النص المفهرس

صفحات 461-480

الآية : ١٠٧
٤٦١
سُوَالطَّف
والصفصف: الأرضُ المستوية الملساء، كأنَّ أجزاءه صفٍّ واحدٌ من كلِّ جهة.
وقيل: الأرضُ التي لا نباتَ فيها. وعن ابن عباس ومجاهد جعلُ القاع والصفصف
بمعنّى واحد، وهو المستوي الذي لا نباتَ فيه.
وانتصاب ((قاعاً)) على الحالية من الضمير المنصوب، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((يذر))
على تضمين معنى التصيير، و((صفصفاً)) إمَّا حالٌ ثانيةٌ، أو بدلٌ من المفعول
الثاني .
وقوله تعالى: ﴿لَّا تَرَى فِيهَا﴾ أي: في مقارِّ الجبال، أو في الأرض على
ما فُصِّل ﴿عِوَجًا وَلَّ أَمْنَا (٦)﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ كيفيةَ ما سبقَ من القاع الصفصف، أو
حالٌ أخرى، أو صفةٌ لـ ((قاع))، والرؤية بصريَّة، والخطابُ لكلِّ من يتأتَّى منه،
وعلّقت بالعِوج، وهو بكسر العين: ما لا يُدرك بفتحها، بل بالبصيرة؛ لأنَّ المرادَ به
ما خفيَ من الاعوجاج حتَّى احتاجَ إثباتُه إلى المساحة الهندسيَّة المدرَكة بالعقل،
فأُلحق بما هو عقليٌّ صرف، فأطلق عليه ذلك لذلك، وهذا بخلاف العَوَج بفتح
العين، فإنَّه ما يدرك بفتحِها، كعوج الحائط والعود، وبهذا فرَّق بينهما في
((الجمهرةٍ))(١) وغيرها.
واختار المرزوقيُّ في ((شرح الفصيح)) أنَّه لا فرقَ بينهما.
وقال أبو عمرو: يقال لعدم الاستقامة المعنويَّة والحسية: عِوَج، بالكسر، وأمَّا
العَوج بالفتح، فمصدرُ عوج، وصح الواو فيه لأنَّه منقوصٌ من اعوج. ولمَّا صحَّ
في الفعل صحَّ في المصدر أيضاً.
والأَمْتُ: النُّتُوُّ، والتنكير فيهما للتقليل.
وعن ابن عباس ((عوجاً)): ميلاً، ((ولا أمتاً)) أثراً مثل الشراك. وفي روايةٍ أخرى
عنه: ((عوجاً)): وادياً، ((ولا أمتً): رابيةً.
وعن قتادة: ((عوجاً)): صدعاً، ((ولا أمتاً): أكمة.
وقيل: الأمتُ: الشقوق في الأرض.
(١) جمهرة اللغة ١٠٥/٢.

سُو ◌َلا ◌َّة
٤٦٢
الآية : ١٠٨
وقال الزجَّاجُ: هو أن يَغْلُظَ مكانٌ ويَدِقَّ مكان(١).
وقيل: الأمتُ في الآية العوج في السماء تجاهَ الهواء، والعوج في الأرض
مختصُّ بالعَرْض.
وتقديم الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح لما مرَّ غير مرَّة.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمِذٍ﴾ أي: يوم إذ تنسفُ الجبال، على إضافة يوم إلى وقت
النسف، من إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، فلا يلزمُ أنْ يكون للزمان ظرفٌ، وإن كان
لا مانعَ عنه عند من عرَّفه بمتجدِّدٍ يقدَّرُ به متجدِّدً آخر.
وقيل: هو من إضافة المسمَّى إلى الاسم، كما قيل في: شهر رمضان.
وهو ظرفٌ لقوله تعالى: ﴿يَتَّعُونَ الَّاعِىَ﴾. وقيل: بدلٌ من ((يوم القيامة))،
فالعامل فيه هو العامل فيه. وفيه الفصل الكثير وفواتُ ارتباط ((يتَّبعون)) بما قبله.
وعليه فقوله تعالى: ((ويسألونك)) إلخ استطرادٌ معترضٌ، وما بعده استئنافٌ، وضمير
(يتبعون)) للناس.
والمراد بـ ((الداعي)) داعي الله عزَّ وجلَّ إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه
السلام، يضع الصور في فيه، ويدعو الناسَ عند النفخة الثانية قائماً على صخرة
بيت المقدس، ويقول: أيَّتُها العظامُ البالية، والجلودُ المتمزِّقة، واللحومُ المتفرِّقة،
هلمُّوا إلى العرض إلى الرحمن، فيُقبلون من كلِّ صوبٍ إلى صوته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظيِّ قال: يحشرُ الله تعالى الناسَ
يوم القيامة في ظلمةٍ، تطوى السماء، وتتناثر النجوم، ويذهب الشمس والقمر،
وينادي منادٍ فيتبع الناس الصوتَ يؤمُّونه، فذلك قوله تعالى: ((يومئذ يتَّبعون
الداعي)» إلخ(٢).
وقال عليُّ بن عيسى: ((الداعي)) هنا الرسول الذي كان يدعوهم إلى الله عزَّ
وجلَّ. والأول أصح.
(١) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٣٧٧.
(٢) الدر المنثور ٣٠٨/٤.

الآية : ١٠٨
٤٦٣
﴿لَا عِوَجَ لَهُّ﴾ أي: للداعي، على معنى لا يعوجُ له مدعوّ ولا يعدلُ عنه، وهذا
كما يقال: لا عصيانَ له، أي: لا يَعصي، ولا ظلم له، أي: لا يَظلم. وأصله أنَّ
اختصاصَ الفعل بمتعلّقه ثابتٌ كما هو بالفاعل.
وقيل: أي: لا عوجَ لدعائه، فلا يميلُ إلى ناسٍ دون ناس، بل يسمعُ
جميعهم، وحکي ذلك عن أبي مسلم.
وقيل: هو على القلب، أي: لا عوجَ لهم عنه، بل يأتونَ مقبلين إليه مثَّبعين
لصوته من غير انحراف، وحكي ذلك عن الجبائيّ. وليس بشيء.
والجملة في موضع الحال من الداعي، أو مستأنفةٌ، كما قال أبو البقاء(١).
وقيل: ضمير ((له)) للمصدر، والجملة في موضع الصفة له، أي: اتِّباعاً لا عوجَ
له، أي: مستقيماً.
وقال ابن عطية: يحتملُ أن يكون المعنى: لا شكَّ فيه، ولا يخالف وجوده
خبره(٢) .
﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: خفيت لمهابته تعالى وشدَّة هول المطلع.
وقال ابن عباس ﴿يًّ: سكنت. والخشوع مجازٌ في ذلك، وقيل: لا مجاز،
والكلام على حذف مضاف، أي: أصحابُ الأصوات. وليس بذاك.
﴿فَلَ تَسْمَعُ﴾ خطابٌ لكلٍّ من يصحُّ منه السمع ﴿إِلَّا مَسًا ﴾﴾ أي: صوتاً
خفيّاً خافتاً، كما قال أبو عبيدة(٣).
وعن مجاهد: هو الكلام الخفي. ويؤيِّدُه قراءة أبيّ: ((فلا ينطقونَ إلَّا همساً))(٤).
وعن ابن عباس: هو تحريك الشفاه بغير نطق. واستُبعِد بأنَّ ذلك ممَّا يُرى
لا ممَّا يسمع.
(١) إملاء ما من به الرحمن ١٢٧/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٤ /٦٤.
(٣) في مجاز القرآن ٢/ ٣٠.
(٤) النكت والعيون للماوردي ٤٢٧/٣، وتفسير القرطبي ١٤٠/١٤، والبحر المحيط ٢٨٠/٦.

