النص المفهرس

صفحات 281-300

الآية : ٢٣
٢٨١
وقيل: إنَّها مفعولٌ ثانٍ لفعلٍ محذوفٍ مع مفعوله الأول، أي: جعلناها أو
آتيناك آيةً أخرى. وجعل هذا القائلُ قولَه تعالى: ﴿لِّيَكَ مِنْ ءَايَتِنَ الْكُبْرَى
٢٣
متعلِّقاً بذلك المحذوف.
ومن قَدَّر ((خذ)) ونحوه جَوَّزَ تعلُّقَه به. وجَوَّز الحوفيُّ تعلُّقه بـ ((اضمم))، وتعلُّقه
بـ (تخرج))، وأبو البقاء تعلَّقه بما دلَّ عليه («آية))، أي: دللنا بها لنريك، ومَنَعَ تعلَّقه
بها؛ لأنَّها قد وصفت(١). وبعضُهم تعلُّقه بـ ((أَلْقٍ)).
واختار بعضُ المحقّقين أنَّه متعلِّقٌ بمضمرٍ ينساقُ إليه النظمُ الكريم، كأنَّه قيل:
فعلنا ما فعلنا لنريكَ بعضَ آياتنا الكبرى، على أنَّ ((الكبرى)) صفةٌ لـ ((آياتنا)) على
حدٍّ: ((مآرب أخرى))، و((من آياتنا)) في موضع المفعول الثاني، و ((من)) فيه للتبعيض،
أو: لنريك بذلك الكبرى من آياتنا، على أنَّ ((الكبرى)) هو المفعولُ الثاني ((لنريكَ))،
و ((من آياتنا)) متعلِّقٌ بمحذوف حالٍ منه، و((من)) فيه للابتداء أو للتبعيض، وتقديم
الحال - مع أنَّ صاحبَه معرفة - لرعاية الفواصل. وجَوَّزَ كلا الإعرابين في ((من آياتنا
الكبرى» الحوفيُّ وابنُ عطيّة وأبو البقاء(٢) وغيرهم.
واختار في ((البحر))(٣) الإعرابَ الأول ورجَّحه بأنَّ فيه دلالة على أنَّ آياته تعالى
كلها كبرى، بخلاف الإعراب الثاني، وبأنَّه على الثاني لا تكون ((الكبرى)) صفةً
العصا واليد معاً، وإلَّا لقيل: الكبريين، ولا يمكن أنْ يخصَّ أحدهما؛ لأنَّ في كلِّ
منهما معنى التفضيل. ويبعد ما قال الحسن وروي عن ابن عباس ﴿ا من أنَّ اليد
أعظم في الإعجاز من العصا؛ لأنَّه ليس في اليد إلَّا تغيير اللون، وأما العصا ففيها
تغييرُ اللون، وخلق الزيادة في الجسم، وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة،
مع عودها عصًا بعد ذلك، فكانت أعظمَ في الإعجاز من اليد.
وجُوِّز أنْ تكون ((الكبرى)) صفةً لهما معاً، ولاتِّحاد المقصود جُعلتا آيةً واحدةً،
وأفردت الصفة لذلك. وأن تكون صفةً لليد، والعصا غنيَّةٌ عن الوصف بها؛ لظهور
کونھا کبری.
(١) الإملاء ٢/ ١٢١.
(٢) المحرر الوجيز ٤٢/٤، وإملاء ما من به الرحمن ١٢١/٢.
(٣) ٢٣٧/٦.

الآية : ٢٤
٢٨٢
وأنت تعلم أنَّ هذا كلَّه خلافُ الظاهر. وكذا ما قيل من أنَّ ((من)) على الإعراب
الثاني للبيان، بأن يكون المراد: لنريك الآياتِ الكبرى من آياتنا، ليصحَّ الحملُ الذي
يقتضيه البيان، ولا يترجَّح بذلك الإعراب الثاني على الأول، ولا يساويه أصلاً.
ولا يخفى عليك أنَّ كلَّ احتمالٍ من احتمالات متعلَّق اللام خلا من الدلالة
على وصف آية العصا بالكبر = لا ينبغي أن يعوَّل عليه. ويعتذر بأنَّ عدمَ الوصف
للظهور، مع ظهور الاحتمال الذي لا يحتاج معه إلى الاعتذار عن ذلك المقال،
فتأمَّل والله تعالى العاصمُ عن الزلل.
﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ﴾ تخلُّصٌ إلى ما هو المقصدُ من تمهيد المقدمات السالفة
فُصِل عمَّا قبله من الأوامر إيذاناً بأصالته، أي: اذهب إليه بما رأيته من آياتنا
الكبرى، وادعُهُ إلى عبادتي، وحذِّره نقمتي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَُّ طَنَى ﴾ تعليلٌ للأمر، أو لوجوب المأمور به، أي: جاوز
الحدَّ في التكبُّر والعتوِّ والتجُّر حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية.
قال وهب بن منبه: إنَّ الله تعالى قال لموسى عليه السلام: ادنُ، فلم يزل يُدْنِيه
حتى شدَّ ظهره بجذع الشجرة، فاستقرَّ وذهبت عنه الرعدة، وجمعَ يده في العصا،
وخضع برأسه وعنقه، ثمَّ قال له بعد أنْ عرَّفَه نعمتَه تعالى عليه: انطلق برسالتي،
فإنَّك بعيني وسمعي، وإنَّ معك أيدي ونصرتي(١)، وإنِّي قد ألبستك جُنَّةً من
سلطاني، تستكملُ بها القوَّة في أمري، فأنت جندٌ عظيمٌ من جنودي، بعثتُك إلى
خلقٍ ضعيف من خلقي، بَطَرَ نعمتي، وأمِنَ مكري، وغرَّته الدنيا حتى جحد حقِّي،
وأنكر ربوبيَّتي، وعبد مَن دوني، وزعم أنَّه لا يعرفني، وإنِّي لأقسم بعزَّتي لولا العذر
والحجَّة اللذان وضعتُ بيني وبين خلقي لبطشتُ به بطشةً جبارٍ يغضبُ لغضبه
السماوات والأرض والجبال والبحار، فإنْ أمرتُ السماء حصبته، وإنْ أمرتُ
الأرضَ ابتلعته، وإن أمرتُ البحارَ غرَّقته، وإن أمرتُ الجبال دمَّرته، ولكنه هانَ
عليَّ، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيتُ بما عندي، وحقَّ لي أنِّ أنا
الغنيُّ لا غنيَّ غيري، فبلِّغه رسالتي، وادعُه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي،
(١) كذا في الأصل و(م). وفي الزهد: يدي ونصري، وفي الدر المنثور: يدي وبصري.

