النص المفهرس
صفحات 441-460
الآية : ٩٦ ٤٤١ وأجيبَ بأنَّه قد عُهِدَ في القرآن العظيم إطلاقُ الرسول على جبريل عليه السلام، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوّلُ رَسُولٍ كَرٍِ﴾ [التكوير: ١٩]، وعدمُ جريان ذكر له فيما تقدَّم لا يمنعُ من أنْ يكون معهوداً، ويجوزُ أنْ يكونَ إطلاق الرسول عليه عليه السلام شائعاً في بني إسرائيل، لاسيما إنْ قلنا بصحّة ما روي أنَّه عليه السلام كان يغذي من يُلقى من أطفالهم في الغار في زمان قتل فرعون لهم. وبأنَّ تقديرَ المضاف في الكلام أكثرُ من أنْ يحصى، وقد عُهد ذلك في كتاب الله تعالى غيرَ مرَّةٍ. وبأنَّ رؤيتَه جبريل عليه السلام دون الناس كان ابتلاءً منه تعالى ليقضي اللهُ أمراً كان مفعولاً . وبأنَّ معرفته تأثيرَ ذلك الأثر ما ذكر كانت لما ألقي في روعه أنَّه لا يلقيه على شيءٍ فيقول: كن كذا، إلّا كان، كما في خبرِ ابن عباس، أو كانت لِمَا شاهدَ من خروج النبات بالوطء، كما في بعض الآثار. ويحتملُ أنْ يكون سمعَ ذلك من موسى عليه السلام. وبأنَّ ما ذُكر من أولوية الأثر نفسه بالحياة غيرُ مسلَّم، ألا ترى أنَّ الإكسير يجعلُ ما يلقى هو عليه ذهباً، ولا يكون هو بنفسه ذهباً. وبأنَّ المعجزةَ مقرونةٌ بدعوى الرسالة من الله تعالى والتحدِّي وقد قالوا: متى ادَّعى أحد الرسالة (١)، وأظهر الخارق، وكان لسببٍ خفيٍّ يجهلُه المرسلُ إليهم؛ قيَّض الله تعالى - ولا بدَّ ـ من یبیِّن حقيقة ذلك بإظهارٍ مثله غیرَ مقرونٍ بالدعوى، ونحو (٢) ذلك، أو جعل المذَّعيَ بحيثُ لا يقدر(٣) على فعل ذلك الخارق بذلك السبب؛ بأن يُسْلَبَ قوَّة التأثير أو نحو ذلك؛ لئلا يكون للناس على الله حجَّةٌ بعد الرسل، وتكون له عزَّ وجلَّ الحجّةُ البالغة. وجوَّزوا ظهورَ الخارق لا عن سببٍ، أو عن سبب خفيٍّ على يد مدَّعي (١) في الأصل: من ادعى الرسالة. (٢) في (م): أو نحو. (٣) في (م): لا يقدم. ٤٤٢ الآية : ٩٦ الألوهية؛ لأنَّ كذبَه ظاهرٌ عقلاً ونقلاً. ولا تتوقّفُ إقامةُ الحَّة على تكذيبه بنحو ما تقدَّم. وبأنَّ ما ذُكر من بُعد الكفر والإضلال من السامريِّ بعد أنْ عرف نبوَّة موسى عليه السلام في غاية السقوط، فقد قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وليس كفرُ السامريِّ بأبعدَ من كفر فرعون، وقد رأى ما رأى. ويرد على ما ذكره أبو مسلم مع مخالفتِه للمأثور عن خير القرون ممَّا لا يقالُ مثله من قبل الرأي فله حكم المرفوع = أنَّ التعبير عن موسى عليه السلام بلفظ الغائب بعيدٌ، وإرادة: وقد كنت قبضتُ قبضةً .. إلخ من النظم الكريم أبعد، وأنَّ نبذَ ما عُرِفَ أنَّه ليس بحقِّ لا يعدُّ من تسويل النفس في شيءٍ، فلا يناسبُ ختم جوابه بذلك. فَزَعْمُ أنَّ ما ذكرَه أقربُ إلى التحقيق باطلٌ عند أرباب التدقيق. وزعمتِ اليهودُ أنَّ ما ألقاه السامريُّ كان قطعةً من الحلي منقوشاً عليها بعضُ الطّلسمات، وكان يعقوب عليه السلام قد علَّقها في عنق يوسف عليه السلام إذ كان صغيراً، كما يعلِّقُ الناسُ اليوم في أعناق أطفالهم التمائم، وربَّما تكونُ من الذهب والفضة منقوشاً عليها شيءٌ من الآيات أو الأسماء أو الطّلسمات، وقد ظفرَ بها من حيث ظفر، فنبذَها مع حليٍّ بني إسرائيل، فكان ما كان؛ لخاصيَّة ما نقش عليها، فيكون على هذا قد أرادَ بالرسول رسولَ بني إسرائيل في مصر من قبل، وهو يوسف عليه السلام. ولم يجئ عندنا خبرٌ صحيحٌ ولا ضعيفٌ، بل ولا موضوعٌ فيما زعموا. نعم جاء عندنا أنَّ يعقوبَ كان قد جعل القميصَ المتوارثَ في تعويذٍ، وعلَّقه في عنق يوسف عليه السلام. وفسَّر بعضُهم بذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] إلخ (١). وما أغفلَ أولئك البهتَ عن زعم أنَّ الأثر هو ذلك القميص، فإنَّه قد عهد منه ما تقدَّم في أحسن القصص في قوله تعالى: (أَذْهَبُواْ ◌ِفَمِيصِى هَذَا فَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا)، فبينَ معافاة المبتلَى وحياةٍ الجماد مناسبةُ كلِّيَّةٌ، فهذا الكذبُ لو ارتكبوه لربَّما كانَ أروجَ قبولاً عند أمثال الأصبهانيّ (١) انظر الکشاف ٣٤٢/٢-٣٤٣. الآية : ٩٧ ٤٤٣ الذين ينبذون(١) ما رويَ عن الصحابة ممَّا لا يقالُ مثله بالرأي وراء ظهورهم، نعوذٌ بالله تعالى من الضلال. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ غير مرَّةٍ، أي: قال موسى عليه السلام: إذا كان الأمر كما ذكرت ﴿فَأَذْهَبْ﴾ أي: منْ بين الناس، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوْةِ﴾ إلى آخره تعليلٌ لموجب الأمر. و((في)) متعلِّقةٌ بالاستقرار العامل في ((لك)) أي: ثابت لك في الحياة، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من الكاف، والعامل معنى الاستقرار المذكور أيضاً؛ لاعتماده على ما هو مبتدأ معنّى، أعني قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ﴾، ولم يجوز تعلُّقه بـ ((تقول)) لمكان ((أن)). وقد تقدَّم آنفاً عُذر من يعلِّقُ الظرف المتقدِّم بما بعدها . ولا يظهر ما يشفي الخاطر في وجه تعليق العلامة أبي السعود(٢) ((إذ)) في قوله تعالى: ((ما منعكَ إذ رأيتهم ضلَّوا أن لا تَّبعنٍ)) فيما بعد ((أن))، وعدم تجويز تعليق ((في الحياة)) فيما بعدها، أي: إنَّ لك مدَّة حياتك أنْ تفارقَ الناسَ مفارقةً كليَّةً، لكن لا بحسب الاختيار