سُورَة ◌َفة
٤٦٤
الآية : ١٠٩
وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه خفقُ الأقدام. وروي ذلك عن عكرمة وابن جبير
والحسن، واختاره الفرَّاء والزَّجَّاج(١)، ومنه قول الشاعر:
وهنَّ يمشينَ بنا هَمِيسا(٢)
وذكر أنَّه يُقَال للأسد: الهموس، لخفاء وطئه، فالمعنى: سكنتْ أصواتُهم،
وانقطعت كلماتُهم، فلم يُسمع منهم إلَّا خفقُ أقدامهم ونقلُها إلى المحشر.
﴿يَوْمَيِدٍ﴾ أي: يوم إذ يقعُ ما ذُكر من الأمور الهائلة، وهو ظرف لقوله تعالى:
﴿لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ﴾، وجُوِّزَ أنْ يكونَ بدلاً من ((يوم القيامة))، أو من ((يومئذٍ يتبعون)).
والمرادُ: لا تنفع الشفاعة من الشفعاء أحداً ﴿إِلَّا مَنْ أَذِينَ﴾ في الشفاعة ﴿لَهُ الرَّحْمَنُ﴾
فالاستثناءُ من أعمِّ المفاعيل. و((من)) مفعولُ (تنفع)) وهو (٣) عبارةٌ عن المشفوع له،
و ((له)) متعلِّقٌ بمقدَّرٍ متعلِّق بـ ((أذن)). وفي ((البحر))(٤) أنَّ اللامَ للتعليل، وكذا في قوله
تعالى: ﴿وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًاً (3﴾﴾ أي: ورضيَ لأجلِه قولَ الشافع وفي شأنه، أو: رضيَ
قول الشافع لأجله وفي شأنه، فالمراد بالقول على التقديرين قول الشافع.
وجُوِّزَ فيه أيضاً أنْ لا يكون للتعليل، والمعنى: ورضيَ قولاً كائناً له، فالمراد
بالقول قول المشفوع، وهو - على ما روي عن ابن عباس - لا إله إلا الله. وحاصلُ
المعنى عليه: لا تنفعُ الشفاعةُ أحداً إلَّا من أذن له الرحمن في أنْ يُشِفَعَ له وكان
مؤمناً. والمراد على كلِّ تقدير أنَّه لا تنفعُ الشفاعةُ أحداً إلَّا من ذُكِر، وأمَّا من عداه
فلا تكادُ تنفعه، وإن قُرِضَ صدورُها عن الشفعاء المتصدِّين للشفاعة للناس، كقوله
تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وجُوِّزَ في ((البحر)) و((الدر
المصون))(٥) أنْ لا يقدَّر مفعولٌ لـ ((تنفع)) تنزيلاً له منزلةَ اللازم، والاستثناءُ من
(شفاعة))، و((من)) في محلٌّ رفع على البدليَّة منها بتقدير مضاف، أو في محل نصبٍ
على الاستثناء بتقديره أيضاً، أي: إلَّا شفاعة من أذن .. إلخ، و((من)) عبارةٌ عن
(١) معاني القرآن للفراء ١٩٢/٢، وللزجاج ٣٧٧/٣.
(٢) سلف ١٣٩/٣.
(٣) في (م): وهي.
(٤) البحر المحيط ٢٨٠/٦.
(٥) البحر المحيط ٦/ ٢٨٠، والدر المصون ١٠٧/٨.

الآية : ١١٠
٤٦٥
سُوٌ لاطف
الشافع، والاستثناءُ متَّصلٌ، ويجوزُ أنْ يكون منقطعاً إذا لم يقدَّر شيءٌ، ومحلُّ ((من))
حينئذٍ نصبٌ على لغة الحجاز، ورفعٌ على لغة تميم.
واعترضَ كونُ الاستثناء من ((الشفاعة)) على تقدير المضاف بأنَّ حُكمَ الشفاعةِ
ممَّن لم يؤذن له أن لا يملكها ولا تَصدر عنه أصلاً، ومعنى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾
[البقرة: ٤٨]: لا يؤذنُ له (١) فيها، لا أنَّها لا تقبلُ بعد وقوعها، فالإخبارُ عنها
بمجرَّد عدم نفعها للمشفوع له ربَّما يُوهم إمكانَ صدورها عمَّن(٢) لم يؤذن له، مع
إخلاله بمقتضى مقام تهويلِ اليوم.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيِّنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الظاهرُ أنَّ ضميرَ الجمع عائدٌ على الخلق
المحشورين، وهم متَّبعو الداعي.
وقيل: على الناس، لا بقيد الحشر والاتباع. وقيل: على الملائكة عليهم
السلام. وهو خلافُ الظاهر جدًّا.
والمراد من الموصولين - على ما قيل - ما تقدَّمهم من الأحوال، وما بعدهم
ممَّا يستقبلونَه، أو بالعكس، أو أمور الدنيا وأمور الآخرة، أو بالعكس، أو
ما يدركونه وما لا يدركونه، وقد مرَّ الكلام في ذلك.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا ﴾ أي: لا يحيطُ علمُهم بمعلوماته تعالى، فـ ((علماً))
تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعل، وضمير ((به)) لله تعالى، والكلام على تقدير مضاف.
وقيل: المراد: لا يحيط علمُهم بذاته سبحانه، أي: من حيثُ اتصافُه بصفات
الكمال التي من جملتها العلمُ الشامل. ويقتضي صحَّةً أنْ يقال: علمتُ الله تعالى،
إذ المنفيُّ العلم على طريق الإحاطة.
وقال الجبائيُّ: الضميرُ لمجموع الموصولين، فإنَّهم لا يعلمون جمیع ما ذُكِر،
ولا تفصيلَ ما علموا منه.
وجوِّزَ أنْ يكونَ لأحدِ الموصولين، لا على التعيين.
(١) في (م): لها.
(٢) في الأصل و(م): حين. والمثبت من تفسير أبي السعود ٤٣/٦، والكلام وما سلف بين
حاصرتین منه.

