النص المفهرس

صفحات 141-160

الآية : ٦٩
١٤١
سُورَةُ الأَنْبِيَّاءِ
ملائكة السماءُ والأرض: إلهنا ما في أرضك أحدٌ يَعبدُك غير إبراهيمَ عليه السلام
وإِنَّه يُحرَق فيكَ، فَأُذَنْ لنا في نصرتِهِ، فقال جلَّ وعلا: إنِ استغاثَ بأحدٍ منكم
فلينصره، وإن لم يَدْعُ غيري، فأنا أعلمُ به وأنا وليّه، فخلُّوا بيني وبينه، فإنَّه خليلي
ليس لي خليلٌ غيره، وأنا إلهُه ليس له إلهٌ غيري، فأتاه خازنُ الرياح وخازنُ المياه
يستأذنانه في إعدام النار، فقال عليه السلام: لا حاجةً لي إليكم حسبيَ اللهُ ونِعْمَ
الوكيل.
وروي عن أبيٍّ بنِ كعب قال: حين أَوثقوهُ لِيُلقُوه في النار قال عليه السلام:
لا إلهَ إلا أنتَ سبحانك، لكَ الحمدُ ولكَ الملْكُ، لا شريكَ لك، ثم رَمَوا به،
فأتاه جبريلُ عليه السلام فقال: يا إبراهيمُ أَلَكَ حاجةٌ؟ قال: أمَّا إليك فلا، قال
جبريل عليه السلام: فاسْأَل ربَّك. فقال: حسبي من سؤالي عِلْمه بحالي.
ويُروى أنَّ الوزغَ كان ينفخُ في النار، وقد جاء ذلك في رواية البخاريِّ(١).
وفي ((البحر))(٢): ذَكَر المفسِّرون أشياءَ صدرت عن الوَزَغْ والبَغْلِ والخُطَّافِ
والضِّفْدِعِ والعَضْرَ فُوط (٣)، والله تعالى أعلمُ بذلك. فلما وصلَ عليه السلام الحظيرةَ
جعلها الله تعالى ببرَكةِ قوله عليه السلام روضةً، وذلك قولُه سبحانه وتعالى: ﴿قُلْنَ
يَنَارُ كُنِي بَرّاً وَسَلَمًا عَلَىَ إَِّهِيمَ ﴾﴾ أي: كوني ذاتَ بَرْدٍ وسلام، أي: ابردي بَرْداً
غيرَ ضارِّ، ولذا قال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه فيما أَخرجه عنه أَحمدُ وغيره: لو لم
يقل سبحانه: ((سلاماً)) لقتَله بَرْدُها (٤).
وفيه مبالغاتٌ: جَعْلُ النارِ المسخّرة لقدرتِه تعالى مأسورة مطاوعة، وإقامة:
كوني ذاتَ بردٍ، مقامَ: ابْرُدي، ثم حَذْف المضافِ وإقامة المضافِ إليه مقامَه.
وقيل: نصب ((سلاماً)) بفعله، أي: وسلَّمنا سلاماً عليه، والجملة عطف على
((قلنا))، وهو خلافُ الظاهر الذي أيَّدته الآثارُ، روي أنَّ الملائكةَ عليهم السلام
(١) برقم (٣٣٥٩).
(٢) ٣٢٨/٦.
(٣) العَضْرِفُوط: هو العِسْودُّ، وهو من العِظَاء، والعَظَاية والعَظاءة: دُويَّة على خلقة سامِّ أَبْرَصَ.
اللسان (عسد) و(عظي).
(٤) الزهد ص١٠١، والعلل ومعرفة الرجال لأحمد (٤٩٦١)، وابن أبي شيبة ٥١٩/١١ -٥٢٠.

سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
١٤٢
الآية : ٦٩
أخذوا بضَبعَي (١) إبراهيم عليه السلام فأقعدوه على الأرض، فإذا عينُ ماءٍ عذبٍ
ووردٌ أحمرُ ونرجس، ولم تحرق النارُ إلَّا وَثاقَه(٢)، كما روي عن كعب.
وروي أنَّه عليه السلام مكثَ فيها أربعين يوماً أو خمسين يوماً، وقال عليه
السلام: ما كنتُ أطيبَ عيشاً منيٌّ إذ كنتُ فيها. قال ابن إسحاق: وبعث اللهُ تعالى
مَلَكَ الظُّلِّ في صورة إبراهيمَ عليهما السلام يُؤنِسه، قالوا: وبعث اللهُ عزَّ وجلَّ
جبريل عليه السلام بقميصٍ من حريرِ الجنَّة وطَنْفَسةٍ (٣)، فألبسه القميصَ وأَقعده على
الطَّنْفِسَة، وقعد معه يحدِّثه، وقال جبريل عليه السلام: يا إبراهيمُ إنَّ ربَّك يقول:
أَمَا علمتَ أنَّ النارَ لا تضرُّ أحبابي، ثم أشرف نمروذُ ونَظَرَ من صَرْحٍ له، فرآه
جالساً في روضةٍ، والمَلَكُ قاعدٌ إلى جنبِهِ والنارُ محيطٌ به، فنادى: يا إبراهيمٌ كبيرٌ
إلهُكَ الذي بَلَغت قدرته أنْ حالَ بينك وبين ما أرى، يا إبراهيم هل تستطيعُ أن
تخرجَ منها؟ قال إبراهيم عليه السلام: نعم. قال: هل تخشى إن نمتَ فيها أن
تضرَّك؟ قال: لا. قال: فقم فاخرُج منها. فقام عليه السلام يمشي فيها حتى خرجَ
منها، فاستقبله نمروذُ وعظّمه، وقال له: يا إبراهيمُ مَن الرجلُ الذي رأيته معكَ في
صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذلك مَلَكُ الظُّلِّ أَرسله إليَّ ربِّي ليؤنسني فيها .
فقال: يا إبراهيمُ إنِّي مقرِّب إلى إلهِكَ قرباناً لما رأيت من قدرته وعزَّته فيما صنعَ
بكَ حين أَبَيْتَ إلا عبادتَه وتوحيدَه، إنِّي ذابحٌ له أربعةَ آلافٍ بقرةٍ. فقال له إبراهيمُ
عليه السلام: إنَّه لا يقبلُ اللهُ تعالى منكَ ما كنتَ على دينِك حتى تفارقَه وترجعَ إلى
ديني. فقال: لا أستطيعُ تَرْكَ مِلْكي، ولكن سوف أَذبحها له، فذبحها وكفَّ عن
إبراهيم عليه السلام. وكان إبراهيم عليه السلام إذ ذاك ابنَ ستَّ عشرةً سنةً.
وفي بعض الآثار أنَّهم لما رَأَوه عليه السلام لم يحترق، قالوا: إنَّه سَحَرَ النارَ.
فرمَوا فيها شيخاً منهم فاحترق.
وفي بعضها أنَّهم لما رَأَوه عليه السلام سالماً لم يُحرَق منه غير وَثاقه، قال
(١) الضَّبْع: الَعَضُد كلها وأوسطها بلحمها، أو الإبط، أو ما بين الإبط إلى نصف العضد من
أعلاه. القاموس (ضبع).
(٢) الوَثاق: ما يشدُّ به. القاموس (وثق).
(٣) الطَّنفسة: واحدة الطنافس للبُسُط والثياب. القاموس (طنفس).

