النص المفهرس
صفحات 241-260
الآية : ٧ ٢٤١ وقيل: المعنى: له علمُ ذلك، أي: إنَّ علمه تعالى محيطٌ بجميع ذلك، والأوَّلُ هو الظاهر، وعليه يكون قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوْلِ﴾ إلخ بيانٌ لإحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثرَ بيان شمولٍ قدرته تعالى لجميع الكائنات، والخطابُ - على ما قاله في ((البحر))(١) - للنبيِّ ◌َله، والمرادُ أمته عليه الصلاة والسلام. وجوِّزَ أنْ يكون عامًّا، أي: وإن ترفع صوتك أيُّها الانسان بالقول ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ﴾ أي: ما أسررتَه إلى غيرك ولم ترفع صوتك به ﴿وَأَخْفَى ®﴾ أي: وشيئاً أخفى منه، وهو ما أخطرتَه ببالك من غير أن تتفوَّه به أصلاً، ورُوي ذلك عن الحسن وعكرمة. أو: ما أسررته في نفسك وما ستُسِرُه فيها، وروي ذلك عن سعيد بن جبير. وروي عن السيدين الباقر والصادق: السرُّ: ما أخفيتَه في نفسك، والأخفى: ما خطر ببالك ثمَّ أُنسيته. وقيل: ((أخفى)) فعلٌ ماض، عطف على ((يعلم)) يعني أنَّه تعالى يعلمُ أسرار العباد، وأخفى ما يعلمُه سبحانه عنهم، وهو كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ورَوى ذلك أبو الشيخ في ((العظمة))(٢) عن زيد بن أسلم، وهو خلافُ الظاهر جدًّا (٣)، فالمعوَّل عليه أنَّه أفعل تفضيل. والتنكيرُ للمبالغة في الخفاء. والمتبادرُ من القول ما يشملُ ذكر الله تعالى وغيره، وإليه ذهب بعضهم. وخصَّه جماعةٌ بذكره سبحانه ودعائه على أنَّ التعريف للعهد؛ لأنَّ استواءَ الجهر والسرِّ عنده سبحانه المدلولَ عليه في الكلام يقتضي أنَّ الجهرَ المذكور في خطابه عزَّ وجلَّ. وعلى القولين قولُه تعالى: ((فإِنَّه)) إلخ قائمٌ مقام جواب الشرط، وليس الجواب في الحقيقة؛ لأنَّ علمه تعالى السرَّ وأخفى ثابتٌ قبل الجهر بالقول وبعدَه وبدونه. (١) ٢٢٦/٦. (٢) برقم (١٧٠). (٣) وقال الزمخشري في الكشاف ٥٣٠/٢: وليس بذاك. وكذا ضعفه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٣٧. سُ لاحظة ٢٤٢ الآية : ٧ والأصل عند البعض: وإن تجهر بالقول فاعلم أنَّ الله تعالى يعلمُه، فإنَّه يعلمُ السرَّ وأخفى فضلاً عنه. وعند الجماعة: وإن تجهر، فاعلم أنَّ الله سبحانه غنيٌّ عن جهرك، فإنه .. إلخ. وهذا - على ما قيل - إرشادٌ للعباد إلى التحرِّي والاحتياط حين الجهر، فإنَّ من علم أنَّ الله تعالى يعلمُ جهره لم يجهر بسوء. وخصَّ الجهر بذلك؛ لأنَّ أكثر المحاورات ومخاطبات الناس به. وقيل: إرشادٌ للعباد إلى أنَّ الجهر بذكر الله تعالى ودعائه ليس لإسماعه سبحانه، بل لغرضٍ آخر من تصوير النفس بالذكر، وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغالِ بغيره، وقطع الوسوسة، وغير ذلك. وقيل: نهيٌّ عن الجهر بالذكر والدعاء، كقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِفَةٌ وَدُونَ اُلْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وأنت تعلم أنَّ القول بأنَّ الجهر بالذكر والدعاء منهيٍّ لا ينبغي أنْ يكون على إطلاقه، والذي نصَّ عليه الإمام النوويُّ في ((فتاويه))(١) أنَّ الجهر بالذكر - حيثُ لا محذورَ شرعيًّا - مشروعٌ مندوبٌ إليه، بل هو أفضلُ من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعيّ، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري))(٢)، وهو قولٌ لقاضيخان في فتاويه في ترجمة مسائل كيفية القراءة، وقوله في باب غسل الميت: ويكره رفع الصوت بالذكر، فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة، كما هو مذهب الشافعية، لا مطلقاً، كما تفهمه عبارة (البحر الرائق)) وغيره، وهو قول الإمامين في تكبير عيد الفطر كالأضحى، ورواية عن الإمام أبي حنيفة نفسه ﴿ه، بل في ((مسنده)) ما ظاهره استحبابُ الجهر بالذكر مطلقاً، نعم قال ابن نجيم في ((البحر)) نقلاً عن المحقّق ابن الهمام في ((فتح القدير)»(٣) ما نصّه: قال أبو حنيفة: رفعُ الصوت بالذكر بدعةٌ مخالفةٌ للأمر من قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥] فيُقتصرُ على مورد الشرع، (١) ص٢٦٢. (٢) ٣٢٥/٢-٣٢٦. (٣) ٤٢٤/١. الآية : ٧ ٢٤٣ وقد ورد به في الأضحى، وهو قوله سبحانه: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وأجاب السيوطيُّ في ((نتيجة الذكر))(١) عن الاستدلال بالآية السابقة بثلاثة أوجه : الأول: أنَّها مكِّيَّة، ولمَّا هاجر ◌ِّوَ سقط ذلك. الثاني: أنَّ جماعةً من المفسرين، منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير(٢) حملوا الآية على الذكر حالَ قراءة القرآن، وأنه أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بالذكر على هذه الصفةِ تعظيماً للقرآن أنْ تُرفع عنده الأصوات، ويقوِّيه اتِّصالها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الآية. والثالث: ما ذكره بعض الصوفية أنَّ الأمر في الآية خاصٌّ بالنبيِّ يَّرِ الكاملِ المكمَّل، وأمَّا غيره عليه الصلاة والسلام ممَّن هو محلُّ الوساوس فمأمورٌ بالجهر؛ لأنَّه أشد تأثيراً في دفعها. وفيه ما فيه. واختار بعض المحققين أنَّ المراد: دون الجهر البالغ أو الزائد على قدرٍ الحاجة، فيكون الجهرُ المعتدل والجهرُ بقدر الحاجة داخلاً في المأمور به، فقد صحَّ ما يزيدُ على عشرين حديثاً في أنَّهِوَلِّ كثيراً ما كان يجهرُ بالذكرِ، وصحَّ عن أبي الزبير أنَّه سمعَ عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول الله وَّه إذا سلَّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا حولَ ولا قوَّة إلَّا بالله، ولا نعبدُ إلَّا إِيَّه، له النعمةُ وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلّا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»(٣). وهو محمولٌ على اقتضاء حاجةٍ التعليم ونحوه لذلك. وما في ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: كنّا مع النبيِّ وَِّ، وكنّا إذا أشرفنا على وادٍ هلَّلنا وكبّرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبيُّ وَلِّ: ((يا أيُّها الناس، إِرْبَعوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائباً، إنَّه معكم، إنَّه سميعٌ (١) ٢٩/٢ - ٣٠ ضمن مجموع الفتاوي. (٢) تفسير الطبري ٦٦٧/١٠. واستبعد قولهما ابن كثير في تفسيره ٥٣٩/٣. (٣) أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في مسنده ٩٩/١ (ترتيب السندي). وأخرجه أحمد (١٦١٠٥)، ومسلم (٥٩٤) بنحوه. سُورَةٌ طْ ٢٤٤ الآية : ٧ قريب))(١) محمولٌ على أنَّ النهيَ المستفاد