سُو ◌َلاَطئة
٤٦٦
الآية : ١١١
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورُ﴾ أي: ذَلَّت وخضعت خضوعَ العُنَاة، أي:
الأسارى. والمراد بـ ((الوجوه)) إمَّا الذوات، وإمَّا الأعضاء المعلومة، وتخصيصها
بالذكر؛ لأنَّها أشرفُ الأعضاء الظاهرة، وآثارُ الذلٌ أوَّلُ ما تظهرُ فيها. و((أل)) فيها
للعهد، أو عوضٌ عن المضاف إليه، أي: وجوه المجرمين، فتكون الآيةُ نظيرَ قوله
تعالى: ﴿سِيَّتْ رُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الملك: ٢٧] واختار ذلك الزمخشريُّ(١)، وجعلَ
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ اعتراضاً، ووضعَ الموصولَ موضعَ
ضمیرهم، لیکون أبلغ.
وقيل: الوجوهُ: الأشراف، أي: عظماء الكفرة؛ لأنَّ المقامَ مقامُ الهيبة،
ولصوقُ الذلَّةِ بهم أولى، و((الظلمُ)) الشرك، وجملة ((وقد خاب)) إلخ حالٌ، والرابطُ
الواو، لا معترضةٌ؛ لأنَّها في مقابلة ((وهو مؤمن)) فيما بعد. انتهى.
قال صاحب ((الكشف)): الظاهر مع الزمخشريّ، والتقابلُ المعنويُّ كافٍ، فإنَّ
الاعتراضَ لا يتقاعد عن الحال. انتهى.
وأنت تعلمُ أنَّ تفسيرَ الظلم بالشرك ممَّا لا يختصُّ بتفسير الوجوه بالأشراف،
وجَعْلِ الجملة حالاً، بل يكون على الوجه الأول أيضاً بناءً على أنَّ المراد
بالمجرمين الكفّار.
وعن ابن عباسٍ ﴿ّ أنَّه قال في قوله تعالى: ((وقد خاب)) إلخ: خسرَ من أشركَ
بالله تعالى ولم يتب.
وقال غيرُ واحدٍ: الظاهرُ أنَّ ((أل)) للاستغراق، أي: خضعت واستسلمت جمیعُ
الوجوه. وقوله تعالى: ((وقد خاب)) إلخ يحتملُ الاستئناف والحاليَّة، والمراد
بالموصول إمَّا المشركون، وإمَّا ما يعمُّهم وغيرهم من العصاة، وخيبةُ كلِّ حاملٍ
بقدر ما حمل من الظلم، فخيبة المشرك دائمةٌ، وخيبةُ المؤمن العاصي مقيّدةٌ بوقت
العقوبة إنْ عوقب.
وقد تقدَّم لك معنى ((الحيُّ القيوم)) في آية الكرسي.
والظاهر أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ﴾ قسيمٌ لقوله سبحانه:
(١) الكشاف ٥٥٤/٢ .

الآية : ١١٢
٤٦٧
(عنتِ الوجوهُ)) إلى آخر ما تقدَّم، ولقولِه عزَّ وجلَّ: ((وقد خابَ من حمل ظلماً»
على هذا كما صرَّح به ابنُ عطيّة(١) وغيره، أي: ومن يعمل بعضَ الصالحات، أو
بعضاً من الصالحات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: بما يجبُ الإيمان به. والجملةُ في موضع
الحال، والتقييد بذلك؛ لأنَّ الإيمان شرطٌ في صحَّة الطاعات وقَبول الحسنات.
﴿فَلَ يَخَافُ نُظُلْمًا﴾ أي: منع ثوابٍ مستحَقٌّ بموجب الوعد ﴿وَلَا حَضْمًا (٣)﴾
ولا منعَ بعضٍ منه، تقول العرب: هضمتَ حقِّي، أي: نقصت منه، ومنه: هضيم
الكَشْحَيْن، أي: ضامرُهما، وهُضِم الطعام تلاشى في المعدة.
روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنَّ المعنى: فلا يخافُ أنْ يُظلم فيزادَ في
سيئاته، ولا أنْ يُهضَم فينقصَ من حسناته. والأوَّلُ مرويٌّ عن ابن زيد.
وقيل: الكلامُ على حذف مضاف، أي: فلا يَخافُ جزاءً ظلم وهضم، إذ لم
يصدر عنه ظلمٌ ولا هضمُ حقٌّ أحدٍ حتى يخاف ذلك، أو أنَّه أريد من الظلم
والهضم جزاؤهما مجازاً.
ولعلَّ المرادَ - على ما قيل - نفيُ الخوف عنه من ذلك من حيثُ إيمانُه وعملُه
بعض الصالحات، ويتضمَّن ذلك نفي أن يكون العملُ الصالح مع الإيمان ظلماً أو
هضماً .
وقيل: المرادُ أنَّ من يعمل ذلك وهو مؤمنٌ هذا شأنه؛ لصونِ الله تعالى إيَّه عن
الظلم أو الهضم، ولأنَّه لا يعتدُّ بالعمل الصالح معه، فلا يَردُ ما قيل: إنَّه لا يلزمُ
من الإيمان وبعض العمل أنْ لا يظلمَ غيره ویهضمَ حقه.
ولا يخفى عليك أنَّ القولَ بحذف المضاف والتجوُّزِ في هذه الآية في غاية
البعد، وما قيل من الاعتراض قويٌّ، وما أجيبَ به كما ترى، ثم إنَّ ظاهرَ كلام
الجوهريِّ أنه لا فرقَ بين الظلم والهضم (٢)، وظاهرُ الآية قاضٍ بالفرق بينهما(٣)،
وكذا قول المتوكّل الليثيِّ:
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٦٥.
(٢) انظر الصحاح (هضم).
(٣) لفظة: بينهما. ليست في (م).

٤٦٨
الآية : ١١٣
مولاهم المتهضَّمُ المظلومُ(١)
إنَّ الأذلَّةِ واللئامَ لمعشرٌ
وممَّن صرَّح به الماورديُّ حيث قال: الفرقُ بينهما أنَّ الظلمَ منعُ الحقِّ كلِّه،
والهضمَ مَنْعُ بعضه(٢) .
وقرأ ابنُ كثير وابنُ محيصن وحميد: ((فلا يَخَفْ)) على النهي(٣).
قال الطيبيُّ: قراءةُ الجمهور توافقُ قوله تعالى: ((وقد خاب)» إلخ من حيثُ
الإخبارُ، وأبلغُ من القراءة الأخرى من حيث الاستمرارُ، والأخرى أبلغُ من حيث
إنَّها لا تقبلُ التردُّد في الإخبار.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عطفٌ على ((كذلك نقصُّ))، والإشارةُ إلى إنزال ما سبقَ من الآيات
المتضمِّنة للوعيد، المنبئةِ عمَّا سيقع من أحوال القيامة وأهوالها، أي: مثل ذلك
الإنزال ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ أي: القرآن كلَّه، وهو تشبيهٌ لإنزال الكلِّ بإنزال الجزء، والمراد
أنَّه على نمط واحد، وإضمارُه من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه، وكونه
مركوزاً في العقول، حاضراً في الأذهان ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ ليفهمه العربُ، ويقفوا على
ما فيه من النظم المعجز الدالّ على كونه خارجاً عن(٤) طوقِ الآدميين، نازلاً من
ربِّ العالمين.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: كرَّرنا فيه بعضَ الوعيد، أو بعضاً من الوعيد.
والجملةُ عطفٌ على جملة ((أنزلناه))، وجَعْلُها حالاً قيداً للإنزال خلافُ الظاهر جدّاً.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ المفعول محذوف، وتقدَّم الكلام في (لعلّ)). والمراد: لعلَّهم
يَتَّقون الكفرَ والمعاصيّ بالفعل. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرًا (٨٤)﴾ أي: عظةً واعتباراً مؤدِّياً
في الآخرة إلى الاتِّقاء. وكأنَّه لمّا كانت التقوى هي المطلوبة بالذات منهم أسندَ
(١) البيت في طبقات فحول الشعراء ٦٨٤/٢، وفيه: معاشرُ. بدل: لمعشر. والمتوكل الليثي
عدَّه ابن سلام في الطبقة السابعة من الإسلاميين، وقال: يكنى أبا جهمة، كان كوفيّاً، وكان
في عصر معاوية.
(٢) النكت والعيون ٤٢٨/٣.
(٣) البحر المحيط ٢٨١/٦، وقراءة ابن كثير في التيسير ص ١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢.
(٤) في الأصل: من. والمثبت من (م) وهو موافق لما في تفسير أبي السعود ٤٤/٦، والكلام
منه .