الآية : ٦٩
١٤٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
هاران أبو لوط عليه السلام: إنَّ النارَ لا تُحرِقه؛ لأنَّه سحرَها، لكنِ اجعلوه على
شيءٍ وأَوقدوا تحته، فإنَّ الدخانَ يقتله، فجعلوه فوقَ تِبْنِ وأَوقدوا تحتَه، فطارت
شرارةٌ إلى لحيةِ هاران فأحرقته.
وأخرج عبدُ بنُ حميد عن سليمان بن صُرَد، وكان قَد أدركَ النبيَّ وَلِّ: إنَّ
أبا لوطِ قال - وكان عمَّه -: إنَّ النارَ لم تُحرقه من أجل قرابته منيٍّ. فأرسلَ اللهُ
تعالى عُنُقاً من النار فأحرقه(١) .
والأخبارُ في هذه القصةِ كثيرة لكن قال في ((البحر))(٢): قد أَكثرَ الناسُ في
حكاية ماجرى لإبراهيم عليه السلام، والذي صحَّ هو ما ذكره تعالى من أنَّه عليه
السلام أُلقي في النار، فجعلها الله تعالى عليه عليه السلام برداً وسلاماً.
ثم الظاهر أنَّ الهَ تعالى هو القائلُ لها: ((كوني برداً) إلخ، وأنَّ هناك قولًا
حقيقةً. وقيل: القائل جبرائيلُ عليه السلام بأمره سبحانه. وقيل: قول ذلك مجازٌ
عن جَعْلها باردةً، والظاهر أيضاً أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سَلَبها خاصَّتها من الحرارة
والإحراق، وأَبقى فيها الإضاءةَ والإشراق. وقيل: إنَّها انقلبت هواءً طيِّباً، وهو
على هذه الهيئة من أعظم الخوارق. وقيل: كانت على حالِها، لكنَّه سبحانه - جلَّت
قدرته - دَفَعَ أذاها كما تَرى في السمندل(٣) كما يُشعِر به قولُه تعالى: ((على
إبراهيم)»، وذلك لأنَّ ما ذُكر خلافُ المعتاد فيختصُّ بمَن خُصَّ به، ويبقى بالنسبة
إلى غيرِه على الأصل، لا نظراً إلى مفهوم اللقب، إذ الأكثرون على عدم اعتباره،
وفي بعضٍ الآثار السابقة ما يؤيِّده.
(١) الدر المنثور ٣٢٢/٤، وأخرجه أيضاً الطبري في التفسير ٥٧٧/١٩، وفيه أن القائل: ابن
لوط، أو: ابن أخي لوط، وأورده القرطبي في التفسير ٦٠/١٨، وفيه أن القائل: أبو لوط،
وكان ابن عمه، وينظر ما سيأتي قريباً.
(٢) ٣٢٨/٦ .
(٣) في الأصل و(م): السمندر، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧٧/٦. قال الدميري في حياة
الحيوان ٣٣/٢-٣٤: السَّمَنْدل: طائر يأكل البيش وهو نبت بأرض الصين، ومن عجيب أمر
السمندل استلذاذه بالنار ومكثه فيها .... وزعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض
ويفرخ في النار، وهو بالخاصية لا تؤثر فيه النار.
وقال عن السمندر: دابَّة معروفة عند أهل الهند والصين.

سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ
١٤٤
الآية : ٦٩
وأيًّا ما كان فهو آيةٌ عظيمةٌ وقد يقع نظيرُها لبعضٍ صلحاء الأمَّة المحمَّديَّة؛
كرامةً لهم لمتابعتهم النبيَّ الحبيبَ وَّه وما يُشاهد من وقوعِه لبعض المنتسبينَ إلى
حضرة الوليِّ الكامل الشيخ أحمدَ الرفاعيّ - قُدِّسَ سرُّه - من الفَسَقةِ الذين كادوا
يكونون لكثرةٍ فِسْقِهم كفَّاراً، فقيل: إنَّه بابٌ من السحر المختَلَف في كفر فاعلِه
وقَتْلِه، فإنَّ لهم أسماءً مجهولة المعنى يتلونها عند دخولِ النار والضربِ بالسلاح،
ولا يبعُدَ أن تكون كفراً وإن كان معها ما لا كفرَ فيه، وقد ذكر بعضُهم أنَّهم يقولون
عند ذلك: تلسف تلسف، هيف هيف، أعوذُ بكلمات الله تعالى التامَّة من شرِّ
ما خلقَ، أقسمتُ عليكِ يا أيَّتها النار، أو: أيُّها السلاح، بحقِّ حي حلي ونور
سجي(١) ومحمَّدٍ وٍَّ أن لا تضرِّي أو: لا تضرِّي غلامَ الطريقة، ولم يكن ذلك في
زمن الشيخ الرفاعيِّ قُدِّسَ سرُّه العزيز، فقد كان أكثرَ الناس اتِّباعاً للسنة وأشدَّهم
تجنُّباً عن مظانِّ البدعة، وكان أصحابُه سالكينَ مسلكه متشبِّئين بذيلِ اتِّباعه - قُدِّسَ
سرُّه - ثم طرأ على بعضٍ المنتسبين إليه ما طرأ.
قال في ((العبر)) (٢): قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ - قُدِّسَ سرُّه - وتجدَّدت
لهم أحوالٌ شيطانيَّة منذ أخذتِ التاتار العراقَ، من دخولِ النيران، وركوبِ السباع،
واللعب بالحيَّات، وهذا لا يعرفُه الشيخُ ولا صلحاءُ أصحابِهِ، فنعوذُ بالله تعالى من
الشيطان الرجيم. انتهى.
والحقُّ أنَّ قراءةَ شيءٍ ما عندهم ليست شرطاً؛ لعدم التأثَّر بالدخول في النار
ونحوه، فكثير منهم من ينادي إذا أُوقدت له النار، وضُربت الدفوفُ: يا شيخ
أحمد، يا رفاعي، أو: يا شيخ فلان، لشيخٍ أَخَذَ منه الطريقَ ويدخل النارَ
ولا يتأثَّر مِن دون تلاوةِ شيء أصلًا، والأكثر منّهم إذا قرأ الأسماءَ على النار ولم
تُضرَب له الدفوفُ، ولم يحصل له تغيُّر حالٍ، لم يقدر على مسِّ جمرة، وقد يتّفق
أن يقرأَ أحدُهم الأسماءَ وتُضرَب له الدفوفُ وينادي من ينادي من المشايخ،
فيدخل ويتأثَّر.
والحاصل أنَّا لم نَرَ لهم قاعدةً مضبوطة بَيْدَ أنَّ الأغلبَ أنَّهم إذا ضُربت لهم
(١) في (م): سبحي.
(٢) العبر في خبر من غبر للذهبي ٢٣٣/٤.

الآية : ٧٠
١٤٥
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
الدفوفُ واستغاثوا بمشايخهم وعَرْبدوا(١)، يفعلونَ ما يفعلونَ ولا يتأَّرون، وقد
رأيتُ منهم من يأخذ زِقَّ الخمرِ ويستغيث بمَن يستغيث، ويدخل تنوراً كبيراً تَضْطرم
فيه النارُ فيقعد في النار فيشربُ الخمر ويَبقى حتى تخمدَ النار، فيخرج ولم يَحترِق
من ثيابِه أو جسده شيءٌ.
وأقربُ ما يقال في مثلٍ ذلك: إنَّه استدراجٌ وابتلاءٌ، وأمَّا أن يقال: إنَّ اللهَ عزَّ
وجلَّ أَكَرمَ حضرةَ الشيخِ أحمدَ الرفاعي - قُدِّس سرُّه - بعدم تأثّر المنتسبينَ إليه
كيفما كانوا بالنار ونحوهاً مِن السلاحِ وغيره إذا هتفوا باسمِه أو اسمٍ منتسبٍ إليه في
بعض الأحوال، فبعيدٌ، بل كأنِّي بَكَ تقول بعدم جوازِه، وقد يتَّفَق ذلك لبعض
المؤمنين في بعض الأحوال إعانةً له، وقد يأخذ بعضُ الناس النارَ بيدِه ولا يتأثَّر
لأجزاء يَظْلي بها يدَه من خاصِّيتها عدمُ إضرارِ النارِ للجسد إذا طُليَ بها، فيُوهِم
فاعلُ ذلك أنَّه كرامةٌ .
هذا واستدلَّ بالآية مَن قال: إنَّ الله تعالى أَودعَ في كلِّ شيءٍ خاصَّةً
حسبما اقتضته حكمتُه سبحانه، فليس الفَرْقُ بين الماء والنار مثلًا بمجرَّد أنَّه جرت
عادةُ الله تعالى بأن يَخلُق الإحراقَ ونحوه عند النارِ، والرِّيَّ ونحوه عند الماء، بل
أَودع في هذا خاصَّةَ الرِّيِّ مثلًا، وفي تلك خاصةً الإحراقِ مثلًا، لكن لا تَحرِق هذه
ولا يَروي ذاك إلا بإذنه عزَّ وجلَّ، فإنَّه لو لم يكن أَودعَ في النار الحرارةَ والإحراق
ما قالَ لها ما قال. ولا قائل بالفَرْق، فتأمَّل.
﴿وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا﴾ مكراً عظيماً في الإضرار به ومغلوبيتِه ﴿فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ
٧٠
أي: أخسرَ مِن كلِّ خاسرٍ، حيث عاد سعيُهم في إطفاء نورِ الحقِّ - قولًا وفعلًا - برهاناً
قاطعاً على أنَّه عليه السلام على الحقِّ وهم على الباطل، وموجباً لارتفاع درجته
عليه السلام واستحقاقِهم لأشدِّ العذاب.
وقيل: جعلهم الأخسرينَ من حيث إنَّه سبحانه سلَّط عليهم ما هو مِن أحقرٍ خَلْقه
وأضعفِه هو البعوضُ يأكل مِن لحومهم ويشربُ مِن دمائهم، وسلَّط على نمروذَ بعوضةً
أيضاً، فبقيت تؤذيه إلى أن ماتَ لعنه اللهُ تعالى. والمعوَّل عليه التفسيرُ الأول.
(١) العَرْبَدة: سوءُ الخُلُق، والمُعَربِد: مؤذي نديمَه في سُكْره. القاموس (عربد).