الآية : ٢٥ ، ٢٦
٢٨٣
سُورَةٌ طَّة
وذكِّره بأيَّامي، وحذِّره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقومُ شيءٌ لغضبي، وقل له
فيما بين ذلك قولاً ليِّناً لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أنِّي إلى العفو والمغفرة أسرع
مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروِّعنَّك ما ألبستُه من لباس الدنيا، فإنَّ ناصيتَه بيدي
ليسَ يطرفُ ولا ينطقُ ولا يتنفسُ إلَّا بإذني، وقل له: أجب ربَّك، فإنَّه واسعُ
المغفرة، وإنَّه قد أمهلكَ أربعمئة سنة، في كلِّها أنتَ مبارزهُ بالمحاربة، تتشبَّهُ وتتمثَّلُ
به، وتصدُّ عبادَه عن سبيله، وهو يمطرُ عليك السماء، وينبتُ لك الأرض، لم
تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تُغلَب، ولو شاء أنْ يفعلَ ذلك بك فَعَل، ولكنَّه
ذو أناةٍ وحلمٍ عظيمٍ. في كلام طويل(١).
وفي بعض الروايات أنّ الله تعالى لمَّا أمره عليه السلام بالذهاب إلى فرعون
سكتَ سبعةَ أيَّام، وقيل: أكثر، فجاءه ملكٌ فقال: أنفذْ ما أمرك ربُّك. وفي القلب
من صحّة ذلك شيء.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا قال موسى عليه السلام حين قيل له
ما قيل؟ فأجيب بأنَّه قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِ صَدْرِى ® وَبِّرْ لِّ أَمْرِىِ ﴾﴾ الظاهرُ أنَّه
متعلِّقٌ بقوله تعالى: ((اذهب إلى فرعون)) إلخ، وذلك أنَّه عليه السلام عَلم من الأمر
بالذهاب إليه والتعليل بالعلَّة المذكورة أنَّه كُلِّف أمراً عظيماً وخَطْبًا جسيماً يحتاج
معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلَّا ذو جأشٍ رابط وصدرٍ فسيح، فاستوهبَ ربَّه تعالى
أنْ يشرح صدرَه، ويجعله حليماً حمولاً، يستقبلُ ما عسى أنْ يَرِد عليه في طريق
التبليغ والدعوة إلى مُرِّ الحقِّ من الشدائد التي يذهبُ معها صبرُ الصابر بجميل
الصبر وحسنِ الثبات، وأن يسهِّل عليه مع ذلك أمرَهُ الذي هو أجلُّ الأمور
وأعظمها، وأصعبُ الخطوب وأهولها، بتوفيق الأسباب، ورفع الموانع، فالمراد
من شرح الصدر جعلُه بحيث لا يضجرُ ولا يقلقُ ممَّا يقتضي بحسب البشرية الضجرَ
والقلقَ من الشدائد، وفي طلب ذلك إظهارٌ لكمال الافتقار إليه عزَّ وجلَّ، وإعراضٌ
عن الأنانية بالكليّة :
ويَحسنُ إظهارُ التجلُّد للعدا ويقبحُ إلَّا العجزُ عند الأحبَّة(٢)
(١) الزهد ص٨١ - ٨٢. وهو قطعة من حديث وهب السالف ص٢٥١.
(٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص٥٠.

سُورَلا طفة
٢٨٤
الآية : ٢٦
وذكر الراغبُ أنَّ أصلَ الشرح البسط ونحوه، وشرح الصدر بسطُه بنورٍ إلهيّ
وسكينةٍ من جهة الله تعالى وروحٍ منه عزَّ وجل(١). ولهم فيه عباراتٌ أخر، لعلَّ
بعضَها سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة.
وقال بعضهم: إنَّ هذا القول معلَّقٌ بما خاطبه الله تعالى به من لدن قوله
سبحانه: ((إنِّي أنا ربك فاخلع نعليك)) إلى هذا المقام، فيكون قد طلب عليه السلام
شرحَ الصدر؛ ليقفَ على دقائق المعرفة وأسرار الوحي، ويقوم بمراسم الخدمة
والعبادة على أتمٍّ وجه، ولا يضجر من شدائد التبليغ.
وقيل: إنَّه عليه السلام لمَّا نُصب لذلك المنصب العظيم، وخُوطب بما خوطب
في ذلك المقام، احتاجَ إلى تكاليف شاقَّة من تلقِّي الوحي، والمواظبة على خدمة
الخالق سبحانه وتعالى، وإصلاح العالم السفليّ، فكأنَّ كُلِّف بتدبير العالَمَين،
والالتفاتُ إلى أحدهما يمنعُ من الاشتغال بالآخر، فسأل شرح الصدر حتى يفيضَ
عليه من القوَّة ما يكون وافياً بضبط تدبير العالَمين.
وقد يقال: إنَّ الأمرَ بالذهاب إلى فرعون قد انطوى فيه الإشارة إلى منصب
الرسالة المستتبع تكاليف لائقةً به؛ منها ما هو راجعٌ إلى الحقِّ، ومنها ما هو منوظٌ
بالخلق. وقد استشعرَ موسى عليه السلام كلَّ ذلك، فبسطَ كفَّ الضراعة لطلب
ما يعينه على أداء ذلك على أكمل وجه، فلا يتوقَّفُ تعميمُ شرح الصدر على تعلُّقه
بأول الكلام، كما لا يخفى. ثمَّ إنَّ الصدر عند علماء الرسوم يرادُ منه القلب؛ لأنَّه
المُدرِكُ، أو ممَّا به الإدراك، والعلاقة ظاهرة.
ولعلماء القلوب كلامٌ في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة مع
بعض ما أطنبَ به الإمام في تفسير هذه الآية.
وفي ذكر كلمة ((لي)) مع انتظام الكلام بدونها تأكيدٌ لطلب الشرح والتيسير بإبهام
المشروح والميسَّر أولاً، وتفسيرهما ثانياً، فإنه لمَّا قال: ((اشرح لي)) علم أنَّ ثَمَّ
مشروحاً يختصُّ به، حتى لو اكتفى لتمَّ، فإذا قيل: ((صدري)» أفاد التفسير
والتفصيل، أمَّا لو قيل: (اشرح)) واكتفى به، فلا. وكذا الكلامُ في (يسِّر لي)).
(١) المفردات (شرح).

الآية : ٢٧
٢٨٥
سُوَ لاَ طَّفة
وقيل: ذكر ((لي) لزيادة الربط، كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾
[الأنبياء: ١].
وتُعُقِّب بأَنَّه لا منافاة، وهو الذي أفادَ هذا المعنى.
وفي ((الانتصاف)) أنَّ فائدةَ ذكرها الدلالةُ على أنَّ منفعةً شرح الصدر راجعةٌ
إليه، فإنّه تعالى لا يبالي بوجوده وعدمه(١). وقِسْ عليه ((يسِّر لي أمري)).
﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنِ لِسَانِ ل®
﴾ روي أنَّه كان في لسانه عليه السلام رُنَّةٌ(٢) من جمرةٍ
أدخلَها فاه في صغره؛ وذلك أنَّ فرعونَ حمله ذات يوم، فأخذَ خصلةً من لحيته
لما كان فيها من الجواهر. وقيل: لطمه. وقيل: ضربه ضربةً بقضيبٍ في يده على
رأسِه، فتطيّر، فدعا بالسيَّاف، فقالت آسية بنت مزاحم امرأته - وكانت تحبُّ موسى
عليه السلام -: إنَّما هو صبيٌّ لا يفرِّقُ بين الياقوت والجمر، فأُحْضِرا، وأراد أن
يمدَّ يده إلى الياقوت، فحوَّل جبريل عليه السلام يده إلى الجمرة، فأخذها فوضعها
في فيه فاحترق لسانه(٣).
وفي هذا دليلٌ على فساد قول القائلين بأنَّ النارَ تُحرِق بالطبيعة من غير مدخليَّةِ
لإذن الله تعالى في ذلك، إذ لو كان الأمر كما زعموا لأحرقت يده.
وذكر في حكمة إذنِ الله تعالى لها بإحراق لسانه دونَ يده أنَّ يدَهُ صارت آلةً
لما ظاهره الإهانة لفرعون - ولعل تبييضها كان لهذا أيضاً - وأنَّ لسانه كان آلةً لضدٍ
ذلك، بناءً على ما روي أنَّه عليه السلام دعاه بما يدعو به الأطفالُ الصغار آباءهم.
وقيل: احترقت يدُه عليه السلام أيضاً، فاجتهد فرعونُ في علاجها فلم تيرأ.
(١) الانتصاف ٥٣٥/٢ .
(٢) الرَُّّةُ: العجمة في الكلام. الصحاح (رتت).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٩: إنما وقع في حديث الفتون الطويل الذي
أخرجه النسائي [في الكبرى (١١٢٦٣)] وغيره من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن
جبير؛ سألت ابن عباس ﴿يا عن قوله تعالى: ﴿وَقَّكَ فُونًا﴾ [طه: ٤٠] ... فذكر فيه قصة
آسية وفرعون، وقولها: قرب إليه جمرتين ولؤلؤتين، وأنه أخذ الجمرتين فانتزعتهما منه
مخافة أن يحرفا يده. وهذا يدل على أنه لم يرفعها إلى فيه، وهو أصح ما ورد في ذلك.
مصححاً ما فيه من تحريف.

