النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ٤
٢٤١
سُوَرَّةُ الدَّةُ
للشيطانِ وهو اسمُ ((أنَّ)) و((مَن)) موصولة أو موصوفة - والأوَّل أظهر - خبرُها
والضمير المستتر في ((تولَّه)) لبعض الناس والضمير البارز لـ ((من))، والجملةُ صلة أو
صفة .
وقوله تعالى: ((فأنَّه يُضلُّه)) عطف على ((أنَّه مَن تولَّا)) والمعنى: ويتَبع كلَّ
شيطان كُتب عليه أنَّه هو الذي اتَّخذه بعدَ الناس وليًّا وأنَّه يُضلُّ مَن اتَّخذه وليًّا،
فالأوَّل كأنَّه توطئةٌ للثاني، أي: يتَبع شيطاناً مختصًّا به مكتوباً عليه أنَّه وليُّه،
وأنَّه مُضلُّه فهو لا يَأْلُو جُهداً في إضلالِه، وهذا المعنى أبلغُ مِن المعنى السابق
على احتمالِ كون ((من)) جزائية؛ لدلالتِه على أنَّ لكلِّ واحدٍ من المجادلين
واحداً مِن مردة الشياطين، وارتضى هذا في ((الكشف)) وحمل عليه مرادَ صاحب
((الکشاف)».
وعن بعضٍ الفضلاء أنَّ الضميرَ في ((أَنَّه)) للمجادِل، أي: كُتبَ على الشيطان أنَّ
المجادلَ مَن تولَّاه، وقوله تعالى: ((فأنَّه)) إلخ عطفَ على ((أنَّه مَن تولَّاه))، واعتُرض
بأنَّ اتصافَ الشيطانِ بتوليِّ المجادِل إيَّاه مقتضى المقام لا العكس، وأنَّه لو جُعلت
((مَن)) في ((من تولَا))) موصولةً، كما هو الظاهر، لزم أن لا يتولَاه غيرُ المجادل،
وهذا الحصرُ يُقوِّت المبالغةَ.
وفي ((البحر)) (١): الظاهر أنَّ الضميرَ في ((عليه)) عائدٌ على ((مَن)) لأنَّه المحدَّث
عنه، وفي ((أَنَّه)) و(«تولَّاه))، وفي ((فأنَّه)) عائدٌ عليه أيضاً، والفاعل بتولِّي ضمير
((مَن))، وكذا الهاء في ((يُضلُّه))، ويجوز أن تكون الهاءُ في أَّه على هذا الوجه ضميرَ
الشأن، والمعنى أنَّ هذا المجادلَ لكثرةِ جِداله بالباطل واتِّباعه الشيطانَ، صار إماماً
في الضلال لمن يتولَّاه، فشأنه أن يُضلَّ مَن يتولَّاه. انتهى. وعليه تكون جملة
(كتب)) إلخ مستأنفة لا صفة لشيطان، والأظهر جعلُ ضميرٍ ((عليه)) عائداً على
الشيطان، وهو المرويُّ عن قتادة، وأيًّا ما كان فـ ((كُتبَ)) بمعنى مضى وقُدِّر، ويجوز
أن يكون على ظاهرِهِ، وفي ((الكشاف)»(٢) أنَّ الكتبةَ عليه مَثَلٌ، أي: كأنَّما كُتبَ عليه
ذلك؛ لظهورِه في حاله. ولا يخفى ما في ((يهديه)) مِن الاستعارة التمثيليَّة التهكميَّة.
(١) ٣٥١/٦.
(٢) ٥/٣.

سُورَةُ الحِهُ
٢٤٢
الآية : ٥
وقُرئ: (كَتَبَ)) مبنيًّا للفاعل(١)، أي: كَتَبَ اللهُ. وقرئَ: ((فإنَّه)) بكسر
الهمزة(٢)، فالجملة خبرُ ((مَن))، أو جوابٌ لها، وقرأ الأعمشُ، والجعفيُّ عن
أبي عمرو: ((إنَّه))، ((فإنَّه)) بكسر الهمزة فيهما(٣)، ووجهُ الكسر في الثانية ظاهرٌ،
وأمَّا وجهُه في الأُولى، فهو كما استظهر أبو حيَّان(٤) إسناد ((كُتبَ)) إلى الجملةِ
إسناداً لفظيًّا، أي: كُتبَ عليه هذا الكلامُ، كما تقول: كُتبَ(٥) إنَّ اللهَ تعالى يأمرُ
بالعدل والإحسان، أو تقدير: قولٍ، وجعل الجملة معمولة له، أو تضمينُ الفعلِ
معنى ذلك، أي: كُتبَ عليه مقولًا في شأنه: أنَّه مَن تولَّاه.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ إلخ إقامةٌ للحجَّة التي تُلقم المجادلين
في البعث حَجَراً إثرَ الإشارة إلى ما يؤول إليه أمرُهم، واستظهر أنَّ المرادَ بالناس
هنا الكفرةُ المجادلون المنكرون للبعث. والتعبير عن اعتقادِهم في حقِّه بالريب،
أي: الشَّك مع أنَّهم جازمون بعدم إمكانه، إمَّا للإيذان بأنَّ أقصى ما يُمكن صدورُه
عنهم وإن كانوا في غايةٍ ما يكون مِن المكابرة والعِناد هو الارتيابُ من شأنه، وإمَّا
الجزم بعدم الإمكان، فخارج مِن دائرةِ الاحتمال كما أنَّ تنكيرَه وتصديرَه بكلمة
الشَّكِّ؛ للإشعار بأنَّ حقَّه أن يكون ضعيفاً مشكوكَ الوقوع، وإمَّا للتنبيه على أنَّ
جَزْمهم ذلك بمنزلة الريبِ الضعيف؛ لكمال وضوحٍ دلائل الإمكان ونهاية قوَّتها .
وإنَّما لم يقل: وإن ارتبتم في البعث؛ للمبالغة في تنزيهِ أمرِه عن شائبة وقوعِ الريب،
والإشعار بأنَّ ذلك إنْ وَقَعَ فمِن جهتهم لا مِن جهته، واعتبار استقرارِهم فيه
وإحاطته بهم لا ينافي اعتبارَ ضعفِه وقلَّته؛ لما أنَّ ما يقتضيه ذلك هو دوامُ ملابستهم
به لا قوَّته وکثرته.
و((من)) ابتدائيَّةٌ متعلِّقة بمحذوف وَقَعَ صفة للـ ((ريب))، واستظهر أنَّ المرادَ ((في
ريبٍ مِن)) إمكان ((البعث))؛ لأنَّه الذي يقتضيه ما بَعْدُ، وجوِّز أن يكونَ المرادُ مِن
(١) الإملاء للعكبري ٢٥/٤، والبحر المحيط ٣٥١/٦.
(٢) تفسير الرازي ٦/٢٣، والبحر المحيط ٣٥١/٦.
(٣) البحر المحيط ٣٥١/٦، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٤ ونسبها إلى النخعي
عن أبي عمرو والأعمش، وجاء في هامش المطبوع: لعلَّ الصواب: الأصمعي أو الجعفي.
(٤) في البحر المحيط ٣٥١/٦.
(٥) في (م): كتبت.