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٤٦
الآية : ٧١
﴿وَنَجَتْنَهُ وَلُوطًا﴾، وهو على ما تقدَّم ابنُ عمه، وقيل: هو ابنُ أخيه، وروي
((١)
ذلك في ((المستدرك)) عن ابنِ عباس ﴾
وقد ضمِّن ((نجَّيناه)) معنى: أخرجناه، فلذا عُدِّي بـ ((إلى)) في قوله سبحانه: ﴿إِلَى
اْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ وقيل: هي متعلّقة بمحذوف وقع حالًا، أي:
منتهياً إلى الأرض، فلا تضمينَ، والمراد بهذه الأرض أرضُ الشام، وقيل: أرضُ
مَّة، وقيل: مصرَ، والصحيحُ الأوَّل.
ووصفها بعمومِ البركة؛ لأنَّ أكثرَ الأنبياءِ عليهم السلام بُعِثُوا فيها وانتشرت في
العالمَ شرائعُهم التي هي مبادئ الكمالات والخيرات الدينيَّة والدنيويَّة، ولم يقل:
التي باركناها، للمبالغة بجعلها محيطةً بالبركة.
وقيل: المراد بالبركات النِّعَم الدنيويَّة مِن الخِصْب وغيرِهِ، والأوَّل أظهرُ
وأنسبُ بحال الأنبياء عليهم السلام.
روي أنَّه عليه السلام خرج من العراقِ ومعه لوظٌ وسارةُ بنتُ عمِّه هارانَ
الأكبرِ، وقد كانا مؤمنَين به عليه السلام، يلتمس الفرارَ بدينه، فنزل حرَّانَ فمكثَ
بها ما شاء الله تعالى.
وزعم بعضهم أنَّ سارةَ بنت مَلِكِ حرَّانَ تزوَّجها عليه السلام هناك وشَرَط أبوها
أَنْ لا يغيِّرها عن دينِها. والصحيحُ الأوَّل، ثم قدمَ مصرَ ثم خرج منها إلى الشام،
فنزل السَّبْعَ من أرضٍ فلسطين، ونزل لوظٌ بالمؤتفكةِ على مسيرةٍ يومٍ وليلةٍ من السَّبْعِ
أو أقرب.
وفي الآية مِن مَدْحِ الشام ما فيها، وفي الحديث: ((ستكونُ هجرةٌ بعد هجرةٍ،
فخيارُ أهلِ الأرض أَلزمُهم مُهاجَرَ إبراهيمَ)). أخرجه أبو داود(٢).
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((طوبى لأهلِ الشام)). فقلتُ:
وما ذاكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((لأنَّ الملائكةَ عليهم السلام باسطةٌ أَجنحتَها عليها))
(١) الدر المنثور ٣٢٣/٤، ومستدرك الحاكم ٥٦١/٢، وقال: هذا إسناد صحيح.
(٢) أبو داود (٢٤٨٢)، وهو عند أحمد (٦٩٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو
٠

الآية : ٧٢، ٧٣
١٤٧
سُورَةُ الإنْسَاءِ
أخرجه الترمذيُّ عن بهزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه(١).
وأما العراقُ فقد ذَكَر الغزاليُّ - عليه الرحمة - في باب المحبةِ (٢) من ((الإحياء))
اتفاقَ جماعةٍ من العلماء على ذمِّه وكراهةٍ سُكْناه واستحبابِ الفرار منه. لعلَّ وجهَ
ذلك غنيُّ عن البيان فلا نُتْعِب(٣) فيه البَنَان.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ أي: عطيّةً، كما روي عن مجاهد، وعطاء،
مِن نَفَله بمعنى: أَعطاه، وهو على ما اختاره أبو حيَّان (٤) مصدرٌ كالعاقبة والعافية،
منصوبٌ بـ ((وهبنا)) على حدٍّ: قعدتُ جلوساً، واختارَ جمعٌ كونَه حالًا مِن («إسحاق
ويعقوب)) أو: ولد ولدٍ، أو زيادةً على ما سأل عليه السلام، وهو إسحاق فيكون
حالًا من (يعقوب))، ولا لُبْسَ فيه؛ للقرينة الظاهرة.
﴿وَكُلٌُّ﴾ من المذكورين، وهم: إبراهيم، ولوط، وإسحاق، ويعقوب، عليهم
السلام لا بعضهم دون بعضٍ ﴿جَعَلْنَا صَلِحِينَ ﴾﴾ بأن وفَّقناهم للصلاح في
الدين والدنيا، فصاروا كاملينَ ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِنَّةً﴾ يُقتدَى بهم في أمور الدين
﴿يَهْدُونَ﴾ أي: الأمَّةَ إلى الحقِّ ﴿يأَمْرِنَا﴾ لهم بذلك، وإرسالنا إيَّاهم حتى
صاروا مكمَّلين.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾ ليتمَّ الكمالُ بانضمامِ العمل إلى العِلْم، وأصله
على ما ذهب إليه الزمخشريُّ(٥) ومَن تابعه أن تُفعَل الخيرَاتُ ببناءِ الفعل لما لم يسمَّ
فاعلُه، ورفعُ ((الخيرات)) على النيابة عن الفاعل، ثم فِعلًا الخيراتُ بتنوينِ المصدر،
ورفع ((الخيرات)) أيضاً على أنَّه نائبُ الفاعل لمصدر المجهول، ثمَّ فِعْلَ الخيراتِ
بحذفِ التنوين وإضافةِ المصدر لمعمولِهِ القائم مقامَ فاعله، والدَّاعي لذلك كما قيل
أنَّ ((فِعْلَ الخيراتِ)) بالمعنى المصدريِّ ليس موحِّى، إنَّما الموحى أن تُفْعَل، ومصدر
(١) سنن الترمذي (٣٩٥٤) من حديث زيد بن ثابت، وكذا عزاه السخاوي في المقاصد الحسنة
ص٣٩٩، ولم نقف عليه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه. وسلف عند تفسير
الآية (١٣٧) من سورة الأعراف.
(٢) في الأصل و(م): المحنة، والمثبت من إحياء علوم الدين للغزالي ٤/ ٣٥٤.
(٣) في (م): ننقب.
(٤) البحر المحيط ٣٢٩/٦.
(٥) الكشاف ٥٧٩/٢ .

