النص المفهرس

صفحات 341-360

التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
٣٤١
سُوٌلا طفة
الجامعة بين الأوصاف والشؤون الربانيَّة وبين الخصائص والأحوال الكونيَّة
الروحانيّة منها والطبيعية، وتلك الحقيقةُ تنتشىء من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة
بين الصفات والحقائق الإلهية والكونيَّة، وما يشتمل عليه هذان الأصلان من
الأخلاق والصفات اللازمة وما يتولَّدُ من بينهما بعد الارتياض والتزكية. والقلبُ
الصنوبريُّ منزلُ تدلِّي الصورة الظاهرة من بين ما ذكرنا التي هي صورةُ الحقيقة
القلبية، ومعنى وسع ذلك للحقِّ جلَّ وعلا - على ما في مسلك الوسط الداني - كونُه
مظهراً جامعاً للأسماء والصفات على وجهٍ لا ينافي تنزيهَ الحقِّ سبحانَه من
الحلول والاتحاد، والتجزئة وقيام القديم بالحادث، ونحو ذلك من الأمور
المستحيلة عليه تعالى شأنُه، هذا لكن ينبغي أن يُعلَم أنَّ هذا الخبر وإن استفاضَ
عند الصوفيَّ قُدِّستَ أسرارهم، إلّا أنَّه قد تعقَّبه المحدِّثون، فقال العراقيُّ: لم أَرَ
له أصلاً(١).
وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية: هو مذكورٌ في الإسرائيليات، وليس له إسنادٌ
معروف عن رسول الله وَل﴾(٢).
وكأنَّه أشار بما في الإسرائيليات إلى ما أخرجه الإمام أحمد في ((الزهد)» عن
وهب بن منبه قال: إنَّ الله تعالى فتح السماوات لحزقيل حتى نظر إلى العرش،
فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمَك يا ربّ، فقال الله تعالى: إنَّ السماوات والأرض
ضَعُفْنَ من أن يسعنني، ووسعني قلبُ عبدي المؤمن الوادع اللين(٣).
نعم لذلك ما يشهدُ له، فقد قال العلامة الشمس ابن القيم في ((شفاء العليل))
ما نصُّه: وفي ((المسند)) وغيره عن النبيِّ وَّهِ: ((القلوبُ آنيةُ الله تعالى في أرضه،
فأحبُّها إليه أصلبُها وأرقُها وأصفاها)) (٤). انتهى.
(١) المغني عن حمل الأسفار ١٥/٣ (بهامش الإحياء).
(٢) مجموع الفتاوى ١٢٢/١٨.
(٣) الزهد ص ١٠٣.
(٤) شفاء العليل ص ٢٠٨، ولم نقف عليه في المسند، وهو مذكور عند كثير من العلماء على أنه
من الأثر، كما ذكره ابن القيم نفسه في موضع ثانٍ من شفاء العليل ص ٣٥٠، وفي الروح
ص ٥٩٩، وابن تيمية في الفتاوى ٧/ ٣٠.

سُورَلا طفة
٣٤٢
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
وروى الطبرانيُّ من حديث أبي عنبة (١) الخولانيّ رفعه: ((إنَّ لله تعالى آنيةً من
الأرض، وآنيةُ ربِّكم قلوبُ عباده الصالحين، وأحبُّها إليه ألينُها وأرقُّها)) وهذا
الحديثُ وإنْ كان في سنده بقيَّة بن الوليد - وهو مدلسٌ - إلَّا أنَّه صرَّح فيه
بالتحديث(٢).
ويعلم من مجموع الحديثين أربعُ صفاتٍ للقلب؛ الأحبُّ إليه تعالى اللِّينُ وهو
لقبول الحقِّ، والصلابةُ وهي لحفظه، فالمراد بها صفةٌ تجامعُ اللين، والصفاء
والرقَّة وهما لرؤيته.
واستواؤه تعالى على العرش بصفة الرحمانيَّة دون الرحيميَّة؛ للإشارة إلى أنَّ
لكلِّ أحدٍ نصيباً من واسع رحمته جلَّ وعلا.
﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّزَّ وَأَخْفَى﴾ قيل: السرُّ أمرٌ كامنٌ في القلب كمونَ
النار في الشجر الرطب حتى تثيرَه الإرادة، لا يطّلع عليه الملَك ولا الشيطان،
ولا تحسُّ به النفس، ولا يشعرُ به العقل، والأخفى ما في باطن ذلك.
وعند بعض الصوفية: السرُّ: لطيفةٌ بين القلب والروح، وهو معدنُ الأسرار
الروحانيَّة، والخفي: لطيفةٌ بين الروح والحضرة الإلهية، وهو مهبطُ الأنوار
الربانيَّة، وتفصيلُ ذلك في محلِّه.
وقد استدلَّ بعضُ الناس بهذه الآية على عدم مشروعيَّة الجهر بالذكر، والحقُّ
أنَّه مشروعٌ بشرطه. واختلفوا في أنَّه هل هو أفضلُ من الذكر الخفيّ، أو الذكرُ
الخفيُّ أفضلُ منه، والحقُّ فيما لم يرد نصٌّ على طلب الجهر فيه، وما لم يرد نصٌّ
على طلب الإخفاء فيه، أنَّه يختلفُ الأفضل فيه باختلاف الأشخاص والأحوال
والأزمان، فيكون الجهرُ أفضلَ من الإخفاء تارةً، والإخفاءُ أفضل أخرى.
﴿وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىّ * إِذْ رَءَا نَارًا﴾ قال الشيخ إبراهيم الكوراني عليه
(١) في (م): عنبسة. وهو خطأ، وأبو عنبة الخولاني مختلف في صحبته، قيل: اسمه عبد الله بن
عنبة، وقيل: عمارة. وكان يسكن حمص (ت: ١١٨هـ)، انظر تهذيب الكمال ١٤٩/٣٤.
(٢) المغني عن حمل الأسفار للعراقي ١٥/٣، والحديث في مسند الشاميين (٨٤٠). إلا أنه
ليس فيه تصريح بقية بالتحديث. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٢٦٣.