الآية : ٥
٢٤٣
سُورَةُ الحَّةُ
وقوع البعث، واعتُرض بأنَّ الدليلَ المشارَ إليه فيما بَعْد إنَّما يدلُّ على الإمكان مع
ما يلزم مِن التكرار مع قوله تعالى الآتي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِىِ الْقُبُورِ﴾ [الآية: ٧]
وفيه تأمُّل، فتأمَّل.
وقرأ الحسن: ((من البَعَث)) بفتح العين(١)، وهي لغةٌ فيه، كالجَلَب والطَّرَد في
الجَلْب والطّرْد عند البصريين، وعند الكوفيِّين إسكان العين تخفيف، وهو قياسيٍّ في
كلِّ ما وسَطه حرف حَلْق كالنَّهْرِ والنَّهَر، والشَّعْرِ والشَّعَر.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ﴾ دليلُ جواب الشرط، أو: هو الجواب
بتأويلٍ، أي: وإنْ كنتم في ريبٍ مِن البعث، فانظروا إلى مَبْدَأْ خَلْقِكم ليزولَ
ريبكم، فإنَّا خلقناكم ... إلخ، وقيل: التقدير: فأُخبركم وأُعلمكم أنَّا
خلقناكم ... إلخ، وليس بذاك، وخَلْقهم مِن تراب في ضمنٍ خَلْق آدَمَ عليه
السلام منه، أو بخَلْقِ الأغذية التي يتكوَّن منها المنيُّ منه، وهي وإن تكوَّنت مِن
سائر العناصر معه إلا أنَّه أعظمُ الأجزاء على ما قيل، فلذلك خصَّه بالذكر مِن
بينها، واختير الأوَّل، وجعل المعنى: خلقناكم خَلْقاً إجماليًّا مِن تراب ﴿ثُمَّ﴾
خلقناكم خَلْقاً تفصيليًّا ﴿مِن نُطَفَةٍ﴾ أي: مَنيٍّ، من النَّطْف بمعنى التقاطُر، وقال
الراغب(٢): النطفةُ: الماءُ الصافي، ويعبَّر بها عن ماءِ الرجُل. قيل: والتخصيص
على هذا مع أنَّ الخَلْقَ مِن ماءَين؛ لأنَّ معظمَ أجزاء الإنسان مخلوقٌ مِن ماءٍ
الرجل، والحقُّ أنَّ النطفةَ كما يعبّر بها عن منيٌّ الرجل يُعبّر بها عن المني مطلقاً،
وكلامُ الراغب ليس نصًّا في نفي ذلك، والظاهر أنَّ المرادَ النطفةُ التي يُخلَق منها
كلُّ واحد بلا واسطة، وقيل: المراد نطفةُ آدَمَ عليه السلام، وحكي ذلك عن
النّقَّاش، وهو مِن البعد في غايته.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَقِ﴾ أي: قطعةٍ مِن الدم جامدةٍ متكوّنة مِن المنيِّ ﴿ثُرَّ مِن مُضْغَةِ﴾
أي: قطعةٍ مِن اللحم متكوّنة مِن العَلَقة، وأصلها قطعةُ لحم بقَدْر ما يُمضَغ
﴿تُخَلَّفَةٍ﴾ بالجرِّ صفةُ ((مضغة))، وكذا قوله تعالى: ﴿وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾.
(١) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٦/ ٣٥٢.
(٢) مفردات ألفاظ القرآن (نطف).

سُوَرَّةُ الحَّهُ
٢٤٤
الآية : ٥
وقرأ ابنُ أبي عبلة بالنصب فيهما(١) على الحالِ مِن النكرة المتقدِّمة، وهو
قلیل، وقاسه سیبویه.
والمشهور المتبادر أنَّ المخلَّقةَ المستبينةُ الخَلْقِ، أي: مضغةٌ مستبينة الخَلْق
مصوَّرةٌ، ومضغةٌ لم يَسْتَبِنْ خَلْقها وصورتُها بَعْدُ، والمراد تفصيلُ حالِ المضغة
وكونها أوَّلًا قطعةً لم يظهر فيها شيءٌ من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً.
وكان مقتضى الترتيب المبنيِّ على التدرُّج مِن المبادي البعيدة إلى القريبة أن يقدّم
غيرَ المخلَّقة، وإنَّما أُخِّرت؛ لكونها عدمٌ ملكةً، وصيغة التفعيل؛ لكثرةِ الأعضاء
المختصِّ كلٌّ منها بخَلْقٍ وصورةٍ. وقيل: المخلَّقة: المسوَّاة الملساء مِن النقصان
والعيبٍ، يقال: خَلَقَ السواكَ والعودَ: سوَّاه ومَّسه، صخرةٌ خلقاء، أي: ملساء،
وجَبلٌ أَخْلَق، أي: أملس، فالمعنى: مِن نطفة مسوَّاةٍ لا نقصَ فيها ولا عيبَ في
ابتداءِ خَلْقها، ونطفةٍ غيرِ مسؤَّاة فيها عيبٌ، فالنُّطَف التي يُخلَق منها الإنسانُ
متفاوتةٌ؛ منها ما هو كاملُ الخِلْقة أملسُ مِن العيوب، ومنها ما هو على عكس
ذلك، فيتبع ذلك التفاوتُ تفاوتَ الناس في خَلْقهم وصُورهم، وطولهم وقِصَرهم،
وتمامِهم ونقصانِهم. وعن مجاهد، وقتادة، والشعبيِّ، وأبي العالية، وعكرمة أنَّ
المخلَّقة التي تمَّ لها مدَّةُ الحَمْلِ وتواردَ عليها خَلْقٌ بعد خَلْق، وغيرُ المخلَّقة التي لم
يتمَّ لها ذلك وسقطت، واستدلَّ له بما أَخرجه الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر
الأصول))، وابنُ أبي حاتم، عن ابنٍ مسعود قال: النطفةُ إذا استقرَّت في الرحم،
أَخَذَها مَلَك الأرحام بكفِّه فقال: يا ربِّ مخلَّقةٌ أم غيرُ مخلَّقة؟ فإن قيل: غيرُ
مخلَّقة، لم تكن نَسَمة، وقَذَفها الرحم دماً، وإن قيل: مخلَّقةٌ، قال: يا ربِّ ذَكَرٌ أم
أُنثى، شقيٍّ أم سعيدٌ، ما الأجلُ وما الأَثَر، وما الرزقُ، وبأيِّ أرض تموت؟
الخبر. وهو في حُكم المرفوع(٢)، والمراد أنَّهم خُلقوا مِن جنسٍ هذه النطفة
الموصوفة بالتامَّة والساقطة، لا أنَّهم خُلقِوا من نطفةٍ تامة ومن نطفة ساقطة، إذ
لا يتصوَّر الخَلْقِ مِن النطفة الساقطةِ وهو ظاهر، وكان التعرُّض على هذا لوصفها
(١) تفسير الرازي ٧/٢٣، والبحر المحيط ٣٥٢/٦.
(٢) نوادر الأصول ص٧١-٧٢، وتفسير الطبري ١٦/ ٤٦١-٤٦٢، وورد في تفسير ابن أبي حاتم
٥٩٠/٢ (٣١٥٦) إلا أنه من قول السدي، وأصل الخبر عند البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم
(٢٦٤٣) عن ابن مسعود مرفوعاً بنحوه.

الآية : ٥
٢٤٥
سُورَّةُ الحَّةُ
بما ذُكرَ؛ لتعظيم شأنِ القدرة، وفي جعلِ كلِّ واحدة مِن هذه المراتب مبدأً لخَلْقهم
لا لخَلْقِ ما بعدها مِن المراتب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا
اٌلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، مزيدُ دلالةٍ على عِظَم قدرته تعالى.
﴿لِّمُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ متعلِّق بـ ((خلقنا))، وتركَ المفعول؛ لتفخيمه كمَّا وكيفاً، أي:
خلقناكم على هذا النمطِ البديع لنبيِّن لكم ما تَحصُره العبارة مِن الحقائق والدقائق التي
مِن جملتها أمرُ البعثِ، فإنَّ مَن تأمَّل فيما ذُكر مِن الخَلْقِ التدريجيِّ جزم بأنَّ مَن قَدرَ
على خَلْق البشر أوَّلًا مِن ترابٍ لم يَذُقْ ماءَ الحياة قٌ وإنشائه على وجهٍ مصحِّح لتوليد
مثلِهِ مرَّة بعد أُخرى بتصريفه في أطوار الخِلْقة وتحويله مِن حالٍ إلى حالٍ مع ما بين
تلك الأطوار والأحوال مِن المخالفة والتباين = فهو قادرٌ على إعادته، بل هي أهونُ
في القياس، وقدَّر بعضهم المفعولَ خاصًّا، أي: لنبيِّن لكم أمرَ البعث وليس بذاك.
وأَبعدَ جدًّا مَن زعم أنَّ المعنى: لنبيِّن لكم أنَّ التخليقَ اختيارٌ مِن الفاعل
المختار، ولولا ذلك ما صار بعضُ أفرادِ المضغةِ غيرَ مخلَّق.
وقرأ ابنُ أبي عبلة: ((ليبيِّن)) بالياء على طريق الالتفاتِ، وكذا قَرأَ قولَه تعالى:
﴿وَنُقِرُّ فِ اْلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ (١)، وقرأ الجمهورُ بالنون.
والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ حالِهم بعد تمام خَلْقهم وتواردِ الأطوارِ عليهم،
أي: ونقرُّ في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقرَّه فيها ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ هو وقتُ
الوَضْع، وأدناهُ: ستة أشهر، وأقصاه عندنا: سنتان، وعند الشافعي - عليه
الرحمة ۔ أربع سنين.
وعن يعقوب أنه قرأ: ((ونقُرُّ)) بفتح النون وضمِّ القاف(٢)، مِن قررتُ الماءَ إذا
صبيتَه، وقرأ يحيى بن وثَّاب: ((ما نِشاء)) بكسر النون.
﴿ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ﴾ أي: مِن الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى
﴿طِفْلًا﴾ حالٌ مِن ضمير المخاطبين، والإفراد إمَّا باعتبار كلِّ واحد منهم، أو بإرادة
الجنس الصادق على الكثير، أو لأنَّه مصدرٌ فيستوي فيه الواحدُ وغيرُه، كما قال
(١) الكشاف ٥/٣، والبحر المحيط ٣٥٢/٦.
(٢) الكشاف ٦/٣، والبحر المحيط ٣٥٢/٦.