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٤٨
الآية : ٧٣
المبنيِّ للمفعول، والحاصل بالمصدر كالمترادفين، وأيضاً الوحيُّ عامٌّ للأنبياء
المذكورين عليهم السلام وأُممِهم، فلذا بُنيَ للمجهول.
وتَعقَّب ذلك أبو حيَّان(١) بأنَّ بناءَ المصدرِ لما لم يُسَمَّ فاعلُه مختلفٌ فيه،
فأجاز ذلك الأخفشُ، والصحيح منعُه، وما ذُكر مِن عموم الوحي لا يُوجِب ذلك
هنا، إذ يجوز أن يكون المصدرُ مبنيًّا للفاعل، ومضافاً مِن حيث المعنى إلى ظاهر
محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرَهم، أي: فعل المكلّفين الخيراتِ، ويجوز أن
يكون مضافاً إلى الموحى إليهم، أي: أن يفعلوا الخيراتِ، وإذا كانوا قد أُوحِي
إلیهم ذلك فأَتباعُهم جارونَ مَجْراهم في ذلك، ولا يلزم اختصاصهم به. انتهى.
وانتصر للزمخشريِّ بأنَّ ما ذكره بيانٌ لأَمْر مقرَّر في النحو، والدَّاعي إليه أمران،
ثانيهما ما ذُكر من عموم الموحى الذي اعتُرض عليه، والأوَّل سالم عن
الاعتراض، ذكر أكثر ذلك الخفاجيُّ(٢)، ثم قال: الظاهر أنَّ المصدرَ هنا للأمر
كضَرْبِ الرقاب، وحينئذٍ فالظاهر أنَّ الخطابَ للأنبياء عليهم السلام فيكون الموحى
قولُ الله تعالى: افعلوا الخيراتِ، وكان ذلك؛ لأنَّ الوحيّ مما فيه معنى القول
كما قالوا، فيتعلَّق به لا بالفعل، إلا أنَّه قيل: يرد عليه ما أُشير أوَّلًا إليه مِن أنَّ
ما ذُكر ليس مِن الأحكام المختصَّة بالأنبياء عليهم السلام، ولا يخفى أنَّ الأمرَ فيه
سهلٌ، وجوِّز أن يكون المرادُ شَرَعْنا لهم فِعْلَ ذلك بالإيحاء إليهم، فتأمَّل.
والكلام في قوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةٌ﴾ على هذا الظَّرْزِ،
وهو كما قال غيرُ واحد مِن عطفِ الخاصِّ على العامّ؛ دلالةً على فَضْله وإنافته.
وأصل ((إقام)): إقْوَام، فقلبت واوه ألفاً بعد نَقْلِ حركتِها لما قبلها، وحَذْفٍ
إحدى أَلِفَيْه؛ لالتقاء الساكنين، والأكثر تعويضُ التاءِ عنها، فيقال: إقامة، وقد
تُترَك التاءُ إمَّا مطلقاً، كما ذهب إليه سيبويه(٣) والسماعُ يَشهدُ له، وإمَّا بشرط
الإضافة ليكون المضافُ سادًّا مسدّها كما ذهب إليه الفرَّاء(٤)، وهو كما قال
(١) البحر المحيط ٣٢٩/٦.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ٢٦٤.
(٣) الكتاب ٢٤٤/٢-٢٤٥.
(٤) معاني القرآن ٢٠٧/٢.

الآية : ٧٤
١٤٩
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
أبو حيَّان(١): مذهبٌ مرجوح، والذي حسَّن الحذفَ هنا المشاكلةُ، والآيةُ ظاهرة
في أنَّه كان في الأمم السالفة صلاةٌ وزكاة وهو ممَّا تضافرت عليه النصوصُ إلَّا
أنَّهما ليسا كالصلاة والزكاة المفروضَتَيْن على هذه الأمَّة المحمَّدية على نبيِّها
أفضلُ الصلاة وأكملُ التحية.
﴿وَكَانُوْ لَنَا﴾ خاصَّة دون غيرنا ﴿عَبِدِينَ ﴾﴾ لا يَخطُر ببالهم غير عبادتِنا،
كأَنَّه تعالى أشار بذلك إلى أنَّهم وقّوا بعهد العبوديَّة بعد أن أشار إلى أنَّه سبحانه
وفَی لهم بعهد الربوبية.
﴿وَلُوطًا﴾ قيل: هو منصوبٌ بمضمَر يفسِّره قوله تعالى: ﴿ءَانَيْنَهُ﴾ أي: وآتينا
لوطاً آتيناه، والجملة عطف على ((وهبنا له)) جَمَعَ سبحانه إبراهيمَ ولوطاً في قوله
تعالى: ((ونجيناه ولوطاً) ثم بيَّن ما أَنعم به على كلٍّ منهما بالخصوص، وما وقع في
البين بيانٌ على وجه العموم.
والطبرسيُّ(٢) جعَل المرادَ من قوله تعالى: ((وكُلَّا)) إلخ أي: كلَّا من إبراهيمَ
وولدَيْه إسحاق ويعقوب، جعلنا ... إلخ، فلا اندراجَ للوطِ عليه السلام هناك،
وله وجه، وأمَّا كون المراد: وكلَّا مِن إسحاق ويعقوبَ، فلا وجهَ له، ويحتاج
إلى تكليف توجيهِ الجَمْع فيما بعدَه، وقيل ما ذكر مقدَّرًا، وجملة: ((آتيناه»
مستأنفٌ.
﴿حُكْمًا﴾ أي: حكمة، والمراد بها ما يجب فِعْلُه، أو نبؤَّةً، فإنَّ النبيَّ حاكمٌ
على أمَّته، أو الفصلَ بين الخصوم في القضاء، وقيل: حِفْظُ صُحُفِ إبراهيمَ عليه
السلام، وفيه بُعْدٌ.
﴿وَعِلْمًا﴾ بما ينبغي عِلْمِه للأنبياء عليهم السلام ﴿وَنَّنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتْ
تَعْمَلُ الْخَبَِّثَ﴾ قيل: أي: اللواطة، والجمع باعتبار تعدُّد المواد. وقيل: المراد
الأعمالُ الخبيثةُ مطلقاً إلَّا أنَّ أشنعَها اللواطةُ، فقد أخرج إسحاقُ بنُ بشر،
والخطيبُ، وابنُ عساكر، عن الحسن قال: قال رسول الله وَّهِ: ((عشرُ خصالٍ
(١) البحر المحيط ٣٢٩/٦.
(٢) مجمع البيان ١٧/ ٤٤ .

سُؤَدَّةُ الأَنْبِيَاءِ
١٥٠
الآية : ٧٥
عَمِلَتها قومُ لوطِ بها أُهلِكوا: إتيانُ الرجال بعضِهم بعضاً، ورميُهم بالجُلامِقِ(١)،
والخَذْفِ(٢)، ولعبُهم بالحَمام، وضربُ الدفوف، وشربُ الخمور، وقصُّ اللحيةِ،
وطولُ الشارب، والصَّفْر والتصفيقُ، ولباسُ الحرير، وتَزِيدُها أمَّتي بخلَّة: إتيانُ
النساءِ بعضِهنَّ بعضاً))(٣).
وأسند ذلك إلى القرية على حذفِ المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامُه، فالنعت
سببيٌّ نحو: جاءني رجلٌ زنى غلامُه، ولو جعل الإسناد مجازيًّا بدون تقديرٍ، أو
القريةَ مجازاً عن أهلها، جاز.
واسمُ القرية: سَدُوم، وقيل: كانت قراهم سبعاً، فعبّر عنها ببعضها؛ لأنَّها
أشهرُها. وفي ((البحر)) (٤): إنَّه عبَّر عنها بالواحدة؛ لاتفاقِ أهلِها على الفاحشة.
ويُروى أنَّها كلَّها قُلَبَت إلا زُغَر؛ لأنَّها كانت محلَّ مَن آمن بلوط عليه السلام،
والمشهور قَلْبُ الجميع.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ ﴾﴾ أي: خارجينَ عن الطاعة غير منقادينَ
للوطِ عليه السلام، والجملة تعليلٌ لـ ((تعمل الخبائث))، وقيل: لـ («نجِّيناه))، وهو
كما ترى.
﴿وَأَدْخَلَْهُ فِي رَحْمَتِنَاً﴾ أي: في أهل رحمتِنا، أي: جعلناه في جملتهم
وعِدادهم، فالظرفيَّة مجازيَّة أو: في جنَِّنا، فالظرفيَّة حقيقيّة، والرحمة مجازٌ كما في
حديثِ الصحيحين: ((قال الله عزَّ وجلَّ للجنة: أنتِ رحمتي أَرْحَمُ بكِ مَن أَشاء مِن
(١) فوقها في الأصل: أي: البيادق. اهـ منه. والجُلاهق: البُنْدق الذي يرمى به. القاموس
(جلھق).
(٢) في الأصل: والحذف. والخذف: رَمْيُك بحصاة أو نواة أو نحوهما، تأخذه بين سبَّبتيك
تحذف به أو بمحذفة من خشب. القاموس (خذف).
(٣) الدر المنثور ٣٢٤/٤، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٣٢٢/٥٠، وإسحاق بن بشر لعلَّه:
إسحاق بن بشر بن محمد بن عبد الله الهاشمي أبو حذيفة البخاري، مؤرِّخ، اشتغل بالحديث
فوصم بالكذب، له كتاب: المبتدأ، صنَّفه في بدء الخَلْق، وكتاب في الفتوح. تاريخ بغداد
٣٢٤/٦-٣٢٦، والأعلام ٢٩٤/١، والخبر أورده الألباني في السلسلة الضعيفة (١٢٣٣)
وقال عنه: موضوع. وينظر تتمة كلامه.
(٤) ٣٢٩/٦.