بموجب التكليف، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليها، وذلك أنَّه تعالى رماه بداءٍ عقام، لا يكادُ يمسُّ أحداً، أو يمسُّه أحدٌ كائناً من كان إلَّا حُمَّ من ساعته حمّى شديدة، فتحامَى الناسَ وتحاموه، وكان يصيحُ بأقصى صوته: لا مساس، وحرم عليهم ملاقاتُه ومكالمتُه ومؤاكلتُه ومبايعتُه، وغير ذلك مما يُعتادُ جريانُه فيما بين الناس من المعاملات، وصار بين الناس أوحشَ من القاتل اللاجئ إلى الحرم ومن الوحش(٣) النافر في البيداء. وذُكر أنَّه لزِمِ البَرِّيَّة وهجر البرِيَّة. وذكر الطبرسيُّ عن ابن عباس أنَّ المراد: إنّ لك ولولدك أنْ تقول .. إلخ، وخصّ عُرُوَّ الحمَّى بما إذا كان الماسُّ أجنبيًّا، وذكر أن بقايا ولده باقٍ فيهم تلك الحال إلى اليوم(٤). وقيل: ابتلي بالوسواس حين قال له موسى عليه السلام ذلك، وعليه حُمِلَ قولُ الشاعر: (١) تحرفت في الأصل إلى: يفسدون. (٢) تفسير أبي السعود ٦/ ٣٧، ٣٩. (٣) في (م): الوحشي. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٣٩/٦، والكلام منه. (٤) مجمع البيان ١٤٠/١٦ . سُوَ الأَظُنْن ٤٤٤ الآية : ٩٧ إذ قال موسى له لا مساسا (١) فأصبح ذلك كالسامريِّ وأنكر الجبَّائيُّ ما تقدَّم من حديث عُرُوِّ الحمَّى عند المسِّ وقال: إنَّه خافَ وهربَ وجعلَ يهيمُ في البرية لا يجدُ أحداً من الناس يمسُّه، حتى صار لبعده عن الناس كالقائل: لا مساس. وصُحِّحَ الأوَّلُ. والمساسُ مصدرُ ماسَّ، كقتال مصدر قاتل، وهو منفيٍّ بـ ((لا)) التي لنفي الجنس، وأريد بالنفي النهي، أي: لا تمسني ولا أمسك. وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقعنب: ((لا مَساسٍ)) بفتح الميم وكسر السين آخرَهَ(٢)، وهو بوزن فَجارٍ، ونحوه قولهم في الظباء إنْ وردت الماء: فلا عَباب، وإنْ فقدته: فلا أَباب، وهي - كما قال الزمخشريُّ وابن عطية(٣) - أعلامٌ للمسَّةِ والعبَّةِ والأبَّة؛ وهي المرَّة من الأبِّ، أي: الطلب، ومن هذا قول الشاعر: تميمٌ كرهطِ السامريِّ وقوله ألا لا يريدُ السامريُّ مَساسٍ(٤) و ((لا)) على هذا ليست النافية للجنس؛ لأنَّها مختصَّةٌ بالنكرات، وهذا معرفةٌ من أعلام الأجناس، و((لا)) داخلةٌ معنَى عليه، فإنَّ المعنى: لا يكونُ، أو: لا يكن منك مسٍّ لنا، وهذا أولى من أنْ يكون المعنى: لا أقول مساس. وظاهر كلام ابن جنِّي أَنَّه اسمُ فعل كنزال، والمراد نفي الفعل، أي: لا أمسّك(٥) والسرُّ في عقوبته على جنايته بما ذكر - على ما قيل - أنَّه ضدُّ ما قصده من إظهار ذلك ليجتمعَ عليه الناس، ويعزِّروه(٦)، فكان سبباً لبعدهم عنه وتحقیرِه، (١) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص ٨٣. (٢) البحر المحيط ٢٧٥/٦. (٣) الكشاف ٢/ ٥٥١، والمحرر الوجيز ٤/ ٦١. (٤) البيت دون نسبة في مجاز القرآن ٢/ ٢٧، والمحرر الوجيز ٦٢/٤، والبحر المحيط ٢٧٥/٦، والدر المصون ٨/ ٩٧، وغيرها. (٥) المحتسب ٥٦/٢. (٦) في (م): ويعززوه. والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب ٢٢٣/٦، والكلام منه . الآية : ٩٧ ٤٤٥ سُورَةً طَّ وصار لديهم أبغضَ من الطَّلْيَاء وأهون من مِعْبَأَةُ (١). وقيل: لعلَّ السرَّ في ذلك ما بينهما من مناسبة التضادِّ، فإنَّه لمَّا أنشأ الفتنة بما كانت ملابستُه سبباً لحياة الموات، عُوقِبَ بما يضادُّه، حيثُ جُعِلت ملابستُه سبباً للحمَّى التي هي من أسباب موت الأحياء. وقيل: عُوقب بذلك ليكونَ الجزاءُ من جنسِ العمل، حيثُ نَبَذَ فُتُبِذَ، فإنَّ ذلك التحامي أشبهُ شيءٍ بالنبذ. وكانت هذه العقوبةُ - على ما في ((البحر))(٢) - باجتهادٍ من موسى عليه السلام، وحكى فيه القول بأنه أرادَ قتله، فمنعَه اللهُ تعالى عن ذلك؛ لأنَّه كان سخيّاً (٣)، وروي ذلك عن الصادق وعن بعض الشيوخ أنَّه قد وقع ما يقرب من ذلك في شرعنا في قضيَّة الثلاثة الذين خُلِّفوا، فقد أمر النبيُّ وَِّ أنْ لا يُكَلَّموا، ولا يُخَالطوا، وأن يعتزلوا نساءَهم، حتى تاب الله تعالى عليهم(٤). ◌ُّ في القاتل اللاجئ إلى الحرم نحوُ ذلك؛ ليضطرّ ومذهب الإمام أبي حنيفة إلى الخروج فيقتلَ في الحلِّ. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: في الآخرة ﴿لَّنْ تُخْلَفَةٌ﴾ أي: لن يخلفَك الله تعالى ذلك الوعد، بل ينجزُه لك البتة بعدَ ما عاقبك في الدنيا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعمش بضمِّ التاء وكسر اللام على البناء للفاعل(٥)، على أنَّه من أخلفتُ الموعد إذا وجدتَه خلفاً، كأجبنته إذا وجدته جباناً، وعلى ذلك قول الأعشى: (١) الطلياء: خرقة الحائض، والمِعْبَأة كذلك. انظر مجمع الأمثال ١١٦/١، ١٢٦/٢. (٢) ٦ / ٢٧٤. (٣) في مطبوع البحر ٦/ ٢٧٥: شيخاً، وهو تحريف، فقد وقع في تفسير النسفي ٦٤/٣: فمنعه الله منه لسخائه. (٤) أخرج قصتهم بطولها البخاري ومسلم، وسلفت عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى النََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]. (٥) البحر المحيط ٢٧٥/٦. وقراءة ابن كثير وأبي عمرو في التيسير ص ١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢. وقرأ بها أيضاً من العشرة يعقوب. سُورَةٌ طَّة ٤٤٦ الآية : ٩٧ فمضى وأخلفَ من قُتَيْلَةَ مَوعِدًا(١) أَثْوَى وَقَصَّرَ ليلةً لیزوَّدا وجُوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: لن تخلَفَ الواعدَ إِيَّاه، فحذف المفعول الأول، وذكر الثاني لأنَّه المقصود. والمعنى: لن تقدر أنْ تجعل الواعدَ مخلفاً لوعده، بل سیفعله. ونقل ابنُ خالويه عن ابن نهيك أنه قرأ: (لن تَخلُفه)) بفتح التاء المثناة من فوق وضم اللام(٢)، وفي ((اللوامح)) أنَّه قرأ(٣): ((لن يَخْلُفه)) بفتح الياء المثناة من تحت وضمِّ اللام(٤)، وهو من خلفَه يَخلُفه إذا جاء بعده. وقيل: المعنى على الرواية الأولى: وإنَّ لك موعداً لا بدَّ أن تصادفَه، وعلى الرواية الثانية: وإنَّ لك موعداً لا يدفعُ قولَ لا مساس. فافهم. وقرأ ابن مسعود والحسن - بخلاف عنه -: ((لن نخلفه)) بالنون المفتوحة(٥) وكسر اللام، على أنَّ ذلك حكاية قول الله عزَّ وجلَّ. وقال ابن جنِّي: أي: لن نصادفه خلفاً (٦)، فيكون من كلام موسى عليه السلام، لا على سبيل الحكاية. وهو ظاهرٌ لو كانت النونُ مضمومةً(٧). ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي: معبودك ﴿الَّذِى ظَلْتَ﴾ أي: ظَلِلْتَ كما قرأ بذلك أبيّ والأعمش(٨)، فحذفت اللام الأولى تخفيفاً. (١) ديوان الأعشى الكبير ص ٢٧٧ . (٢) القراءات الشاذة ص ٨٩. (٣) في (م): قرىء. (٤) وذكرها بهذه الرواية عن أبي نهيك أيضاً ابن جني في المحتسب ٥٧/٢. وانظر البحر المحيط ٢٧٥/٦. (٥) قوله: بالنون المفتوحة، وهم أو سبق قلم. والصواب: بالنون المضمومة. انظر المحتسب ٥٧/٢، والكشاف ٢/ ٥٥١، والبحر المحيط ٢٧٦/٦، والدر المصون ٩٧/٨. (٦) إنما قال ابن جني ذلك في توجيهه لقراءة الجماعة: ((لن تُخْلَفَه)). قال: فمعناه: لن تصادفه مخلفاً . (٧) انظر التعليق السابق. (٨) البحر المحيط ٢٧٦/٦، وهي في القراءات الشاذة ص ٨٩ عن أبي فقط، وفي تفسير القرطبي ١٣١/١٤ عن الأعمش. الآية : ٩٧ ٤٤٧ ونقل أبو حيان(١) عن سيبويه أنَّ هذا الحذفَ من شذوذ القياس، ولا يكونُ ذلك إلَّا إذا سكن آخرُ الفعل، وعن بعض معاصريه أنَّ ذلك منقاسٌ في كلِّ مضاعف العين واللام في لغة بني سليم حيث سُكِّنَ آخرُ الفعل. وقال بعضهم: إنَّه مقيسٌ في المضاعف إذا كانت عينُهُ مكسورةً أو مضمومة. وقرأ ابن مسعود وقتادة والأعمش - بخلاف عنه - وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن يعمر - بخلاف عنه أيضاً -: ((ظِلْت)) بكسر الظاء(٢)، على أنَّه نقل حركة اللام إليها بعد حذف حركتها، وعن ابن يعمر أنَّه ضمَّ الظاء(٣)، وكأنَّه مبنيٌّ على مجيء الفعل في بعض اللغات على فعل، بضم العين، وحينئذٍ يقال بالنقل كما في الكسر. ﴿عَلَيهِ﴾ أي: على عبادته ﴿َاکما﴾ أي: مقيماً، وخاطبه عليه السلام دون سائر العاكفين على عبادته القائلين: ((لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى))؛ لأنَّه رأسُ الضلال ورئيسُ أولئك الجھَّال. ﴿لَيُحَرِقَنَّهُ﴾ جوابُ قسم محذوف، أي: بالله تعالى لنحرِّقَّه بالنار، كما أخرج ذلك ابنُ المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس(٤)، ويؤيِّدُه قراءة الحسن وقتادة وأبي جعفر - في روايةٍ - وأبي رجاء والكلبيّ: (لنُحْرِقَتَّه)) مخففاً من أحرقَ رباعيًَّ(٥)، فإنَّ الإحراقَ شائعٌ فيما يكون بالنار، وهذا ظاهرٌ في أنَّه صارَ ذا لحم ودمٍ، وكذا ما في مصحف أبيّ وعبد الله: ((لنذبحتَّه ثمَّ لنَحْرُقَنَّه))(٦). وجَوَّزَ أبو عليٍّ أن يكون ((نحرِّق)) مبالغةٌ في: حَرَقَ الحديد حَرَقاً بفتح الراء، إذا برده بالمِبْرَد، ويؤيِّده قراءة عليٍّ كرم الله تعالی وجهه، وحمید، وعمرو بن فائد، (١) في البحر ٢٧٦/٦. (٢) البحر ٢٧٦/٦، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٩ عن الثلاثة الأول، وذكر الخلاف عن يحيى بن يعمر فيها . (٣) البحر المحيط ٢٧٦/٦، والقراءات الشاذة ص ٨٩. (٤) الدر المنثور ٣٠٧/٤. (٥) البحر المحيط ٢٧٦/٦، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٢٢/٢. (٦) المحرر الوجيز ٦٢/٤، والبحر المحيط ٢٧٦/٦. وأخرج الطبري هذه القراءات في تفسيره ١٥٦/١٦ عن قتادة في حرف ابن مسعود. وانظر تفسير القرطبي ١٣٢/١٤. الآية : ٩٧ ٤٤٨ وأبي جعفر في روايةٍ، وكذا ابن عباس ﴿ها: ((لنَحْرُقنه)) بفتح النون وسكون الحاء وضم الراء (١)، فإنَّ حرق يحرُق بالضمِّ مختصٍّ بهذا المعنى كما قيل، وهذا ظاهرٌ في أنَّه لم يصر ذا لحمٍ ودمٍ، بل كان باقياً على الجماديّة. وزعم بعضُهم أنَّه لا بُعد على تقدير كونه حيّاً في تحريقه بالمِبْرَد، إذ يجوزُ خلقُ الحياة في الذهب مع بقائه على الذهبية عند أهل الحقِّ. وقال بعض القائلين بأنَّه صار حيواناً ذا لحم ودم: إنَّ التحريق بالمِبْرَد كان للعظام، وهو كما ترى. وقال النسفيُّ: تفريقُه بالمِبْرَد طريقُ تحريقه بالنار، فإنَّه لا يُفرَّقُ الذهبُ إلَّا بهذا الطريق. وُجُوِّزَ - على هذا - أن يقال: إنَّ موسى عليه السلام حرقه بالمِبْرَد، ثم أحرقه بالنار. وتُعقّب بأنَّ النار تذيبُه وتجمعُه، ولا تحرقه وتجعله رماداً، فلعلَّ ذلك كان بالحيل الإکسیریّة، أو نحو ذلك. ﴿ثُمَّ لَنَفسِفَنَّهُ﴾ أي: لنذرينه، وقرأتْ فرقةٌ منهم عيسى بضمِّ السين(٢). وقرأ ابن مقسم: ((لنُتَسِّفنَّ))(٣) بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين(٤). ﴿فِي الْيَمِ﴾ أي: في البحر، كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّه فسره بالنهر(٥). وقوله تعالى: ﴿نَسْفًا (®﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: لنفعلنَّ به ذلك بحيثُ لا يبقى منه عينٌ ولا أثر، ولا يصادَفُ منه شيءٌ فيؤخذ. ولقد فعلَ عليه السلام ما أقسم عليه كلَّه كما يشهد به الأمرُ بالنظر، وإنَّما لم يصرِّح به تنبيهاً على كمال ظهوره واستحالة الخُلْفِ في وعده المؤكَّد باليمين. وفي ذلك زيادةُ عقوبةٍ للسامريِّ، وإظهارٌ لغباوة المفتتنين، وقال في ((البحر)) بياناً لسرِّ هذا الفعل: يظهرُ أنَّه لما كان (١) البحر المحيط ٢٧٦/٦، وقراءة أبي جعفر من رواية ابن وردان عنه في النشر ٣٢٢/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٩، والبحر ٢٧٦/٦. (٣) من قوله: منهم عيسى ... إلى هنا ليس في الأصل. (٤) البحر المحيط ٢٧٦/٦. (٥) الدر المنثور ٣٠٧/٤. الآية : ٩٨ ، ٩٩ ٤٤٩ سُوءَلاَ طَّئة قد أخذَ السامريُّ القبضةَ من أثر فرس جبريل عليه السلام وهو داخل البحر، ناسبَ أن يُنْسَف ذلك العجلُ الذي صاغَهُ من الحليِّ الذي كان أصلُه للقبط وألقى فيه القبضةَ في البحر؛ ليكون ذلك تنبيهاً على أنَّ ما كان به قيامُ الحياة آل إلى العدم، وألقيَ في محلِّ ما قامت به الحياة، وأنَّ أموالَ القبط قذفها الله تعالى في البحر لا ينتفع بها، كما قذفَ سبحانه أشخاصَ مالكيها وغرَّقهم فيه. ولا يخفى ما فيه (١). ﴿إِنَّمَّا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتحقيق الحقِّ إثرَ إيطالِ الباطل بتلوين الخطاب، وتوجيهه إلى الكلّ، أي: إنَّما معبودُكم المستحقُّ للعبادة هو الله عزَّ وجلَّ ﴿الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا مُؤْ﴾ وحده من غير أنْ يشاركَه شيءٌ من الأشياء بوجهٍ من الوجوه التي من جملتها أحكام الألوهيَّة. وقرأ طلحة: ((الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ربّ العرش))(٢). ﴿وَيعَ كُلَّ شَحٍْ عِمًا ﴾ أي: وسعَ علمهُ كلَّ ما من شأنه أنْ يُعلَم، فالشيء هنا شاملٌ للموجود والمعدوم، وانتصب ((علماً)) على التمييز المحوَّل عن الفاعل، والجملةُ بدلٌ من الصلة، كأنه قيل: إنَّما إلهكم الذي وسع كلَّ شيءٍ علماً لا غيره كائناً ما كان، فيدخلُ فيه العجل - الذي هو مَثَلُ في الغباوة - دخولاً أوَّلِيّاً . وقرأ مجاهدٌ وقتادة: ((وسَّع)) بفتح السين مشدّدة (٣)، فيكون انتصاب ((علماً)) على أنَّه مفعولٌ ثانٍ، ولما كان في القراءة الأولى فاعلاً معنّى صحَّ نقلُه بالتعدية إلى المفعوليَّة، كما تقول في: خاف زيدٌ عمراً: خَوَّفتُ زيداً عمراً، أي: جعلتُ زيداً يخافُ عمراً، فيكونُ المعنى هنا على هذا: جعلَ علمَه يسعُ كلَّ شيءٍ. لكن أنت تعلم أنَّ الكلام ليس على ظاهره؛ لأنَّ علمَه سبحانه غيرُ مجعولٍ، ولا ينبغي أن يتوهّم أنَّ اقتضاء الذات له على تقديرِ الزيادة جعلاً . وبهذا تمَّ حديثُ موسى عليه السلام، وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُّ عَلَيْكَ﴾ كلامٌ (١) البحر المحيط ٢٧٦/٦. (٢) أوردها عن طلحة الزمخشري في الكشاف ٥٥٢/٢. ونصها عنده: ((الله الذي لا إله إلا هو الرحمن رب العرش)) بزيادة ((الذي))، وليس فيها: ((الرحيم)). (٣) المحتسب ٥٨/٢، والمحرر الوجيز ٦٣/٤، وتفسير القرطبي ١٣٣/١٤، والبحر المحيط ٢٧٧/٦، وهي عند ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٩ عن مجاهد فقط. ٤٥٠ الآية : ٩٩ مستأنفُ خُوطِب به النبيُّ وَّ﴿ بطريق الوعد الجميل بتنزيل أمثالٍ ما مرَّ من أنباء الأمم السالفة. والجارُّ والمجرور في موضع الصفة لمصدرٍ مقدَّر، أو الكاف في محلِّ نصب صفة لذلك المصدر، أي: نقصُّ عليك ﴿مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ﴾ من الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية قصّاً كائناً كذلك القصِّ المارِّ، أو قصّاً مثلَ ذلك. والتقديمُ للقصر المفيد لزيادة التعيين، أي: كذلك لا ناقصاً عنه. و ((من)) في ((من أنباء)» إمَّا متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ للمفعول، أي: نقصُ عليك نبأ، أو بعضاً كائناً من أنباء. وجُوِّزَ أنْ يكون في حيِّز النصب على أنَّه مفعول (نقصُّ)) باعتبار مضمونه، أي: نَقصُّ بعض أنباء. وتأخيره عن ((عليك)) لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من الاعتناء بالمقدَّم، والتشويق إلى المؤخّر. ويجوز أن يكون ((كذلك نقصُّ)) مثلَ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَظّا﴾ [البقرة: ١٤٣]، على أنَّ الإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعدُ، وقد مرَّ تحقيق ذلك. وفائدة هذا القصّ توفيرُ علمه عليه الصلاة والسلام، وتكثيرُ معجزاته، وتسلیتُه، وتذكرةُ المستبصرين من أمَّتِهِ وَلِهِ. ﴿وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّكُنَّا ذِكْرًا ﴾﴾ كتاباً منطوياً على هذه الأقاصيص والأخبار، حقيقاً بالتذكُّر والتفكُّر فيه والاعتبار. و (من)) متعلِّقٌ بـ ((آتيناك))، وتنكير ((ذكراً)) للتفخيم، وتأخيرُه عن الجارِّ والمجرور؛ لما أنَّ مرجعَ الإفادة في الجملة كونُ المؤتى من لدنه تعالى ذكراً عظيماً، وقرآناً كريماً جامعاً لكلٍّ كمال، لا كون ذلك الذكر مؤتّى من لدنه عزَّ وجلَّ، مع ما فيه من نوع طولٍ بما بعده من الصفة. وجُوِّزَ أنْ يكون الجارُّ والمجرور في موضع الحال من ((ذكراً). وليس