سُورَةُ الحُِّ
٢٤٦
الآية : ٥
المبرِّد، أو لأنَّ المرادَ: طفلًا طفلًا، فاختصر، كما نقله الجلالُ السيوطيُّ في
((الأشباه)) النحويَّة.
وقرأ عمرُ بن شبَّة: ((يخرجكم)) بالياء(١).
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ﴾ أي: كمالَكم في القوَّة والعقل والتمييز، وفي
((القاموس)): ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ويُضمُّ أوَّلُه، أي: قوَّتَه، وهو ما بين
ثماني عَشْرةَ سنة إلى ثلاثينَ، واحدٌ جاء على بناء الجَمْع، كـ : أَنُكٍ، ولا نظيرَ
لهما، أو جَمْعٌ لا واحدَ له مِن لفظه، أو: واحدُه: شِدَّةٌ، بالكسر، مع أنَّ فِعْلَةً
لا تُجمَع على أَفْعُل ـ أي: قياساً، فلا يَردُ: نِعْمَةٌ وأَنْعُم - أو شَدُّ ككَلْب وَأَكْلُب، أو
شِدٌّ كذِئُب وأَذْؤُبٍ، وما هما بمسموعَيْن بل قياس(٢).
و(لتبلغوا)): قال العلامة أبو السعود(٣): علَّة: ((نخرجكم)) معطوف على علَّة
أُخرى مناسبة لها، كأنَّه قيل: ثم نخرجُكم لتكبُروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا ... إلخ،
وقيل: علّة لمحذوف، والتقدير: ثم نمهلكم لتبلغوا ... إلخ.
وجوَّز العلّامة الطيبيُّ أن يكون التقدير: ((ثم لتبلغوا أشدَّكم)) كان ذلك الإقرار
والإخراج، وقيل: إنَّه عطف على ((نبيِّن))، وتعقّبه العلّامة(٤) بأنَّه مخلٌّ بجزالة النظم
الكريم، وجعله كغيرِه عطفاً عليه على قراءة: ((نقرَّ) و((نخرجَ)) بالنصب وهي قراءة
المفضل وأبي حاتم، إلا أنّ الأوّل قرأ بالنون، والثاني قرأ بالياء(٥) وكذا جعل
الفعلين عطفاً عليه، وقال: المعنى: خلقناكم على التدريج المذكور؛ لأَمرين:
أحدهما: أن نبيِّن شؤوننا. والثاني: أن نقرَّكم في الأرحام ثم نخرجكم صغاراً ثم
لتبلغوا أشدَّكم، وتقديم التبيين على ما بعدَه مع أنَّ حصولَه بالفعل بعد الكلِّ؛
للإيذان بأنَّه غايةُ الغايات ومقصودٌ بالذات، وإعادة اللام في ((لتبلغوا)) مع تجريدِ
(نقرّ)) و((نخرج)) عنها؛ للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج، إذ عليه
(١) الكشاف ٦/٣، والبحر المحيط ٣٥٢/٦.
(٢) القاموس (شدد).
(٣) في تفسيره ٦/ ٩٤.
(٤) يعني أبا السعود في تفسيره ٦/ ٩٤.
(٥) الكشاف ٦/٣، والبحر المحيط ٣٥٢/٦.

الآية : ٥
٢٤٧
سُورَةُ الحِى -
يدور التكليفُ المؤدِّي إلى السعادة والشقاوة، وإيثار البلوغ مسنداً إلى المخاطبين
على التبليغ مسنداً إليه تعالى، كالأفعال السابقة؛ لأنّه المناسبُ لبيانِ حالِ اتِّصافهم
بالكمال واستقلالِهم بمبدئيَّة الآثار والأفعال. اهـ.
وما ذكره مِن عطف ((نقرّ)) و((نخرج)) بالنصب على ((نبيِّن)) لم يرتضه الشيخُ ابنُ
الحاجب، قال في ((شرح المفصَّل)): إنَّه مما يتعذّر فيه النصُب، إذ لو نصب عطفاً
على (نبيِّن)) ضَعُفَ المعنى، إذ اللامُ في ((لنبيِّن)) للتعليل، لما تقدَّم، والمقدَّم سبب
للتبيين، فلو عطف: ((ونقرّ)) عليه لكان داخلًا في مسببية ((إنَّا خلقناكم)) إلخ،
وخلقهم من تراب ثم ما تلاه لا يَصلُح سبباً للإقرار في الأرحام، وقال الزجَّاج(١):
لا يجوز في ((ونقرّ) إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه: فَعَلْنا ذلك لنقرَّ في
الأرحام؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَخلُق الأنامَ ليقرَّهم في الأرحام، وإنَّما خَلَقهم ليدلَّهم
على رشدهم وصلاحِهم، وهو قولٌ بعدم جواز عطفِه على ((نبيِّن)).
وأُجيب بأنَّ الغرضَ في الحقيقة هو بلوغُ الأشدِّ والصلوح للتكليفِ، لكن لمَّا
كان الإقرارُ وما تلاه مِن مقدِّماته، صحَّ إدخاله في التعليل، وما ذكره مِن أنَّ العطفَ
على ((نبيِّن)) على قراءةِ الرفع مخلٌّ بجزالة النظم الكريم، فالظاهر أنَّه تعريضّ
بالزمخشريٌّ(٢) حيث جعلَ العطفَ على ذلك، وقال: فإن قلت: كيف يصحُ عطفُ
(لتبلغوا أشدَّكم)) على ((لنبيِّن)) ولا طباقَ؟ قلت: الطباقُ حاصل؛ لأنَّ قولَه تعالى:
(ونقرُّ)) قرينٌ للتعليل، ومقارنته له والتباسه به ينزِّلانه منزلةَ نفسِه، فهو راجع مِن هذه
الجهة إلى متانة القراءة بالنصب. اهـ.
وفيه ما يُومِئُ إلى أنَّ قراءةَ النصب أوضحُ كما أنَّها أمتنُ، ولم يَرْتَضِ ذلك
المحقِّقون، ففي ((الكشف)) أنَّ القراءةَ بالرفع هي المشهورةُ الثابتةُ في السَّبْع، وهي
الأَولى، وقد أُصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعلِ الإقرارَ في الأرحام
عَلَّة، بل جعل الغرضَ منه بلوغَ الأشدِّ وهو حالُ الاستكمال عِلْماً وعملًا، وحيث
لم يعطف على ((لنبيِّن)) إلا بعد أنْ قدّم عليه ((ونقرُّ)، ثم نخرج مجعولا ((نقرّ)) عطفاً
على ((إنَّا خَلَقناكُم)) والعدول إلى المضارع؛ لتصوير الحال والدلالة على زيادةٍ
(١) معاني القرآن وإعرابه ٤١٢/٣.
(٢) الكشاف ٦/٣.