سُورَلاَ طَّفة
٢٨٦
الآية : ٢٨
ولعلَّ ذلك لئلا يدخلها عليه السلام مع فرعون في قصعةٍ (١) واحدةٍ فتفقدَ بينهما حرمةٌ
المؤاكلة، فلمَّا دعاه قال: إلى أيِّ ربِّ تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد
عجزت عنه.
وكان الظاهر على هذا أنْ يطرح عليه السلام النارَ من يده، ولا يوصلَها إلى
فيه، ولعلَّه لم يحسَّ بالألم إلَّ بعدَ أن أوصلها فاه، أو أحسَّ، لكنَّه لم يفرِّق بين
إلقائها في الأرض وإلقائها في فمه. وكلُّ ذلك بتقدير الله تعالى ليقضيَ الله أمراً كان
مفعولاً .
وقيل: كانت العقدةُ في لسانه عليه السلام خِلْقةً.
وقيل: إنَّها حدثت بعد المناجاة. وفيه بعد.
واختلف في زوالها بكمالها، فمن قال به - كالحسن - تمسَّك بقوله تعالى: ﴿قَدْ
أُوتِيَتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، ومن لم يقل به - كالجبائيّ - احتَجَّ بقوله تعالى: ﴿هُوَ
أَفْصَحُ مِنِّى﴾ [القصص: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢].
وبما روي أنَّه كان في لسان الحسين رَظُبهِ رَّة وحبسة، فقال النبي ◌َّ فيه: ((إنه
ورثَها من عمِّه موسى عليه السلام﴾(٢).
وأجابَ عن الأوَّل بأنَّه عليه السلام لم يسأل حَلَّ عقدة لسانه بالكليّة، بل عقدة
تمنعُ الإفهام، ولذلك نكَّرها ووصفها بقوله: ((من لساني)، ولم يضفها مع أنه
أخصر، ولا يصلحُ ذلك للوصفيَّة إلَّا بتقدير مضاف، وجعل ((من)) تبعيضية، أي:
عقدةً كائنةً من عقد لساني، فإنَّ العقدةَ للسان لا منه. وجعلَ قوله تعالى: ﴿يَفْقَهُواْ
، جواب الطلب، وغرضاً من الدعاء، فبحلّها في الجملة يتحقَّقُ إيتاء سؤله
قولِ ®
عليه السلام.
واعترضَ على ذلك بأنَّ قوله تعالى: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِى﴾ [القصص: ٣٤] قاله عليه
السلام قبل استدعاء الحلّ، على أنه شاهدٌ على عدم بقاء اللُّكْنة؛ لأنَّ فيه دلالةً على
أنَّ موسى عليه السلام كان فصيحاً، غايتُهُ أنَّ فصاحة أخيه أكثرُ، وبقيَّةُ اللُّكْنة تنافي
(١) في (م): قصة.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٩: لم أجده.

الآية : ٢٨
٢٨٧
الفصاحة اللغويَّة المرادة هنا بدلالة قوله: (لِسَانًا). ويشهدُ لهذه المنافاة ما قاله ابنُ
هلال في كتاب ((الصناعتين))(١): الفصاحةُ تمام آلة البيان، ولذا لا يقال: الله تعالى
فصيح، وإنْ قيل لكلامه سبحانه: فصيح، ولذلك لا يسمَّى الألثغ والتمتام
فصيحين؛ لنقصان آلتهما عن إقامة الحروف. وبأنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُِينٌ﴾
[الزخرف: ٥٢] معناه: لا يأتي ببيانٍ وحجة، وقد قال ذلك اللعين تمويهاً ليصرفَ
الوجوه عنه عليه السلام، ولو كان المرادُ نفيَ البيان وإفهام الكلام لاعتقال اللسان
لدلَّ على عدم زوال العقدة أصلاً، ولم يقل به أحد. وبأنًّا لا نسَلِّم صحَّة الخبر.
وبأنَّ تنكيرَ ((عقدة)) يجوزُ أن يكون لقلَّتها في نفسها .
ومن يجوز تعلُّقها بـ ((احلل)) كما ذهب إليه الحوفيُّ واستظهره أبو حيان(٢)؛ فإنَّ
المحلولَ إذا كان متعلِّقاً بشيءٍ ومتَّصلاً به، فكما يتعلَّقُ الحلُّ به يتعلَّق بذلك الشيء
أيضاً باعتبار إزالته عنه، أو ابتداء حصوله منه. وعلى تقدير تعلَّقها بمحذوفٍ وقعَ
صفةً لـ ((عقدة)) لا نسلِّم وجوبَ تقدير مضاف، وجعل ((من)) تبعيضية.
ولا مانع من أن تكون بمعنى ((في))، ولا تقدير، أي: عقدةً في لساني، بل
قيل: لا مانع أيضاً من جعلها ابتدائيةً مع عدم التقدير، وأيُّ فسادٍ في قولنا: عقدة
ناشئة من لساني.
والحاصلُ أنَّ ما استدلَّ به على بقاء عقدةٍ ما في لسانه عليه السلام، وعدم
زوالها بالكلية غيرُ تامٌ.
لكن قال بعضُهم: إنَّ الظواهرَ تقتضي ذلك، وهي تكفي في مثل هذه المطالب،
وثقلُ ما في اللسان لا يخفّفُ قدر الإنسان.
وقد ذكر أنَّ في لسان المهديِّ المنتظر رَظُهُ حُبْسَة، وربما يتعذَّر عليه الكلام،
حتی یضرِب بيده اليمنى فخذ رجله اليسرى، وقد بلغك ما ورد في فضله.
وقال بعضهم: لا تقاوم فصاحةُ الذات إعرابَ الكلمات. وأنشد قول القائل:
(١) ص١٣.
(٢) في البحر ٢٣٩/٦.