التزاماً من أمر ((اربَعوا)) الذي بمعنى: ارفقوا ولا تُجهدوا أنفسكم = مرادٌ به النهي عن المبالغة في رفع الصوت. وبتقسيم الجهر واختلافِ أقسامه في الحكم يجمعُ بين الروايتين المختلفتين عن الإمام أبي حنيفة، وما ذُكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنَّه رأى قوماً يهلِّلونَ برفع الصوتِ في المسجد، فقال: ما أراكم إلَّا مبتدعين، حتى أخرجهم من المسجد = لا يصحُّ عند الحفاظ من الأئمة المحدِّثين(٢)، وعلى فرض صحته هو معارَضٌ بما يدلُّ على ثبوت الجهر منه ◌َّهُ ممَّا (٣) رواه غيرُ واحدٍ من الحقَّاظ، أو محمولٌ على الجهر البالغ. وخبر: ((خير الذكر الخفي، وخير الرزق - أو العيش - ما يكفي)» (٤) صحيح، وعزاه الإمام السيوطيُّ(٥) إلى الإمام أحمد وابن حبان والبيهقيّ عن سعد بن أبي وقاص(٦)، وعزاه أبو الفتح(٧) في ((سلاح المؤمن)) إلى أبي عوانة في ((مسنده)) الصحيح أيضاً، وهو محمولٌ على من كان في موضعٍ يخاف فيه الرياء أو الإعجاب أو نحوهما. وقد صحَّ أيضاً أنَّه عليه الصلاة والسلام جهرَ بالدعاء وبالمواعظ، لكن قال غيرُ واحدٍ من الأجلَّة: إنَّ إخفاءَ الدعاء أفضل. وحَدُّ الجهر - على ما ذكره ابن حجر الهيتمي في ((المنهج القويم))(٨) - أن يكون بحيث يسمعُ غيره، والإسرار بحيث يسمع نفسه. وعند الحنفية - في رواية -: أدنى الجهر إسماع نفسه، وأدنى المخافتة تصحيحُ الحروف، وهو قول الكرخيّ. وفي (١) صحيح البخاري (٢٩٩٢)، وصحيح مسلم (٢٧٠٤)، وسلف ١٤٩/٩ . (٢) وممن ضعفه ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الكبرى ١٧٧/١، والمناوي في فيض القدير ٤٥٧/١. (٣) في الأصل: ما. (٤) سلف ٩ / ٥٦٦. (٥) في الجامع الصغير ٥٤٤/١ . (٦) مسند أحمد (١٤٧٧)، وصحيح ابن حبان (٨٠٩)، وشعب الإيمان للبيهقي (٥٥٤). (٧) هو محمد بن محمد بن علي بن همام المصري، المتوفى سنة (٧٤٥هـ). انظر سير أعلام النبلاء ٣٦٢/٢٢، وكشف الظنون ٢ / ٩٩٤ - ٩٩٥. (٨) ص١٥٣ . الآية : ٨ ٢٤٥ كتاب الإمام محمد إشارةٌ إليه، والأصح كما في ((المحيط)) قولُ الشيخين الهندوانيّ والفضليّ - وهو الذي عليه الأكثرـ: إنَّ أدنى الجهر إسماع غيره، وأدنى المخافتة إسماعُ نفسه. ومن هنا قال في ((فتح القدير))(١): إنَّ تصحيح الحروف بلا صوتٍ إيماءٌ إلى الحروف بعضلات المخارج لا حروف، إذ الحروف كيفيَّةٌ تعرض للصوت، فإذا انتفى الصوتُ المعروض انتفى الحرف العارض، وحيثُ لا حرف، فلا كلام بمعنى المتكلّم به، فلا قراءةَ بمعنى التكلُّم الذي هو فعل اللسان، فلا مخافتة عند انتفاء الصوت، كما لا جهر. انتهى محرَّراً. وقد ألَّفَ الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في تحقيق هذه المسألة رسالتين جليلتين؛ سمَّى أولاهما: ((نشر الزهر في الذكر بالجهر))، وثانيتهما بـ: ((إتحاف المنيب الأوَّاه بفضل الجهر بذكر الله)) وردًّ فيها على بعض أهل القرن التاسع من علماء الحنفيَّة من أعيان دولة ميرزا ألغ بيك بن شاه دخ الكوركاني، حيثُ أطلقَ القول بكون الجهر بالذكر بدعةً محرَّمة، وألَّف في ذلك رسالة، ولعلَّه يأتي - إن شاء الله تعالى - زيادةُ بسطٍ لتحقيق هذه المسألة، والله تعالى الموفق. وقوله سبحانه: ﴿اللّهُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، والجملة