النص المفهرس
صفحات 381-400
الآية : ٦٦ ٣٨١ وفيه من المخالفة لما قدَّمنا ما فيه، لكن أمر العطف عليه أوفقُ كما لا يخفى، وعنى بقوله: هذا تمثيلٌ، أنَّه تصويرٌ للإعراب، وأنَّ ((إذا)) وقتيَّة أُوقِع عليها فعلُ المفاجأة توسُّعاً؛ لأنها سدَّت مسدّ الفعل والمفعول، ولأنَّ مفاجأة الوقت يتضَّمن مفاجأة ما فيه بوجهٍ أبلغ. وما قيل: إنَّه أرادَ الاستعارة التمثيلية، فيحتاجُ إلى تكلّف لتحصيلها . وضميرُ ((إليه)» الظاهر أنَّه لموسى عليه السلام، بل هو كالمتعيّن. وقيل: لفرعون. وليس بشيء. و((أن)) وما في حيِّزها نائبُ فاعل ((يخيل))، أي: يخيَّل إليه بسبب سحرهم سعيُها، وكأنَّ ذلك من السيمياء(١)، وهي عِلْمٌ يقتدَرُ به على إراءة المصوّر(٢) الذهنية، لكن يشتركُ غالباً أن يكون لها مادَّةٌ في الخارج في الجملة، ويكون ذلك على ما ذكره الشيخ محمد عمر البغداديّ في حاشيته على رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي في وحدة الوجود بواسطة أسماء وغيرها. وذكر العلامة البيضاويُّ في بعض رسائله أنَّ علم السيمياء حاصلُه إحداثُ مثالاتٍ خياليَّةٍ لا وجودَ لها في الحسّ، ويطلقُ على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحسّ، وتكون صوراً في جوهر الهواء، وهي سريعةُ الزوال بسبب سرعة تغيُّر جوهره. ولفظ سيمياء معرَّبُ: شيم يه، ومعناه اسم الله تعالى. انتهى. وما ذكره من سرعة الزوال لا يسلَّم كُلِّيّاً، وهو عندي بعض من علم السحر. وعرفه البيضاويُّ بأنَّه علمٌ يستفادُ منه حصولُ ملكة نفسانيَّة يُقتدر بها على أفعالٍ غريبة بأسبابٍ خفيَّة، ثم قال: والسحرُ منه حقيقيٌّ ومنه غيرُ حقيقيّ؛ ويقال له: الأخذ بالعيون، وسحرة فرعون أتوا بمجموع الأمرين. انتهى. والمشهور أنَّ هؤلاء السحرة جعلوا في الحبال والعصيّ زئبقاً، فلمَّا أصابتها حرارةُ الشمس اضطربت واهتزَّت، فخيِّل إليه عليه السلام أنَّها تتحرك وتمشي كشيءٍ فيه حياة. (١) في (م): باب السيمياء. (٢) في (م): إراء الصورة. سُورَةَ طنة ٣٨٢ الآية : ٦٦ ويروى أنَّه عليه السلام رآها كأنها حيَّاتٌ، وقد أخذت ميلاً في ميل. وقيل: حفروا الأرضَ، وجعلوا فيها ناراً، ووضعوا فوقها تلك الحبالَ والعصيَّ، فلما أصابتها حرارةُ النار تحرَّكت ومشت. وفي القلب من صحَّة كلا القولين شيء. والظاهر أنَّ التخيُّل من موسى عليه السلام قد حصل حقيقةً بواسطة سحرهم، وروي ذلك عن وهب. وقيل: لم يحصل، والمراد من الآية أنَّه عليه السلام شاهد شيئاً لولا علمه بأنَّه لا حقيقةً له لظنَّ فيها أنَّها تسعى، فيكون تمثيلاً، وهو خلاف الظاهر جدّاً. وقرأ الحسن وعيسى: ((عُصْيُهم)) بضم العين وإسكان الصاد وتخفيف الياء مع الرفع(١)، وهو جمع كما في القراءة المشهورة. وقرأ الزهريُّ والحسنُ وعيسى وأبو حيوة وقتادة والجحدريُّ وروح وابن ذكوان وغيرهم: ((تُخَيَّلُ)) بالتاء الفوقانية مبنيًّا للمفعول(٢)، وفيه ضمير الحبال والعصيّ، و((أنها تسعى)) بدل اشتمال من ذلك الضمير، ولا يضرُّ الإبدال منه في كونه رابطاً؛ لكونه ليس ساقطاً من كلِّ الوجوه. وقرأ أبو السمال: ((تَخَيَّل)) بفتح التاء (٣)، أي: تتخيَّل، وفيه أيضاً ضمير ما ذكر، و((أنَّها تسعى)) بدلُ منه أيضاً، وقال ابن عطية: هو مفعول من أجله(٤)، وقال أبو القاسم بن جبارة(٥) الهذليّ الأندلسيّ في كتاب ((الكامل)»: عن أبي السمَّال (١) البحر المحيط ٢٥٩/٦. (٢) البحر المحيط ٢٥٩/٦، وقراءة ابن ذكوان - راوية ابن عامر - في التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. وروح - راوية يعقوب - في النشر ٣٢١/٢. (٣) البحر المحيط ٢٥٩/٦. (٤) المحرر الوجيز ٥١/٤. (٥) في الأصل و(م) والبحر المحيط ٢٥٩/٦، وكشف الظنون ١٣٨١/٢، وهدية العارفين ٥٥١/٦، ونكت الهميان ص ٣١٤: حبارة. والمثبت من بقية مصادر الترجمة الآتية. ونقل الزركلي في الأعلام ٢٤٢/٨ عن ابن قاضي شهبة في طبقات النحويين واللغويين: يوسف بن علي بن جُبارة بضم الجيم، وهو يوسف بن علي البسكري، المقرئ المشهور. المتوفى سنة (٤٦٥هـ). قال الذهبي في معرفة القراء: وله أغاليط كثيرة في أسانيد القراءات، وقد حشد في كتابه أشياء منكرة لا تحل القراءة بها، ولا يصح لها إسناد، الآية : ٦٧ ٣٨٣ أنَّه قرأ: ((تُخَيِّل)) بالتاء من فوق المضمومة وكسر الياء(١)، والضمير فيه فاعل. و ((أنَّها تسعى)) نصب على المفعول به. ونسب ابنُ عطيَّة هذه القراءة إلى الحسن وعيسى الثقفيّ(٢). ومن بنى ((تُخَيَّل)) للمفعول، فالمخيِّل لهم ذلك هو اللهُ تعالى للمحنة والابتلاء. وروى الحسن بن يمن(٣) عن أبي حيوة: ((نُخَيِّل)) بالنون وكسر الياء، فالفاعل ضميره تعالى، و((أنَّها تسعى)) مفعول به. ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى (٣)﴾ الإيجاس: الإخفاء، والخيفة: الخوف، وأصله خِوفة قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقال ابن عطية (٤): يحتملُ أنْ يكون خَوفة بفتح الخاء، قلبت الواو ياء، ثم كسرت الخاء للتناسب. والأول أولى. والتنوين للتحقير، أي: أخفى فيها بعض خوفٍ من مفاجأة ذلك، بمقتضى طبع الجبلّة البشرية عند رؤية الأمر المهول، وهو قول الحسن. وقال مقاتل: خافَ عليه السلام من أن يَعرِضَ للناس ويختلج في خواطرهم شكٌّ وشبهةٌ في معجزة العصا لما رأوا من عصيهم. وإضمار خوفه عليه السلام من ذلك لئلا تقوى نفوسهم إذا ظهر لهم، فیؤدِّي إلى عدم اتِّباعهم. وقيل: التنوين للتعظيم، أي: أخفى فيها خوفاً عظيماً. وقال بعضهم: إنَّ الصيغةَ لكونها فِعلة، وهي دالَّةٌ على الهيئة، والحالةُ اللازمة تشعر بذلك، ولذا اختيرت على الخوف في قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، ولا يأباه الإيجاس، وقيل: يأباه، والأول هو الأنسب بحال موسى = إمَّا لجهالة الناقل أو لضعفه. اهـ. انظر ترجمته في الإكمال ٤٥٨/١-٤٥٩، والصلة ص٦٨٠، والعبر ٢٦٠/٣، وتاريخ الإسلام ١٣٥/١٠، ٢٢٩، وغاية النهاية ٣٩٧/٢-٤٠١، ولسان الميزان ٨ / ٥٦١ . (١) البحر المحيط ٢٥٩/٦. وذكرها عن أبي السمَّال أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٨. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥١. (٣) في البحر المحيط ٢٥٩/٦، وعنه نقل المصنف: الحسن بن أيمن. (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ٥٢. سُورَلا طفة ٣٨٤ الآية : ٦٨، ٦٩ عليه السلام إنْ كان خوفُه مما قاله الحسن، والثاني هو الأنسبُ بحاله عليه السلام إنْ كان خوفُه مما قاله مقاتل. وقيل: إنَّه أنسبُ أيضاً بوصف السحر بالعِظَم في قوله تعالى: ﴿وَجَآءُو پِسِخْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وأيَّد بعضُهم كونَ التنوين لذلك بإظهار موسى وعدم إضماره، فتأمَّل. وقيل: إنَّه عليه السلام سمع لما قالوا: ((إما أن تلقي)) إلخ: ألقوا يا أولياء الله تعالى، فخاف لذلك، حيث يعلم أنَّ أولياءَ الله تعالى لا يُغلَبون. ولا يكادُ يصح، والنظمُ الکریم یأباه. وتأخير الفاعل لمراعاة الفواصل. ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ أي: لا تستمرَّ على خوفك ممَّا توهمت، وادفع عن نفسك ما اعتراك، فالنهي على حقيقته. وقيل: خرج عن ذلك للتشجيع وتقوية القلب. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾﴾ تعليلٌ لما يوجبه(١) النهيُ من الانتهاء عن الخوف، وتقريرٌ لغلبته على أبلغ وجهٍ وآكده، كما يعرب عن ذلك الاستئناف البيانيُّ، وحرفُ التحقيق، وتكريرُ الضمير، وتعريفُ الخبر، ولفظُ العلوِّ المنبئ عن الغلبة الظاهرة، وصیغةُ التفضیل، کما قاله غير واحد. والذي أميل إليه أنَّ الصيغة المذكورة لمجرَّدِ الزيادة، فإنَّ كونَها للمشاركة والزيادة يقتضي أنْ يكون للسحرة علوٌّ وغلبةٌ ظاهرةٌ أيضاً، مع أنَّه ليس كذلك، وإثباتُ ذلك لهم بالنسبة إلى العامة - كما قيل - ليس بشيء، إذْ لا مغالبةَ بينهم وبينهم. ﴿وَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ﴾ أي: عصاك، كما وقع في سورة ((الأعراف))(٢). وكأنَّ التعبير عنها بذلك لتذكيره ما وقع وشاهَده عليه السلام منها يوم قال سبحانه له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ١٧]. (١) في الأصل: يوجب. والمثبت من (م)، وهو موافق لما في تفسير أبي السعود ٢٧/٦، والكلام منه. (٢) الآية: ١١٧. الآية : ٦٩ ٣٨٥ سُورَةً طَّة وقال بعض المحققين: إنَّما أوثر الإبهامُ تهويلاً لأمرها، وتفخيماً لشأنها، وإيذاناً بأنَّها ليست من جنس العصيِّ المعهودة المستبعةِ للآثار المعتادة، بل خارجةٌ عن حدود سائر أفراد الجنس، مبهمةُ الكنه(١)، مستتبعةٌ لآثارٍ غريبة. وعدمُ مراعاة هذه النكتة عند حكاية الأمر في مواضع أخر (٢) لا يستدعي عدمَ مراعاتها عند وقوع المحکيّ. انتھی. وحاصله أنَّ الإبهام للتفخيم، كأنَّ العصا لفخامة شأنها لا يحيطُ بها نطاقُ العلم، نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اَلْيَمِ مَا غَيْشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، ووقع حكاية الأمر في مواضع أخر بالمعنى، والواقعُ نفسه ما تضمَّن هذه النكتة، وإن لم يكن بلفظ عربيّ، وإنّما لم يعتبر العكس؛ لأنَّ المتضمَّنَ أوفقُ بمقام النهي عن الخوف وتشجيعِه عليه السلام. وقال أبو حيان: عبَّر بذلك دون: عصاك؛ لما في اليمين من معنى اليمن والبركة(٣). وفيه أنَّ الخطابَ لم يكن بلفظ عربيّ. وقيل: الإبهام للتحقير، بأنْ يراد: لا تبالِ بكثرة حبالهم وعصيّهم، وأَلْقِ العويد الذي في يدك، فإنَّه بقدرة الله تعالى يلقَفُها مع وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها . وتُعقّب بأنَّه يأباه ظهورُ حالها فيما مرَّ مرتين، على أنَّ ذلك المعنى إنَّما يليقُ بما لو فعلت العصا ما فعلت وهي على الهيئة الأصليّة، وقد كان منها ما كان. و ((ما)) يحتمل أن تكون موصوفةً، ويحتمل أنْ تكون موصولةً، على كلٍّ من الوجهين. وقيل: الأنسب على الأول الأول، وعلى الثاني الثاني. وقوله تعالى: ﴿فَلَقَفَ مَا صَنَعُواْ﴾ بالجزم جوابُ الأمر، من لقفه: ناله بالحِذْق باليد أو بالفم، والمراد هنا الثاني، والتأنيثُ بكون ((ما)) عبارةً عن العصا، أي: تبتلع ما صنعوه من الحبال والعصيّ التي خُيِّل إليك سعيُها . والتعبير عنها بـ ((ما صنعوا)) للتحقير والإيذان بالتمويه والتزوير. (١) في الأصل و(م): لكنها، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٧/٦، والكلام منه. (٢) في تفسير أبي السعود: موضع آخر. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢٦٠. ٣٨٦ الآية : ٦٩ وقرأ الأكثرون: ((تَلَقَّف)) بفتح اللام وتشديد القاف، وإسقاط إحدى التاءين من: تتلقَّف(١). وقرأ ابن عامر (٢) كذلك إلّا أنَّه رفع الفعل على أنَّ الجملةَ مستأنفةٌ استئنافاً بيانيّاً، أو حالٌ مقدَّرة من فاعل ((ألق)) بناءً على تسبُّبه، أو من مفعوله، أي: متلقِّفاً أو متلقّفةً. وجملة الأمر معطوفةٌ على النهي متمِّمةٌ بما في حيِّزها لتعليل موجَبه ببيان كيفيّة علوِّه وغلبه عليه السلام، فإنَّ ابتلاعَ عصاه عليه السلام لأباطيلهم التي منها أوجس في نفسه خيفةً يَقْلَعُ مادَّةَ الخوف بالكليَّة. وزعم بعضُهم أنَّ هذا صريحٌ في أنَّ خوفَه عليه السلام لم يكن من مخالجة الشكّ للناس في معجزة العصا، وإلا لعلَّل بما يزيلُه من الوعد بما يوجبُ إيمانَهم. وفيه تأمُّل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ﴾ إلخ تعليلٌ لقوله تعالى: ((تلقف ما صنعوا))، و(ما)) إمَّا موصولةٌ، أو موصوفةٌ، أو مصدريَّة، أي: إنَّ الذي صنعوه، أو: إنَّ شيئاً صنعوه، أو: إنَّ صُنْعَهم ﴿كَيْدُ سَخِرٍ﴾ بالرفع على أنه خبر ((إنَّ) أي: کید جنس الساحر، وتنكيرُه للتوسُّل به إلى ما يقتضيه المقامُ من تنكير المضاف، ولو عُرِّف لكان المضافُ إليه معرفةً، وليس مراداً. واعترض بأنَّه يجوزُ أنْ يكون تعريفه الإضافيُّ حينئذٍ للجنس، وهو كالنكرة معنَّى، وإنَّما الفرقُ بينهما حضوره في الذهن. وأجيبَ بأنَّه لا حاجةً إلى تعيين جنسه، فإنَّه ممَّا عُلِم من قوله تعالى: (يُخَيَّل)) إلخ، وإنَّما الغرضُ بعد تعيينه أنْ يُذْكَر أنَّه أمر مموَّةٌ لا حقيقة له، وهذا مما يعرف بالذوق. وقيل: نُكِّر ليُتَوسَّل به إلى تحقير المضاف. (١) التيسير ص ١١٢ و١٥٢، والنشر ٣٢١/٢، وقرأ حفص عن عاصم بإسكان اللام وتخفيف القاف. (٢) من رواية ابن ذكوان عنه، البحر المحيط ٦/ ٢٦٠، والتيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. الآية : ٦٩ ٣٨٧ وتُعقّب بأنَّه بعد تسليم إفادة ذلك تحقير المضاف: لا يناسبُ المقام، ولأنَّه يفيدُ انقسام السحر إلى حقيرٍ وعظيم، وليس بمقصود، وأيضاً ينافي ذلك قوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَجَءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، إلَّا أنْ يقال: عظمه من وجهٍ لا ينافي حقارتَه في نفسه، وهو المراد من تحقیره. وقيل: إنَّما نُكِّر لئلا يذهبَ الذهن إلى أنَّ المراد ساحرٌ معروف. فتدبر. وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن عليٍّ عليهم الرحمة: ((كيدَ» بالنصب على أنَّه مفعول ((صنعوا))، و((ما)) كافة(١). وقرأ حمزة والكسائيُّ، وأبو بحريَّة والأعمشُ، وطلحة وابنُ أبي ليلى، وخلف في اختياره، وابن عيسى الأصبهانيُّ، وابن جبير الأنطاكيُّ وابن جرير: ((سِحْر)) بكسر السين وإسكان الحاء(٢)، على معنى: ذي سحر، أو على تسمية الساحر سحراً مبالغةً، كأنَّه لتوغُّله في السحر صار نفسَ السحر. وقيل: على أنَّ الإضافة لبيان أنَّ الكيدَ من جنس السحر، وهذه الإضافةُ من إضافة العامِّ إلى الخاص، وهي على معنى اللام عند شارح ((الهادي))(٣)، وعلى معنى ((من)) على ما يفهم من ظاهر كلام الشريف في أول ((شرح المفتاح))، وتسمَّى إضافةً بيانيَّةً، ويحمل فيما وُجدت فيه المضافُ إليه على المضاف، ولا يشترط أن يكون بين المتضايفين عمومٌ وخصوص من وجهٍ، وبعضُهم شرط ذلك. وقوله تعالى شأنه: ﴿وَلَا يُفْلِعُ السَّاحِرُ﴾ أي: هذا الجنس ﴿حَيْثُ أَ ﴾﴾ حيثُ كان وأين أقبل، فـ ((حيث)) ظرفُ مكانٍ أريد به التعميم من تمام التعليل. ولم يتعرَّض لشأن العصا وكونها معجزةً إلهية، مع ما في ذلك من تقوية التعليل؛ للإيذان بظهور أمرها . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جندب بن عبد الله البجليّ قال: قال (١) البحر المحيط ٦/ ٢٦٠. (٢) البحر المحيط ٦/ ٢٦٠، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢، وقراءة خلف - من العشرة - في النشر ٣٢١/٢. (٣) هو الزنجاني الشافعي، تاج الدين عبد الوهاب بن إبراهيم المتوفى سنة (٦٥٥هـ). قال السيوطي في (بغية الوعاة)) ١٢٢/٢: هو صاحب شرح الهادي المشهور ... ومتن الهادي له أيضاً. سُوٌلاَطَّة ٣٨٨ الآية : ٧٠ رسول الله وَّل: ((إذا أخذتم الساحرَ فاقتلوه)) ثم قرأ: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ) قال: ((لا يؤمنُ حيث وجد))(١). وقرأت فرقةٌ: ((أين أتى))(٢). والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأْتِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فصيحةٌ معرِبةٌ عن جملٍ غنّيَّةٍ عن التصريح، أي: فزال الخوف، وألقى ما في يمينه، وصارت حيَّةً، وتلقفت حبالَهم وعصيّهم، وعلموا أنَّ ذلك معجزٌ، فألقيَ السحرةُ على وجوههم سجَّداً لله تعالى، تائبين، مؤمنين به عزَّ وجلَّ وبرسالة موسى عليه السلام. روي أنَّ رئيسهم قال: كنَّا نغلبُ الناس، وكانت الآلات تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأين ما ألقينا، فاستدلَّ بتغيُّر أحوال الأجسام على الصانع القدير العلیم، وبظهور ذلك على يد موسى عليه السلام على صحّة رسالته. وكأنَّ هاتيك الحبال والعصيَّ صارت هباءً منبثاً، وانعدامُها بالكليّة ممكنُ عندنا . وفي التعبير بـ ((ألقي)) دون: فسجد: إشارةٌ إلى أنَّهم شاهدوا ما أزعجَهم، فلم یتمالكوا حتى وقعوا على وجوههم ساجدین. وفيه إيقاظُ السامع لألطاف الله تعالى في نقله من شاء من عباده من غاية الكفر والعناد إلى نهاية الإيمان والسداد، مع ما فيه من المشاكلة والتناسب، والمرادُ أنَّهم أسرعوا إلى السجود. قيل: إنهم لم يرفعوا رؤوسهم من السجود حتى رأوا الجنَّة والنار والثوابَ والعقاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أنَّهم لما خرُّوا سجَّداً لله تعالى(٣) أراهم الله تعالى في سجودهم منازلَهم في الجنة(٤). واستبعد ذلك القاضي بأنَّه كالإلجاءِ إلى الإيمان، وأنه ينافي التكليف(٥). (١) الدر المنثور ٣٠٣/٤، وفيه: لا يأمن. بدل: لا يؤمن. (٢) البحر المحيط ٢٦١/٦، ونسبها الأخفش في معاني القرآن ٢/ ٦٣٠ لحرف ابن مسعود، وانظر تفسير الطبري ١١٢/١٦، وتهذيب اللغة ٥٥٠/١٥ . (٣) قوله: لله تعالى، ليس في (م). (٤) الدر المنثور ٣٠٣/٤. (٥) ونقل استبعاد القاضي لهذا القول أيضاً: الرازي في تفسيره ٨٦/٢٢. الآية : ٧١ ٣٨٩ وأجيب بأنَّه حيثُ كان الإيمان مقدَّماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء. وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنه لا ينافيه قولهم: ((إنَّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا)) إلخ؛ لأنَّ كون تلك المنازل منازلَهم باعتبار صدور هذا القول عنهم(١). ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مرَّ غير مرَّة ﴿ءَمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى (٨٥) تأخيرُ موسى عليه السلام عند حكاية كلامهم المذكور في سورة الأعراف المقدَّم فيه موسى عليه السلام؛ لأنه أشرفُ من هارون، والدعوةُ والرسالة إنَّما هي له أولاً وبالذات، وظهور المعجزة على يده عليه السلام لرعاية الفواصل. وجُوِّز أن يكون كلامهم بهذا الترتيب، وقدَّموا هارون عليه السلام؛ لأنَّه أكبرُ سنّاً. وقول السيد في ((شرح المفتاح)): إنَّ موسى أكبرُ من هارون عليهما السلام. سھوٌ. وإمَّا للمبالغة في الاحتراز عن التوقُّم الباطل من جهة فرعون وقومه(٢)، حيث كان فرعون ربَّى موسى عليه السلام، فلو قدَّموا موسى لربَّما توهّم اللعينُ وقومُه من أول الأمر أنَّ مرادَهم فرعون، وتقديمه في سورة ((الأعراف)» تقديمٌ في الحكاية لتلك النكتة . وجوَّز أبو حيَّان أن يكون ما هنا قول طائفةٍ منهم، وما هناك قول أخرى، وراعى كلٌّ نكتةً فيما فعل، لكنَّه لما اشترك القول في المعنى صحَّ نسبةُ كلٍّ منهما إلى الجميع(٣). واختيار هذا القول هنا لأنَّ أوفقُ بآيات هذه السورة. ﴿قَالَ﴾ أي: فرعون للسحرة: ﴿وَمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: لموسى، كما هو الظاهر. والإيمان في الأصل متعدٍّ بنفسه، ثمَّ شاع تعدِّيه بالباء؛ لما فيه من التصديق حتَّى صار حقيقةً، وإنَّما عُدِّيَ هنا باللام؛ لتضمينه معنى الانقياد، وهو يعدَّى بها، يقال: انقادَ له. لا الاتِّباع كما قيل؛ لأنَّه متعدٍّ بنفسه، يقال: اتبعه، ولا يقال: اتبع له. (١) تفسير أبي السعود ٢٨/٦. (٢) قوله: وقومه. ليس في الأصل. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢٦١. ٠٠ سُو ◌َلاَطفة ٣٩٠ الآية : ٧١ وفي ((البحر)): إنَّ (آمن)) يوصل بالباء إذا كان متعلَّقه الله عزَّ اسمه، وباللام إن كان متعلَّقه غيره تعالى في الأكثر، نحو: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. و﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَى﴾ إلخ [يونس: ٨٣]، ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، ﴿فَامَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦](١). وجوِّز أن تكون اللام تعليلية، والتقدير: آمنتم بالله تعالى لأجل موسى وما شاهدتم منه. واختاره بعضُهم، ولا تفکیك فیه کما توهّم. وقيل: يحتمل أنْ يكون ضمير ((له)) للربِّ عزَّ وجلَّ. وفي الآية حينئذٍ تفكيكٌ ظاهر . وقرأ الأكثر: ((أآمنتم)) على الاستفهام التوبيخيّ(٢). والتوبيخُ هو المراد من الجملة على القراءة الأولى أيضاً، لا فائدة الخبر أو لازمها. ﴿قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ أي: من غير إذني لكم في الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿لَنَفِّدَ اُلْبَحْرُ قَبْلَ أَن نَتَفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾ [الكهف: ١٠٩] لا أنَّ إذَنه لهم في ذلك واقعٌ بعدُ أو متوقّع. وفرَّق الطبرسيُّ بين الإذن والأمر بأنَّ الأمرَ يدلُّ على إرادة الآمرِ الفعلَ المأمور به، وليس في الإذن ذلك(٣). ﴿إِنَّهُ﴾ يعني موسى عليه السلام ﴿لَكِرَّكُمْ﴾ لعظيمكم في فنِّكم، وأعلمكم به، وأستاذكم ﴿الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السّخْرِّ﴾ كأنَّ اللعينَ وبَّخهم أوَّلاً على إيمانهم له عليه السلام من غير إذنه لهم ليرى قومه أنَّ إيمانهم غير معتدٍّ به، حيث كان بغير إذنه. ثم استشعر أن يقولوا: أيُّ حاجة إلى الإذن بعد أن صنعنا ما صنعنا، وصدرَ منه عليه السلام ما صدر، فأجاب عن ذلك بقوله: ((إنه)) إلخ، أي: ذلك غيرُ معتدٍّ به أيضاً؛ لأَنَّه أستاذُكم في السحر، فتواطأتم معه على ما وقع، أو علَّمكم شيئاً دون شيء، فلذلك غلبكم، فالجملةُ تعليلٌ لمحذوف. وقيل: هي تعليلٌ للمذكور قبل. وبالجملة قال ذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالسحرة في الإيمان لموسى عليه (١) البحر المحيط ٢٦١/٦. (٢) انظر التيسير ص ١١٢ و١٥٢، والنشر ٣٦٨/١-٣٦٩. (٣) مجمع البيان ١٦/ ١٢٣. الآية : ٧١ ٣٩١ السلام، ثمَّ أقبلَ عليهم بالوعيد المؤَّد حيث قال: ﴿فَأُقَطِعَنَ﴾ أي: إذا كان الأمر كذلك فأقسم لأقطعنَّ ﴿أَيدِیگُمْ وَأَنجُلگُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ وعليه عامَّة المفسرين، وهو تخصيصٌ من خارج، وإلَّا فيحتملُ أنْ يراد