النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ٣٢
٨١
سُورَةُ الأَنَبِيَّاءِ
اسمٌ لا صفةٌ، لدلالتِه على ذات معيَّنة، وهو الطريق الواسع، والاسم يُوصَف
ولا يُوصَف به، ولذا وقع موصوفاً في قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ فَجْ عَسِقٍ﴾ [الحج: ٢٧]
والحمل على تجرِيده عن دلالتِه على ذات معيَّنة لا قرينةَ عليه.
وتُعقّب بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ معناه ذلك، بل معناه مطلَق الواسع، وتخصيصُه
بالطريق عارض، وهو لا يمَنع الوصفيَّة، ولو سلِّم فمراد من قال: إنَّه وصف، أنَّه
في معنى الوصف بالنسبة إلى السبيلٍ؛ لأنَّ السبيلَ الطريقُ، وهو الطريقُ الواسع،
فإذا قُدِّم عليه، يكون ذكرُه بَعْدُ لغواً لو لم يكن حالاً .
وظاهر كلام الفاضل اليمني في ((المطلع)) (١) أنَّ ((سبلًا)) عطفُ بيانٍ، وهو
سائغٌ في النكرات، حيث قال: هو تفسيرٌ للفجاج، وبيان أنَّ تلك الفجاجَ نافذةٌ،
فقد يكون الفجُّ غيرَ نافذ، وقُدِّم هنا وأخِّر في آية سورة نوح؛ لأنَّ تلك الآيةَ
واردةٌ للامتنان على سبيلِ الإجمال، وهذه للاعتبار والحثِّ عَلى إمعان النظر،
وذلك يقتضي التفصيل، ومن ثم ذُكرت عَقِبَ قوله تعالى: ((كانتا رتقاً)) إلخ.
انتھی.
وأنت تعلم أنَّ الأظهر نصبُ ((فجاجاً)) هنا على المفعوليَّة لـ ((جعل))، ووجه
التغاير بين الآيتين لا يَخفى، فتأمَّل.
﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾ إلى الاستدلالِ على التوحيد وكمالِ القدرة والحكمة،
وقيل: إلى مصالحهم ومهمَّاتِهم.
ورُدَّ على ما تقدَّم بأنَّه يغني عن ذلك قولُه تعالى فيما بَعْدُ: ﴿وَهُمْ عَنْ ءَايِهَا
مُعْرِضُونَ﴾ [الآية: ٣١] وبأنَّ خَلْق السُّبُل لا تظهر دلالته على ما ذكر. انتهى. وفيه
ما فيه .
وجوِّز أن يكون المرادُ ما هو أعمّ من الاهتداء إلى الاستدلالِ والاهتداء إلى
المصالح. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَا﴾ من البِلَى والتغيُّر على طول الدهر،
كما روي عن قتادة، والمراد أنَّها جُعلت محفوظةً عن ذلك الدهر الطويل، ولا ينافيه
أنَّها تُطوى يومَ القيامة طيَّ السِّجِل للكُتُب، وإلى تغيُّرها ودثورها ذهب جمیعُ
(١) ونقله عنه الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٦/ ٣٥٣.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٨٢
الآية : ٣٢
المسلمين ومعظمُ أَجِلَّة الفلاسفة، كما برهن عليه صدرُ الدين الشيرازي في
((أسفاره) وسنذكره - إن شاء الله تعالى - في محلِّه(١) .
وقيل: من الوقوع. وقال الفرَّاء: من استراقِ السمع بالرُّجوم. وقيل عليه: إنَّه
يكون ذِكْرُ السقف لغواً لا يناسب البلاغةَ فضلاً عن الإعجاز، وذكر في وجهه أنَّ
المراد أنَّ حِفْظها ليس كحفظ دورِ الأرض، فإنَّ السُّرَّاق ربَّما تسلَّقت من سقوفِها،
بخلافٍ هذه.
وقيل: إنَّه للدلالة على حِفْظها عمَّن تحتها، ويدلُّ على حفظها عنهم على أتمٍّ
وجه، وفي الحديث عن ابنِ عباس ظُّ قال: إنَّ رسولَ اللهِوَّهِ نَظَرَ إلى السماء،
فقال: ((إنَّ السماءَ سقفٌ مرفوعٌ، وموجٌ مکفوف، تجري کما يجري السهم،
محفوظة من الشياطين))(٢) وهو إذا صحَّ لا يكون نصًّا في معنى الآية، كما زعم
أبو حيَّان(٣)، وقيل: من الشرك والمعاصي، ويَرِدُ عليه ما أُورد على سابقه،
كما لا يخفى.
﴿وَهُمْ عَنْ ءَِهَا﴾ الدالّة على وحدانيتِنا وعِلْمنا، وحكمتنا وقدرتنا، وإرادتنا
التي بعضُها ظاهر كالشمس، وبعضها معلومٌ بالبحث عنه ﴿مُعْرِضُونَ ﴾ ذاهلونَ
عنها لایجیلونَ قِدَاحَ الفِكْر فيها .
وقرأ مجاهد، وحميد: ((عن آيتها)) بالإفراد (٤)، ووجِّه بأنَّه لما كان كلُّ واحد
ممَّا فيها كافياً في الدلالة على وجودِ الصانع وصفاتٍ كماله، وحِّدت الآيةُ لذلك،
وجُعل الإعراضُ على هذه القراءة بمعنى إنكارٍ كونها آيةً بيِّنةً دالّة على الخالق،
(١) في الصفحة ٢١٠ من هذا الجزء.
(٢) هكذا أورده أبو حيان في البحر المحيط ٣٠٩/٨، وقال بعده: وإذا صحَّ هذا الحديث، كان
نصاً في معنى الآية. اهـ. وردًّ كلامه الآلوسي كما سيأتي قريباً.
وأخرجه أحمد (٨٨٢٨)، والترمذي (٣٢٩٨) عن أبي هريرة ◌ُه، ضمن حديث طويل،
بلفظ: ((هل تدرون ما فوقكم))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنها الرقيع، سقف
محفوظ، وموج مكفوف)) ثم قال: ((هل تدرون كم بينكم وبينها))؟ قالوا :.... الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(٣) انظر التعليق السابق.
(٤) القراءات الشاذة ص ٩١.

الآية : ٣٣
٨٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءُ
كما يشير إليه قوله في ((الكشاف))(١) أي: هم متفطّنون لما يَردُ عليهم من السماء من
المنافع، وهم عن كونها آيةً بيِّنة على الخالق معرضون، وليس بلازم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَِّ﴾ اللَّذين هما آيتاهما،
ولذا لم يعدَّ الفعل بياناً لبعض تلك الآياتِ التي هم عنها معرضون بطريق الالتفاتٍ
الموجِب لتأكيد الاعتناءِ بفحوى الكلام، ولمَّا كان إيجادُ الليل والنهار ليس على
نمطٍ إيجاد الحيوانات وإيجادِ الرواسي، لم يتَّحد اللفظُ الدالُّ على ذلك، بل جيء
بالجعل هناك، وبالخلق هنا، كذا قيل، وهو كما ترى.
، مبتدأ، وتنوينه عوضٌ عن المضاف إليه، واعتبره صاحب
وقوله تعالى :
((الكشاف)) مفرداً نكرة، أي: كلُّ واحدٍ من الشمس والقمر.
واعترض بأنَّه قد صرَّح ابنُ هشامٍ في ((المغني))(٢) بأنَّ المقدَّر إذا كان مفرداً
نكرةً، يجب الإفراد في الضمير العائد على ((كلِّ)) كما لو صرَّح به. وهنا قد جُمعَ
فيجب على هذا اعتباره جمعاً معرّفاً، أي: كلُّهم، ومتى اعتبر كذلك، وجب عند
ابنِ هشام جمع العائد، وإن كان لو ذكر، لم يجب، ووجوب الإفرادِ في المسألة
الأولى والجمعِ في الثانية؛ للتنبيه على حالِ المحذوف.
وأبو حيَّان(٣) يجوِّز الإفراد والجمعَ مطلقاً، فيجوِّز هنا اعتبارَ المضاف إليه
مفرداً نكرة مع جمع الضمير بَعْدُ، كما فعل الزمخشريُّ (٤)، وهو من تعلم عُلوَّ شأنه
في العربَّية.
وقوله سبحانه: ﴿فِى فَكٍ﴾ خبرُه، ووَجْه إفرادِه ظاهر؛ لأنَّ النكرة المقدَّرة
للعموم البدليٌّ لا الشموليّ، ومن قدَّر جمعاً معرَّفاً، قال: المراد به الجنسُ الكليُّ
المؤوَّل بالجمع، نحو: كساهم حلَّة، بناءً على أنَّ المجموعَ ليس في فلكٍ واحد.
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْبَحُونَ ﴾﴾ حالٌ؛ ويجوز أن يكون الخبرَ، و((في فلك))
(١) ٥٧١/٢ .
(٢) ص٢٥٧ -٢٥٨ .
(٣) البحر المحيط ٣١٠/٨.
(٤) الكشاف ٢/ ٥٧١ .