استئنافٌ مسوقٌ لبيان أنَّ ما ذُكِر من صفات الكمال موصوفُها ذلك المعبودُ الحقّ، أي: ذلك المنعوت بما ذكر من النعوت الجليلة اللهُ عزَّ وجلَّ. وقوله تعالى: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ﴾ تحقيقٌ للحقِّ، وتصريحٌ بما تضمَّنه ما قبله من اختصاص الألوهيَّة به سبحانه، فإنَّ ما أسند إليه عزَّ شأنُه من خَلق جميع الموجودات، والعلوِّ اللائق بشأنه على جميع المخلوقات، والرحمانيَّة والمالكيَّة للعُلويَّات والسفليَّات، والعلم الشامل = ممَّا يقتضيه اقتضاءً بيِّناً. وقوله تبارك اسمه: ﴿لَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ ﴾﴾ بيانٌ لكون ما ذكر من الخالقيَّة وغيرها أسماءه تعالى وصفاته من غير تعدُّدٍ في ذاته تعالى، وجاء الاسم بمعنى الصفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَّ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] و((الحسنى) تأنيث الأحسن، وصفةُ المؤنثة المفردة تجري على جمع التكسير، وحَسَّن ذلك (١) ٢٣٣/١. الآية : ٩ ٢٤٦ سُؤاللاحظة كونها وقعت فاصلة. وقيل: تضمُّنها الإشارة إلى عدم التعدُّد حقيقة بناءً على عدم زيادة صفاته تعالى على ذاته واتِّحادها معها. وفضلُ أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في غاية الظهور. وجوز أبو حيان(١) كون الاسم الجليل مبتدأ، وجملة ((لا إله إلَّا هو)) خبره، وجملة («له الأسماء الحسنى)) خبرٌ بعد خبر. وظاهرُ صنيعه يقتضي اختياره؛ لأنَّه المتبادر للذهن، ولا يخفى على المتأمِّل أوليَّة ما تقدَّم. ، مسوقٌ لتقرير أمر التوحيد الذي وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ مُوسَى انتهى إليه مساقُ الحديث، وبيان أنَّه أمرٌ مستمرٌّ فيما بين الأنبياء عليهم السلام، كابراً عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام حيث قيل له: ﴿إِنَّبِىّ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ أَنَا﴾ [طه: ١٤] وبه ختم عليه السلام مقاله حيث قال: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [طه: ٩٨]. وقيل: مسوقٌ لتسليته ،﴿، كقوله تعالى: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَرَ﴾ [طه: ٢] بناءً على ما نقل عن مقاتل في سبب النزول، إلّا أنَّ الأوَّل تسليةٌ له عليه الصلاة والسلام بردِّ ما قاله قومه، وهذا تسليةٌ له وَ ل﴿ بأنَّ إخوانه من الأنبياء عليهم السلام قد عَرَاهم من أممهم ما عَرَاهم، وكانت العاقبةُ لهم. وذِكْر مبدأ نبوّة موسی عليه السلام نظيرُ (٢) ذكرٍ إنزال القرآن عليه عليه الصلاة والسلام. وقيل: مسوقٌ لترغيب النبيِّ وَ ﴿ في الائتساء بموسى عليه السلام في تحمُّل أعباء النبوّة، والصبرِ على مقاساة الخطوب في تبليغ أحكام الرسالة، بعد ما خاطبه سبحانه بأنَّه كلَّفهُ التبليغَ الشاقَّ، بناءً على أنَّ معنى قوله تعالى: ((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرةً لمن يخشى)): إنَّا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعبَ التبليغ ومقاولةَ العتاةِ من أعداء الإسلام، ومقاتلتَهم، وغير ذلك من أنواع المشاقٌّ وتكاليف النبوة، وما أنزلنا عليك هذا المُتعِبَ الشاقَّ إلَّا ليكونَ تذكرةً، فالواو - كما قاله غير واحد - لعطفِ القصَّة على القصَّة، ولا نظرَ في ذلك إلى (١) في البحر ٦/ ٢٢٧. (٢) بعدها في (م): ما. الآية : ١٠ ٢٤٧ تناسبهما خبراً وطلباً، بل يشترط التناسب فيما سِيقتا له، مع أنَّ المعطوف ها هنا قد يؤوَّل بالخبر. ولا يخفى أنَّ ما تقدَّم جارٍ على سائر الأوجه والأقوال في الآية السابقة وسببٍ نزولها، ولا يأباه شيءٌ من ذلك. والاستفهام تقريريّ، وقيل: ((هل)) بمعنى ((قد)). وقيل: الاستفهام إنكاريٌّ ومعناه النفي، أي: ما أخبرناك قبل هذه السورة بقصَّة موسى عليه السلام، ونحنُ الآن مُخْبِروك بها، والمعوَّل عليه الأول. والحديث : الخبر، ويصدق على القليل والكثير، ويُجمع على أحاديث على غير قياس. قال الفرَّاء: نرى أنَّ واحد الأحاديث: أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث. وقال الراغب: الحديث: كلُّ كلامٍ يبلغُ الإنسانَ من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه(١). ويكون مصدراً بمعنى التكلَّم، وحمله بعضهم على هذا هنا بقرينة: ((فقال)) إلخ، وعلَّق به قوله تعالى: ﴿إِذْ رَءَا نَارًا﴾، ولم يجوِّز تعلُّقه به(٢) على تقدير كونه اسماً للكلام والخبر؛ لأنَّه حينئذ كالجوامد لا يعمل. والأظهر أنَّه اسمٌ لما ذكر؛ لأنَّه هو المعروف، مع أنَّ وصف القصة بالإتيان أولى من وصف التحدُّث والتكلُّم به، وأمر التعلُّق سهلٌ، فإنَّ الظرفَ يكفي لتعلُّقه رائحةُ الفعل، ولذا نقل الشريفُ عن بعضهم أنَّ القصةَ والحديثَ والخبرَ والنبأَ يجوزُ إعمالها في الظروف خاصَّةً، وإن لم يرد بها المعنى المصدري؛ لتضمُّن معناها الحصول والكون. وجُوِّزَ أنْ يكون ظرفاً لمضمَرٍ مؤخّر، أي: حين رأى ناراً كان كيت وكيت، وأنْ يكون مفعولاً لمضمرٍ متقدِّم، أي: فاذكر وقتَ رؤيته ناراً. روي أنَّ موسى عليه السلام استأذنَ شعيباً عليه السلام في الخروج من مدين إلى مصر لزيارةٍ أمِّه وأخيه، وقد طالت مدة جنايته بمصر، ورجا خفاءَ أمره، فأذنَ (١) المفردات (حدث). (٢) لفظة: به. ليست في (م). الآية : ١٠ ٢٤٨ له، وكان عليه السلام رجلاً غيوراً، فخرجَ بأهله، ولم يصحب رفقةً(١)؛ لئلا تُرى امرأته، وكانت على أتانٍ وعلى ظهرها جوالق فيها أثاث البيت، ومعه غنم له، وأخذ عليه السلام على غير الطريق مخافةً من ملوك الشام، فلمَّا وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربيِّ من الطور، ولد له ابنٌ في ليلةٍ مظلمةٍ شاتيةٍ مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضلَّ الطريق وتفرَّقت ماشيته، ولا ماءَ عنده، فقدح فصلد زنده، فبينما هو كذلك ((إذا رأى ناراً)) على يسارِ الطريق من جانب الطور ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ آمْكُواْ﴾ أي: أقيموا مكانكم، أمرهم عليه السلام بذلك؛ لئلا يتبعوه فيما عزم عليه من الذهاب إلى النار، كما هو المعتاد، لا لئلا ينتقلوا إلى موضع آخر، فإنَّه ممَّا لا يخطر بالبال. والخطاب قيل: للمرأة والولد والخادم. وقيل: للمرأة وحدها، والجمع إمَّا لظاهر لفظ الأهل، أو للتفخيم، كما في قول من قال: وإن شئت حرمت النساء سواكم(٢) وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة ونافع في رواية: ((لأهلهُ امكثوا)) بضمِّ الهاء(٣). ﴿إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا﴾ أي: أبصرتُها إيصاراً بيِّناً لا شبهةَ فيه، ومن ذلك إنسانُ العين، والإنس خلاف الجنِّ، وقيل: الإیناس خاصٌّ بإبصار ما يؤنس به. وقيل: هو بمعنى الوجدان، قال الحارث بن حلِّزة: آنست نبأة وقد راعها القُنّــ ـص يوماً وقددنا الإمساءُ(٤) والجملةُ تعليلٌ للأمر أو المأمور(٥) به، ولمَّا كان الإيناسُ مقطوعاً متيقَّناً حقَّقه لهم بكلمة ((إنّ)) ليوطّن أنفسهم، وإن لم يكن ثمَّت تردد أو إنكار. (١) جاء في هامش الأصل ما نصُّه: وقيل: خرج برفقة إلا أنه كان يصحبهم ليلاً ويفارقهم نهاراً لغيرته. اهـ منه. (٢) سلف ٣٦٨/٣. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢٣٠، وقراءة حمزة في التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٢/١ - ٣١٣. (٤) سلف ٣١٢/٥. وفيه: عصراً. بدل: يوماً. (٥) في (م): والمأمور. والمثبت موافق لتفسير أبي السعود ٦/ ٦. الآية : ١٠ ٢٤٩ سُوٌَّلاَطَّة ﴿لَعَلّ ◌َائِيكُمْ مِّنْهَا﴾ أي: أجيئكم من النار ﴿يِقَبَيٍ﴾ بشعلةٍ مقتبسةٍ تكونُ على رأس عودٍ ونحوه، ففَعَل بمعنى مفعول، وهو المراد بالشهاب القبس(١)، وبالجذوة في موضعٍ آخر(٢). وتفسيرُه بالجمرة ليس بشيء. وهذا الجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ((آتيكم))، وأمَّا ((منها)) فيحتملُ أنْ يكون متعلِّقاً به، وأن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً من ((قبس)) على ما قاله أبو البقاء(٣). ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى ﴾﴾ هادياً يدلُّني على الطريق، على أنَّه مصدرٌ سُمِّي به الفاعل مبالغةً، أو حذف منه المضاف، أي: ذا هداية، أو على أنَّه إذا وجد الهادي فقد وجد الهدى. وعن الزجاج(٤) أنَّ المراد: هادياً يدلُّني على الماء، فإنَّه عليه السلام قد ضلَّ عن الماء. وعن مجاهد وقتادة أنَّ المراد: هادياً يهديني إلى أبواب الدين، فإنَّ أفكار الأبرار مغمورةٌ بالهمم الدينية في عامة أحوالهم، لا يشغلهم عنها شاغل. وهو بعيد، فإنَّ مساق النظم الكريم تسليةُ أهله، مع أنَّه قد نصَّ في سورة القصص على ما يقتضي ما تقدَّم حيث قال: ﴿لَعَلَّ مَاتِكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ جَذْوَقَ﴾ الآية [٢٩]. والمشهور كتابة هذه الكلمة بالياء. وقال أبو البقاء: الجيد أن تكتب بالألف ولا تمال؛ لأنَّ الألف بدل التنوين في القول المحقَّق، وقد أمالها قومٌ(٥)، وفيه ثلاثة أوجه؛ الأول: أن يكون شبّه ألف التنوين بلام الكلمة، إذ اللفظ بهما في المقصور واحد. الثاني: أن تكون لام الكلمة، ولم يُبدَل من التنوين شيءٌ في النصب. والثالث: أن يكون على رأي من وقف في الأحوال الثلاثة من غير إبدال(٦). انتهى. (١) في قوله تعالى في سورة النمل: ﴿أَوْ ءَتِيَكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لََّلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ الآية: ٧. (٢) في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿لَّعَلَّ مَتِكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَمٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَّلُونَ﴾ الآية: ٢٩. (٣) الإملاء ١١٩/٢. (٤) في معاني القرآن له ٣٥١/٣. (٥) قرأ بإمالة جميع فواصل هذه السورة حمزة