غير ذلك. و((من)) ابتدائية. وقال الطبرسيُّ: بمعنى ((عن)) أو ((على))(١). وليس بشيء. والمرادُ من الخلاف: الجانبُ المخالف، أو الجهة المخالفة. والجارُّ والمجرور حسبما يظهر متعلِّقٌ بـ ((أقطعن)). وقيل: متعلّق بمحذوفٍ وقعَ صفةً مصدرٍ محذوف، أي: تقطيعاً مبتدأً من جانب مخالفٍ، أو من جهةٍ مخالفة. وابتداءُ التقطيع من ذلك ظاهر. ويجوز أن يبقى الخلاف على حقيقته، أعني المخالفة، وجعله مبتدأ(٢) على التجوُّز، فإنَّه عارضَ ما هو مبدأ حقيقة. وجعل بعضهم الجارَّ والمجرور في حيِّز النصب على الحاليَّة، والمراد: لأقطعنَّها مختلفاتٍ. فتأمَّل. وتعيين هذه الكيفيَّة - قيل - للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعه لا محالةً بتعيين كيفيَّته المعهودة في باب السياسة، ولعل اختيارها فيها دونَ القطع من وفاق؛ لأنَّ فيه إهلاكاً وتفويتاً للمنفعة. وزعم بعضُهم أنها أفظع. ﴿وَلَأُصَلِيْنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها. وإيثارُ كلمة ((في)) للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً، تشبيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه. وعلى ذلك قوله : وهم صلبوا العبديَّ في جذع نخلةٍ فلا عطست شيبانُ إلَّا بأجدعًا(٣) وفيه استعارةٌ، والكلام في ذلك شهير. (١) مجمع البيان ١٦/ ١٢١ . (٢) في الأصل: مبدأ. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢١٦/٦. (٣) قائله: سويد بن أبي كاهل اليشكري كما في أمالي ابن الشجري ٦٠٦/٢، وشرح شواهد المغني ٤٧٩/١، وشرح أبيات المغني ٦٢/٤-٦٥. ونسبه البصري في حماسته ٨٠/١ لقراد بن حنش الصاردي. وهو بلا نسبة في أدب الكاتب ص ٥٠٦، والكامل ٢/ ١٠٠١. ٣٩٢ الآية : ٧١ وقيل: لا استعارة أصلاً؛ لأنَّ فرعون نقر جذوع النخل، وصلبهم في داخلها، ليموتوا جوعاً وعطشاً. ولا يكاد يصح، بل في أصل الصَّلب كلام، فقال بعضهم: إنَّه أنفذ فيهم وعيدَه وصَلَبَهم، وهو أوَّل من صَلَب، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿أَتُمَا وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]؛ لأنَّ المراد الغلبةُ بالحجَّةِ. وقال الإمام: لم يثبت ذلك في الأخبار، وأنت تعلم أنَّ الظاهر السلامة(١). وصيغة التفعيل في الفعلين للتكثير. وقرىء بالتخفيف فيهما(٢). ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (@)﴾ یرید من ((نا)) نفسَه وموسى عليه السلام، بقرينة تقدُّم ذكره في قوله تعالى: ((آمنتم له)) بناء على الظاهر فيه(٣)، واختار ذلك الطبريُّ(٤) وجماعة. وهذا إمَّا لقصدٍ توضيع موسى عليه السلام والهزء به؛ لأنَّه عليه السلام لم يكن من التعذيب في شيء، وإمّا لأنَّ إيمانهم لم يكن - بزعمه - عن مشاهدةِ المعجزة ومعاينة البرهان، بل كان عن خوفٍ من قبله عليه السلام، حيث رأوا ابتلاعَ عصاه لحبالهم وعصيِّهم، فخافوا على أنفسهم أيضاً. واختار أبو حيان أنَّ المرادَ من الغير الذي أشار إليه الضمير: ربُّ موسى عزَّ وجلَّ الذي آمنوا به بقولهم: ((آمنا برب هارون وموسى))(٥). والتعلمنَّ، هنا معلَّق، و«أيُّنا أشدُّ» جملةٌ استفهاميَّةٌ من مبتدأ وخبر في موضع نصبٍ سادَّةٌ مسدّ مفعوليه إن كان العلم على بابه، أو في موضع مفعولٍ واحدٍ له إنْ كان بمعنى المعرفة، ويجوزُ على هذا الوجه أن يكون ((أيُّنا)) مفعولاً - وهو مبنيٌّ على رأي سيبويه (٦) - و((أشدُّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أشدُّ، والجملة صلةُ ((أيّ)) والعائد الصدر، و((عذاباً)) تمييز. (١) انظر تفسير الرازي ٢٤/ ٢٥٠. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٨. وهي قراءة ابن محيصن. (٣) في (م): على الظرفية. (٤) في تفسيره ١١٦/١٦ . (٥) انظر البحر ٢٦١/٦. (٦) انظر الكتاب ٤٠٠/٢-٤٠١. / الآية : ٧٢ ٣٩٣ وقد استغنى بذكره مع ((أشد)) عن ذكره مع ((أبقى))، وهو مرادٌ أيضاً. واشتقاق ((أبقى)) من البقاء بمعنى الدوام. وقيل: لا يبعد - والله تعالى أعلم - أن يكون من البقاء بمعنى العطاء، فإنَّ اللعين كان يعطي لمن يرضاه العطايا، فيكون للآية شبهٌ بقول نمرود: (أَنَا أُخِيء وَأُمِيتٌ) (١). وهو في غاية البعد عند من له ذوقٌ سلیم. ثمَّ لا يخفى أنَّ اللعين في غاية الوقاحة ونهاية الجلادة، حيث أوعد وهذَّد، وأبرقَ وأرعدَ، مع قرب عهده بما شاهد من انقلاب العصا حيَّةً، ومالها من الآثار الهائلة، حتى إنَّها قصدت ابتلاع قبَّته، فاستغاث بموسى عليه السلام، ولا يبعد نحو ذلك من فاجر طاغٍ مثله. ﴿قَالُواْ﴾ غير مكترثين بوعيده: ﴿لَن تُؤْثِرَكَ﴾ لن نختارَك بالإيمان والانقياد ﴿عَلَى مَا جَآءَنَا﴾ من الله تعالى على يَدِ موسى عليه السلام ﴿مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ من المعجزاتِ الظاهرة التي اشتملَت عليها العصا. وإنَّما جعلوا المجيء إليهم - وإنْ عمَّ - لأنَّهم المنتفعون بذلك والعارفون به على أتمٍّ وجهٍ من غير تقليد. و (ما)) موصولة، وما بعدها صلتُها، والعائد: الضمير المستتر في ((جاء))، وقيل: العائد محذوف، وضمير ((جاءنا)) لموسى عليه السلام، أي: على الذي جاءنا به موسى عليه السلام. وفيه بعد، وإنْ كان صنيع بعضهم اختياره، مع أنَّ في صحة حذف مثل هذا المجرور كلاماً. ﴿وَلَّذِى فَطَرَبّ﴾ أي: أبدعنا وأوجدنا وسائرَ العلويَّات والسفليَّات. وهو عطفٌ على ((ما جاءنا))، وتأخيره لأنَّ ما في ضمنه آيةٌ عقليَّةٌ نظريّة، وما شاهدوه آيَّةٌ حسيَّةٌ ظاهرة. وإيرادُه تعالى بعنوان الفاطريّة لهم للإشعار بعلَّة الحكم، فإنَّ إبداعَه تعالی لهم، وكونَ فرعون من جملة مبدعاته سبحانه؛ ممَّا يوجبُ عدم إيثارهم إِيَّاه عليه عزَّ وجلَّ، وفيه تكذيبٌ للَّعين في دعواه الربوبية. (١) فيما حكاه الله سبحانه وتعالى عنه في سورة البقرة، الآية: ٢٥٨. ٣٩٤ الآية : ٧٢ وقيل: الواو للقسم، وجوابه محذوفٌ لدلالة المذكور عليه، أي: وحقّ الذي فطرنا لن نؤثرك .. إلخ. ولا مساغَ لكون المذكور جواباً عند من يجوِّزُ تقديم الجواب أيضاً؛ لما أنَّ القسم لا يُجاب - كما قال أبو حيان(١) - بـ ((لن)) إلَّا في شاذٍّ من الشعر. وقولهم هذا جوابٌ لتوبيخ اللعين بقوله: آمنتم .. إلخ. وقوله تعالى: ﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ﴾ جوابٌ عن تهديده بقوله: ((لأقطعنَّ)) إلخ، أي: فاصنع ما أنت بصددٍ صنعه، أو: فاحكم بما أنت بصدد الحكم به. فالقضاءُ إمَّا بمعنى الإيجاد الإبداعيّ، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وإمَّا بمعناه المعروف؛ وعلى الوجهين ليس المراد من الأمر حقيقته. و (ما)) موصولة، والعائد محذوف. وجوَّز أبو البقاء كونها مصدريَّةٌ(٢)، وهو مبنيٌّ على ما ذهب إليه بعضُ النحاة من جواز وصل المصدريَّة بالجملة الاسمية، ومنع ذلك بعضھم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الَْوَةَ الدُّنَّ ®﴾ مع ما بعده تعليلٌ لعدم المبالاة المستفاد ممَّا سبقَ من الأمر بالقضاء. و((ما)) كافَّةٌ، و((هذه الحياة)) منصوبٌ محلًّا على الظرفيَّة لـ ((تقضي))، والقضاء (٣) على ما مرَّ، ومفعوله محذوفٌ، أي: إنَّما تصنعُ ما تهواه، أو تحكم بما تراه في هذه الحياة الدنيا فحسب، وما لنا من رغبةٍ في عذبها ولا رهبةٍ من عذابها. وجوِّز أن تكون ((ما)) مصدريَّةً، فهي وما في حيِّزها في تأويل مصدر اسم ((إنَّ) وخبرُها: ((هذه الحياة)) أي: إنَّ قضاءك كائنٌ في هذه الحياة. وجُوِّز أنْ ينزل الفعلُ منزلة اللازم، فلا حذف. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ((إنما تُقْضَى)) بالبناء للمفعول ((هذه الحياةُ)) (١) في البحر ٢٦٢/٦. (٢) لم أجده في الإملاء. ونقله المصنف عن الشهاب الخفاجي في حاشيته ٦/ ٢١٧. (٣) لفظة: والقضاء. ليست في الأصل. الآية : ٧٣ ٣٩٥ بالرفع(١) على أنَّ اتُّسع في الظرف فجُعِلَ مفعولاً به، ثم بُني الفعلُ له، نحو: صِیم یومُ الخمیس. ﴿إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَبِنَا لِغْفِرَ لَنَا خَيْنَا﴾ التي اقترفناها من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الدار الآخرة، لا ليمتِّعنا بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثَّر بما أوعدتنا(٢) به. وقوله تعالى: ﴿وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّخْرِّ﴾ عطف على ((خطايانا))، أي: ويغفر لنا السحر الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام بإكراهك وحشرك إيَّانا من المدائن القاصية، خصُّوه بالذكر مع اندراجه في خطاياهم إظهاراً لغاية نفرتهم عنه، ورغبتهم في مغفرته. وذكر الإكراه للإيذان بأنَّه مما يجبُ أن يفردَ بالاستغفار مع صدوره عنهم بالإكراه، وفيه نوعُ اعتذارٍ لاستجلاب المغفرة. وقيل: إنَّ رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين، اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلُّم السحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أخذَ فرعونُ أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أنْ يتعلَّموا السحر، وقال: علِّموهم تعليماً لا يغلبهم أحدٌ من أهل الأرض، وهم من الذين آمنوا بموسى عليه السلام، وهم الذين قالوا: ((إنَّا آمنًا بربِّنا ليغفرَ لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر)) (٣). وقال الحسن: كان يأخذ وِلْدان الناس ويجبرهم على تعلُّم السحر. وقيل: إنَّه أكرههم على المعارضة، حيث روي أنَّهم قالوا له: أرنا موسى نائماً، ففعل، فوجدوه تحرسُه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإنَّ الساحرَ إذا نام بَطَل سحرُه، فأبى إلَّا أن يعارضوه، ولا ينافي ذلك قولهم: ﴿بِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ (١) البحر المحيط ٢٦٢/٦. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٨ عن أبي حيوة فقط . (٢) في الأصل: وعدتنا. والمثبت من (م) وهو الموافق لتفسير أبي السعود ٣٠/٦، والكلام منه . (٣) الدر المنثور ٣٠٣/٤. ٣٩٦ الآية : ٧٤، ٧٥، ٧٦ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] لاحتمال أنْ يكون قبل ذلك، أو تجلّداً، كما أنَّ قولهم: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣] قبله كما قيل. وزعم أبو عبيد أنَّ مجردَ أمر السلطان شخصاً إكراهٌ وإن لم يتوَّده(١). وإلى ذلك ذهب ساداتنا الحنفية، كما في عامَّة كتبهم؛ لما في مخالفة أمره من توقُّع المكروه، لاسيما إذا كان السلطانُ جبَّاراً طاغيةً. ﴿وَاللَّهُ غَيْرٌ﴾ في حدٍّ ذاته تعالى ﴿وَبْقَ ﴾﴾ أي: وأدوم جزاءً، ثواباً كان أو عقاباً، أو خيرٌ ثواباً وأبقى عذاباً . وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ﴾ إلى آخر الشرطيتين تعليلٌ من جهتهم لكونه تعالى شأنُه ((خيرٌ وأبقى)) وتحقيقٌ له، وإبطالٌ لما ادعاه اللعين. وتصديرُهما(٢) بضمير الشأن للتنبيه على فخامة مضمونهما(٣)، ولزيادة تقريرٍ له، أي: إنَّ الشأنَ الخطيرَ هذا، أي: قوله تعالى: ﴿مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا﴾ بأن ماتَ على الكفر والمعاصي ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فينتهي عذابُه، وهذا تحقيقٌ لكون عذابه تعالى أبقى ﴿وَلَا يَحْيَ (٧٤) حیاةً ينتفعُ بها . ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا﴾ به عزَّ وجلَّ، وبما جاءً من عنده من المعجزات التي من جملتها ما شاهدناه ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾ من الأعمال ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى ((من)) والجمعُ باعتبار معناها، كما أنَّ الإفراد فيما تقدَّم باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلوِّ درجتهم وبُعْدِ منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للأعمال ﴿لَّمْ﴾ بسبب إيمانهم وعملهم ذلك ﴿الدَّرَحَتُ اَلْعُلَى ﴾ أي: المنازل الرفيعة. الصالحات وجَّتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ((الدرجات العلى))، أو بيانٌ، وقد تقدَّم في ((عدن)). ﴿تَجْرِى مِنْ تَحِّهَا الْأَنْهَرُ﴾ حالٌ من الجنات، وقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ تحقیقٌ لكون (١) ذكر هذا القول الرازي في تفسيره ٩٩/٢٢، والنيسابوري في الغرائب ١٤٢/١٦، وابن عادل في اللباب ٣٢٦/١٣ عن عمرو بن عبيد، وضعفوه. (٢) في الأصل: وتصديرها، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦/ ٣٠، والكلام منه. (٣) في الأصل: مضمونها، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦/ ٣٠، والكلام منه. الآية : ٧٦ ٣٩٧ سُؤََّلاَ طَّ ثوابه تعالى أبقى، وهو حالٌ من الضمير في ((لهم))، والعاملُ فيه معنى الاستقرار في الظرف، أو ما في ((أولئك)) من معنى: أشير، والحال مقدَّرة. ولا يجوز أن يكون ((جنات)) خبر مبتدأ محذوف، أي: هي جنات؛ لخلوٍ الكلام حينئذٍ عن عامل في الحال على ما ذكره أبو البقاء(١). ﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذكر، ومعنى البعد لما أشير إليه من قُربٍ من التفخيم. ﴿جَزَآءُ مَنْ تَزََّى ®﴾ أي: تطهّر من دنس الكفر والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة. وهذا تصريحٌ بما أفادته الشرطية. وتقديم ذكر حال المجرم؛ للمسارعة إلى بيان أشدِّيَّة عذابه عزَّ وجلَّ ودوامه، ردّاً على ما ادَّعاه فرعون بقوله: ((أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى)). وقال بعضهم: إنَّ الشرطيَّتين إلى هنا ابتداءُ كلام منه جلَّ وعلا تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون، وحسن ما فعل السحرة، والأَوَّل أولى خلافاً لما حسبه النيسابوريّ(٢). هذا، واستدلَّ المعتزلةُ بالشرطيَّة الأولى على القطع بعذاب مرتكب الكبيرة، قالوا: مرتكبُ الكبيرة مجرمٌ؛ لأنَّ أصل الجرم قطعُ الثمرة عن الشجرة، ثم استعيرَ لاكتساب المكروه، وكلُّ مجرم فإنَّ له جهنم للآية، فإن ((من)) الشرطية فيها عامَّةٌ بدليل صحة الاستثناء، فينتج مرتكب الكبيرة أنَّ له جهنم، وهو دالٌّ على القطع بالوعید. وأجابَ أهل السنة بأنَّا لا نسلم الصغرى؛ لجواز أنْ يراد بالمجرم الكافر، فكثيراً ما جاء في القرآن بذلك المعنى، كقوله تعالى: ﴿يََّلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَكُنّا تُكَذِّبُ بِّوْمِ الذِيْنِ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخر السورة [المطففين: ٢٩-٣٦]. وعلى تقدير تسليم هذه المقدمة لا نسلِّم الكبرى على إطلاقها، وإنَّما هي كليةٌ بشرط عدم العفو، مع أنَّا لا نسلم أنَّ (من)) الشرطيّة قطعيَّةٌ في (١) الإملاء ١٢٤/٢-١٢٥. (٢) في غرائب القرآن ١٦/ ١٤٢. ٣٩٨ الآية : ٧٦ العموم، كما قال الإمام(١)، وحينئذٍ لا يحصل القطعُ بالوعيد مطلقاً. وعلى تقدير تسليم المقدِّمتين يقال: يعارِضُ ذلك الدليلَ عمومُ الوعد في قوله تعالى: ((ومن يأته مؤمناً» إلخ، ويجعل الكلام فيمن آمن وعمل الصالحات وارتكب الكبيرة، وهو داخلٌ في عموم: ((من يأته مؤمناً قد عمل الصالحات)) ولا يخرجه عن العموم ارتكابُه الكبيرة، ومتى كانت له الجنة، فهي لمن آمن وارتكبَ الكبيرة ولم يعمل الأعمال الصالحة أيضاً، إذ لا قائل بالفرق. فإذا قالوا: مرتكب الكبيرة لا يقال له مؤمنٌ كما لا يقال كافر؛ لإثباتهم المنزلةَ بين المنزلتين، فلا يدخلُ ذلك في العموم، أبطلنا ذلك، وبرهنًّا على حصر المكلّف في المؤمن والكافر، ونفي المنزلة بين الإيمان والكفر بما هو مذكورٌ في محلِّه. وعلى تقدير تسليم أنَّ (من يأته مؤمناً) إلخ لا يعمُّ مرتكب الكبيرة يقال: إنَّ قوله تعالى: ((فأولئك لهم الدرجات العلى)» يدلُّ على حصول العفو لأصحاب الكبائر؛ لأنَّه تعالى جعلَ الدرجات العلى وجنات عدن لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة، فسائر الدرجات الغير العالية والجنان لا بدَّ أن تكون لغيرهم، وما هم إلَّا العصاةُ من أهل الإيمان. ولقد أخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلٍ: ((إنَّ أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكبَ الدريَّ في أفق السماء، وإنَّ أبا بكرٍ وعمرَ منهم وأنعما))(٢). واستُدلَّ على شمولِ ((من يأته مؤمناً)) صاحبَ الكبيرة بقوله تعالى: ((وذلك جزاءُ من تزَّى)، بناءً على