٣٤٣
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
الرحمة في ((تنبيه العقول)): إنَّ تلك النار كانت مجلى الله عزَّ وجلَّ، وتجلِّيه سبحانه
فيها مراعاةٌ للحكمة من حيث إنَّها كانت مطلوبَ موسى عليه السلام، واحتجَّ على
ذلك بحديث رواه عن ابن عباس ﴿ها، وسنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُوِىَ أَنْ بُوِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الآية [النمل: ٨].
﴿فَأَخْلَعَ نَعْلَيْكٌ﴾ اترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة، وصِر(١) مستغرقَ القلب
بالكلِّيَّة في معرفة الله تعالى، ولا تلتفت إلى ما سواه سبحانه.
﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ◌ُوَّى﴾ وهو وادي قُدس جلال الله تعالى، وتنُّهِ عزَّته عزَّ
وجلَّ.
وقيل: النعلان إشارةٌ إلى المقدمتين اللتين يتركَّبُ منهما الدليل؛ لأنَّهما يَتَوضَّلُ
بهما العقلُ إلى المقصود، كالنعلين يلبسُهما الإنسان فيتوصَّل بالمشي بهما إلى
مقصوده، كأنه قيل: لا تلتفت إلى المقدِّمتين، ودع الاستدلال، فإنَّك في وادي
معرفة الله تعالى المفعم بآثار ألوهيَّته سبحانه.
﴿فَأَعْبُدْنِ﴾ قدَّمَ هذا الأمر؛ للإشارة إلى عظم شرف العبوديّة، وثَّى بقوله سبحانه:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ لأنَّ الصلاة من أعلام العبوديّة ومعارج الحضرة القدسيّة.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ إيناسٌ منه تعالى له عليه السلام، فإنَّه عليه
السلام دهش لمَّا تكلَّم سبحانه معه بما يتعلَّق بالألوهيَّة، فسأله عن شيءٍ بيده
ولا يكادُ يغلطُ فيه؛ ليتكلَّمَ ويجيب، فتزولَ دهشته. قيل: وكذلك يعاملُ المؤمن
بعد موته، وذلك أنه إذا مات وصل إلى حضرة ذي الجلال، فيعتريه ما يعتريه،
فيسأله عن الإيمان الذي كان بيده في الدنيا ولا يكاد يغلطُ فيه، فإذا ذكره زال
عنه ما اعتراه.
وقيل: إنَّ الله تعالى لمَّا عرَّفه كمالَ الألوهيَّة أراد أن يُعَرِّفه نقصانَ البشريّة،
فسأله عن منافع العصا، فذكر بعضها، فعرَّفه الله تعالى أنَّ فيها ما هو أعظمُ نفعاً
ممَّا ذكره؛ تنبيهاً على أنَّ العقول قاصرةٌ عن معرفة صفات الشيء الحاضر،
فلولا التوفيق كيف يمكنه الوصولُ إلى معرفة أجلِّ الأشياء وأعظمها؟!
(١) في (م): وسر.

٣٤٤
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
﴿فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ فيه إشارةٌ إلى ظهور أثر الجلال، ولذلك خاف
موسى عليه السلام، فقال سبحانه: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ فهذا الخوفُ من كمال
المعرفة؛ لأنَّه لم يأمن مكر الله تعالى، ولو سبق منه سبحانه الإيناس، وفي بعض
الآثار: ((يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوزَ الصراط))(١).
وقيل: كان خوفُه من فوات المنافع المعدودة، ولذا علّل النهي بقوله تعالى:
﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾.
وهذا جهلٌ بمقام موسى عليه السلام، وكذا ما قيل: إنَّه لمَّا رأى الأمرَ الهائل فرَّ
حيثُ لم يبلغ مقام ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] ولو بلغه لم يفرَّ. وما قيل أيضاً: لعلّه
لما حصلَ له مقامُ المكالمة بقي في قلبه عُجْبٌ، فأراه الله تعالى أنَّه بعدُ في النقص
الإمكانيّ، ولم يفارق عالم البشريّة، وما النصرُ والتثبيتُ إلَّا من عند الله تعالى وحده.
﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَّخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾ أراد سبحانه أن يريه آيةً نفسيَّةً
بعد أن أراه عليه السلام آيةً آفاقية، كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِىّ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]، وهذا من نهاية عنايته جلَّ جلاله.
وقد ذكروا في هذه القصة نكاتٍ وإشارات؛ منها: أنَّه سبحانه لمّا أشار إلى
العصا واليمين بقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ حصل في كلٍّ منهما برهانٌ باهرٌ
ومعجزٌ قاهر، فصار أحدهما وهو الجماد حيواناً، والآخر وهو الكثيف نورانيّاً
لطيفاً، ثمَّ إنه تعالى ينظر في كل يوم ثلاث مئةٍ وستين نظرةً إلى قلب العبد، فأيُّ
عَجَبٍ أنْ ينقلبَ قلبُه الجامد المظلم حيّاً مستنيراً.
ومنها: أنَّ العصا قد استعدَّت بيُمنِ يمين موسى عليه السلام للحياة، وصارت
حيَّةً، فكيف لا يستعدُّ قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن
للحياة، ویصیر حيًّا .
ومنها: أنَّ العصا بإشارةٍ واحدةٍ صارت بحيثُ ابتلعت سحر السحرة، فقلبُ
المؤمن أولى أنْ يصيرَ بمدد نظر الربِّ في كلِّ يومٍ مرات بحيث تبتلعُ سحرَ النفس
الأمّارة بالسوء.
(١) سلف عند تفسير الآية ١٥ من سورة الأنعام.

التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
٣٤٥
سُورَةٌ طَّة
ومنها: أنَّ قوله تعالى أوَّلاً: ((اخلع نعليك)) إشارةٌ إلى التخلية وتطهير لوح
الضمير من الأغيار، وما بعدَه إشاراتٌ إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيله.
وأشار سبحانه إلى علم المبدأ بقوله تعالى: ((إنني أنا الله)) وإلى علم الوسط بقوله عزَّ
وجلَّ: ((فاعبدني وأقم الصلاةَ لذكري».
وفيه إشارةٌ إلى الأعمال الجسمانيَّة والروحانيَّة، وإلى علم المعاد بقوله
سبحانه: ((إنَّ الساعةَ آتيةٌ)).
ومنها: أنَّه تعالى افتتحَ الخطاب بقوله عزَّ قائلاً: ((وأنا اخترتك)) وهو غايةٌ
اللطف، وختَم الكلامَ بقوله جلَّ وعلا: ((فلا يَصدَّنَّك عنها)) إلى ((فتردى)) وهو قهر؛
تنبيهاً على أنَّ رحمته سبقت غضبه، وأنَّ العبدَ لابدَّ أن يكون سلوكُه على قدمي
الرجاء والخوف.
ومنها: أنَّ موسى عليه السلام كان في رجله شيءٌ وهو النعل، وفي يده شيءٌ
وهو العصا، والرجلُ آلةُ الهرب، واليد آلة الطلب، فأمرَ بترك ما فيهما تنبيهاً على
أنَّ السالك مادام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظّه،
فلا يحصلُ له كمالُ الاستغراق في بحر العرفان، وفيه أنَّ موسى عليه السلام مع
جلالة منصبه وعلوِّ شأنه لم يمكن له الوصولُ إلى حضرة الجلال حتى خلعَ
النعلَ، وألقى العصا، فأنت مع ألف وقرٍ من المعاصي كيف يمكنُك الوصولُ إلى
جنابه وحضرته جلَّ جلاله؟!
واستشكلت هذه الآيات من حيثُ إنَّها تدلُّ على أنَّ الله تعالى خاطبَ موسى
عليه السلام بلا واسطة، وقد خاطب(١) نبينا وَله بواسطة جبريل عليه السلام، فيلزمُ
مزيَّة الكليم على الحبيب عليهما الصلاة والسلام.
والجواب أنَّه تعالى شأنه قد خاطبَ نبيَّنا﴿ أيضاً بلا واسطة ليلة المعراج،
غاية ما في البال أنَّه تعالى خاطب موسى عليه السلام في مبدأ رسالته بلا واسطة،
وخاطب حبيبه عليه الصلاة والسلام في مبدأ رسالته بواسطة، ولا يثبتُ بمجرَّد ذلك
المزيَّةُ، على أنَّ خطابه لحبيبه الأكرم وَلقيه بلا واسطة كان مع كشف الحجاب ورؤيته
(١) في الأصل: خاطبه.