الآية : ١١٣
٤٦٩
فعلها إليهم، ولمَّا لم يكن الذكرُ كذلك غيَّرَ الأسلوبَ إلى ما سمعت، كذا قيل.
وقيل: المراد بالتقوى مَلَكَتُها، وأسندت إليهم؛ لأنَّها ملكةٌ نفسانيَّةٌ تناسبُ
الإسناد لمن قامت به، وبالذكرِ العظةُ الحاصلة من استماع القرآن، المثبطةُ عن
المعاصي، ولمَّا كانت أمراً يتجدَّدُ بسببٍ(١) استماعه ناسبَ الإسنادَ إليه، ووصفَه
بالحدوث المناسبٍ لتجدُّد الألفاظِ المسموعة.
ولا يخفى بُعْدُ تفسير التقوى بمَلَكَتها، على أنَّ في القلب من التعليل شيئاً.
وفي (البحر)): أسند ترجّي التقوى إليهم؛ لأنَّ التقوى عبارةٌ عن انتفاءِ فعل
القبيح، وذلك استمرارٌ على العدم الأصليِّ، وأسند ترجِّي إحداث الذكر للقرآن؛
لأنَّ ذلك أمرٌ حَدَثَ بعد أن لم يكن(٢). انتهى. وهو مأخوذٌ من كلام الإمام (٣).
وفي قوله: لأنَّ التقوى .. إلى آخره. على إطلاقه منعٌ ظاهر.
وفسَّر بعضُهم التقوى بترك المعاصي، والذكرَ بفعل الطاعات؛ فإنَّه يطلقُ عليه
مجازاً(٤)؛ لما بينهما من السببيَّة والمسببيَّة، فكلمةُ ((أو)) - على ما قيل - للتنويع.
وفي الكلام إشارةٌ إلى أنَّ مدارَ الأمر التخلية والتحلية.
والإمامُ ذكر في الآية وجهین:
الأول: أنَّ المعنى: إنَّما أنزلنا القرآن ليصيروا محترزين عن فعل ما لا ينبغي،
أو يحدثَ لهم ذكراً يَدعوهم إلى فعل ما ينبغي، فالكلامُ مشيرٌ أيضاً إلى التخلية
والتحلية، إلا أنه ليسَ فيه ارتكابُ المجاز.
والثاني: أنَّ المعنى: أنزلنا القرآن ليثَّقوا، فإنْ لم يحصل ذلك، فلا أقلّ من أنْ
يحدثَ لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً(٥).
ولا يخفى أنَّ هذا ليس بشيء.
(١) كذا في (م) وحاشية الشهاب ٢٢٩/٦، والكلام منه. وفي الأصل: بحسب.
(٢) البحر المحيط ٢٨١/٦.
(٣) تفسير الرازي ١٢١/٢٢.
(٤) في (م): مجاز.
(٥) تفسير الرازي ١٢١/٢٢ .

سُورَةً طَفة
٤٧٠
الآية : ١١٤
وقال الطيبيُّ: إنَّ المعنى: ((وكذلك أنزلناه قرآناً عربيّاً)) أي: فصيحاً ناطقاً بالحقِّ
ساطعاً بيِّناتُه، لعلَّهم يحدثُ لهم التأمُّل والتفكّر في آياته وبيِّئاتِه الوافية الشافية،
فيذعنون ويطيعون، ((وصرَّفنا فيه من الوعيد لعلَّهم يَتَّقون)) العذابَ. ففي الآية لفّ من
غير ترتيب، وهي على وزانِ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
وعندي كونُ الآية متضمِّنةً للتخلية والتحلية لا يخلو عن حسنٍ، فتأمَّل.
وقرأ الحسن: ((أو يحدثْ)) بسكون الثاء(١).
وقرأ عبدُ الله ومجاهد وأبو حيوة، والحسنُ في رواية، والجحدريُّ وسلام: ((أو
نحدثْ)) بالنون وسكون الثاء (٢)، وذلك حملُ وصلٍ على وقفٍ، أو تسكينُ حرف
الإعراب استثقالاً لحركته كما قال ابن جنِّي(٣)، نحو قول امرىء القيس:
اليومَ أشربُ غيرَ مستحقبٍ إثماً من الله ولا واغلٍ(٤)
وقول جرير :
ونهر تِيْرَى ولا يعرفكم العربُ(٥)
سِيْرُوا بني العمِّ فالأهوازُ منزلُكم
﴿فَنَعَلَى اللَّهُ﴾ استعظامٌ له تعالى ولما صرَّف في القرآن من الوعد والوعيد،
والأوامر والنواهي وغير ذلك، وتنزيهٌ لذاته المتعالية أنْ لا يكون إنزالُ قرآنه الكريم
منتهياً إلى غاية الكماليَّة من تسببُّه لترك من أُنْزِلَ عليهم المعاصي، ولفعلهم
الطاعات، وفيه تعجيبٌ واستدعاءٌ للإقبال عليه وعلى تعظيمه.
وفي وصفه تعالى بقوله سبحانه: ﴿اٌلْمَلِكُ﴾ أي: المتصرِّف بالأمر والنهي،
الحقيقُ بأنْ يُرجَى وعدُه ويخشى وعيده: ما يدلُّ على أنَّ قوارعَ القرآنِ سياساتٌ
إلهيَّةٌ، تتضمَّنُ(٦) صلاحَ الدارين، لا يحيدُ عنها إلَّ مخذولٌ هالك.
(١) المحتسب ٥٩/٢، والبحر المحيط ٢٨١/٦.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٢٨١.
(٣) في المحتسب ٥٩/٢.
(٤) سلف ١١/ ٤٢١ .
(٥) ديوان جرير ١/ ٤٤١، وفيه: فلم تعرفكم.
(٦) في (م): يتضمن.

