النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٥٩ ٣٦١ سُوَلاَطَنْ وقيل: يوم سوقٍ لهم. وقيل: يوم السبت، وكان يوم راحةٍ ودَعَةٍ فيما بينهم، كما هو اليوم كذلك بين اليهود، وظاهر صنيع أبي حيَّان اختيارُ أنه يومُ عيدٍ صادف يوم عاشوراء، وكان يوم سبت(١). والظاهر أنَّ الموعد ها هنا اسمُ زمان للإخبار عنه بـ ((يوم الزينة))، أي: زمانُ وعدكم اليومُ المشتهر فيما بينكم، وإنَّما لم يصرِّح عليه السلام بالوعد بل صرَّح بزمانه، مع أنَّه أولُ ما طلبَه اللعين منه عليه السلام؛ للإشارة إلى أنَّه عليه السلام أرغبُ منه فيه؛ لما يترتَّب عليه من قطع الشبهة وإقامة الحجَّة، حتى كأنَّه وقع منه عليه السلام قبل طلبه إيَّه، فلا ينبغي له طلبه، وفيه إيذانٌ بكمال وثوقه من أمره، ولذا خَصَّ عليه السلام من بين الأزمنة يومَ الزينة الذي هو يومٌ مشهود، وللاجتماع معدود، ولم يذكر عليه السلام المكان الذي ذكره اللعين؛ لأنَّه بناء على المعنى الأول والثالث فيه إنَّما ذكره اللعين إيهاماً للتفضُّل عليه عليه السلام، يريدُ بذلك إظهار الجلادة، فأعرض عليه السلام عن ذكره مكتفياً بذكر الزمان المخصوص، للإشارة إلى استغنائه عن ذلك، وأنَّ كلَّ الأمكنة بعد حصول الاجتماع بالنسبة إليه سواء. وأمَّا على المعنى الثاني فيحتمل أنَّه عليه السلام اكتفى عن ذلك بما يستدعيه يوم الزينة، فإنَّ من عادة الناس في الأعياد في كلِّ وقتٍ وكلِّ بلدِ الخروجُ إلى الأمكنة المستوية والاجتماع في الأرض السهلة التي لا يمنعُ فيها شيءٌ عن رؤية بعضهم بعضاً . وبالجملة فقد أخرج عليه الصلاة والتسليم جوابَه على الأسلوب الحكيم، ولله تعالى دَرُّ الكليم ودُرُّه النظيم. وقيل: الموعدُ ها هنا مصدرٌ أيضاً، ويقدَّر مضاف لصحة الإخبار، أي: وعدكم وعدُ يوم الزينة، ويكتفى عن ذكر المكان بدلالة ((يوم الزينة)) عليه. وقيل: الموعد في السؤال اسم مكان، وجعلُه مخلفاً على التوسُّع، كما في قوله : (١) البحر ٢٥٤/٦. سُورَةً طَّ ٣٦٢ الآية : ٥٩ ويوماً شهدنا(١). أو الضمير في ((لا نخلفه)) للوعد الذي تضمَّنه اسمُ المكان، على حدٍّ: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أو للموعد بمعنى الوعد على طريق الاستخدام. والجملة في الاحتمالين معترضة. ولا يجوزُ أن تكون صفةً، إذ لا بدَّ في جملة الصفة من ضميرٍ يعودُ على الموصوف بعينه، والقول بحذفه ليس بشيء، و((مكاناً)) - على ما قال أبو عليّ(٢) - مفعولٌ ثانٍ لـ ((اجعل))، وقيل: بدل أو عطف بيان. والموعد في الجواب اسم زمان، ومطابقةُ الجواب من حيث المعنى، فإنَّ ((يوم الزينة)» يدلُّ على مكانٍ مشتهرٍ باجتماع الناس فيه يومئذٍ، أو هو اسمُ مكانٍ أيضاً، ومعناه مكان وقوع الموعود به، لا مكان لفظ الوعد كما توهم، ويُقدَّر مضافٌ لصحة الإخبار، أي: مكان يوم الزينة، والمطابقةُ ظاهرة. وقيل: الموعد في الأول مصدرٌ، إلَّا أنَّه حُذف منه المضاف، أعني: مكان، وأقيم هو مقامه، ويجعل ((مكاناً) تابعاً للمقدَّر أو مفعولاً ثانياً. وفي الثاني إمَّا اسمُ زمانٍ، ومعناه: زمان وقوع الموعود به، لا لفظ الوعد، کما یرشد إليه قوله: قالوا الفراق فقلت موعده غد(٣) والمطابقة معنويَّة. وإمَّا اسم مكان، ويقدّر مضافٌ في الخبر، والمطابقة ظاهرةٌ كما سمعت. وإمَّا مصدرٌ أيضاً ويقدَّر مضافان؛ أحدُهما في جانب المبتدأ، والآخر في جانب الخبر، أي: مكان وعدكم مكان يوم الزينة، وأمر المطابقة لا يخفى. (١) البيت بتمامه : ويوماً شهدناه سليماً وعامراً قليلاً سوى طعن النّهال نوافله وسلف ٢٨٤/١. (٢) انظر الحجة القراء السبعة ص ٢٢٤-٢٢٦. (٣) أورده الخفاجي في حاشيته ٦/ ٢١٠ دون نسبة. الآية : ٥٩ ٣٦٣ سُوْدَلاً طفة وقيل: يقدَّر في الأول مضافان، أي: مكان إنجاز وعدكم، أو مضافٌ واحدٌ لكن تعتبر (١) الإضافة لأدنى ملابسة، والأظهر تأويلُ المصدر بالمفعول، وتقدير مضافٍ في الثاني، أي: موعودكم مكان يوم الزينة، وهو مبنيٌّ على توهّمٍ باطلٍ أشرنا إليه . وقيل: هو في الأول والثاني اسم زمان، و((لا نخلفه)) من باب الحذف والإيصال، والأصل: لا نخلفُ فيه، و((مكاناً)) ظرف لـ ((اجعل))، وإلى هذا أشار في ((الكشف))، فقال: لعلَّ الأقربَ مأخذاً أن يجعل المكانُ مخلفاً على الاتساع، والطباق من حيث المعنى، أو المعنى: اجعل بيننا وبينك في مكانٍ سوى منصف(٢) زمانِ وعد لا نخلفُ فيه، فالمطابقةُ حاصلةٌ لفظاً ومعنَى، و((مكاناً)» ظرف لغو. انتھی. واعترض بما لا يخفى ردُّه على من أحاطَ خُبراً بأطراف كلامنا، وأنت تعلمُ أنَّ الاحتمالات في هذه الآية كثيرةٌ جدّاً، والأولى منها ما هو أوفقُ بجزالة التنزيل مع قلَّة الحذف، والخلوِّ عن نزع الخُفِّ قبل الوصول إلى الماء. فتأمَّل. وقرأ الحسنُ والأعمش، وعاصم في روايةٍ، وأبو حيوة وابنُ أبي عبلة، وقتادة والجحدريُّ، وهبيرة والزعفرانيُّ: ((يومَ الزينة)) بنصب (يوم))(٣)، وهو ظاهرٌ في أنَّ المرادَ بالموعد المصدرُ؛ لأنَّ المكانَ والزمان لا