النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٣٩ ٣٠١ إيَّه، فإنَّها ترجعُ إلى إيصال الثواب، وهو إنَّما يكون للمكلَّف (١). ورُدَّ بأنَّ محبّة الله تعالى عند المؤوِّلين عبارةٌ عن إرادة الخير والنفع، وهو أعم من أن يكون جزاءً على عمل أو لا يكون. والردُّ عند من لا يؤوِّلُ أظهر. وجوَّزَ بعضُهم إرادةَ المعنى الثاني على القول الأول في التعلُّق وإرادةَ المعنى الأوَّل على القول الثاني فيه، وزَعَم أنَّ وجه التخصيص غيرُ ظاهر، وهو لا يخفى على ذي ذهنٍ مستقيمٍ وذوقٍ سلیم. وقوله تعالى: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ (3) متعلِّقٌ بـ ((ألقيت)) على أنَّه عطف على علَّة مضمرة، أي: ليتُعطّفَ عليك ولتصنع، أو متعلِّقُ بفعلٍ مضمرٍ مؤخّر، أي: ولتصنع .. إلخ فعلت ذلك، أي: إلقاء المحبَّة عليك. وزَعْمُ أنَّه متعلِّقٌ بـ ((ألقيت)) على أنَّ الواو مقحمةٌ، ليس بشيءٍ. و(«على عيني) أي: بمرأى مني، متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المستتر في (تصنع))، وهو استعارةٌ تمثيليَّةٌ للحفظ والصون، فإنَّ المصون يجعل بمرأى. والصنعُ: الإحسان، قال النخَّاس: يقال: صنعتُ الفرس، إذا أحسنتَ إليه. والمعنى: أي: وليُفعلَ بك الصنيعةُ والإحسان، وتربَّى بالحنوِّ والشفقةِ، وأنا مراعيك ومراقبُك كما يراعي الرجلُ الشيء بعينه إذا اعتنى به. وبجعل ذلك تمثيلاً يندفع ما قاله الواحديُّ من أنَّ تفسير «على عيني)) بما تقدَّم صحيحٌ(٢)، ولكن لا يكون في ذلك تخصيصٌ لموسى عليه السلام، فإنَّ جميعَ الأشياء بمرأى من الله تعالى، على أنَّه قد يقال: هذا الاختصاصُ للتشريف، كاختصاص عيسى عليه السلام بكلمة الله تعالى، والكعبة ببيت الله تعالى، مع أنَّ الكل موجودٌ بـ (كن))، وكلّ البيوت بيتُ الله سبحانه، وقال قتادة: المعنى: لتُغذى على محبتي وإرادتي، وهو اختيار أبي عبيدة (٣) وابن الأنباريِّ، وزعم الواحديُّ(٤) أنَّه الصحيح. (١) تفسير الرازي ٢٢/ ٥٣. (٢) الوسيط للواحدي ٢٠٦/٣. (٣) في مجاز القرآن له ١٩/٢. (٤) الوسيط للواحدي ٢٠٦/٣. سُو ◌َلا ◌َ ٣٠٢ الآية : ٤٠ وقرأ الحسن وأبو نهيك: ((ولِتَصْنَع)) بفتح التاء (١). قال ثعلب: المعنى: لتكون حركتك وتصرُّفك على عينٍ منِّي، لئلا تخالفَ أمري. وقرأ أبو جعفر في رواية: ((ولِتُصنعْ)) بكسر اللام وجزم الفعل بها(٢)؛ لأنَّها لام الأمر. وأمرُ المخاطب باللام شاذٍّ، لكن لمَّا كانَ الفعلُ مبنيّاً للمفعول هنا، وكان أصلُه مسنداً للغائب، ولا كلام في أمره باللام؛ استصحب ذلك بعد نقله إلى المفعول للاختصار. والظاهرُ أنَّ العطف على قوله تعالى: ((وألقيتُ عليكَ محبَّةً مِنِّي)) إلَّا أنَّ فيه عطف الإنشاء على الخبر، وفيه كلامٌ مشهور، لكن قيل هنا: إنَّه هَوَّن أمرَه كونُ الأمر في معنى الخبر. وقال صاحب ((اللوامح)): إنَّ العطف على قوله تعالى: ((فليلقه))، فلا عطفَ فيه للإنشاء على الخبر. وقرأ شيبةٌ وأبو جعفر في روايةٍ أخرى كذلك، إلَّا أنَّه سكَّن اللام(٣)، وهي لام الأمرِ أيضاً، وبقيَّة الكلام نحو ما مرّ. ويحتمل أنْ تكون لام ((كي)) سكِّنت تخفيفاً، ولم يظهر فتح العين للإدغام. قال الخفاجيُّ: وهذا حسنُ جدّاً (٤). ﴿إِذْ تَمْشِىّ ◌ُنْتُكَ﴾ ظرفٌ لـ (تُصْنع)) كما قال الحوفيُّ وغيره، على أنَّ المراد به وقتٌ وقعَ فيه مشي الأخت، وما ترتَّبَ عليه من القول، والرجع إلى أمِّها، وتربيتها له بالحنوِ، وهو المصداق لقوله تعالى: ((ولتصنع على عيني)) إذ لا شفقةَ أعظمُ من شفقة الأمُّ وصنيعها على موجب مراعاته تعالى. وجوّزَ أنْ يكون ظرفاً لـ ((ألقيت))، وأن يكون بدلاً من ((إذ أوحينا)) على أنَّ (١) البحر المحيط ٢٤٢/٦. وهي في تفسير الطبري ٦٠/١٦، والمحتسب ٥١/٢ منسوبة لأبي نهيك فقط. (٢) البحر المحيط ٢٤٢/٦. (٣) البحر المحيط ٢٤٢/٦، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٢٠/٢. (٤) حاشية الخفاجي ٦/ ٢٠١. الآية : ٤٠ ٣٠٣ المرادَ بها وقتٌ مَّسعٌ، فيتَّحدَ الظرفان، وتصحّ البدليَّة، ولا يكون من إبدال أحد المتغايرين الذي لا يقعُ في فصيح الكلام. ورجّح هذا صاحبُ ((الكشف)) فقال: هو الأوفقُ لمقام الامتنان؛ لما فيه من تعداد المنَّة على وجهٍ أبلغ، ولما في تخصيص الإلقاء أو التربية بزمان مشي الأخت من العدول عن (١) الظاهر، فقبلَه كان عليه السلام محبوباً محفوظاً. ثمَّ أولى الوجهين جعلُه ظرفاً لـ ((تصنع))، وأمَّا النصبُ بإضمار ((اذكر)) فضعيف. اهـ. وأنتَ تعلمُ أنَّ الظاهر كونُه ظرفاً لـ ((تصنع»، والتقييد بـ («على عيني)) يُسقِطٌ التربية قبل في غير حِجْر الأمُّ عن العين. واعترض أبو حيَّان وجهَ البدليَّة بأنَّ كلَّ من الظرفين ضيِّقٌ ليس بمتَّسعِ لتخصيصه بما أضيف إليه، وليس ذلك كالسنة في الامتداد(٢). وفيه تأمُّل. واسم أخته عليه السلام: مريم. وقيل: كلثوم. وصيغةُ المضارع لحكاية الحال الماضية، وكذا يقال في قوله تعالى: ﴿فَنَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلَةٌ﴾ أي: يضمُّه إلى نفسه ویربِّيه. ﴿فَرَجَعْتَكَ إِلَى أُمِّكَ﴾ الفاء فصيحةٌ، أي: فقالوا: دلِّينا على ذلك، فجاءت بأمِّك، فرجعناك إليها ﴿كَلْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائك. وقرىء: (تَقِرَّ) بكسر القاف(٣). وقرأ جناح بن حبيش: ((تُقَرَّ) بالبناء للمفعول (٤). وَلَا تَحْزَنُ﴾ أي: لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك، وإلَّا فزوالُ الحزن مقدَّم على السرور المعبّر عنه بقرَّة العين، فإنَّ التخليةَ مقدَّمةٌ على التحلية. وقيل: الضميرُ المستتر في ((تحزن)) لموسى عليه السلام، أي: ولا تحزن أنت (١) في الأصل و(م): إلى. والمثبت من حاشية الخفاجي. (٢) البحر ٦/ ٢٤٢. (٣) هي قراءة عبد الحميد بن بكار عن ابن عامر، وهي غير المتواترة عنه، انظر تفسير القرطبي ١٤/ ٦٠، والبحر المحيط ٢٤٢/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٨٧، والبحر المحيط ٦/ ٢٤٢. ٣٠٤ الآية : ٤٠ بفقد إشفاقها، وهذا وإنْ لم يأبَه النظمُ الكريم، إلَّا أنَّ حزنَ الطفل غيرُ ظاهر، وما في سورة ((القصص)) (١) يقتضي الأول، والقرآنُ يفسّر بعضه بعضاً. أخرج جماعةٌ من خبرٍ طويلٍ عن ابن عباس ﴿ا أنَّ آسيةَ حين أخرجت موسى عليه السلام من التابوت، واستوهبته من فرعون فوهبه لها، أرسلت إلى من حولها من كلِّ امرأةٍ لها لبنٌّ لتختارَ لها ظِراً، فلم يقبل ثديّ واحدٍ منهنَّ، حتى أشفقت أنْ يمتنعَ من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرجَ إلى السوق مجمع الناس، ترجو أنْ تجدَ له ظئراً يأخذ ثديها، فلم يفعل، وأصبحتْ أمُّه والهةً، فقالت لأخته: قُصِّي أثره واطلبيه، هل تسمعينَ له ذكراً، أحيٍّ ابني أم قد أكلته الدوابّ؟ ونسيت الذي كان وعدَها الله تعالى، فبصرت به عن جنب، فقالت من الفرح: أنا أدلّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها فقالوا: وما يدريك ما نصحُهم له، هل يعرفونه؟ شكُّوا في ذلك، فقالت: نصحُهم له وشفقتهم عليه لرغبتهم في رضا الملك والتقرُّب إليه، فتركوها وسألوها الدلالة، فانطلقت إلى أمِّه فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلمَّا وضعتهُ في حجرها نزا إلی ثدیھا فمصَّه حتى امتلأ جنباه ريّاً، وانطلق البُشَراءُ إلى امرأة فرعون يبشِّرونها أن قد وجدنا لابنك ظِئراً، فأرسلت إليها، فأُتِيت بها وبه، فلما رأت ما يصنعُ بها قالت لها: امكثي عندي، أرضعي ابني هذا، فإنِّي لم أحب حبَّه شيئاً قط، قالت: لا أستطيع أن أدعَ بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي، لا آلوه خيراً فعلت، وإلَّ فإِنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، فذكرت أمُّ موسى ما كان الله عزَّ وجلَّ وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أنَّ الله عزَّ وجلَّ منجزٌ وعدَه، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبتَه الله تعالى نباتاً حسناً، وحفظَه لما قد قضى فيه، فلمَّا ترعرع قالت امرأة فرعون لأمِّه: أريني(٢) ابني، فوعدتَها يوماً تزورُها به فيه، فقالت لخُزَّانها وقهارمتها: لا يبقَ منكم أحدٌ إلا استقبلَ ابني بهديةٍ وكرامة، أرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أميناً يحصي ما صنعَ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تزل (١) أي قوله تعالى فيها: ﴿فَأَلْقِيِهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِطُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الآية: ٧]. (٢) كذا في الأصل و(م)، ووقع في مسند أبي يعلى، والدر المنثور: أريد أن تريني. ووقع عند النسائي والطبري: أزيريني. الآية : ٤٠ ٣٠٥ الهدايا والنِّحَل والكرامة تستقبلُه من حين خرج من بيت أمِّه إلى أنْ دخل عليها، فلمَّا دخل أكرمتهُ ونحلتهُ وفرحت به، ونحلَتْ أمَّه لحسن أثرها عليه، ثمَّ انطلقت به إلى فرعون لينحلَه وليكرمه. فكان ما تقدَّم من جذبٍ لحيته(١). ومن هذا الخبر يعلم أنَّ المراد: ((إذ تمشي أختك)) في الطريق لطلبك وتحقيق أمرك، ((فتقول)) لمن أنتَ بأيديهم يطلبونَ لك ظئراً ترضعُك: ((هل أدلَّكم)) إلخ. وفي روايةٍ أنَّه لمَّا أُخِذَ من التابوت فشا الخبر بأنَّ آل فرعون وجدوا غلاماً في النيل لا يرتضع ثديَ امرأة، واضطروا إلى تتُّع النساء، فخرجت أختُه لتعرفَ خبره فجاءتهم متنكِّرة، فقالت ما قالت، وقالوا ما قالوا، فالمراد على هذا: ((إذا تمشي أختُك)) إلى بيت فرعون ((فتقول)) لفرعون وآسية، أو لآسية: ((هل أدلكم» إلخ. ﴿وَقَلْتَ نَفْسًا﴾ هي نفسُ القبطيّ، واسمه: قانون، الذي استغاثَه عليه الإسرائيليُّ، واسمه: موسى بن ظفر، وهو السامريّ، وكان سنُّه عليه السلام حين قَتَلَ - على ما في ((البحر))(٢) - اثنتي عشرة سنة. وفي الخبر عن الحبر ابن عباس ◌ًا أنَّه عليه السلام حين قَتل القبطيَّ كان من الرجال(٣)، وكان قتلُهُ إِيَّاه بالوكز، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وكأنَّ المراد: وقتلتَ نفساً فأصابك غمٌّ ﴿فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو الغُمُّ الناشىء من القتل، وقد حصل له من وجهين؛ خوف عقاب الله تعالى، حيثُ لم يقع القتل بأمره سبحانه، وخوف اقتصاص فرعون، وقد نجَّاه الله تعالى من ذلك بالمغفرة حين قال: ﴿رَبِّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ﴾ [القصص: ١٦] وبالمهاجرة إلى مدين. وقيل: هو غُّ التابوت. وقيل: غمُّ البحر. وكلا القولين ليس بشيء. والغمُّ في الأصل: ستر الشيء، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس، ويقال لما يغُمُّ القلبَ بسبب خوفٍ أو فوات مقصود، وفرِّق بينه وبين الهمِّ بأنَّه من أمرٍ (١) سنن النسائي الكبرى (١١٢٦٣)، ومسند أبي يعلى (٢٦١٨)، وتفسير الطبري ٦/ ٦٤ -٦٧ . (٢) ٦/ ٢٤٢. (٣) في الحديث الطويل السالف بعضه ص٣٠٤ من هذا الجزء. سُ الطَّة ٣٠٦ الآية : ٤٠ ماضٍ، والهمُّ من أمرٍ مستقبل، وظاهرُ كلام كثيرٍ عدمُ الفرق، وشمولُ كلِّ لما يكون من أمرٍ ماضٍ وأمرٍ مستقبل. ﴿وَقَّكَ فُواْ﴾ أي: ابتليناك ابتلاءً، على أنَّ ((فتوناً)) مصدرٌ على فعول في المتعدِّي، كالثُّبور والشُّكور والكُفور، والأكثر في هذا الوزن أنْ يكون مصدرَ اللازم، أو ((فتوناً) من الابتلاء على أنَّه جمع فَتْن، كالظُّنون جمع ظَنّ، أو جمعُ فتنة على ترك الاعتداد بالتاء؛ لأنَّها في حكم الانفصال، كما قالوا في حُجُوز جمع: حُجْزَةٍ(١)، وبُدُور جمع: بَدْرةٍ(٢) . ونظم الابتلاء في سلك المنن قيل: باعتبار أنَّ المراد: ابتليناك واختبرناك بإيقاعك في المحن وتخليصك منها، وقيل: إنَّ المعنى: أوقعناك في المحنة، وهو ما يشُقُّ على الإنسان، ونظم ذلك في ذلك السلك باعتبار أنَّه موجِبٌ للثواب، فيكون من قبيل النعم، وليس بشيء. وقيل: إنَّ ((فتناك)) بمعنى خلَّصناك، من قولهم: فتنتُ الذهب بالنار، إذا خلَّصتَه بها من الغشِ، ولا یخفی حسنه. والمراد - سواءٌ اعتبر الفتونُ مصدراً أو جمعاً -: خلَّصناك مرَّة بعدَ أخرى، وهو ظاهرٌ على اعتبار الجمعيَّة، وأمَّا على اعتبار المصدريَّة فلاقتضاء السياق ذلك، وهذا إجمالُ ما ناله عليه السلام في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأُلَّاف(٣)، والمشي راجلاً، وقَقْد الزاد. وقد روى جماعةٌ أنَّ سعيد بن جبير سأل ابن عباس عن الفتون فقال له: استأنف النهار يا ابن جبير، فإنَّ لها خبراً طويلاً، فلمَّا أصبحَ غدا عليه، فأخذ ابنُ عباسٍ يذكر ذلك، فذكر قصَّة فرعون وقتله أولادَ بني إسرائيل، ثم قصَّة إلقاءِ موسى عليه السلام في اليمّ، والتقاط آل فرعون إِيَّاه، وامتناعه من الارتضاع من الأجانب، وإرجاعه إلى أمِّه، ثم قصَّة أخذه بلحية فرعون، وغضب فرعون من ذلك، وإرادته (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: ما يوضع في تكة السراويل ونحوها. اهـ منه. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: مقدار من النقد معروف. اهـ منه. (٣) قال الشهاب في حاشيته ٦/ ٢٠٢: والأُلَّاف جمع آلف بالمد، ككافر وكفار، وفي نسخة [أي عند البيضاوي]: الإلف بمعنى المألوف، والمراد الأصحاب الذين ألفهم. الآية : ٤٠ ٣٠٧ سُوَلاَطَّ قتله، ووضع الجمرة والجوهرة بين يديه، وأخذه الجمرة، ثمَّ قصَّة قتله القبطيّ، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام، ثمَّ عوده إلى مصر وإخطاء الطريق في الليلة المظلمة، وتفرُّقٍ غنمه فيها، وكان عُ عند تمام كلِّ واحدةٍ يقول: هذه من الفتون يا ابن جبير(١). ولكن قيل: الذي يقتضيه النظمُ الكريم أنْ لا يعدَّ إجارة نفسه وما بعدها من تلك الفتون؛ ضرورةً أنَّ المراد بها ما وقع قبل وصوله عليه السلام إلى مدين، بقضية الفاء في قوله تعالى: ﴿فَلِئْتَ سِنِينَ فِيَّ أَهْلِ مَذْيَنَ﴾ إذ لا ريب في أنَّ الإجارة المذكورة وما بعدها ممَّا وقع بعد الوصول إليهم. وقد أشير بذكر لبثه عليه السلام فيهم دون وصوله إليهم إلى جميع ما قاساه عليه السلام من فنون الفتون في تضاعيف مدَّة اللبث، وهي فيما قيل عشر سنين. وقال وهب: ثمان وعشرون سنةً، أقام في عشرٍ منها يرعى غنم شعيب عليه السلام مهراً لابنته، وفي ثماني عشرة مع زوجته وولدٍ له فيها، وهو الأوفقُ بكونه عليه السلام نُبِىءَ على رأس الأربعين، إذا قلنا بأنَّ سَّه عليه السلام حين خرج إلى مدين اثنتا عشرة سنة. و ((مدين)): بلدةُ شعيبٍ عليه السلام على ثمان مراحل من مصر. ـ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ أي: إلى المكان الذي ناديتُك فيه، وفي كلمة التراخي إيذانٌ بأنَّ مجيئَه عليه السلام كان بعد اللَّتِيًّا والتي من ضلال الطريق وتفرُّق الغنم في الليلة المظلمة الشاتية، وغير ذلك. ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ أي: تقدير، والمراد به المقدَّر، أي: جئت على وَفْق الوقت الذي قدَّرتُه وعيَّنْتُه لتكليمك واستنبائك بلا تقدُّم ولا تأخّرٍ عنه. وقيل: هو بمعنى المقدار، أي: جئت على مقدارٍ من الزمان يُوحى فيه إلى الأنبياء عليهم السلام، وهو رأس أربعين سنة. وضُعِّف بأنَّ المعروفَ في هذا المعنى القَدْر بالسكون لا التحريك. (١) هو حديث الفتون الذي سلف بعضه ص٣٠٤ من هذا الجزء. الآية : ٤١ ٣٠٨ وقيل: المرادُ على موعدٍ وعدناكَه، ورويَ ذلك عن مجاهد، وهو يقتضي تقدُّم الوعد على لسان بعض الأنبياء عليهم السلام. وهو كما ترى. وقوله تعالى: ﴿يَمُوسَى ﴾﴾ تشريفٌ له عليه السلام وتنبيهٌ على انتهاء الحكاية التي هي تفصيلُ المرَّة الأخرى التي وقعت قبل المرّة المحكيَّة أولاً . وقوله سبحانه: ﴿وَاصْطَعْتُكَ لِنَفْسِ (®﴾ تذكيرٌ لقوله تعالى: ((وأنا اخترتُك)) وتمهيدٌ لإرساله عليه السلام إلى فرعون مُؤَيَّداً بأخيه، حسبما استدعاه بعد تذكير المنن السابقة، تأكيداً لوثوقه عليه السلام بحصول نظائرها اللاحقة. ونظم ذلك الإمام في سلك المنن المحكيَّةِ(١)، وظاهر توسيط النداء يؤيِّدُ ما تقدَّم. والاصطناع افتعالٌ من الصنع بمعنى الصنيعة، وهي الإحسان، فمعنى اصطنعَه: جعله محلَّ صنيعته وإحسانه. وقال القفَّال: يقال: اصطنع فلانٌ فلاناً: إذا أحسنَ إليه حتى يضاف إليه، فيقال: هذا صنیعُ فلانٍ وخرِّیجه. ومعنى ((لنفسي)) ما روي عن ابن عباس: لِوَحْيي ورسالتي. وقيل: لمحبَّتي، وعبَّر عنها بالنفس؛ لأنَّها أخصُّ شيءٍ بها. وقال الزَّجَّاج: المراد: اخترتُك لإقامة حجَّتي، وجعلتكَ بيني وبين خلقي؛ حتى صرتَ في التبليغ عني بالمنزلة التي أكونُ أنا بها لو خاطبتُهم واحتَجَجْتُ(٢) علیھم. وقال غير واحدٍ من المحقّقين: هذا تمثيلٌ لما خوَّله عزَّ وجلَّ من جعله نبيّاً مكرَّماً كليماً مُنْعَماً عليه بجلائل النعم بتقريبٍ الملك من يراه أهلاً لأنْ يقرَّب، فيصطنعُه بالكرامة والأثرة، ويجعلُه من خواصٌ نفسه وندمائه، ولا يخفى حسنُ هذه الاستعارة، وهي أوفق بكلامه تعالى. وقولُه تعالى: (لنفسي)) عليها ظاهر. وحاصل المعنى: جعلتُك من خواصِّي، واصطفيتُك برسالتي وبكلامي. (١) تفسير الرازي ٥٦/٢٢. (٢) في (م): احتجبت. الآية : ٤٢ ٣٠٩ وفي العدول عن نون العظمة الواقعة في قوله سبحانه: ((وفتناك)) ونظيريه السابقين تمهيدٌ لإفراد النفس اللائق بالمقام، فإنَّه أدخل في تحقيق معنى الاصطناع والاستخلاص. وقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَلَخُوَكَ بِثَايَتِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان ما هو المقصود بالاصطناع، و((أخوك)) فاعلٌ بفعلٍ مضمر، أي: وليذهب أخوك حسبما استدعيت. وقيل: معطوفٌ على الضمير المستتر المؤكَّد بالضمير البارز، ورُبَّ شيءٍ يصحُّ تبعاً ولا يصحُّ استقلالاً. و((الآيات)): المعجزات، والمراد بها في قولٍ اليدُ والعصا وحلُّ العقدة، وعن ابن عباس: الآيات التسع. وقيل: الأولان فقط، وإطلاقُ الجمع على الاثنين شائع؛ ويؤيِّد ذلك أنَّ فرعونَ لمَّا قال له عليه السلام: فأتِ بآيةٍ، ألقى العصا ونزع اليد، وقال: ﴿فَذَّنِكَ بُرْهَنَانِ﴾ [القصص: ٣٢]. وقال بعضهم: إنَّهما وإنْ كانتا اثنتين، لكن في كلِّ منهما آياتٌ شتَّى، كما في قوله تعالى: ﴿مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] فإنَّ انقلابَ العصا حيواناً آيةٌ، وكونها ثعباناً عظيماً لا يقادرُ قدره آيةٌ أخرى، وسرعة حركته مع عظم جرمه آيةٌ أخرى، وكونه مع ذلك مسخّراً له عليه السلام بحيث يدخل(١) يده في فمه فلا يضرُّه آيةٌ أخرى، ثمَّ انقلابها عصاً كما كانت آيةٌ أخرى، وكذلك اليدُ البيضاء، فإنَّ بياضها في نفسه آيةٌ، وشعاعها آيةٌ، ثمَّ رجوعها إلى حالتها الأولى آيةٌ أخرى. وقيل: المرادُ بها ما أُعطيَ عليه السلام من معجزةٍ ووحي. والذي يميلُ إليه القلب أنَّها العصا واليد لما سمعت من المؤيّد(٢)، مع ما تقدَّم من أنَّه تعالى بعد ما أمره بإلقاء العصا وأخذِها بعد انقلابها حيَّةً قال سبحانه: ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَلِكَ تَّخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءِ ءَايَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] ثم قال سبحانه: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ إِنَُّ طَفَى﴾ [طه: ٢٤] من غير تنصيصٍ على غير تلك الآيتين، ولا تعرُّضٍ لوصف حلِّ العقدة ولا غيره بكونه آية. ثمَّ إنَّ الباء للمصاحبة لا للتعدية، (١) لفظة: يدخل. ليست في (م). (٢) أي: موسى عليه السلام بقوله: ﴿فَذَّنِكَ بُرْهَنَانِ﴾. ٣١٠ الآية : ٤٣ إذ المرادُ ذهابهما إلى فرعون ملتبسَين بالآيات متمسّكَين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال الدعوة، لا مجرد إذهابها وإيصالها إليه، وهذا ظاهرٌ في تحقق (١) الآيات إذ ذاك، وأكثرُ التسع لم يتحقَّق بعد. ﴿وَلَا نَِّيَا﴾ من الونى بمعنى الفتور، وهو فعلٌ لازمٌ، وإذا عُدِّيَ عُدِّيَ بـ ((في)) وبـ ((عن)). وزعم بعضُ البغداديين أنَّه فعلٌ ناقصٌ من أخوات ((زال)) وبمعناها، واختاره ابن مالك(٢). وفي ((الصحاح)): فلانٌ لايني يفعلُ كذا، أي: لايزالُ يفعل كذا(٣)، وكأنَّ هذا المعنى مأخوذٌ من نفي الفتور. وقرأ ابنُ وثَّاب: ((ولا تِنيا)» بكسر التاء إتباعاً لحركة النون. وفي مصحف عبد الله: ((لا تهنا))(٤)، وحاصله أيضاً: لا تفترا. ﴿فِی ذِكْرِى @﴾ بما يليق بي من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلى عبادتي. وقيل: المعنى: لا تنيا في تبليغ رسالتي، فإنَّ الذكر يقع مجازاً على جميع العبادات، وهو من أجلُّها وأعظمها. وروي ذلك عن ابن عباس هقها. وقيل: لا تنسياني حيثما تقلَّبتما، واسْتَمِدًّا به العون والتأييد، واعلما أنَّ أمراً من الأمور لا يتأتّى ولا يتسنَّى إلَّا بذكري. وجَمْعُ هارون مع موسى عليه السلام في صيغة نهي الحاضر - بناءً على القول بغيبته إذ ذاك - للتغليب، ولا