سُو ◌َلاَطَّنة
٢٨٨
الآية : ٢٩، ٣٠
سرُّ الفصاحة كامنٌ في المعدن لخصائصِ الأرواح لا للألسنِ(١)
وقول الآخر:
فيا ليته في موقف الحشر يسلمُ
لسانٌ فصيحٌ معرِبٌ في كلامه
وما ضرَّ ذا تقوى لسانٌ معجَّمُ
وما ينفعُ الإعرابُ إن لم یکن تقی
نعم ما يُخِلُّ بأمرِ التبليغ من رَّةٍ تؤدِّي إلى عدم فهم الوحي معها، ونفرةِ السامع
عن سماع ذلك = مما يجلُّ عنه الأنبياء عليهم السلام، فهم كلّهم فصحاءُ اللسان،
لا يفوتُ سامعَهم شيءٌ من كلامهم، ولا ينفرُ عن سماعه، وإن تفاوتوا في مراتب
تلك الفصاحة. وكأنَّه عليه السلام إنَّما لم يطلب أعلى مراتب فصاحة اللسان
وطلاقته عند الجبائيِّ ومن وافقه؛ لأنَّه لم يَرَ في ذلك كثير فضل، وغايةٌ ما قيل فيه:
إنَّه زينةٌ من زينة الدنيا، وبهاءٌ من بهائها، والفضلُ الكثير في فصاحة البيان بالمعنى
المشهور في عرف أهل المعاني والبيان، وما ورد مما يدلُّ على ذمِّ ذلك فليسَ على
إطلاقه، كما بيِّن في شروح الأحاديث.
ثم إنَّ المشهورَ تفسيرُ اللسان بالآلة الجارحة نفسِها، وفسَّره بعضُهم بالقوّة
النطقيَّةِ القائمة بالجارحة.
والفقه: العلمُ بالشيء والفهم له، كما في ((القاموس))(٢) وغيره. وقال الراغب:
هو التوصُّل إلى علمٍ غائبٍ بعلمٍ شاهد، فهو أخصُّ من العلم(٣).
والظاهرُ هنا الفهم، أي: احلل عقدةً من لساني يفهموا قولي ﴿وَأَجْعَل لِيِ وَزِيرًا مِّنْ
أَهْلِ ج ◌َرُونَ أَخِى (٣٥)﴾ أي: معاوناً في تحمُّل أعباء ما كُلِّفته، على أنَّ اشتقاقَه من
الوِزْر بكسر فسكون، بمعنى الحِمْل الثقيل، فهو في الأصل صفةٌ من ذلك، ومعناه:
صاحب وزرٍ، أي: حاملُ حملٍ ثقيل. وسُمِّيَ القائمُ بأمر الملك بذلك؛ لأنَّه يحملُ
عنه وِزر الأمور وثقلها.
أو: ملجأ أعتصمُ برأيه، على أنَّ اشتقاقَه من الوَزَر بفتحتين، وأصلُه الجبل
(١) لم نقف على قائله. وأورده المناوي مع البيتين التاليين في فيض القدير ٢٨٤/٢.
(٢) مادة (فقه).
(٣) المفردات (فقه).

الآية : ٣٠
٢٨٩
سُوالاطفة
يُتحصَّنُ به، ثم استعمل بمعنى الملجأ مطلقاً، كما في قوله:
والناسُ شرُّهم ما دونه وزرُ
شَرُّ السباع الضواري دونِه وَزَرُ
· وما ترى بشراً لم يؤذه بشرٌ(١)
کم معشرٍ سلموا لم يؤذھم سبٹٌ
وسُمِّيَ وزيرُ الملك بذلك؛ لأنَّ الملك يعتصمُ برأيه، ويلتجئُّ إليه في أمره، فهو
فَعيلٌ بمعنى مفعول، على الحذف والإيصال، أي: ملجأ (٢) إليه، أو هو للنسب.
وقيل: أصلُه: أزير من الأزر بمعنى القوَّة، ففعيل بمعنى مُفَاعل، كالعشير
والجليس، قُلِبت همزتُه واواً كقلبها في موازر، وقلبت فيه لانضمام ما قبلها، ووزير
بمعناه، فحمل عليه، وحملُ النظير على النظير كثيرٌ في كلامهم، إلَّا أنَّه سُمع مؤازر
من غير إبدال، ولم يسمع أزير بدونه. على أنَّه مع وجودِ الاشتقاق الواضح - وهو
ما تقدَّم - لا حاجةَ إلى هذا الاشتقاق وادعاء القلب.
ونصبه على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((اجعل)) قُدِّمَ على الأوَّل الذي هو قوله تعالى:
(هارون)) اعتناءً بشأن الوزارة، لأنَّها المطلوبة. و(لي)) صلةٌ للجعل، أو متعلِّقٌ
بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ((وزيراً))، إذ هو صفةٌ له في الأصل، و ((من أهلي)) إمَّا صفةٌ
لـ ((وزيراً))، أو صلة لـ ((اجعل)).
وقيل: مفعولاه ((لي وزيراً)) و((من أهلي)) على ما مرَّ من الوجهين، و((هارون))
عطف بيان للوزير بناءً على ما ذهبَ إليه الزمخشريُّ(٣) والرضيُّ من أنَّه لا يشترطُ
التوافقُ في التعريف والتنكير.
وقيل: هو بدلٌ من ((وزيراً)). وتُعقّبَ بأَنَّه يكون حينئذٍ هو المقصود بالنسبة، مع
أنَّ وزارتَه هي المقصودة بالقصد الأولى(٤) هنا. وجُوِّزَ كونه منصوباً بفعل مقدَّرٍ في
جواب: مَن أجعل؟ أي: اجعل هارون.
(١) البيتان للخطابي، وهما في كتاب العزلة له ص١٦١.
(٢) في (م): ملجوء. والمثبت من الأصل. وهو موافق لحاشية الخفاجي ١٩٩/٦. والكلام
منه .
(٣) في الكشاف ٢/ ٥٣٥.
(٤) في (م): الأول. والمثبت من الأصل وحاشية الخفاجي ١٩٩/٦. والكلام منه.

٢٩٠
الآية : ٣٠
وقيل: مفعولاه: ((وزيراً، من أهلي)). و((لي)) تبيين، كما في: سقياً له.
واعترض بأنَّ شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية
منهما، ولو ابتدأت بـ ((وزيراً))، وأخبرتَ عنه بـ ((من أهلي)) لم يصح؛ إذ لا مسوِّغ
للابتداء به.
وأجيبَ بأنَّ مراد القائل: إنَّ ((من أهلي)) هو المفعول الأوَّل؛ لتأويله ببعض
أهلي، كأنه قيل: اجعل بعضَ أهلي وزيراً، فقدّم للاهتمام به، وسدادُ المعنى
يقتضيه. ولا يخفى بعدُه. ومن ذلك قيل: الأحسن أن يقال: إنَّ الجملة دعائيَّة،
والنكرة يبتدأ بها فيها، كما صرَّح به النحاة، فكذا بعد دخول الناسخ. وهو
كما ترى.
وقيل: إنَّ المسوِّغ للابتداء بالنكرة هنا عطف المعرفة - وهو ((هارون)) - عليها
عطف بيان. وهو غريب.
وجُوِّز في ((هارون)) أيضاً - على هذا القول - كونه مفعولاً لفعلٍ مقدَّر، وكونه
بدلاً . وقد سمعت ما فيه.
والظاهر أنَّه يجوزُ في ((لي)) - عليه أيضاً - أنْ يكون صلةً للجعل، كما يجوزُ فيه
على بعض الأوجه السابقة أن يكون تبييناً. ولم يظهر لي وجهُ عدم ذكر هذا
الاحتمال هناك، ولا وجهُ عدم ذكر احتمال كونه صلةً للجعل هنا، ويفهمُ من كلام
البعض جوازُ كلٍّ من الاحتمالين هنا وهناك. وكذا يجوز أيضاً أن يكون حالاً من
((وزيراً)). ولعلَّ ذلك ممَّا يُسهّل أمرَ الانعقاد على ما قيل. وفيه ما فيه.
و((أخي)) على الوجوه عطفُ بيانٍ للوزير، ولا ضير في تعدُّده لشيءٍ واحد، أو
لـ (هارون)) ولا يشترط فيه كون الثاني أشهر كما توهّم؛ لأنَّ الإيضاح حاصلٌ من
المجموع، کما حقق في ((المطوّل)) وحواشيه.
ولا حاجة إلى دعوى أنَّ المضاف إلى الضمير أعرفُ من العلم؛ لما فيها من
الخلاف. وكذا إلى ما في ((الكشف)) من أنَّ(أخي)) في هذا المقام أشهر من اسمه
العلم؛ لأنَّ موسى عليه السلام هو العَلَم المعروف، والمخاطب الموصوف
بالمناجاة والكرامة، والمتعرف به هو المعرفةُ في الحقيقة، ثمَّ إنَّ البيان ليس بالنسبة