الآية : ٧٦
١٥١
سُورَةُ الإنْبِسَاءِ
عبادي)) (١)، ويجوز أن تكونَ الرحمةُ مجازاً عن النبوّة، وتكون الظرفيَّة مجازيَّةً
أيضاً، فتأمَّل.
، الذين سبقت لهم منَّا الحسنى، والجملة تعليلٌ لما قبلها .
﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّلِينَ
﴿وَنُوحًا﴾ أي: واذكُر نوحاً، أي: نَبَأَه عليه السلام، وزعم ابنُ عطيَّة(٢) أنَّ
((نوحاً)) عطف على ((لوطاً)) المفعول لـ ((آتينا))، على معنى: وآتينا نوحاً، ولم يَستبعد
ذلك أبو حيَّان(٣)، وليس بشيء.
قيل: ولما ذكّر سبحانه قصَّة إبراهيم عليه السلام وهو أبو العرب، أردفَها - جلَّ
شأنه - بقصَّة أبي البَشَر، وهو الأبُ الثاني كما أنَّ آدَمَ عليه السلام الأَبُ الأوَّل؛ بناءً
على المشهور مِن أنَّ جميعَ الناس الباقين بعد الطُّوفان من ذرِّيَّته عليه السلام، وهو:
ابنُ لَمْك ابنِ مَتُّوْشَلِخ بنِ أخَنُوْخ وهو إدريس فيما يقال، وهو أَطولُ الأنبياء عليهم
السلام على ما في ((التهذيب)» (٤) عُمُراً، وذكر الحاكم في ((المستدرك)) أنَّ اسمَه:
عبدُ الغفَّار، وأنَّه قيل له: نوح؛ لكثرة بكائِه على نفسِه (٥). وقال الجواليقيُّ(٦): إنَّ
لفظَ نوحِ أعجمِيٌّ معرَّب. زاد الكرمانيُّ: ومعناه بالسريانية: الساكن.
﴿إِذْ نَادَى﴾ أي: دعا اللهَ تعالى بقوله: ﴿أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقوله:
﴿رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، و((إذ)) ظرف للمضاف المقدَّر،
کما أشرنا إليه، ومن لم يقدِّر يجعله بدلَ اشتمالٍ من نوح.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: مِن قبل هؤلاء المذكورين، وذكرنا قَبْلُ قولًا آخَر.
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءَه ﴿فَنَجَّيْنَنُهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ وهو
الطوفان، أو أذيَّة قومِه، وأصل الكَرْبِ: الغَمُّ الشديدُ، وكأنَّه ـ على ما قيل - من
كَرْبِ الأرض، وهو قَلْبُها بالحَفْرِ، إذِ الغَمُّ يثيرُ النفسَ إثارة ذلك، أو مِن: كربتٍ
(١) البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)، وهو عند أحمد (٨١٦٤) من حديث أبي هريرة بعض ◌ُه.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ٩٠.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٣٣٠.
(٤) تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ١٣٤.
(٥) لم نقف عليه في مطبوع المستدرك.
(٦) في المعرَّب ص٣٧٨.

سُورَةُ الأَنْيَاءِ
١٥٢
الآية : ٧٧ ، ٧٨
الشمسُ: إذا دَنَتْ للمغيبِ، فإنَّ الغمَّ الشديدَ تكَاد شمسُ الروح تَغرُب منه، أو مِن
الكرب، وهو عِقْدٌ غليظ في رشاءِ الدلو، فإنَّ الغمَّ كعقدةٍ على القلب، وفي وَصْفِه
بالعظيم تأكيدٌ لما يدلُّ هو عليه.
﴿وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَأْ﴾ أي: منعناه وحميناهُ منهم بإهلاكهم
وتخليصِه، وقيل: أي: نصرناه عليهم فـ ((من)) بمعنى ((على))، وقال بعضُهم: إنَّ
النصرَ يتعدَّى بـ ((على)) و((من))، ففي ((الأساس)): نصره اللهُ تعالى على عدوّه، ونصره
مِن عدوّه(١). وفرّق بينهما بأنَّ المتعدِّي بـ ((على)) يدلُّ على مجرَّدِ الإعانة، والمتعدِّي
بـ ((من)) يدلُّ على استتباع ذلك؛ للانتقام من العدوِّ والانتصار.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوَّمَ سَوْءٍ﴾ منهمكين في الشَّرِّ، والجملة تعليلٌ لما قبلها، وتمهيدٌ
لما بَعْدُ مِن قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ فإنَّ تكذيبَ الحقِّ والانهماكَ في
الشَّرِّ ممَّا يترتَّب عليه الإهلاكُ قطعاً في الأمم السابقة.
ونصب ((أجمعين)) قيل على الحاليَّة مِن الضمير المنصوب، وهو كما ترى،
وقال أبو حيَّان(٢): على أنَّه تأكيدٌ له، وقد كثر التأكيدُ بـ ((أجمعين)) غيرَ تابع لـ ((كلّ))
في القرآن، فكان ذلك حجّة على ابنِ مالكٍ(٣) في زعمِه أنَّ التأكيدَ به كذلك قليل،
والكثير استعماله تابعاً لـ ((كلّ)). انتهى.
﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ﴾ إمَّا عطف على ((نوحاً)) معمولٌ لعاملِه، أعني: اذكر عليه،
على ما زعم ابنُ عطيّة(٤)، وإمّا مفعول لمضمَر معطوف على ذلك العاملِ بتقدير
المضاف، أي: نَباً داود وسليمانَ.
وداود: ابنُ إيشا بن عُؤْبر بن باعر بن سلمون بن يخيثون(6) بن عمي بن
يارب بن حضرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام.
(١) أساس البلاغة للزمخشري (نصر).
(٢) البحر المحيط ٣٣٠/٦.
(٣) ينظر التسهيل ص ١٦٥ - ١٦٦ .
(٤) المحرر الوجيز ٤ / ٩٠.
(٥) في (م): ((يخشون)).

