النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ١٧ ٤١ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ولا يخفى أنَّ أكثرَ أهلِ السنة على إنكار المجرَّدات، ثم على تقدير تفسير الآية بما ذكر، المرادُ الرَّدُّ على من يزعم اتِّخاذ اللهوِ في هذا العالَم، لا أنَّه يجوِّز اتِّخاذه من المجرَّدات، بل هو فيها أظهرُ في الاستحالة، وعن الجبائيّ أنَّ المعنى: لو أردنا اتّخاذ اللهو لاتَّخذناه مِن عندنا، بحيث لا يطّلع عليه أحد؛ لأنَّه نقصٌ، فستره أَولى، أو هو أسرع تبادراً مما في ((الكشف)» وذلك أبعد مغزَّى. وقال الإمام الواحديُّ(١): اللهو: طلب الترويح عن النفس، ثم المرأة تسمى لهواً، وكذا الولد، لأنَّه يستروح بكلِّ منهما، ولهذا يقال لامرأةِ الرجل وولدِه: ريحانتاه، والمعنى: لو أردنا أن نتَّخذ امراةً ذاتَ لهو، أو ولداً ذا لهو، لاتَّخذناه مِن لدنا، أي: ممَّا نصطفيه ونختاره مما نشاء، كقوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] وقال المفسِّرون: أي: من الحور العين، وهذا ردٌّ لقول اليهودِ في عُزَير، وقولِ النصارى في المسيح وأمِّه، من كونه عليه السلام ولداً وكونها صاحبةً. ومعنى ((من لدنا)): مِن عندنا، بحيث لا يجري لأحدٍ فيه تصرُّف، لأنَّ ولدَ الرجل وزوجته یکونان عنده لا عند غيره. انتهى. وتفسير اللهو هنا بالولد مرويٌّ عن ابن عباس والسديِّ، وعن الزجَّاج(٢) أنَّه الولد بلغة حضرموت. وكونه بمعنى المرأةِ حكاه قتادةُ عن أهل اليمن ولم ينسبه لأهلٍ بلدة منه، وزعم الطبرسيُّ (٣) أنَّ أصله الجماعُ، ويكنى به عن المرأة؛ لأنَّها تُجامَع، وأنشد قولَ امرئ القيس : ألا زعمت بسباسةُ اليوم أنَّني كَبِرتُ وأن لا يُحْسِنَ اللهوَ أمثالي(٤) والظاهر حملُ اللهو على ما سمعتَ أوَّلًا؛ لقوله تعالى: ((وما بينهما لاعبين))، ولأنَّ نفيَ الولدِ سيجيءُ مصرَّحاً إن شاء الله تعالى، ويعلم من ذلك أنَّ كون المراد الردّ على النصارى وأضرابِهم غير مناسبٍ هنا، ثمَّ إنَّ الظاهرَ من السياق أنَّ ((إنْ)) (١) الوسيط ٢٣٢/٣. (٢) معاني القرآن وإعرابه ٣٨٦/٣. (٣) مجمع البيان ١٧/ ١٤ . (٤) ديوان امرئ القيس ص٢٨، وبسباسة: امرأة عيَّرته بالكِبر، وأنه لا يحسن اللهو. سُورَةُ الأَنْيَاءِ ٤٢ الآية : ١٨ شرطيّة، والجواب محذوف، ثقةً بدلالة ما قَبْلُ عليه، أي: إن كنا فاعلين لاتَّخذناه من لدنا، وكونها نافية وإن كان حسناً معنى، وقد قاله جماعة منهم مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن جريج، استدرك عليه بعضهم بأنَّ أكثر مجيء ((إنْ)) النافية مع اللام الفارقة، لكن الأمر في ذلك سهل. وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَفْذِفُ بِالْنَّ عَلَى الْبَطِلِ﴾ إضراب عن اتِّخاذ اللهو واللعب، بل عن إرادة الاتِّخاذ، كأنَّه قيل: لكنَّا لا نُريده، بل شأننا أن نُغلِّب الحقَّ الذي من جملته الجِدُّ، على الباطل الذي من جملته اللهو، وتخصيص هذا الشأن من بين سائرٍ شؤونه - تعالى - بالذكر؛ للتخلّص - لما سيأتي إن شاء الله تعالى - من الوعيد. وعن مجاهد أنَّ الحقَّ القرآنُ، والباطلَ الشيطانُ. وقيل: الحقُّ الحجَّةُ، والباطلُ شُبَهُهم، ووصفهم اللهَ تعالى بغير صفاتِه من الولد وغيرِهِ، والعموم هو الأَولی. وأصل القذفِ: الرمي البعيد، كما قال الراغب(١)، وهو مستلزم لصلابة الرمي، وقد استُعير للإيراد، أي: نُورد الحقَّ على الباطل ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي يمَحقه بالكلِّية، كما فعلنا بأهل القرى المحكمة، وأصل الدَّمْغِ: كسرُ الشيء الرخوِ الأجوف، وقد استُغير للمحْق. وجوّز أن يكون هناك تمثيل لغلبة الحقِّ على الباطل حتى يذهبَه، برمي جِرْمِ صُلْب على رأسٍ دماغُه رِخْوٌ ليشقَّه، وفيه إيماءٌ إلى علوِّ الحقِّ وتسفُّل الباطل، وأنَّ جانبَ الأوَّلِ باقٍ، والثاني فانٍ. وجوّز أيضاً أن يكون استعارةً مكنيةً بتشبيه الحقِّ بشيءٍ صُلْب يجيء من مكان عالٍ، والباطل بجِرْم رخوٍ أجوف سافل، ولعلَّ القولَ بالتمثيل أمثلُ. وقرأ عيسى بن عمر: ((فيَدْمَغَه)) بالنصب(٢)، وضُعِّفَ بأن ما بعد الفاء إنَّما ينتصب بإضمار ((أنْ)) لا بالفاء، خلافاً للكوفيين في جواب الأشياء السنَّة، وما هنا ليس منها، ولم يُرَ مثله إلا في الشعر كقوله: (١) مفردات ألفاظ القرآن (قذف). (٢) القراءات الشاذة ص ٩١. الآية : ١٨ ٤٣ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وأَلحق بالحجاز فاستريحا (١) سأترك منزلي لبني تميم على أنَّه قد قيل في هذا: إنَّ((أَستريحا)) ليس منصوباً، بل مرفوع مؤكّد بالنون الخفيفة، موقوف عليه بالألف، ووجّه بأنَّ النصبَ في جواب المضارع المستقبل(٢)، وهو يشبه التمنِّي في الترقُّب، ولا يخفى أنَّ المعنى في الآية ليس على خصوص المستقبل. وقد قالوا: إنَّ هذا التوجيهَ في البيت ضعيفٌ، فيكون ما في الآية أضعفَ منه مأخذاً. والعطف على هذه القراءة على ((الحقِّ)) عند أبي البقاء(٣)، والمعنى: بل نقذف بالحقِّ فندمغه على الباطل، أي: نرمي بالحقِّ، فإبطالُه به. وذكر بعضُ الأفاضل أنَّه لو جُعل من قَبيل: عَلَفْتُها تبناً وماءً باردا(٤) أصحّ، واستظهر أنَّ العطفَ على المعنى، أي: نفعل القذفَ فالدمغَ. وقرئ: ((فَيَذْمُغُه)) بضمِّ الميم والغين(٥) . ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: ذاهب بالكليَّة، وفي ((إذا)) الفجائية والجملةِ الاسميّة من الدلالة على كمالِ المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يَخفى، فكأنَّه زاهق من الأصل. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ ﴾﴾ وعيد لقريشٍ أو لجميع الكفار من العرب، بأنَّ لهم أيضاً مثل ما لأولئكَ من العذاب والعقاب، و((ما)) تعليلية متعلِّقة بالاستقرار الذي تعلَّق به الخبر، أو بمحذوف هو حال من ((الويل)) على مذهب بعضهم، أو من ضميره المستتر في الخبر، و((ما)) إما مصدريَّة أو موصولة أو موصوفة، أي: ومستقرّ لكم الويلُ والهلاك من أجل وصفِكم له تعالى بما لا يليقُ بشأنه الجليل تعالى شأنه، (١) سلف ٦/ ٢٤٠. (٢) في (م): المستقيل. (٣) الإملاء ٦١١/٣. (٤) البيت لا يعرف قائله، وسلف ٢٩١/٥. (٥) البحر المحيط ٣٠٢/٦. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٤٤ الآية : ١٩ أو بالذي تصفونه، أو بشيء تصفونه به من الولد ونحوه، أو كائناً ممَّا تصفونه عزَّ وجلَّ به. وكون الخطاب لمن سمعتَ مما لاخفاءَ فيه ولا بُعْدَ، وأَبعدَ كلَّ البعدِ من قال: إنَّه خطابٌ لأهل القرى، على طريق الالتفاتِ من الغيبة في قوله تعالى: (فَمَا زَالَت تِلْكَ دَغْوَنُهُمْ) إليه. ﴿وَلَهُ, مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ استئنافٌ مقرِّر لما قبله من خَلْقه لجميع مخلوقاتِه على حكمة بالغة ونظام كامل، وأنَّه سبحانه يحقُّ الحقَّ ويُزهق الباطلَ. وقيل: هو عديل لقوله تعالى: (وَلَكُمُ الْوَيِّلُ) وهو كما ترى، أي: وله تعالى خاصَّة جميعُ المخلوقات خَلْقاً ومِلْكاً، وتدبيراً وتصرُّفاً، وإحياءً وإماتة، وتعذيباً وإثابة، من غيرِ أن يكون لأحدٍ في ذلك دخلٌ ما استقلالًا واستتباعاً، وكأنَّه أُريد هنا إظهار مزيدِ العظمة فجيءَ بالسماوات جمعاً، على معنى: له كلٌّ من هو في واحدة واحدة من السماوات، ولم يُرد فيما مرَّ سوى بيانِ اشتمال هذا السقفِ المشاهد والفِراش الممَّد، وما استقرَّ بينهما على الحِكَم التي لا تُحصى، فلذا جيءَ بالسماء بصيغة الإفراد دون الجمع. وفي ((الإتقان))(١): حيث يُراد العدد يُؤتى بالسماء مجموعةً، وحيث يُراد الجهةُ یؤتی بها مفردةً. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ وهم الملائكة مطلقاً عليهم السلام، على ما روي عن قتادة وغيره، والمراد بالعنديَّة عنديَّة الشرف، لا عنديَّة المكان، وقد شبَّه قُربَ المكانة والمنزلة، بقُرب المكان والمسافة، فعبّر عن المشبّه بلفظ دالٌّ على المشبّه به، فهناك استعارة مصرَّحة. وقيل: عبَّر عنهم بذلك؛ تنزيلًا لهم - لكرامتهم عليه عزَّ وجلَّ - منزلَة المقرَّبين عند الملوكِ بطريق التمثيل. والموصول مبتدأٌ، خبره قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ أي: (١) ١/ ٦١٤. الآية : ١٩ ٤٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ لا يتعظّمون عنها، ولا يعدُّون أنفسَهم كبراء. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾﴾ أي: لا يَكِلُّون ولا يتعبون، يقال: حَسَرَ البعيرُ واسْتَحْسَر: كَلَّ وتَعبَ، وحَسَرْته أنا، فهو متعدٍّ ولازم، ويقال أيضاً: أحسرته بالهمز. والظاهر أنَّ الاستحسار حيث لا طلبَ - كما هنا - أَبلغُ من الحسور، فإنَّ زيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى، والمراد من الاتّحاد بينهما الدالِّ علیه کلامهم، الاتحادُ في أصل المعنى، والتعبير به؛ للتنبيه على أنَّ عبادتهم بثِقَلها ودوامِها حقيقةٌ بأَنْ يُستَحسر منها، ومع ذلك لا يستحسِرون، وليس لنفي المبالغة في الحسور مع ثبوتِ أصله في الجملة، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] على أحد الأوجهِ المشهورة فيه. وجوَّز أبو البقاء(١) وغيرُه أن يكون ذلك معطوفاً على ((مَن)) الأولى، وأَمْرُ تفسيرِه بالملائكة عليهم السلام على حالِهِ، وذكر أنَّ هذا العطفَ لكون المعطوف أخصَّ من المعطوف عليه في نفس الأمرِ، كالعطف في قوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبَكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] في الدلالة على رفعةٍ شَأْن المعطوف وتعظيمه، حيث أُفرد بالذكر مع اندراجه في عموم ما قبلَه. وقيل: إنَّما أُفرد؛ لأنَّه أعمُّ من وجهٍ، فإنَّ من في الأرض يشمَل البشرَ ونحوَهم، وهو يشمل الحافِين بالعرش دونَه. وجوّز أن يُراد: ((مَن عنده)): نوع من الملائكة عليهم السلام متعالٍ عن التبوُّء والاستقرار في السماء والأرض، وكأنَّ هذا مَيْلٌ إلى القول بتجرُّد نوع من الملائكة عليهم السلام، وأنت تعلم أنَّ جمهورَ أهل الإسلام لا يقولون بتجرُّد شيءٍ من الممكنات، والمشهور عن القائلين القولُ بتجرُّد الملائكة مطلقاً، لا بتجرُّد بعض دون بعض. ثم إنَّ أبا البقاء(٢) جوّز في قوله تعالى: ((لا يستكبرون)) على هذا الوجه أن يكون حالًا من الأولى والثانية على قول من رفعَ بالظرف، أو من الضمير في (١) الإملاء ٣/ ٦١١. (٢) الإملاء ٣/ ٦١١. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٤٦ الآية : ٢٠ الظرف الذي هو الخبر، أو من الضمير في ((عنده))، ويتعيَّن أحدُ الأخيرين عند من يُعرِب ((من)) مبتدأ، ولا يجوِّز مجيءَ الحال من المبتدأ، ولا يخفى (١). وجوّز بعضُ الأفاضل أن تكون الجملةُ مستأنفةً، والأظهر جعلها خبراً لـ ((من عنده))، وفي بعض أوجه الحاليّة ما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ استئناف وقع جواباً عمَّا نشأ مما قبله، كأنَّه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقيل: (يسبحون)) إلخ. وجوّز أن يكون في موضع الحال من ضمير ((لا يستحسرون)). وقوله سبحانه: ﴿لَا يَفْتُرُونَ ﴾﴾ في موضع الحال من ضمير ((يسبحون)) على تقديرَي الاستئناف والحاليّة، وجوِّز على تقدير الحاليّة أن يكون هذا حالًا من ضمير ((لا يستحسرون)) أيضاً، ولا يجوز على تقدير الاستئناف كونه حالًا