النص المفهرس
صفحات 1-20
بعاني 2 هُ ◌ُوعُ اللَّهـ في تَفِي القُرآر بَعَظِيمُ والِسُنْ المثاني تأليفٌ شِهَابُ الدِّينُ أبيُ الثَّماء ◌َجٌمُودِ بْن عَبِّدُ اللَّه الألوسيْ الْبُعْدَادِيّ (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّة هَذَا الجزء (مَعْرُكريم أكرتين سَاهُمْ في تحقيقه جبّار عبد الوفاة الرحيمي المحلّ السابع عشر مؤسسة الرسالة 0 وبر وز ◌ُفَعُ الْمَعَانِى في تَفِي القُرآن العَظِيمِ والسُّنْ المشَانِي (١٧) قَمِيعُ الحقوق محفوظَة اللّاشِرُ الطّبعة الأولى ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م مؤسسة الرسالة للطبَاعَة وَالنَّشْرَ وَالتّوزيع بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان Al-Resalah Publishing House BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com سُورَةُ الأَتْبِيَاءٌ نزلت بمّة كما أخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس، وابنِ الزبير ﴿، وفي (البحر)) (١): إنَّها مكيَّة بلا خلافٍ، وأطلق ذلك فيها، واستثنى منها في ((الإتقان))(٢) قولَه تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٤]. وهي مئة واثنتا عشرة آية في عدِّ الكوفي، وإحدى عشرة في عدِّ الباقين، كما قاله الطبرسيُّ(٣) والدانيُّ(٤). ووجه اتصالها بما قبلها غنيٌّ عن البيان. وهي سورة عظيمة فيها موعظة فخيمة؛ فقد أخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في ((الحلية))، وابن عساكر عن عامرِ بنِ ربيعة أنه نزل به رجلٌ من العرب فأكْرَم عامرٌ مثواه، وكلَّم فيه رسولَ الله وَّهَ، فجاءه الرجلُ فقال: إني استقطعتُ رسولَ الله وَلم وادياً ما في العرب واٍ أَفضل منه، وقد أردتُ أن أقطع لك منه قطعةً تكون لك ولعقبك مِنْ بعدك. فقال عامر: لا حاجةَ لي في قطيعتك، نزلت اليومَ سورةٌ أذهلتنا عن الدنيا: (أَقْرَبَ لِلنَّاسِ) إلى آخره(٥) . (١) ٦/ ٢٩٥. (٢) ١/ ٤٧. (٣) مجمع البيان ٥/١٧. (٤) في كتابه ((العدد)) كما ذكر ذلك الشهاب في حاشيته ٦/ ٢٣٧. (٥) حلية الأولياء ١٧٩/١، وتاريخ مدينة دمشق ٣٢٧/٢٥، وأخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٣١٣/٤-٣١٤، وهو عند ابن عدي في الكامل ٤/ ١٥٨٤ . سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٦ الآية : ١ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ روي عن ابنِ عباس كما قال الإمام(١)، والقرطبيُّ(٢)، والزمخشريُّ(٣) أنَّ المراد بالناس المشركون. ويدلُّ عليه ما ستسمعه بعدُ - إن شاء الله تعالى - من الآيات، فإنها ظاهرة في وصف المشركينَ. وقال بعض الأجلَّة: إنَّ ما فيها من قبيل نسبة ما للبعض إلى الكلِّ، فلا ينافي كون تعريفه للجنسٍ، ووجه حُسْنه هاهنا كون أولئك البعض هم الأكثرون، وللأكثر حكم الكلِّ شرعاً وعرفاً . ومن الناس من جوَّز إرادةَ الجنس والضمائر فيما بعد لمشركي أهلٍ مكة وإن لم يتقدَّم ذِكْرهم في هذه السورة، وليس بأبعدَ مما سبق. وقال بعضهم: إن دلالةَ ما ذكر على التخصيص ليست إلا على تقدير تفسيرٍ الأوصاف بما فسَّروها به، ويمكن أن يُحمل كلٌّ منها على معنى يشترك فيه عصاةٌ الموحّدين، ولا يخفى أنَّ في ذلك ارتكابَ خلافِ الظاهر جدًّا. واللام صلة لـ ((اقترب)) كما هو الظاهر، وهي بمعنى ((إلى)) أو بمعنى ((من))، فإنَّ (اقترب)) افتَعَلَ من القرب ضدّ البعد، وهو يتعدَّى بـ ((إلى)) وبـ ((من))، واقتصر بعضهم على القول بأنها بمعنى ((إلى))، فقيل فيه تحكُّم لحديث تعدِّي القرب بهما؟ وأجيب بأنه يمكن أن يكون ذلك؛ لأنَّ كلَّا من (من)) و((إلى)) اللتين هما صلتا القرب بمعنى انتهاء الغاية، إلا أنَّ ((إلى)) عريقة في هذا المعنى، و((من)) عريقة في ابتداء الغاية فلذا أوثرَ التعبيرُ عن كون اللام المذكورة بمعنى انتهاءِ الغاية، كالتي في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] القول بأنها بمعنى ((إلى)) واقتصر عليه. وفي ((الكشف)): المعنى على تقدير كونه صلة لـ ((اقترب)): اقترب من الناس؛ لأن معنى (١) تفسير الرازي ١٣٩/٢٢. (٢) تفسير القرطبي ١٤/ ١٧١ . (٣) الكشاف ٢/ ٥٦١ . الآية : ١ ٧ سُورَةُ الأَنَبِيَاءِ الاختصاص وابتداء الغاية كلاهما مستقیم یحصل به الغرضُ. انتهى. وفيه بحث؛ فإن المفهومَ منه أن يكون كلمة ((من)) التي يتعدّى بها فعلُ الاقتراب بمعنى ابتداءٍ الغاية، وليس كذلك؛ لعدم ملاءمة ذلك المعنى مواقعَ استعمال تلك الكلمة، فالحقُّ أنها بمعنى انتهاء الغاية، فإنهم ذكروا أن ((من)) يجيءُ لذلك. قال الشُّمُنِّي(١): وفي ((الجنى الداني)) مثَّل ابن مالك لانتهاءِ الغاية بقولهم: تقرَّبت منه، فإنَّه مساوٍ لـ : تقرَّبت إليه. ومما يشهد لذلك أن فعل الاقتراب كما يستعمل بـ ((من)) يستعمل بـ ((إلى) وقد ذكر في معاني ((من)) انتهاء الغاية، كما سمعت، ولم يذكر أحد في معاني ((إلى)) ابتداءً الغاية، والأصل أن تكون الصلتان بمعنّى، فتُحمل ((من)) على ((إلى)) في كون المراد بها الانتهاء، وغاية ما يقال في توجيه ذلك أنَّ صاحب ((الكشف)) حملها على ابتداءِ الغاية؛ لأنه أشهر معانيها، حتى ذهب بعضُ النحاة إلى إرجاع سائرِها إليه، وجعل تعديته بها؛ حملًا على ضدِّه المتعدِّي بها، وهو فعل البعد، كما أن فعل البيع يعدّى بـ ((من)) حملاً له على فعل الشراء المتعدِّي بها، على ما ذكره نجم الأئمة الرضي في بحث الحروف الجارّة. والمشهور أن ((اقترب)) بمعنى قرب، كارْتَقَبَ بمعنى رَقَبَ، وحكى في ((البحر))(٢) أنه أبلغُ منه؛ لزيادة مبناه. والمراد من اقتراب الحساب: اقترابُ زمانِه وهو الساعة. ووجه إيثار بيانِ اقترابه مع أنَّ الكلامَ مع المشركين المنكرين لأصل بعث الأموات ونفس إحياء العظام الرفات، فكأنَّ ظاهر ما يقتضيه المقام أن يؤتى بما يفيد أصلَ الوقوع بدل الاقتراب، وأن يُسنَد ذلك إلى نفس الساعة لا إلى الحساب؛ للإشارة إلى أنَّ وقوعَ القيام وحصولَ بعث الأجساد والأجسام أمر ظاهر بلا تمويه، وشيءٌ واضح لا ريبَ فيه، وأنه وَصَلَ في الظهور والجلاء إلى حيث لا يكاد يَخفى على العقلاء، وأنَّ الذي يرخي في بيانه أعنَّة المقالِ بعض ما يستتبعه من الأحوال والأهوال، كالحساب الموجب للاضطراب، بل نفس وقوع الحساب أيضاً غنيٌّ عن (١) في حاشيته المسماة: المنصف من الكلام على مغني ابن هشام ٨٩/٢. (٢) ٦/ ٢٩٥. سُورَةُ الأَنْبََّاءِ ٨ الآية : ١ البيان لا ينبغي أن ترتابَ فيه العقول والأذهان، وأن الذي قصد بيانه هاهنا أنَّه دنا أوانُه واقتربَ زمانه، فيكون الكلام مفصحاً عن تحقّق القيام الذي هو مقتضى المقام على وجهٍ وجيه أكيد، ونهج بديع سديد، لا يَخفى لطفه على من ألقى السمع وهو شهید . وجوّز أن يكون الكلامُ مع المشركين السائلينَ عن زمان الساعة المستعجلينَ لها استهزاءً، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوْ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] فحينئذٍ يكون الإخبار عن الاقتراب على مقتضى الظاهر، وإيثارُ بيان اقتراب الحساب على بيانِ اقتراب سائرٍ وقوع مستتبعات البعث، كفنون العذاب وشُجون العقاب؛ للإشعار بأن مجرَّد اقتراب الحساب - الذي هو من مبادئ العذاب ومقدِّماته - كافٍ في التحذير عمَّا هم عليه من الإنكار، ووافٍ بالردع عمَّا هم عليه من العلوِّ والاستكبار، فكيف الحال في نفس العذاب والنكال؟! وذكر شيخُ الإسلام مولانا أبو السعود(١) - عليه الرحمة - أن إسناد ذلك إلى الحساب لا إلى الساعة؛ لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه، وإعراضِهم عمَّا یذگِّرهم إيّاه، وفيه ما فيه. ثم الوجه اللائح في النظر الجليل لإسناد الاقتراب إلى الحساب دون الناس، مع جواز العكس، هو أن الاقترابَ إذا حصل بين شيئين يُسنَد إلى ما هو مُقبِل على الآخَر، متحرِّك ومتوجّه إلى جهته حقيقةً أو حكماً، حتى أنَّه لو كان كلٌّ منهما متوجّهاً إلى الآخرِ يصحُّ إلى كلٍّ منهما، وقد سمعت أنَّ المرادَ من اقتراب الحساب اقترابُ زمانه، وقد صرَّح به أجلَّة المفسِّرين، وأنت خبير بأنَّ الشائعَ المستفيض اعتبارُ التوجُّه والإتيان من الزمان إلى ذي الزمان، لا بالعكس، فلذلك يوصف الزمانُ بالمضيِّ والاستقبال، فكان الجدير أن يُسنَد الاقترابُ إلى زمان الحساب، ويجعل الناس مدنوًّا إليهم. وذكر شيخ الإسلام أنَّ في هذا الإسناد من تفخيم شأن المسند