الآية : ٣١، ٣٢
٢٩١
سُوَلاَ طْ
إليه سبحانه؛ لأنَّه جلَّ شأنُه لا تخفى عليه خافية، وإنما إتيانُ موسى عليه السلام به
على نمط ما تقدَّم من قوله: ((هي عصاي)) إلخ.
وَأَشْرِكُهُ فِىَ أَمْرِى
وجُوِّز أن يكون ((أخي)) مبتدأ، خبره: ﴿اُشْدُد ◌ِ، أَزْرِى
٣٢
وتعقبه أبو حيَّان(١) بأنَّه خلاف الظاهر، فلا يصار إليه لغير حاجة. والكلامُ في
الإخبار بالجملة الإنشائيّة مشهور.
والجملة على هذا استئنافية، والأزر: القوَّة، وقيَّدها الراغب بالشديدة(٢). وقال
الخليل وأبو عبيدة: هو الظهر (٣). وروي ذلك عن ابن عطية(٤)، والمراد: أَحْكِم به
قوَّتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة، حتى نتعاونَ على أدائها كما ينبغي.
وفصل الدعاء الأوَّل عن الدعاء السابق لكمال الاتصال بينهما، فإنَّ شدَّ الأزر
عبارةٌ عن جعله وزيراً، وأمَّا الإشراك في الأمر فحيثُ كان من أحكام الوزارة توسَّط
بينهما العاطف، كذا قيل. لكن في مصحف ابن مسعود: ((واشدد)) بالعطف على
الدعاء السابق(٥)، وعن أبيّ: ((أَشْرِكه في أمري واشدُد به أزْري))(٦) فتأمَّل.
وقرأ زيد بن علي ﴿ه والحسن وابن عامر: ((أَشْدِد)) بفتح الهمزة ((وُشرِكه))
بضمِّها(٧)، على أنَّهما فعلان مضارعان مجزومان في جواب الدعاء، أعني قوله:
(اجعل))، وقال صاحب ((اللوامح)): عن الحسن أنَّه قرأ: ((أُشَدِّدُ به)) مضارع شدد
للتکثیر والتكرير (٨).
وليس المراد بالأمر على القراءة السابقة الرسالة؛ لأنَّ ذلك ليس في يد موسى
عليه السلام، بل أمرُ الإرشاد والدعوة إلى الحقّ.
(١) في البحر ٢٤٠/٦.
(٢) المفردات (أزر).
(٣) مجاز القرآن ١٨/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٤٣/٤ نقلاً عن أبي عبيدة.
(٥) القراءات الشاذة ص ٨٨، والبحر ٦/ ٢٤٠.
(٦) القراءات الشاذة ص ٩٠، والكشاف ٥٣٦/٢.
(٧) البحر المحيط ٢٤٠/٦. وقراءة ابن عامر في التيسير ص ١٥١، والنشر ٣٢٠/٢.
(٨) البحر المحيط ٢٤٠/٦.

سُو ◌َلاَطَّة
٢٩٢
الآية : ٣٣ ، ٣٤
وكان هارون كما أخرجَ الحاكم عن وهب أطولَ من موسى عليهما السلام،
وأكثرَ لحماً، وأبيضَ جسماً، وأعظمَ ألواحاً وأكبرَ سنًّا(١).
قيل: كان أكبرَ منه بأربع سنين. وقيل: بثلاث سنين. وتوفِي قبله بثلاث
أيضاً، وكان عليه السلام ذا تؤدةٍ وحلم عظيم.
غايةٌ للأدعية الثلاثة الأخيرة، فإنَّ فعل كلِّ
﴿كَّ نُسَعَكَ كَثِيرًا (® وَنَذْكُرَ كَثِيرًا (َ
واحدٍ منهما من التسبيح والذكر مع كونه مكثراً لفعل الآخر ومضاعفاً له بسبب
انضمامه إليه = مُكثرٌ له في نفسه أيضاً بسبب تقويته وتأييده، إذ ليس المرادُ بالتسبيح
والذكر ما يكونُ منهما بالقلب أو في الخلوات حتى لا يتفاوت حاله عند التعدُّد
والانفراد، بل ما يكونُ منهما في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردَة العتاة إلى
الحقّ، وذلك ممَّا لا ريب في اختلاف حاله في حالتي التعدُّد والانفراد، فإنَّ كلَّا
منهما یصدرُ عنه بتأیید الآخر من إظهار الحقِّ ما لا یکاد یصدر عنه مثله حال
الانفراد.
و(كثيراً)) في الموضعين نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أو زمانٍ محذوف، أي: ننزهك
عمّا لا يليقُ بك من الصفات والأفعال التي من جملتها ما يدَّعيه فرعونُ الطاغية،
ويقبلُه منه فئته الباغية، من الشركة في الألوهية، ونَصِفُك بما يليقُ بك من صفات
الكمال ونعوتٍ الجمال والجلال تنزيهاً كثيراً ووصفاً كثيراً، أو زماناً كثيراً من
جملته زمانُ دعوة فرعون، وأوانُ المحاجَّة معه. كذا في ((إرشاد العقل السليم))(٢).
وجَوَّز أبو حيَّان كونَه منصوباً على الحال، أي: نسبِّحَك التسبيح في حال
كثرته(٣). وكذا يقال في الأخير. وليس بذاك.
وتقديمُ التسبيح على الذكر من باب تقديم التخليةِ على التحلية.
وقيل: لأنَّ التسبيحَ تنزيهٌ عما لا يليق، ومحلُّه القلب، والذكرُ ثناءٌ بما يليق،
ومحلُّه اللسان، والقلبُ مقدَّمٌ على اللسان.
(١) المستدرك ٢/ ٥٧٧ .
(٢) ٦ /١٣ - ١٤.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٢٤٠.