منه؛ للفصل. وجوّز أن يكون استئنافاً، والمعنى: ينزِّهون اللهَ تعالى ويعظّمونه ويمجِّدونه في كلِّ الأوقات، لا يتخلَّل تسبيحَهم فَتْرةٌ أصلًا بفَراغ أو شُغْل آخرَ. واستشكل كون الملائكة مطلقاً كذلك، مع أنَّ منهم رسلًا يبلِّغون الرسالةَ، ولا يتأتَّى التسبيح حالَ التبليغ، ومنهم من يَلعنُ الكفرةَ، كما ورد في آية أخرى(٢)، وقد سَألَ عبدُ الله بنُ الحارث بنِ نوفل كعباً عن ذلك، كما أخرج ابنُ المندر، وابنُ أبي حاتم، وأبو الشيخ في ((العظمة))، والبيهقي في ((الشعب)) فأجاب بأنَّه جعل لهم التسبيح كالتنفّس(٣)، فلا يمنعُ عن التكلُّم بشيءٍ آخرَ. وتعقِّب بأنَّ فيه بُعْداً. وقيل: إنَّ الله تعالى خلق لهم ألسنةً فيسبِّحون ببعض، ويبلِّغون مثلًا ببعض آخر، وقيل: تبليغهم ولعنهم الكفرةَ تسبيحٌ معنّى. (١) ليست في الأصل. (٢) بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَتْكَ عَلَيْهِمْ لَنَّةُ اللَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]. (٣) تفسير أبن أبي حاتم ٢٤٤٩/٨ (١٣٦٣٠)، والعظمة (٣٢٢)، وشعب الإيمان (١٦١)، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٢٤٤/١٦. الآية : ٢١ ٤٧ سُورَةُ الإنْسَاءِ وقال الخفاجيُّ(١): الظاهر أنَّه إن لم يحمل على بعضهم، فالمراد به المبالغةُ، کما يقال: فلان لا يفترُ عن ثنائك، وشكر آلائك. انتھی. ولا يخفى حسنه. ويجوز أن يقال: إنَّ هذا التسبيحَ كالحضور والذكر القلبيِّ الذي يحصل لكثير من السالكين، وذلك ممَّا يجتمع مع التبليغ وغيره من الأعمال الظاهرة، ثم إنَّ كون الملائكة يسبِّحون الليل والنهار لا يستلزم أن يكون عندهم في السماء ليلٌ ونهارٌ؛ لأنَّ المرادَ إفادةُ دوامِهم على التسبيح على الوجه المتعارَف. وقوله تعالى: ﴿أَمِ أَنَّخَذُوَاْ ءَالِهَةُ﴾ حكاية لجناية أُخرى من جناياتِ أولئك الكفرة، هي أعظم من جناية طَعْنهم في النبوّة. و((أم)) هي المنقطعة، وتقدَّر بـ (بل)) الإضرابيَّة والهمزةِ الإنكارية، وهي لإنكار الوقوع، لا إنكار الواقع. وقوله تعالى: ﴿مِّنَ الْأَرْضِ﴾ متعلّق بـ ((اتخذوا))، و((مِن)) ابتدائيَّة على معنى أنَّ اتخاذَهم إيَّاها مبتدأ من أجزاء الأرض كالحجارة وأنواع المعادن، ويجوز كونها تبعيضيّة. وقال أبو البقاء(٢) وغيره: يجوز أن تكون متعلّقة بمحذوف وقع صفةً لآلهة، أي: آلهة كائنةً من جنس الأرض. وأيًّا ما كان، فالمراد التحقير لا التخصيصُ، ومن جوَّزه التزمَ تخصيصَ الإنكار بالشدید، وهو غيرُ سدید. وقوله تعالى: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾﴾ أي: يبعثون الموتى، صفة لـ ((آلهة))، وهو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتِّخاذ، فإنَّه واقع لا محالة، أي: بل انّخذوا آلهةً من الأرض هم خاصَّة - مع حقارتهم وجماديتهم - ينشرون الموتى، كلَّا فإنَّ ما اتخذوه آلهةً بمعزل من ذلك، وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحاً، لكنَّهم حيث ادَّعوا لها الإلهيّة فكأنَّهم اذَّعوا لها الإنشار ضرورةَ أنَّه من الخصائص الإلهيّة حتماً، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من التنبيه على كمال مباينة حالِهم للإنشار، الموجبة لمزيدِ الإنكار، كما أنَّ تقديمَ الجارِّ والمجرور في قوله تعالى: ﴿أَنِ اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] للتنبيه على كمال مباينة (١) حاشية الشهاب ٦/ ٢٤٧. (٢) الإملاء ٣/ ٦١٢. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٤٨ الآية : ٢٢ أمرِه تعالى لأَنْ يشكَّ فيه، ويجوز أن يجعل ذلك من مستتبعاتِ ادِّعائهم الباطل، فإنَّ الألوهيَّة مقتضيةٌ للاستقلال بالإبداء والإعادة، فحيث ادَّعوا للأصنام الإلهيّة، فكأنَّهم اذَّعوا لهم الاستقلالَ بالإنشار، كما أنَّهم جعلوا بذلك مدَّعين الأصل الإنشار، قاله المولى أبو السعود(١). وقال بعضهم: تقديم الضمير للتقوى، وما ذهب إليه من إفادته معنى التخصيص تبع فيه الزمخشريَّ(٢)، وفي ((الكشف)): الداعي إلى ترجيحه على التقوى أنَّه ترشيح(٣) لما أبداه أوَّلاً من أنَّ الإلهيَّة لا تصحُّ دون القدرة على الإنشار، ولا وجهَ لتجویز کونه فضلاً. انتهى. وجوّز أن تكون جملة: ((هم ينشرون)) مستأنفة، مقدَّراً معها استفهام إنكاريّ لبيان علَّة إنكار الاتِّخاذ، ولعلَّ مجوِّز ذلك لا يُسلِّم لزومَ كون معنى الهمزة في ((أم)) المنقطعة إنكار الوقوع، ويجوِّز كونه إنكار الواقع. وتفسير ((ينشرون)) بـ: يبعثون، هو المشهور، وعليه الجمهور. وقال قطرب(٤): هو بمعنى: يخلقون. وقرأ الحسن ومجاهد: ((يَنشُرون))(٥) بفتح الياء على أنَّه مِن نَشَرَ، وهو أَنْشَر بمعنّى، وقد يَجيءُ نَشَرَ لازماً، يقال: أَنشَر الله تعالى الموتى، فَنَشَروا . وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَإِمَهُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَاْ﴾ إبطال لتعدُّد الإله، وضمير (فيهما)) السماء والأرض، والمراد بهما: العالَم كلّه علويه وسُفْليه، والمراد بالكون فيهما التمّن البالغ من التصرُّف والتدبير، لا التمكُّن والاستقرار فيهما، كما توقَّمه الفاضل الكلنبوي، والظرف على هذا متعلِّق بـ ((كان)). وقال الطيبيُّ: إنَّه ظرف لـ ((آلهة)) على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي (١) تفسير أبي السعود ٦/ ٦١. (٢) الكشاف ٢/ ٥٦٧. (٣) في الأصل: ترجيح. (٤) ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٣٠٤/٦. (٥) الكشاف ٢/ ٥٦٧، والبحر المحيط ٣٠٤/٦. الآية : ٢٢ ٤٩ سُؤَدَةُ الأنبياءِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وجعل