بذاك. وتفسير الذکر بالقرآن هو الذي ذهب إليه الجمهور، وروي عن ابن زید. وقال مقاتل: أي: بياناً. ومالُه ما ذكر. وقال أبو سهل: أي: شرفاً وذكراً في الناس، ولا يلائمه قوله تعالى: ﴿مِّنْ الآية : ١٠٠ ، ١٠١ ٤٥١ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ إذ الظاهرُ أنَّ ضمير ((عنه)) للذكر، والجملة في موضع الصفة له، ولا يحسنُ وصف الشرف أو الذكر في الناس بذلك. وقيل: الضميرُ لله تعالى على سبيل الالتفات، وهو خلاف الظاهر جدّاً. و ((من)) إمَّا شرطيَّةٌ أو موصولةٌ، أي: من أعرض عن الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، ولم يؤمن به ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: المعرض عنه ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴾ أي: عقوبةً ثقيلةً على إعراضه وسائر ذنوبه. والوزر في الأصل يطلقُ على معنيين؛ الحملُ الثقيل، والإثمُ، وإطلاقُه على العقوبة نظراً إلى المعنى الأول على سبيل الاستعارة المصرِّحة، حيث شُبِّهت العقوبةُ بالحمل الثقيل، ثمَّ استعيرَ لها بقرينة ذكر ((يوم القيامة))، ونظراً إلى المعنى الثاني على سبيل المجاز المرسل من حيثُ إنَّ العقوبةَ جزاءُ الإثم، فهي لازمةٌ له، أو مسيَّةٌ(١). والأوَّل هو الأنسبُ بقوله تعالى فيما بعد: ((وساء)) إلخ؛ لأنَّه ترشيحٌ له، ويؤيِّده قوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَنْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وتفسيرُ الوزر بالإثم وحملُ الكلام على حذف المضاف، أي: عقوبةً أو جزاءً إثم: ليس بذاك. وقرأت فرقةٌ منهم داود بن رفيع: ((يحمّل)) مشددً الميم مبنيّاً للمفعول(٢)؛ لأنَّه يكلّفُ ذلك، لا أنَّه يحملُه طوعاً، ويكون ((وزراً)) على هذا مفعولاً ثانياً. ﴿خَلِينَ فِيَةٍ﴾ أي: في الوزر المراد منه العقوبة. وجُوِّزَ أنْ يكون الضميرُ لمصدر ((يحمل))، ونصب ((خالدين)) على الحال من المستكنِّ في ((يحمل))(٣)، والجمعُ بالنظر إلى معنى ((من))؛ لما أنَّ الخلودَ في النار ممَّا يتحقَّق حال اجتماع أهلها، كما أنَّ الإفراد فيما سبق من الضمائر الثلاثة بالنظر إلى لفظها . (١) في الأصل: سببه. وهو تصحيف. والمثبت من (م) وهو الموافق لما في حاشية الشهاب ٢٢٥/٦، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٩-٩٠، وتفسير القرطبي ١٣٤/١٤، والبحر المحيط ٢٧٨/٦. ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢٠/٥ لعكرمة وأبي المتوكل وعاصم الجحدري. (٣) قوله: في يحمل. ليست في الأصل. سُورَةٌ طَّفة ٤٥٢ الآية : ١٠١ ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ حِملًا (3﴾ إنشاءٌ للذمِّ على أن ((ساء» فعلُ ذمّ بمعنی بئس، وهو أحدُ معنييه المشهورين، وفاعله على هذا هنا (١) مستترٌ يعود على ((حملاً)) الواقع تمييزاً، لا على ((وزراً))؛ لأنَّ فاعل بئس لا يكونُ إلا ضميراً مبهماً يفسِّره التمييز العائدُ هو إليه وإن تأخّر؛ لأنَّه من خصائص هذا الباب، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، والتقدير: ساء حملهم حملاً وزرُهم. ولام ((لهم) للبيان كما في: سقياً له، و﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وهي متعلّقةٌ بمحذوفٍ، كأنَّه قيل: لمن يقال هذا؟ فقيل: هو يقالُ لهم وفي شأنهم. وإعادةُ ((يوم القيامة)) لزيادة التقرير وتهويل الأمر. وجُوِّزَ أن يكون ((ساء)) بمعنى أحزن، وهو المعنى الآخر من المعنيين، والتقدير - على ما قيل -: وأحزنهم الوزرُ حالَ كونه حملاً لهم. وتعقَبه في ((الكشف)) بأنَّه أيُّ فائدةٍ فيه، والوزرُ أدلُّ على الثقل من قيده (٢)، ثمّ التقييد بـ ((لهم)) - مع الاستغناء عنه - وتقديمُه الذي لا يطابق المقام، وحذفُ المفعول، وبعدُ هذا كلِّه(٣) لا يلائمُ ما سيقَ له الكلام، ولا مبالغةً في الوعيد بذلك بعدَ ما تقدم، ثم قال: وكذلك ما قاله العلامةُ الطيبيُّ من أنَّ المعنى: وأحزنَهم حمل الوزر، على أنَّ (حملاً)) تمييزٌ، واللام في ((لهم)) للبيان؛ لما ذُكر من فواتٍ فخامة المعنى، وأنَّ البيانَ إنْ كان لاختصاص الحمل بهم ففيه غُنية، وإنْ كان لمحلِّ الأحزان فلا كذلك طريقُ بيانه، وإنْ كان على أنَّ هذا الوعيدَ لهم فليس موقعُه قبلَ يوم القيامة، وأنَّ المناسبَ حينئذٍ: وزراً ساءً لهم حملاً، على الوصف، لا هكذا معترضاً مؤكداً. انتهى. ولا مجالَ لتوجيه الإتيان باللام إلى اعتبار التضمين؛ لعدم تحقَّق فعلٍ ممَّا يلائم الفعلَ المذكور مناسباً لها؛ لأنَّها ظاهرةٌ في الاختصاص النافع، والفعلُ في الحدث الضارِّ، والقول بازديادها، كما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، أو الحملُ على (١) لفظة: هنا. ليست في الأصل. (٢) في الأصل: غيره. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٢٥/٦. (٣) لفظة: كله. ليست في الأصل. الآية : ١٠٢ ٤٥٣ التهّم = تمثّلُّ لتصحيح اللفظ من غير داع إليه، ويبقى معه أمرُ فخامة المعنى، والحاصل أنَّ ما ذُكِرَ لا يساعدُه اللفظ ولا المعنى. وجُوِّزَ أنْ يكون ((ساء)» بمعنى قَبُحَ، فقد ذكر استعمالُه بهذا المعنى، وإنْ كان في كونه معنّى حقيقيّاً نظرٌ، و((حملاً)) تمييزاً، و((لهم)) حالاً، و((يوم القيامة)) متعلِّقاً(١) بالظرف، أي: قَبْحَ ذلك الوزرُ من جهة كونه حملاً لهم في يوم القيامة. وفيه ما فيه. ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ منصوبٌ بإضمار: اذكر. وجُوِّزَ أن يكون ظرفاً لمضمر (٢)، حُذِف للإيذان بضيق العبارة عن حصره وبيانه، أو بدلاً من ((يوم القيامة))، أو بياناً له، أو ظرفاً لـ ((یتخافتون)». وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وحميد: (نَنفخ)) بنون العظمة (٣) على إسناد الفعل إلى الآمر به، وهو الله سبحانه، تعظيماً للنفخ؛ لأنَّ ما يصدرُ من العظيم عظيمٌ، أو للنافخ بجعل فعله بمنزلةٍ فعله تعالى، وهو إنَّما يقال لمن له مزيدُ اختصاص وقربُ مرتبة، وقيل: إنَّه يجوزُ أنْ يكون لليوم الواقع هو فيه. وقرىء: ((يَنْفُخ)) بالياء المفتوحة (٤)، على أنَّ ضميره لله تعالى، أو لإسرافيل عليه السلام، وإنْ لم يجرِ ذكرُه لشهرته. وقرأ الحسنُ وابنُ عياض(٥) في جماعة: ((في الصُّوَر)) بضمِّ الصاد وفتح الواو، جمعُ صورة، كغُرفة وغُرَف، والمراد به الجسمُ المصوّر. (١) في الأصل: متعلق. (٢) في (م): ظرف المضمر. بدل: ظرفاً لمضمر. (٣) البحر المحيط ٢٧٨/٦، وقراءة أبي عمرو في التيسير ص ١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢. (٤) البحر المحيط ٢٧٨/٦. ونسبها القرطبي في تفسيره ١٣٤/١٤ لابن هرمز، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢٠/٥-٣٢١ لأبي عمران الجوني. (٥) اضطربت المصادر في اسم هذا القارئ، فهو في المحرر الوجيز ٦٣/٤، والبحر المحيط ٢٧٨/٦ كما عند المصنف: ابن عياض. وهو في تفسير القرطبي ١٣٤/١٤ : أبو عياض. ووقع في المحتسب ٥٩/٢: عياض. ووقع الاضطراب في اسمه عند ذكر قراءات هذه الكلمة ((الصور)) في غير آية، ولم نعرفه. ٤٥٤ الآية : ١٠٢ وأورد أنَّ النفخَ يتكرَّر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] والنفخُ في الصورة إحياء، والإحياء غيرُ متكرِّرٍ بعد الموت، وما في القبر ليس بمرادٍ من النفخة الأولى بالاتفاق. وأجيبَ بأنَّه لا نسلِّم أنَّ كلَّ نفخٍ إحياء. وبعضُهم فسَّر الصُّورَ على القراءة المشهورة بذلك أيضاً، والحقُّ تفسيرُه بالقرن الذي ينفخ فيه. ﴿وَحْثُرُ الْمُجْرِمِنَ يَوْمَدٍ﴾ أي: يومَ إذ ينفخُ في الصُّور، وذكر ذلك صريحاً مع تعيُّن أنَّ الحشرَ لا يكون إلَّا يومئذ؛ للتهويل. وقرأ الحسن: ((يُحشَرُ)) بالياء والبناء للمفعول، و((المجرمون)) بالرفع على النيابة عن الفاعل. وقرأ أيضاً: ((يَحشُر)) بالياء والبناء للفاعل(١)، وهو ضميره عزَّ وجلَّ، أي: ويحشرُ الله تعالى المجرمين ﴿زُرْقًّاً ﴾ حالَ كونهم زرق الأبدان، وذلك غايةٌ في التشويه، ولا تزرقُّ الأبدان إلَّا من مكابدة الشدائد وجفوف رطوبتها . وعن ابن عباس ﴿: زرق العيون. فهو وصفٌ للشيء بصفة جزئه، كما يقال: غلامٌ أكحل وأحول، والكحل والحول من صفات العين، ولعلَّه مجازٌ مشهور. وجُوِّزَ أنْ يكون حقيقةً؛ كـ : رجلٌ أعمى، وإنَّما جُعِلوا كذلك؛ لأنَّ الزرقةَ أسوأ ألوان العين وأبغضُها إلى العرب، فإنَّ الرومَ الذين كانوا أشدَّ أعدائهم عداوةً زرق، ولذلك قالوا في وصف العدوِّ: أَسْودُ الكبد، أَصْهبُ السبال، أَزْرَقُ العين، وقال الشاعر: وما كنت أخشى أنْ تكون وفاتُهُ بكفَّيْ سَبَنْتَى أزرقِ العينِ مُظْرِقٍ(٢) (١) البحر المحيط ٦/ ٢٧٨. (٢) اختلف في نسبة هذا البيت، فنسبه أبو تمام في حماسته ٣/ ٦٥ للشماخ، ونسبه الجمحي في طبقات فحول الشعراء ١٣٣/١ لجزء بن ضرار - أخي الشماخ - وهو قول أبي محمد الأعرابي أيضاً كما ذكر التبريزي في شرح الحماسة، ونسبه الجاحظ في البيان والتبيين ٣٦٤/٣ لمُزَرِّد بن ضرار، ونقل التبريزي في شرح الحماسة عن أبي رياش قوله: الذي عندي أنه لمزرد. وفي الأغاني ١٥٩/٩ أنه من نَوْحِ الجنِّ على عمر بن الخطاب ظُه. وانظر تتمة تخريجه في ديوان الشماخ ص ٤٤٨-٤٤٩ (الملحق). = الآية : ١٠٢ ٤٥٥ وکانوا یھجون بالزرقة كما في قوله: ألا كُلُّ ضَبِّيٍّ من اللؤمِ أزرقُ(١) لقد زَرِقتْ عيناك يا ابنَ مُكَعْبٍَ وسئل ابن عباس عن الجمع بين ((زرقاً)) - على ما روي عنه - و((عمياً)) في آيةٍ أخرى، فقال: ليوم القيامة حالاتٌ؛ فحالةٌ يكونون فيها عمياً، وحالةٌ يكونون فيها زرقاً . وعن الفرَّاء: المراد من ((زرقاً): عمياً (٢)؛ لأنَّ العينَ إذا ذهب نورها ازرقَّ ناظرُها. ووجهُ الجمع عليه ظاهر. وعن الأزهريّ(٣): عطاشاً؛ لأنَّ العطشَ الشديد يغيِّر سوادَ العين، فيجعلُه کالأزرق. وقيل: يجعله أبيض، وجاء الأزرق بمعنى الأبيض، ومنه: سنانٌ أزرق. وقوله: فلمَّا وَرَدْنَ (٤) الماءَ زُرْقَاً جِمَامُه ويلائم تفسيرُه بـ: عطاشاً قوله تعالى - على ما سمعت -: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِزْدَا﴾ (٥) [مريم: ٨٦]. قال التبريزي في شرح الحماسة ٦٦/٣: السبنتى الجريء، وأكثر ما يوصف به النمر يقال: سبنتى وسبندي وسبنتاة وسبنداة للجريء المقدم، وأزرق العين: أبو لؤلؤة ... فتك بعمر في الصلاة، ومطرق: مسترخي الجفن. (١) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري كما في الأغاني ٣٩٦/٢١. وذكره الجاحظ في كتاب الحيوان ٣٣٢/٥، وابن دريد في الجمهرة ٣٢٤/٢ دون نسبة. وابن مكعبر هو محرز بن المكعبر الضبي؛ من شعراء المفضليات. المفضليات ص ٢٥١. (٢) معاني القرآن للفراء ١٩١/٢. (٣) بعدها في (م): المراد. وانظر تهذيب اللغة ٤٢٩/٨. (٤) في