سُورَةُ الإنْسَنَّاءِ
٨٤
الآية : ٣٣
حالًا أو متعلِّقاً به، وجملة ((كلّ)) إلخ حال من ((الشمس والقمر))، والرابط الضميرُ
دون واوٍ، بناءً على جواز ذلك من غير قبح، ومن استقبحه جعلها متسأنفَةً، وكان
ضميرُهما جمعاً اعتباراً للتكثير بتكاثر المطالع، فيكون لهما نظراً إلى
مفهومِهما الوضعيِّ أفرادٌ خارجيَّة بهذا الاعتبار لا حقيقةً، ولهذا السبب يقال:
شموس وأَقمار، وإن لم يكن في الخارج إلا شمسٌ واحد، وقمرٌ واحد، والذي
حسَّن ذلك هنا توافقُ الفواصل.
وزعم بعضُهم أنَّه غُلِّب القمران؛ لشرفِهما على سائر الكواكب، فجمعَ الضمير
لذلك.
وقيل: الضمير للنجوم، وإن لم تُذكَر؛ لدلالة ما ذُكر عليها.
وقيل: الضميرُ للشمسِ والقمر والليل والنهار، وفيه أنَّ الليلَ والنهارَ لا يَحسُن
وصفُهما بالسِّباحة وإن كانت مجازاً عن السير، واختيار ضميرٍ العقلاء؛ إمَّا
لأنَّهما عقلاء حقيقةً، كما ذهب إليه بعضُ المسلمين كالفلاسفة، وإمَّا لأنَّهما عقلاء
ادِّعاءً وتنزيلًا، حيث نَسب إليهما السباحةَ، وهي من صنائع العقلاء.
والفَلَكُ في الأصل: كلُّ شيء دائر، ومنه: فَلْكَة المِغْزَل، والمراد به هنا على
ما روي عن ابن عباس، والسديِّ ◌ُه: السماءُ.
وقال أكثرُ المفسِّرين: هو موج مكفوفٌ تحتَ السماء يجري فيه الشمس
والقمر. وقال الضخَّاك: هو ليس بجسم، وإنَّما هو مدارُ هذه النجوم، والمشهور
ما روي عن ابن عباس، والسديِّ، وفيه القولُ باستدارةِ السماء، وفي ((كلٌّ في فلك))
رمز خفيٍّ إليه، فإنَّه لا يستحيل بالانقلاب، وعليه أدلَّة جمَّة، وكونها سقفاً لا يأبى
ذلك.
وقد وقع في كلام الفلاسفة إطلاق الفَلَك على السماء، ووصفوه بأنَّه حيٍّ عالِمٌ
مُتحرِّك بالإرادة حركةً مستديرة لا غير، ولا يَقبلُ الكونَ والفسادَ والنموَّ والذبولَ
والخرقَ والالتئامَ، ونوعه منحصِر في شخصِه، وأنَّه لا حارٌّ ولا بارد، ولا رَطْب
ولا يابس، ولا خفيفٌ ولا ثقيل، وأكثر هذه الأوصاف متفرِّع على أنَّه ليس في
طباعه ميلٌ مستقیم.

الآية : ٣٣
٨٥
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وقد رُدَّ ذلك في الكتب الكلاميَّة، وبَنَوا على امتناع الخَرْق والالتئام أنَّ
الكوكبَ لا يتحرَّك إلا بحركة الفَلَك، ولمَّا رَأَوْا حركاتٍ مختلفةً، قالوا بتعدُّد
الأفلاك، والمشهور أنَّ الأفلاكَ الكليَّة تسعةٌ، سبعة للسبع السيّارة، وواحد
للثوابت، وآخَرُ لتحريك الجميع الحركةَ اليومية، والحقُّ أنَّه لا قاطعَ على نفي ما عدا
ذلك، ألا ترى أنَّ الشيخَ الرئيسَ لم يظهر له أنَّ الثوابت في كرةٍ واحدة، أو في
كرات منطوٍ بعضُها على بعض.
وقولهم: إنَّ حركاتِ الثوابت متشابهةٌ، ومتى كانت كذلك، كانت مركوزةً في
فَلَك واحدٍ، غير يقيني، أما صُغْراه فلأنَّ حركاتها وإن كانت في الحسِّ متشابهةً،
لكن لعلَّها لا تكون في الحقيقة كذلك، لأنَّا لو قدَّرنا أنَّ الواحدةَ منها تتمِّم الدورةَ
في ستِّ وثلاثين ألفَ سنةٍ، والأخرى تتمِّمها في هذا الزمان، لكن بنقصان عاشرة،
أو أقلَّ، فالذي يخصُّ الدرجةَ الواحدة من هذا القَدْر من التفاوت يَقِلُّ جدًّا بحيث
لا تفي أعمارُنا بضبطه، وإذا احتمل ذلك، سقط القَطْع بالتشابه، ومما يزيد ذلك
سقوطاً والاحتمالَ قوَّة، وجدانُ المتأخِّرين من أهل الأرصاد كوكباً أسرعَ حركةً من
الثوابت وأَبطأَ من السَّيارة، سمَّوه بهرشل(١)، ولم يظفر به أحدٌ من المتقدِّمين في
الدهور الماضية، وأما كبراه، فلاحتمالِ اشتراك الأشياء المختلفة في كثير من
اللوازم، فيجوز أنَّ لكلِّ فلكاً على حِدَة، وتكون تلك الأفلاكُ متوافقةً في حركاتها
جهةً وقطباً، ومنطقة وبطئاً (٢)، ثمَّ إنَّ الاحتمال غيرُ مختصٍّ بفلك الثوابت، بل
حاصل في كلِّ الأفلاك، فيجوز أن يكون بين أفلاكِ السيّارة أفلاكٌ أُخَر.
وما يقال في إبطاله من أنَّ أقربَ قُرْبٍ كلٌّ كوكب يساوي أبعدَ بُعْدِ كلِّ الكواكب
التي فُرضت تحته، ليس بشيء؛ لأنَّ بين أبعدِ بُعْدِ القمر وأقربٍ قُربٍ عطارد ثخن
فَلَك جَوْزَهر القمر، وقد ذكر المحقّقون من أصحاب الهيئة أنَّ لفلك التدويرلكلِّ من
العلويَّة ثلاث أُكَر، محيطٌ بعضها ببعض، وجرمُ الكوكب مركوزٌ في الكرة الداخلة،
فيكون مقدارُ ثخنٍ أربعٍ كرات من تلك التداوير من كلِّ واحد من السافل والعالي
ثخنَ كرتين، حائلا بين أقرب قُرب العالي وأَبعد بُعْدِ السافل، وأثبتوا للسفليَّة خمسة
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: اسمُ من ظفر به أولًا منهم.
(٢) في (م): بطناً .