٣٤٦
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
عليه الصلاة والسلام إيَّاه على وجهٍ لم يحصل لموسى عليه السلام، وبذلك يجبرُ
ما يتوهّمُ في تأخير الخطاب بلا واسطة عن مبدأ الرسالة.
وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى عن نبينا وَله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا مَنَى
١٧
[النجم: ١٧] وقوله عن موسى عليه السلام: ((قال هي عصاي)) إلخ ترى الفرقَ واضحاً
بين الحبيب والكليم، مع أنَّ لكلِّ رتبةَ التكريم صلى الله تعالى عليهما وسلم.
وذكر بعضهم أنَّ في الآيات ما يشعرُ بالفرق بينهما أيضاً عليهما الصلاة
والسلام من وجهٍ آخر، وذلك أنَّ موسى عليه السلام كان يتوكَأ على العصا،
والنبيُّ وَّه كان يتَّكل على فضل الله تعالى ورحمته قائلاً مع أمته: حسبنا الله ونعم
الوكيل، ولذا ورد في حقِّه: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِى أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِينَ﴾
[الأنفال: ٦٤]، على معنى: وحسب من اتبعك. وأيضاً إنَّه عليه السلام بدأ بمصالح
نفسه في قوله: ((أتوّأ عليها)) ثم مصالح رعيته بقوله: ((وأهشُّ بها على غنمي))
والنبيُّ ◌َّيهِ لم يشتغل إلَّ بإصلاح أمر أمته: ((اللهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون))(١)
فلا جرم يقول موسى عليه السلام يوم القيامة: نفسي نفسي، والنبيُّ ◌َّ يقول:
(أُمَّتي أمَّتي))(٢). انتهى. وهو مأخوذٌ من كلام الإمام بل لا فرق إلَّا بيسيرٍ جدًّا (٣).
ولعمري إنَّه لا ينبغي أنْ يُقتدى به في مثل هذا الكلام، كما لا يخفى على ذوي
الأفهام، وإنما نقلته لأنبِّه على عدم الاعتداد(٤) به، نعوذُ بالله تعالى من الخذلان.
﴿قَالَ رَبٍّ أُشْرَحْ لِ صَدّرِى﴾ لم يذكر عليه السلام بِمَ يشرح صدره، وفيه
احتمالات، قال بعض الناس: إنَّه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور:
الأول: ذاتُه جل شأنه: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
الثاني: الرسولُ وَلِهِ: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ﴾ [المائدة: ١٥].
الثالث: الكتاب: ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(١) سلف ٣٧١/١٣.
(٢) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة
(٣) تفسير الرازي ٦/٢٢.
(٤) في (م): الاغترار.

٣٤٧
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
الرابع: الإيمان: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٢].
الخامس: عدل الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
السادس: القمر: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦].
السابع: النهار: ﴿وَجَعَلَ النُّلْنَتِ وَالنُّورُ﴾ [الأنعام: ١].
ج
الثامن: البينات: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
التاسع: الأنبياء عليهم السلام: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥].
العاشر: المعرفة: ﴿مَثَلُ نُورِ، كَمِشْكَوْقٍ فِهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
فكأن موسى عليه السلام قال أولاً :
(رب اشرح لي صدري)) بمعرفة أنوار جلال كبريائك.
وثانياً: «ربِّ اشرح لي صدري)) بالتخلُّق بأخلاق رسلك وأنبيائك.
وثالثاً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) باتِباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك.
ورابعاً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك.
وخامساً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك
وحكمك.
وسادساً: ((ربّ اشرح لي صدري)) بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار
جلال عزَّتك، كما فعله إبراهيم عليه السلام.
وسابعاً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار
فضلك وليل قهرك.
وثامناً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيِّناتك في
أرضك وسماواتك.
وتاسعاً: (ربّ اشرح لي صدري)) في أنْ أكون خَلَفَ صدقٍ للأنبياء المتقدِّمین،
ومشابهاً لهم في الانقياد لحكم ربِّ العالمين.

٣٤٨
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
وعاشراً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) بأنْ يجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها
المصباح. انتھی.
ولا يخفى ما بين أكثر ما ذُكر من التلازم، وإغناء بعضه عن بعض.
وقال أيضاً: إنَّ شرح الصدر عبارةٌ عن إيقاد النور في القلب حتى يصير
كالسراج، ولا يخفى أنَّ مستوقدَ السراج محتاجٌ إلى سبعة أشياء؛ زند، وحجر،
وحرَّاق، وكبريت، ومَسْرَجة، وفتيلة، ودهن، فالزندُ زندُ المجاهدة ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُوا
فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، والحجرُ حَجر التضرُّع ﴿أَدْعُواْ رَتَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾
[الأعراف: ٥٥] والحرَّاق منع الهوى ﴿وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَى﴾ [النازعات: ٤٠] والكبريت
الإنابة ﴿وَأَنِيُوْ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]، والمَسْرَجة الصبر ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾
[البقرة: ٤٥]، والفتيلة الشكر ﴿لَيْن شَكَّرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والدهن الرضا
﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَيِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] أي: ارضَ بقضائه.
ثَمَّ إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعوِّل عليها، بل ينبغي أنْ تطلب المقصودَ من
حضرة ربِّك جلَّ وعلا قائلاً: ((ربِّ اشرح لي صدري)) فهنالك تسمع: ((قد أوتيت
سؤلك یا موسی)).
ثَّ إنَّ هذا النورَ الروحانيّ أفضلُ من الشمس الجسمانيَّة لوجوه:
الأول: أنَّ الشمسَ يحجبها الغيم، وشمسُ المعرفة لا تحجبها السماوات
السبع ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
الثاني: الشمسُ تغيب ليلاً، وشمس المعرفة لا تغيبُ ليلاً ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ أَلِ هِىَ أَشْهُّ
وًَّا وَأَقْوُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ
أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].
الليلُ للعاشقين ستر
ياليت أوقاته تدوم(١)
الثالث: الشمسُ تفنى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١)، والمعرفة لا تفنى ﴿أَصَّلُهَا
ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَِّ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
(١) ديوان أبي فراس ص ٣٤٤.

التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
٣٤٩
سُورَةٌ طَّفة
الرابع: الشمسُ إذا قابلها القمر انكسفت، وشمس المعرفة، وهي ((أشهد أن
لا إله إلا الله)) إذا لم تقترن بقمر النبوة، وهي: ((أشهد أن محمداً رسول الله)) لم
يصل النور إلى عالم الجوارح.
الخامس: الشمس تسوِّدُ الوجهَ، والمعرفةُ تبيِّض الوجوه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ﴾
[آل عمران: ١٠٦].
السادس: الشمس تصدع، والمعرفة تصعد.
السابع: الشمس تحرق، والمعرفة تمنع من الإحراق (جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ
(١)
نورك لهبي)»(١) .
الثامن: الشمس منفعتُها في الدنيا، والمعرفةُ منفعتها في الدارين ﴿فَلَتُحْيَنَّهُ.
حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
التاسع: الشمس فوقائيَّة الصورة تحتانيَّة المعنى، والمعارفُ الإلهية بالعكس.
العاشر: الشمس تقع على الوليِّ والعدوّ، والمعرفةُ لا تحصل إلَّا للوليّ.
الحادي عشر: الشمسُ تُعرِّفُ أحوال الخلق، والمعرفة توصل القلب إلى
الخالق.
ولمَّا كان شرح الصدر الذي هو أوَّلُ مراتب الروحانيَّات أشرفَ من أعلى
مراتب الجسمانيات، بدأ موسى عليه السلام بطلبه قائلاً: ((ربِّ اشرح لي صدري))،
وعلامةُ شرح الصدر ودخول النور الإلهيِّ فيه التجافي عن دار الغرور، والرغبة في
دار الخلود. وشبّهوا الصدرَ بقلعةٍ، وجعلوا الأوَّل كالخندق لها، والثاني كالسور،
فمتى كان الخندقُ عظيماً والسورُ محكماً عجزَ عسكرُ الشيطان من الهوى والكبر،
والعجب والبخل، وسوء الظنِّ بالله تعالى، وسائر الخصال الذميمة، ومتى لم يكونا
كذلك دخلَ العسكرُ، وحينئذٍ ينحصرُ الملك في قصر القلب، ويضيق الأمرُ عليه.
وفرَّقوا بين الصدر والقلب والفؤاد واللبِّ، بأنَّ الصدرَ مقرُّ الإسلام ﴿أَفَنْ شَرَحَ
اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الزمر: ٢٢] والقلبَ مقرُّ الإيمان ﴿حَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ
(١) الحديث فيه ضعف، وسلف ١٤٩/١٦.

سُو ◌َلاَطَّ
٣٥٠
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] والفؤاد مَقْرُّ
المشاهدة ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١] واللبَّ مقامُ التوحيد ﴿إِنّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُوا
الأَلْبُبِ﴾ [الرعد: ١٩] أي: الذين خرجوا من قشر الوجود المجَازي، وبقوا بلبٌ
الوجود الحقيقيّ.
وإنما سأل موسى عليه السلام شرح الصدر دون القلب؛ لأنَّ انشراحَ الصدر
يستلزمُ انشراح القلب دون العكس، وأيضاً شرحُ الصدر كالمقدمة لشرح القلب:
والحرُّ تكفيه الإشارة(١)
فإذا علم المولى سبحانه أنَّه طالبٌ للمقدمة، فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة.
وأيضاً إنَّه عليه السلام راعى الأدب في الطلب، فاقتصر على طلب الأدنى،
فلا جرمَ أعطي المقصود، فقيل: ((قد أوتيت سؤلك يا موسى)) ولمَّا اجترأ في طلب
الرؤية، قيل له: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
ولا يخفى ما بين قول موسى عليه السلام لربّه عز وجل: ((ربِّ اشرح لي
صدري)) وقول الربِّ لحبيبه وَّهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ويعلم منه أنَّ
الكليم عليه السلام مريدٌ، والحبيب وَ* مراد، والفرق مثل الصبح ظاهر.
ويزيد الفرق ظهوراً أنَّ موسى عليه السلام في الحضرة الإلهية طلب لنفسه،
ونبيُّنَا وَ﴿ حين قيل له هناك: السلامُ عليك أيها النبيُّ، قال: ((السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين))(٢)، وقد أطال الإمام الكلام في هذه الآية بما هو من هذا
النمط، فارجع إليه إن أردته(٣) .
(١) عجز بيت للفلتان الفهمي، كما نسبه الجاحظ في البيان والتبيين ٣٧/٣، وصدره:
العبد يقرع بالعصا
قال الأستاذ عبد السلام هارون في تعليقه على هذا الموضع: وصوابه: الصلتان الفهمي.
(٢) أخرج البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((فإذا صلى أحدكم
فليقل :... السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد في السماء
والأرض ... )).
(٣) انظر تفسير الرازي ٣٨/٢٢-٤٥.

التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
٣٥١
سُورَةٌ طَفة
﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنِ لِسَانِى * يَفْقَهُواْ قَوْلِ﴾ كأنَّه عليه السلام طلب قدرةَ التعبير عن
الحقائق الإلهية بعبارة واضحة، فإن المطلبَ وَغْرٌ لا یکاد توجد له عبارةٌ تسھِّله حتى
يأَمَن سامعه عن العثار، ولذا ترى كثيراً من الناس ضلُّوا بعباراتٍ بعض الأكابر من
الصوفيَّة في شرح الأسرار الإلهية.
وقيل: إنَّه عليه السلام سأل حلَّ عقدة الحياء، فإنَّه استحيا أنْ يخاطب عدوَّ الله
تعالى بلسان به خاطب الحقَّ جلَّ وعلا، ولعلَّه أرادَ من القول المضاف القولَ الذي
به إرشادُ العباد، فإنَّ همَّة العارفين لا تطلبُ النطق والمكالمة مع النَّاس
فيما لا يحصلُ به إرشادٌ لهم، نعم النطقُ من حيث هو فضيلةٌ عظيمةٌ، وموهبةٌ
جسيمةٌ، ولهذا قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ جَ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
خَلَقَ الْإِنسَنَ جَ عَلَّمَهُ
الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١-٤] من غير توسيط عاطف.
وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ما الإنسانُ لولا اللسان إلَّا صورةٌ مصوَّرةٌ، أو
بهيمةٌ مهمَلٌ.
وقال وظه: المرءُ مخبوءٌ تحتَ طيِّ لسانه لا طيلسانه.
وقال ربه: المرءُ بأصغريه قلبه ولسانه.
وقال زهیر:
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه فلم يبق إلَّا صورةُ اللحم والدمِ(١)
ومن الناس من مدح الصمت لأنَّه أسلم :
يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانه وليس يموتُ المرء من عثرة الرِّجْلِ (٢)
وفي نوابغ الكلم: قِ فاكَ لا يقرع قفاك.
والإنصافُ أنَّ الصمتَ في نفسه ليس بفضيلةٍ؛ لأنَّه أمرٌ عدميٌّ، والنطق(٣) في
(١) جمهرة أشعار العرب ٣٠٠/١، وشرح الزوزني على المعلقات ص ١٥٩. واختلف في
نسبته، فنسبه بعضهم للأعور الشني، ونسبه البعض لزياد الأعجم، وقيل غير ذلك. انظر
البيان والتبيين ١/ ١٧٠-١٧١، والحماسة البصرية ٨٢/٢، والإمتاع والمؤانسة ١٤٤/٢.
(٢) هو منسوب لعلي بن أبي طالب ټڅبه، كما في ديوانه ص ٨٢.
(٣) في (م): والمنطق.

٣٥٢
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
نفسه فضيلة، لكن قد يصيرُ رذيلةً لأسبابٍ عرضيَّة، فالحقُّ ما أشارَ إليهِ وَّه بقوله:
((رحم الله تعالى امراً قال خيراً فغنم، أو سكتَ فسلم))(١).
وذكر في وجه عدم طلبه عليه السلام الفصاحة الكاملة أنَّها نصيبُ الحبيب
عليه الصلاة والسلام، فقد كان ◌َ﴾ أفصحَ من نطق بالضاد، فما كان له أن يطلبَ
ما كان له .
﴿وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِ * هَرُونَ أَخِى * آشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى * وَأَشْرِكُهُ فِىَ أَرِ﴾ فيه إشارةٌ
إلى فضيلة التعاون في الدين، فإنَّه من أخلاق المرسلين عليهم صلوات الله تعالى
وسلامه أجمعين. والوزارةُ المتعارفة بين الناس ممدوحةٌ إنْ زرع الوزيرُ في أرضها
ما لا يندمُ عليه وقتَ حصاده بين يدي ملك الملوك.
وفيه إشارةٌ أيضاً إلى فضيلة التوسُّط بالخير للمستحقِّين لا سيما إذا كانوا من
ذوي القرابة :
ومن منع المستوجبين فقد ظلم(٢)
وفي تقديم موسى عليه السلام مع أنَّه أصغر سنّاً على هارون عليه السلام مع أنَّه
الأكبر دليلٌ على أنَّ الفضلَ غيرُ تابعٍ للسنّ، فالله تعالى يختصُّ بفضله من يشاء.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ في ختم الأدعية بذلك من حسن الأدب مع الله تعالى
ما لا يخفى، وهو من أحسن الوسائل عند الله عزَّ وجلَّ، ومن آثار ذلك استجابةٌ
الدعاء.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٧٠٦) من حديث أبي أمامة وعص لته .
وأخرجه القضاعي (٥٨٢)، والبيهقي في الشعب (٤٩٣٨) من حديث أنس بن مالك
وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٩٣٤)، والقضاعي
في مسند الشهاب (٥٨١) من حديث الحسن مرسلاً.
وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٠)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في الصمت (٦٤) من
حديث ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن رسول الله بصير، وهو معضل. قال الألباني في
الصحيحة ٥١١/٢: فالحديث عندي حسن بمجموع هذه الطرق، والله أعلم.
(٢) عجز بيت نسب للإمام الشافعي، وهو في ديوانه ص١٦٦، وصدره:
وقد مَنَحَ الجَّال علماً أضاعه

التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
٣٥٣
سؤالاَ طَّئة
﴿وَلَقَدْ مَنْنَا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٌ﴾ تذكيرٌ له عليه السلام بما يزيدُ إيقانَه، وفيه إشارةٌ إلى
أنَّه تعالى لا يَردُّ بعد القبول، ولا يحرمُ بعد الإحسان، ومن هنا قيل: إذا دخلَ
الإيمانُ القلب أمن السلب، وما رجعَ من رجع إلَّا من الطريق.
﴿وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ أفردتك لي بالتجريد، فلا يشغلك عني شيءٌ.
﴿فَلَقْتَ سِنِينَ فِىَّ أَهْلِ مَذْيَنَ﴾ أشير بذلك إلى خدمته لشعيب عليه السلام، وذلك
تربيةٌ منه تعالى له بصحبة المرسلين؛ ليكون متخلقاً بأخلاقهم، متحلِّياً بآدابهم،
صالحاً للحضرة. ولصحبة الأخيار نفعٌ عظيمٌ عند الصوفية، وبعكس ذلك صحبة
الأشرار.
◌ِثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ وذلك زمان كمال الاستعداد، ووقتُ بعثة الأنبياء
عليهم السلام، وهو زمن بلوغهم أربعين سنة، و: ((من بلغ الأربعين ولم يَغْلِب خيرُه
على شرِّه فَلْيُنُحْ على نفسه، وليتجهّز إلى النار))(١).
﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ جاوزَ الحدَّ في المعصية حتى ادَّعى الربوبيَّة،
وذلك أثرُ سكر القهر الذي هو وصف النفس الأمّارة، ويقابله سكر اللطف وهو
وصف الروح، ومنه ينشأ الشطح ودعوى الأنانية، قالوا: وصاحبُه معذورٌ، وإلَّا
لم يكن فرقٌ بين الحلَّاج مثلاً وفرعون. وأهلُ الغيرة بالله تعالى يقولون:
لا فرق.
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيْنَا لَعَلَّهُ, يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْتَى﴾ فيه إشارةٌ إلى تعليم كيفيَّة الإرشاد،
وقال النهر جوريّ (٢): إنَّ الأمر بذلك لأنَّه أحَسَنَ إلى موسى عليه السلام في ابتداء
الأمر، ولم یکافئه.
﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا مُخْرِئُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ إشارة إلى الھیاکل وأقفاص
بلابل الأرواح، وإلَّا فالأرواحُ أنفسها من عالم الملكوت، وقد أشرقت على هذه
الأشباح ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورٍ رَيِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٢٢٢/٢، وانظر اللآلئ المصنوعة ١٢٦/١.
(٢) هو إسحاق بن محمد، أبو يعقوب، الأستاذ العارف الصوفي، صحب الجنيد وعمرو بن
عثمان المكي، وجاور مدَّة، ومات بمكة سنة ثلاثين وثلاث مئة. السير ٢٣٢/١٥-٢٣٣.
:

الآية : ٥٦
٣٥٤
وقد تأوَّل بعضُ أهل التأويل هذه القصة والآيات على ما في الأنفس، وهو
مشربٌ قد تركناه إلَّا قليلاً، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
﴿وَلَقَدْ أَرَّنَهُ﴾ حكايةٌ أخرى إجماليَّةٌ لما جرى بين موسى عليه السلام وفرعون
عليه اللعنة. وتصديرُها بالقَسَم لإبراز كمال العناية بمضمونها .
والإراءة من الرؤية البصريَّة المتعدِّية إلى مفعولٍ واحد، وقد تعدَّت إلى ثانٍ
بالهمزة، أو من الرؤية القلبية بمعنى المعرفة، وهي أيضاً متعدِّية إلى مفعولٍ
واحد بنفسها، وإلى آخر بالهمزة، ولا يجوز أن تكون من الرؤية بمعنى العلم
المتعدِّي إلى اثنين بنفسه وإلى ثالثٍ بالهمزة؛ لما يلزمه من حذف المفعول الثالث
من الإعلام. وهو غير جائز.
وإسناد الإراءة إلى ضمير العظمة نظراً إلى الحقيقة لا إلى موسى عليه السلام
نظراً إلى الظاهر لتهويل أمر الآيات وتفخيم شأنها، وإظهار كمال شناعة اللعين
وتماديه في الطغيان. وهذا الإسناد يقوِّي كونَ ما تقدَّم من قوله تعالى: ((الذي)) إلخ
من كلامه عزَّ وجلَّ، أي: بالله لقد بصَّرنا فرعون أو عرَّفناه ﴿ءَايَتِنَا﴾ حين قال
لموسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِثَايَقِ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (® وَزَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦-
١٠٨] وصيغةُ الجمع مع كونهما اثنتين إمَّا لأنَّ إطلاقَ الجمع على الاثنين
شائعٌ - على ما قيل - أو باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كلٌّ منها
آيَةٌ بَيِّنَةٌ لقوم يعقلون، وقد ظهر عند فرعون أمورٌ أخر كلٌّ منها داهيةٌ دهياء، فإنَّه
روي أنَّه عليه السلام لمّا ألقاها انقلبت ثعباناً أشعر فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون
ذراعاً، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، فتوجَّه نحو
فرعون فهرب وأحدثَ، فانهزمَ الناس مزدحمين، فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفاً
من قومه، فصاح فرعون: يا موسى أنشدك بالذي أرسلك إلَّا أخذتَه، فأخذه فعاد
عصاً.
وقد تقدَّم نحوه عن وهب بن منبِّه، وروي أنَّها انقلبت حيَّة ارتفعت في السماء

الآية : ٥٦
٣٥٥
سُورَلاَ طَّنة
قدر ميل، ثم انحطّت مقبلةً نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت،
ويقول فرعون: أنشدك .. إلخ.
ونزعَ يده من جيبه، فإذا هي بيضاء للناظرين بياضاً نورانيّاً خارجاً عن حدود
العادات، قد غلب شعاعُه شعاع الشمس، يجتمعُ عليه النَّظَّارة تعجّباً من أمره.
ففي تضاعيف كلٍّ من الآيتين آياتٌ جمَّةٌ، لكنَّها لمَّا كانت غير مذكورةٍ
صريحاً أكّدت بقوله تعالى: ﴿كُلَّهَا﴾ كأنَّه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها
وتفاصيلها قصداً إلى بيان أنَّه لم يبق في ذلك عذرٌ ما، والإضافة - على
ما قُرِّر - للعهد.
وأدرج بعضُهم فيها حلَّ العقدة، كما أدرجه فيها في قوله تعالى: ((اذهب أنت
وأخوك بآياتي)).
وقيل: المراد بها آيات موسى عليه السلام التسع، كما روي عن ابن عباس
فيما تقدَّم، والإضافة للعهد أيضاً .
وفيه أنَّ أكثرها إنَّما ظهرَ على يده عليه السلام بعد ما غلب السحرةَ على مهل
في نحوٍ من عشرين سنة. ولا ريبَ في أنَّ أمرَ السحرة مترقّبُ بعد ..
وعدَّ بعضهم منها ما جعل لإهلاكهم لا لإرشادهم إلى الإيمان، من فلق البحر،
وما ظهر من بعد مهلِكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل من نتق الجبل، والحجر
الذي انفجرت منه العیون.
وعدَّ آخرون منها الآيات الظاهرة على أيدي الأنبياء عليهم السلام، وحملوا
الإضافة على استغراق الأفراد.
وبنى الفريقان ذلك على أنَّه عليه السلام قد حكى جميع ما ذكر لفرعون، وتلك
الحكاية في حكم الإظهار والإراءة؛ لاستحالة الكذب عليه عليه السلام.
ولا يخفى أنَّ حكايتَه عليه السلام تلك الآيات ممَّا لم يجر لها ذكرٌ ها هنا مع
أنَّ ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من حمل ما أظهره عليه السلام على السحر
والتصدِّي للمعارضة بالمثل ممَّا يبعد ذلك جدّاً.