إليه، وتھویل أمرِهِ ما لا يَخفى؛ لما فيه من تصوير ذلك بصورة شيء مُقبِل عليهم لا يزال يطلبهم (١) في تفسيره ٦/ ٥٣. الآية : ١ ٩ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ فيصيبهم لا محالةَ. انتهى. وهو معنى زائد على ما ذكرنا لا يَخفى لطفُه على الناقد البصير واليلمعيّ(١) الخبير. والمراد من اقتراب ذلك من الناس على ما اختاره الشيخ - قدّس سرُّه ـ دنوُّه منهم بَعْدَ بُعْدِه عنهم، فإنه في كلِّ ساعة يكون أقربَ إليهم منه في الساعة السابقة. واعترض قول الزمخشريٌّ(٢) المراد من ذلك كون الباقي من مدَّة الدنيا أقلّ وأقصر مما مضى فإنَّه كصُبابة(٣) الإناء ودُرْدِيٌّ(٤) الوعاء: بأنه لا تعلُّق له بما نحن فيه من الاقتراب المستفادٍ من صيغة الماضي، ولا حاجةً إليه في تحقيق أصل معناه. نعم، قد يفهم منه عرفاً كونه قريباً في نفسه أيضاً، فيصار حينئذٍ إلى هذا التوجيه . وتعقَّبه بعضُ الأفاضل بأنَّ القول بعدم التعلُّق بالاقتراب المستفاد من صيغة الماضي خارجٌ عن دائرة الإنصاف، فإنَّه إن أراد أنَّه لا تعلُّق له بالحدوث المستفاد منها، فلا وجهَ له، إذ الاقترابُ بالمعنى المذكور أمرٌ حَدَثَ بمضيِّ الأكثر من مدَّة الدنيا، وإن أراد أنه لا تعلّق له بالمضيّ المستفاد منها، فلا وجهَ له أيضاً؛ إذ الدلائل دلَّت على حصول هذا الاقترابِ حين مبعث النبيِّ ◌َّ الموعود في آخِر الزمان المتقدِّم على نزول الآية. ثم قال: فليتَ شِعْري ما معنى عدم تعلُّقه بما نحن فيه، بل ربّما يمكن أن يدَّعي عدمَ المناسبة في المعنى الذي اختاره نفسه، فإن الاقترابَ بذلك المعنى مستمرٌّ من أول بدء الدنيا إلى يوم نزول الآية، بل إلى ما بعد، فالذي يناسبه هو الصيغة المنبئة عن الاستمرار والدوام، ثم لا يخفى على أصحاب الأفهام أنَّ هذا المعنى الذي اعترضه أنسبُ بما هو مقتضى المقام من إخافة الكفرة اللئام المرتابينَ في أمر القيام؛ لما فيه من بيانِ قربه الواقع في نفس الأمر. اهـ. فتدبّر. وقيل المراد: اقترابُ ذلك عند الله تعالى. (١) الألمع والألمعي واليلمعي: الذكي المتوقّد. القاموس (لمع). (٢) في الكشاف ٢/ ٥٦١. (٣) الصُّبابة: بقية الماء في الإناء. المصباح (صبب). (٤) دُرْدِيُّ الزيت: ما يبقى أسفله. القاموس (درد). سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٠ الآية : ١ وتعقِّب بأنه لا عندَ لله عزَّ وجلَّ، إذ لا نسبةَ للكائنات إليه عزَّ وجلَّ بالقُرب والبعد. ورُدَّ بأنه غفلة أو تغافل عن المراد، فإن المرادَ من عند الله في علمه الأزليِّ أو في حكمه، وتقديره: لا الدنو والاقتراب المعروف، وعلى هذا يكون المراد من القرب تحقُّقه في علمه تعالى أو تقديره. وقال بعض الأفاضل: ليس المراد من كون القرب عند الله تعالى نسبته إليه سبحانه، بأن يجعل هو عزَّ وجلَّ مدنوًّا منه ومقرَّباً إليه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، بل المراد قُرْبُ الحساب للناس عندَ الله تعالى، وحاصله أنه تعالى شأنُه لبلوغ تأنِّيه إلى حدِّ الكمال يستقصر المددَ الطوال، فيكون الحسابُ قريباً من الناس عندَ جنابه المتعال، وإن كان بينه وبينهم أعوام وأحوال، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُ. بَعِيدًا * وَنَرَنَّهُ فَيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧] وهذا المعنى يفيد - وراء إفادته تحقُّق الثبوت لا محالةَ - أن المدَّةَ الباقيةَ بينهم وبين الحساب شيءٌ قليل في الحقيقة، وما عليه الناسُ من استطالته واستكثاره فمن التسويلاتِ الشيطانيَّة، وأنَّ اللائقَ بأصحاب البصيرة أن يَعدُّوا تلك المدةَ قصيرةً، فيشمِّروا الذيلَ ليوم يكشفُ فيه عن ساقٍ، ويكون إلى الله تعالى شأنه المساق. وقول شيخ الإسلام(١) في الاعتراض على ما قيل: إنه لا سبيل إلى اعتباره ها هنا؛ لأن قُرْبِه بالنسبة إليه تعالى مما لا يتصوَّر فيه التجوُّد والتفاوت حتماً، وإنما اعتباره في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ونظائره مما لا دلالةً فيه على الحدوث = مبنيٌّ على حمل القُرب عنده تعالى على القُرب إليه تعالى، بمعنى حضورِ ذلك في علمه الأزليِّ، فإنه