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٨٦
الآية : ٣٣
تداوير، فيكون بين أقربِ قُربِ الزهرة وأَبعدِ بُعْدِ عطارد، ثخنُ ثمانِ کرات، علی
أنَّهم إنَّما اعتقدوا أنَّ أَقربَ قُربِ العالي مساوٍ لأَبعدِ بُعْدِ السافل؛ لاعتقادهم أوَّلاً أنَّه
ليس بين هذه الأفلاك ما يتخلَّلها، فليس يمكنهم بناء ذلك عليه، وإلا لزم الدورُ، بل
لا بُدَّ فيه من دليلٍ آخر، وقولهم: لا فَضْلَ في الفلكيَّات، مع أنَّه كما ترى يُبطله
ما قالوا في عظم ثخنٍ المحدّد، ويجوز أيضاً أن يكون فوق التاسع من الأفلاك
ما لا يَعلمُه إلا الله تعالى، بل يحتمل أن يكون هذا الفلك التاسع بما فيه من الكرات
مركوزاً في ثخن كُرة أخرى عظيمة، ويكون في ثخن تلك الكرة ألفُ ألف كرةٍ مثل
هذه الكرات، وليس ذلك مستبعداً، فإنَّ تدويرَ المريخ أعظمُ من ممثل الشمس، فإذا
عُقْلَ ذلك، فأيُّ بأسٍ بأن يفرضَ مثله مما هو أعظم منه؟!
ويجوز أيضاً كما قيل أن تكون الأفلاكُ الكليَّة ثمانيةً لإمكان كون جميع
الثوابت مركوزة في محدّب ممثل زحل، أي في متمِّمه الحاوي على أن يتحرك
بالحركة البطيئة، والفلك الثامن يتحرك بالحركة السريعة، بل قيل: من الجائز أن
تكون سبعة، بأن تفرض الثوابت ودوائر البروج على محدَّب ممثل زحل، ونفسان
تَتَّصل إحداهما بمجموع السبعة، وتحرِّكها إحدى الحركتين السريعة والبطيئة،
والأخرى بالفلك السابع وتحرِّكه الأُخرى، فلا قاطعَ أيضاً على نفي أن تكون
الأفلاك أقلَّ من تسعة.
ثم الظاهر من الآية أنَّ كلَّا من الشمس والقمر يجري في ثخن فَلَكه، ولا مانعَ
منه عقلًا، ودليلُ امتناع الخرق والالتئام - وهو أنَّه لو كان الفلك قابلًا لذلك، لكان
قابلًا للحركة المستقيمة، وهي محالٌ عليه - غيرُ تامٌّ، وعلى فرض تمامِهِ إنَّما يتمُّ في
المحدّد على أنَّه يجوز أن يحصل الخَرْقُ في الفلك من جهةٍ بعض أجزائه على
الاستدارة، فلا مانعَ من أن يقال: الكواكب مطلقاً متحرِّكة في أفلاكها حركة
الحيتان في الماء ولا يبطل به علم الهيئة؛ لأنَّ حركاتها يلزم أن تكون متشابهة حول
مراكز أفلاكها أي: لا تُسرع ولا تبطئ، ولا تقف ولا ترجع، ولا تتعطف.
وقول السهرورديُّ في ((المطارحات))(١): لو كانت الأفلاك قابلةً للخَرْق - وقد
(١) وهو: المطارحات في المنطق والحكمة لأبي الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش
السهروردي الحكيم المقتول سنة (٥٨٧هـ). كشف الظنون ٢/ ١٧١٣ .

الآية : ٣٣
٨٧
سُورَةُ الإنْسَاءِ
برهن على كونها ذات حياةٍ - فعند حصول الخرق فيها وتبدُّدِ الأجزاء، فإن لم
تحسّ، فليس جزؤها المنخرقُ له نسبةٌ إلى الآخَر بجامع إدراكيٍّ، ولا خبرَ لها عن
أجزائها، وما سرى لنفسها قوَّةٌ في بدنها جامعةٌ لتلك الأجزاء، فلا علاقةَ لنفسها مع
بدنها، وقد قيل: إنَّها ذاتُ حياة، وان كانت تحسُّ، فلا بُدَّ من التألُّم بتبديدٍ
الأجزاء، فإنَّه شعور بالمنافي، وكلُّ شعور بالمنافي، إمَّا ألمٌ أو موجبٌ لألم، وإذا
كان كذا وكانت الكواكبُ تخرقها بجريها، كانت في عذابٍ دائم، وسنبرهن على أنَّ
الأمورَ الدائمة غيرَ الممكن الأشرفِ لا يتصوَّر عليها، لا يخَفى أنَّه من الخطابيَّات،
بل مما هو أدون منها .
وزعم بعضهم أنَّه من البراهين القويّة مما لا برهانَ عليه من البراهين الضعيفة،
وادَّعى الإمام أنَّها كما تدلُّ على جري الكوكب تدلُّ على سكون الفَلَك، والحقُّ
أنَّها مجملة بالنسبة إلى السكون غيرُ ظاهرة فيه، وإلى حركته وسكون الفلكِ بأسره
ذهب بعضُ المسلمين - ويحكى عن الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه - ويجوز أن يكون
الفَلَك متحرِّكاً، والكوكب يتحرَّك فيه إمَّا مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لها، إمَّا
بحركة مساوية في السرعة الفَلكَ متحرِّكاً، والكوكب يتحرَّك فيه إمَّا مخالفاً لجهة
حركته أو موافقاً لها، إمَّا بحركة مساوية في السرعة والبُظْء لحركة الفَلَك أو
مخالفةٍ، ويجوز أيضاً أن يكون الكوكبُ مغروزاً في الفَلَك ساكناً فيه، كما هو عند
أكثرِ الفلاسفة أو متحرِّكاً على نفسِه كما هو عند محقّقيهم، والفلك بأسرِهِ متحرِّكاً،
وهو الذي أوجبه الفلاسفةُ لما لا يسلمُ لهم ولا يتُّ عليه برهان منهم.
ويجوز أيضاً أن يكون الكوكبُ في جسم منفصل عن ثِخَن الفَلَك، شبيهٍ بحَلْقة،
قُظْره مساوٍ لقُطْر الكوكب، وهو الذي يتحرَّك به، ويكون الفَلَك ساكناً، ويجوز
أيضاً أن يكون في ثِخَن الفَلَك خَلاءٌ يدور الكوكبُ فيه، مع سُكون الفلك أو
حركته، وليس في هذا قولٌ بالخَرْق والالتئام، بل فيه القولُ بالخلاء، وهو عندنا
وعند أكثر الفلاسفة جائزٌ، خلافاً لأرسطوطاليس وأتباعه، ودليلُ الجواز أقوى من
صخرةٍ ملساءَ، والقول بأنَّ الفَلَك بسيطً، فبساطته مانعةٌ من أن يكون في ثخنه ذلك،
ليس بشيء، فما ذكروه من الدليل على البساطة على ضعفِه لا يتأتَّى إلا في المحدّد
دون سائر الأفلاك، وأيضاً متى جاز أن يكون الفَلَك مجوَّفاً مع بساطته، فليجز
ما ذكره معها، ولا يكاد يتمُّ لهم التفصي عن ذلك.