الآية : ٣٥
٢٩٣
سُوَلاَ طَّفة
وقيل: إنَّ المعنى: كي نصلِّي لك كثيراً، ونحمدَك ونثني عليك كثيراً، بما أوليتنا
من نعمك، ومننتَ به علينا من تحميل رسالتك. ولا يخفَى أَنَّه لا يساعدُه المقام.
﴿إِنَّكَ كُنُتَ بِنَا بَصِيرًا (®﴾ عالماً بأحوالنا، وبأنَّ ما دعوتك به ممَّا يصلحنا
ويفيدُنا في تحقيق ما كلَّفته من إقامة مراسم الرسالة، وبأن هارون نِعْمَ الرِّدْء في أداء
ما أمرت به. والباءُ متعلِّقة بـ ((بصيراً)) قُدِّمت عليه لمراعاة الفواصل. والجملةُ في
موضع التعليل للمعلَّل الأول بعد اعتبارٍ تعليله بالعلَّة الأولى.
وروى عبد بن حميد عن الأعمش أَّه سكّن كاف الضمير في المواضع الثلاثة(١).
وجاء أنَّ النبيَّ وَِّ دعا بمثل هذا الدعاء إلَّا أنه أقامَ عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه
مقامَ هارون عليه السلام، فقد أخرج ابنُ مردويه والخطيب وابن عساكر عن
أسماء بنت عميس قالت: رأيتُ رسول الله وَله بإزاء ثبير، وهو يقول: ((أشرق ثبير،
أشرق ثبير، اللهمّ إنِّي أسألكَ ممَّا سألك أخي موسى؛ أن تشرحَ لي صدري، وأن
تُيُسِّر لي أمري، وأن تحلَّ عقدةً من لساني يفقه قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي،
عليًّا أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري، كي نسبحَك كثيراً، ونذكركَ كثيراً، إنَّك
كنتَ بنا بصيراً))(٢).
ولا يخفى أنَّه يتعيَّن هنا حملُ الأمر على أمر الإرشاد والدعوة إلى الحقِّ،
ولا يجوز حملُه على النبؤَّة، ولا يصحُّ الاستدلال بذلك على خلافة عليٍّ كرَّم الله
تعالى وجهه بعدَ النبيِّ وَِّ بلا فصل. ومثله فيما ذكر ما صحَّ من قوله عليه الصلاة
والسلام له حين استخلفَه في غزوة تبوك على أهل بيته: ((أما ترضَى أنْ تكون مني
بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أنه لا نبيَّ بعدي)»(٣)، كما بين في ((التحفة الاثني
عشرية))، نعم في ذلك من الدلالة على مزيد فضل عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه
ما لا يخفى. وينبغي أيضاً أن يتأوَّل طلبُهُ بَّهِ حلَّ العقدة بنحو استمرار ذلك؛ لما أنَّه
عليه الصلاة والسلام كانَ أفصح الناس لساناً .
(١) الدر المنثور ٢٩٥/٤.
(٢) الدر المنثور ٢٩٥/٤. وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١١٥٨)، وابن عساكر في تاريخ
دمشق ٥٢/٤٢. وليس فيهما: ((أشرق ثبير)).
(٣) أخرجه البخاري (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤): (٣١) من حديث سعد بن أبي وقاص.

٢٩٤
الآية : ٣٦، ٣٧
أي: قد أعطيت مسؤولك، فَفُعْلٍ بمعنى
﴿قَالَ قَدْ أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
٣٦
مفعول، كالخُبْزِ والأُكْل، بمعنى المخبوز والمأكول، والإيتاء عبارةٌ عن تعلُّق إرادته
تعالى بوقوع تلك المطالب وحصولها له عليه السلام ألبتة، وتقديره تعالى إياها
حتماً، فكلُّها حاصلةٌ له عليه السلام، وإن كان وقوعُ بعضها بالفعل مترقَّباً(١) بعدُ،
كتيسير الأمر، وشدِّ الأزر، وباعتباره قيل: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ﴾ [القصص: ٣٥]
وظاهرُ بعض الآثار يقتضي أنَّ شركة هارون عليه السلام في النبوّة - أي: استنبائه
كموسى عليه السلام - وقعت في ذلك المقام، وإن لم يكن عليه السلام فيه مع
أخيه، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في قوله: ((وأشركه في
أمري)»: نُبَِّ هارون ساعتئذٍ حين نُبَِّ موسى عليهما السلام(٢).
ونداؤه عليه السلام تشريفٌ له بالخطاب إثر تشريف.
﴿وَلَقَدْ مَنَّا عَلَيْكَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير ما قبلَه، وزيادة توطينٍ لنفس موسى
عليه السلام بالقبول ببيان أنَّه تعالى حيثُ أنعم عليه بتلك النعم التامَّة من غير سابقة
دعاءٍ وطلبٍ منه، فلأَنْ يُنعِم عليه بمثلها وهو طالبٌ له وداعٍ أولى وأحرى.
وتصديره بالقَسَم لكمال الاعتناء بذلك، أي: وبالله لقد أنعمنا.
﴿مَرَّةً أُخْرَةِ ﴾﴾ أي: في وقتٍ غير هذا الوقت، على أنَّ ((أخرى)) تأنيثُ آخر
بمعنى مُغايرة.
و(مرةً)) ظرف زمان، والمراد به الوقتُ الممتدُّ الذي وقعَ فيه ما سيأتي - إن
شاء الله تعالى - ذكرُه في المنن العظيمة الكثيرة، وهو في الأصل اسمٌ للمرور
الواحد، ثمَّ أطلق على كلِّ فعلةٍ واحدةٍ متعدِّيةٍ كانت أو لازمةٍ، ثمَّ شاع في كلِّ
فردٍ واحدٍ من أفرادٍ ما لَهُ أفرادٌ متجدِّدة، فصار علماً في ذلك حتى جعل معياراً
لما في معناه من سائر الأشياء، فقيل: هذا بناء المرّة، ويقربُ منه: الكرَّة والتارة
والدفعة.
وقال أبو حيان: المرادُ به منّةٌ غيرُ هذه المنَّة، وليست ((أخرى)) تأنيث آخر - بكسر
(١) في (م): مرتباً.
(٢) الدر المنثور ٢٩٥/٦.

الآية : ٣٨
٢٩٥
سُوُ الظَّن
الخاء - لتكون مقابلةً للأولى، وتوهّم ذلك بعضُهم فقال: سمَّاها سبحانه أخرى،
وهي أولى؛ لأنَّها أخرى في الذِّكر(١).
﴿إِذْ أَوْحَيّنَا إِلَى أُمَِّكَ مَا يُوحَ (٨َ﴾﴾ ظرفٌ لـ ((مننًا)) سواءٌ كان بدلاً من ((مرَّة)» أم
لا. وقيل: تعليلٌ. وهو خلاف الظاهر.
والمراد بالإيحاء عند الجمهور ما كان بإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ
إِلَى النَّْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
وتُعقّب بأنَّه بعيدٌ؛ لأنَّه قال تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّا رَآَدُوُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الآية: ٧] ومثلُه لا يعلم بالإلهام، وليس بشيء؛ لأنَّها قد تكون
شاهدت منه عليه السلام ما يدلُّ على نبوَّته، وأنَّه تعالى لا يضيِّعه، وإلهام الأنفس
القدسيَّة مثلَ ذلك لا بعد فيه، فإنَّه نوعٌ من الكشف، ألا ترى قولَ عبد المطلب - وقد
سمَّى نبيَّنا محمداً، فقيل له: لم سميتَ ولدك محمَّداً، وليس في أسماء
آبائك؟ -: إنَّه سيحمد، وفي روايةٍ: رجوتُ أنْ يحمدَ في السماء والأرض. مع أنَّ
کون ذلك داخلاً في الملهم ليس بلازم.
واستظهر أبو حيَّن أنه كان ببعث مَلَكِ إليها، لا على جهة النبوّة، كما بُعث
إلى مريم (٢). وهو مبنيٌّ على أنَّ الملَكَ يُبعَثُ إلى غير الأنبياء عليهم السلام،
وهو الصحيح، لكن قيل عليه: إنَّه حينئذٍ ينتقضُ تعريفُ النبيِّ بأنَّه مَنْ أوحيَ إليه،
ولو قيل: من أوحي إليه على وجه النبوَّة. دار التعريف. وأجيبَ بأنَّه لا يتعيَّنُ
ذلك. ولو قيل: من أوحي إليه بأحكام شرعيَّةٍ لكنَّه لم يؤمر بتبليغها، لم يلزم
محذور.
وقال الجبائيُّ: إنَّهُ كان بالإراءة مَنَاماً.
وقيل: كان على لسان نبيٍّ في وقتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى
اُلْحَوَارِنَ﴾ [المائدة: ١١١] وتعقِّب بأنَّه خلافُ الظاهر، فإنَّه لم ينقل أنَّه كان نبيٌّ في
مصر زمن فرعون قبل موسى عليه السلام.
(١) البحر المحيط ٢٤٠/١.
(٢) المصدر السابق.