تعلَّق الظرف بما ذكر هاهنا باعتبار تضمُّنه معنى الخالقيَّة والمؤثريَّة. وأنت تعلم أنَّ الظاهر ما ذكر أوَّلًا، و((إلا)» لمغايرة ما بعدها لما قبلها، فهي بمنزلة ((غير)). وفي ((المغني))(١) أنَّها تكون صفة بمنزلة ((غير)) فيُوصَف بها وبتاليها جمعٌ منگّر أو شِبْهُه، ومثّل للأوَّل بهذه الآية، وقد صرَّح غيرُ واحد من المفسِّرين أنَّ المعنى: لو كان فيهما آلهةٌ غير الله. وجعل ذلك الخفاجيُّ(٢) إشارة إلى أنَّ ((إلا)) هنا اسمٌ بمعنى ((غير)) صفةٌ لما قبلها، وظهر إعرابها فيما بعدَها؛ لكونها على صورة الحرف، كما في ((أل)) الموصولة في اسم الفاعل مثلًا. وأنكر الفاضل الشُّمُنُّ(٣) كونَها بمنزلة ((غير)) في الاسميَّة لما في ((حواشي)) العلّامة الثاني عند قوله تعالى: ﴿لَّا فَارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] من أنَّه لا قائلَ باسميَّة ((إلا)) التي بمنزلة ((غير))، ثم ذكر أنَّ المرادَ بكونها بمنزلة ((غير)) أنَّها بمنزلتها في مغايرة ما بعدَها لما قبلها ذاتاً أو صفة، ففي ((شرح الكافية)) للرضيِّ: أصل ((غير)) أن تكون صفةً مفيدةً لمغايرة مجرورِها لموصوفها، إمَّا بالذات نحو: مررتُ برجلٍ غيرِ زيدٍ، وإمّا بالصفة نحو: دخلت بوجهٍ غيرِ الذي خرجتُ بهِ، وأصل ((إلا)) التي هي أمُّ أدوات الاستثناء، مغايرةُ ما بعدَها لما قبلها نفياً أو إثباتاً، فلما اجتمع ما بعد ((إلا)) وما بعد ((غير)) في معنى المغايرة حملت ((إلا)) على ((غير)) في الصفة، فصار ما بعد ((إلا)) مغايراً لما قَبلها ذاتاً أو صفة، من غير اعتبارٍ مغايرته له نفياً أو إثباتاً، وحملت (غير)) على ((إلا)) في الاستثناء، فصار ما بعدَها مغايراً لما قَبلها نفياً أو إثباتاً من غيرِ مغايرته له ذاتاً أو صفةً، إلا أنَّ حمل ((غير)) على (إلا)) أكثرُ من حمل (إلا)) على ((غير))؛ لأنَّ ((غير)) اسم، والتصرُّف في الأسماء أكثر منه في الحروف، فلذلك تقع (غير)) في جميع مواقع ((إلا)). انتهى. (١) مغني اللبيب ص٩٩. (٢) حاشية الشهاب ٢٤٨/٦. (٣) في المنصف من الكلام على مغني ابن هشام له ١٥٣/١- ١٥٤. سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ ٥٠ الآية : ٢٢ وأنت تعلم أنَّ المتبادر كون ((إلا)) حين إفادتها معنى ((غير)) اسماً، وفي بقائها على الحرفيَّة مع كونها وحدها أو مع ما بعدَها يجعلهما كالشيء الواحد صفةً لما قبلها، نظرٌ ظاهر، وهو في كونها وحدها كذلك أظهر، ولعلَّ الخفاجيَّ لم يقل ما قال إلا وهو مطّلع على قائل باسميَّتها، ويحتمل أنَّه اضْطَّره إلى القول بذلك ما يرد على القول ببقائها على الحرفيَّة، ولعمري إنَّه أصاب المِحَزَّ، وإن قال العلّامة ما قال. وكلام الرضيِّ ليس نصًّا في أحد الأمرين، كما لا يخفى على المنصف. ولا يصحُّ أن تكون للاستثناء من جهة العربيَّة عند الجمهور؛ لأنَّ ((آلهة)) جمعٌ منكَّر في الإثبات، ومذهب الأكثرين كما صرَّح به في ((التلويح)) أنَّه لا استغراقَ له، فلا يدخل فيه ما بعدَها حتى يحتاجَ لإخراجِه بها، وهم يوجبون دخولَ المستثنى في المستثنى منه في الاستثناء المتَّصل، ولا يكتفون بجواز الدخول، كما ذهب إليه المبرِّد(١) وبعض الأصوليين، فلا يجوز عندهم: قام رجالٌ إلا زيداً، على كون الاستثناء متصلًا، وكذا على كونه منقطعاً، بناء على أنَّه لابُدَّ فيه من الجزم بعدمِ الدخول، وهو مفقود جزماً. ومن أجاز الاستثناءَ في مثل هذا التركيب كالمبرِّد جعلَ الرفع في الاسم الجليل على البدليَّة. واعترض بعدم تقدُّم النفي؟ وأُجيب: بأنَّ (لو)) للشرط، وهو كالنفي. وعنه أنَّه أجاب بأنَّها تدلُّ على الامتناع، وامتناعُ الشيء انتفاؤه، وزعم أنَّ التفريغ بعدها جائز، وأنَّ نحو: لو كان معنا إلا زيدٌ لَهَلَكْنا(٢)، أجود كلام، وخالف في ذلك سيبويه (٣) فإنَّه قال: لو قلت: لو كان معنا .. المثال، لكنتَ قد أَحلْتَ. ورُدَّ بأنَّهم لا يقولون: لو جاءني ديَّار أَكرمتُه، ولا: لو جاءني من أحدٍ أكرمتُه، ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك(٤)، كما يجوزُ: ما فيها ديَّار، وما جاءني من (١) ينظر المقتضب ٣٨٩/٤-٣٩٠. (٢) في (م): لهكنا . (٣) الكتاب ٣٣١/٢. (٤) مغني اللبيب ص٩٩. الآية : ٢٢ ٥١ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ أحد، وتعقَّبه الدمامينيُّ(١): بأنَّ للمبرّد أن يقول: قد أجمعنا على إجراءٍ أَبَى مجرى النفي الصريح، وأجزنا التفريغَ فيه، قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وقال سبحانه: ﴿وَيَأَبَ اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُرَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] مع أنَّه لا يجوز: أبَى ديَّار المجِيءَ، و: أبى من أحدٍ الذهاب، فما هو جوابكم عن هذا، فهو جوابنا . وقال الرضيُّ: أجاز المبرِّد الرفعَ في الآية على البدل؛ لأنَّ في ((لو)) معنى النفي، وهذا كما أجاز الزجَّاج البدل في ﴿قَوَّمَ يُونُسَ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاً كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ﴾ الآية [يونس: ٩٨] إجراءً للتحضيض مجرى النفي، والأولى عدم إجراء ذينك في جواز الإبدال والتفريغ معهما مجراه إذ لم يثبت(٢). انتهى. وذكر المالكيّ في ((شرح التسهيل)) أنَّ كلامَ المبرِّد في ((المقتضب)) مثل كلام سيبويه، وأنَّ التفريغَ والبدلَ بعد ((لو)) غيرُ جائز(٣)، وكذا لا يصحُّ الاستثناء من جهة المعنى، ففي ((الكشف)) أنَّ البدل والاستثناء في الآية ممتنعان معنًى؛ لأنَّه إذ ذاك لا يفيد ما سيقَ له الكلام من انتفاء التعدُّد، ويؤدِّي إلی کون الآلهة بحیث لا يدخل في عِدادِهم