سُؤَدَّةُ الأَنْبِيَاءِ
٨٨
الآية : ٣٣
وجاء في بعض الآثار أنَّ الكواكب جميعَها معلّقة بسلاسلَ من نورٍ تحت سماء
الدنيا بأيدي ملائكة يجرُّونها حيث شاء اللهُ تعالى(١)، ولا يكاد يصحُّ، وإن كان اللهُ
عزَّ وجلَّ على كل شيء قديراً.
والذي عليه معظم الفلاسفة والهيئيين أنَّ الحركة الخاصَّة بالكوكب الثابتةَ لفلكه
أولاً وبالذات آخذةٌ من المغرب إلى المشرق، وهي الحركة على توالي البروج،
وتسمَّى الحركةَ الثانية والحركة البطيئة، وهي ظاهرة في السيّارات، وفي القمر منها
في غاية الظهور، وفي الثوابت خفيَّة، ولهذا لم يثبتها المتقدِّمون منهم، وغير
الخاصَّة به الثابتة لفلكه ثانياً وبالعَرْض آخذة من المشرق إلى المغرب، وتسمَّى
الحركة الأُولى والحركة السريعة، وهي بواسطة حركة المحدَّد، وبها يكون الليلُ
والنهار في سائر المعمورة، وأما في عَرْضٍ تسعين ونحوه، ففي الحركة الثانية،
فعندهم للكوكب حركتان مختلفتان جهةً وبُطْأً، ومثّلوهما بحركة رحّى إلى جهة
سريعاً، وحركةٍ نملةٍ عليها إلى خلاف تلك الجهة بطيئاً .
وذهب بعضُ الأوائلِ إلى أنَّه لا حركةَ في الأجرام العلويَّة من المغرب إلى
المشرق، بل حركاتها كلُّها من المشرق إلى المغرب؛ لأنَّها أَولى بهذه الأجرام
لكونها أقلَّ مخالفةً، ولأنَّ غايةَ الحركة للجرم الأقصى، وغايةَ السكون للأرض،
فيجب أن يكون ما هو أقربُ إلى الأقصى أسرعَ مما هو أَبعدُ، ولأنَّه لو كان بعضها
من المشرق وبعضها من المغرب، يلزم أن يتحرَّك الكوكب بحركتين مختلفتين جهةً،
وذلك محالٌ؛ لأنَّ الحركةَ إلى جهة تقتضي حصولَ المتحرِّك في الجهة المنتقل
إليها، فلو تحرَّك الجسمُ الواحد دفعةً واحدة إلى جهتين، لزم حصولُه دفعةً واحدة
في مكانين، وهو محالٌ، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن تكون الحركتان طبيعيَّتين، أو
قسريّتين، أو إحداهما طبيعيَّة والأخرى قسريّة.
ولا يُدفَع هذا بما يُشاهد من حركة النملةِ على الرَّحى إلى جهة حال حركة
الرحى إلى خلافِها؛ لأنَّه مثال، والمثال لا يَقدَح في البرهان، ولأنَّ القَطْع على مثل
هذه الحركات جائزٌ، أمَّا على الحركات الفلكيَّة فمحال، وما استدلَّ به على أنَّ غيرَ
(١) انظر ما سلف ١٣/ ٢٩٧.

الآية : ٣٣
٨٩
سُورَةُ الإنْسَاءِ
الحركة السريعة من المغرب إلى المشرق لا يدلُّ عليه، لجواز أن تكون من المشرق
ويُظَنّ أنَّها من المغرب، وبيانه أنَّ المتحرِّكين إلى جهة واحدة حركةً دوريَّة، متى
كان أحدُهما أسرعَ من حركة الآخَر، فإنَّهما إذا تحرَّكا إلى تلك الجهة رُنيَ الأبطأُ
منهما متخلِّفاً، فيظنّ أنَّه متحرِّك إلى خلافٍ تلك الجهة؛ لأنَّهما إذا اقترنا ثم تحرَّكا
في الجهة بما لَهما من الحركة، فسار السريعُ دورةً تامَّة، وسار البطيءُ دورةً
إلا قوساً، يُرى البَطِيءُ متخلِّفاً عن السريع في الجهة المخالفة لجهةِ حركتِهما بتلك
القوس، وقالوا: يجب المصيرُ إلى ذلك لما أنَّ البرهانَ يقتضيه، ولا يُبطله شيءٌ من
الأعمال النجوميّة.
وقد أورد الإمامُ في ((الملخّص)) - ما ذكر في الاستدلال على مُحاليّة الحركتين
المختلفتي الجهةِ للجسم الواحد - إشكالًا على القائلين بهما، ثم قال: ولقوَّة هذا
الكلام أَثبتَ بعضُهم الحركةَ اليوميّة لكرة الأرض لا لكرةِ السماء، وإن كان ذلك
باطلًا، وأورده في ((التفسير))(١)، وسمَّاه برهانًا قاطعاً، وذهب فيه إلى ما ذهب إليه
هذا البعض من أنَّ الحركاتِ كلَّها من المشرق إلى المغرب، لكنَّها مختلفةٌ سرعةً
وبُظْأَ، وفيما ذكروه نَظَرٌ؛ لأنَّ الشُّبهتين الأُولَيين إقناعيَّتان، والثالثة - وإن كانت
برهانيَّة - لكن فسادَها أظهرُ من أن يَخفى، وأمَّا أنَّ شيئاً من الأعمال النجوميَّة
لا يُبطِله، فباطل؛ لأنَّ هذه الحركةَ الخاصَّة للكوكبِ - أعني حركةَ القمرِ من
المشرق إلى المغرب مثلًا دورةٌ إلا قوساً - لا يجوز أن تكون على قطبَي البروج؛
لأنَّها توجد موازيةً لمعدَّل النهار، ولا على قطبي المعدِّل، وإلَّا لما زالت عن
موازاتِه، ولما انتظمت من القِسيِّ التي تتأخّر فيها كلَّ يومٍ دائرةٌ عظيمة، مقاطعة
للمعدِّل، كدائرة البروج من القِسيِّ التي تأخّرت الشمسُ فيها، بل انتظمت صغيرةً
موازيةً له، اللَّهمَّ إلا إذا كان الكوكب على المعدِّل مقدارَ ما يتمِّم بحركته دورةً، فإنَّ
المنتظمةَ حينئذٍ تكون نفسَ المعدّل، لكنَّ هذا غيرُ موجود في الكواكب التي نعرفها،
ولا على قطبين غيرِ قطبيهما، وإلَّ لكان يُرى مسيرُه فوق الأرض على دائرة مقاطعة
للدوائر المتوازية، ولم تكن دائرةُ نصفِ النهار تفصلُ الزمانَ الذي من حين يطلع
إلى حين يغربٍ بنصفين؛ لأنَّ قطبي فَلَكه المائل لا يكون دائماً على دائرة نصف
(١) تفسير الرازي ١٦٦/٢٢ .

سُورَةُ الأَنْبَاءِ
٩٠
الآية : ٣٣
النهار، فلا تنفصلُ قِسيُّ مداراته الظاهرةُ بنصفين، ولأنَّه لو كان الأمر كما توهمَّوا
لكانت الشمس تصل إلى أَوجِها وحضيضِها وبُعْدَيها الأوسطين، بل إلى الشمال
والجنوب، فيجب أن تحصل جميعُ الأظلالِ اللائقة بكون الشمس في هذه المواضع
في اليوم الواحد، والوجودُ بخلافه.
وقول من قال: يجوز أن تكون حركةُ الشمسٍ في دائرة البروج إلى المغرب،
ظاهر الفساد؛ لأنَّه لو كان كذلك، لكان اليومُ الواحد بليلته ينقص عن دورٍ معدّل
النهار بقَدْر القوس التي قطعتها الشمسُ بالتقريب، بخلاف ما هو الواقع؛ لأنَّه يزيدُ
على دور المعدَّل بذلك القَدْر، ولكان يُرى قَطْعها البروجَ على خلاف التوالي،
وليس كذلك؛ لتأّرها عن الجزء الذي يتوسّط معها من المعدّل في كلِّ يوم نحو
المشرق، فإذاً حركاتُ الأفلاك الشاملة للأرض ثنتان، حركة إلى التوالي وأخرى
إلى خلافه، وأما حركات التداوير فخارجة عن القسمين؛ لأن حركات أعاليها
مخالفة لحركات أسافلها لا محالةَ، لكونها غيرَ شاملة للأرض، فإن كانت حركةُ
الأعلى من المغرب إلى المشرق، فحركة الأسفل بالعكس كما في المتحيرة، وإن
كانت حركةُ الأعلى من المشرق إلى المغرب، كانت حركةُ الأسفل بالعكس كما في
القمر.
هذا، وقصارى ما نقول في هذا المقام: إنَّ ما ذكره الفلاسفةُ في أمر الأفلاك
الكليّة والجزئيَّة، وكيفيَّة حركاتها وأوضاعِها، أَمْرٌ ممكن في نفسه، ولا دليلَ على
أنَّه هو الواقعُ لا غير، وقد ذهب إلى خلافهِ أهل لندن وغيرهم من أصحاب
الأرصاد اليومَ، وكذا أصحاب الأرصاد القلبيَّة والمعارجِ المعنويَّة كالشيخ
الأكبر - قُدِّسَ سرُّه - وقد أطال الكلامَ في ذلك في ((الفتوحات المكيَّة)).
وأمَّا السلفُ الصالح فلم يصحَّ عنهم تفصيلُ الكلامِ في ذلك؛ لما أنَّه قليلُ
الجدوى، ووقفوا حيث صحَّ الخبرُ، وقالوا: إنَّ اختلافَ الحركات ونحوه بتقدير
العزيزِ العليم، وتشبَّوا فيما صحَّ وخفيَ سببُه بأذيال التسليم.
والذي أَميل إليه أنَّ السماوات على طبق ما صحَّت به الأخبارُ النبويَّة في أمر
الفِّخَن وما بين كلِّ سماءٍ وسماء، ولا أخرج عن دائرة هذا الميل.