الآية : ٥
٢٤٨
سُورَةُ الحِّهُ
الاختصاص، فالطباقُ حاصلٌ لفظاً ومعنَى مع أنَّ في الفصل بين العلَّتين مِن النُّكتة
ما لا يَخفى على ذي لبٍّ، حَسُنَ موقعها بعد التأمُّل، وكذلك في الإتيان بـ (ثم)) في
قوله سبحانه: ((ثم لتبلغوا)) دلالةٌ على أنَّه الغرضُ الأصيلُ الذي خُلقَ الإنسانُ له:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولما كانت الأوائلُ في الدلالة
على البعث أظهرَ، قدِّم قولُه تعالى: (لنبيِّن)) على الإقرار والإخراج. اهـ.
ويُعلَم منه ما في قولِ العلّامة: إنَّ عطف ((لتبلغوا)) إلخ على ((لنبيِّن)) مخلٌّ بجزالة
النظم الكريم، وأنَّه لا يتعيَّن الاستئنافُ في ((ونقرُّ))، وفيه أيضاً أنَّ قولَه تعالى:
﴿وَمِنْكُمْ مَّنْ يُوَقَّ﴾ إلخ إستئنافٌ لبيانِ أقسام الإخراج مِن الرحم، كما استوفى
أقسامَ الأوَّل، وفيه تبيين تفضيلِ حالِ بلوغ الأشدِّ، وأنَّها الحقيقُ بأن تكون مقصودةً
مِن الإنشاء، لكن منهم من لا يَصِلُ إليها فيُحتَضَر، ومنهم مَن يجاوزها فيُحتَقر،
أي: منكم مَن يموت قبل بلوغ الأشدِّ ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي:
أرداه وأَدناه، والمراد: يُرَدُّ إلى مِثْلِ زمنِ الطفوليَّة ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلَّمْ﴾
أي: عِلْم كثير ﴿شَيْئًا﴾ أي: شيئاً مِن الأشياء، أو شيئاً مِن العِلْم، واللام متعلّقة
بـ ((يُرَدُّ»، وهي لامُ العاقبة، والمرادُ المبالغةُ في انتقاصِ عِلْمِه وانتكاسِ حاله،
وليس لزمان ذلك الردّ حدٌّ محدودٌ، بل هو مختلفٌ باختلاف الأمزجة على ما في
((البحر))(١)، وإيرادُ الردّ والتوقِّي على صيغة المبني للمفعول للجري على سنَنِ
الكبرياء لتعيُّن الفاعل، كما في ((إرشاد العقل السليم))(٢)، وفي ((شرح الكشاف))
للطيبيِّ بعد تجويز أن يكون ((ثم لِتَبلُغوا)) بتقدير: ((ثم لتبلغوا)) كان ذلك الإقرار
والإخراج، أنَّ فائدةَ ذلك الإيذان بأنَّ بلوغَ الأشدِّ أفضلُ الأحوال، والإخراج
أبدعها، والردّ إلى أرذلِ العمر أسوؤها، وتغييرُ العبارةِ لذلك، ومِن ثمَّ نسبَ
الإخراج إلى ذاتِه تعالى المقدَّسة، وحذفَ المعلل في الثاني، ولم ينسب الثالثَ إلى
فاعله، وسلب فيه ما أثبتَ للإنسان في تلك الحالة مِن اتَّصافه بالعِلْم والقدرة
المومِيِ إليه بالأشدِّ، كأنَّه قيل: ثم يخرجكم مِن تلك الأطوارِ الخسيسة طفلًا إنشاءً
غريباً، كما قال سبحانه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ثم لتبلغوا
(١) ٦/ ٣٥٣.
(٢) أي: تفسير أبي السعود ٩٥/٦.

الآية : ٥
٢٤٩
سُورَةُ الحَّهُ
أشدَّكم دُبُرَ ذلك التدبيرِ العجيب؛ لأنَّه أوان رسوخ العِلْم والمعرفة والتمكّن مِن
العمل المقصودين مِن الإنشاء، ثم يميتكم أو يردُّكم إلى أرذلِ العمر الذي يُسلَب فيه
العلمَ والقدرةَ على العمل. اهـ.
ويُفهَم منه جوازُ أن يكون المرادُ: ومنكم مَن يتوقَّى بعد بلوغ الأشُدِّ، ومِن
الناس من جوَّز أن يكون المرادُ(١): ومنكم من يتوقَّى عند البلوغ، وقيل: إنَّ ذلك
بجَعْل الجملة حاليَّةً ومِن صيغة المضارع، وهو كما ترى.
وقرئ: ((يَتَوقَّى)) على صيغة المعلوم(٢)، وفاعله ضميرُ اللهِ تعالى، أي: مَن
يتوقَّاه الله تعالى، وجوّز أن يكون ضميرُ ((مَن)) أي: مَن يستوفي مدَّةَ عمره.
وروي عن أبي عمرو، ونافع: تسكين ميم ((العُمُر))(٣). هذا، ثم لا يخفى ما في
اختلافٍ أحوال الإنسان بعد الإخراج مِن الرحم مِن التنبيه على صحّة البعث،
كما في اختلافها قَبْلُ، فتأمَّل جميعَ ما ذكر، وله تعالى درُّ التنزيل ما أكثر
احتمالاته .
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ حجَّة أُخرى على صحَّة البعث، معطوفة على ((إنَّا
خَلَقْناكم)) وهي حجَّة آفاقيَّة، وما تقدَّم حَجَّة أنفسَّة، والخطاب لكلِّ أحدٍ مَن تتأتّى
منه الرؤيةُ، وقيل: للمجادل، وصيغةُ المضارع للدلالةِ على التجدُّد والاستمرار،
وهي بصريَّة لا علميّة كما قيل، و((هامدةً) حالٌ مِن ((الأرض)) أي: ميتةً يابسةً،
يقال: هَمَدَتِ الأرضُ: إذا يبسَت ودَرَسَت. وهَمَدَ الثوبُ: إذا بَلِيَ. وقال
الأعشى :
قالت قُتَيْلةُ ما لجِسمِك شاحباً وأَرى ثيابَكَ بالياتِ هُمَّدا (٤)
وأصلهِ مِن: هَمَدَتِ النارُ: إذا صارت رماداً.
(١) ليست في الأصل.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٣٥٣/٦.
(٣) القراءات الشاذة ص٩٤، والبحر المحيط ٣٥٣/٦.
(٤) ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص ٢٧٧، وفيه: سايئاً، بدل: شاحباً، ومعنى سايئاً: أي
يسوء من رآه، وهو برواية المصنِّف في النكت والعيون ٨/٤.

الآية : ٦
٢٥٠
سُورَةُ الـہ
﴿فَإِذَا أَنَزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ﴾ أي: ماءَ المطر، وقيل: ما يعمُّه وماء العيونِ
والأنهار، وظاهرُ الإنزال يقتضي الأوَّلَ ﴿أَهْتَزَّتْ﴾ تحرَّك نباتُها، فالإسناد مجازيٌّ،
أو تَخَلْخِلَتْ وانفصلَ بعضُ أجزائها عن بعضٍ؛ لأجل خروجِ النبات، وحَمْلُ
الاهتزازٍ على الحركة في الكيف بعيدٌ ﴿وَرَبَتْ﴾ ازدادتْ وانتفختْ؛ لما يتداخلها مِن
الماء والنبات.
وقرأ أبو جعفر، وعبد الله بنُ جعفر، وخالد بنُّ إلياس، وأبو عمرو في رواية:
(وَرَبَأَتْ)) بالهمز(١)، أي: ارتفعت، يقال: فلانٌ يَربأُ بنفسِه عن كذا، أي: يرتفعُ بها
عنه، وقال ابنُ عطيّةٍ(٢): هو من رَبَأْتُ القومَ، إذا علوتَ شرفاً مِن الأرض طليعةً
عليهم، فكأنَّ الأرضَ بالماء تتطاولُ وتَعلُو.
﴿وَأَثْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْعَ﴾ أي: صِنْفٍ ﴿بَهِيجِ ﴾﴾ حَسَن سارٍّ للناظر.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّ هُوَ الْحَقُّ﴾ كلامٌ مستأنَف جِيْءَ به إثْرَ تحقيقِ حقِّيَّة البعث وإقامة
البرهان عليه على أتمٍّ وجهٍ؛ لبيان أنَّ ما ذكر مِن خَلْق الإنسان على أطوار مختلفة
وتصريفه في أحوالِ متباينة وإحياء الأرض بعد موتِها الكاشف عن حقِّيَّة ذلك مِن
آثار ألوهيَّته تعالى وأحكام شؤونه الذاتيّة والوصفيَّة والفعليَّة، وأنَّ ما ينكرونه مِن
إتيانِ الساعة والبعث مِن أسباب تلك الآثارِ العجيبة المعلومة لهم ومبادي صدورِها
عنه تعالى، وفيه من الإيذان بقوّة الدليل وأصالةِ المدلول في التحقُّق وإظهارٍ بطلان
إنكاره ما لا يَخفى، فإنَّ إنكارَ تحقّق السبب مع الجزم بتحقُّق المسبّب مما يقضي
ببطلانه بديهةُ العقول، فذلك إشارةٌ إلى خَلْق الإنسان على أطوار مختلفة وما معه،
والإفراد باعتبار المذكور وما فيه مِن معنى البُعْدِ؛ للإيذان بِبُعْدِ منزلتِه في الكمال،
وهو مبتدأ، خبرُه الجارُّ والمجرور، والمراد بالحقِّ هو الثابت الذي يحقُّ ثبوتُه
لا محالة؛ لكونه لذاتِه، لا الثابت مطلقاً، فوجهُ الحَصْر ظاهر، أي: ما ذكر مِن
الصنع البديع حاصلٌ بسبب أنَّه تعالى هو الحقُّ وحدَه في ذاته وصفاتِه وأفعاله
المحقّق لما سواه مِن الأشياء.
(١) القراءات الشاذة ص٩٤، والمحتسب ٢/ ٧٤، والبحر المحيط ٣٥٣/٦.
(٢) المحرر الوجيز ١٠٩/٤.