الآية : ٥٧
٣٥٦
وأبعد من ذلك كلِّه إدراج ما فصَّله عليه السلام من أفعاله تعالى الدالّة على
اختصاصه سبحانه بالربوبيَّة وأحكامها في الآيات.
وقيل: الإضافة لاستغراق الأنواع، و((كل)) تأكيدٌ له، أي: أريناه أنواع آياتنا
كلها، والمراد بالآيات المعجزات وأنواعها، وهي - كما قال السخاويُّ(١) - ترجعُ
إلى إيجادٍ معدومٍ، أو إعدام موجودٍ، أو تغييره مع بقائه. وقد أرى اللعينَ جميع
ذلك في العصا واليد.
وفي الانحصارِ نظرٌ؛ ومع الإغماض عنه لا يخلو ذلك عن بعد.
وزعمت الكشفيةُ أنَّ المرادَ من الآيات عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، أظهرَه الله
تعالى لفرعون راكباً على فرس، وذكروا من صفتها ما ذكروا، والجمعُ كما في قوله
تعالى: ﴿مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وظهورُ بطلانه يغني عن التعرُّض
لردِه.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبَ﴾ للتعقيب، والمفعول محذوفٌ، أي: فكذَّب
الآيات أو موسى عليه السلام من غير تردُّدٍ وتأخير ﴿وَأَ ﴾﴾ أي: قبول الآيات،
أو الحقّ، أو الإيمان والطاعة، أي: امتنعَ عن ذلك غايةَ الامتناع. وكان تكذيبُه
وإياؤه عند الأكثرين جحوداً واستكباراً، وهو الأوفقُ بالدَّمِّ.
ومن فسِّر ((أرينا)) بـ: عرَّفنا، وقدّر مضافاً، أي: صحَّة آياتنا، وقال: إنَّ
التعريفَ يوجبُ حصولَ المعرفة، قال بذلك لا محالة.
استئنافٌ مبيِّنْ
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى
لكيفيَّةِ تكذيبه وإبائه. والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، وزعم أنَّه أمرٌ محال،
والمجيء إمَّا على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدِّي له، أي: أجئتنا
من مكانك الذي كنتَ فيه بعد ما غِبت عنَّا، أو أقبلت علينا لتخرجنا من مصر
بما أظهرتَه من السحر، وهذا ممَّا لا يصدرُ عن عاقل لكونه من باب محاولة
المحال.
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ٢٠٩/٦، وعنه نقل المصنف: السخاوندي.

الآية : ٥٨
٣٥٧
وإنَّما قال ذلك ليحملَ قومه على غاية المقت لموسى عليه السلام بإبراز أنَّ
مرادَه ليس مجرَّد إنجاءٍ بني إسرائيل من أيديهم، بل إخراج القبط من وطنهم،
وحيازة أموالهم وأملاكهم بالكليّة، حتى لا يتوجَّهَ إلى اتِّباعه أحدٌ، ويبالغوا في
المدافعة والمخاصمة، إذ الإخراجُ من الوطن أخو القتل، كما يرشد إلى ذلك قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَّهِمْ أَنْ أَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُجُواْ مِنْ دِيَرِّكُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
وسمَّى ما أظهرَه الله تعالى من المعجزة الباهرة سحراً؛ لتجسيرهم على
المقابلة، ثم ادَّعى أنَّه يعارضه بمثله فقال: ﴿فَلَتَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ والفاء لترتيب
ما بعدها على ما قبلها، واللَّام واقعةٌ في جواب قَسَمِ محذوف، كأنه قيل: إذا كان
كذلك فوالله لنأتینك بسحرٍ مثل سحرك.
﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: وعداً، على أنَّه مصدرٌ ميميٍّ، وليس باسم
زمانٍ ولا مكان؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ قوله تعالى: ﴿لَّا تُخْلِفُهُ﴾ صفةٌ له، والضمير
المنصوب عائدٌ إليه، ومتى كان زماناً أو مكاناً لزمَ تعلُّق الإخلاف بالزمان أو
المكان، وهو إنَّما يتعلَّق بالوعد، يقال: أخلفَ وعدَه، لا زمانَ وعدِه ولا مكانه،
أي: لا نخلفُ ذلك الوعد.
﴿فَحْنُ وَلَّ أَنْتَ﴾ وإنَّما فوَّض اللعينُ أمرَ الوعد إلى موسى عليه السلام
للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب، وضيق الحال، وإظهار الجلادة، وإراءة أنَّه
متمكنٌ من تهيئة أسباب المعارضة، وترتيب آلات المغالبة، طالَ الأمدُ أم قَصُرَ،
كما أنَّ تقديمَ ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة النفي بينهما؛
للإيذان بمسارعته إلى عدم الإخلاف، وأنَّ عدم إخلافه لا يوجبُ عدمَ إخلافه عليه
السلام، ولذلك أگَّد النفي بتکریر حرفه.
وقرأ أبو جعفر وشيبة: ((لا نخلفْه)) بالجزم، على أنَّه جوابُ الأمر، أي: إن
جعلتَ ذلك لا نخلفه(١).
﴿مَكَانًا سُوی @)﴾ أي: منصفاً بيننا وبينك، كما روي عن مجاهد وقتادة، أي:
محلًّا واقعاً على نصف المسافة بيننا سواءً بسواء. وهذا معنى قول أبي عليّ: قُرْبُه
(١) البحر المحيط ٢٥٣/٦، وقراءة أبي جعفر - من العشرة - في النشر ٣٢٠/٢.

سُؤُلا طفة
٣٥٨
الآية : ٥٨
منكم كقربه منَّا(١). وعلى ذلك قول الشاعر:
وإنَّ أبانا كان حلَّ بأهله سوَى بين قيسٍ قيسٍ غيلان(٢) والفِزْرِ (٣)
أو: محلَّ نَصَف، أي: عدل، كما روي عن السدِّيِّ؛ لأنَّ المكانَ إذا لم
يترجَّح قربُه من جانب على آخر كان معدلاً بين الجانبين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنَّه قال: أي: مكاناً مستوياً من الأرض،
لا وَعْرَ فيه ولا جبل ولا أكمة ولا مطمئن؛ بحيث يسترُ الحاضرين فيه بعضهم عن
بعض، ومرادُه: مكاناً يتبيَّنُ الواقفون فيه، ولا يكون فيه ما يسترُ أحداً منهم ليُرى
كلُّ ما يصدرُ منك ومن السحرة.
وفيه من إظهار الجلادة وقوة الوثوق بالغلبة ما فيه.
وهذا المعنى عندي حسنٌ جدّاً، وإليه ذهب جماعة.
وقيل: المعنى: مكاناً تستوي حالُنا فيه، وتكون المنازل فيه واحدة، لا تعتبرُ فيه
رياسة، ولا تؤدى سياسة، بل يتحد هناك الرئيسُ والمرؤوس، والسائس والمسوس.
ولا يخلو عن حسن، وربما يرجع إلى معنى مَنْصَفاً، أي: محلَّ نَصَفٍ وعدل.
وقيل: ((سوى)) بمعنى ((غير))، والمراد: مكاناً غير هذا المكان. وليس بشيء؛
لأن ((سوى)) بهذا المعنى لا تُستعمل إلَّا مضافةً لفظاً، ولا تقطع عن الإضافة.
وانتصاب ((مكاناً)) على أنَّه مفعولٌ به لفعلٍ مقدَّر يدلُّ عليه ((موعداً))، أي: عِد
مكاناً، لا لـ ((موعداً))، لأنَّه - كما قال ابن الحاجب(٤) -: مصدرٌ قد وُصِف،
والمنصوبُ بالمصدر من تتمَّته، ولا يوصف الشيء إلّا بعد تمامه، فكان كوصف
الموصول قبلَ تمام صلته. وهو غير سائغ.
(١) انظر الحجة ٥/ ٢٢٤.
(٢) كذا في الأصل و(م) والبحر المحيط ٢٥٣/٦، وعنه نقل المصنف. وفي المصادر الأخرى:
عيلان.
(٣) البيت لموسى بن جابر، وهو في مجاز القرآن ٢٠/٢، والأغاني ٣١٧/١١، وخزانة الأدب
٣٠٢/١ باختلاف يسير، وانظر تفسير القرطبي ١٤ / ٨٤.
(٤) في أماليه ١/ ٢٤٧.
..
٠٫