الآية : ٣٣
٩١
سُورَةُ الإنْسَاءِ
وأقول: يجوز أن يكون ثِخَنُ كلِّ سماء فَلَكٌ لكلِّ واحدة من السيّارات على
نحوِ الفلك الذي أثبته الفلاسفةُ لها، وحركته الذاتيَّة على نحوٍ حركته عندهم،
وحركته العَرضيَّة بواسطة حركةٍ سمائه إلى المغرب الحركة اليوميّة، فتكون حركات
السماوات متساويةً، وإن أبيت تحرُّكَ السماءِ بجميع ما فيها لإباء بعضٍ الأخبار
عنه، مع عدم دليلٍ قطعيٍّ يوجبه. قلت: يجوز أن يكون هناك محرِّك في ثِخَنِ
السماء أيضاً، ويبقى ما يبقى منها ساكناً بقدرة الله تعالى على سطحِه الأعلى ملائكةٌ
يسبِّحون الليلَ والنهار لا يفترون.
وللفلاسفة في تحقيق أنَّ المحيط كيف يُحرِّك المحاط به، كلامٌ تعقّبه الإمام،
ثم قال: الصحيح أنَّ المحرِّك للكلِّ هو الله تعالى باختيارِهِ وإن ثبت على قانونٍ
قولِهم كون الحاوي محرِّكاً للمحوى، فإنَّه يكون محرِّكاً بقوّة نفسِه لا بالمماسَّة.
وأما الثوابت فيحتمل أن تكون في فلكٍ فوقَ السماوات السبع، ويحتمل أن يكون
في ثِخَنِ السماء السابعة فوقَ فَلَك زحل، بل إذا قيل بأنَّ جميعَ الكواكب الثوابت
والسيَّارات في ثِخَنِ السماء الدنيا تتحرَّك على أفلاك مماثلة للأفلاك التي أثبتها لها
الفلاسفة، ويكون لها حركتان على نحو ما يقولون، لم يَبعُد، وفيه حفظٌ لظاهر قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنَا بِمَصَبِيحَ﴾ [الملك: ٥] وما ذكروه في عِلْم الأجرام
والأبعاد على اضطرابِهِ، لا يلزمنا تسليمُه، فلا يَرِدُ أنَّهم قالوا: بُعْدُ الثوابتِ عن
مركز الأرض خمسةٌ وعشرونَ ألفَ ألفٍ وأربعُ مئة واثنا عشر ألفاً، وثمانُ مئة وتسع
وتسعون فَرْسخاً، وما ورد في الخبر من أنَّ بين السماء والأرض خمسمئة عام،
وسَمْك السماء كذلك(١)، يقتضي أن يكون بين وجه الأرض والثوابت على هذا
التقدير ألف عام، وفراسخُ مسيرةٍ ذلك مع فراسخِ نصفٍ قُظْر الأرض وهي ألف
ومئتان وثلاثة وسبعون تقريباً، على ما قيل، دون ما ذكر بكثير.
ولا حاجةً إلى أن يقال: العددُ لا مفهومَ له، واختيار خمس مئة لما أنَّ الخمسةَ
عددٌ دائر، فيكون في ذلك رمز خفيٍّ إلى الاستدارة كما قيل في كلِّ فلك، ويشير
إلى صحَّة احتمال أن يكون الفَلَك في ثخن السماءِ ما أخرجه ابنُ أبي حاتم
وأبو الشيخ عن ابنِ عباس ظُّه قال: الشمسُ بمنزلة الساقية تجري في السماء في
(١) سلفت الأخبار بذلك ٤٣١/١٣ وما بعد.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٩٢
الآية : ٣٤
فلكها، فإذا غربت جرَّت الليلَ في فَلَكها تحتَ الأرض حتى تطلعَ من مشرقها (١)،
وكذلك القمر، والأخبار المرفوعة والموقوفة في أَمْرِ الكواكب والسماوات
والأرض كثيرة.
وقد ذكر الجلال السيوطيُّ منها ما ذكر في رسالة ألَّفها في بيان ((الهيئة السنية))،
وإذا رصدتها رأيتَ أكثرَها مائلًا عن دائرة بروج القبول، وفيه ما يُشعِر بأنَّ للكوكب
حركةً قسريّة نحو ما أخرجه ابنُ المنذر عن عكرمة: ما طلعت الشمسُ حتى يوترَ لها
كما توتر القوس.
ثم الظاهر أن يُراد بالسباحة الحركةُ الذاتيّة، ويجوز أن يُراد بها الحركة
العَرضية، بل قيل: هذا أَولى؛ لأنَّ تلك غيرُ مشاهدةٍ مشاهدةَ هذه، بل عوامُ الناس
لا يعرفونها .
وقيل: يجوز أن يُراد بها ما يعمُّ الحركتين، واستنبط بعضهم من نسبة السباحة
إلى الكوكب أنْ ليس هناك حاملٌ له يتحرَّك بحركته مطلقاً، بل هو متحرِّك بنفسه في
الفلك تحرُّكَ السمكة في الماء، إذ لا يقال للجالس في صندوق، أو على جذع
يجري في الماء: إنَّه يَسْبَح، واختار أنَّه يجري في مجرّى قابلٍ للخرق والالتئام
كالماء، ودون إثبات استحالة ذلك العروجِ إلى السماء السابعة، والله تعالى أعلم
بحقيقة الحالِ، وهو سبحانه وليُّ التوفيق وعلى محور هدايته تدورُ كرةُ التحقيق،
وهذه نبذةٌ مما رأينا إيرادَه مناسباً لهذا المقام، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - نبذةٌ
أُخرى مما يتعلَّق بذلك من الكلام.
﴿َوَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ﴾ كائناً مَن كان ﴿مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾ أي: الخلودَ والبقاءَ في
الدنيا؛ لكونه مخالفاً للحكمة التكوينيَّة والتشريعيَّة، وقيل: الخلد: المُكْثُ الطويل،
ومنه قولهم للأثاني(٢): خوالد.
واستدلَّ بذلك على عدمِ حياةِ الخَضِرِ عليه السلام، وفيه نظر.
﴿أَفَإِيْن مِّتَّ﴾ بمقتضى حكمتِنا ﴿فَهُمُ الْخَلِدُونَ (﴿3﴾﴾ نزلت حين قالوا: ﴿نَزَبَصَُ
(١) سلف ٢٦٩/١٣.
(٢) الأُثْفِيَّة: الحَجَر يُوضع عليه القِدْر، والجمع: أثافي. القاموس (أثف).