الآية : ١١٤
٤٧١
سُوَلاَ طَّة
وقوله تعالى: ﴿اَلْحَقُّ﴾ صفةٌ بعد صفةٍ لله تعالى، أي: الثابتُ في ذاته وصفاته
عزَّ وجلَّ.
وفسَّره الراغبُ بموجد الشيء على ما تقتضيه الحكمة(١).
وجَوَّزَ غيرُ واحدٍ كونَه صفةً للملك، ومعناه خلافُ الباطل، أي: الحقُّ في
ملکیَّته، يستحقُها سبحانه لذاته.
وفيه إيماءٌ إلى أنَّ القرآنَ وما تضمَّنه من الوعد والوعيد حقٌّ كلُّه، لا يحومُ حولَ
حماهُ الباطلُ بوجهٍ، وأنَّ المُحِقَّ من أقبل عليه بشراشره، وأنَّ المبطلَ من أعرضَ
عن تدبُر زواجرِه.
وفيه تمهيدٌ لوصلِ النهي عن العجلةِ به في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ
مِن قَبْلٍ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ﴾ أي: يتمَّ ﴿وَحْيٌُ﴾ أي: تبليغُ جبريل عليه السلام إِيَّاه،
فإنَّ من حقِّ الإقبال ذلك، وكذلك من حقِّ تعظيمه.
وذكر الطيبيُّ أنَّ هذه الجملةَ عطفٌ على قوله تعالى: ((فتعالى الله الملكُ الحقُّ)»
لما فيه من إنشاء التعجّب، فكأنَّه قيل: حيثُ نُبِّهتَ على عظمةٍ جلالةِ المنزَّل،
وأُرشدتَ إلى فخامة المنزِّل، فعظّم جنابَه الملك الحقّ المتصرِّف في الملك
والملكوت، وأقبلْ بكُلِّكَ على تحقُّظ كتابه، وتحقُّق مبانيه، ولا تعجل به.
وكان وَلِهِ إذا أَلْقَى عليه جبريلُ عليه السلام القرآن(٢) يتبعه عند تلفُّظ كلِّ حرف
وكلِّ كلمةٍ؛ خوفاً أنْ يصعدَ عليه السلام ولم يحفظه وَّر، فنهيَ عليه الصلاة
والسلام عن ذلك، إذ ربَّما يَشغلُ التلفُّظ بكلمةٍ عن سماع ما بعدَها، ونزل عليه
أيضاً ﴿لَا تُحرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِ﴾ الآية(٣) [القيامة: ١٦].
وأُمِر ◌َ﴿ باستفاضةِ العلم واستزادته منه سبحانه فقيل: ﴿وَقُل﴾ أي: في
نفسك: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا (9)﴾ أي: سلِ الله عزَّ وجلَّ بدلَ الاستعجال زيادةَ العلم
(١) المفردات (حق).
(٢) لفظة: القرآن. ليست في الأصل.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩٢٩)، ومسلم (٤٤٨) بنحوه من حديث ابن عباس

٤٧٢
الآية : ١١٤
مطلقاً، أو في القرآن؛ فإنَّ تحت كلِّ كلمةٍ بل كلِّ حرفٍ منه أسراراً ورموزاً وعلوماً
جمَّةً، وذلك هو الأنفعُ لك.
وقيل: جملة: ((ولا تعجل)) مستأنفةٌ ذُكرت بعد الإنزال على سبيل
الاستطراد.
وقيل: إنَّ ذلك نهيٌّ عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتي بيانُه، وليس بذاك؛
فإنَّ تبليغَ المجمل وتلاوته قبل البيان ممَّا لا ريبَ في صحَّتِه ومشروعيته. ومثله
ما قيل: إنَّه نهيٌ عن الأمر بكتابته قبل أن تُفَسَّر له المعاني، وتَتقرَّر عنده عليه
الصلاة والسلام، بل هو دونَه بكثير.
وقيل: إنَّه نهيٌ عن الحكم بما من شأنه أنْ ينزل فيه قرآن، بناءً على ما أخرج
جماعةٌ عن الحسن أنَّ امرأةً شكت إلى النبيِّ وَلِهَأنَّ زوجها لطمَها، فقال لها:
(بينكما القصاص))، فنزلتْ هذه الآية، فوقفَ وَّهِ حتى نزل: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى
النِّسَآءِ﴾(١) [النساء: ٣٤].
وقال الماورديُّ: إنَّه نهيٌّ عن العجلة بطلب نزوله(٢)، وذلك أنَّ أهلَ مَّة
وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أَخْبرِنا عن كذا، وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثةَ أيام،
فأبطأ الوحيُّ عليه، وفشت(٣) المقالةُ بين اليهود، وزعموا أنَّه عليه الصلاة والسلام
قد غُلِبَ، فشقَّ ذلك عليه وَّـ، واستعجل الوحيَ، فنزلت: ((ولا تعجل)) إلخ. وفي
كلا القولين ما لا يخفى.
وقرأ عبد الله والجحدريُّ والحسن وأبو حيوة وسلام ويعقوب والزعفرانيُّ وابن
مقسم: (نقضيَ)) بنون العظمة مفتوح الياء ((وحيَه)) بالنصب(٤).
وقرأ الأعمشُ كذلك، إلَّا أنَّه سكّن الياءَ من ((نقضيْ))(٥)، قال صاحب
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٩/٩، والطبري ٦٨٩/٦، والواحدي في أسباب النزول ص ١٤٥،
عن الحسن، وهو مرسل.
(٢) انظر النكت والعيون ٤٢٩/٣ .
(٣) في الأصل: ونشأت. والمثبت من (م) والبحر المحيط ٢٨٢/٦، والكلام منه.
(٤) البحر المحيط ٢٨٢/٦، وقراءة يعقوب - من العشرة - في النشر ٣٢٢/٢.
(٥) البحر المحيط ٦/ ٢٨٢.

الآية : ١١٥
٤٧٣
((اللوامح)): وذلك على لغة من لا يرى فتحَ الياء بحال إذا انكسر ما قبلَها وحلَّت
طرفاً .
واستدِلَّ بالآية على فضلِ العلم، حيث أُمِرَ بِّهِ بطلبٍ زيادته، وذكر بعضُهم أنَّه
ما أُمِر عليه الصلاة والسلام بطلبٍ الزيادة في شيءٍ إلَّا العلم.
وأخرج الترمذيُّ وابن ماجه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله {# يقول:
((اللهمَّ انفعني بما علَّمتني، وعلِّمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمدُ لله على كلِّ
حال))(١).
وأخرج سعيد بن منصور وعبدُ بن حميد عن ابن مسعود أنَّه كان يدعو: اللهمَّ
زدني إيماناً وفقهاً ويقيناً وعلماً (٢).
وما هذا إلَّا لزيادة فضل العلم، وفضلُه أظهرُ من أن يذكر، نسألُ الله تعالى أن
يرزقنا الزيادة فيه، ويوفقنا للعمل بما يقتضيه.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ﴾ كأنَّه لما مدحَ سبحانه القرآن، وحرَّض على استعمال
التؤدة والرفق في أخذه، وعَهِدَ على العزيمة بأمره وتركِ النسيان فيه: ضربَ حديث
آدم مثلاً للنسيان وترك العزيمة.
وذكر ابنُ عطية(٣) أنَّ في ذلك مزيدَ تحذيرٍ للنبيِّ وَّر عن العجلة وعدم التؤدة؛
لئلا يقعَ فيما لا ينبغي، كما وقع آدمُ عليه السلام، فالكلام متعلّقٌ بقوله تعالى:
(ولا تعجل بالقرآن)) إلخ.
وقال الزمخشريُّ: هو عطف على ((صرفنا)) عطفَ القصَّة على القصَّة(٤).
والتخالفُ فيه إنشاء وخبريَّة لا يضرُّ، مع أنَّ المقصودَ بالعطف جواب القسم.
وحاصل المعنى عليه: صرَّفنا الوعيد وكررناه، ((لعلَّهم يتَّقون أو يحدث لهم ذكراً))
(١) سنن الترمذي (٣٥٩٩)، وسنن ابن ماجه (٢٥١)، (٣٨٣٣). قال الترمذي: هذا حديث
حسن غريب من هذا الوجه.
(٢) الدر المنثور ٣٠٩/٤.
(٣) في المحرر الوجيز ٦٦/٤ .
(٤) انظر الكشاف ٥٥٥/٢ .