الآية : ٥٨
٣٥٩
سُوَلاَ طَّئة
وعن بعض النحاة أنَّه يجوزُ وصفُ المصدر قبل العمل مطلقاً. وهو ضعيف.
وقال ابن عطية: يجوز وصفه قبل العمل إذا كان المعمول ظرفاً لتوسُّعهم فيه
ما لم يتوسَّعوا في غيره(١) .
ومن هنا جوَّز بعضُهم أنْ يكون ((مكاناً) منصوباً على الظرفية بـ ((موعداً)). ورُدَّ
بأنَّ شرط النصب على الظرفيَّة مفقودٌ فيه، فقد قال الرضيُّ: يشترط في نصب
(مكاناً)) على الظرفيَّة أن يكون في عامله معنى الاستقرار في الظرف، كقمتُ وقعدتُ
وتحركتُ مكانك، فلا يجوز نحو: كتبتُ الكتابة مكانك، وقتلته وشتمته مكانك.
وتُعقب بأنَّ ما ذكره الرضيُّ غير مسلَّم، إذ لا مانع من قولك لمن أراد التقرُّب
منك ليكلِّمك: تكلّم مكانك.
نعم لا يظَّردُ حسن ذلك في كلِّ مكان.
ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله تعالى: ((لا نخلفه))، على أنَّه مضمَّنٌ معنى المجيء
أو الإتيان.
وجُوِّزَ أن يكون ظرفاً لمحذوف وقع حالاً من فاعل ((نخلفه))، ويقدّر كوناً
خاصًّا؛ لظهور القرينة، أي: آتين أو جائين مكاناً.
وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو: ((سِوَّى)) بكسر السين والتنوين
وصلاً(٢). وقرأ باقي السبعة بالضم والتنوين كذلك، ووقف أبو بكر وحمزة
والكسائي بالإمالة. وورش وأبو عمرو بين بين(٣).
وقرأ الحسن في روايةٍ كباقي السبعة، إلّا أنَّه لم ينوِّن وقفاً ووصلاً (٤). وقرأ
عيسى كالأوَّلين، إلَّا أنَّه لم ينوِّن وقفاً ووصلاً أيضاً(٥).
(١) انظر المحرر الوحیز ٤٨/٤-٤٩.
(٢) وهي أيضاً قراءة الكسائي. انظر التيسير ص ١٥١، والنشر ٣٢٠/٢.
(٣) التيسير ص ١٥١.
(٤) القراءات الشاذة ص ٨٨، والمحتسب ٢/ ٥٢، وتفسير القرطبي ٨٣/١٤، والبحر المحيط
٢٥٣/٦.
(٥) القراءات الشاذة ص ٨٨، والبحر المحيط ٢٥٣/٦.

٣٦٠
الآية : ٥٩
ووجهُ عدم التنوين في الوصل إجراؤه مجرى الوقف في حذف التنوين. والضمُّ
والكسر - كما قال محيي السنة وغيره - لغتان في ((سوى))، مثل عُدًا وعِدًا(١).
وذكر بعض أهل اللغة أنَّ فعلاً بكسر الفاء مختصٌّ بالأسماء الجامدة، كعنب،
ولم يأت منه في الصفة إلَّ عِدًا جمع عدو، وزاد الزمخشريُّ: سوى، وغيرُه: رِوَى
بمعنى مرو. وقال الأخفش: ((سوى)) مقصورٌ إنْ كسرتَ سينه أو ضممت، وممدودٌ
إن فتحت؛ ففيه ثلاثُ لغات، ويكون فيها جميعاً بمعنى ((غير))، وبمعنى عَدْل
ووسط بين الفريقين.
وأعلى اللغات - على ما قال النَّاس - ((سوى)) بالكسر(٢).
﴿قَالَ﴾ أي: موسى عليه السلام، قال في ((البحر)): وأبعدَ من قال: إنَّ القائل
فرعون(٣). ولعمري إنَّه لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه، وكأنَّ الذي اضطرَّ قائلَه الخبرُ
السابق عن وهب بن منبه. فليتذكر.
﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم عيدٍ كان لهم في كلِّ عام، يتزيَّنون فيه ويزيِّنون
أسواقهم، كما روي عن مجاهد وقتادة.
وقيل: يوم النيروز، وكان رأسَ سنتهم.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ◌ًّا أنَّه يوم
عاشوراء(٤). وبذلك فُسِّر في قوله بَّهِ: ((من صام يومَ الزينة أدركَ ما فاته من صيام
تلك السنة، ومن تصدَّق يومئذٍ بصدقةٍ أدركَ ما فاته من صدقة تلك السنة))(٥).
وقيل: يوم كسر الخليج، وفي ((البحر)) (٦) أنَّه باقٍ إلى اليوم.
(١) تفسير البغوي ٢٢١/٣، وانظر تفسير الطبري ٨٨/١٦-٨٩، وتفسير القرطبي ١٤/ ٨٣. ووقع
في الأصل: هُدّی ومِدَی.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٢.
(٣) البحر المحيط ٢٥٤/٦.
(٤) الدر المنثور ٣٠٣/٤.
(٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ٣٠٣/٤ من حديث عبد الله بن عمرو، وعزاه لابن المنذر،
وهو في جامع الأحاديث (٢٢٢٤٩) وعزاه للديلمي.
(٦) ٦ / ٢٥٤.