يقعان في زمانٍ؛ بخلاف الحدث؛ أمَّا الأول، فلأنَّه لا فائدةَ فيه لحصوله في جميع الأزمنة، وأمَّا الثاني: فلأنَّ الزمانَ لا يكون ظرفاً للزمان ظرفيَّةً حقيقيّةً؛ لأنَّه يلزمُ حلولُ الشيء في نفسه، وأمَّا مثل: ضحى اليوم في اليوم، فهو من ظرفيَّة الكلِّ لأجزائه، وهي ظرفيَّةٌ مجازيَّة، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، كذا قيل، وفيه منعٌ ظاهر . وقيل: إنَّه يستدلُّ بظاهر ذلك على كون الموعد أولاً مصدراً أيضاً؛ لأنَّ الثاني عينُ الأول لإعادة النكرة معرفةً، وفي ((الكشف)): لعلَّ الأقرب مأخذاً على هذه (١) في (م): تصير. (٢) في حاشية الشهاب ٦/ ٢١٠: منتصف. (٣) البحر المحيط ٢٥٤/٦، وانظر المحتسب ٥٣/٢، وتفسير القرطبي ٨٥/١٤. وقراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجمهور. الآية : ٥٩ ٣٦٤ القراءة أنْ يجعل الأوَّلُ زماناً، والثاني مصدراً، أي: وعدكم كائنٌ يوم الزينة. والجوابُ مطابقٌ معنّى دون تكلُّف، إذ لا فرق بين زمان الوعد يوم كذا رفعاً، وبين الوعد يوم كذا نصباً في الحاصل، بل هو من الأسلوب الحكيم لاشتماله على زيادة. · عطفٌ على ((الزينة)). وقيل: على (٥٩) (يوم)). والأول أظهرُ؛ لعدم احتياجه إلى التأويل. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَّى وانتصب ((ضحى)) على الظرف، وهو ارتفاعُ النهار، ويؤنَّثُ ويذكَّر، والضَّحاء بفتح الضاد ممدودٌ مذكَّر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. وجوِّز على القراءة بنصب ((يوم)) أن يكون (موعدكم)) مبتدأ بتقدير وقتٍ مضافٍ إليه، على أنَّه من باب: أتيتك خفوقَ النجم، والظرف متعلّق به، و((ضحى)) خبره، على نية التعريف فيه؛ لأنَّه ضحى ذلك اليوم بعينه، ولو لم يعرَّف لم يكن مطابقاً لمطلبهم، حيث سألوه عليه السلام موعداً معيَّناً لا يخلف وعده. وقيل: يجوز أن يكون الموعدُ زماناً، و((ضحّى)) خبره، و((يوم الزينة)) حالاً مقدَّماً، وحينئذٍ يُستغنى عن تعريف ضحى. وليس بشيء. ثمَّ إنَّ هذا التعريف بمعنى التعيين معنًى، لا على معنى جعل ((ضحى)) أحدَ المعارف الاصطلاحية كما قد يتوهّم. وقال الطيبيُّ: قال ابن جنِّي: يجوزُ أن يكون ((أن يحشر)) عطفاً على الموعد، كأنَّه قيل: إنجازُ موعدكم وحشرُ الناس ضحى في يوم الزينة، وكأنَّه جَعَلَ الموعدَ عبارةً عمَّا يتجدَّد(١) في ذلك اليوم من الثواب والعقاب وغيرهما سوى الحشر، ثمَّ عَطفَ الحشرَ عليه عطفَ الخاصِّ على العام. اهـ. وهو كما ترى. وقرأ ابنُ مسعود والجحدريُّ وأبو عمران الجونيُّ وأبو نهيك وعمرو بن فائد(٢): (تَحشُر الناسَ)) بتاء الخطاب، ونصب ((الناس))(٣)، والمخاطَبُ بذلك (١) في مطبوع المحتسب ٥٣/٢: يتحدد. (٢) في (م) والأصل: قائد، والمثبت هو الصواب. (٣) البحر المحيط ٢٥٤/٦، وانظر القراءات الشاذة ص ٨٨. الآية : ٦٠، ٦١ ٣٦٥ فرعون، وروي عنهم أنَّهم قرؤوا بياء الغيبة ونصب ((الناس))(١)، والضمير في (يَحشر)) على هذه القراءة، إمَّا لفرعون، وجيء به غائباً على سنن الكلام مع الملوك، وإمَّا لليوم، والإسناد مجازيّ، كما في: صام نهاره، وقال صاحب ((اللوامح)): الفاعلُ محذوفٌ للعلم به، أي: وأن يَحشر الحاشرُ الناسَ. وأنت تعلم أنَّ حذفَ الفاعل في مثل هذا لا يجوز عند البصريين، نعم قيل في مثله: إنَّ الفاعلَ ضميرٌ يرجعُ إلى اسم الفاعل المفهوم من الفعل. ﴿فَتَوَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: انصرف عن المجلس. وقيل: تولَّى الأمر بنفسه. وليس بذاك. وقيل: أعرض عن قبول الحقِّ. وليس بشيء. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي: ما يُكاد به من السحرة وأدواتهم، أو ذوي كيده. ﴿ثُمَّ أَ ﴾﴾ أي: الموعدَ ومعه ما جمعه. وفي كلمة التراخي إيماء إلى أنَّه لم يُسارع إليه، بل أتاه بعد بطءٍ وتلعثم. ولم يذكر سبحانه إتيان موسى عليه السلام بل قال جلَّ وعلا: ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى﴾ للإيذان بأنَّه أمرٌ محقَّقٌ غنيٌّ عن التصريح به، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: فماذا صنع موسى عليه السلام عند إتيان فرعون بمن جمعه من السحرة؟ فقيل: قال لهم بطريق النصيحة: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن تَدعوا آياته التي ستظهرُ على يديَّ سحراً كما فعل فرعون ﴿فَيُسْحِتَكُ﴾ أي: يستأصلَكم بسبب ذلك ﴿يِعَذَابٍ﴾ هائلٍ لا يُقَادر قدره. وقرأ جماعةٌ من السبعة وابن عباس: ((فَيَسحَتكم)) بفتح الياء والحاء من الثلاثي على لغة أهل الحجاز(٢). والإسحاتُ لغة نجدٍ وتميم، وأصلُ ذلك استقصاء الحلقِ للشعر، ثمَّ استعمل في الإهلاك والاستئصال مطلقاً . ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ﴾﴾ أي: على الله تعالى كائناً من كان بأيِّ وجهٍ كان، فيدخل فيه الافتراء المنھيُّ عنه دخولاً أوَّلًّا، أو: قد خاب فرعون المفتري، فلا تكونوا (١) البحر المحيط ٢٥٤/٦، وانظر القراءات الشاذة ص ٨٨، والمحتسب ٥٤/٢. (٢) هي قراءة نافع وشعبة عن عاصم وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو من السبعة. وقرأ بها من باقي العشرة أبو جعفر، وروح عن يعقوب. انظر التيسير ص ١٥١، والنشر ٢/ ٣٢٠. سُؤَلاَ طَّْ ٣٦٦ الآية : ٦٢، ٦٣ مثْلَه في الخيبة وعدم نجح الطّلبة، والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها . ﴿فَعُواْ﴾ أي: السحرةُ حين سمعوا كلامَه عليه السلام، كأنَّ ذلك غاظهم فتنازعوا ﴿أَمَرَهُم﴾ الذي أريد منهم(١) من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في كيفيَّة المعارضة، وتجاذَبوا أهدابَ القول في ذلك ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى ﴾ بالغوا في إخفاء كلامهم عن(٢) موسى وأخيه عليهما السلام؛ لئلا يقفا عليه فيدافعاه. وكان نجواهم - على ما قاله جماعةٌ منهم الجبائيُّ وأبو مسلم - ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ أي: بطريق التناجي والإسرار ﴿إِنّ هَذَنِ لَسَحِرَنِ﴾ إلخ، فإنَّه تفسيرٌ لذلك، ونتيجةُ التنازع، وخلاصةُ ما استقرَّت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور. وقيل: كان نجواهم أنْ قالوا حين سمعوا مقالةً موسى عليه السلام: ما هذا بقول ساحر، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق. وقيل: كان ذلك أنْ قالوا: إنْ غلبَنَا موسى اتّبعناه، ونقل ذلك عن الفرَّاء والزَّجَّاج(٣). وقيل: كان ذلك أنْ قالوا: إنْ كان هذا ساحراً فسنغلبُه، وإنْ كان من السماء فله أمر، وروي ذلك عن قتادة. وعلى هذه الأقوال يكونُ المراد من ((أَمْرَهم)) أمرَ موسى عليه السلام، وإضافتُه إليهم لأدنى ملابسة، لوقوعه فيما بينهم واهتمامهم به، ويكون إسرارهم من فرعون وملئه، ويحملُ قولهم: ((إنْ هذان لساحران)» إلخ على أنَّهم اختلفوا فيما بينهم من الأقاويل المذكورة، ثمّ استقرَّت(٤) آراؤهم على ذلك، وأبَوا إلَّ المناصبةَ للمعارضة. وهو كلامٌ مستأنفٌ استئنافاً بيانياً، كأنَّه قيل: فماذا قالوا للناس بعد تمام التنازع؟ فقيل: ((قالوا إنْ هذان)) إلخ. (١) قوله: أريد منهم. ليس في الأصل. (٢) في (م): من. (٣) معاني القرآن للزجاج ٣٦١/٣. (٤) في الأصل: استقلّت. الآية : ٦٣ ٣٦٧ وجَعْلُ الضمير في ((قالوا)» لفرعون وملئه على أنَّهم قالوا ذلك للسحرة ردّاً لهم عن الاختلاف، وأمراً بالإجماع والإزماع وإظهار الجلادة، مخلٌّ بجزالة النظم الکریم، کما یشهد به الذوق السليم. نعم لو جُعِل ضميرُ ((تنازعوا)) والضمائر الذي بعدَه لهم - كما ذهب إليه أكثر المفسرين أيضاً - لم يكن فيه ذلك الإخلال. و ((إنْ)) مخففةٌ من ((إنَّ»، وقد أهملت عن العمل، واللام فارقة. وقرأ ابن كثير بتشديد نون ((هذانٌ))(١)، وهو على خلاف القياس؛ للفرق بين الأسماء المتمكّنة وغيرها . وقال الكوفيون: ((إن)) نافية، واللام بمعنى ((إلَّا))، أي: ما هذان إلَّا ساحران، ويؤيِّده أنَّه قُرئ كذلك، وفي روايةٍ عن أبيّ أنَّه قرأ: ((إنْ هذان إلَّا ساحران))(٢). وقُرِئ: ((إن ذان)) بدون هاء التنبيه ((إلَّا ساحران)) وعزاها ابن خالويه إلى عبد الله(٣)، وبعضُهم إلى أبيّ(٤)، وهي تؤيِّدُ ذلك أيضاً. وقرئ: ((إنْ ذان لساحران)) بإسقاط هاء التنبيه فقط(٥). وقرأ أبو جعفر والحسنُ وشيبة والأعمش وطلحة وحميد وأيوب وخلف في اختياره وأبو عبيد وأبو حاتم وابن عيسى الأصبهانيّ وابن جرير وابن جُبير الأنطاكي والأخوان والصاحبان من السبعة(٦): ((إنَّ) بتشديد النون، ((هذان)) بألف ونون خفيفة(٧). (١) التيسير ص ١٥١، والنشر ٣٢١/٢. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٦١/٣. (٣) القراءات الشاذة ص ٨٨. (٤) كالفراء في معاني القرآن ١٨٤/٢، والزمخشري في الكشاف ٥٤٣/٢. (٥) البحر المحيط ٢٥٥/٦. (٦) قراءة الأخوين - حمزة والكسائي - والصاحبين - نافع وابن عامر - في التيسير ص ١٥١، والنشر ٣٢٠/٢-٣٢١. وقرأ بها من السبعة أيضاً عاصم في رواية أبي بكر. (٧) البحر المحيط ٢٥٥/٦، وقراءة أبي جعفر وخلف في اختياره في النشر ٣٢٠/٢-٣٢١ وقرأ بها من العشرة أيضاً يعقوب. : الآية : ٦٣ ٣٦٨ واستشكلت هذه القراءة حتى قيل: إنَّها لحنٌّ وخطأ؛ بناءً على ما أخرجَه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشةً عن لحن القرآن، عن قوله تعالى: (إِنْ هَذَانِ لَسَحِزَنٍ)، وعن قوله تعالى: ﴿ وَالْقِيِمِينَ الضَلَوَةُ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢] وعن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَُّونَ﴾ [المائدة ٦٩] فقالت: يا ابن أخي، هذا عملُ الكتَّاب، أخطؤوا في الكتاب(١) . وإسناده صحيحٌ على شرط الشيخين كما قال الجلال السيوطي(٢). وهذا مشكلٌ جدّاً، إذ كيف يُظَنُّ بالصحابة أوَّلاً أنَّهم يلحنون في الكلام، فضلاً عن القرآن، وهم الفصحاء اللَّدُّ، ثمَّ كيف يظنُّ بهم ثانياً الغلطُ في القرآن الذي تلقَّوه من النبيِّ وَ ﴿ كما أنزل، ولم يألوا جهداً في حفظه وضبطه وإتقانه، ثمَّ كيف يظنُّ بهم ثالثاً اجتماعُهم كلِّهم على الخطأ وكتابته، ثمَّ كيف يظنُّ بهم رابعاً عدمُ تنبههم ورجوعهم عنه، ثمَّ كيف يظنُّ خامساً الاستمرارُ على الخطأ، وهو مرويٌّ بالتواتر خلفاً عن سلف، ولو ساغَ مثلُ ذلك لارتفعَ الوثوق بالقرآن. وقد خُرِّجَت هذه القراءةُ على وجوه: الأول: أنَّ ((إن)) بمعنى ((نعم))، وإلى ذلك ذهبَ جماعةٌ منهم المبرِّد والأخفش الصغير، وأنشدوا قوله: ح يلمنني وألومُهنَّه بكر العواذل في الصَّبو ك وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ(٣) ويقلنَ شيبٌ قد عَلا والجيدُ الاستدلالُ بقول ابن الزبير ﴿ها لمن قال له: لعنَ الله ناقةً حملتني إليك: إنَّ وراكبَها، إذ قد قيل في البيت: إنَّا لا نُسلِّم أنَّ ((إن)) فيه بمعنى ((نَعَمْ))، والهاء للسكت، بل هي الناصبة، والهاء ضميرٌ منصوبٌ بها، والخبر محذوفٌ، (١) فضائل القرآن ص ١٦١، وأخرجه أيضاً الفراء في معاني القرآن ١٠٦/١، وابن أبي داود في المصاحف (١١٣)، والطبري ٧ / ٦٨٠- ٦٨١. (٢) في الإتقان ١/ ٥٨٥. (٣) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات ص ٦٦. والبيت الأول فيه: بَكّرَتْ عليَّ عواذلي يَلحينني وألومهنَّةْ الآية : ٦٣ ٣٦٩ أي: إنَّه كذلك، ولا يصحُّ أن يقال: إنَّها في الخبر كذلك وحُذِف الجزآن؛ لأنَّ حذفَ الجزأين جميعاً لا يجوز. وضُعِّفَ هذا الوجهُ بأنَّ كونها بمعنى ((نَعَمْ)) لم يثبت، أو هو نادر، وعلى تقدير الثبوت من غير نُدرة ليس قبلها ما يقتضي جواباً حتى تقعَ ((نعم)) في جوابه، والقولُ بأنَّهُ يفهم من صدر الكلام أنَّ منهم من قال: هما ساحران، فصُدِّق وقيل: نعم. بعيدٌ. ومثله القولُ بأنَّ ذلك تصديقٌ لما يُفهم من قول فرعون: ((أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى)). وأيضاً إنَّ لام الابتداء لا تدخلُ على خبر المبتدأ. وأجيب عن هذا بأنَّ اللام زائدةٌ، وليست للابتداء كما في قوله: ترضَى من اللحم بعظمِ الرقَبَهُ(١) أمُّ الحُلَيْسِ لعجوزٌ شَهْرَبَهْ أو بأنَّها داخلةٌ على مبتدأ محذوف، أي: لهما ساحران، كما اختارهُ الزَّجَّاج، وقال: عرضتُه على عالمنا وشيخنا وأستاذنا محمد بن يزيد - يعني المبرّد - والقاضي إسماعيل بن إسحاق بن حمّاد فقبلاه، وذكرا أنَّه أجودُ ما سمعناه في هذا (٢). أو بأنَّها دخلت بعد ((إن)) هذه لشبهها بـ ((أن)) المؤكدة لفظاً، كما زيدت ((أنْ)) بعد ((ما)) المصدرية لمشابهتها للنافية في قوله: ورَجِّ الفتى للخير ما إن رأيته على السنِّ خيراً لا يزال يزيد(٣) ورُدَّ الأوَّل بأنَّ زيادتها في الخبر خاصَّةٌ بالشعر، وما هنا محلُّ النزاع، فلا يصحُّ الاحتجاج به كما توقَّم النيسابوريّ(٤)، وزيَّف الثاني أبو عليٍّ في ((الإغفال)) بما خلاصتُه: إنَّ التأكيد فيما خيف لبسه، فإذا بلغ به الشهرة الحذفَ استُغني لذلك عن التأكيد، ولو كان ما ذُكر وجهاً لم يُحمل نحو: لعجوزٌ شهربه، على الضرورة، (١) أورده البغدادي في خزانة الأدب ٣٢٢/١٠. وقال: قال العيني: قائله رؤبة بن العجاج [وهو في ملحقات ديوانه ص ١٧٠]، ونسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروش. اهـ. والشهربة: العجوز الكبيرة. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٦٣/٣. (٣) هو للمعلوط بن بدل القريعي، كما في اللسان (أنَن)، وشرح أبيات المغني للبغدادي ١/ ١١٤. والبيت من شواهد سيبويه، وهو في كتابه ٢٢٢/٤ دون نسبة. (٤) في غرائب القرآن ١٦/ ١٣٨ . سُورَةً طَّ ٣٧٠ الآية : ٦٣ ولا تقاس على ((أنّ) حيث حذف معها الخبر في : إِنَّ مَحَلَّا وإنَّ مرتحَلا(١) وإن اجتمعا في التأكيد؛ لأنَّها مشبَّهَةٌ بـ ((لا)) وحَمْلُ النقيض على النقيض شائعٌ، وابن جنِّي(٢) بأنَّ الحذف من باب الإيجاز، والتأكيدَ من باب الإطناب، والجمع بينهما محالٌ للتنافي. وأجيب: بأنَّ الحذفَ لقيام القرينة والاستغناء غيرُ مسلَّم، والتأكيدَ لمضمون الجملة لا للمحذوف، والحمل في البيت ممكنٌ أيضاً، واقتصارهم فيه على الضرورة ذهولٌ، وكم ترك الأوَّل للآخر، واجتماع الإيجاز والإطناب مع اختلاف الوجه غيرُ محال، وأصدق شاهدٍ على دخول اللام في مثل هذا الكلام ما رواه الترمذيُّ وأحمد وابن ماجه: ((أغبطُ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيفُ الحاذِ))(٣). نعم لانزاعَ في شذوذ هذا الحذف استعمالاً وقياساً (٤). الثاني: أنَّ ((إن)) من الحروف الناصبة، واسمها ضمير الشأن، وما بعدُ مبتدأ وخبر، والجملةُ خبرها، وإلى ذلك ذهب قدماء النحاة. وضُعِّفَ بأنَّ ضميرَ الشأن موضوعٌ لتقوية الكلام، وما كان كذلك لا يناسبُه الحذف، والمسموع من حذفه كما في قوله : إنَّ من لام في بني بنت حسا ن أَلُمْهُ وأعصِه في الخطوبِ(٥) (١) هو صدر بيت للأعشى الكبير، وهو في ديوانه ص ٢٨٣، وعجزه: وإنَّ في السَّفْرِ ما مضى مَهَلا (٢) أي: زيف ابن جني ... وانظر كلامه في سر صناعة الإعراب ٣٨٠/١-٣٨١. (٣) سنن الترمذي (٢٣٤٧)، ومسند أحمد (٢٢١٦٧)، وسنن