الآية : ٧٨
١٥٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
كان - كما روي عن كعب ـ أحمرَ الوجهِ، سبطَ الرأس، أبيضَ الجسم، طويل
اللحيةِ، فيها جعودةٌ، حسنَ الصوتِ، وجمع له بين النبوّة والمِلْك، ونقل النوويُّ(١)
عن أهلِ التاريخ أنَّه عاش مئةً سنةٍ، ومدَّة مِلْكه منها أربعون، وكان له اثنا عشر
ابناً، وسليمان عليه السلام أحد أبنائه، وكان عليه السلام يُشاوَر في كثير مِن أمورِه
مع صِغَر سنِّه، لوفورٍ عقلِهِ وعِلْمه.
وذكر كعبٌّ أنَّه كان أبيضَ جسيماً وسيماً وضيئاً خاشعاً متواضعاً، ومَلَكَ - كما قال
المؤرخّون - وهو ابنُ ثلاثَ عشرة سنةً، ومات وله ثلاثٌ وخمسونَ سنةً.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانٍ﴾ ظرفٌ لذلك المقدَّر، وجوِّزت البدليَّة على طَرْزِ
ما مرَّ، والمراد إذا حكما ﴿فِي الْخَرَّثِ﴾ إلَّا أنَّه جِيْءَ بصيغة المضارع حكايةً للحال
الماضية، لاستحضار صورتها، والمراد بالحرث هنا الزرعُ.
وأخرج جماعةٌ عن ابنِ مسعودٍ رَظُبهِ أنَّه الكَرْمُ. وقيل: إنَّه يقال فيهما، إلا أنَّه
في الزرع أكثرُ. وقال الخفاجيّ(٢): لعلَّه بمعنى الكرم مجازٌ على التشبيه بالزرع،
والمعنى: إذ يحكمان في حقِّ الحرث.
﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ ظرف للحكم، والنَّفْش: رعيُ الماشية في الليل بغيرِ راعٍ، كما أنَّ
الهَمَل رعيُها في النهار كذلك، وكأنَّ أصلَه الانتشارُ والتفرُّق، أي: إذ تفرَّقتَ وانتشرت
﴿فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ ليلاً بلا راع، فرعَتْه وأَفسدَتْه ﴿وَكُنَّ ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ
أي: حاضرين عِلْماً، وضمير الجمع قيل: لداودَ وسليمانَ، ويؤيِّده قراءةُ ابنِ
عباس : ((لحكمهما)) بضمير التثنية (٣)، واستدلَّ بذلك مَن قال: إنَّ أقلَّ الجمع
اثنان، وجوِّز أن يكونَ الجمعُ للتعظيم كما في ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩].
وقيل: هو للحاكمين والمتحاكمين. واعتُرض بأَنَّ إضافةً حكم إلى الفاعل على
سبيلٍ القيام، وإلى المفعول على سبيل الوقوع، وهما في المعنى معمولان له،
فکیف یصحُّ سلکهما في قرن؟!
(١) في تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨١، ونقل قولَ كعب السالف آنفاً.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ٢٦٥.
(٣) البحر المحيط ٣٣١/٦، والكشاف ٥٧٩/٢ .

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٥٤
الآية : ٧٩
وأُجيب بأنَّ الحكمَ في معنى القضيَّة لا نَظَر هاهنا إلى عِلْمه، وإنَّما يُنظر إليه إذا
كان مصدراً صِرْفاً، وأَظهر منه كما في ((الكشف)) أنَّ الاختصاصَ يَجمع القيامَ
والوقوعَ وهو معنى الإضافة، ولم يَبْقَ النظر إلى العمل بعدها لالفظاً ولا معنًى،
فالمعنى: وكنّا للحكم الواقع بينهم شاهدينَ، والجملة اعتراضٌ مقرِّر للحكم، وقد
يقال: إنَّه مادحٌ له، كأنَّه قيل: وكنّا مراقبينَ لحكمهم لانقرُّهم على خَلَلٍ فيه، وهذا
على طريقة قوله تعالى: ﴿فَإِنّكَ بِأَعْيُفِنَا﴾ [الطور: ٤٨] في إفادة العناية والحفظ.
وقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ عطف على ((يحكمان)) فإنَّه في حكم الماضي،
كما مضى.
وقرأ عكرمة: ((فأفْهَمناها)) بهمزة التعدية (١)، والضميرُ للحكومة أو
الفتيا المفهومة مِن السياق.
روي أنَّه كانت امرأةٌ عابدةٌ مِن بني اسرائيل، وكانت قد تبثَّلت، وكان لها
جاريتان جميلتان، فقالت إحداهما للأُخرى: قد طال علينا البلاءُ، أمَّا هذه فلا ترید
الرجالَ، ولا نزال بِشَرِّ ما كنَّا لها، فلو أنَّا فضحناها فرُجمت. فصِرنا إلى الرجال
فأَخذا ماءَ البيض فأَتياها وهي ساجدةٌ فكشفتا عنها ثَوبَها ونضحتاه في دُبُرها وصرختا
أنَّها قد بَغَت، وكان مَن زنى فيهم حَدُّه الرجمُ، فرُفعت إلى داودَ وماءُ البيض في
ثيابِها، فأرادَ رَجْمها، فقال سليمان: ائتوا بنارٍ، فإنَّه إن كان ماءَ الرجل تفرَّق، وإن
كان ماءَ البيض اجتمع، فأُتي بنارٍ فوضعها عليه فاجتمع، فدَرَأَ عنها الرجمَ، فعطف
عليه داود عليه السلام فأحبَّه جدًّا، فاتَّفق أن دخل على داود عليه السلام رجلان،
فقال أحدُهما: إنَّ غنم هذا دخلت في حرثي ليلًا فأفسدته، فقضى له بالغنم، فخرجا
فمرَّا على سليمانَ، وكان يجلس على الباب الذي يَخرُج منه الخصومُ فقال: كيف
قضى بينكما أبي؟ فأخبراه، فقال: غيرُ هذا أرفقُ بالجانبين. فسمعه داود عليه السلام
فدعاه فقال له: بحقِّ النبوّة والأبوَّة إلَّا أخبرتني بالذي هو أرفقُ. فقال: أَرى أن تدفعَ
الغنَم إلى صاحب الأرض لينتفعَ بدَرِّها ونَسْلِها وصوفِها، والحرثَ إلى صاحب الغنم
ليقومَ عليه حتى يعودَ كما كان، ثم يترادًا، فقال: القضاءُ ما قضيتَ، وأمضى الحُكم
بذلك، وكان عُمُره إذا ذاك إحدى عشرة سنةً.
(١) البحر المحيط ٣٣٠/٦، والكشاف ٥٧٩/٢.