الآية : ٧
٢٥١
سُورَةُ الحَّةُ
﴿وَأَنَّهُ, يُّحِى الْمَوْقَ﴾ أي: شأنه وعادته - تعالى شأنُه - إحياءُ الموتى، وحاصله أنَّه
تعالى قادرٌ على إحيائها بَدْءاً وإعادةً، وإلا لما أَحيا النطفةَ والأرضَ الميتة مرَّة بعد
مرَّة، وما تفيده صيغةُ المضارع مِن التجدُّد إنَّما هو باعتبار تعلُّق القدرةِ ومتعلَّقها
لا باعتبار نفسها؛ لأنَّ القِدَمَ الشخصيَّ ينافي ذلك.
﴿وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ أي: مبالغٌ في القدرة، وإلا لما أوجدَ هذه
الموجوداتِ الفائتةَ للحَصْر التي مِن جملتها ما ذكر، وتخصيصُ إحياء الموتى بالذِّكر
مع كونه مِن جملة الأشياء المقدور عليها؛ للتصريح بما فيه النزاع والدفع في نحورٍ
المُنكِرِين، وتقديمه لإبراز الاعتناء به.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ◌َاتِيَةٌ﴾ أي: فيما سيأتي، والتعبير بذلك دونَ الفعل؛ للدلالة على
تحقّق إتيانها، وتقرُّره ألبتة؛ لاقتضاءِ الحكمة إيَّاه لا محالةً، وقوله تعالى: ﴿لَّا رَيْبَ
فِيهَ﴾ إمَّا خبرٌ ثانٍ لـ ((أنَّ)، أو حالٌ مِن ضمير ((الساعة)) في الخبر، ومعنى نفي الرَّيْبِ
عنها أنَّها في ظهورٍ أمرها ووضوحٍ دلائلها بحيث ليس فيها مظنَّة أن يرتابَ في إتيانها .
و ((أنّ) وما بعدها في تأويل مصدر عطف على المصدر المجرور بياء السببيَّة
داخل معه في حيِّزها، كالمصدرين الحاصلين مِن قوله تعالى: ((وأنَّه يُحيي الموتَى))
وقوله سبحانه: ((وأنَّه على كلِّ شيء قدير)) وكذا قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ
مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾﴾ لكن لا مِن حيث إنَّ إتيانَ الساعة وبعثَ مَن في القبور مؤثِّران
فيما ذكر مِن أفاعيله تعالى تأثيرَ القُدرة فيها، بل مِن حيث إنَّ كلَّا منهما بسبب (١)
داعٍ له عزَّ وجلَّ بموجب رأفتِه بالعباد المبنيّة على الحِكَم البالغة إلى ما ذكر مِن
خَلْقهم ومِن إحياء الأرض الميتةِ على نمطٍ بديع صالح للاستشهاد به على إمكانهما؛
ليتأمَّلوا في ذلك ويستدلَّوا به عليه، أو على وقوعِهما، ويصدِّقوا بذلك؛ لينالوا
السعادةَ الأبديَّة، ولولا ذلك لما فَعَلَ بل لما خَلَقَ العالَمَ رأساً، وهذا كما ترى مِن
أحكام حقِّيَّته تعالى في أفعاله وابتنائِها على الحِكَم الباهرة، كما أنَّ ما قَبْلَه مِن
أحكام حقِّيَّته تعالى في صفاته وكونها في غاية الكمال، هذا ما اختاره العلّامة
أبو السعود(٢) في تفسيرِ ذلك، وهو مما يميلُ إليه الطبعُ السليم.
(١) في تفسير أبي السعود ٩٦/٦: سبب. والكلام منه.
(٢) تفسير أبي السعود ٩٦/٦.

سُورَةُ الحِه
٢٥٢
الآية : ٧
وجعل صاحبُ ((الكشَّاف))(١) الإشارةَ إلى ما ذكر أيضاً إلا أنَّه بحسب الظاهر
جعلَ إتيانَ الساعة وبعثَ مَن في القبور، حيث إنَّ ذلك مِن روادف الحكمةِ = كناية
عنها، فكأنَّ الأصلَ ذلك حاصلٌ بسببٍ أنَّ اللهَ تعالى هو الحقُّ الثابت الموجود،
وأنَّه قادرٌ على إحياء الموتى وعلى كلِّ مقدورٍ، وأنَّه حكيمٌ، فاكتفى بمقتضى
الحكمة عن الوصف بالحكمة؛ لما في الكناية مِن النُّكتة، خصوصاً والكلام مع
منكري البعث للدفْع في نحورِهم. ولا يخلو عن بُعْدٍ، ونقل النيسابوريُّ(٢) عبارةَ
(الكشَّاف)) واعترضها بما لا يَخفى ردُّه، وأبدى وجهاً في الآية ذكر أنَّه مما لم
يَخْطُر لغيرِهِ ورجا أن يكونَ صواباً، وهو مع اقتضائِهِ حَمْلَ الباء على ما يعمُّ السبيَّة
الفاعليَّة والسبيَّة الغائيَّة، ممّا لا يخفى ما فيه.
وقيل: ذلك إشارةٌ إلى ما ذُكر، إلا أنَّ قولَه تعالى: ((وأنَّ الساعةَ آتيةٌ)) إلخ،
ليس معطوفاً على المجرور بالباء، ولا داخلًا في حيِّز السببيَّة، بل هو خبرٌ،
والمبتدأ محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير: والأمر أنَّ الساعةَ آتيةٌ ... إلخ، وعليه
اقتصر أبو حيَّان(٣) وفيه قطعٌ للكلام عن الانتظامِ.
وقيل: ذلك إشارةٌ إلى ما ذكر إلَّا أنَّ الباءَ صلةٌ لكونٍ خاصٍّ وليست سببيَّة،
أي: مشعِرٌ بأنَّ اللهَ هو الحقُّ ... إلخ، وفيه أنَّه لا قرينةَ على هذا الكون الخاصِّ،
وقيل: المعنى: ذلك ليعلموا أنَّ اللهَ هو الحقُّ ... إلخ، وفيه تلويحُ ما إلى معنى
الحديثِ القدسيِّ المشهور على الألسنة وفي كتب الصوفيَّة، وإن لم يثبت عند
المُحدِّثين، وهو: ((كنتُ كنزاً مخفيًّا فأحببتُ أن أُعرفَ فخلقتُ الخَلْقَ لأُعرفَ)»(٤)
وهو كما ترى.
وقيل: الإشارة إلى البعث المستدَلِّ عليه بما سَبق، واستظهره بعضُهم،
ولا يخفى عليكَ ما يحتاجُ إليه من التكلُّف، ونقل في ((البحر))(٥) أنَّ ذلك منصوبٌ
(١) الكشاف ٦/٣.
(٢) في كتابه غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١٧/ ٨٠.
(٣) البحر المحيط ٣٥٣/٦.
(٤) حديث موضوع، وسلف ١٩٩/١.
(٥) ٣٥٣/٦.