ابن ماجه (٤١١٧) من حديث أبي أمامة څه. (٤) من قوله: نعم، إلى هنا ليس في الأصل. (٥) البيت للأعشى، وهو في دیوانه ص ٣٨٥، وصدره فيه: من يلمني على بني ابنة حسان قال عبد القاهر البغدادي في الخزانة ٤٢٢/٥: وعليه لا شاهد فيه. اهـ. وهو من شواهد سيبويه في الكتاب ٧٢/٣. الآية : ٦٣ ٣٧١ و قوله : إنَّ من يدخلِ الكنيسة يوماً يَلْقَ فيها جاذراً وظباءَ(١) ضرورةٌ أو شاذٌّ، إلَّا في باب ((أنَّ) المفتوحة إذا خُفِّفت، فاستسهلوه لوروده في كلامٍ بُني على التخفيف، فحذف تبعاً لحذف النون، ولأنَّه لو ذكر لوجبَ التشديد، إذ الضمائر تردُّ الأشياءَ إلى أصولها، ثم يردُ بحثُ دخول اللام في الخبر، وإن التزمَ تقديرُ مبتدأ داخلة هي عليه، فقد سمعت ما فيه من الجرح والتعديل. الثالث: أنَّها الناصبة، و((هاء)) ضمير القصة اسمُها، وجملة ((ذان لساحران)) خبرها . وضُعِّفَ بأنَّه يقتضي وصلَ ((ها)» بـ ((أنْ)) مع(٢) إثبات الألف، وفصل ((ها)) من (ذان)) في الرسم، وما في المصحف ليس كذلك، ومع ذلك يردُ بحثُ دخول اللام. الرابع: أنَّ ((إنَّ) ملغاةٌ وإن كانت مشدّدة حملاً لها على المخففة، وذلك كما أُعمِلت المخفَّفةُ حملاً لها عليها في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمَّا لَيُّوَفِيَنَهُمْ﴾ [هود: ١١١] أو حظّاً لرتبتها عن الفعل؛ لأنَّ عملَها ليس بالأصالة، بل بالشبه له، وما بعدها مبتدأ وخبر، وإلى ذلك ذهب عليُّ بن عيسى. وفيه أنَّ هذا الإلغاء لم ير في غير(٣) هذا الموضع، وهو محلُّ النزاع، وبحثُ اللام فيه بحاله. الخامس - وهو أجودُ الوجوه وأوجهُها، واختاره أبو حيَّان(٤) وابن مالك والأخفش(٥) وأبو عليّ الفارسيّ(٦) وجماعةٌ -: أنَّها الناصبة، واسمُ الإشارة اسمها، (١) نسبه ابن السيد البطليوسي في الحلل ص ٢٨٧، والسيوطي في شرح شواهد المغني ١/ ١٢٢ للأخطل. ولم نقف عليه في ديوانه من رواية السكري، وكذا قال البغدادي في الخزانة ١/ ٤٥٨، والجآذر جمع جُؤذر، وهو ولد البقرة. (٢) في (م): من. (٣) لفظة: غير، ليست في الأصل. (٤) في البحر المحيط ٦/ ٢٥٥. (٥) في معاني القرآن له ٦٢٩/٢. (٦) في الحجة ٢٣١/٥. سُورَة طنة ٣٧٢ الآية : ٦٣ واللام لام الابتداء، و((ساحران)) خبرها؛ ومجيءُ اسم الإشارة بالألف مع أنه منصوب جارٍ على لغة بعضٍ العرب من إجراء المثنى بالألف دائماً، قال شاعرهم: يا ليتَ عيناها لنا وفاها واهاً لريًّا ثُمَّ واهاً واها بثمنٍ نرضي به أباها (١) وموضعَ الخلخال من رجلاها وقال الآخر: مساغاً لناباه الشجاعُ لصمَّمَا (٢) وأطرقَ إطراقَ الشجاع ولو يرى وقالوا: ضربته بين أذناه، و: من يشتري الخفَّان؟ وهي لغةٌ لكنانة، حكى ذلك أبو الخطاب، ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية، حَكى ذلك الكسائيُّ. ولبني العنبر وبني الهيجم ومراد وعذرة. وقال أبو زيد: سمعتُ من العرب من يقلبُ كلَّ ياءٍ ينفتحُ ما قبلها ألفاً (٣)، وابن الحاجب يقول: إن ((هذان)) مبنيٌّ لدلالته على معنى الإشارة. وإنَّ قول الأكثرين: (هذين)) جرّاً ونصباً ليس إعراباً أيضاً. قال ابن هشام: وعلى هذا فقراءةُ ((هذان)) أقيسُ، إذ الأصلُ في المبنيِّ أنْ لا تختلف صيغتُه، مع أنَّ فيها ألفاً لمناسبة(٤) ((ساحران))(٥). اهـ. وأمَّا الخبرُ السابق عن عائشة، فقد أجاب عنه ابن أشته، وتبعه ابن جبارة في ((شرح الرائية)): بأنَّ قولها: أخطؤوا، على معنى أخطؤوا في اختيار الأولى من (١) الرجز لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص ٢٢٧. وانظر خزانة الأدب الشاهد التاسع والخمسون بعد الخمس مئة. (٢) هو للمتلمس بن عبد المسيح الضبعي. كما في الأصمعيات ص ٢٤٦، والشعر والشعراء ١٨٠/١، ومختارات ابن الشجري ص ٢٩، والمؤتلف والمختلف ص ٩٥. ونسبه ابن السيد في الحلل ص ٢٨٥ لعمرو بن شأس الأسدي. ووقع عند الأصمعي وابن الشجري: لنابيه. (٣) النوادر ص ٥٨ . (٤) في (م): مناسبة لألف. (٥) مغني اللبيب ٥٨/١. الآية : ٦٣ ٣٧٣ سُورَةٌ طَّنة الأحرف السبعة؛ لجمع الناس عليه، لا أنَّ الذين كتبوا من ذلك خطأٌ لا يجوز، فإنَّ ما لا يجوز من كلِّ شيءٍ مردودٌ بالإجماع، وإنْ طالت مدَّةُ وقوعه، وبنحو هذا يجاب عن أخبارٍ رويت عنها أيضاً وعن ابن عباس في هذا الباب تُشكِلُ ظواهرها. ثمَّ أخرج (١) عن إبراهيم النخعيّ أنَّه قال: ((إنَّ هذان لساحران))، و((إن هذين لساحران)» سواء؛ لعلَّهم كتبوا الألف مكان الياء، يعني أنَّه من إبدال حرف في الكتابة بحرف كما وقع في صلاة وزكاة وحياة(٢). ويرد على هذا أنَّه إنَّما يحسنُ لو كانت القراءةُ بالياء في ذلك. ثم أنت تعلم أنَّ الجوابَ المذكور لا يحسمُ مادة الإشكال؛ لبقاء تسمية عروة ذلك في السؤال لحناً، اللهمَّ إلَّا أن يقال: أراد باللحن اللغة، كما قال ذلك ابن أشته في قول ابن جبير المرويِّ عنه بطريق(٣) في ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢] هو لحنٌ من الكاتب، أو يقال: أراد به اللحن بحسب بادئ الرأي. وابنُ الأنباريِّ جنحَ إلى تضعيف الروايات في هذا الباب ومعارضتها برواياتٍ أخر عن ابن عباس وغيره تدلُّ على ثبوت الأحرف التي قيل فيها ما قيل في القراءة. ولعلَّ الخبر السابق الذي ذكر أنَّه صحيح الإسناد على شرط الشيخين داخلٌ في ذلك، لكن قال الجلالُ السيوطيُّ: إنَّ الجوابَ الأول الذي ذكره ابنُ أشته أولى وأقعد (٤). وقال العلماء(٥)، فيما أخرجه ابن الأنباريِّ وغيرُه عن عكرمة قال: لما كتبتٍ المصاحفُ عُرضت على عثمان، فوجد فيها حروفاً من اللحن، فقال: لا تغيِّروها فإنَّ العرب ستغيِّرها، أو قال: ستعربُها(٦) بألسنتها، لو كان الكاتبُ من ثقيف (١) أي: ابن أشتة. انظر الإتقان ٥٨٨/١. (٢) لفظة: وحياة. ليست في الأصل. (٣) في (م): بطرق. (٤) الإتقان ٥٨٥/١. (٥) في الأصل و(م): العلاء. وهو تحريف. وأثبتنا الصواب من الإتقان ٥٨٥/١. وعنه نقل المصنف. (٦) في الأصل و(م): ستقرؤها. والمثبت من الإتقان، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٠٤-٢٠٥، والأثر مخرج فيه. سُورَةً طَّفْ ٣٧٤ الآية : ٦٣ والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف: إنَّ ذلك لا يصحُّ عن عثمان، فإنَّ إسنادَه ضعيفٌ مضطربٌ منقطع . والذي أجنح أنا إليه - والعاصم هو الله تعالى - تضعيف جميع ما ورد ممَّا فيه طعنٌّ بالمتواتر، ولم يقبل تأويلاً ينشرحُ له الصدر ويقبله الذوق، وإن صحّحه من صحَّحه، والطعنُ في الرواة أهونُ بكثيرٍ من الطعن في الأئمة الذين تلقوا القرآن العظيم الذي وصلَ إلينا بالتواتر من النبيِّ وَ﴿﴿، ولم يألوا جهداً في إتقانه وحفظه. وقد ذكر أهل المصطلح أنَّ مما يدرُ به وضعُ الخبر ما يؤخذُ من حال المرويِّ، كأن يكون مناقضاً لنصِّ القرآن، أو السنَّة المتواترة، أو الإجماع القطعيّ، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيءٌ من ذلك التأويل، أو لم يحتمل سقوط شيءٍ منه يزولُ به المحذور، فلو قال قائلٌ بوضع بعض(١) هاتيك الأخبار لم يبعد، والله تعالى أعلم. وقرأ أبو عمرو: ((إنَّ هذين)) بتشديد نون ((إنَّ»، وبالياء في ((هذين)) (٢). وروي ذلك عن عائشة والحسن والأعمش والنخعيّ والجحدريّ وابن جبير وابن عبيد(٣). وإعرابُ ذلك واضحٌ، إذ جاء على المهيع المعروف في مثله، لكن في ((الدر المصون)»(٤): قد استشكلت هذه القراءة بأنَّها مخالفةٌ لرسم الإمام، فإنَّ اسمَ الإشارة فيه بدون ألف وياء، فإثباتُ الياء زيادةٌ عليه، ولذا قال الزَّجَّاج(٥): أنا لا أجيزُها. وليس بشيء؛ لأنَّه مشترك الإلزام. ولو سُلِّم فكم في القراءات ما خالفَ رسمُه القياس، مع أنَّ حذف الألف ليس على القياس أيضاً. ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: أرض مصر بالاستيلاء عليها ﴿ِسِحْرِهِمَا﴾ الذي أظهراه من قبل. ونسبة ذلك لهارون لما أنَّهم رأوه مع موسى عليهما السلام سالكاً طريقته. وهذه الجملة صفةٌ أو خبرٌ بعد خبر. (١) لفظة: بعض، ليست في الأصل. (٢) التيسير ص ١٥١، والنشر ٣٢٠/٢-٣٢١. (٣) البحر المحيط ٢٥٥/٦، وانظر إعراب القرآن للنحاس ٤٣/٣، وتفسير القرطبي ٨٩/١٤. (٤) ٨ / ٦٤. (٥) في معاني القرآن له ٣٦٤/٣. الآية : ٦٣ ٣٧٥ سُورَلاَ طَّئة ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الُْثْلَى (49)﴾ أي: بمذهبكم الذي هو أفضلُ المذاهب وأمثلُها بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما، يريدون به ما كان عليه قومُ فرعون، لا طريقة السحر، فإنَّهم ما كانوا يعتقدونَه ديناً. وقيل: أرادوا أهلَ طريقتكم، فالكلام على تقدير مضاف، والمراد بهم بنو إسرائيل؛ لقول موسى عليه السلام: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الشعراء: ١٧] وكانوا أربابَ علمٍ فيما بينهم. وأخرج ذلك ابنُ المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وتُعقِّب بأنَّ إخراجهم من أرضهم إنَّما يكون بالاستيلاء عليها تمكّناً أو تصرُّفاً، فكيف يُتَصوَّر حينئذٍ نقلُ بني إسرائيل إلى الشام. وحملُ الإخراج على إخراج بني إسرائيل منها مع بقاء قوم فرعون على حالهم ممَّا يجبُ تنزيهُ التنزيل عن أمثاله، على أنَّ هذه المقالة منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة، والاهتمام بالمناصبة، فلا بُدّ أن يكون الإنذار والتحذيرُ بأشدِّ المكاره وأشقِّها عليهم، ولا ريبَ في أنَّ إخراج بني إسرائيل من بينهم والذهاب بهم إلى الشام وهم آمنون في ديارهم ليس فيه كثيرُ محذور، وهو كلامٌ يلوح عليه مخايلُ القبول، فلعلَّ الخبر عن الحبر لا يصح. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم أيضاً عن مجاهد: أنَّ الطريقة اسمٌ لوجوه القوم وأشرافهم(١). وحَكى فلانٌ طريقة قومه، أي: سيِّدهم، وكأنَّ إطلاقَ ذلك على الوجوه مجازٌ لاتِباعهم كما يُتَبعُ الطريق. وأخرجا عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّ إطلاقَ ذلك عليهم بالسُّريانية، وكأنَّهم أرادوا بهؤلاء الوجوه الوجوهَ من قوم فرعون أربابَ المناصب، وأصحابَ التصُرف والمراتب، فيكونوا(٢) قد حذَّروهم بالإخراج من أوطانهم، وفصلِ ذوي المناصب منهم عن مناصبهم، وفي ذلك غايةُ الذلِّ والهوان، ونهايةٌ حوادث الزمان. فما قيل: إنَّ تخصيصَ الإذهاب بهم ممَّا لا مزيةً فيه: ليس بشيء. (١) الدر المنثور ٤/ ٣٠٣. (٢) في الأصل: فيكون. الآية : ٦٤ ٣٧٦ وقيل: إنَّهم أرادوا بهم بني إسرائيل أيضاً؛ لأنَّهم كانوا أكثر منهم نشباً، وأشرف نسباً. وفيه ما مرَّ آنفاً. واعترض أيضاً بأنَّه ينافيه استعبادُهم واستخدامُهم وقتلُ أولادهم وسومُهم العذاب. وأجيب بالمنع، فكم من متبوعٍ مقهور، وشريفٍ بأيدي الأنذال مأسور. وهو كما ترى. ﴿فَِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ تصريحٌ بالمطلوب إثر تمهيد المقدِّمات. والفاء فصيحةٌ، أي: إذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين يريدان بكم ما يريدان، فأزمعوا كيدَكم، واجعلوه مجمعاً عليه بحيثُ لا يتخلَّفُ عنه منكم أحدٌ، وارموا عن قوسٍ واحدة. وقرأ الزهريُّ وابنُ محيصن وأبو عمرو ويعقوب - في رواية - وأبو حاتم: (فاجمعوا)) بوصل الهمزة وفتح الميم، من الجمع(١)، ويعضدُه قوله تعالى: ((فجمع کیده» . وفي الفرق بين جمع وأجمع كلامٌ للعلماء، قال ابن هشام: إنَّ أجْمَعَ يتعلق بالمعاني فقط، وجَمَعَ مشتركٌ بين المعاني والذوات. وفي ((عمدة الحفاظ)» حكايةٌ القول بأنَّ أجمع أكثر ما يقال في المعاني وجمع في الأعيان(٢)، فيقال: أجمعتُ أمري، وجمعت قومي، وقد يقال بالعكس. وفي ((المحكم)) أنَّه يقال: جمع الشيء عن تفرقةٍ يجمعه جمعاً، وأجمعه. فلم یفرِّق بينهما . وقال الفرَّاء: إذا أردت جمع المتفرِّق قلت: جمعتُ القومَ فهم مجموعون، وإذا أردت جمع المال قلت: جمَّعتُ، بالتشديد، ويجوز تخفيفه، والإجماع: الإحكامُ والعزيمة على الشيء، ويتعدَّى بنفسه وبـ ((على))، تقول: أجمعت الخروجَ، وأجمعت على الخروج (٣). (١) البحر المحيط ٢٥٦/٦، وقراءة أبي عمرو في التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. وقراءة يعقوب المتواترة عنه كقراءة الجمهور. (٢) في عمدة الحفاظ (جمع): وجمع في المعاني والأعيان. (٣) معاني القرآن للفراء ٤٧٣/١ و١٨٥/٢. الآية : ٦٤ ٣٧٧ وقال الأصمعيّ: يقال: جمعت الشيء، إذا جئتَ به من هنا ومن هنا، وأجمعته، إذا صيّرته جميعاً . وقال أبو الهيثم: أجمع أمره، أي: جعله جميعاً وعزم عليه بعد ما كان متفرّقاً، وتفرقته أنْ يقول مرَّةً: أفعل كذا، ومرة: أفعل كذا. والجمعُ أن يجمع شيئاً إلى شيء. وقال الفرَّاء في هذه الآية على القراءة الأولى: أي: لا تدعوا شيئاً من كيدكم إلَّا جئتم به(١). ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّا﴾ أي: مصطفين، أمروا بذلك؛ لأنَّه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفاً مع كلٌّ منهم حبلٌ وعصا، وأقبلوا عليه عليه السلام إقبالةً واحدة. وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل. وقيل: تسعمئة؛ ثلاثمئة من الفرس، وثلاثمئة من الروم، وثلاثمئة من الإسكندرية. وقيل: خمسة عشر ألفاً. وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً. ولا يخفى حالُ الأخبار في ذلك، والقلبُ لا يميلُ إلى المبالغة. والله تعالى أعلم. ولعلَّ الموعدَ كان مكاناً متَّسِعاً، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطرٍ من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطرٍ آخر منه، ثمَّ أمروا أن يأتوا وسطّه على الحال المذكورة. وقد فسَّر أبو عبيدة الصفّ بالمكان الذي يجتمعون فيه لعيدهم وصلواتهم. وفيه بعد(٢). وكأنَّه عَلَمٌ لموضعٍ معينٍ من مكان يوم الزينة، وعلى هذا التفسير يكون ((صفّا)) مفعولاً به. وقرأ شبل بن عبَّاد وابنُ كثير في رواية شبل عنه: ((ثمَّ ايتوا)) بكسر الميم، وإبدال الهمزة ياء(٣). (١) معاني القرآن للفراء ١٨٥/٢. (٢) انظر مجاز القرآن ٢٣/٢. (٣) البحر المحيط ٢٥٦/٦. سُوَلاَ طَّة ٣٧٨ الآية : ٦٥ قال أبو عليٍّ: وهذا غلط، ولا وجهَ لكسر الميم من ((ثُمَّ)) (١). وقال صاحب ((اللوامح)): إنَّ ذلك لالتقاء الساكنين، كما كانت الفتحة في قراءة العامة كذلك. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اَلْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴾ اعتراضٌ تذييليٍّ من قبلهم، مؤكِّدٌ لما قبله من الأمرين، أي: قد فاز بالمطلوب من غلب، فاستفعل بمعنى فعل، كما في ((الصحاح))(٢). أو مَنْ طلبَ العلوَّ والغلب وسعى سعيَه، على ما في ((البحر))(٣). فاستفعل على بابه. ولعلَّه أبلغ في التحريض، حيث جعلوا الفوز لمن طلب الغلب فضلاً عمَّن غلب بالفعل، وأرادوا بالمطلوب ما وعدَهم فرعونُ من الأجر والتقريب، حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٤] ويمن استعلى أنفسهم جميعاً، على طريقة قولهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، أو من استعلى منهم حثّاً على بذل المجهود في المغالبة. وقال الراغب: الاستعلاء قد يكون لطلب العلوِّ المذموم، وقد يكون لغيره، وهو ها هنا يحتملهما (٤)، فلهذا جاز أن يكون هذا الكلامُ محكّاً عن هؤلاء القائلين للتحريض على إجماعهم واهتمامهم، وأن يكون من كلام الله عزَّ وجلَّ، فالمستعلي موسى وهارون عليهما السلام، ولا تحريض فيه. وأنت تعلم أنَّ الظاهر هو الأول. ﴿قَالُوا﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا فعلوا بعد ما قالوا ذلك؟ فقيل: قالوا: ﴿يَمُوسَى﴾ وإنّما لم يتعرَّض لإجماعهم وإتيانهم مصطفِّين إشعاراً بظهور أمرهما وغنائهما عن البيان. ﴿إِمَّ أَنْ تُلْقِىَ﴾ أي: ما تلقيه أوَّلاً، على أنَّ المفعول محذوفٌ لظهوره، أو تفعل الإلقاء أوَّلاً، على أن الفعل منزَّلٌ منزلة اللازم. ﴿وَإِمَّآ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٥) ما يلقيه، أو أول من يفعل الإلقاء. خيَّروه (١) الحجة ٢٣٣/٥. (٢) مادة (علا). (٣) ٢٥٦/٦. (٤) المفردات (علا). الآية : ٦٦ ٣٧٩ سُؤْدَةً طَيْن عليه السلام وقدَّموه على أنفسهم إظهاراً للثقة بأمرهم. وقيل: مراعاةً للأدب معه عليه السلام. و((أن)) مع ما في حيِّزها منصوبٌ بفعل مضمر، أي: إمَّا تختار إلقاءك، أو تختارُ(١) كوننا أوَّل من ألقى، أو مرفوعٌ على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: الأمر إمَّا إلقاؤك، أو كوننا أوَّل من ألقى. واختار أبو حيَّان(٢) كونَه مبتدأ محذوفَ الخبر، أي: إلقاؤك أول، بقرينة: أو نكون أول من ألقى، وبه تتمُّ المقابلة، لكنها معنويَّة. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ، كأنَّه قيل: فماذا قال عليه السلام؟ فقيل: قال: ﴿بَلّ أَلْقُواْ﴾ أنتم أوَّلاً؛ إظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم، وإسعافاً لما أوهموا من الميل إلى البدء في شقّهم، حيث غيّروا النظمَ إلى وجهٍ أبلغ، إذ كان الظاهر أن يقولوا: وإمَّا أن نلقي، وليبرزوا ما معهم ويستفرغوا جهدهم، ويستنفدوا قصارى وسعهم، ثم يظهر الله تعالى شأنُه سلطانَه، فيقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدمغه. قيل : وفي ذلك أيضاً مقابلةُ أدب بأدب. واستشكل بعضُهم هذا الأمرَ ظنّاً منه أنَّه يستلزمُ تجويزَ السحر، فحمله - دفعاً لذلك - على الوعيد على السحر، كما يقال للعبد العاصي: افعل ما أردت. وقال أبو حيَّان: هو مقرونٌ بشرطٍ مقدَّر، أي: ألقوا إن كنتم محقِّين (٣). وفيه أنَّه عليه السلام يعلمُ عدم إحقاقهم، فلا يجدي التقدير بدون ملاحظة غيره. وأنت تعلمُ أنَّه لا حاجةَ إلى ذلك ولا إشكال، فإنَّ هذا كالأمر بذكر الشبهة لتنکشف. والقولُ بأنَّ تقديم سماع الشبهة على الحجَّة غيرُ جائز؛ لجواز أنْ لا يتفرَّغَ لإدراك الحجَّة بعد ذلك فتبقى: ممَّا لا يلتفت إليه. (١) في الأصل: نختار. (٢) البحر ٢٥٨/٦. (٣) البحر ٢٥٨/٦. سُورَةٌ طَّنة ٣٨٠ الآية : ٦٦ (٣)﴾ الفاء فصيحةٌ معرِبةٌ عن ﴿فَإِذَا ◌ِبَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِخْرِهِمْ أَّا تَتْعَى مسارعتهم إلى الإلقاء، كما في قوله تعالى: فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفلق(١)، أي: فألقوا فإذا حبالهم .. إلخ. وهي في الحقيقة عاطفةٌ لجملة المفاجأة على الجملة المحذوفة. و (إذا)) فجائية، وهي عند الكوفيين حرفٌ، وهو مذهبٌ مرجوحٌ عند أبي حيان، وظرفُ زمانٍ عند الرياشيّ، وهو كذلك عنده أيضاً، وظرف مكان عند المبرِّد، وهو ظاهرُ كلام سيبويه(٢)، ومختار أبي حيان، والعاملُ فيها هنا: ((ألقوا)» عند أبي البقاء. ورُدَّ بأن الفاء تمنع من العمل. وفي ((البحر))(٣): إنَّما هي معمولةٌ لخبر المبتدأ الذي هو ((حبالهم وعصيهم)) إنْ لم نجعلها هي في موضع الخبر، بل جعلنا الخبر جملة ((يخيل))، وإذا جعلناها في موضع الخبر، وجعلنا الجملةَ في موضع الحال، فالأمر واضح، وهذا نظير: خرجتُ فإذا الأسد رابضٌ ورابضاً. ولصحّة وقوعها خبراً يُكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاماً فيقال: خرجت فإذا الأسد. ونصَّ الأخفشُ في ((الأوسط)) على أنَّها قد يليها جملةٌ فعليةٌ مصحوبةٌ بـ: ((قد))، فيقال: خرجتُ فإذا قد ضرب زيدٌ عمراً. وفي ((الكشاف)): التحقيقُ فيها أنَّها ((إذا)) الكائنة بمعنى الوقت، الطالبة ناصباً لها وجملةً تضافُ إليها، خُصَّت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً خصوصاً، وهو فعلُ المفاجأة، والجملةُ ابتدائيَّةٌ لا غير، فتقدير الآية: ففاجأ موسى وقتُ تخييل سعي حبالهم وعصيهم، وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأته(٤): حبالُهم وعصيهم مخيلةٌ إليه السعي(٥). انتهى. (١) كذا في الأصل و(م). وهو وهم من المصنف رحمه الله، أو سبق ذهن، فلعله أراد قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَأَنْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. (٢) انظر الكتاب ٢٣٢/٤. (٣) ٢٥٩/٦. (٤) في الأصل و(م): مفاجأة. والمثبت من الكشاف. (٥) الكشاف ٥٤٣/٢-٥٤٤.