سُورَةٌ طَّئة
٢٩٦
الآية : ٣٩
وأجيب بأنَّ ذلك لا يتوقَّفُ على كون النبيِّ في مصر، وقد كان شعيب(١) عليه
السلام نبيًّا في زمن فرعون في مدين، فيمكنُ أنْ يكون أَخْبَرها بذلك، على أنَّ كثرةَ
أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ممَّا شاع وذاع.
والحقُّ أنَّ إنكارَ كون ذلك خلافَ الظاهر مكابرةٌ.
واختلف في اسم أمِّه عليه السلام، والمشهور أنَّه يوخابذ(٢)، وفي ((الإتقان)):
هي محيانة (٣) بنت يصهر بن لاوي، وقيل: يارخا(٤)، وقيل: يازخت(٥)، وما اشتهر
من خاصيَّة فتح الأقفال به بعد رياضةٍ مخصوصةٍ له ممَّا لم نجد فيه أثراً، ولعلَّه
حدیثُ خرافة.
والمراد بـ ((ما يوحى)) ما قصدَ (٦) الله تعالى فيما بعد من الأمر بقذفه في التابوت
وقذفه في البحر، أبهم أوَّلاً تهويلاً له وتفخيماً لشأنه، ثم فسّر ليكون أقرَّ عند
النفس.
وقيل: معناه: ما ينبغي أنْ يُوحى ولا يُخَلَّ به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به،
كما يقال: هذا ممَّا يُكتب.
وقيل: ما لا يُعلَم إلَّا بالوحي، والأوَّلُ أوفقُ بكلِّ من المعاني السابقة المرادة
بالإيحاء، إلّا أنَّه قيل عليه: إنَّه لو كان المراد منه التفخيم والتهويل لقيل: إذ أوحينا
إلى أمِّك ما أوحينا، كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوَى﴾ [النجم: ١٠]،
وقال تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ آلْبِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] فإنْ تمَّ هذا فما قيل في معناه ثانياً
أولى. فتدبر.
و (أن)) في قوله تعالى: ﴿أَنِ آَقْذِفِيهِ فِ النَّابُوتِ﴾ مفسِّرةٌ؛ لأنَّ الوحي من باب
القول، أو مصدريَّةٌ حذف عنها الباء، أي: بأن اقذفيه. وقال ابنُ عطية: ((أن))
(١) في الأصل: شعيا.
(٢) في (م): يوحانذ.
(٣) في الإتقان ١٠٩٨/٢: يحانذ.
(٤) في (م): بارخا، وفي الإتقان: ياؤوخا.
(٥) في (م): بازخت، وفي الإتقان: أباذخت.
(٦) في (م): قصه.

الآية : ٣٩
٢٩٧
وما بعدها في تأويل مصدر بدل من ((ما))(١)، وتقدَّم الكلام في وصل ((أن))
المصدرية بفعل الأمر.
والمراد بالقذف ها هنا: الوضع، وأمَّا في قوله تعالى: ﴿فَقْذِفِيهِ فِ الْرِ﴾
فالمراد به: الإلقاء والطرح، ويجوز أن يكون المراد به الوضع في الموضعين.
و ((اليمُ)): البحر، لا يكسّر ولا يجمع جمع سلامة، وفي ((البحر)): هو اسم
للبحر العذب(٢). وقيل: اسم للنيل خاصَّةً، وليس بصحيح. وهذا التفصيل هنا
هو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧] لا القذف
بلا تابوت.
﴿فَلَيْقِهِ آلْيَمُ بِلسَّاحِلِ﴾ أي: بشاطئه، وهو الجانب الخالي عن الماء، مأخوذٌ من
سَحَلَ الحديدَ، أي: بَرَدَهُ وقَشَرَهُ، وهو فاعل بمعنى مفعول؛ لأنَّ الماء يسحله،
أي: يقشره، أو هو للنسب، أي: ذو سحلٍ يعود الأمر إلى مسحول. وقيل: هو
على ظاهره على معنى أنَّه يسحل الماء، أي: يفرِّقه ويضيِّعه. وقيل: هو من السحيل
وهو النهيق؛ لأنَّه يسمع منه صوت، والمراد به هنا ما يقابل الوسط، وهو مايلي
الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون.
وقيل: المراد بالساحل الجانب والطرف مطلقاً، والمرادُ من الأمر الخبر،
واختير للمبالغة، ومن ذلك قوله وَّر: ((قوموا فلأصلِ لكم))(٣). ولإخراج ذلك
مخرجَ الأمر حَسُنَ الجواب فيما بعد.
وقال غير واحد: إنَّه لمَّا كان إلقاء البحر إيَّاه بالساحل أمراً واجب الوقوع لتعلُّق
الإرادة الربانيَّة به، جعل البحر كأنَّه ذو تمييز مطيعٌ أمر بذلك، وأخرج الجواب
مخرج الأمر، ففي اليمِّ استعارةٌ بالكناية. وإثباتُ الأمر تخييل.
وقيل: إنَّ في قوله تعالى: ((فليلقه)) استعارةً تصريحيَّةً تبعيَّة، والضمائر كلُّها
لموسى عليه السلام، إذ هو المحدَّث عنه، والمقذوف في البحر والملقى بالساحل
(١) المحرر الوجيز ٤٤/٤. وانظر البحر ٢٤١/٦.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٢٤١.
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٠) من حديث أنس بن مالك
.

سُوٌلاطفة
٢٩٨
الآية : ٣٩
وإنْ كان هو التابوت أصالةً، لكن لمَّا كان المقصود بالذات ما فيه جُعِلَ التابوتُ
تبعاً له في ذلك.
وقيل: الضميرُ الأوَّل لموسى عليه السلام، والضميران الأخيران للتابوت، ومتى
كان الضميرُ صالحاً لأنْ يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عودُه على الأقرب
راجحاً، كما نصَّ عليه النحويون(١)، وبهذا رُدَّ على أبي محمد ابن حزم في دعواه
عودَ الضمير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] على لحم؛ لأنَّه المحدَّثُ
عنه، لا على خنزير، فيحلُّ شحمُه وغضروفه وعظمُه وجلده عنده لذلك(٢).
والحقُّ أنَّ عدمَ التفکیك فیما نحن فيه أولى، وما ذكره النحویون ليس على
إطلاقه كما لا يخفى.
﴿يَأْخُذُهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ جوابٌ للأمر بالإلقاء، وتكريرُ العدوِّ للمبالغة من
حيث إنَّه يدلُّ على أنَّ عداوتَه كثيرةٌ لا واحدة.
وقيل: إنَّ الأول للواقع، والثاني للمتوقَّع، وليس من التكرير للمبالغة في
شيءٍ، لأنَّ ذلك فرعُ جواز أن يقال: عدوٌّ لي وله. وهو لا يجوز إلَّا عند القائلين
بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وأجيب بأنَّ ذلك جائزٌ، وليس فيه الجمعُ المذكور، فإنَّ فرعون وقتَ الأخذ
متَّصفٌ بالعداوة لله تعالى وله في الواقع، أمَّا اتصافه بعداوة الله تعالى فظاهرٌ، وأمَّا
اتّصافه بعداوة موسى فمن حيث إنَّه يبغضُ كلَّ مولودٍ في تلك السنة.
(١) أجاب أبو حيان في البحر ٢٤١/٦ على هذا الكلام بأنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه
والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب.
(٢) هذا الذي ذكره المصنف منسوباً إلى ابن حزم هو على خلاف مذهبه، كما في المحلى ١/ ١٢٤
و٧/ ٣٩٠، والبحر المحيط ٢٤١/٦ - وعنه نقل المصنف - وقد توهم الآلوسي رحمه الله أن
كلام ابن حزم هو كلام أبي حيان، ففَهِم منه غير ما يُفْهم. والله أعلم.
ونصُّ عبارة أبي حيان بعد أن ردَّ على النحويين - كما سلف في التعليق السابق -: ولهذا
رددنا على أبي محمد بن حزم في دعواه أن الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على
خنزیر لا علی لحم لكونه أقرب مذكور، فيحرم بذلك شحمه وغضروفه وعظمه وجلده بأن
المحدّث عنه هو لحم خنزير لا خنزير. اهـ.