الذي لا يجري فيه التفاوت حتماً، وأما قُرب الأشياء بعضها إلى بعض زماناً أو مكاناً فلا ريبَ أنه يتجدَّد تعلقاتُ عِلْمه سبحانه بذلك، فيعلمه على ما هو عليه مع كون صفةٍ العلم نفسِها قديمةً على ما تقرّر في موضعه. اهـ. واختار بعضُهم أن المرادَ بالعنديَّة ما سمعته أولًا، وهو معنى شائع في الاستعمال وجعل التجدُّد باعتبار التعلُّق كما قيل بذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَنْتَهُمْ (١) تفسير أبي السعود ٦/ ٥٣. الآية : ١ ١١ سُورَةُ الأَنَبِيَاءِ لِتَعْلَمَ﴾(١) الآية [الكهف: ١٢]، وقيل: المراد من اقترابه تحقَّق وقوعه لا محالةَ، فإن كلَّ آتٍ قريبٌ، والبعيد ما وقع ومضى، ولذا قيل: فلا زالَ ما تهواهُ أقربَ من غَدِ ولا زالَ ما تخشاه أَبعدَ من أمسٍ(٢) ولا بدَّ أن يراد من تحقّق وقوعه تحقُّقه في نفسه لا تحقُّقه في العلم الأزليِّ؛ ليغاير القولَ السابقَ. وبعض الأفاضل قال: إنه على هذا الوجه عدم تعلُّقه بالاقتراب المستفادِ من صيغة الماضي إلا أن يُصار إلى القول بتجرُّد الصيغة عن الدلالة على الحدوث، كما في قولهم: سبحانَ من تقدَّسَ عن الأندادِ وتنزَّه عن الأضدادِ، فتأمَّل ولا تغفل. وتقديم الجارِّ والمجرور على الفاعل، كما صرَّح به شيخُ الإسلام(٣)؛ للمسارعة إلى إدخالِ الروعة، فإن نسبةَ الاقتراب إلى المشركين من أول الأمر يسوؤهم، ويُورِثهم رهبةً وانزعاجاً من المقتَرب. واعتُرض بأن هؤلاء المشركين لا يحصل لهم الترويع والانزعاجُ لما ستسمع من غفلتهم وإعراضهم وعدم اعتدادهم بالآيات النازلةِ عليهم، فكيف يتأتّى تعجيل المساءة؟! وأجيب بأن ذلك لا يقتضي أن لا يزعجهم الإنذارُ والتذكير، ولا يروِّعهم التخويفُ والتحذير؛ لجواز أن يختلج في ذهنهم احتمالُ الصدق ولو مرجوحاً، فيحصلَ لهم الخوف والإشفاق. وأُيِّدَ بما ذكره بعضُ المفسِّرين من أنه لما نزلت ﴿اقْتَرَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامةَ قد قربت، فأَمسِكوا عن بعض ما تعملونَ حتى ننظرَ ما هو كائن. فلما تأخّرت قالوا: ما نرى شيئاً! فنزلت: ﴿أَقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] فأشفقوا فانتظروا قُرْبها، فلما امتدَّت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوِّفنا به؟! انتهى. (١) في الأصل و(م): وكذلك بعثناهم لنعلم. (٢) البيت لابن دراج القسطلي، وهو في ديوانه برواية: ولا زال ما ترجوه أقرب من غدٍ ولا انفكَّ ما تخشاه أبعد من أمسٍٍ (٣) تفسير أبي السعود ٥٣/٦. سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ ١٢ الآية : ١ وقال بعضهم في بيان ذلك: إن الاقترابَ منبيّ عن التوجُّه والإقبال نحو شيء، فإذا قيل: اقتربَ، أشعرَ أن هناك أمراً مقبلًا على شيء طالباً له من غير دلالةٍ على خصوصيّة المقترب منه، فإذا قيل بعد ذلك: ((للناس)) دلَّ على أنَّ ذلك الأمرَ طالبٌ لهم، مُقبِل عليهم، وهم هاربون منه، فأفاد أنَّ المقترِبَ مما يسوؤهم، فيحصل لهم الخوف والاضطراب قبل ذِكْر الحسابِ، بخلاف ما إذا قيل: اقترب الحسابُ للناس، فإنَّ كون إقبال الحساب نحوَهم لا يُفهَم على ذلك التقدير إلا بعد ذكرٍ للناس، فتحقّق فائدة التعجيل في التقديم(١) مما لا شبهةً فيه، بل فيه فائدة زائدة وهي ذهاب الوهم في تعيين ذلك الأمر الهائل إلى كلِّ مذهب إلى أن يذكر الفاعل. ويمكن أيضاً أن يقال في وجه تعجيلِ التهويل: إنَّ جريانَ عادته الكريمةِ وَّ على إنذار المشركين وتحذيرهم وبيان ما يزعجهم يدلُّ على أنَّ ما بين اقترابه منهم شيء سَيِّئ هائل، فإذا قدّم الجارّ يحصل التخويف حيث يعلم من أول الأمر أنَّ الكلام في حقِّ المشركين الجاري عادته الكريمة عليه الصلاة والسلام على تحذيرِهم، بخلاف ما إذا قدّم الفاعل حيث لا يعلم المقتربُ منه إلى أن يذكر الجارّ والمجرور، والقرينة المذكورة لا تدلُّ على تعيين المقتَرِب كما تدلُّ على تعيين المقتَرَب، إذ من المعلوم من عادته الكريمة ◌َّ أنَّه إذا تكلّم في شأنهم يتكلّم غالباً بما يسوؤهم، لا أنَّه عليه الصلاة والسلام يتكلّم في غالب أحواله بما يسوؤهم، وفرق بين العادتين، ولا يَقدح في تماميَّة المرام توقُّف تحقّق نكتة التقديم على ضمِّ ضميمة العادة، إذ يتم المراد بأن يكون للتقديم مدخل في حصول تلك النكتة، بحيث لو فات التقديم لفاتت النكتةُ، وقد عرفت أنَّ الأمر كذلك، وليس في كلام الشيخ - قدِّس سرُّه - ما يدلُّ على أن المسارعة المذكورةَ حاصلةٌ من التقديم وحده، کذا قيل. ولك أن تقول: التقديم؛ لتعجيل التخويف، ولا ينافي ذلك عدم حصوله، كما لا ينافي عدمُ حصولِ التخويف كونَ إنزال الآياتِ للتخويف، فافهم. (١) ليست في الأصل. الآية : ١ ١٣ سُورَةُ الأَبِيَاءِ وجوَّز الزمخشريُّ (١) كون اللام تأكيداً، لإضافة الحساب إليهم. قال في ((الكشف)): فالأصل: اقترب حسابُ الناس؛ لأنَّ المقتَرَبَ منه معلومٌ، ثم اقترب للناس الحساب على أنه ظرف مستقرٌّ مقدَّم، لا أنه يحتاج إلى مضاف مقدَّر حُذفَ؛ لأن المتأخّر مفسِّر، أي: اقترب الحسابُ للناس الحساب، كما زعم الطيبيُّ، وفي التقديم والتصريح باللام وتعريف الحساب مبالغاتٌ ليست في الأصل، ثم اقترب للناس حسابهم، فصارت اللام مؤكِّدة لمعنى الاختصاص الإضافيِّ، لا لمجرَّد التأكيد، كما في: لا أبا له (٢)، وما ثُنِّي فيه الظرفُ من نحو: فيكَ زِيدٌ راغبٌ فيك. انتھی. وادَّعى الزمخشريُّ(٣) أنَّ هذا الوجه أغربُ؛ بناءً على أنَّ فيه مبالغاتٍ ونكتاً ليست في الوجه الأول. وادَّعى شيخُ الإسلام(٤) أنَّه مع كونه تعسُّفاً تامًّا بمعزل عمَّا يقتضيه المقامُ، وبحث فیه أيضاً أبو حيان(٥) وغیرُه، ومن الناس من انتصر له وذبَّ عنه. وبالجملة للعلماء في ذلك مناظرة عظمى ومعركة كبرى، والأَولى بعد كلِّ حساب جعل اللام صلةَ الاقتراب هذا. واستدلَّ بالآية على ثبوت الحساب، وذكر البيضاويُّ(٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أنَّ المعتزلة والخوارج ينكرونه. ويعضده ما ذكره الإمام النسفيُّ في بعض مؤلَّفاته حيث قال: قالت المعتزلة: لا ميزانَ ولا حسابَ ولا صراطَ ولا حوضَ ولا شفاعةَ، وكلُّ موضع ذكر الله تعالى فيه الميزانَ أو الحساب، أراد سبحانه به العدلَ. انتهى. (١) في الكشاف ٢/ ٥٦١. (٢) كلام جرى مجرى المثل، وذلك أنك إذا قلت هذا، فإنك لا تنفي في الحقيقة أباه، وإنما تخرجه مخرج الدعاء، أي: هو ممن يستحقُّ أن يُدعى عليه بفقد أبيه. الخصائص لابن جني ١/ ٣٤٣. (٣) في الكشاف ٢/ ٥٦١. (٤) تفسير أبي السعود ٦/ ٥٣. (٥) في البحر المحيط ٢٩٥/٦. (٦) في تفسيره ١/ ٢٧٢. سُورَةُ الأَنَبِسَاءِ ١٤ الآية : ١ لكن المذكور في عامَّة المعتبرات الكلاميَّة أنَّ أكثرهم ينفي الصراط، وجميعهم ينفي الميزانَ، ولم يتعرَّض فيها لنفيهم الحسابَ، والحقُّ أنَّ الحساب بمعنى المجازاة مما لا ينكره إلا المشركون. ﴿وَهُمْ فِ غَفْلَتٍ﴾ أي: في غفلة عظيمة وجهالة فخيمة عنه. وقيل: الأَولى التعميم، أي: في غفلة تامَّة وجهالة عامَّة من توحيده تعالى والإيمان بكتبه ورسله عليهم السلام، ووقوع الحسابٍ ووجود الثواب العقاب، وسائرٍ ما جاء به النبيُّ الكريم عليه الصلاة والتسليم. وذِكْرُ غفلتهم عن ذلك عقيبَ بيانِ اقتراب الحساب لا يقتضي قَصْرَ الغفلة عليه، فإن وقوعَ تأسُّفهم وندامتهم وظهور أَثَر جهلهم وحماقتهم لمَّا كان مما يقع في يوم الحساب، كان سبباً للتعقيب المذكور. انتهى. وقد يقال: إنَّ ظاهرَ التعقيب يقتضي ذلك، ومن غفل عن مجازاةٍ الله تعالى له المرادِ من الحساب، صَدَرَ منه كلُّ ضلالة، وركب متنَ كلِّ جهالة. والجارُّ والمجرور متعلّق بمحذوف وقع خبراً لـ ((لهم)). وقوله سبحانه: ﴿مُعْرِضُونَ ﴾﴾ أي: عن الآيات والنذرِ الناطقة بذلك الداعية إلى الإيمان به المنجي من المهالك، خبر بعد خبر، واجتماع الغفلة والإعراض على ما أَشرنا إليه مما لا غبار عليه. وللإشارة إلى تمكّنهم في الغفلة التي هي منشأُ الإعراض المستمرِّ جِيْءَ بالكلام على ما سمعت، والجملة في موضع الحال من ((الناس)). وقال الزمخشريُّ(١): وصفهم بالغفلة مع الإعراض على معنى أنهم غافلون عن حسابهم، ساهون لا يتفكّرون في عاقبتهم، ولا يتفطّنون لما ترجعُ إليه خاتمةٌ(٢) أمرهم مع اقتضاء عقولِهم أنَّه لا بُدَّ من جزاء للمحسن والمسِيْء، ولذا إذا قرعت لهم العصا، ونبّهوا عن سِنَة الغفلة، وفطنوا