٤٧٤
الآية : ١١٥
لكنَّهم لم يلتفتوا لذلك ونسوه، كما لم يلتفت أبوهم إلى الوعيد ونسيَ العهدَ إليه،
والفائدةُ في ذلك الإشارةُ إلى أنَّ مخالفتَهم شِنشنةٌ أخزميَّةٌ، وأنَّ أساسَ أمرهم ذلك
وعرقهم راسخٌ فيه، وحُكي نحو هذا عن الطبري(١).
وتعقّبه ابنُ عطية بأنَّه ضعيفٌ؛ لما فيه من الغضاضة مِنْ مقام آدم عليه السلام،
حيث جُعلَتْ قصَّتُه مثلاً للجاحدين لآيات الله تعالى، وهو عليه السلام إنَّما وقعَ منه
ما وقع بتأويل(٢). انتهى.
والإنصاف يقضي بحسنه فلا تلتفت إلى ما قيل: إنَّ فيه نظراً.
وقال أبو مسلم: إنَّه عطفٌ على قوله تعالى: ((كذلك نقصُّ عليك من أنباء ما قد
سبق)). وليس بذاك. نعم فيه مع ما تقدَّم إنجازُ الموعود في تلك الآية.
واستظهرَ ابنُ عطيَّة فيه أحد أمرين؛ التعلُّق بـ ((لا تعجل)»، وكونَه ابتداء كلام
لا تعلُّقَ له بما قبله.
وهذا الأخير - وإنْ قدَّمه في كلامه - ناشىءٌ من ضيق العطن، كما لا يخفى.
والعهد: الوصيَّة، يقال: عهدَ إليه الملك، ووعز إليه، وعزمَ عليه، وتقدَّم إليه،
إذا أمره ووصَّاه، والمعهودُ محذوفٌ يدلُّ عليه ما بعده، واللام واقعةٌ في جوابٍ
قسم محذوف، أي: وأقسم بالله لقد أمرناه ووصيناه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا
الزمان. وقيل: أي: من قبل وجودٍ هؤلاء المخالفين. وعن الحسن: أي: من قبل
إنزال القرآن. وقيل: أي: من قبل أنْ يأكل من الشجرة.
﴿فَنَسِىَ﴾ العهدَ ولم يهتمَّ به، ولم يشتغل بحفظه، حتى غفل عنه. والعتابُ جاء
من ترك الاهتمام، ومثله عليه السلام يعاتبُ على مثل ذلك.
وعن ابن عباس(٣) والحسن أنَّ المراد: فترك ما وصِّيَ به من الاحتراس عن
الشجرة، وأكل ثمرتها. فالنسيانُ مجازٌ عن الترك.
(١) في تفسيره ١٦/ ١٨١.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ٦٦ .
(٣) جاء فوقها في الأصل: ورواه عنه جماعة. اهـ منه.

الآية : ١١٥
٤٧٥
سُوٌلاَ ظَة
والفاء للتعقيب، وهو عرفيٍّ. وقيل: فصيحة، أي: لم يهتمَّ به ((فنسي))،
والمفعول محذوفٌ وهو ما أشرنا إليه.
وقيل: المنسيُّ الوعيد بخروج الجنَّة إن أكل. وقيل: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ
لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧].
وقيل: الاستدلالُ على أنَّ النهيَ عن الجنس دون الشخص، والظاهرُ ما أشرنا
إليه .
وقرأ اليمانيُّ والأعمش: ((فَنُسِّي)) بضمِّ النون وتشديد السين(١)، أي: نسَّاه
الشيطان.
تصميم رأيٍ وثبات قَدَمٍ في الأمور، وهذا جارٍ على
١١٥)
القولين في النسيان.
﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا
نعم قيل: إنَّه أنسبُ بالثاني وأوفق بسياق الآية على ما ذكرنا أولاً .
ورَوى جماعةٌ عن ابن عباس وقتادة أنَّ المعنى: لم نجد له صبراً عن أكل
الشجرة.
وعن ابن زيد وجماعة أنَّ المعنى: لم نجد له عزماً على الذنب، فإنَّه عليه
السلام أخطأ ولم يتعمَّد، وهو قولُ من قال: إنَّ النسيان على حقيقته. وجاءَ عن ابن
عباس ما يقتضيه، فقد أخرج الزبير بن بكار في ((الموفقيات)) عنه قال: قال لي
عمرُ رَّهِ: إنَّ صاحبكم هذا - يعني عليَّ بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه - إنْ
وليَ زهد، ولكني أخشَى عجبَ نفسِه أن يذهبَ به، قلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ
صاحبنا من قد علمت، والله ما نقول: إنَّه غيَّر ولا بدَّل ولا أسخطّ رسول الله وَله
أيَّامَ صحبته، فقال: ولا في بنت أبي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة، قلت:
قال الله تعالى في معصية آدم عليه السلام: ((ولم نجد له عزماً))، فصاحبُنا لم يعزم
على إسخاط رسول الله وَّر، ولكن الخواطر التي لا يقدرُ أحدٌ دفعَها عن نفسه،
وربَّما كانت من الفقيه في دين الله تعالى، العالم بأمر الله سبحانه، فإذا نُبِّه عليها
(١) البحر المحيط ٢٨٤/٦، وذكرها في القراءات الشاذة ص ٩٠ عن اليماني فقط.