الآية : ٧٩
١٥٥
سُورَةُ الإنْسَاءُ
ومال كثيرٌ إلى أنَّ حكمَهما عليهما السلام كان بالاجتهادِ وهو جائزٌ على
الأنبياء عليهم السلام كما بُيِّنَ في الأصول، وبذلك أقولُ، فإنَّ قولَ سليمانَ عليه
السلام: غيرُ هذا أرفق، ثم قولُه: أرَى أن تُدفَع ... إلخ، صريحٌ في أنَّه ليس
بطريق الوحي، وإلا لَبَتَّ القولَ بذلك، ولما ناشدَه داودُ عليهما السلام لإظهار
ما عندَه، بل وجب عليه أن يُظهِره بداءً وحَرُمَ عليه كتمُه، مع أنَّ الظاهرَ أنَّه عليه
السلام لم يكن نبيًّا في ذلك السِّنِّ، ومن ضرورتهِ أن يكون القضاءُ السابق أيضاً
كذلك، ضرورةَ استحالة نقضٍ حُكم النَّصِّ بالاجتهاد، وفي ((الكشف)): إنَّ القولَ
بأنَّ كلا الحكمين عن اجتهادٍ، باطلٌ؛ لأنَّ حُكم سليمانَ نَقَضَ حكمَ داودَ
عليهما السلام، والاجتهادُ لا يُنقَض بالاجتهادِ ألبتةَ، فدلَّ على أنَّهما جميعاً
حكما بالوحي، ويكون ما أُوحيَ به لسليمانَ عليه السلام ناسخاً لحكم داودَ عليه
السلام، أو كان حُكم سليمانَ وحدَه بالوحي، وقوله تعالى: ((ففهمناها)) لا يدلُّ
على أنَّ ذلك اجتهادٌ.
وتُعقّب بأنَّه إن أرادَ بعدم نَقْضِ الاجتهادِ بالاجتهادِ عدمَ نقضِه باجتهادِ غیرِه
حتى يلزم تقليدُه به، فليس ما نحن فيه، وإن أراد عدمَ نَقْضِه باجتهادِ نفسِه ثانياً،
وهو عبارة عن تغيُّر اجتهاده، لظهور دليلٍ آخَر، فهو غيرُ باطل، بدليلٍ أنَّ المجتهدَ
قد يُنقَل عنه في مسألة قولانٍ، كمذهب الشافعيِّ غُه القديم والجديدِ، ورجوعِ کبار
الصحابة ﴿ّ إلى آراءِ بعضِهم وهم مجتهدونَ.
وقيل: يجوز أن يكون أُوحيَ إلى داودَ عليه السلام أن يرجعَ عن اجتهادِه
ويقضيَ بما قضى به سليمانُ عليه السلام عن اجتهادٍ.
وقيل: إنَّ عدمَ نقض الاجتهادِ بالاجتهاد مِن خصائص شريعتِنا، على أنَّه ورد
في بعضٍ الأخبار أنَّ داود عليه السلام لم يكن بَتَّ الحكمَ في ذلك حتى سمعَ من
سليمانَ عليه السلام ما سَمِعَ.
وممَّن اختار كونَ كلَا الحكمين عن اجتهادٍ شيخُ الإسلام مولانا أبو السّعود(١)
قدِّس سرُّه، ثم قال: بل أقول - والله تعالى أعلم -: إن رأي سليمان عليه السلام
(١) تفسير أبي السعود ٧٩/٦.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٥٦
الآية : ٧٩
استحسانٌ، كما يُنبئُ عنه قولُه: أَرفقُ بالجانبين. ورَأْيُ داود عليه السلام قياسٌ
كما أنَّ العبدَ إذا جنى على النفسِ يَدفعه المولى عند الإمام أبي حنيفة ظُبه إلى
المجنيِّ عليه، أو يفديه ويبيعه في ذلك، أو يفديه عند الإمام الشافعيِّ
.
وقد رُويَ أنَّه لم يكن بين قيمةِ الحرث وقيمةِ الغنم تفاوتٌ، وأمَّا سليمان عليه
السلام فقد استحسنَ حيث جعلَ الانتفاعَ بالغنم بإزاء ما فاتَ من الانتفاع بالحرث
مِن غير أن يزولَ مِلْكُ المالكِ من الغنم، وأَوجبَ على صاحب الغنم أن يعمل في
الحرثِ إلى أن يزولَ الضررُ الذي أتاه مِن قِبَله، كما قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ
فيمَن غصب عبداً فأبق منه، أنَّه يَضمنُ القيمةَ فينتفع بها المغصوبُ منه بإزاء ما فوَّته
الغاصبُ من المنافع، فإذا ظهر الآبق ترادًا. انتهى.
وأما حكم المسألة في شريعتنا: فعند الإمام أبي حنيفة ظله - لا ضمانَ إذا لم
يكن معها سائقٌ أو قائدٌ؛ لما روى الشيخان مِن قوله وَّهِ: ((جرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ))(١)
ولا تقييدَ فيهِ بليلٍ أو نهارٍ، وعند الشافعيِّ يجبُ الضمانُ ليلًا لا نهاراً؛ لما في
السنن مِن أنَّ ناقةَ البراءِ دخلت حائطَ رجلٍ فأفسدته، فقضى رسولُ اللهِ وَّه على
أهل الأموالِ بحفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي بحفظها بالليل(٢).
وأُجيبَ بأنَّ في الحديث اضطراباً، وفي رجال سندِه كلاماً، مع أنَّه يجوز أن
يكون البراءُ أَرسَلَها، كما يجوز في هذه القصَّة أن يكون كذلكَ، فلا دليلَ فيه.
﴿وَكُلًّ﴾ مِن داودَ وسليمانَ ﴿ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ كثيراً، ومنه العِلْم بطريق
الاجتهادٍ، لا سليمانَ عليه السلام وحدَه، فالجملة لدَفْع هذا التوهُّم، وفيها دلالةٌ
على أنَّ خطأَ المجتهدِ لا يَقدحُ في كونه مجتهداً .
(١) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في المجتبى ٤٥/٥، وهو عند البخاري (١٤٩٩)، ومسلم
(١٧١٠)، وأحمد (٧٢٥٤) عن أبي هريرة ◌ُه بلفظ: ((العجماء جَرْحها جبار .... )).
(٢) السنن المأثورة للشافعي (٥٢٦)، ومسند الشافعي ٢/ ١٠٧، وأخرجه أيضاً مالك في الموطأ
٧٤٧/٢ عن حرام بن سعد بن محيِّصة مرسلًا. وأخرجه موصولًا أبو داود (٣٥٧٠)، وابن
ماجه (٢٣٣٢)، وأحمد (١٨٦٠٦)، عن حرام بن محيِّصة، عن البراء بن عازب ظُته. قال
ابن عبد البر في التمهيد ٨٢/١١: وهذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور أرسله
الأئمة، وحدَّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقّوه بالقبول، وجرى في المدينة
العمل به.

الآية : ٧٩
١٥٧
سُورَةُ الأَتْبِيَاءِ
وقيل: إنَّ الآيةَ دليلٌ على أنَّ كلَّ مجتهدٍ في مسألة لا قاطعَ فيها مصيبٌ،
فحُكم اللهِ تعالى في حقِّه وحقٌ مقدِّده ما أَدى إليه اجتهادُه فيها، ولا حكمَ له سبحانه
قَبل الاجتهاد، وهو قولُ جمهور المتكلِّمين منَّا كالأشعريِّ، والقاضي، ومِن
المعتزلة كأبي الهذيل، والجبَّائيّ وأتباعهم، ونُقل عن الأئمة الأربعة - ظه - القولُ
بتصويبٍ كلِّ مجتهدٍ، والقول بوحدة الحقِّ وتخطئةِ البعض، وعَدَّ في ((الإحكام))
الأشعريّ ممَّن يقول كذلك.
ورُدَّ بأنَّ اللهَ تعالى خصَّص سليمانَ بفهم الحقِّ في الواقعة بقوله سبحانه:
((ففهَّمناها سُليمانَ)) وذلك يدلُّ على عدم فهم داود عليه السلام ذلك فيها، وإلَّا
لما كان التخصيصُ مفيداً .
وتعقَّبَه الآمديُّ(١) بقوله: ولقائل أن يقولَ: إنَّ غايةً ما في قوله تعالى:
((ففهمناها سُلَيمان)) تخصيصُه عليه السلام بالتفهيم، ولا دلالةً له على عدم ذلك في
حقِّ داودَ عليه السلام إلَّا بطريقِ المفهوم، وليس بحجّة - وإن سَلَّمنا أنَّه حجّة - غير
أنَّه قد روي أنَّهما حكما بالنصِّ حكماً واحداً، ثم نَسخ اللهُ تعالى الحكمَ في مثل
تلك القضيّة في المستقبل، وعِلْم سليمانَ بالنصِ الناسخِ دون داودَ عليهما السلام،
فكان هذا هو الفهمَ الذي أُضيف إليه، والذي يدلُّ على هذا قولُه تعالى: ((وكلَّا آتيناَ
حكماً وعِلْماً))، ولو كان أحدُهما مخطئاً لما كان قد أُوتي في تلك الواقعة حكمًا
وعِلْماً، وإن سَلَّمنا أنَّ حكمَهما كان مختلفاً، لكن يحتمل أنَّهما حَكَما بالاجتهاد مع
الإذن فيه، وكانا محقّين في الحكم إلَّا أنَّه نزل الوحيُ على وَفْق ما حكم به سليمانُ
عليه السلام، فصار ما حكم به حقًّا متعيَّناً بنزول الوحي به، ونُسبَ التفهيمُ إلى
سليمانَ عليه السلام بسبب ذلك، وإنَّ سلَّمنا أنَّ داود عليه السلام كان مخطئاً في
تلك الواقعة، غيرَ أنَّه كان فيها نصِّ اطّلع علیه سليمانُ دون داودَ، ونحن نسلِّم
الخطأَ في مثل هذه الصورة، وإنَّما النزاعُ فيما إذا حكما بالاجتهاد، وليس في
الواقعة نصّ. انتھی.
وأكثرُ الأخبارِ تساعد أنَّ الذي ظَفِرَ بحكم اللهِ تعالى في هذه الواقعة هو سليمانُ
عليه السلام، وما ذُكر لا يَخلو ممَّا فيه نظرٌ، فانظر وتأمَّل.
(١) في الإحكام ٤/ ٢٢٣-٢٢٤.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٥٨
الآية : ٧٩
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ﴾ شروعٌ في بيان ما يختصُّ بكلِّ منهما عليهما السلام
مِن كراماته تعالى إثر ذِكْر الكرامةِ العامَّة لهما عليهما السلام.
﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يقدِّسْنَ اللهَ تعالى بلسانِ القَالِ، كما سبَّح الحصى في كفِّ
رسولِ اللهِ وَّهُ وسَمِعَه الناسُ(١)، وكان عند الأكثرين يقول: سبحانَ الله تعالى،
وكان داودُ عليه السلام وحدَه يَسمعُه على ما قاله يحيى بن سلَّام، وقيل: يَسمعُه كلُّ
أحدٍ. وقيل: بصوتٍ يَظهر له مِن جانبها وليس منها، وهو خلافُ الظاهر، وليس
فيه مِن إظهار الكرامة ما في الأوَّل، بل إذا كان هذا هو الصدى، فليس بشيءٍ
أصلًا، ودونه ما قيل: إنَّ ذلك بلسانِ الحال.
وقيل: ((يُسبِّحنَ)) بمعنى: يَسِرْنَ، مِن السباحةِ.
وتُعقِّب بمخالفته للظاهر، مع أنَّ هذا المعنى لم يذكره أهلُ اللغة ولا جاء في
آيةٍ أخرى أو خبرٍ سَيْرُ الجبالِ معه عليه السلام.
وقيل: إسنادُ التسبيح إليهنَّ مجازٌ؛ لأنَّها كانت تسيرُ معه، فتَحمل مَن رآها على
التسبيح، فأسند إليها، وهو کما تری.
وتأوَّل الجُبَّائِيُّ وعليُّ بنُ عيسى جَعِلَ التسبيحِ بمعنى السير، بأنَّه مجازٌ؛ لأنَّ
السيرَ سببٌ له، فلا حاجةَ إلى القول بأنَّه مِن السِّبَاحة، ومع هذا لا يخفى ما فيه،
والجملة في موضع الحالِ مِن ((الجبال))، أو استئنافٌ مبيِّن لكيفية التسخيرِ، و((مع))
(١) أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة (٣٣٩) عن أبي ذرِّ قال: كنَّا جلوساً مع النبيِّ يَّ فأخذ
حصيات في كفه فَسَبَّحْن، ثم وضعِهنَّ في الأرض فسكتنَ، ثم أخذهنَّ فسبَّحن. وهو عند
البيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٦٤ مطوَّلًا .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٩/٨: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفي
بعضهم ضعف. وقال ابن حجر في فتح الباري ٦/ ٥٩٢: وأما تسبيح الحصى فليست له
إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها .
وأخرج الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣٣٨) عن أبي ذرِّ قال:
إنِّي لشاهد عند النبيِّ وَّر في حلقة، وفي يده حصى، فسبّحن في يده ... الخبر.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٠٩٧) عن أبي ذرِّ بنحوه.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٩/٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: محمد بن
أبي حميد، وهو ضعيف.