الآية : ٧
٢٥٣
سُورَةُ الدِّهُ
بفعل مُضمَر، أي: فعلنا ذلك بأنَّ ... إلخ. وأبو عليٍّ اقتصرَ على القولِ بأنَّه مرفوعٌ
على الابتداء، والجارُّ والمجرور خبرُه، وقال: لا يجوز غيرُ ذلك، وكأنَّه عنى
بالغير ما ذكر، وما نقله العكبريُّ(١) مِن أنَّه خبرٌ لمتبدأٍ محذوفٍ، أي: الأمر ذلك،
والحقُّ الجوازُ إلا أنَّه خلافُ الظاهر جدًّا .
ثم إنَّ المرادَ مِن الساعة، قيل: يوم القيامة المشتمل على النَّشْر والحَشْر
وغيرهما، وقال سعدي جلبي: المراد بها هنا فناءُ العالَم بالكليَّة؛ لئلا تتكرَّر مَعَ
البعث، وقولُ الطيبيِّ: إنَّ سبيلَ قولِه تعالى: ((أنَّ الساعةَ آتيَةٌ)) مِن قوله سبحانه:
((أنَّ اللهَ يبعثُ مَن في القبور)، سبيلُ قولهِ جلَّ وعلا: ((أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ))
مِن قوله عزَّ وجلَّ: ((وأنَّه يُحيي الموتى)) لكن قدِّم وأخِّر؛ لرعايةِ الفواصل، ظاهر
في الأوَّل.
هذا وفي ((الإتقان))(٢) للجلال السيوطيّ: إنَّ الإسلاميينَ مِن أهل المنطق ذكروا
أنَّ في أوَّل سورةِ الحجِّ إلى قوله تعالى: ((وأنَّ اللهَ يبعثُ مَن في القبور)) خمس نتائجَ
تستنتجُ مِن عشرٍ مقدِّمات.
ثم بيَّن ذلك بما يقضى منه العَجَب، ويدلّ على قُصورٍ بَاعِه في ذلك العِلْم، وقد
يقال في بيانِ ذلك: إنَّ النتائجَ الخمسَ هي الجملُ المتعاطفةُ الداخلة في حيِّز الباء،
واستنتاجُ الأولى بأنَّه لو لم يكن الله سبحانه هو الحقَّ، أي: الواجبَ الوجود لذاته،
لما شُوهد بعضُ الممكنات مِن الإنسان والنبات وغيرِها، والتالي باطلٌ ضرورةً،
فالله تعالى هو الحقُّ، ودليلُ الملازمة برهانُ التمانع.
واستنتاجُ الثانيةُ بأنَّه لو لم يكن سبحانه قادراً على إحياء الموتى لما طوَّر
الإنسانَ في أطوار مختلفة حتى جَعلَه حيًّا وأَنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرضَ بعد
موتِها، والتالي باطلٌ ضرورةَ أنّ الخصمَ لا يُنكِر أنَّه تعالى أحيا الإنسانَ
وأحيا الأرضَ، فالله تعالى قادرٌ على إحياءِ الموتى، ووجه الملازمة ظاهرٌ.
واستنتاجُ الثالثة بأنَّه إذا كان اللهُ تعالى قادراً على إحياء الموتى، فهو سبحانه على
(١) الإملاء ٢٨/٤.
(٢) ١٠٥٥/٢.

الآية : ٧
٢٥٤
سُورَةُ الحِجُ
كلِّ شيء قدير، لكنَّه تعالى قادرٌ على إحياء الموتى، فهو على كل شيءٍ قدير، ووجهُ
الملازمةِ أنَّ المرادَ مِن الشيءِ الممكنُ، وإحياءُ الموتى ممكنٌ، والقدرةُ على بعضٍ
الممكنات دون بعضٍ تنافي وجوبَ وجودِه تعالى الذاتيّ؛ وأيضاً إحياءُ الموتى أصعبُ
الأمور عند الخصم المجادِل حتى زعم أنَّه من الممتنعات، فإذا ثبت أنَّه سبحانه قادرٌ
عليه بما سبقَ، ثبت أنَّه تعالى قادرٌ على سائرِ الممكنات بالطريق الأولى.
واستنتاجُ الرابعة بأنَّ الساعةَ أمرٌ ممكِن وعد الصادق بإتيانه، وكلُّ أمر ممكن
وعد الصادق بإتيانه، فهو آتٍ، فالساعة آتيةٌ، أمَّا أنَّ الساعة أمرٌ ممكن؛ فلأنَّه
لا يلزم مِن فرضٍ وقوعها محالٌ، وأمَّا أنَّها وعد الصادق بإتيانها؛ فللآيات القرآنية
المتحدى بها، وأمَّا أنَّ كلَّ أمرٍ ممكِن وعد الصادق بإتيانه، فهو آتٍ؛ فلاستحالةِ
الكذب.
واستنتاجُ الخامسة بنحوِ ذلك، ولا يتعيَّن استنتاجُ كلِّ بما ذكر، بل يمكن بغيرِ
ذلك، واختياره لتسارعِه إلى الذهن، وربَّما يقتصرُ على ثلاثٍ من هذه الخمس بناءً
على ما علمتَ بين قوله تعالى: ((وأنَّه يُحيي الموتَى)) وقوله تعالى: ((وأنَّه على كلِّ
شيءٍ قديرٌ))، وكذا بين قوله سبحانه ((وأنَّ الساعة آتيةٌ))، وقوله سبحانه: ((وأنَّ اللهَ
يبعثَ من في القبور)) ويُعدّ مِن الخمس قوله تعالى: ((إنَّ زلزلةَ الساعة شيءٌ عظيم))
واستنتاجُها بأن يقال: زلزلةُ الساعة تُذهِلُ كلَّ مرضعةٍ عمَّا أَرضعت، وكلُّ ما هذا
شأنه فهو شيءٌ عظيمٌ، فزلزلةُ الساعة شيءٌ عظيم، والتقوى واجبةٌ عليكم المدلول
عليه بقوله تعالى: ((اتَّقوا ربكم))، واستنتاجه بأن يقال: التقوى يَندفعُ بها ضررُ
الساعة، وكلُّ ما ينَدفعُ به الضررُ واجبٌ عليكم، فالتقوى واجبةٌ عليكم، ولا يَخفى
أنَّ ما ذكر أوّلًا أَولى، إلا أنَّه لو كان مرادهم، لكان الظاهر أن يقولوا: إنَّ في قوله
تعالى: ((ذَلِكَ بأنَّ اللهَ هو الحقُّ)) إلى قوله سبحانه: ((وأنَّ اللهَ يَبعثُ مَن في القبور))
خمس نتائجَ دون أن يقولوا: إنَّ في أوَّل سورةِ الحجّ ... إلى آخره، ويناسب هذا
القولَ ما ذكر ثانياً إلا أنَه يَردُ عليه أنَّ المتبادرَ مِن كلامهم كون كلٌّ مِن النتائج
مذكوراً صريحاً، ولا شكَّ أنَّ التقوى واجبةٌ عليكم ليس مذكوراً كذلك،
وإنَّما المذكور ما يدلُّ عليه في الجملة، وهو أيضاً ليس بقضيَّة كما لا يخفى، وقد
تكلّف بعضُ الناسِ لبيان ذلك غير ما ذكرنا، رأينا تَرْكَ ذِكْره أَولى، فتأمَّل.

الآية : ٨، ٩
٢٥٥
سُورَةُ الحَّةُ
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلت على ما روي عن محمَّد بنِ
كعب في الأخنس بنِ شُريق، وعلى ما روي عن ابنِ عباس في أبي جهلٍ، وعلى
ما ذهب إليه جمعٌ في النَّضْر، كالآية السابقة، فإذا اتَّحد المجادِل في الآيتين،
فالتكرار مبالغةٌ في الذَّمِّ، أو لكون كلٍّ مِن الآيتين مشتملةٌ على زيادةٍ ليست في
الأُخرى.
وقال ابنُ عطيّةُ(١): كوِّرت الآيةُ على جهة التوبيخ، فكأنَّه قيل: هذه الأمثال في
غاية الوضوح والبيان، ومِن الناس مَعَ ذلك مَن يجادل ... إلى آخرِه، فالواو هنا
واوُ الحالِ، وفي الآية المتقدِّمة واو العطف، عطفت جملة الكلام على ما قبلها
على معنى الإخبار لا التوبيخ. انتهى. وهو كما ترى.
وفي ((الكشف)): إنّ الأظهرَ في النظم والأوفقَ للمقام كون هذه الآية في
المقلَّدين - بفتح اللام - وتلك في المقلِّدين - بكسر اللام - فالواو للعطفِ على الآية
الأُولى، والمراد بالعِلْم العِلْم الضروري كما أنَّ المرادَ بالهدى في قوله تعالى:
﴿وَلَا هُدَّى﴾ الاستدلالُ والنظرُ الصحيح الهادي إلى المعرفة ﴿وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ
وحي مظهرٍ للحقِّ، أي: يجادل في شأنه - تعالى شأنه - من غير تمسُّك بمقدِّمة
ضروريّة ولا بحجّة ولا ببرهان سمعيٍّ.
﴿ِثَانِىَ عِطْفِهِ.﴾ حال مِن ضمير: ((يجادل)) كالجارِّ والمجرور السابق، أي:
لاوياً لجانبِهِ، وهو كنايةٌ عن عدمٍ قَبوله، وهو مرادُ ابنِ عباس بقوله: متكبِّراً،
والضَّخَّاك بقوله: شامخاً بأنفه، وابنٍ جُريج بقوله: مُعرِضاً عن الحقِّ.
وقرأ الحسنُ: ((عَطْفه)) بفتح العين(٢)، أي: مانعاً لتعظُّفه وترخُّمه.
﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ متعلِّق بـ ((يجادل)) علَّة له، فإنَّ غرضَه مِن الجدال
الإضلالُ عن سبيلِه تعالى وإن لم يعترف بأنَّه إضلال، وجوَّز أبو البقاء(٣) تعلُّقَه
بـ ((ثاني))، وليس بذاك، والمراد بالإضلالِ إمَّا الإخراجُ مِن الهدى إلى الضلال،
(١) المحرر الوجيز ١٠٩/٤.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٦/ ٣٥٤.
(٣) الإملاء ٢٩/٤.