بعدَ في ذلك كما لا يخفى. وكذا جمعه في صيغة أمرٍ الحاضر بناءً على ذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبَآَ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾﴾ وروي أنَّه أوحَى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقَّى موسى عليهما السلام. وقيل: ألهِم ذلك. وقيل: سمع بإقباله فتلقَّاه، ويحتملُ أنَّه ذهب إلى الطور واجتمعا هناك فخوطبا معاً، ويحتمل أنَّ هذا الأمرَ بعد إقبال موسى عليه السلام من الطور إلى مصر واجتماعه بهارون عليه السلام مقبلاً إليه من مصر. (١) في الأصل: تحقيق. (٢) انظر التسهيل ص ٥٢. (٣) الصحاح (ونى). (٤) البحر المحيط ٢٤٥/٦. الآية : ٤٤ ٣١١ وفرَّق بعضُهم بين هذا وقوله تعالى: ((اذهب أنت وأخوك)) بأنَّه لم يبيِّن هناك من يُذْهَب إليه، وبيَّن هنا، وبعضٌ آخر بأنه أُمِرا هنا بالذهاب إلى فرعون، وكان الأمرُ هناك بالذهاب إلى عموم أهل الدعوة. وبعضٌ آخر بأنَّه لم يخاطب هارون هناك، وخوطب هنا. وبعضٌ آخر بأنَّ الأمرَ هناك بذهاب كلٍّ منهما على الانفراد نصّاً أو احتمالاً، والأمر هنا بالذهاب على الاجتماع نصّاً. ولا يخفى ما في بعض هذه الفروق من النظر، والفرقُ ظاهرٌ بين هذا الأمر والأمر في قوله تعالى أولاً خطاباً لموسى عليه السلام: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعُونَ إِنَّهُ طَفَى﴾ [طه : ٢٤]. ﴿فَقُولَا لَهُ، فَولا لَيْنَا﴾ قرأ أبو معاذ: ((لَيْناً) بالتخفيف(١)، والفاء لترتيب ما بعدها على طغيانه، فإنَّ تليين القول ممَّا يكسِرُ سَوْرَةَ عنادِ العتاة، ويليِّن قسوةَ الطغاة، ويعلم من ذلك أنَّ الأمرَ بإلانة القول ليس لحقِّ التربية كما قيل، والمعنى كما قال ابن عباس ﴾ًا: لا تعنّفاً(٢) في قولكما، وارفقا به في الدعاء. ويتحقَّق ذلك بعباراتٍ شتَّى، منها ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً، وهو: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [الآية: ٤٧] إلخ، ومنها ما في ((النازعات)) وهو: ﴿هَل لَّكَ إِلَّ أَنْ تَزَّكَّ * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى﴾ [الآية: ١٨-١٩]. وهذا ظاهرٌ غايةَ الظهور في الرفق في الدعاء، فإنَّه في صورة العرض والمشورة. وقيل: كنِّياه، واستُدِلَّ به على جواز تكنية الكافر، ورُوي ذلك عن عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه وابن عباس ﴾ أيضاً وسفيان الثوريّ. وله كنى أربع: أبو الوليد، وأبو مصعب، وأبو العباس، وأبو مرَّة. وقيل: عِدَاهُ شباباً لا يهرم بعده، ومُلكاً لا يُنزع منه إلَّا بالموت، وأنْ يبقى له لذَّةُ المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. وعن الحسن: قولا له: إنَّ لك ربّاً، وإنَّ لك معاداً، وإنَّ بين يديك جنَّةً وناراً، فآمن بالله تعالى يدخلك الجنة ويقك عذاب النار. (١) القراءات الشاذة ص ٨٨. (٢) في (م): لا تعنفاه. سُو ◌َلاَطَّئة ٣١٢ الآية : ٤٤ وقيل: أمرهما سبحانه بأنْ يُقدِّما له الوعد على الوعيد من غير تعيين قول، كما قيل: أقدِّم بالوعد قبل الوعيد لينهى القبائلُ جهالَها (١) وروي عن عكرمة أنَّ القولَ الليّن: لا إله إلا الله، ولينه خفَّتُه على اللسان. وهذا أبعدُ الأقوال، وأقربُها الأول. وكان الفضلُ بن عيسى الرقاشيُّ إذا تلا هذه الآية قال: يا من يتحبَّبُ إلى من یعادیه، فكيف بمن یتولّا، وینادیه. وقُرِئت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال: إلهي هذا رفقُك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الله؟ وفيها دليلٌ على استحباب إلانة القول للظالم عند وعظه ﴿لَّمَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ويتأمَّل، فيبذلَ النصفة من نفسه والإذعانَ للحقِّ، فيدعوه ذلك إلى الإيمان ﴿أَوْ يَخْشَى ﴾ أنْ يكون الأمرُ كما تصفان، فيجرَّه إنكاره إلى الهلكة، وذلك يدعوه إلى الإيمان أيضاً، إلَّا أنَّ الأوَّل للراسخين، ولذا قُدِّم. وقيل: يتذكَّرُ حالَه حين احتبس النيل فسار إلى شاطئه وأبعد، وخرَّ لله تعالى ساجداً راغباً أن لا يخجله، ثم ركب فأخذ النيلُ يتبعُ حافرَ فرسه، فيستدلُّ بذلك على عظيم حلم الله تعالى وكرمه. أو يخشى ويحذر من بطش الله تعالى وعذابه سبحانه. والمعوَّل على ما تقدَّم. و((لعل)) للترجِّي، وهو راجعٌ للمخاطبين، والجملة في محلِّ النصب حالٌ من ضميرهما في ((قولاً))، أي: فقولا له قولاً ليِّناً راجِيَين أنْ يتذكَّر أو يخشى. وكلمة ((أو)) لمنع الخلوِّ. وحاصل الكلام: باشرا الأمر مباشرةً مَنْ يرجو ويطمع أنْ يُثمرَ عملُه ولا يخيب سعیه، فهو يجتهدُ بطوعه، ويحتشدُ بأقصى وسعه. وقيل: حالٌ من ضميرهما في ((اذهبا)). والأوَّل أولى. (١) البيت لعبيد بن ماوية كما في شرح الحماسة للمرزوقي ٦٠٦/٢. وفيه: بالزجر، بدل: بالوعد. الآية : ٤٤ ٣١٣ سُو ◌َلاَ طَّفة وقيل: ((لعلّ)) هنا للاستفهام، أي: هل يتذكر أو يخشى؟ وأخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴾(١). قيل: وهو القول اللين، وأخرج ذلك مخرجَ قولك: قل لزيد: هل يقوم؟ وقال الفرَّاء: هي هنا بمعنى ((كي)) التعليلية، وهي أحدُ معانيها، كما ذهب إليه جماعةٌ منهم الأخفش والكسائيُّ، بل حكى البغويُّ عن الواقديِّ أنَّ جميع ما في القرآن من ((لعلَّ) فإنها للتعليل، إلَّا قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] فإنَّها للتشبيه كما في ((صحيح البخاري))(٢). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيّ عن أبي مالك قال: ((لعل)) في القرآن بمعنى ((كي) غير آيةٍ في ((الشعراء)»: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، فإنَّ المعنى: كأنكم تخلدون(٣). وأخرج عن قتادة أنه قال: قرئ كذلك(٤). ولا يخفى أنَّ كونها للتشبيه غريبٌ لم يذكره النحاة، وحملها على الاستفهام هنا بعيد، ولعلَّ التعليلَ أسبقُ إلى كثير من الأذهان من الترجِّي، لكن الصحيح - كما في ((البحر))(٥) - أنَّها للترجّي، وهو المشهور من معانيها. وقيل: إنَّ الترجِّي مجازٌ عن مطلق الطلب، وهو راجعٌ إليه عزَّ وجلَّ، والذي لا يصحُّ منه سبحانه هو الترجِّي حقيقةً. والمحقِّقون على الأول. والفائدةُ في إرسالهما عليهما السلام إليه مع العلم بأنَّه لا يؤمِن = إلزامُ الحَجَّة وقطعُ المعذرة. وزعم الإمامُ أنَّه لا يَعلم سرَّ الإرسال إليه مع علمه تعالى بامتناع حصول (١) الدر المنثور ٣٠١/٤. (٢) كتاب التفسير، سورة الشعراء، من قول ابن عباس معلقاً، قبل الحديث (٤٧٦٨)، وانظر البرهان في علوم القرآن ٤/ ٣٩٤. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦٠/١ (٢١٨). (٤) سيأتي بيانها عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة الشعراء. (٥) ٢٤٦/٦. ٣١٤ الآية : ٤٥ الإيمان منه إلَّ الله عزَّ وجلَّ، ولا سبيل في أمثال هذا المقام لغير التسليم وترك الاعتراض(١). واستدلَّ بعضُ المتَّبعين لمن قال بنجاة فرعون بهذه الآية، فقال: إنَّ لعلَّ كذا، من الله تعالى واجبُ الوقوع، فتدلُّ الآيةُ على أنَّ أحد الأمرين التذكّر والخشية واقعٌ، وهو مدار النجاة. وقد تقدَّم لك ما يُعلَم منه فسادُ هذا الاستدلال. ولا حاجةَ بنا إلى ما قيل من أنه تذكَّر وخشيَ لكن حيث لم ينفعهُ ذلك، وهو حين الغرق، بل لا يصحُّ حملُ التذكُّر والخشية هنا على ما يشمل التذكُّر والخشية اللذين زعمَ القائل حصولهما لفرعون، فتذكر. ﴿قَالَا﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنَّه قيل: فماذا قالا حين أمرا بما أمرا؟ فقيل: (قالا)) إلخ. وأسند القول إليهما، مع أنَّ القائل هو موسى عليه السلام على القول بغيبة هارون عليه السلام؛ للتغليب كما مرَّ. ويجوز أن يكون هارون عليه السلام قد قال ذلك بعد اجتماعه مع موسى عليه السلام، فحكى قولَه مع قول موسى عند نزول الآية، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّها الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ اٌلَِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] فإنَّ هذا الخطاب قد حُكيَ لنا بصيغة الجمع، مع أنَّ كلَّا من المخاطبين لم يخاطَب إلَّا بطريق الانفراد. وجُوِّزَ كونهما مجتمعين عند الطور، وقالا جميعاً: ﴿رَبََّآَ إِنَّنَا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ أي: أن يعجلَ علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة، من فَرَطَ إذا تقدَّم، ومنه: الفارطُ المتقدِّم للمورد والمنزل، وفرسٌ فارظٌ يسبق الخيل. وفاعل ((يفرط)) على هذا ((فرعون)). وقال أبو البقاء(٢): يجوزُ أن يكون التقدير: أن يفرط علينا منه قولٌ، فأضمر القول، كما تقول: فرط منّ قولٌ. وهو خلافُ الظاهر. وقرأ يحيى وأبو نوفل وابنُ محيصن في رواية: ((يُفرَط)) بضمِّ الياء وفتح (١) تفسير الرازي ٥٩/٢٢ . (٢) الإملاء ١٢١/٢-١٢٢. الآية : ٤٥ ٣١٥ الراء (١)، من أفرطتُه، إذا حملته على العجلة، أي: يخافُ أنْ يحمله حاملٌ من الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب. وقرأت فرقة والزعفرانيُّ عن ابن محيصن: ((يُفرِط)) بضمِّ الياء وكسر الراء(٢)، من الإفراط في الأذيَّة. واستشكل هذا القول مع قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيِكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥] فإنَّه مذكورٌ قبل قولهما هذا، بدلالة ﴿سَنَشُدُ﴾ وقد دلَّ على أنَّهما محفوظان من عقوبته وأذاه، فكيف يخافان من ذلك؟ وأجيب: بأنَّه لا یتعیَّن أن يكون المعنى: لا يصلون بالعقوبة؛ لجواز أن يراد: لا يصلون إلى إلزامكما بالحجَّة، مع أنَّ التقدُّم غيرُ معلوم، ولو قدِّم في الحكاية، لاسيما والواو لا تدلُّ على ترتيب، والتفسير المذكور مأثورٌ عن كثير من السلف، منهم ابن عباس ومجاهد، وهو الذي يقتضيه الظاهر. وزعم الإمام أنَّهما قد أمنا وقوعَ ما يقطعهما عن الأداء بالدليل العقليّ، إلا أنَّهما طلبا بما ذُكر ما يزيدُ في ثبات قلوبهما، بأنْ ينضافَ الدليل النقليُّ إلى الدليل العقليّ، وذلك نظيرُ ما وقع لإبراهيم عليه السلام من قوله: ﴿رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَّ﴾ (٣) [البقرة: ٢٦٠]. ولا يخفى أنَّ في دعوى علمهما بالدليل العقليِّ عدمَ وقوع ما يقطعهما عن الأداء بحثاً . واستشكل أيضاً حصول الخوف لموسى عليه السلام بأنَّه يمنعُ عن حصول شرح الصدر له الدالٌّ على تحقُّقه