٤٧٦
الآية : ١١٦، ١١٧
رجعَ وأناب، فقال: يا ابن عباس من ظنَّ أنَّه يَرِدُ بحورَكم فيغوص فيها معكم حتى
يبلغَ قعرها، فقد ظنَّ عجزاً (١).
لكن لا يخفى عليك أنَّ هذا التفسيرَ غيرُ متبادر ولا كثير المناسبة للمقام.
وحاصل ((لم نجد)» إلخ عليه أنَّه نسي، فيتكرَّر مع ما قبله.
ثم إنَّ ((لم نجد) إنْ كان من الوجود العلميّ، فـ ((له عزماً)) مفعولاه، قُدِّم الثاني
على الأول لكونه ظرفاً، وإن كان من الوجود المقابل للعدم - كما اختاره
بعضهم - فـ ((له)) متعلَّقٌ به، قُدِّم على مفعوله لما مرَّ غيرَ مرة، أو بمحذوفٍ وقع حالاً
من مفعوله المنكّر، والمعنى على هذا: ولم نصادف له عزماً.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ﴾ شروعٌ في بيان المعهود، وكيفيَّة ظهور نسيانه
وفقدان عزمه، و((إذ)) منصوبٌ على المفعوليَّة بمضمرٍ خوطب به النبيُّ وَليِ، أي:
واذكر وقتَ قولنا للملائكة .. إلخ. قيل: وهو معطوفٌ على مقدَّر، أي: اذكر هذا
واذكر إذا قلنا، أو من عطف القصّة على القصة. وأيّاً ما كان، فالمرادُ: اذكر ما وقعَ
في ذلك الوقت منَّا ومنه، حتى يتبيَّن لك نسيانُه وفقدان عزمه.
﴿فَسَجَدُوّأْ إِلَّ إِبْلِسَ﴾ قد مرَّ الكلامُ فيه مراراً ﴿أَبَ ®﴾ جملةٌ مستأنفةٌ
وقعت جواباً عن سؤالٍ نشأ عن الإخبار بعدم سجوده، كأنَّه قيل: فما باله لم
يسجد؟ فقيل: ((أبى)). والإباء: الامتناعُ أو شدَّتُه، ومفعولُه إمّا محذوفٌ، أي: أبى
السجودَ، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] أو غير منويٍّ
رأساً بتنزيله منزلةَ اللازم، أي: فعل الإباء وأظهره.
﴿فَقُلْنَا﴾ عقيب ذلك اعتناءً بنصح آدم عليه السلام: ﴿يََّدَمُ إِنَّ هَذَا﴾ الذي
رأيتَ منه ما رأيت ﴿عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوِْكَ﴾ أعيد اللام، لأنَّه لا يُعطَّف على الضمير
المجرور بدون إعادة الجارِّ عند الجمهور. وقيل: أعيد للدلالة على أنَّ عداوةً
اللعين للزوجة أصالة لا تبعاً. وهو على القول بعدم لزوم إعادة الجارِّ في مثله،
كما ذهب إليه ابن مالك: ظاهرٌ، وأمَّا على القول باللزوم، فقد قيل في توجيهه: إنَّ
كونَ الشيء لازماً بحسب القاعدة النحوية لا ينافي قصدَ إفادة ما يقتضيه المقام.
(١) الدر المنثور ٣٠٩/٤.

٤٧٧
الآية : ١١٧
وقد صرَّح السيد السند في ((شرح المفتاح)) في توجيهِ جعل صاحب ((المفتاح))
تنكير التمييز في قوله تعالى: (وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) لإفادة المبالغة(١) بما يرشد إلى
ذلك. ولا يخفى ما في التعبير بـ ((زوجك)) دون حواء من مزيد التنفير والتحذير منه.
واختلف في سبب العداوة، فقيل: مجرد الحسد، وهو - لعنه الله تعالى ولعن
أتباعه - أوَّلُ من حسد.
وقيل: كونه شيخاً جاهلاً، وكون آدم عليه السلام شاباً عالماً، والشيخُ الجاهل
يكون أبداً عدوّاً للشابِّ العالم، بل الجاهلُ مطلقاً عدوٌّ للعالم كذلك، كما قيل:
والجاهلون لأهل العلم أعداء(٢)
وقيل: تنافي الأصلين، فإنَّ اللعين خُلِقٍ من نارٍ، وآدمُ عليه السلام خُلِقٍ من
طينٍ وحواءُ خلقت منه. وقد ذكر جميعَ ذلك الإمامُ الرازيّ(٣).
﴿فَلَ يُخْرِجَنَّكُمْ﴾ أي: فلا يكونَنَّ سبباً لإخراجكما ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وهذا كنايةٌ عن
نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبَّبُ الشيطانُ في إخراجهما منها، نحو قوله تعالى:
﴿فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرَِ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]. والفاء لترتيب موجب النهي على عداوته
لهما، أو على الإخبار بها .
﴿فَتَشْفَ (٣٧)﴾ أي: فتتعب بمتاعب الدنيا، وهي لا تكادُ تحصى، ولا يسلمُ
منها أحدٌ، وإسنادُ ذلك إليه عليه السلام خاصَّةً بعد تعليق الإخراج الموجب له
بهما معاً؛ لأصالته في الأمور، واستلزام تعبه لتعبها، مع ما في ذلك من مراعاة
الفواصل على أتمٍّ وجه.
وقيل: المرادُ بالشقاء التعبُ في تحصيل مبادي المعاش، وهو من وظائف
الرجال، وأيِّد هذا بما أخرجَه عبد بن حميد وابن عساكر وجماعةٌ عن سعيد بن
جبير قال: إنَّ آدم عليه السلام لما أُهبِطَ من الجنَّة استقبلَه ثورٌ أبلق، فقيل له: اعمل
عليه، فجعلَ يمسحُ العرق عن جبينه ويقول: هذا ما وعدني ربِّي ((فلا يخرجنكما من
(١) مفتاح العلوم ص ٢٨٦ .
(٢) عجز بيت منسوب للإمام علي، وسلف عند التفسير الإشاري للآية: ١١٢ من سورة الأنعام.
(٣) تفسير الرازي ١٢٤/٢٢-١٢٥.

٤٧٨
الآية : ١١٨، ١١٩
الجنة فتشقى)، ثمَّ نادى: حواء حواء، أنت عملت بي هذا، فليس من ولد آدم أحدٌ
يعمل على ثور إلَّا قال: حو، دخلت عليهم من قِبل آدم عليه السلام(١).
وكذا أيِّد بالآية بعد، وفيه تأمُّل. ولعلَّ القولَ بالعموم أولى.
و((تشقى)) يحتملُ أنْ يكون منصوباً بإضمار ((أنْ)) في جواب النهي، ويحتملُ أن
يكون مرفوعاً على الاستئناف، بتقدير: فأنت تشقى، واستبعدَ هذا بأنَّه ليس المرادُ
الإخبارَ عنه بالشقاء، بل المرادُ: إن وقع الإخراجُ حصل ذلك.
أي:
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى (9َ
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١)
ولا تصيبُك الشمسُ، يقال: ضحا كسعى، وضحِيَ كرضي، ضَحْواً وضُحِيّاً إذا
أصابته الشمس، ويقال: ضَحا ضَحْواً وضُحُوّاً وضُحِيّاً، إذا برز لها، وأنشدوا قولَ
عمر(٢) بن أبي ربيعة:
رأتْ رجلاً أيْمًا إذا الشمسُ عارضَتْ
فيضحى وأمَّا بالعشيِّ فيَخْصَرُ(٣)
وفسَّر بعضُهم ما في الآيةِ بذلك، والتفسيرُ الأوَّل مرويٌّ عن عكرمة، وأيّاً
ما كان، فالمراد نفي أنْ يكون بلا كِنِّ(٤).
والجملةُ تعليلٌ لما يوجبه النهي، فإنَّ اجتماعَ أسباب الراحة فيها ممَّا يوجب
المبالغةَ في الاهتمام بتحصيل مبادي البقاء فيها، والجدَّ في الانتهاء عمَّا يؤدِّي إلى
الخروج عنها .
والعدول عن التصريح بأنَّ له عليه السلام فيها تنعُّماً بفنون النعم من المآكل
والمشارب، وتمتُّعاً بأصناف الملابس البهيّة والمساكن المرضيَّة، مع أنَّ فيه من
الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى، إلى ما ذُكِر من نفي نقائضِها التي هي الجوعُ
والعطش والعري والضحو؛ لتذكيرِ تلك الأمور المنكرة، والتنبيه على ما فيها من
أنواع الشِّقوة التي حَذَّره سبحانه عنها، ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدِّي إليها .
(١) الدر المنثور ٣١٠/٤، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٨٢/٤، ومن طريقه ابن عساكر في
تاريخ دمشق ٧/ ٤١١ -٤١٢.
(٢) في الأصل و(م): عمرو. والمثبت هو الصواب.
(٣) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ٩٤ بتحقيق: محيي الدين عبد الحميد، وفيه: أمَّا. بدل: أيما.
(٤) الكِنُّ: وِقاء كلِّ شيء وستره. القاموس (كنن).