الآية : ٨٠
١٥٩
سُورَةُ الأَثَبِيَاءِ
متعلّقة بالتسخير، وقال أبو البقاء(١): بـ (يُسبِّحْن))، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿يَجِبَالُ
أَوِّبِ مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] والتقديمُ للتخصيص، ويُعلم منه ما في حَمْلِ التسبيحِ على
التسبيح بلسان الحال، وعلى ما يكون بالصدی.
﴿وَالظَّيْرٌ﴾ عطف على ((الجبال)) أو مفعولٌ معه، وفي الآثارِ تصريحٌ بأنَّها كانت
تسبّح معه علیه السلام کالجبال.
وقرئ: ((والطيرُ)) بالرفع(٢) على الابتداء، والخبرُ محذوف، أي: والطير
مسخَّرات، وقيل: على العطف على الضمير في ((يُسبِّحْن))، ومثله جائزٌ عند
الکوفیین.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَعِينَ ﴾ تذييلٌ لما قَبْله، أي: مِن شأنِنا أن نفعلَ
أمثالَه، فليس ذلك ببدعٍ منَّا، وإن كان بديعاً عندكم.
﴿وَعَلََّنَّهُ صَنْعَةَ لَبُسٍ﴾ أي: عملَ الدِّرْعِ، وأصله كلُّ ما يُلبَس، وأنشد ابنُ
السِّكِّيت(٣):
الْبَسْ لكلِّ حالةٍ لَبُوسَها إِمَّا نعيمَها وإمَّا بُوسَها
وقيل: هو اسمٌ للسلاح كلِّه، درعاً كان أو غيرَه، واختاره الطبرسيُّ، وأنشد
للهذليّ يصف رمْحاً :
ومَعِي لَبوسٌ للبئيسٍ كأنَّه رَوْقٌ بجبهةٍ ذي نعاجِ مُجْفِلٍ (٤)
قال قتادة: كانت الدروع قبل ذلك صفائحَ، فأوَّل من سَرَدها وحَلَّقها داودُ عليه
السلام، فجمعتِ الخقَّة والتحصينَ.
(١) الإملاء ٤/ ١٠.
(٢) البحر المحيط ٣٣١/٦.
(٣) في إصلاح المنطق ص ٣٦٧، والرجز لبيهس الفزاري كما في جمهرة الأمثال ٢١٢/٢،
ومجمع الأمثال ١٥٢/١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٦٥٩/٢، والخزانة ١٠٣/١١.
(٤) مجمع البيان للطبرسي ٤٥/١٧-٤٦، والهذليُّ هو: أبو كبير عامر بن الحُلَيْس، والبيت في
ديوان الهذليين ٩٨/٢، وقال شارحه: ذي نعاج، يعني ثوراً. والرَّوق: القرن. اهـ.
والبئيس: الشجاع. القاموس (بئس).

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٦٠
الآية : ٨٠
ويُروى أنَّه نزل مَلَكان من السماء فمرًّا به عليه السلام، فقال أحدهما للآخر:
نِعْمَ الرجلُ داودُ إلا أنَّه يأكل مِن بيت المالِ، فسأل اللهَ تعالى أن يرزقَه مِن كَسْبه،
فأَلانَ له الحديدَ، فصنع منه الدرعَ.
وقرئ: ((لُبوس)) بضمِّ اللامِ(١). ﴿لَّكُمْ﴾ متعلِّق بمحذوف، وقع صفةً
لـ (لبوس))، وجوَّز أبو البقاء(٢) تعلُّقَه بـ: علَّمنا، أو بـ ((صنعة)).
وقوله تعالى: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾ متعلِّق بـ: علَّمنا، أو بدل اشتمالٍ مِن ((لكم)) بإعادة
الجارِّ، مبين لكيفيَّة الاختصاصِ والمنفعةِ المستفادة من لام ((لكم)) والضمير المستتر
لـ (لبوس))، والتأنيث بتأويلِ الدِّرْع وهي مؤنَّث سماعيٍّ، أو لـ ((الصنعة)).
وقرأ جماعةٌ: ((ليُحْصِنكم)) بالياء التحتيّة(٣)، على أنَّ الضميرَ لـ ((لبوس)) أو
لـ (داود)) عليه السلام، قيل: أو: التعليم، وجوِّز أن يكون لهِ تعالى على سبيلٍ
الالتفات، وأُيِّدَ بقراءة أبي بكرٍ عن عاصم: ((لنُحْصِنكم)) بالنون(٤)، وكلُّ هذه
القراءاتِ بإسكان الحاءِ والتخفيف.
وقرأ الفقيميُّ عن أبي عمرو، وابنُ أبي حمّاد عن أبي بكر بالياء التحتيّة وفتحِ
الحاءِ وتشديد الصادِ. وابنُ وثاب، والأعمشُ بالتاء الفوقيَّة والتشديد(٥).
﴿مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ قيل: أي: من حربٍ عدوّكم، والمراد ممَّا يقع فيها، وقيل:
الكلام على تقديرِ مضاف، أي: مِن آلةِ بأسِكم كالسيف.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ ﴾﴾ أمر واردٌ على صورةِ الاستفهام؛ لما فيه من التقريع
بالإيماء إلى التقصير في الشكر والمبالغة بدلالته على أنَّ الشكرَ مستحقُّ الوقوع
بدون أمرٍ، فسأل عنه هل وَقَعَ ذلك الأمرُ اللازمُ الوقوعِ، أم لا .
(١) البحر المحيط ٣٣٢/٦.
(٢) الإملاء ١٠/٤-١١.
(٣) التيسير ص ١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢، وهي قراءة ابن كثير ونافع والكسائي وأبي عمرو وخلف
ويعقوب.
(٤) التيسير ص١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٢، والبحر المحيط ٣٣٢/٦.