الآية : ٣٤
٩٣
سُورَةُ الأَنَبِيَاءِ
بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، والفاء الأُولى لتعليقِ الجملة الشرطيَّة بما قبلها،
والهمزة لإنكار مضمونها، وهي في الحقيقة لإنكار جزائها، أعني: ما بعد الفاء
الثانية. وزعم يونس أنَّ تلك الجملةَ مصبُّ الإنكار، والشرطُ معترض بينهما،
وجوابه محذوف تدلُّ عليه تلك الجملةُ، وليس بذاك.
ويتضمَّن إنكارُ ما ذُكر إنكارَ ما هو مدارٌ له وجوداً وعدماً من شماتتهم
بموتِهِ وَّله، كأنَّه قيل: أَفَإِنْ مثَّ، فهم الخالدون حتى يَشْمتوا بموتِك، وفي معنى
ذلك قولُ الإمام الشافعيِّ عليه الرحمة:
فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدٍ
تمثَّى رجالٌ أن أموتَ وإنْ أَمُتْ
تزوَّد لأُخرى مثلِها فكأَنْ قَدٍ (١)
فقل للذي يبغي خلافَ الذي مضى
وقول ذي الأصبع العدواني:
كَلاكلَه أناخَ بآخَرينا
إذا ما الدهرُ جرَّ على أناسٍ
سَيلقى الشامتونَ كما لقينا(٢)
فقل للشامتينَ بنا أَفيقُوا
وذكر العلّامة الطيبيُّ، ونقله صاحب ((الكشف)) بأدنى زيادة أنَّ هذا رجوعٌ إلى
ما سِيقَت له السورة الكريمة من حيث النبوّةُ ليتخلَّص منه إلى تقريرِ مشروع آخرَ،
وذلك لأنَّه تعالى لما أَفحم القائلينَ باتِّخاذ الولد والمتَّخذِين له سبحانه شركاءَ
(١) هكذا نسبه ابن خلِّكان في وفيات الأعيان ٢٣٩/١، والصفدي في الوافي بالوفيات
٢٧٨/٩-٢٧٩ و٥٤٣/١٧، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٠١/٢، والطبري في تفسيره
٤٧٨/٢٤، وابن عبد البر في بهجة المجالس ٧٤٦/٢-٧٤٧ إلى طرفة، ونسبه الأخفش في
الاختيارين ص١٦١ إلى مالك بن القَيْن، وهما في ديوان عبيد بن الأبرص ص٦٨ برواية:
تمنَّى مُرَيْءُ القيس موتي ......
(٢) هكذا نسبه المرتضى في أماليه ٢٥١/١، والبغدادي في خزانة الأدب ٢٨٧/٥، ونسبه ابن
قتيبة في عيون الأخبار ١١٤/٣، والمرزوقي في شرح ديوان الحماسة ١٢٠٨/٣ للفرزدق،
ونسبه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٤٧٨/١، وابن عبد البر في بهجة المجالس ٢/ ٧٤٧،
والأصفهاني في الأغاني ٣٩٦/٢١ للعلاء بن قرظة خال الفرزدق، وعبارة ابن قتيبة في
الشعر والشعراء: وكان الفرزدق يقول: إنما أتاني الشعر من قبل خالي، وخالي الذي يقول:
إذا ما الدهر ..... إلى آخر البيتين.

سُورَةُ الأَنْبَاءِ
٩٤
الآية : ٣٥
وبَكَتهم، ذَكَر ما يدلُّ على إفحامهم، وهو قوله تعالى: ((أفإن)) إلخ، لأنَّ الخصمَ إذا
لم يبقَ له متشبّث، تمنَّی هلاكَ خصمه.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ برهان على ما أنكر من خلودِهم، وفيه
تأكيدٌ لقوله سبحانه: ((وما جعلنا)) إلخ، والموت عند الشيخ الأشعريِّ: كيفيَّةٌ
وجوديَّة تضادُّ الحياةً(١)، وعند الإسفراييني - وعزي للأكثرين - أنَّه عدمُ الحياة عمَّا
مِن شأنه الحياةُ بالفعل، فيكون عدمَ تلك الحياة، كما في العمى الطارئ على البصر
لا مُطلَق العمى، فلا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعدادِه للحياة موتاً،
وقيل: عدمُ الحياة عمَّا مِن شأنه الحَياةُ مطلقاً، فيلزم ذلك ولا ضيرَ، لقوله تعالى:
﴿كَيْفَ تَكْفُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]
واستدلَّ الأشعريُّ على كونه وجوديًّا بقوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَةَ﴾ [الملك:
٢] فإنَّ الخَلْقَ هو الإيجادُ والإخراجُ من العَدَم، وبأنَّه جائزٌ، والجائزُ لا بُدَّ له من
فاعلٍ، والعَدَم لا يَفعلُ.
وأجيب عن الأوَّل بأنَّه يجوز أن يكون بمعنى التقدير، وهو أعمُّ من الإيجاد،
ولو سُلِّم كونه بمعنى الإيجاد، فيجوز أن يُراد بخَلْق الموتِ إيجادُ أسبابه، أو يقدّر
المضاف، وهو غير عزيز في الكلام.
وعن الأستاذ أنَّ المرادَ بالموت: الآخرةُ، والحياةِ: الدنيا؛ لما روي عن ابن
عباس تفسيرهما بذلك، وعن الثاني بأنَّ الفاعلَ قد يُريد العَدَم كما يريد الحياةَ،
فالفاعل يعدم الحياة، كما يعدم البصر مثلًا .
وقال اللَّقَاني: الظاهر قاضٍ بما عليه الأشعريُّ، والعدولُ عن الظاهر من غيرِ
داعٍ غيرُ مرضيٍّ عند العدول، وكلامُه صريح في أنَّه عَرَضٌ.
وتوقّف بعضُ العلماء القائلينَ بأنَّه وجوديٌّ في أنَّه جوهر أو عَرَضٌ، لما أنَّ في
بعضِ الأحاديث أنَّه معنَى خَلَقه اللهُ تعالى في كفِّ مَلَك الموت(٢)، وفي بعضها
(١) وذكره عنه عبد السلام اللقاني في إتحاف المريد بجوهرة التوحيد ص٢١٢ .
(٢) أخرج أبو الشيخ في العظمة (٤٤٥) عن أشعث قال: سأل إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه
وسلم تسليماً ملك الموت عليه السلام واسمه عزرائيل ... قال: أُدُعُ الأرواح بإذن الله عز
وجل، فتكون بين أصبعي هاتين ... الخبر، وإسناده منقطع.

الآية : ٣٥
٩٥
سُورَةُ الأَنْبِيَّاءِ
أنَّ الله تعالى خَلَقه على صورةٍ كبش لا يمرُّ بشيءٍ يجد ريحَه إلا ماتَ(١).
وجُلُّ عباراتِ العلماء أنَّه عَرَضٌ يَعقُب الحياةَ، أو فسادُ بُنيَة الحيوانِ، والأوَّل
غيرُ مانع، والثاني رَسْمٌ بالثمرة، وقريبٌ منه ما قاله بعضُ الأفاضل: إنَّه تعظُّل
القوى لانطفاءِ الحرارة الغريزيَّة التي هي آلتها، فإن كان ذلك لانطفاءِ الرطوبة
الغريزيَّة، فهو الموت الطبيعيُّ، وإلا فهو الغير الطبيعيِّ، والناس لا يعرفونَ من
الموت إلا انقطاع تعلُّق الرُّوح بالبدنِ التعلُّق المخصوصَ، ومفارقتها إيَّاه.
والمراد بالنفس: النفسُ الحيوانيَّة، وهي مطلقاً أعمُّ من النفس الإنسانيَّة،
كما أنَّ الحيوانَ مطلقاً أعمُّ من الإنسان.
والنفوسُ عند الفلاسفةِ ومَن حذا حَذْوهم ثلاثةٌ: النباتيَّة، والحيوانيَّة، والفلكيّة،
والنفس مقولةٌ على الثلاثة بالاشتراك اللفظيّ على ما حكاه الإمام في ((الملخّص)) عن
المحقّقين، وبالاشتراك المعنويِّ على ما يقتضيه كلامُ الشيخ في ((الشفاء)»(٢)، وتحقيق
ذلك في محلِّه، وإرادةُ ما يشمل الجميعَ هنا مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه.
وقال بعضهم: المرادُ بها النفسُ الإنسانيَّة؛ لأنَّ الكلامَ مسوقٌ لنفي خلودٍ
البشر، واختير عمومُها؛ لتشملَ نفوسَ البشر والجنِّ وسائر أنواع الحيوان، ولا يضرُّ
ذلك بالسّوق، بل هو أنفعُ فيه، ولا شكَّ في موت كلٌّ من أفراد تلك الأنواعِ، نعم
اختلف في أنَّه هل يصحُّ إرادةُ عمومِها بحيث تشمل نفسَ كلِّ حيٍّ كالمَلَك وَغيرِهِ،
أم لا، بناءً على الاختلاف في موت الملائكة عليهم السلام، والحورِ العين؟
فقال بعضهم: إنَّ الكلَّ يموتون، ولو لحظةً؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا
وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقال بعضهم: إنَّهم لا يموتون؛ لدلالة بعض الأخبار على ذلك، والمراد من
كلِّ نفس النفوسُ الأرضيَّة، والآية التي استُدلَّ بها مؤوَّلةٌ بما ستعلمه إن شاء الله
تعالى - وهم داخلونَ في المستثنى في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى اُلُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى
(١) تفسير القرطبي ١١١/٢١ وعزاه لابن عباس والكلبي ومقاتل. ووقَّاه ابن حجر كما في
السيرة الحلبية .
(٢) الشفاء الطبيعيات (النفس) ص١١ .