لذلك بما يُتلى عليهم من الآيات (١) في الكشاف ٢/ ٥٦٢. (٢) في الأصل: عاقبة. الآية : ٢ ١٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ والنذر، أَعرضوا وسَدُّوا أسماعَهم ونفروا، إلى آخر ما قال. وحاصله يتضمَّن دفعَ التنافي بين الغفلة التي هي عدم التنبُّه، والإعراض الذي يكون من المتنبّه، بأنَّ الغفلةَ عن الحساب في أوَّل أمرِهم، والإعراضَ بعد قَرْعِ عصا الإنذار، أو بأنَّ الغفلةَ عن الحساب، والإعراضَ عن التفكّر في عاقبتهم وأمرَ خاتمتهم . وفي ((الكشف)): أرادَ أنَّ حالهم المستمرَّة الغفلةُ عن مقتضى الأدلَّة العقليّة، ثم إذا عاضدتها الأدلَّة السمعية، وأُرشدوا لطريقِ النظر، أَعرضوا، وفيه بيانُ فائدة إيرادِ الأول جملةً ظرفية؛ لما في حرف الظرف من الدلالة على التمكُّن، وإيراد الثاني وصفاً منتقلاً دالًا على نوع تجدُّد، ومنه يظهر ضعف الحمل على أنَّ الظرفيَّة حالٌ من الضمير المستكن في ((معرضون)» قدِّمت علیه. انتهى. ولا يخفى أنَّ القولَ باقتضاء العقول أنه لا بُدَّ من الجزاء، لا يتسنَّى إلا على القول بالحُسن والقبح العقليين، والأشاعرة ينكرون ذلك أشدَّ الإنكار. وقال بعض الأفاضل: يمكن أن يُحمل الإعراض على الاتساع كما في قوله: عطاءُ فتّى تمكَّن في المعالي وأَعرضَ في المعالي واستطالا(١) وذكره بعض المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿فَلَّا تَخَذْكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] فيكون المعنى: وهم متسعون في الغفلة، مفرطون فيها . ويمكن أيضاً أن يراد بالغفلة معنى الإهمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّاً عَنِ اَلْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] فلا تنافيَ بين الوصفين. ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ من طائفةٍ نازلة من القرآن تذكِّرهم أكملَ تذكير، وتبيِّن لهم الأمر أتمَّ تبيين، كأنها نفسُ الذكر، و((من)) سيف خطيب، وما بعدها مرفوع المحلِّ على الفاعليَّةِ، والقول بأنها تبعيضيَّة بعيدٌ، و((من)) في قوله تعالى: ﴿مِّن زَّيِّهِم﴾ لابتداءِ الغاية مجازاً، متعلِّقة بـ ((يأتيهم)»، أو بمحذوف هو صفة لـ ((ذِكْر))، وأيًّا ما كان ففيه دلالةٌ على فضله وشرفِه وكمال شناعة ما فعلوا به، والتعرُّض لعنوان الربوبية؛ لتشديد التشنيع. (١) البيت لذي الرمة، وسلف عند تفسير الآية (٦٧) من سورة الإسراء. سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ ١٦ الآية : ٣ ﴿تُحْدَثٍ﴾ بالجرِّ، صفة لـ ((ذِكْر)). وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، على أنه صفة له أيضاً على المحلِّ، وزيد بن علي ◌ّ بالنصب على أنه حال منه، بناء على وصفه بقوله تعالى: ((من ربهم))(١). وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ﴾ استثناء مفرغ، محلُّه النصب على أنه حال من مفعول ((يأتيهم)) بإضمار ((قد)) أو بدونه، على الخلاف المشهور على ما قيل، وقال نجم الأئمة الرضيُّ: إذا كان الماضي بعد ((إلا)) فاكتفاؤه بالضمير من دون الواو و((قد)) أكثر، نحو: ما لقيتُه إلا أَكرَمني، لأنَّ دخولَ ((لا)) في الأغلب على الأسماء، فهو بتأويل: إلا مكرَّماً، فصار كالمضارع المثبت. وجوّز أن يكون حالًا من المفعول؛ لأنه حاملٌ لضميره أيضاً، والمعنى لا يأباه، وهو خلاف الظاهر. وأَبعدُ من ذلك ما قيل: إنَّه يحتمل أن يكون صفةً لـ ((ذكر))، وكلمة: ((إلا)) وإن كانت مانعةً عند الجمهور، إذ التفريغ في الصفات غيرُ جائز عندهم، إلا أنه يجوز أن يقدَّر ذِكْر آخرُ بعد ((إلا)) فتجعل هذه الجملة صفةً له، ويكون ذلك بمنزلة وصف المذكور، أي: ما يأتيهم من ذكر إلا ذِكْر استمعوه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾﴾ حال من فاعل: ((استمعوه)). وقوله سبحانه: ﴿لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ﴾ إما حال أُخرى منه، فتكون مترادفةً، أو حال من واو ((يلعبون)) فتكون متداخلةً، والمعنى: ما يأتيهم من ذِكْر من ربِّهم مُحدَث في حالٍ من الأحوال إلا حال استماعِهم إيَّاه لاعبينَ مستهزئينَ به لاهين عنه، أو لاعبين به حالَ كون