الآية : ٣٩
٢٩٩
ولو قلنا بعدم الاتِّصاف بعداوة موسى عليه السلام إذ ذاك يجوز أن يقال ذلك
أيضاً، ويعتبر عموم المجاز، وهو المخلّص عن الجمع بين الحقيقة والمجاز
فیما يُدَّعى فيه ذلك.
وقال الخفاجيُّ: إنَّه لا يلزم الجمع؛ لأنَّ ((عدو)) صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثبوت
الشامل للواقع والمتوقَّع(١).
ولا يخفى أنَّ هذا قولٌ بأنَّ الثبوتَ في الصفة المشبهة بمعنی الدوام، وقد قال
هو في الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ اَلْأَرْضِ مَرَحًّاً﴾ [الإسراء: ٣٧]: إنَّ
معنى دلالتها على الثبوت أنَّها لا تدلُّ على تجدُّدٍ وحدوث، لا أنَّها تدلُّ على الدوام
كما ذكره النحاة، فما يقال: إنَّ ((مرحاً)) صفةٌ مشبَّهةٌ تدلُّ على الثبوت، ونفيهُ
لا يقتضي نفي أصله = مغالطةٌ نشأت من عدم فهم معنى الثبوت فيها (٢). انتهى.
على أنَّ كلامه هنا بعد الإغماض عن منافاته لما ذكره قبلُ لا يخلو عن شيءٍ.
وممَّا ذكره فيما تقدَّم من تفسير معنى الثبوت يُعلمُ أنَّ الاستدلالَ بهذه الآية على
أنَّ فرعون لم يُقْبل إيمانه ومات كافراً - كما هو الحقُّ - ليس بصحيح، وكم له من
دلیل صحیح.
والظاهرُ أنَّه تعالى أبهمَ لها هذا العدوَّ، ولم يعلمها باسمه، وإلا لما قالت
لأخته: ﴿قُضِيدٌ﴾ [القصص: ١١].
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِنِى﴾ كلمة (من) متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لمحذوف،
مؤكِّدةٌ لما في تنكيرها من الفخامة الذاتيّة بالفخامة الإضافيَّة، أي: محبةً عظيمةً
كائنةً منِّي، قد زرعتها في القلوب، فكلُّ من رآك أحبَّك بحيث لا يصبر عنك.
قال مقاتل: كان في عينيه ملاحةٌ، ما رآهُ أحدٌ إلَّا أحبَّه.
وقال ابنُ عطيّة: جعلت عليه مسحة جمال لا يكاد يصبرُ عنه من رآه(٣).
(١) حاشية الخفاجي ٦/ ٢٠٠.
(٢) حاشية الخفاجي ٣٣/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٤٤/٤. ثم جعل ابن عطية أقوى الأقوال أنه وضع له القبول في الأرض.

٣٠٠
الآية : ٣٩
روي أنَّ أمَّه عليه السلام حين أوحي إليها ما أوحي جعلته في تابوتٍ من خشب.
وقيل: من بَردي، عمله مؤمنُ آل فرعون، وسَدَّت خروقَه وفرشت فيه نِطْعاً، وقيل:
قطناً محلوجاً، وسدَّت فمه وجصَّصته وقيَّرته(١)، وألقته في اليمِّ، فبينما فرعون في
موضع يشرفُ على النيل وامرأتُهُ معه، إذ رأى التابوت عند الساحل، فأمر به ففُتح،
فإذا صبيٍّ أصبحُ الناس وجهاً، فأحبَّه هو وامرأته حبّاً شديداً.
وقيل: إنَّ التابوتَ جاء في الماء إلى المشرعة التي كانت جواري امرأة فرعون
يستقينَ منها الماء، فأخذنَ التابوتَ وجئنَ به إليها وهنَّ يَحْسِبْنَ أنَّ فيه مالاً، فلمَّا
فتحَتْهُ رأته عليه السلام، فأحبَّتُهُ، وأعلمت فرعون، وطلبت منه أن تَتَّخِذه(٢) ولداً.
وقالت: قرَّةُ عينٍ لي ولك لا تقتلوه. فقال لها: يكونُ لك، وأمَّا أنا فلا حاجةً لي
فيه. ومن هنا قال رسول الله وَّه - كما رواه النسائيُّ وجماعةٌ عن ابن عباس -:
((والذي يُحلَفُ به لو أقرَّ فرعونُ بأن يكون قرَّة عينٍ له كما قالت امرأته، لهداهُ الله
تعالى به كما هدى به امرأته، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ حرمه ذلك))(٣) .
وقيل: إنَّ فرعونَ كان جالساً على رأس بركةٍ له في بستانٍ ومعه امرأته، فرأى
التابوت وقد دفعه الماء إلى البرکة من نھر یشرع من الیم، فأمر بإخراجه فأخرج،
ففتح فإذا صبيٍّ أجمل الناس وجهاً، فأحبَّه حتى لا يكادُ يصبر عنه.
وروي أنَّه كان بحضرته حين رأى التابوت أربعمئة غلام وجارية، فحين أشار
بأخذه وعدَ من يسبقُ إلى ذلك بالإعتاق، فتسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلَّ واحدٌ
منهم، فأعتق الكلّ.
وفي هذا ما يُطمِعُ المقصِّرَ في العمل من المؤمنين برحمة الله تعالى، فإنَّه
سبحانه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
وقيل: كلمة (من)) متعلِّقة بـ ((ألقيت))، فالمحبَّة الملقاةُ بحسب الذوق هي
محبّة الله تعالى له، أي: أحببتك، ومن أحبَّه الله تعالى أحبَتُهُ القلوب لا محالة.
واعترضَ القاضي على هذا بأنَّ في الصغر لا يوصفُ الشخص بمحبّة الله تعالى
(١) أي: طلته بالقار، وهو الزفت؛ لئلا يدخل فيه الماء فيهلك. حاشية الخفاجي ٦/ ٢٠٠.
(٢) في (م): يتخذه.
(٣) السنن الكبرى (١١٢٦٣)، وهو حديث الفتون الذي سلفت الإشارة إليه قريباً.