الآية : ١١٩
٤٧٩
سُؤٌلا طفة
ومعنى ((أن لا تجوع)) إلخ: أنْ لا يصيبه شيءٌ من الأمور الأربعة أصلاً، فإنَّ
الشبع والريَّ والكسوة والكِنَّ قد تحصلُ بعد عروض أضدادها، وليس الأمر فيها
كذلك، بل كلَّما وقع فيها شهوةٌ وميلٌ إلى شيءٍ من الأمور المذكورة تمتَّع به من غير
أنْ يصل إلى حدِّ الضرورة، على أنَّ الترغيبَ قد حصل بما سُوِّغَ له من التمتُّع
بجميع ما فيها سوى الشجرة حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
اَلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]، وقد طوى ذكره هاهنا اكتفاءً بذلك،
واقتصرَ على ما ذُكر من الترغيب المتضمِّن للترهيب.
وقال بعضهم: إنَّ الاقتصار على ما ذُكر لما وقع في سؤال آدم عليه السلام،
فإنَّه روي أنَّه لمّا أمره سبحانه بسُكْنى الجنة قال: إلهي، ألي فيها ما آكل، ألي فيها
ما ألبس، ألي فيها ما أشرب، ألي فيها ما استظلُّ به؟ فأجيبَ بما ذكر. وفي القلب
من صحَّة الرواية شيءٌ.
ووجه إفراده عليه السلام بما ذُكر ما مرَّ آنفاً .
وقيل: كونه السائل، وكان الظاهرُ عدمَ الفصل بين الجوع والظمأ، والعريّ
والضحو؛ للتجانس والتقارب، إلَّا أنَّه عدلَ عن المناسبة المكشوفة إلى مناسبةٍ أتمَّ
منها؛ وهي أنَّ الجوعَ خلوُّ الباطن، والعريَّ خلوُّ الظاهر، فكأنَّه قيل: لا يخلو
باطنُك وظاهرُك عما يهمهما، وجمعَ بين الظمأ المورث حرارةَ الباطن، والبروزِ
للشمس وهو الضحوُ المورثُ حرارةَ الظاهر، فكأنَّه قيل: لا يؤلمك حرارةُ الباطن
والظاهر، وذلك الوصل الخفيُّ، وهو سرٌّ بديعٌ من أسرار البلاغة.
وفي ((الكشف)): إنَّما عدلَ إلى المنزل تنبيهاً على أنَّ الشبع والكسوة أصلان،
وأنَّ الأخيرين متمِّمان على الترتيب، فالامتنانُ على هذا الوجه أظهر، ولهذا فرَّق
بين القرينتين، فقيل أوَّلاً: ((إنَّ لك))، وثانياً: ((إنَّك))، وقد ذكر هذا العلامة الطيبيُّ
أيضاً، ثمَّ قال: وفي تنسيق المذكورات الأربعة مرتبةً هكذا مقدَّماً ما هو الأهمُّ
فالأهمُّ، ثمَّ في جعلها تفصيلاً لمضمون قوله تعالى: ((فلا يخرجنَّكما من الجنة
فتشقى)) وتكريرِ لفظة ((فيها))، وإخراجِها في صيغة النفي مكرَّرةَ الأداة = الإيماءُ إلى
التعريض بأحوالِ الدنيا، وأنْ لا بدَّ من مقاساتها فيها؛ لأنَّها خلقت لذلك، وأنَّ
الجنَّة ما خُلِقت إلَّا للتنعُّم، ولا يتصوَّر فيها غيره.

سؤالاً ظَّة
٤٨٠
الآية : ١١٩
وفي (الانتصاف)) إنَّ في الآية سرّاً بديعاً من البلاغة يسمَّى قطعَ النظير عن
النظير، والغرض من ذلك تحقيقُ تعداد هذه النِّعَم، ولو قُرِنَ كلٌّ بشكله لتوهِّم
المقرونان نعمةً واحدةً، وقد رمَقَ أهلُ البلاغة سماء هذا المعنى قديماً وحديثاً،
فقال الكنديُّ الأول(١):
ولم أتبطّن كاعباً ذاتَ خَلْخَالٍ
كأنّي لم أركب جواداً للذَّةٍ
لخيليَّ كُرِّي كرةً بعد إجفالٍ
ولم أسبأ الزِّقَّ الرويَّ ولم أقُل
فقطعَ ركوبَ الجواد عن قوله لخيله: كُرِّي كَرَّةً، وقطعَ تبظُن الكاعب عن
ترشُّفِ الكأس مع التناسب، وغرضه أن يعدِّدَ ملاذَّه ومفاخرَه ويكثِّرها، وتبعه
الكنديُّ الآخر(٢) فقال:
كأنَّك في جفنِ الردى وهو نائمٌ
وقفتَ وما في الموت شكِّ لواقفٍ
ووجهُك ضحَّاٌ(٣) وثغرُك باسمُ
تمرُّ بك الأبطالُ كَلْمی هزيمةً
وقد اعترضَ عليه سيفُ الدولةِ إذْ قطعَ الشيء عن نظيره، فقال له: إنْ كنتُ
أخطأتُ بذلك فقد أخطأَ امرؤ القيس بقوله، وأنشدَ البيتين السابقين.
وفي الآيةِ سرٍّ لذلك أيضاً زائدٌ على ما ذُكر، وهو قصدُ تناسبٍ
الفواصل (٤). اهـ.
وقد يقال في بيتَي الأوَّل: إنَّه جمعَ بين ركوب الخيل للَّذَّةِ والنزهة، وتبُن
الكاعب للذَّةِ الحاصلةِ فيهما، وجمع بين سبءِ الزِّقِّ وقوله لخيله: كُرِّي؛
لما فيهما من الشجاعة، ثمَّ ما ذُكِر من قصدٍ تناسب الفواصل في الآية ظاهرٌ في أنَّه
لو عدلَ عن هذا الترتيب لم يحصل ذلك، وهو غير مسلّم.
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: امرؤ القيس. اهـ منه.
والبيتان في ديوانه ص ٣٥، وسلف عند تفسير الآية ١٧ من سورة الأنعام.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: المتنبي. اهـ منه.
والبيتان في ديوانه ١٠١/٤-١٠٢ .
(٣) في الديوان والانتصاف: وضاحُ.
الانتصاف ٥٥٦/٢ -٥٥٧ .