قولُه تعالى بعد سؤاله إياه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦]. وأجاب الإمام بأنَّ شرحَ الصدر عبارةٌ عن قوَّته على ضبط تلك الأوامر (١) البحر المحيط ٢٤٦/٦، والقراءات الشاذة ص ٨٧، وذكرها ابن جني في المحتسب ٥٢/٢ عن ابن محيصن فقط. (٢) البحر ٢٤٦/٦، والقراءات الشاذة ص ٨٧. (٣) تفسير الرازي ٦٠/٢٢ . سُؤٌرَةٌ طَّة ٣١٦ الآية : ٤٥ والنواهي وحفظٍ تلك الشرائع على وجهٍ لا يتطرَّق إليها السهو والتحريف، وذلك شيءٌ آخر غيرُ زوال الخوف(١). وأنت تعلم أنَّ كثيراً من المفسّرين ذهبوا إلى أنَّ شرحَ الصدر هنا عبارةٌ عن توسيعه، وهو عبارةٌ عن عدم الضجر والقلق القلبيِّ مما يَرِدُ من المشاقِّ في طريق التبليغ، وتلقِّي ذلك بجميل الصبر وحسن الثبات. وأُجيبَ على هذا بأنَّه لا منافاةَ بين الخوف من شيءٍ والصبر عليه وعدم الضجر منه إذا وقع، ألا ترى كثيراً من الكاملين يخافون من البلاء، ويسألون الله تعالى الحفظَ منه، وإذا نزلَ بهم استقبلوه بصدرٍ واسعٍ وصبروا عليه ولم يضجروا منه. وقيل: إنَّهما عليهما السلام لم يخافا من العقوبة إلَّا لقطعها الأداء المرجوَّ به الهداية، فخوفهما في الحقيقة ليس إلَّا من القطع وعدم إتمام التبليغ، ولم يسأل موسى عليه السلام شرح الصدر لتحمُّل ذلك. واستُشكل بأنَّ موسى عليه السلام كان قد سأل وأوتي تيسيرَ أمره بتوفيق الأسباب ورفع الموانع، فكيف يخاف قطع الأداء بالعقوبة؟ وأجيب: بأنَّ هذا تنصيصٌ على طلب رفع المانع الخاصِّ بعد طلب رفع المانع العامّ، وطلبٌ للتنصيص على رفعه لمزيد الاهتمام بذلك. وقيل: إنَّ في الآية تغليباً منه لأخيه هارون على نفسه عليهما السلام، ولم يتقدَّم ما يدلُّ على أمنه عليه، فتأمَّل. واستشكل أيضاً عدمُ الذهاب والتعلُّلُ بالخوف مع تكرُّر الأمر بأنَّه يدلُّ على المعصية، وهي غير جائزةٍ على الأنبياء عليهم السلام على الصحيح. وأجاب الإمام بأنَّ الدلالة مسلَّمةٌ لو دلَّ الأمرُ على الفور، وليس فليس. ثم قال: وهذا من أقوى الدلائل على أنَّ الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدلُّ على أنَّ المعصيةَ غيرُ جائزةٍ على الأنبياء عليهم السلام(٢). (١) تفسير الرازي ٢٢/ ٦٠. (٢) تفسير الرازي: ٢٢ /٦٠. الآية : ٤٦ ٣١٧ و((أو)) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾﴾ لمنع الخلوِّ، والمراد: أو أنْ يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي؛ لكمال جراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب، وفيه استنزالٌ لرحمته تعالى. وإظهارُ كلمة ((أنْ)) مع سداد المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقُّق الخوف من كلٍّ من المتعاطفين. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ، ولعلَّ إسنادَ الفعل إلى ضمير الغيبة - كما قيل - للإشعار بانتقال الكلام من مساقٍ إلى مساقٍ آخر، فإنَّ ما قبله من الأفعال الواردة على صيغة التكلُّم حكايةٌ لموسى عليه السلام، بخلاف ما سيأتي إن شاء الله تعالى ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] فإنَّ ما قبلَه أيضاً واردٌ بطريق الحكاية لرسول الله وَّ كأنَّه قيل: فماذا قال لهما ربُّهما عند تضرُّعهما إليه سبحانه؟ فقيل: قال، أي لهما: ﴿لَا تَخَافًا﴾ ممَّا ذكرتما. وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِ مَعَكُمَا﴾ تعليلٌ لموجب النهي، ومزيدُ تسليةٍ لهما، والمرادُ بمعيَّته سبحانه كمالُ الحفظ والنصرة، كما يقال: اللهُ تعالى معك، على سبيل الدعاء، وأَّد ذلك بقوله تعالى: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَ ﴾﴾ وهو بتقدير المفعول، أي: ما يجري بينكما وبينه من قولٍ وفعلٍ، فأفعلُ في كلِّ حالٍ ما يليقُ بها من دفع شرِّ وجلب خير. وقال القفال: يحتملُ أنْ يكون هذا في مقابلة القول السابق، ويكونان قد عنيا أننا نخافُ أنْ يفرط علينا بأنْ لا يسمحَ منَّا أو أن يطغى بأن يقتلنا، فأجابهم سبحانه بقوله: ((إنَّني معكما أسمع))(١) كلامكما، فأسخِّرُه للاستماع، (أرى)) أفعاله، فلا أتركه يفعلُ بكما ما تكرهانه، فقدّر المفعول أيضاً، لكنه كما ترى. وقال الزمخشريُّ: جائزٌ أن لا يقدَّر شيءٌ، وكأنَّه قيل: أنا حافظٌ لكما وناصرٌ سامعٌ مبصرٌ، وإذا كان الحافظُ والناصرُ كذلك تمَّ الحفظ (٢). (١) بعدها في (م): أي. (٢) الكشاف ٢/ ٥٣٨-٥٣٩. ٣١٨ الآية : ٤٧ وهو يدلُّ على أنَّه لا نظرَ إلى المفعول، وقد نُزِّل الفعل المتعدِّي منزلة اللازم؛ لأنَّه أريد تتميمُ ما يستقلُّ به الحفظ والنصرةُ، وليس من باب قول المتنبي: شجوُ حسادِهِ وغيظُ عداه أنْ يَرَى مُبصرٌ وَيَسمَعَ واعٍ(١) على ما زعم الطيبيُّ. واستدلَّ بالآية على أنَّ السمع والبصر صفتان زائدتان على العلم بناءً على أنَّ قوله تعالى: ((إنني معكما)) دالٌّ على العلم، ولو دلَّ ((أسمع وأرى)) عليه أيضاً لزم التكرارُ، وهو خلاف الأصل. ﴿فَأَنِيَاءُ﴾ أمرٌ بإتيانه الذي هو عبارةٌ عن الوصول إليه بعدما أمرا بالذهاب إليه، فلا تكرار، وهو عطفٌ على ((لا تخافا)) باعتبار تعليله بما بعده. ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ أُمِرا بذلك تحقيقاً للحقِّ من أوَّل الأمر؛ ليعرف الطاغيةُ شأنَهما، ويبني جوابه عليه. وفي التعرُّض لعنوان الربوبيَّة مع الإضافة إلى ضميره من اللطف ما لا يخفى، وإن رأى اللعين أنَّ في ذلك تحقيراً له، حيث إنَّه يدَّعي الربوبيَّة لنفسه، ولا يُعَدُّ ذلك من الإغلاظ في القول، وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ إلى آخره خلافاً للإمام (٢) . والفاء في ((فأرسل)) لترتيب ما بعدَها على ما قبلها، فإنَّ كونهما عليهما السلام رسولي ربِّه تعالى ممَّا يوجبُ إرسالهم معهما، والمراد بالإرسال: إطلاقهم من الأسر، وإخراجهم من تحت يده العادية، لا تكليفهم أنْ يذهبوا معهما إلى الشام، كما ينبىء عنه قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنَّهم كانوا تحتَ ملكة القبط يستخدمونهم في الأعمال الشاقّة، كالحفر والبناء ونقل الأحجار، وكانوا يقتلونَ أبناءهم عاماً دون عام، ويستخدمون نساءهم. (١) قوله: للمتنبي، وهم، وإنما هو للبحتري، كما في ديوانه ١٢٤٤/٢. وسلف عجزه ٣٧٤/٩. (٢) تفسير الرازي ٢٢/ ٦١ . الآية : ٤٧ ٣١٩ ولعلهما إنَّما بدأا بطلب إرسال بني إسرائيل دون دعوة الطاغية وقومه إلى الإيمان للتدريج في الدعوة، فإنَّ إطلاق الأسرى دونَ تبديل الاعتقاد. وقيل: لأنَّ تخليصَ المؤمنين من الكفرة أهمُّ من دعوتهم إلى الإيمان. وهذا بعد تسليمه مبنيٌّ على أنَّ بني إسرائيل كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام في الباطن، أو كانوا مؤمنين بغيره من الأنبياء عليهم السلام. ولا بدَّ لذلك من دليل. وقيل: إنَّما بدأا بطلب إرسالهم لما فيه من إزالة المانع عن دعوتهم وأتباعهم، وهي أهمُّ من دعوة القبط. وتُعقّب بأنَّ السياقَ هنا لدعوة فرعون ودفع طغيانه، فهي الأهمُّ، دون دعوة بني إسرائيل. وقيل: إنَّه أولُ ما طلبا منه الإيمان كما ينبىء عن ذلك آيةُ ((النازعات)) إلَّا أنه لم يصرِّح به هنا اكتفاءً بما هناك، كما أنَّه لم يصرِّح هناك بهذا الطلب اكتفاءً بما هنا . وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكٌ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، وفيه تقريرٌ لما تضمَّنه الكلامُ السابق من دعوى الرسالة، وتعليلٌ لوجوب الإرسال، فإنَّ مجيئَهما بآيةٍ من جهته تعالى ممَّا يحقِّقُ رسالتهما ويقرِّرها، ويوجبُ الامتثال بأمرهما . وإظهارُ اسم الربِّ في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير المخاطب لتأكيد ما ذُكر من التقرير والتعليل، وجيء بـ ((قد)) للتحقيق والتأكيد أيضاً، وتُكلِّف لإفادتها التوقُّع. وتوحيد الآية مع تعدُّدها؛ لأنَّ المرادَ إثباتُ الدعوى ببرهانها، لا بيانُ تعدُّد الحجّة، فكأنه قيل: قد جئناك بما يثبتُ مُدَّعانا. وقيل: المرادُ بالآية اليد. وقيل: العصا. والقولان كما ترى. ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَةِ ®﴾ أي: السلامة من العذاب في الدارين لمن أنَّبعَ ذلك بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحقِّ، فالسلام مصدرٌ بمعنى السلامة، كالرضاع والرضاعة. و((على)) بمعنى اللام كما ورد عكسه في قوله تعالى: ﴿لَُمُ الَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] وحروف الجرِّ كثيراً ما تتقارض، وقد حَسَّنَ ذلك هنا المشاكلة، سُوَلاطفة ٣٢٠ الآية : ٤٨ ﴿أَنَّ حيث جيء بـ ((على)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا﴾ من جهة ربِّنا اٌلْعَذَابَ﴾ الدنيويَّ والأخرويَّ ﴿عَلَى مَن كَذَّبَ﴾ بآياته عزَّ وجلَّ ﴿وَقَوَلَ (٤٨) أي: أعرض عن قبولها . وقال الزمخشريُّ: أي: وسلامُ الملائكة الذين هم خزنةُ الجنَّة على المهتدين، وتوبيخُ خزنة النار والعذاب على المكذِّبين(١). وتحقيقه ـ على ما قيل - أنَّه جَعلَ السلام تحيَّةً خزنة الجنة للمهتدين المتضمّنة لوعدهم بالجنة، وفيه تعريضُ لغيرهم بتوبيخ خزنة النار المتضمِّن لوعيدهم بعذابها؛ لأنَّ المقام للترغيب فيما هو حَسَنُ العاقبة، وهو تصديقُ الرسل عليهم السلام، والتنفيرِ عن خلافه، فلو جعل السلامُ بمعنى السلامة لم يفد أنَّ ذلك في العاقبة، فما قيل: إنَّه لا إشعار في اللفظ بهذا التخصيص غيرُ مسلَّم، والقول بأنَّه ليس بتحيَّةٍ حيث لم يكن في ابتداء اللقاء، يردُّه أنَّه لم يُجعل تحيّة الأخوين عليهما السلام، بل تحية الملائكة عليهم السلام. وأنت تعلم أنَّ هذا التفسيرَ خلافُ الظاهر جدّاً، وإنكارُ ذلك مكابرة. وفي ((البحر)): هو تفسيرٌ غريب(٢). وأنَّه إذا أريدَ من العذاب العذابُ في الدارين، ومن السلام السلامةُ من ذلك العذاب حصلَ الترغيبُ في التصديق والتنفيرُ عن خلافه على أتمٍّ وجه. وقال أبو حيَّان(٣): الظاهرُ أنَّ قوله تعالى: ((والسلام)) ... إلخ فصلٌ للكلام، والسلام فيه بمعنى التحيَّة، وجاء ذلك على ما هو العادةُ من التسليم عند الفراغ من القول، إلّا أنهما عليهما السلام رغبا بذلك عن فرعون، وخَصَّا به مُتَّبعي الهدى ترغيباً له بالانتظام في سلکھم. واستدلَّ به على منع السلام على الكفار، وإذا احتيج إليه في خطابٍ أو كتاب جيء بهذه الصيغة. (١) الكشاف ٥٣٩/٢. (٢) البحر المحيط ٦/ ٢٤٧. (٣) في البحر ٢٤٦/٦-٢٤٧.