الإلهُ الحقُّ مفضٍ(٤) إلى الفساد، فنفي الفساد يدلُّ على دخوله فيهم، وهو من الفساد بمكان، ثم إنَّ الصفة على ما ذهب إليه ابن هشام(٥) مؤكّدة صالحة للإسقاط، مثلها في قوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] فلو قيل: لو كان فيهما ءالهةٌ لفسدتا، لصحَّ، وتأثَّى المراد. وقال الشَّلَوْبِين، وابنُ الضائع(٦): لا يصحُّ المعنى حتى تكون ((إلا)) بمعنى ((غير)) التي يراد بها البدل والعوض. (١) في تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب له ١٥٥/١. (٢) المنصف من الكلام على مغني ابن هشام ١/ ١٥٥. (٣) شرح التسهيل لابن مالك ٢٩٩/٢، والمقتضب ٤٠٨/٤، والكتاب ٣٣١/٢-٣٣٢. (٤) كذا في الأصل و(م)، ولعلَّ الوجه: مفضياً. (٥) مغني اللبيب ص١٠١ . (٦) في (م): ابن الصائغ. وكذا ورد في مطبوع البحر المحيط ٣٠٥/٦، وهو خطأ. والصواب: ابن الضائع. كما هو في الأصل، وقد سلفت ترجمته، وكلامه في مغني اللبيب ص٩٩. سُورَةُ الأَنْسَاءِ ٥٢ الآية : ٢٢ ورُدَّ بأنَّه يصير المعنى حينئذٍ: لو كان فيهما عددٌ من الآلهة بدلٌ وعوض منه - تعالى شأنه - لفسدتا، وذلك يقتضي بمفهومه أنَّه لو كان فيهما اثنان هو عزَّ وجلَّ أحدهما، لم تفسدا، وذلك باطل. وأُجيب بأنَّ معنى الآية حينئذٍ لا يقتضي هذا المفهوم؛ لأنَّ معناها: لو كان فيهما عددٌ من الآلهة دونه أو به - سبحانه - بدلًا منه وحدَه عزَّ وجلَّ، لفسدتا، وذلك مما لا غبارَ علیه، فاعرف. والذي عليه الجمهور إرادةُ المغايرة، والمراد بالفساد البطلان والاضمحلال، أو عدم التكوُّن، والآية كما قال غيرُ واحد مشيرة إلى دليل عقليٍّ على نفي تعدُّد الإله، وهو قياس استثنائي استثني فيه نقيض التالي لينتجَ نقيض المقدَّم، فكأنَّه قيل: لو تعدَّد الإله في العالم، لفسد، لكنَّه لم يفسد، ينتج أنَّه لم يتعدَّد الإله. وفي هذا استعمال لـ ((لو)) غير الاستعمال المشهور. قال السَّيِّد السند: إن ((لو)) قد تستعمل في مقام الاستدلالِ، فيفهم منها ارتباط وجود التالي بوجود المقدَّم مع انتفاء التالي، فيُعلم منه انتفاءُ المقدَّم، وهو على قلَّته موجود في اللغة، يقال: لو كان زيد في البلد لجاءنا، ليُعلم منه أنَّه ليس فيه، ومنه قوله تعالى: ((لو كان فيهماءالهة إلا الله لفسدتا)). وقال العلَّامة الثاني: إنَّ أربابَ المعقول قد جعلوا ((لو)) أداةً للتلازم دالَّة على لزوم الجزاءِ للشرط من غيرِ قصد إلى القَطْع بانتفائهما، ولهذا صحَّ عندهم استثناء عين المقدَّم، هم يستعملونها للدلالة على أنَّ العِلْمَ بانتفاء الثاني علٌَّ للعلم بانتفاء الأوَّل، ضرورةً انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، من غيرِ التفات إلى أنَّ علَّة انتفاءٍ الجزاء في الخارج ما هي؛ لأنَّهم يستعملونها في القياسات لاكتساب العلوم والتصديقات، ولا شكَّ أنَّ العلم بانتفاء الملزوم لا يوجب العلمَ بانتفاء اللازم، بل الأمر بالعكس، وإذا تصفَّحنا، وجدنا استعمالها على قاعدة اللغةِ أكثرَ، لكن قد تستعمل على قاعدتهم كما في قوله تعالى: ((لو كان فيهما)) إلخ، لظهور أنَّ الغرضَ منه التصديقُ بانتفاء تعدُّد الآلهة، لا بيان سببٍ انتفاء الفساد. اهـ. وفيه بحث يُدفَع بالعناية، ولا يخفى عليك أنَّ لبعض النحويين نحو هذا القول، فقد قال الشَّلَوْبِين، وابنُ عصفور: إنَّ((لو)) لمجرَّد التعليق بين الحصولين في م الآية : ٢٢ ٥٣ سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاءِ الماضي من غيرِ دلالة على امتناع الأوَّل والثاني، كما أنَّ ((إنْ)) لمجرَّد التعليق في الاستقبال، والظاهر أنَّ خصوصيَّةً المضيِّ هاهنا غيرُ معتبرة. وزعم بعضُهم: أنَّ ((لو)) هنا لانتفاء الثاني؛ لانتفاء الأوَّل، كما هو المشهور فيها، ويتمُّ الاستدلالُ، ولا يخفى ما فيه على من دقَّق النظر، ثم إنَّ العلّامة قال في (شرح العقائد))(١): إنَّ الحجّةَ إقناعيَّةٌ، والملازمةَ عاديَّة على ماهو اللائق بالخطابيّات، فإنَّ العادةَ جاريةٌ بوقوع التمانع والتغالبِ عند تعدُّد الحاكم، وإلا ، فإن أُريد الفساد بالفعل، أي: خروجهما عن هذا النظام المشاهد، فمجرَّد التعدُّد لا يستلزمه، لجواز الاتفاقِ على هذا النظام، وإن أُريد إمكان الفساد، فلا دليلَ على انتفائه، بل النصوص شاهدةٌ بطيِّ السماوات ورَفْع هذا النظام، فيكون ممكناً لا محالةَ. وكذا لو أُريد بفسادِهما عدم تكوُّنهما بمعنى أنَّه لو فُرضَ صانعان لأَمكنَ بينهما تمانع في الأفعال، فلم يكن أحدهما صانعاً، فلم يوجد مصنوع، لا تكون الملازمةُ قطعيَّةً؛ لأنَّ إمكان التمانع لا يستلزم إلا عدم تعدُّد الصانع، وهو لا يستلزم انتفاءَ المصنوع على أنَّه يرد منعُ الملازمة إن أريد عدم التكوُّن بالفعل، ومنع انتفاء اللازم إن أُريد بالإمكان. انتهى. فنفى أن تكون الآيةُ برهاناً، سواء حمل الفسادُ على الخروج عن النظام، أو على عدم التكوُّن، وفيه قَدْحُ لما أشار إليه في ((شرح المقاصد)) من كون كونها برهاناً على الثاني، فإنَّه بعدما قرَّر برهانَ التمانع قال: وهذا البرهان يُسمَّى برهانَ التمانع، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ((لو كان فيهما آلهة)) الآية، فإن أُريد عدم التكوُّن، فتقريره أن يقال: لو تعدَّد الإله(٢)، لم تتكوَّن السماء والأرض؛ لأنَّ تكوُّنهما إمَّا بمجموع القدرتَين، أو بكلِّ منهما، أو بأحدهما، والكلُّ باطلٍّ، أمَّا الأوَّل، فلأَنَّ مِن شأنِ الإله كمال القدرة، وأمَّا الأخيران فلما مرَّ من التوارد والرجحان من غيرِ مرجِّح. وإن أريد بالفساد الخروجُ عمَّا هما عليه من النظام، فتقريره أن يقال: إنَّه لو تعدّد(٣) الإلهُ، لكان بينهما التنازع والتغالُب، وتمييزُ صنيعٍ (١) ص٤٣ . (٢) في الأصل و(م): الآلهة. والمثبت من شرح المقاصد للتفتازاني ٣٧/٤، والكلام منه. (٣) في (م): تعددت. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٥٤ الآية : ٢٢ كلٍّ منهما عن الآخَر بحكم اللزوم العاديِّ، فلم يحصل بين أجزاء العالَم هذا الالتئامُ الذي باعتباره صار الكلُّ بمنزلة شخصٍ واحد، ويختلُّ أمرُ النظام الذي فيه بقاء الأنواع وترتُّب الآثار. انتهى. وذلك القدح بأن يقال: تعدُّد الإلهِ لا يستلزم التمانعَ بالفعل بطريق إرادةِ كلِّ منهما وجودَ العالَم بالاستقلال من غير مدخليّة قدرةِ الآخَر، بل إمكان ذلك التمانع والإمكان لا يستلزم الوقوع، فيجوز أن لا يقع، بل يتفقان على الإيجاد بالاشتراك، أو يفوِّض أحدُهما إلى الآخَر. وبحث فيه المولى الخَيَالي بغير ذلك أيضاً ثم قال: التحقيقُ في هذا المقام أنَّه إن حملت الآيةُ الكريمةُ على نفي تعدُّد الصانع مطلقاً، فهي حجَّة إقناعيَّة، لكنَّ الظاهر من الآية نفيُ تعدُّد الصانع المؤثِّر في السماء والأرض، إذ ليس المراد من الكون فيهما التمكُّن فيهما، بل التصرُّف والتأثير، فالحقُّ أنَّ الملازمةَ قطعيَّةٌ، إذ التوارد باطلٌ، فتأثيرهما إمَّا على سبيل الاجتماع أو التوزيع، فيلزم انعدامُ الكلِّ أو البعض عند عدم كونِ أحدِهما صانعاً؛ لأنَّه جزءً علَّة، أو علَّةٌ تامَّة، فيفسد العالَم، أي: لا يوجد هذا المحسوس كلّا أو بعضاً، ويمكن أن توجَّه الملازمة بحيث تكون قطعيَّة على الإطلاق، وهو أن يقال: لو تعدَّد الإلهُ، لم يكن العالَم ممكناً، فضلًا عن الوجود، وإلَّا، لأمكنَ التمانعُ بينهما المستلزم للمحالِ، لأنَّ إمكان التمانع لازمٌ لمجموع الأَمْرين من التعدُّد وإمكان شيء من الأشياء، فإذا فرض التعدُّد، يلزم أن لا يمكن شيء من الأشياء حتى لا يمكن التمانع المستلزم للمحال. انتهى. وأورد الفاضل الكلنبويُّ على الأوَّل خمسةَ أبحاث، فيها الغثُّ والسمين، ثم قال: فالحقُّ أنَّ توجيهَه الثاني لقطعيَّة الملازمة صحيحٌ دون الأوَّل، وللعلامة الدَّوَاني كلامٌ في هذا المقام قد ذكر الفاضلُ المذكور ما لَهُ وما عليهِ من النقض والإبرام، ثم ذكر أنَّ للتمانع عندهم معنيين : أحدهما: إرادةُ أحد القادرَين وجودَ المقدور، والآخَرِ عدمَه، وهو المراد بالتمانع في البرهان المشهور ببرهان التمانع. وثانيهما: إرادة كلٌّ منهما إيجادَه بالاستقلال من غيرٍ مدخليَّة قدرةِ الآخَر فيه، وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدورٍ بین قادرَیْن. الآية : ٢٢ ٥٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وقولهم: لو تعدّد الإله لم يوجد شيءٌ من الممكنات؛ لاستلزامه أحدَ المحالين، إمّا وقوع مقدور بين قادرَيْن، وإمَّا الترجيح بلا مرجِّح، مبنيٌّ على هذا، وحاصل البرهان عليه أنَّه لو وجد إلهان قادران على الكمال، لأَمكن بينهما تمانع، واللازم باطلٌ، إذ لو تمانعا وأرادَ كلٌّ منهما الإيجادَ بالاستقلال، يلزم إمَّا أن لا يقعَ مصنوعٌ أصلًا، أو يقعَ بقدرة كلٌّ منهما أو بأحدهما، والكلُّ باطل، ووقوعُه بمجموع القدرتَيْن مع هذه الإرادة يوجب عجزهما؛ لتخلُّف مرادٍ كلٍّ منهما عن إرادته، فلا يكونان إلهين قادرَيْن على الكمال، وقد فُرضا كذلك. ومن هنا ظهر أنَّه على تقدير التعدُّد لو وُجد مصنوع، لزم إمكانُ أحدِ المحالين، إمَّا إمكان التوارد، وإمَّا إمكان الرجحان من غير مرجِّح، والكلُّ محالٌ، وبهذا الاعتبار مع حَمْل الفساد على عدم الكون، قيل بقطعيَّة الملازمة في الآية، فهي دليل إقناعيٌّ من وجه، ودليل قطعيٍّ من وجه آخر، والأوَّل بالنسبة إلى العوام، والثاني بالنسبة إلى الخواصِ. وقال مصلح الدين اللاري(١) بعد كلام طويل، وقالٍ وقيل، أقول: أقرِّر الحجّة المستفادةَ من الآية الكريمة على وجهٍ أوّجهَ ممَّا عداه، وهو أنَّ الإلهَ المستحقَّ للعبادة لابدَّ أن یکون واجب الوجود، وواجبُ الوجود وجودُه عینُ ذاتهِ عند أرباب التحقيق، إذ لو غايره، لكان ممكناً؛ لاحتياجه في موجوديَّته إلى غيرِه الذي هو الوجود، فلو تعدَّد، لزم أن لا يكونَ وجوداً، فلا تكون الأشياءُ موجودةً؛ لأنَّ موجوديَّة الأشياء بارتباطها بالوجود، فظهر فسادُ السماء والأرض بالمعنى الظاهر، لا بمعنى عدم التكوُّن؛ لأنَّه تكلُّف ظاهر. انتهى. وأنت تَعلم أنَّ إرادةَ عدم التكوُّن أظهرُ على هذا الاستدلال، ثم إنَّ هذا النحوَ من الاستدلالِ ممَّا ذهب إليه الحكماء، بل أكثر براهينهم الدالّة على التوحيد الذي هو أجلُّ المطالب الإلهيَّة، بل جميعُها، يتوقَّف على أنَّ حقيقةَ الواجب تعالى هو (١) هو: مصلح الدين محمد بن صلاح بن جلال الملتوي، المشهور: بمنلا مصلح الدين اللَّري، له مؤلفات عديدة، منها: شرح الشمائل، وشرح الأربعين النووية، وحاشية على مواضع من ((المطوَّل))، وغيرها. (ت٩٦٧هـ). شذرات الذهب ٥١٠/١٠-٥١١، والأعلام ١٦٩/٦- ١٧٠ إلا أن وفاته فيه (٩٧٩هـ). سُورَةُ الأَنَبِيَاءِ ٥٦ الآية : ٢٢ الوجودُ البحثُ القائمُ بذاته المعبّر عنه بالوجوب الذاتيّ، والوجود المتأكّد، وأنَّ ما يعرضه الوجوبُ أو الوجود، فهو في حدِّ نفسه مُمكِن، ووجوده كوجوبه يُستفاد من الغير، فلا يكون واجباً، ومن أشهرها أنَّه لو فرضنا موجودَيْن واجِبَي الوجود، لكانا مشتركَيْن في وجوب الوجود، ومتغايرين بأمر من الأمور، وإلا لم يكونا اثنين، وما به الامتياز إمَّا أن يكون تمامَ الحقيقة أو جزءَها، لا سبيل إلى الأوَّل؛ لأنَّ الامتيازَ لو كان بتمام الحقيقة، لكان وجوبُ الوجود المشترك بينهما خارجاً عن حقيقة كلٍّ منهما، أو عن حقيقة أحدِهما، وهو محالٌ؛ لما تقرَّر من أنَّ وجوبَ الوجود نفسُ حقيقةِ واجبٍ الوجود لذاتهِ، ولا سبيلَ إلى الثاني؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يكون مركَّباً ممَّا به الاشتراكُ، وما به الامتيازُ، وكلُّ مرَّب محتاجٌ، فلا يكون واجباً، لإمكانه، فيكون كلٌّ من الواجبَيْن أو أحدُهما ممكناً لذاتِهِ، هذا خلف. واعترض بأنَّ معنى قولِهم: وجوبُ الوجود نفسُ حقيقةِ واجبٍ الوجود، أنَّه يظهر من نفسٍ تلك الحقيقة أثر صفةٍ وجوبِ الوجود، لا أنَّ تلك الحقيقةَ عينُ هذه الصفة، فلا يكون اشتراكُ موجودين واجِبَي الوجود في وجوب الوجود، إلا أن يظهر من نفسٍ كلِّ منهما أثرُ صفة الوجوب، فلا منافاةً بين اشتراكهما في وجوب الوجود، وتمايزهما بتمام الحقيقة. وأجيب بأنَّ المرادَ العينيَّةُ، ومعنى قولهم: إنَّ وجوبَ الوجود عينُ حقيقة الواجب، هو أنَّ ذاتَه بنفس ذاتِهِ مصداقُ هذا الحكم ومنشأُ انتزاعِه من دون انضمام أمرٍ آخَر، ومن غير ملاحظة حيثيَّة أخرى غير ذاته تعالى، أيَّة حيثيّة كانت، حقيقيّة أو إضافيَّة أو سَلْبِيَّة، وكذلك قياس سائرٍ صفاته - سبحانه - عند القائلين بعينيَّتها من أهلِ التحقيق. وتوضيح ذلك على مشربهم أنَّك كما قد تعقل المتصل مثلًا نفسَ المتصل، كالجزء الصوريِّ للجسم من حيث هو جسم، وقد تعقل شيئاً ذلك الشيء هو المتَّصل كالمادة، فكذلك قد تعقل واجبَ الوجود بما هو واجبُ الوجود، وقد تعقل شيئاً ذلك الشيء هو واجبُ الوجود، ومصداق الحكم به ومطابقه في الأوَّل حقيقةُ الموضوع وذاتُه فقط، وفي الثاني هي مع حيثيَّة أخرى، هي صفة قائمةٌ بالموضوع حقيقيّة أو انتزاعيَّة، وكلُّ واجب الوجود لم يكن نفسَ واجب الوجود، الآية : ٢٢ ٥٧ سُورَّةُ الأَنْبِيَاءِ بل يكون له حقيقة، تلك الحقيقةُ متَّصفة بكونها واجبةَ الوجود، ففي اتِّصافها تحتاج إلى عُروض هذا الأمر، وإلى جاعلٍ يجعلها بحيث يُنتَزع منها هذا الأمر، فهي في حدِّ ذاتها ممكنةُ الوجودِ، وبه صارت واجبةً الوجود، فلا تكون واجبَ الوجود بذاته، فهو نفسُ واجب الوجودِ بذاته، وليُقَسْ على ذلك سائرُ صفاته تعالى الحقيقيّة الكماليَّة، كالعلم والقدرة وغيرهما . واعترض أيضاً بأنَّه لِمَ لا يجوز أن يكون ما به الامتيازُ أمراً عارضاً لا مقوَّماً حتی یلزم التر کیبُ؟ وأجيب بأنَّ ذلك يوجب أن يكون التعيُّنُ عارضاً، وهو خلاف ما ثبت بالبرهان. ولابن كَمُّونة(١) في هذا المقام شبهةٌ شاع أنَّها عويصةُ الدفع عسيرةُ الحلِّ حتى إنَّ بعضَهم سمَّاه لإبدائها بافتخارِ الشياطين، وهي أنَّه لِمَ لا يجوز أن يكون هناك هويَّتان بسيطتان مجهولتا الكُنْهِ، مختلفتان بتمام الماهيّة، يكون كلٌّ منهما واجباً بذاته، ويكون مفهومُ واجبِ الوجود منتزعاً منهما، مقولًا عليها قولًا عَرَضيًّا، وقد رأيت في ((ملخّص)) الإمام - عليه الرحمة - نحوَها(٢). ولعلَّك إذا أحطتَ خبراً بحقيقة ما ذكرنا، يَسهُل عليكَ حلُّها، وإن أردتَ التوضيحَ، فاستمع لما قيل في ذلك: إنَّ مفهومَ واجبٍ الوجود لا يخلو إمَّا أن يكون انتزاعُه عن نفس ذات كلِّ منهما مِن دون اعتبار حيثيَّة خارجةٍ، أيَّةٍ حيثيَّة كانت، أو مع اعتبار تلك الحيثيّة، وكلا الشِّقَّين محالٌ، أمَّا الثاني، فلما تقرَّر أنَّ كلَّ ما لم يكن ذاته مجرَّدَ حيثيَّةِ انتزاع الوجوب، فهو ممكن في ذاته. وأمَّا الأول؛ فلأنَّ مصداقَ حملٍ مفهوم واحد ومطابقٍ صدقُه بالذات، مع قَطْع النظر عن أيَّة حيثيَّة (١) هو عز الدولة سعد بن منصور بن سعد، المعروف بـ : ابن كمُّونة، كيميائي له اشتغال بالمنطق والحكمة، من أهل بغداد، له: تذكرة في الكيمياء، وشرح تلویحات السهروردي، والمنطق الطبيعي مع الحكمة الجديدة، وغيرها. (ت٦٨٣، وقيل: ٦٧٦هـ). هدية العارفين ١/ ٣٨٥، والأعلام ٩٠٢/٣ - ١٠٣. (٢): جاء في هامش الأصل ما نصه: بل إنها بنفسها قد أوردها شيخ الإشراق في المطارحات تصريحاً، وفي التلويحات تلميحاً، لكنها إشتهرت باسم ابن كمونة. سُورَةُ الإنْسَاءِ ٥٨ الآية : ٢٢ كانت، لا يمكن أن يكون حقائقَ متخالفة متباينة بالذات غير مشتركة في ذاتيٍّ أصلًا، ولعلَّ كلَّ سليم الفطرة يَحكُم بأنَّ الأمور المتخالفةَ من حيث كونها متخالفةً بلا حيثيّة جامعة، لا تكون مصداقاً لحكم واحد ومحكيَّاً عنها به، نعم يجوز ذلك إذا كانت تلك الأمورُ متماثلةً من جهةٍ كونها متماثلةً، ولو في أمر سلبيٍّ، بل نقول: لو نظرنا إلى نفسٍ مفهوم الوجود المصدريِّ المعلوم بوجهٍ من الوجوه بديهةً، أدَّانا النظرُ والبحثُ إلى أنَّ حقيقته وما يُنتزَع هو منه أمرٌ قائمٌ بذاته، هو الواجب الحقُّ والوجودُ المطلَق الذي لا يَشوبه عمومٌ ولا خصوصٌ ولا تعدُّد، إذ كلُّ ما وجودُه هذا الوجود، لا يمكن أن يكون بينَه وبين شيءٍ آخَر له أيضاً هذا الوجود فرضاً مباينةٌ أصلًا ولا تغاير، فلا يكون اثنان، بل يكون هناك ذاتٌ واحدة، ووجود واحدٌ، كما لوَّح إليه صاحب ((التلويحات)) بقوله: صَرْفُ الوجود الذي لا أتمَّ منه، كلما فرضته ثانياً، فإذا نظرتَ فهوَ هو، إذ لا ميزَ في صَرْف شيء، فوجوب وجودِه تعالى الذي هو ذاته سبحانه تدلُّ على وحدتِهِ جلَّ وعلا. انتهى(١). فتأمل. ولا يخفى عليك أنَّ أكثرَ البراهين على هذا المطلب الجليل الشأن، يمكن تخريجُ الآيةِ الكريمة عليه، ويحملِ حينئذٍ الفساد على عدم التكوُّن، فعليك بالتخريج وإن أحوجكَ إلى بعض تكلُّف، وإيّاك أن تقنعَ بجعلها حجَّة إقناعيَّة، كما ذهب إليه كثير، فإن هذا المطلبَ الجليلَ أجلُّ من أن يكتفى فيه بالإقناعات المبنيَّة على الشهرة والعادة، ولصاحب ((الكشف)) - طاب ثراه - كلامٌ يلوح عليه مخايلُ التحقيق في هذا المقام، سنذكره إن شاء