سُورَةُ الحِهُ
٢٥٦
الآية : ١٠
فالمفعول مَن يجادلُه مِن المؤمنين أو الناس جميعاً بتغليبِ المؤمنين على غيرِهم،
وإمَّا التثبيتُ على الضلال أو الزيادةُ عليه مجازاً، فالمفعول هم الكفرةُ خاصَّة.
وقرأ مجاهد، وأهلُ مَّة، وأبو عمرٍو في رواية: ((ليَضِلَّ) بفتح الياء(١)، أي:
لَيَضِلَّ في نفسه، والتعبير بصيغة المضارع مع أنَّه لم يكن مهتدياً؛ لجَعْلِ تمكّنه مِن
الهدى كالهدى، لكونه هدّى بالقوّة، ويجوز أن يُرادَ ليستمرَّ على الضلال أو ليزيدَ
ضلالُه، وقيل: إنَّ ذلك لجَعْلِ ضلالِه الأوَّل كلاضلالٍ، وأيًّا ما كان فاللام للعاقبة.
﴿لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ جملة مستأنفةٌ لبيانٍ نتيجةٍ ما سلكه مِن الطريق، وجوَّز
أبو البقاء(٢) أن تكونَ حالًا مقدَّرة أو مقارنةً على معنى استحقاقِ ذلك، والأوَّل
أظهرُ، أي: ثابت له في الدنيا بسبب ما فَعَله ذلُّ وهوانٌ، والمراد به عند القائلينَ
بأنَّ هذا المجادِلَ النضرُ أو أبو جهل، ما أصابه يومَ بدر، ومَن عمَّم - وهو
الأَولى - حَمَلَه على ذمِّ المؤمنين إِيَّاه وإفحامِهم له عند البحث وعدم إدلائه بحجّة
أصلًا، أو على هذا مع ما يناله من النكال كالقتل، لكن بالنسبة إلى بعضٍ الأفراد.
﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾﴾ أي: النارَ البالغةَ في الإحراق،
والإضافة على ما قيل مِن إضافةِ المسبَّب إلى السبب، وفسِّر ((الحريقُ)) أيضاً بطبقةٍ
مِن طِباق جهنَّم، وجوّز أن تكون الإضافةُ مِن إضافةِ الموصوف إلى الصفة، والمراد
العذابُ الحريقُ، أي: المحُرِق جدًّا.
وقرأ زيدُ بنُ عليٍّ ◌َهُ: ((وأُذِيْقُه)) بهمزة المتكلِّم (٣).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكرَ مِن ثبوت الخزي له في الدنيا وإذاقةٍ عذاب الحريق في
الأُخرى، وما فيه مِن معنى البعد؛ للإيذانِ بكونه في الغاية القاصية مِن الهول
والفظاعة، وهو مبتدأٌ، خبرُه قولُه تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: بسبب ما اكتسبته
مِن الكفر والمعاصي، وإسناده إلى يديه؛ لما أنَّ الاكتسابَ عادةً يكون بالأيدي،
وجوّز أن يكون ذلك خبراً لمبتدأٍ محذوف، أي: الأمر ذلك، وأن يكون مفعولًا
(١) التيسير ص١٣٤، والنشر ٣٢٥/٢، والبحر المحيط ٣٥٤/٦.
(٢) الإملاء ٢٩/٤.
(٣) تفسير الرازي ١١/٢٣، والبحر المحيط ٣٥٥/٦.

الآية : ١٠
٢٥٧
سُورَةُ الحِجُ
لفعلٍ محذوف، أي: فعلنا ذلك إلخ، وهو خلافُ الظاهر، والجملةُ استئنافٌ
لا محلَّ لها مِن الإعراب، وجوّز أن تكونَ في محلِّ نصب مفعولة لقولٍ محذوفٍ
وقع حالًا، أي: قائلينَ أو مقولًا له ذلك ... إلخ، وعلى الأوَّل يكون في الكلام
التفاتٌ لتأكيدِ الوعيد وتشدیدِ التهدید.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴾﴾ الظاهر أنَّه عطفٌ على ((ما))، وبه قال
بعضُهم، وفائدتُه الدلالةُ على أنَّ سببيَّة ما اقترفوه مِن الذنوب لعذابهم مقيَّدةٌ
بانضمام انتفاءِ ظُلْمِه تعالى إليه، إذ لولاه لأَمكن أن يعذِّبَهم بغير ما اقترفوا، إلا أنْ
لا يعذِّبَهم بما اقترفوا، وحاصله أنَّ تعذيبَ العصاةِ يحتمل أن يكون لذنویھم،
ويحتمل أن يكون لمجرَّد إرادةٍ عذابِهِم مِن غير ذنب، فجيءَ بهذا؛ لرفعِ الاحتمال
الثاني، وتعيين الأوَّل للسبَّية، لا لرفع احتمال أنْ لا يعذِّبَهم بذنوبهم؛ لأنَّه جائز،
بل بعضُ الآياتِ تدلُّ على وقوعِه في حقِّ بعضِ العصاة، ومرجعُ ذلك في الآخرة
إلى تقريعِ الكفرة وتبكيتهم بأنَّه لا سببَ للعذاب إلا مِن قِبَلهم، كأنَّه قيل: إنَّ ذلك
العذابَ إنَّما نَشَأَ مِن ذنوبِكم التي اكتسبتموها لا مِن شيءٍ آخَر.
واختار العلامة أبو السعود(١) أنَّ محلّ ((أنْ)) وما بعدها الرفعُ على الخبريَّة
لمبتدأِ محذوفٍ، أي: والأمر أنَّه تعالى ليس بمعذِّب لعبيدِه مِن غير ذنب مِن قبَلِهم،
والجملة اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّر لمضمون ما قبلها، وقال في العطف: للدلالة على
((أنَّ) سبيّة ... إلخ، أنَّه ليس بسديدٍ؛ لما أنَّ إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبيدِه بغير ذنبٍ،
بل وقوعُه لا ينافي كونَ تعذيبٍ هؤلاء الكفرة المعينة بسببٍ ذُنوبهم حتى يحتاجَ إلى
اعتبار عدمِه معه، نعم لو كان المدَّعى كون جميع تعذيباتِه تعالی بسبب ذنوبٍ
المعذّبین لا حتیجَ إلی ذلك. انتھی.
وتعقِّب قولُه: إنَّ إمكانَ ... إلخ، بأنَّ الكلامَ ليس في منافاة ذينِكَ الأمرَيْن
بحسَب ذاتهما، بل في منافاةِ احتمال التعذيبِ بلا ذنبٍ؛ لتعيُّن سببيَّة الذنوبِ له،
وقوله: نعم لو كان المدَّعى ... إلخ بأنَّ الاحتياجَ إلى ذلك القيد في كلٍّ مِن
الصورتين إنَّما هو لتقريعِ المذنبين بأنَّه لا سببَ لتعذيبِهم إلا مِن قِبَلِهم، فالقولُ
(١) تفسير أبي السعود ٦/ ٩٧.