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٩٦
الآية : ٣٥
السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهٌ﴾ [الزمر: ٦٨] أو لا يسلمُ أنَّ كلَّ صعقٍ موتٌ.
وقال بعضهم: إنَّ الملائكةَ يموتون، والحور لا تموت.
وقال آخرونَ: إنَّ بعضَ الملائكةِ عليهم السلام يموتونَ، وبعضهم لا يموت،
كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل عليهم السلام، ورجّح قول البعض.
ولا يَرِدُ أنَّ الموتَ يقتضي مفارقةَ الروح البدنَ، والملائكة عليهم السلام
لا أبدانَ لهم؛ لأنَّ القائلَ بموتهم يقول بأنَّ لهم أبداناً لكنَّها لطيفةٌ، كما هو الحقُّ
الذي دلَّت عليه النصوص، وربَّما يمنعُ اقتضاء الموت البدن.
وبالغ بعضُهم، فادَّعى أنَّ النفوسَ أنفسَها تموتُ بعد مفارقتِها للبدن، وإن لم
تكن بعد المفارقة ذاتَ بدن، وكأنَّه يلتزم تفسيرَ الموت بالعَدَم والاضمحلالِ.
والحقُّ أنَّها لا تموتُ، سواء فسِّر الموتُ بما ذُكر، أم لا، وقد أشار أحمدُ بنُ
الحسين الكنديُّ إلى هذا الاختلاف بقوله:
إلا على شَجَبٍ والخُلْفُ في شَجَبٍ
تنازعَ الناسُ حتى لا اتفاقَ لهم
وقيل تَشْرَك جسمَ المرءِ في العطب(١)
فقيل تَخْلُصُ نفسُ المرءِ سالمةً
وذهب الإمام (٢) إلى العموم في الآية، إلا أنَّه قال: هو مخصوصٌ، فإن له
تعالى نفساً كما قال سبحانه حكايةً عن عيسى عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ
أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكْ﴾ [المائدة: ١١٦] مع أنَّ الموت مستحيلٌ عليه سبحانه، وكذا
الجمادات لها نفوس وهي لا تموت، ثم قال: والعامُّ المخصوص حجَّةٌ، فيبقى
معمولًا به على ظاهره، فيما عدا ما أُخرج منه، وذلك يُبطل قولَ الفلاسفة في
الأرواح البشريّة، والعقول المفارقة، والنفوس الفلكيّة، أنَّها لا تموت. اهـ.
وفيه أنَّه إن أراد بالنفس الجوهرَ المتعلِّقَ بالبدن تعلُّقَ التدبير والتصريف،
كما قاله الفلاسفة ومَن وافقهم، أو الجسمَ النورانيَّ الخفيفَ الحيَّ المتحرِّك النافذَ
(١) ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح عبد الرحمن البرقوقي ٢٢٤/٢، وفيه: تخالف، بدل:
تنازع. قال شارحه: الشَّجَب: الهلاك. والخُلْف: الاختلاف. والمراد بالنفس الروح.
(٢) ينظر تفسير الرازي ١٦٩/٢٢.

الآية : ٣٥
٩٧
سُورَةُ الأَبِيَاءِ
في الأعضاء، الساري فيها سريانَ ماءِ الورد في الورد، كما عليه جمهور المحدِّثين،
وذكر له ابنُ القيم مئةَ دليل(١)، فالله تعالى منزَّه عن ذلك أصلًا.
وكذا الجمادات لا تتَّصف بها على الشائع، وأيضاً ليس للأرواح البشريَّة
والعقول المفارقة عند الفلاسفة نفساً بأحدٍ ذينك المعنَبِيْن، فكيف يبطلُ بالآيةِ الكريمة
قولهم، وإن أراد بها الذات، كما هو أحدُ معانيها، جاز أن تثبتَ لله تعالى، وقد قيل
به في الآية التي ذكرها، وكذا هي ثابتة للجمادات، لكن يَرِدُ عليه أنَّه إن أراد بالموت
مفارقةَ الروح للبدن أو نحوَ ذلك، يبطل قولُه: وذلك يبطل إلخ؛ لأنَّ الأرواحَ
والعقولَ المذكورة لا أبدانَ لها عند الفلاسفة، فلا يتصوَّر فيها الموتُ بذلك المعنى،
وإن أراد به العدمَ والاضمحلالَ، يَرِدُ عليه أنَّ الجمادات تَتَّصف به، فلا يصحُّ قوله:
وهي لا تموت، وبالجملة لا يَخفى على المتذكِّر أنَّ الإمام سها في هذا المقام، ثم إنَّ
معنى كون النفس ذائقة الموت، أنَّها تُلابسه على وجه تتألّم به، أو تلتذُّ من حيث إنَّها
تَخلُص به من مضيق الدنيا الدنيئة إلى عالم المَلَكوت وحظائرِ القدس، کذا قيل.
والظاهر أنَّ كلَّ نفسٍ تتألَّم بالموت، لكن ذلك مختلف شدَّة وضعفاً، وفي
الحديث: ((إنَّ للموت سكرات))(٢). ولا يلزم من التخلّص المذكور لبعضٍ الناس
عدمُ التألُّم، ولعلَّ في اختيار الذوق إيماء إلى ذلك، لمن له ذَوْقٌ، فَإِنَّه أكثرُ
ما جاء في العذاب. وقال الإمام(٣): إنَّ الذوقَ إدراكٌ خاصٌّ، وهو هاهنا مجاز
عن أصل الإدراكِ، ولا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأنَّ الموتَ ليس من جنس
الطعام حتى يُذاق.
وذكر أنَّ المرادَ من الموت مقدِّماتُه من الآلام العظيمة؛ لأنَّه قبل دخوله في
الوجود ممتنعُ الإدراك، وحالَ وجودِه يصيِّر الشخصَ ميتاً، والميِّتُ لا يُدرِك.
وتُعقّب بأنَّ المدرِك النفسُ المفارقةُ، وتُدرِك أَلَمَ مفارقتِها البدنَ.
(١) في كتابه: معرفة الروح والنفس، كما نصَّ على ذلك في كتابه الروح ص٦٢، وهو خلاف
كتاب الروح كما ذكر ذلك بكر أبو زيد في كتابه: ابن قيِّم الجوزية حياته وآثاره ص١٦١،
عند ذكره لمؤلفات ابن القيم.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥١٠) من حديث عائشة
(٣) تفسير الرازي ١٦٩/٢٢.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٩٨
الآية : ٣٦
﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ الخطاب إمَّا للناس كافَّة بطريق التلوين، أو للكفرة بطريق الالتفات،
أي: نعاملكم معاملة من يختبركم ﴿بِالثَرِّ وَالْخَيْرِ﴾ بالمكروه والمحبوب، هل
تصبرونَ وتشكرون، أو لا؟ !.
وتفسير الشَّرِّ والخير بما ذُكر مرويٌّ عن ابنٍ زيد، وروي عن ابنِ عباس
أنَّهما الشدَّةُ والرخاء. وقال الضخَّاك: الفقرُ والمرض، والغنى والصحة. والتعميمُ
أَولى، وقدّم الشَّرُّ؛ لأنَّه اللائقُ بالمنكر عليهم، أو لأنَّه ألصق بالموت المذكور قبلَه.
وذكر الراغبُ(١) أنَّ اختبارَ الله تعالى للعباد تارةً بالمسارِّ ليشكروا، وتارةً
بالمضارِّ ليصبروا، فالمنحة والمحنة جميعاً بلاءٌ، فالمحنة مقتضيةٌ للصبر، والمنحة
مقتضيةٌ للشكر، والقيام بحقوق الصبرِ أيسرُ من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظمُ
البلاءين، وبهذا النظر قال عمر ربه: بُلينا بالضراء فصبرنا، وبُلينا بالسراء فلم
نصبر. ولهذا قال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: مَن وُسِّع عليه دنياه، فلم يَعلم أنَّه قد
مُكر به، فهو مخدوع عن عقله. اهـ. ولعلَّه يُعلمَ منه وجهٌ لتقديم الشّرِّ ﴿فِتْنَةٌ﴾ أي:
ابتلاءً، فهو مصدر مؤكد ((نبلوكم)) على غيرِ لفظه.
وجوِّز أن يكون مفعولًا له أو حالًا على معنى: نبلوكم بالشَّرِّ والخير؛ لأجل
إظهار جودتِكم ورداءتكم، أو مظهرين ذلك، فتأمل ولا تغفل.
﴿وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ (٣٥)﴾ لا إلى غيرِنا، استقلالًا ولا اشتراكاً، فنجازيكم
حسبما يَظهر منكم من الأعمال، فهو على الأوَّل من وجهي الخطاب وعدٌ ووعيدٌ،
وعلى الثاني منهما وعيدٌ محضّ.
وفي الآية إيماءٌ إلى أنَّ المراد من هذه الحياة الدنيا الابتلاءُ والتعريضُ للثواب
والعقاب.
وقرئَ: ((يرجعون)) بياء الغيبة على الالتفات(٢).
﴿وَإِذَا رَءَالَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: المشركون ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا﴾ أي:
ما يتخذونك إلا مهزوءاً به على معنى قَصْرٍ معاملتهم معه وَّل على اتِّخاذهم
(١) مفردات ألفاظ القرآن (بلي).
(٢) المحرر الوجيز ٨١/٤، والبحر المحيط ٣١١/٦.