الله، كما اختاره في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمْ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ثم لا تتوهمنَّ أنَّه لا يلزم من الآية نفيُ الاثنين والواحد؛ لأنَّ نفيَ آلهة تغاير الواحدَ المعيَّن شخصاً، يستلزم بالضرورة أن كلَّ واحدٍ واحدٍ منهم يغايره شخصاً، وهو أبلغ من نفي واحد يغاير المعيّن في الشخص على أنَّه طوبق به قوله تعالى: «أم اتخذوا آلهة من الأرض)) وقيام الملازمة كافٍ في نفي الواحد والاثنين أيضاً. واستشكل سيناقُ الآية الكريمة بأنَّ الظاهرَ أنَّها إنَّما سِيْقت لإبطال عبادةٍ الأصنام المشار إليه بقوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون)) لذكرها (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وقد دفعت بغير ذلك. الآية : ٢٣ ٥٩ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ بعدَه، وهي لا تُبطِل إلا تعدُّدَ الإله الخالق القادر المدبِّر التامِّ الألوهيَّة، وهو غير متعدِّد عند المشركين، ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] وهم يقولون في آلهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فما قالوا به لا تبطله الآية، وما تبطله الآية لم يقولوا به، ومن هنا قيل معنى الآية: لو كان في السماء والأرض آلهةٌ كما يقول عبدةُ الأوثان، لزم فسادُ العالَم؛ لأنَّ تلك الآلهة التي يقولون بها جمادات لا تَقدِر على تدبيرِ العالَم، فيلزم فسادُ العالَم. وأُجيب بأنَّ قولَه تعالى: ((أم اتخذوا)) إلخ مسوق للزجر عن عبادة الأصنام، وإن لم تكن لها الألوهيَّة التّامَّة؛ لأنَّ العبادةَ إنَّما تليق لمن له ذلك، وبعدَ الزجرِ عن ذلك أَشار سبحانه إلى أنَّ من له ما ذُكرَ لا يكون إلا واحداً، على أنَّ شرحَ اسم الإله هو الواجبُ الوجود لذاته، الحيُّ العالِم، المريد القادر، الخالق المدبِّر، فمتى أَطلقوه على شيء، لزمهم وصفُه بذلك شاؤوا أو أَبَوا، فالآيةُ لإبطال ما يلزم قولهم علی أتمٍّ وجه. ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾ أي: نزِّهوه أكملَ تنزيه عن أن يكون مَن دونه تعالى آلهة كما يزعمون، فالفاء لترتيب ما بعده على ما قبلها من ثبوت الوحداتَّية، وإبرازِ الجلالة في موقع الإضمار؛ للإشعار بعلَّة الحكم، فإنَّ الألوهيَّة مناظٌ لجميع صفاتِ الكمال التي من جملتها تنزُّهه تعالى عن الشَّرِكة، ولتربية المهابة، وإدخال الرَّوعة، والوصف بربِّ العرش؛ لتأكيد التنزُّه، مع ما في ذلك من تربية المهابة، والظاهر أنَّ المرادَ حقيقةُ الأمر بالتنزيه. وقيل: المراد بالتعجيب ممَّن عَبَدَ تلك المعبوداتِ الخسيسةَ وعدَّها شريكاً مع وجود المعبود العظيم الخالق لأعظم الأشياء، والكلام عليه أيضاً كالنتيجة لما قَبْلَه من الدليل. وقوله تعالى: ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ يمكن أن يكون جواب سؤال مقدَّر ناشئ من إثبات توحّده سبحانه في الألوهيَّة المتضمِّن توحّدَه تعالى في الخَلْقِ والتصرُّفِ، ووصف الكفرة إيَّه سبحانه بما لا يليقُ، كأنَّه قيل: إذا كان اللهُ تعالى هو الإلهَ الخالقَ المتصرِّف، فَلِمَ خَلَقَ أولئك الكفرةَ ولم يَصرفهم عمَّا يقولون؟ . سُورَةُ الأَبِيَاءِ ٦٠ الآية : ٢٣ فأجيب بقوله سبحانه: ((لا يسئل)) إلخ، وحاصله أنَّه تعالى لا ينبغي لأحدٍ أن يَعترض عليه في شيء من أفعاله، إذ هو حكيم مُطلق، لا يُفعلُ ما يَردُ عليه الاعتراضُ. ﴿وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ عمَّا يَفعلونَ، ويَعترضُ عليهم، وهذا الحكم في حقِّه تعالى عامٌّ لجميع أفعالِه سبحانه، ويندرج فيه خَلْق الكفرة وإيجادُهم على ما هم عليه، ووجه حلِّ السؤال الناشئٍ مما تقدَّم بناءً على ما يشير إليه هذا الجوابُ الإجماليُّ أنَّه تعالى خَلَقَ الكفرةَ، بل جميع المكلَّفين على حسَب ما عَلِمَهم ممَّا هم عليه في أنفسهم؛ لأنَّ الخَلْقِ مسبوقٌ بالإرادة، والإرادة مسبوقةٌ بالعِلْم، والعِلْم تابعٌ للمعلوم فيتعلَّق به على ما هو عليه في ثبوته الغيرِ المجعول، ممَّا يقتضيه استعدادُه الأزليُّ، وقد يشير إلى بعض ذلك قولُ الشافعيِّ - عليه الرحمة - من أبيات: ففي العِلْم يَجري الفتى والمُسِنّ(١) خَلَقْتَ العبادَ على ما عَلِمتَ ثم بعد أَنْ خَلَقهم على حسَب ذلك، كلَّفهم لاستخراج سرِّ ما سبق به العِلْم التابعُ للمعلوم من الَّوْعِ والإباء اللَّذين في استعدادهم الأزليّ، وأرسل الرسلَ مبشِّرين ومنذرين لتتحرَّك الدواعي، ويَهلك من هَلَكَ عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بيِّنة، ولا يكون للناس على الله تعالى حجَّةٌ، فلا يتوجَّه على الله تعالى اعتراضٌ بخَلْق الكافر، وإنَّما يتوجَّه الاعتراض على الكافر بكفره حيث إنَّه من توابع استعدادِه في ثبوته الغير المجعول، وقد يشير إلى ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُّواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فمَن وَجَدَ خيراً، فليحمدِ اللهَ، ومن وَجَدَ غيرَ ذلك، فلا يَلومَنَّ إلا نفسَه))(٢) وهذا وإن كان ممَّا فيه قيلٌ وقال، ونزاعٌ وجدال، إلا أنَّه ممَّا ارتضاه كثيرٌ من المحقّقين والأجلَّة العارفين، وقال البعض: إنَّ ذلك استئنافٌ ببيان أنَّه تعالى لقوَّة عظمتِهِ الباهرة، وعِزَّة سلطنته القاهرة، بحيث ليس لأحدٍ من مخلوقاتِه أن يناقشه ويسألَه عمّا يفعل من أفعاله، إثر بيان أَنْ ليس له شريكٌ في الألوهيَّة. (١) البيت ذكره الصفدي في الوافي بالوفيات ١٧٩/٢ في ترجمة الشافعي. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذرِّ الغفاري ضُه، وسلف ٣٩٠/١.