سُورَةُ الِہ
٢٥٨
الآية : ١١
بالاحتياج في صورةٍ الجميع وبعدمِه في صورة الخصوصيَّة، ركيكٌ جداً، وتعقّب
أيضاً بغيرٍ ذلك، والقولُ بالاعتراض - وإن كان لا يخلو عن بُعْدٍ - أَبعد عن
الاعتراض، والتعبيرُ عن نفي تعذيبه تعالى لعبيدِه مِن غيرِ ذنبٍ بنفي الظُّلْم مع أنَّ
تعذيبَهم بغير ذنب، ليس بظلمٍ على ما تقرَّر مِن قاعدة أهلِ السُّنَّة؛ لبيانٍ كمالٍ نزاهته
تعالى عن ذلك بتصويرِه بصورة ما يستحيلُ صدورُه عنه سبحانه مِن الظُّلْم، وصيغةُ
المبالغة لتأكيدِ هذا المعنى بإبراز ما ذُكر مِن التعذيب بغيرِ ذنب في صورة المبالغة
في الظُّلْم، وقيل: هي لرعاية جمعية العبيدِ فتكون للمبالغة كمَّا لا كيفاً.
واعتُرض بأنَّ نفيَ المبالغة كيفما كانت تُوهِمُ المحالَ، وقيل: يجوز أن تعتبرَ
المبالغةُ بعد النفي فيكون ذلك مبالغةً في النفي لا نفياً للمبالغة.
واعترُض بأنَّ ذلك ليس مثلَ القيد المنفصلِ الذي يجوز اعتبار تأخُّره وتقدُّمه،
كما قالوه في القيود الواقعة مع النفي، وجَعْلُه قَيْداً في التقدير؛ لأنَّه بمعنى ليس
بذي ظلم عظيم أو كثير = تكلّف لا نظير له، وقيل: إنَّ ظلَّاماً للنسبة، أي: ليس
بذي ظُلم، ولا يختصُّ ذلك بصيغةٍ فاعل، فقد جاء:
وليست بذِي رُمْحٍ ولست بنبَّال(١)
وقيل غير ذلك.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ شروع في حالِ المذبذبين، أي: ومنهم مَن
يعبده تعالى كائناً على طَرَفٍ مِن الدين لاثباتَ له فيه، كالذي يكون في طرف
الجيش، فإن أحسَّ بظَفَر قرَّ، وإلا فرَّ، ففي الكلام استعارةٌ تمثيليّة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ إلخ، تفسيرٌ لذلك وبيانٌ لوجه الشَّبَه، والمراد
مِن الخير الخيرُ الدنيويُّ كالرَّخاء والعافية والولد، أي: إن أصابَه ما يشتهي ﴿أَطْمَأَنَّ
بِ﴾ أي: ثبت على ما كانَ عليه ظاهراً لا أنَّه اطمأنَّ به اطمئنانَ المؤمنين الذين
لا يُزَحْزِحُهم عاصفٌ ولا يثنيهم عاطفٌ ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أي: شيءٌ يُفتَن به مِن
(١) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٣٣ هكذا :
وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبَّال

الآية : ١١
٢٥٩
سُورَةُ الحَّةُ
مكروهٍ يَعتريه في نفسِه أو أهلِه أو ماله ﴿أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ﴾ أي: مستولياً على الجهة
التي يُواجِهها غيرَ ملتفتٍ يميناً وشمالاً ، ولا مبالٍ بما يستقبلُه مِن حِرار وجبالٍ،
وهو معنى قوله في ((الكشاف)»(١): طار على وجهِه. وجعله في ((الكشف)) كنايةً عن
الهزيمة، وقيل: هو هاهنا عبارة عن القَلَق؛ لأنَّه في مقابلة ((اطمأنَّ)، وأيًّا ما كان
فالمراد: ارتدَّ ورجعَ عن دينه إلى الكفر.
وأخرج البخاريُّ، وابنُ أبي حاتم، وابنُ مردويه عن ابنِ عبَّاس أنَّه قال في هذه
الآية: كان الرجلُ يَقدَمُ المدينةَ، فإذا ولدت امرأتُه غلاماً ونُتِجَتْ خيلُه، قال: هذا
دِينٌ صالحٌ، وإن لم تَلِدْ امرأتُه ولم تُنِجْ خيلُه، قال: هذا دِينُ سُوءٍ(٢).
وأخرج ابنُ مردويه عن أبي سعيدٍ قال: أَسلم رجلٌ مِن اليهود فذهب بصرُه
ومالُهُ وولدُه، فتشاءَمَ مِن الإسلام، فأتَى النبيَّ نَّه فقال: أَقِلْني. فقال عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّ الإسلامَ لا يُقال)). فقال: لم أُصِبْ مِن ديني هذا خيراً، ذهب بصري
ومالي ومات ولدي. فقال ◌َّ: ((يا يهودي الإسلامُ يَسْبُكُ الرجالَ كما تَسبكُ النارُ
خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفضَّةِ»، فنزلت هذه الآية. وضعَّف هذا ابنُ حجر(٣)،
وقيل: نزلت في شيبةَ بنِ ربيعةَ أَسلم قَبْلَ ظهورِه عليه الصلاةُ والسلامُ وارتدَّ بعد
ظهوره، وروي ذلك عن ابنِ عبَّاس.
وعن الحسن أنَّها نزلت في المنافقين.
(١) ٣ / ٧.
(٢) البخاري (٤٧٤٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٧٦/٨ (١٣٧٩٧)، والدر المنثور ٣٤٦/٤.
(٣) الدر المنثور ٣٤٦/٤، وأورده أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٣١٧، والقرطبي في
تفسيره ٣٢٩/١٤. وضعَّف إسناده ابن حجر في الكافي الشاف ص١١٢ .
وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير ٣٦٨/٣ من حديث جابر ظه، ولم يذكر فيه نزول
الآية، وفي إسناده: عنبسة بن سعيد، قال الحافظ في الكافي الشاف ص١١٢ : وعنبسة
ضعيف جداً.
وأخرج البخاري (٧٣٢٢)، ومسلم (١٨٨٣) عن جابر أن أعرابياً بايع رسولَ اللهِ وَلاه
فأصاب الأعرابيّ وَعْكٌّ بالمدينة، فجاء الأعرابيُّ إلى رسول الله وَّ# فقال: يا رسول الله
أقلني بيعتي. فأبى رسول الله وَّر، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني
بيعتي. فأبى، فخرج الأعرابيُّ، فقال رسول الله وَّه: ((إنَّما المدينة كالكير تنفي خبئها،
وينصح طِیبها)).

سُورَةُ الَّة
٢٦٠
الآية : ١٢
﴿خَِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ، أو بدلٌ مِن ((انْقَلَبَ))، كما قال
أبو الفضل الرازيُّ، أو حالٌ مِن فاعلِه بتقدير ((قد)» أو بدونها، كما هو رأي
أبي حيَّان(١)، والمعنى: فَقَّدَ الدنيا والآخرةَ وضيَّعهما، حيث فاتَه ما يسرُّه فيهما.
وقرأ مجاهدٌ، وحميدٌ، والأعرجُ، وابنُ محيصن مِن طريق الزعفرانيِّ، وقعنب،
والجحدريُّ، وابنُ مقسم: ((خاسر)) بزنة فاعل(٢) منصوباً على الحال؛ لأنَّ إضافته
لفظيَّةٌ، وقُرئَ: ((خاسر)) بالرفع(٣) على أنَّه فاعل: ((انقلب)»، وفيه وضعُ الظاهر
موضعَ المضمَر؛ ليفيدَ تعليلَ انقلابِه بخسرانه، وقيل: إنَّه من التجريد، ففيه مبالغةٌ،
وجوِّز أن يكون خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو خاسر، والجملة واردةٌ على الذمِّ
والشتم.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر مِن الخسران، وما فيه مِن معنى البُعد؛ للإيذان بكونه في
غاية ما يكون. وقيل: إنَّ أداة البُعد؛ لكون المشار إليه غيرَ مذكور صريحاً ﴿هُوَ
اْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾﴾ أي: الواضح كونه خسراناً لا غيرُ.
﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قیل: استئنافٌ ناع علیه بعضَ قبائحه، وقيل: استئناف
مبيِّن لعِظَم الخسرانِ، ويجوز أن يكون حالًا مِن فاعل ((انْقَلَبَ))، وما تقدَّمه
اعتراض، وأيًّا ما كان فهو يُبعِد كونَ الآية في أحدٍ من اليهود؛ لأنَّهم لا يَدْعُونَ
الأصنامَ وإنِ اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً مِن دون اللهِ.
والظاهر أنَّ المدعوَّ الأصنامُ؛ لمكان ((ما)) في قوله تعالى: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا
يَنْفَعُهُ﴾ والمراد بالدعاء العبادةُ، أي: يعبد متجاوزاً عبادةَ الله تعالى مالا يضرُّه إن
لم يَعبده، وما لا ينفعه إذا عَبَده، وجوّز أن يُرادَ بالدعاء النداء، أي: ينادي لأجل
تخليصِه ممَّا أصابه مِن الفتنة جماداً ليس مِن شأنه الضرُّ والنفعُ، ويلوح بكون المرادِ
جماداً كذلك كما في ((إرشاد العقل السليم)» (٤) تكريرُ كلمة ((ما)) ﴿ذَلِكَ﴾ أي:
(١) البحر المحيط ٣٥٥/٦.
(٢) البحر المحيط ٣٥٥/٦، والنشر ٣٢٥/٢، والمحتسب ٧٥/٢.
(٣) البحر المحيط ٣٥٥/٦، والكشاف ٣/ ٧.
(٤) تفسير أبي السعود ٩٨/٦.