قلوبهم لاهيةً عنه. وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى ((لاهية)) بالرفع(٢) على أنه خبرٌ بعد خبرٍ لـ ((هم)) والسِّرُّ في اختلاف الخبرين لا يَخفى. و ((لاهية)) من لَهِيَ عن الشيء - بالكسر - لُهِيًّا ولِهْياناً: إذا سَلَا عنه، وتَرَكَ (١) البحر المحيط ٢٩٦/٦، وقراءة ابن أبي عبلة ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٦٣/٢. (٢) البحر المحيط ٢٩٦/٦، وقراءة عيسى في القراءات الشاذة ص٩١. الآية : ٣ ١٧ سُورَةُ الأَثْبِيَاءِ ذِكْره، وأَضرَبَ عنه، كما في ((الصحاح))(١). وفي ((الكشاف))(٢) هي مِن لَهَا عنه، إذا ذهل وغفل. وحيث اعتبر في الغفلة فيما مرَّ أن لا يكون للغافل شعور بالمغفولِ عنه أصلًا بأن لا يخطر بباله ولا يَقرَع سمعه، أَشكل وصفُ قلوبهم بالغفلة بعد سماع الآيات، إذ قد زالت عنهم بذلك، وحصل لهم الشعور وإن لم يوفَّقوا للإيمان، وبَقَوا في غيابة الخزي والخذلان؟ وأجيب بأنَّ الوصفَ بذلك على تنزيل شعورِهم - لعدم انتِفاعِهم به - منزلةً العَدمِ، نظيرَ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنَهُ مَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَيْسَ مَا شَرَوْا بِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وأنت تعلم أنه لا بأس أن يُراد من الغفلة المذكورة في تفسير لَهِيَ، التَّرْكُ والإعراضُ على ما تُفْصِح عنه عبارةُ ((الصحاح)). وإنَّما لم يجعل ذلك من اللهو بمعنى اللعب، على ما هو المشهور؛ لأنَّ تعقيبَ (يلعبون)) بذلك حينئذٍ مما لا يناسبُ جزالةَ التنزيل، ولا يوافق جلالةَ نظمه الجزيل، وإن أمكن تصحیحُ معناه بنوع من التأويل. والمراد بالحدوث الذي يستدعيه ((محدث)) التجدُّد، وهو يقتضي المسبوقيَّة بالعدم، ووصف الذُّكْر بذلك باعتبارِ تنزيله لا باعتبارِهِ نفسه، وإن صحَّ ذلك، بناءً على حمل الذكر على الكلام اللفظيِّ. والقولُ بما شاع عن الأشاعرة من حدوثهِ ضرورةَ أنه مؤلّف من الحروف والأصوات؛ لأنَّ الذي يقتضيه المقام، ويستدعيه حسن الانتظام، بيان أنَّه كلما تجدّد لهم التنبيه والتذكير، وتكرَّر على أسماعهم كلمات التخويف والتحذير، ونزلت عليهم الآيات، وقُرعت لهم العصا، ونُبِّهوا عن سِنَة الغفلة والجهالة عددَ الحصا، وأُرشدوا إلى طريق الحقِّ مراراً، لا يزيدهم ذلك إلا فراراً. (١) مادة (لهي). (٢) ٢ / ٥٦٢. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٨ الآية : ٣ وأمَّا أنَّ ذلك المنزلَ حادثٌ أو قديم فممَّا لا تعلَّق له بالمقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام. وجوز أن يكون المراد بالذكر الكلامَ النفسيَّ، وإسناد الإتيان إليه مجاز، بل إسناده إلى الكلام مطلقاً كذلك، والمراد من الحدوث التجدُّد، ويقال: إن وصفَه بذلك باعتبار التنزيل، فلا ينافي القولَ بقِدَم الكلام النفسيِّ الذي ذهب إليه مثبتوه من أهل السنة والجماعة. والحنابلة القائلون بقِدَم اللفظيِّ كالنفسي يتعيَّن عندهم كون الوصف باعتبار ذلك، لئلّا تقوم الآيةُ حجَّةً عليهم. وقال الحسن بن الفضل: المراد بالذكر النبيُّ وَّهِ، وقد سُمِّي ذِكْراً في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنَزَّلَ اللَّهُ إِلَتْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً﴾ [الطلاق: ١٠-١١] ويدلُّ عليه هنا ((هل هذا)) [الآية: ٣] إلخ، الآتي قريباً إن شاء الله تعالى، وفيه نظر. وبالجملة ليست الآيةُ مما تقام حجَّةً على ردِّ أهل السنة ولو الحنابلة، كما لا يخفى. ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى﴾: كلام مستأنف مسوقٌ لبيان جنايةٍ أخرى من جناياتهم. و ((النجوى)) اسم من التناجي، ولا تكون إلا سرًّا، فمعنى إسرارها المبالغةُ في إخفائها . ويجوز أن تكون مصدراً بمعنى التناجي، فالمعنى: أخفوا تناجيهم، بأن لم يتناجَوا بمرأى من غيرِهم، وهذا على ما في ((الكشف)) أظهرُ وأحسن موقعاً. وقال أبو عبيدة(١): الإسرار من الأضداد. ويحتمل أن يكون هنا بمعنى الإظهار، ومنه قول الفرزذق: فلما رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه أسرَّ الحروريُّ الذي كان أضْمَرًا(٢) (١) في مجاز القرآن له ٣٤/٢. (٢) البيت لم نقف عليه في ديوانه، وذكره أبو البركات الأنباري في الأضداد ص٤٦، وابن منظور في اللسان (نجد)، والأزهري في تهذيب اللغة ٢٨٥/١٢. الآية : ٣ ١٩ سُورَةُ الأَبْنِيَاءِ وأنت تعلم أنَّ الشائع في الاستعمال معنى الإخفاء، وإن قلنا إنَّه من الأضداد، كما نصَّ عليه التبريزيُ(١)، ولا موجبَ للعدول عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدل من ضمير ((أسروا)) كما قال المبرِّد، وعزاه ابنُ عطيّة(٢) إلى سيبويه(٣)، وفيه إشعار بكونهم موصوفينَ بالظلم الفاحشِ فيما أَسروا به. وقال أبو عبيدة (٤)، والأخفش(٥)، وغيرهما: هو فاعل ((أسرُّوا)) والواو حرف دالٌّ على الجمعية، كواو: قائمون، وتاء: قامت، وهذا على لغة: أكلوني البراغيث، وهي لغة لأزدشنوءة، قال شاعرهم: يَلومُونني في اشْتراءِ النَّخِيـ ـلِ أهلي وكلَّهُمُ ألومُ(٦). وهي لغة حسنة على ما نصَّ أبو حيان(٧)، وليست شاذَّة كما زعمه بعضهم، وقال الكسائيُّ: هو مُبتدأ، والجملة قبله خبره، وقدِّم؛ اهتماماً به، والمعنى: هم أسروا النجوى، فوضع الموصول موضعَ الضمير، تسجيلًا على فعلهم بكونه ظلماً. وقيل: هو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم الذين. وقيل: هو فاعل لفعل محذوف، أي: يقول الذين، والقول كثيراً ما يُضمَر، واختاره النخَّاس(٨)، وهو على هذه الأقوال في محلِّ الرفع. وجوّز أن يكون في محلِّ النصب على الذَّمِّ، كما ذهب إليه الزجَّاج(٩)، أو على (١) كذا ذكره عنه أبو حيان في البحر المحيط ٢٩٦/٦. (٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٧٤. (٣) الكتاب ٢/ ٤١ . (٤) في مجاز القرآن له ٣٤/٢. (٥) في معاني القرآن له ٦٣٢/٢. (٦) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ص١٢٧ . (٧) في البحر المحيط ٢٩٧/٦. (٨) في إعراب القرآن له ٦٤/٣. (٩) كذا نقل عنه أبو حيان في البحر المحيط ٢٩٧/٦ وما بعده منه أيضاً، والذي ذكره الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣٨٣/٣ - ٣٨٤ أنه في موضع رفع بدلًا من الواو في ((أسرُّوا))، = سُورَةُ الأَنْبََّاءِ ٢٠ الآية : ٣ إضمار: أعني، كما ذهب إليه بعضهم. وأن يكون في محلِّ الجرِّ، على أن يكون نعتاً ((للناس)) كما قال أبو البقاء(١)، أو بدلًا منه، كما قال الفرَّاء(٢)، وكلاهما كما ترى. وقوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلخ، في حيِّز النصب على أنَّه مفعولٌ لقول مُضمَر بعد الموصول، وصلته هو جواب عن سؤال نَشَأَ مما قبله، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: ((هل هذا)) إلخ. أو بدل من ((أسروا))، أو معطوف عليه، وقيل: حال، أي: قائلين: ((هل هذا)) ... إلخ، وهو مفعول لقول مُضمَر قبل الموصول، على ما اختاره النخَّاس(٣)، وقيل: مفعول للنجوى نفسِها؛ لأنَّها في معنى القول، والمصدر المعرَّف يجوِّز إعمالَه الخليلُ وسيبويه، وقيل: بدل منها، أي: أسرُّوا هذا الحديث. و((هل)) بمعنى النفي، وليست للاستفهام التعجّبي، كما زعم أبو حيان(٤). والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ للإنكار، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام. وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾﴾ حال من فاعل ((تأتون)) مقرِّرة للإنكار، مؤكّدة للاستبعاد، وأرادوا كما قيل: ما هذا إلا بشر مثلكم، أي: من جنسِكم وما أَتى به سحرٌ تعلمون ذلك، فتأتونه وتحضرونه على وجهِ الإذعان والقَبول، وأنتم تعاينون أنَّه سحر؟! قالوه بناءً على ما ارتكز في اعتقادِهم الزائغ أنَّ الرسولَ لا يكون إلا مَلكاً، وأنَّ كلَّ ما يظهر على يدِ البشر من الخوارق من قبيل السحر، وعَنَوا بالسحر ها هنا القرآن، ففي ذلك إنكار لحقِّيته على أبلغ وجهٍ، قاتلهم اللهُ تعالى أنى يؤفكون. = ويجوز أن يكون رفعاً على الذم على معنى: هم الذين ظلموا، أو أن يكون في موضع نصب على معنى: أعني الذين ظلموا. (١) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٦١٠/٣. (٢) في معاني القرآن له ١٩٨/٢ . (٣) في إعراب القرآن له ٦٤/٣. (٤) البحر المحيط ٦/ ٢٩٧.