الأصل و(م): وردنا. والمثبت من ديوان زهير بن أبي سلمى ص ١٣، والبيت له، وعجزه: وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضر المتخيم قال شارحه: والجمام ما اجتمع من الماء، والواحدة: جمَّة وجمّ ... والمتخيم: المقيم، والحاضر: الذين حضروا الماء. وقال الأصمعي: زرقاً: لم يورد قبلهن فيحرك، فهو صاف. (٥) وورد لفظ الآية في الأصل (م): ونحشر. وهو خطأ. سُو ◌َلاَ طَّفة ٤٥٦ الآية : ١٠٣ ﴿يَتَّخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لشدَّة هول المطلع. والجملة استئنافٌ لبيان ما يأتون وما يذرون حينئذٍ، أو حالٌ أخرى من (المجرمین)). وقوله تعالى: ﴿إِن لَِّئْتُمْ﴾ بتقدير قولٍ وقعَ حالاً من ضمير ((يتخافتون))، أي: قائلين: ما لبثتم في القبور ﴿إِلَّ عَشْرًا ﴾﴾ أي: عشرَ ليالٍ، أو عشرةَ أيامٍ، ولعلَّه الأوفق بقول الأمثل. والمذكَّر إذا حذف وأبقي عددُه قد لا يؤتى بالتاء، حكى الكسائيُّ: صمنا من الشهر خمساً. ومنه ما جاء في الحديث: ((ثم أتبعه بستّ من شوال)» (١)، فإنَّ المرادَ ستةُ أيام، وحَسَّن الحذفَ هنا كونُ ذلك فاصلةً. ومرادهم من هذا القول استقصارُ المدَّة وسرعةُ انقضائها، والتنديمُ على ما كانوا يزعمون، حيث تبيَّن الأمر على خلاف ما كانوا عليه من إنكار البعث وعَدِّهِ من قبيل المحالات، كأنَّهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلَّا مدَّةً يسيرةً، وقد كنتم تزعمون أنَّكم لن تقوموا منه أبداً. وعن قتادة أنَّهم عَنَوا لُبْثَهُم في الدنيا، وقالوا ذلك استقصاراً لمدّة لبثهم فيها؛ لزوالها ولاستطالتهم مدة الآخرة، أو لتأسُفهم عليها. لمَّا عاينوا الشدائد وأيقنوا أنَّهم استحقُّوها على إضاعة الأيّام في قضاء الأوطار واتِّباع الشهوات. وتُعقِّبَ بأَنَّهم في شُغْل شاغلٍ عن تذكُّر ذلك، فالأوفقُ بحالهم ما تقدَّم، وبأنَّ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبٍ اَللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] صريحٌ في أنَّه اللبثُ في القبور. وفیه بحث. وفي ((مجمع البيان)) عن ابن عباس وقتادة أنَّهم عنوا لبثهم بين النفختين، يلبثون أربعينَ سنةً مرفوعاً عنهم العذاب(٢). (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (١٧١٦) من حديث أبي أيوب، وهو أيضاً في صحيح مسلم (١١٦٤) بلفظ: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)). (٢) مجمع البيان ١٦/ ١٤٢ . الآية : ١٠٤، ١٠٥ ٤٥٧ سُورَةُ ظْ ﴿أَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: بالذي يقولونه، وهو مدَّة لبثهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةٌ﴾ أي: أعدلُهم رأياً، وأرجحُهم عقلاً. و((إذا ظرف ((يقولون)). ﴿إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ®﴾ واحداً، وإليه ينتهي العددُ في القلّة. وقيل: المرادُ باليوم مطلقُ الوقت، وتنكيرُه للتقليل والتحقير، فالمراد: إلَّا زمناً قليلاً . وظاهر المقابلة بالعشر يبعده. ونسبة هذا القول إلى ((أمثلهم)) استرجاحٌ منه تعالى له، لكن لا لكونه أقربَ إلى الصدق، بل لكونه أعظمَ في التنديم، أو لكونه أدلَّ على شدّة الهول، وهذا يدلُّ على كون قائله أعلمَ بفظاعة الأمر وشدَّة العذاب. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لِْبَالِ﴾ السائلونَ منكرو البعثِ من قريش، على ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج، قالوا - على سبيل الاستهزاء -: كيف يفعلُ ربُّك بالجبال يومَ القيامة(١). وقيل: جماعةٌ من ثقيف. وقيل: أناسٌ من المؤمنين. ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّ نَسْفًا (٣٥)﴾ يجعلُها سبحانه كالرمل، ثمَّ يرسلُ عليها الرياح فتفرِّقُها. والفاء للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن(٢) السائل من بقاء الجبال بناءً على ظنِّ أنَّ ذلك من توابع عدم الحشر، ألا ترى أنَّ منكري الحشر يقولون بعدم تبدُّل هذا النظام المشاهد في الأرض والسماوات. أو للمسارعة إلى تحقيق الحقِّ حفظاً من أن يتوهّم ما يقضي بفساد الاعتقاد. وهذا مبنيٌّ على أنَّ السائلَ من المؤمنين، والأوَّل على أنَّه من منكري البعث. ومن هنا قال الإمام: إنَّ مقصود السائلين الطعنُ في الحشر والنشر، فلا جرم أُمِرَ وَّه بالجواب مقروناً بحرف التعقيب؛ لأنَّ تأخير البيان في هذه المسألة الأصوليَّة غيرُ جائز، وأما تأخيره في المسائل الفروعية فجائز(٣)، ولذا لم يؤتَ بالفاء في الأمر بالجواب في قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وقوله تعالى: (١) الدر المنثور ٣٠٧/٤. (٢) في الأصل: الذهن. (٣) تفسير الرازي ٢٢/ ١١٧. الآية : ١٠٥ ٤٥٨ ﴿وَيَسْعَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوْ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] إلى غير ذلك. وقال في موضع آخر: إنَّ السؤالَ المذكور إمَّا عن قدم الجبال أو عن وجوب بقائها، وهذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين، فلا جرمَ أُمِرَ وَلِّ أنْ يجيبه بالفاء المفيدةِ للتعقيب، كأنَّه سبحانه قال: يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال من غير تأخير؛ لأنَّ القولَ بقدمها أو وجوبٍ بقائها كفرٌ، ودلالة الجواب على نفي ذلك من جهة أنَّ النسفَ ممكنٌ؛ لأنَّه