
وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ
البيت، والمراد به ما يَليه؛ بعلاقة المجاورة، فإنَّها لاتنتهي إلى البيت نفسِه،
وإنَّما تنتهي إلى ما يقربُ منه، وقد جعلت منى منحراً، ففي الحديث: ((كلُّ فجاجٍ
مَكَّة منحرٌ، وكلُّ فجاجٍ منّى منحرٌ)) (٣) وقال القفَّال: هذا في الهدايا التي تبلغ منى،
(١) أخرجه البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢)، وهو عند أحمد (٧٣٥٠).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان في (صحيحه) (٤٠١٧)، وهو عند مسلم (١٣٢٤) (٣٧٦)،
وأحمد (١٤٧٥٧) بلفظ: ((اركبها بالمعروف حتى تجد ظهراً)).
(٣) قطعة من حديث أخرجه أبو داود (٢٣٢٤) عن أبي هريرة رضاه، وهو عند مسلم (١٢١٨)
(١٤٩) عن جابر رضيُه مُقتصراً على قوله مَله: ((ومنى كلها منحر)).
سُورَةُ الحى
٣٢٠
الآية : ٣٤
وأمَّا الهَدي المتطوَّع به إذا عَطِبَ قبل بلوغ مكَّة فمنحرُه موضعه. وقالت الإماميَّة:
منحر هدي الحجِّ منى، ومنحرُهدي العمرة المفرَدة مَّة قبالةَ الكعبة بالحَزْورة.
و(ثم)) للتراخي الزمانيّ أو الرتبي، أي: لكم فيها منافع دنيويَّة إلى أجلٍ مسمَّى،
وبعده لكم منفعةٌ دينيَّة مقتضيةٌ للثواب الأخروي، وهو وجوبُ نحرِها أو وقتُ
نحرِها، وفي ذلك مبالغةٌ في كون نفسِ النحر منفعة، والتراخي الرُّتبي ظاهر،
وأما التراخي الزمانيُّ فهو باعتبار أوَّل زمانِ الثبوت،، فلا تغفل. والمعنى على القول
بأنَّ المرادَ مِن الشعائر مواضعُ الحجّ: لكم في تلك المواضع منافعُ بالأجر والثوابِ
الحاصل بأداءِ ما يَلزم أداؤه فيها إلى أجلٍ مسمَّى هو انقضاءُ أيَّام الحجِّ، ثم محلُّها ،
أي: محلُّ الناس مِن إحرامهم إلى البيت العتيق، أي: مُنْتَهٍ إليه، بأن يطوفوا به طوافَ
الزيارة يومَ النحر بعد أداء ما يلزم في هاتيكَ المواضع، فإضافة المحلِّ إليها؛ لأدنى
ملابسةٍ، وروي نحو ذلك عن مالك في ((الموطأ))(١)، أو: لكم فيها منافعُ التجارات
في الأسواق إلى وقتِ المراجعة، ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال
بطوافِ الزيارة، أو لكم منافع دنيويَّة وأخرويَّة إلى وقت المراجعةِ ... إلخ، وهَكذا
يقال على ما روي عن زيدِ بنِ أَسلمَ مِن تخصيصها بالسِّبِّ.
وعلى القول بأنَّ المرادَ بها شرائعُ الدين: لكم في مراعاتها منافعُ دنيويَّة
وأخرويَّة إلى انقطاع التكليف، ثم محلّها الذي تُوصَل إليه إذا رُوعيت مُنْتَهٍ إلى البيت
العتيق، وهو الجنَّةَ، أو محلُّ رعايتها منتهٍ إلى البيت العتيق، وهو معبدٌ للملائكة
عليهم السلام، وكونه منتهى؛ لأنةً تُرفَع إليه الأعمال، وقيل: كون محلّها منتهياً إلى
البيت العتيق، أي: الكعبة، كماهو المتبادَر باعتبار أنَّ محلّ بعضِها كالصلاة والحجِّ
مُنْتَهٍ إلى ذلك، وقيل غير ذلك، والكلُّ ممَّا لا ينبغي أن يخرجَ عليه كلامُ أدنى
الناس فضلاً عن كلام ربِّ العالمين، وأهون ما قيل: إنَّ الكلامَ على هاتيكَ
الروايات مثَّصل بقوله تعالى: ((وأُحلَّت لكم الأنعام)) وضمير: ((فيها)) لها.
﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَسَكًا﴾ عطف على قوله تعالى: ((لكم فيها منافع)»، أو
على قوله تعالى: ((ومن يعظم)) إلخ، وما في البين اعتراضٌ على ما قيل، وكأنِّي بك
تختار الأوَّل، وسيأتي إِن شاء الله تعالى تمامُ الكلام عليه عند نظيرِ الآية.
(١) ١/ ٣٧٠ عقب حديث (١٢٠).