ما روي عن ابن عباس رضي﴾ما من أنَّ المرادَ بمن تزَّى: من قال: لا إله إلا الله. كأنَّه أراد: من تطهّر عن دَنَسِ الكفر. والله تعالى أعلم. ثم إنَّ العاصيَ إذا دخلَ جهنّم لا يكونُ حاله كحال المجرم الكافر إذا دخلها، بل قيل: إنَّه يموتُ؛ احتجاجاً بما أخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابنُ مردويه (١) تفسير الرازي ٢٢/ ٩١. (٢) الدر المنثور ٣٠٣/٤، وهو في سنن أبي داود (٣٩٨٧). وأخرجه أيضاً الترمذي (٣٦٥٨)، وابن ماجه (٩٦)، وأحمد (١١٢٠٦). وأخرج نحوه البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١) من حديث أبي سعيد أيضاً، وليس فيه ذكر أبي بكر وعمر. وقوله: وأنعما: أي: زادا وفضلا. وقيل: دخلا في النعيم. تهذيب الأسماء واللغات ٢٣/٢ - طبعة دار الفيحاء. الآية : ٧٧ ٣٩٩ سُوَلاطفة عن أبي سعيد الخدريّ: أنَّ رسول الله وَّفيه خطب فأتى على هذه الآية ((إنه من يأت)) إلخ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أمَّا أهلُها - يعني جهنم ـ الذين هم أهلُها فإِنَّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأمَّا الذين ليسوا بأهلها، فإنَّ النار تميتُهم إماتةً، ثمَّ يقومُ الشفعاء فيشفعون، فيؤتَى بهم ضبائر على نهرٍ يقال له: الحياة، أو: الحيوان، فينبتون كما تنبتُ القثاء بحميل السيل)»(١). وحمل ذلك القائلُ («تميتهم)) فيه على الحقيقة، وجعل المصدر تأكيداً لدفع توهم المجاز، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وذكر أنَّ فائدةَ بقائهم في النار بعد إماتتهم إلى حيثُ شاء الله تعالى حرمانُهم من الجنة تلك المدة، وذلك منضمٌّ إلى عذابهم بإحراق النار إِيًّاهم. وقال بعضُهم: إنَّ (تميتهم)) مجازٌ، والمراد أنَّها تجعلُ حالهم قريبةً من حال الموتى بأنْ لا يكونَ لهم شعورٌ تامٌّ بالعذاب. ولا يُسلَّم أنَّ ذكر المصدر ينافي التجوُّز، فيجوز أن يقال: قتلتُ زيداً بالعصا قتلاً، والمراد: ضربتُه ضرباً شديداً. ولا يصحُّ أن يقال: المصدرُ لبيان النوع، أي: تميتهم نوعاً من الإماتة؛ لأنَّ الإماتةَ لا أنواع لها، بل هي نوعٌ واحد، وهو إزهاق الروح، ولهذا قيل: ومن لم يمتْ بالسيفِ مات بغيره تعدَّدتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ(٢) واستدلَّ المجسِّمةُ بقوله سبحانه: ((إنَّه من يأت ربه)» على ثبوت مكانٍ له تعالى شأنُه. وأجيبَ بأنَّ المرادَ من إتيانه تعالى إتيانُ موضع وعده عزَّ وجلَّ، أو نحو ذلك. ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ حكايةٌ إجماليَّةٌ لما انتهى إليه أمرُ فرعون وقومه، وقد طوى في البين ذكرَ ما جرى عليهم بعد أنْ غُلِبت السحرةُ من الآيات المفصّلة الظاهرة على يد موسى عليه السلام في نحو من عشرين سنة، حسبما فضَّل في سورة الأعراف، وكان فرعون كلما جاءت آيةٌ وعد أنْ يُرسِل بني إسرائيل عند (١) الدر المنثور ٣٠٣/٤، وهو في صحيح مسلم (١٨٥)، ومسند أحمد (١١٠٧٧)، والضبائر هم الجماعات في تفرقة، واحدتها: ضبارة ... وكل مجتمع ضبارة. النهاية (ضبر). (٢) البيت لابن نباته السعدي، وسلف عند تفسير الآية: ١٢٥ من سورة الأعراف. سُو ◌َلاطفة ٤٠٠ الآية : ٧٧ انكشاف العذاب، حتى إذا انكشف نكثَ، فلمَّا كَمَلت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ . وتصدير الجملة بالقسم؛ لإبراز كمال العناية بمضمونها. و((أن)) إمَّا مفسرةٌ لما في الوحي من معنى القول، وإمَّا مصدريَّةٌ حذف منها(١) الجارُّ، والتعبيرُ عن بني إسرائيل بعنوان العبودية لله تعالى؛ لإظهار الرحمة والاعتناء بأمرهم، والتنبيهِ على غايةٍ قبح صنيع فرعون بهم، حيث استعبدَهم وهم عبادُه عزَّ وجلَّ، وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل، ولم يراقب فيهم مولاهم الحقيقي جلَّ جلاله. والظاهر أنَّ الإيحاء بما ذُكر وكذا ما بعده كان بمصر، أي: وبالله تعالى لقد أوحينا إليه - عليه السلام - أنْ أسر(٢) بعبادي الذين أرسلتُك لإنقاذهم من ملكة فرعون من مصر ليلاً ﴿فَأَضْرِبْ لَمْ﴾ بعصاك ﴿طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ﴾ مفعولٌ به لـ ((اضرب)» على الاتِّساع، وهو مجازٌ عقليٍّ، والأصل: اضرب البحرَ ليصير لهم طريقاً ﴿يَسَا﴾ أي: يابساً، وبذلك قرأ أبو حيوة(٣)، على أنَّه مصدرٌ جُعِلَ وصفاً لـ ((طريقاً)) مبالغة، وهو يستوي فيه الواحدُ المذكر وغيره. وقرأ الحسن: ((يُبْساً)) بسكون الباء (٣)، وهو إمَّا مخفَّفٌ منه بحذف الحركة، فيكون مصدراً أيضاً، أو صفةٌ مشبَّهةٌ، كصعب، أو جمع يابس، كصَحْب وصَاحب، ووصف الواحدُ به للمبالغة، وذلك أنَّه جعل الطريق لفرط يبسها كأشياء يابسة، كما قيل في قول القطاميّ: كأنَّ قتودَ رحلي حين ضُمَّت حوالِبِ غُرَّزاً ومِعَّى جياعا (٤) إِنَّه جعل المِعَى لفرط جوعه كجماعةٍ جياع. (١) في (م) وتفسير أبي السعود ٣١/٦: عنها. (٢) في (م): سر. (٣) القراءات الشاذة ص ٨٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٦٤. (٤) ديوان القطامي ص ٤١. وفيه: نسوع. بدل: قتود. قال الخفاجي في حاشيته ٢١٨/٦: القتود: جمع قتد، وهو خشب الرحل، ويجمع على أقتاد، والرحل ما يوضع على الناقة، والمراد به الناقة هنا. والحوالب بالحاء المهملة جمع حالب، والحالبان عرقان يكتنفان السرة. وغرزاً: جمع غارز بالغين المعجمة وتقديم الراء المهملة على الزاي المعجمة، وهي الناقة التي قلَّ لبنها .