ممكنٌ في كلِّ جزءٍ من أجزاء الجبل، والحسُّ يدلُّ عليه، فوجب أن يكون ممكناً في حقِّ كلِّ الجبل، فليسَ بقديم ولا واجب الوجود؛ لأنَّ القديمَ لا يجوزُ عليه التغيُّر والنسف(١). انتهى. واعتُرِضَ بأنَّ عدمَ جواز التغيُّر والنسف إنَّما يسلّم في حقِّ القديم بالذات، ولم يذهب أحدٌ من السائلين إلى كون الجبال قديمةً كذلك، وأمَّا القديم بالزمان، فلا يمتنعُ عليه لذاته ذلك، بل إذا امتنعَ فإنَّما يمتنعُ لأمرٍ آخر، على أنَّ في كون الجبال قديمةً بالزمان عند السائلين وكذا غيرهم من الفلاسفة نظراً، بل الظاهرُ أنَّ الفلاسفةَ قائلون بحدوثها الزماني، وإنْ لم يعلموا مبدأً معيناً لحدوثها. فتأمَّل. ثم إنَّه ذكرَ رحمه الله تعالى أنَّ السؤالَ والجواب قد ذكرا في عدَّةِ مواضعَ من كتاب الله تعالى، منها فروعيَّةٌ ومنها أصولية، والأصوليّة في أربعةِ مواضع، في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقوله عزَّ وجلّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرُّسَنُهَا﴾(٢) [النازعات: ٤٢]. ولا يخفى أن عدَّ جميع ما ذكر من الأصوليّة غيرُ ظاهر، وعلى تقدير ظهورٍ ذلك في الجميع يَرِدُ السؤالُ عن سرِّ اقتران الأمر بالجواب بالفَاء في بعضها دونَ بعض. (١) تفسير الرازي ٣٥/٢٢-٣٦. (٢) تفسير الرازي ٣٥/٢٢. الآية : ١٠٥ ٤٥٩ سُوَلاَطَّة وكونُ ما اقترن بالفاء هو الأهمّ في حيِّز المنع، فإنَّ الأمرَ بالجواب عن السؤال عن الروح إنْ كان عن القدم ونحوه فمهمٌّ، كالأمر بالجواب فيما نحن فيه، بل لعلَّه أهُّ منه؛ لتحقُّق القائل بالقدم الزمانيّ للروح؛ بناءً على أنَّها النفسُ الناطقة، كأفلاطون وأتباعه . وقد يقال: لمَّا كان الجوابُ هنا لدفع السؤال عن الكلام السابق، أعني قوله تعالى: ((يتخافتون بينهم))، كأنه قيل: كيف يصحُّ تخافتُ المجرمين المقتضي لاجتماعهم والجبالُ في البين مانعةٌ عن ذلك، فمتى قلتم بصحَّته فبيِّنوا لنا كيف يفعل الله تعالى بها؟ فأجيب بأنَّ الجبال تُنسفُ في ذلك الوقت، فلا يبقى مانعٌ عن الاجتماع والتخافت. وقرن الأمر بالفاء للمسارعة إلى الذبِّ عن الدعوة السابقة. والآياتُ التي لم يقرن الأمر فيها بالفاء لم تُسَق هذا المساق كما لا يخفى على أرباب الأذواق. وقال النسفيُّ(١) وغيره: الفاء في جواب شرط مقدَّر، أي: إذا سألوك عن الجبال فقل، وهو مبنيٌّ على أنَّه لم يقع السؤال عن ذلك كما وقع في قصة الروح وغيرها، فلذا لم يؤت بالفاء ثمة، وأتي به هنا، فـ ((يسألونك)) متمخِّصُ للاستقبال. واستبعدَ ذلك أبو حيَّان(٢)، وما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من أنَّ قريشاً قالوا: يا محمد كيف يفعلُ ربُّك بهذه الجبال يومَ القيامة، فنزلت: ((ويسألونك عن الجبال)) الآية(٣). يدلُّ على خلافه. وقال الخفاجيُّ: الظاهرُ أنَّه إنَّما قرنَ بها هنا ولم يقرن بها ثمةً؛ للإشارة إلى أنَّ الجوابَ معلومٌ له وَ ل قبل ذلك، فأمر عليه الصلاة والسلام بالمبادرة إليه بخلاف ذلك(٤). انتھی. وأنت تعلم أنَّ القول بأنَّ الجوابَ عن سؤال الروح وعن سؤال المحيض ونحو (١) تفسير النسفي ٦٥/٣. (٢) في البحر ٢٧٩/٦. (٣) الدر المنثور ٣٠٧/٤. (٤) حاشية الشهاب ٦/ ٢٢٧. سُورَةَ طَّة ٤٦٠ الآية : ١٠٦ ذلك لم يكن معلوماً له وَ ﴿ قبل؛ لم يتجاسر عليه أحدٌ من عوامِّ الناس فضلاً عن خواصِّهم، فما ذكره ممَّا لا ينبغي أنْ يُلتَفت إليه. وممّا يُضحك الثكلى أنَّ بعض المعاصرين سمعَ السؤال عن سرِّ اقتران الأمر هنا بالفاء، وعدم اقترانه بها في الآيات الأخر فقال: ما أجهلَ هذا السائل بما يجوز وما لا يجوز من المسائل، أمَّا سمعَ قوله تعالى: ﴿لَا يُنْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، أما درى أنَّ معناه نهيُ من يُريد السؤالَ عن أن يسأل. وأدلُّ من هذا على جهل الرجل أنَّه دوَّن ما قال، ولم يبال بما قيل ويقال. ونقلي لذلك من باب التحميض(١)، وتذكير من سلِم من مثل هذا الداء بما منَّ الله تعالى به عليه من الفضل الطويل العريض. وأمر الفاء في قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا﴾ ظاهرٌ جدّاً، والضميرُ إمَّا للجبال باعتبار أجزائها السافلة الباقية بعد النسف، وهي مقارُّها ومراكزها، أي: فنذر ما انبسط منها وساوَى سطحُه سطوحَ سائر أجزاء الأرض بعد نسف ما نتأ منها ونشز، وإمّا للأرض المدلول عليها بقرينة الحال؛ لأنَّها الباقيةُ بعد نسفِ الجبال. وعلى التقديرين يذرُ سبحانه الكلَّ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا ﴾ لأنَّ الجبالَ إذا سُوِّيَت، وجُعِل سطحُها مساوياً لسطوح سائر(٢) أجزاء الأرض، فقد جُعِل الكلُّ سطحاً واحداً. والقاع قيل: السهل، وقال الجوهريُّ: المستوي من الأرض(٣). ومنه قول ضرار بن الخطاب: لتكوننَّ بالبطاحِ قريشٌ فَقعةَ القاع في أكفّ الإماء (٤) وقال ابنُ الأعرابيّ: الأرضُ الملساء لا نبات فيها ولا بناء. وحَكى مكيٍّ أنَّه المكان المنكشف. وقيل: المستوي الصلبُ من الأرض. وقيل: مستنقعُ الماء. وليس بمراد. وجمعه أقوعٌ وأقواعٌ وقيعان. (١) التحميض: الإقلال من الشيء ... ويقال: أحمضَ القومُ إحماضاً: إذا أفاضوا فيما يؤنسهم من الحديث والكلام. اللسان (حمض). (٢) لفظة: سائر. ليست في (م). (٣) الصحاح (صفصف). (٤) البحر المحيط ٦/ ٢٧٠، والدر المصون ١٠٥/٨.