الآية : ٣٦
٩٩
سُوَدَّةُ الأَنْبِيَاءِ
إِيَّاه - عاملهم اللهُ تعالى بعَدْله - هزواً لا على معنى قَصْر اتّخاذهم على كونه هزواً،
كما هو المتبادر، كأنَّه قيل: ما يفعلون بكَ إلا اتّخاذك هزواً.
والظاهر أنَّ جملةَ: ((إن يتَّخذونَكَ)) إلخ، جواب ((إذا))، ولم يحتج إلى الفاء،
كما لم يحتج جوابُها المقترن بـ ((ما)) إليها في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَُى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيْنَتٍ
مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ [الجاثية: ٢٥] وهذا بخلاف جوابٍ غيرِ ((إذا)) من أدوات الشرط
المقترن بـ ((ما))، فإنَّه يلزم فيه الاقترانُ بالفاء، نحو: إن تَزُرْنا، فما نُسِيْءُ إليك.
وقيل: الجواب محذوف، وهو: يقولون، المحكي به قوله تعالى: ﴿أَهَذَا
الَّذِى يَذْكُرُ ءَالھَتَكُمْ﴾، وقوله سبحانه: ((إن يتخذونك)) إلخ، اعتراضٌ، وليس
بذاك، نعم لا بُدَّ من تقدير القول فيما ذُكر، وهو إما معطوف على جملة: ((إن
يتخذونك)) أو حال، أي: ويقولون، أو: قائلين، والاستفهام للإنكار والتعجُّب،
ويفيدان أنَّ المرادَ: يَذكُر آلهتكم بسوء، وقد يكتفى بدلالة الحالِ عليه كما في قوله
تعالى: ﴿َسَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] فإنَّ ذِكْرَ العدوِّ لا يكون إلا بسوء، وقد
تحاشَوا عن التصريح؛ أدباً مع آلهتهم.
وفي ((مجمع البيان)) (١): تقول العرب: ذكرتُ فلاناً، أي: عبتُه، وعليه قول
عنترة:
لا تَذْكُرِي مُهْري وما أَظْعمتُه
فيكونَ جِلْدُك مثلَ جِلْدِ الأَجربِ(٢)
انتهى. والإشارة مثلها في قوله:
من نَسْلٍ شيبانَ بين الضَّال والسَّلمِ (٣)
هذا أبو الصقرِ فرداً في محاسنِهِ
فيكون في ذلك نوع بيانٍ للاتِّخاذ هزواً.
(١) ٢٦/١٧.
(٢) ديوان عنترة ص٣٣.
(٣) القائل ابن الرومي، وجاءت رواية البيت كما هنا في معاهد التنصيص للعباسي ١/ ١٠٧،
وجاءت رواية البيت في ديوانه ٢٣٩٩/٦ هكذا:
هذا أبو الصقر فرد في كتابته وهو ابن شيبان بين الطلح والسلم
قال العباسي: الضال والسلم: شجرتان من شجر البادية. وفرداً: منصوب على المدح أو
الحال.

سُورَةُ الأَبِيَاءِ
١٠٠
الآية : ٣٦
في حين النصب على
وقوله تعالى: ﴿وَهُم بِذِكْرِ الرَّهَنِ هُمْ كَفِرُونَ
الحاليَّة من ضميرٍ القول المقدَّر، والمعنى: إنَّهم يعيبون عليه عليه الصلاة والسلام
أن يَذكُر آلهتهم التي لا تضرُّ ولا تنفع بالسوء، والحال أنَّهم بالقرآن - الذي أنزل
رحمةً - كافرون، فهم أحقّاء بالعَيب والإنكار، فالضمير الأوَّل مبتدأ، خبره:
((كافرون))، وبه يتعلَّق ((بذكر))، وقدِّم؛ رعايةً للفاصلة، وإضافته لاميّة، والضمير
الثاني تأكيدٌ لفظيٍّ للأوَّل، والفصل بين العامل والمعمول بالمؤكِّد، وبين المؤگِّد
والمؤگّد بالمعمول، جائز.
ويجوز أن يُراد ((بذكر الرحمن)) توحيدُه، على أنَّ (ذِكْر)) مصدرٌ مضاف إلى
المفعول، أي: وهم كافرون بتوحيدِ الرحمن المنعِم عليهم بما يستدعي توحيدَه
والإيمانَ به سبحانه، وأن يُراد به عظتُه تعالى وإرشادُه الخَلْق بإرسال الرسل، وإنزال
الكتب على أنَّه مصدرٌ مضاف إلى الفاعل.
وقيل: المراد بذِكْر الرحمن ذِكْرِه وَ ل# هذا اللفظَ وإطلاقه عليه تعالى.
والمراد بكفرهم به، قولُهم: ما نعرف الرحمنَ إلا رحمنَ اليمامة، فهو مصدرٌ
مضاف إلى المفعولِ لا غير، وليس بشيء كما لا يخفى.
وجعل الزمخشريُ(١) الجملةَ حالًا من ضمير ((يتخذونك)) أي: يتّخذونك هزواً
وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية، وهي الكُفْرِ بذِكْر الرحمن.
وسبب نزول الآية على ما أَخرج ابنُ أبي حاتم عن السُّدِّيِّ أنَّهِ وَلّهِ مرَّ على
أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدَّثان، فلما رآه أبو جهل، ضَحِكَ، وقال
لأبي سفيان: هذا نبيُّ بني عبد منافٍ. فغضب أبو سفيان، فقال: ما تُنكِر أن يكون
لبني عبدِ منافٍ نبيٌّ؟! فسمعها النبيُّ بَّر، فرجع إلى أبي جهل، فوقع به وخوَّفه،
وقال: ((ما أَراكَ منتهياً حتى يصيبك ما أصابَ عمَّك)) الوليدَ بنَ المغيرة، وقال
لأبي سفيان: ((أَمَا إنَّك لم تقل ما قلتَ إلا حميَّة))(٢). وأنا أَرى أنَّ القلبَ لا يَثلجُ
لكونِ هذا سبباً للنزول، والله تعالى أعلم.
(١) الكشاف ٢/ ٥٧٢ .
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٥٢/٨ - ٢٤٥٣ (١٣٦٥٥).