والكسائي وخلف. التيسير ص١٥٣، والنشر ٣٥/٢. (٦) الإملاء ١١٩/٢. ٢٥٠ الآية : ١٠ وكلمة ((أو)) لمنع الخلوّ دون الجمع، و((على)) على بابها من الاستعلاء، والاستعلاء(١) على النار مجازٌ مشهورٌ صار حقيقةً عرفيَّةً في الاستعلاء على مكانٍ قريبٍ ملاصقٍ لها، كما قال سيبويه في مررت بزيد: إنَّه لصوقٌ بمكان يقرب منه(٢). وقال غير واحد: إنَّ الجارَّ والمجرور في موضع الحال من ((هُدى))، وكان في موضع الصفة له فقدِّم، والتقدير: أو أجد هادياً، أو ذا هدى، مشرفاً على النار. والمراد: مصطلياً بها، وعادة المصطلي الدنوُّ من النار والإشرافُ عليها . وعن ابن الأنباريّ أنَّ (على)) ها هنا بمعنى ((عند))، أو بمعنى ((مع))، أو بمعنى الباء. ولا حاجةً إلى ذلك، وكان الظاهر: عليها، إلَّا أنه جيء بالظاهر تصريحاً بما هو كالعلَّة لوجدان الهدى، إذ النار لا تخلو عن(٣) أناسٍ عندها. وصُدِّرت الجملة بكلمة الترجِّي؛ لما أنَّ الإتيان وما عطف عليه ليسا محقَّقي الوقوع، بل هما مترقَّبان متوقَّعان، وهي على ما في ((إرشاد العقل السليم) (٤) إمَّا علَّةٌ لفعلٍ قد حُذِف ثقةً بما یدُّ علیه من الأمر بالمکث والإخبار بإیناس النار، وتفادياً عن التصريح بما يوحشهم، وإمَّا حالٌ من فاعله، أي: فأذهب إليها لآتيكم، أو: كي آتيكم، أو: راجياً أن آتيكم منها بقبس، الآية. وقيل: هي صفة لـ ((ناراً))، ومتى جاز جعل جملة الترجِّي صلةً كما في قوله: لعلِّي وإنْ شَّت نواها أزورها(٥) وإني لراجٍ نظرةً قبل التي فليجز جعلها صفةً، فإنَّ الصلة والصفة متقاربان. ولا يخفى ما فيه. (١) لفظة: والاستعلاء. ليست في الأصل. (٢) انظر الكتاب ٢١٧/٤. (٣) في (م): من. (٤) ٦ / ٧ . (٥) البيت للفرزدق كما في خزانة الأدب ٤٦٤/٥. قال البغدادي: وآخر البيت مغيّر عن أصله، والرواية الصحيحة: لعلِّي وإن شقَّت عليَّ أنالها. انتهى. الخزانة ٤٦٧/٥. والبيت في ديوان الفرزدق ١٠٦/٢ : وروايته فیه: وإني لرامٍ رميةً قبل التي لعلَّ وإن شقت علي أنالها الآية : ١١ ٢٥١ سُ لاَ حَّة ﴿فَلَمَّا أَنَنَهَا﴾ أي: النار التي آنسها، وكانت - كما في بعض الروايات عن ابن عباس - في شجرة عنَّاب خضراء يانعة. وقال عبد الله بن مسعود: كانت في سمرة. وقيل: في شجرة عوسج. وأخرج الإمام أحمد في ((الزهد)) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبِّه قال: لمَّا رأى موسى عليه السلام النارَ انطلق يسيرُ حتى وقف منها قريباً، فإذا هو بنارٍ عظيمة، تفورُ من ورق (١) شجرةٍ خضراء شديدة الخضرة يقال لها: العلّيق، لا تزدادُ النار فيما يُرى إلَّا عِظماً وتضرُّماً، ولا تزداد الشجرة على شدَّة الحريق إلا خضرةً وحسناً، فوقف ينظرُ لا يدري علامَ يضعُ أمرها، إلَّا أنَّه قد ظنَّ أنَّها شجرةٌ تحترق، وأوقد إليها بوقدٍ (٢)، فنالها فاحترقت، وأنَّه إنَّما يمنعُ النارَ شدَّة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورقها، وعظم جذعها، فوضعَ أمرها على هذا، فوقف وهو يطمعُ أن يسقط منها شيءٌ فيقتبسه، فلمّا طال عليه ذلك أهوى إليها بضغثٍ في يده، وهو يريدُ أن يقتبس من لهبها، فلمَّا فعل ذلك مالت نحوه كأنَّها تريده، فاستأخر عنها وهاب، ثمَّ عاد فطاف بها، ولم تزل تُطمعه ويطمعُ بها، ثم لم يكن شيءٌ بأوشكَ من خمودها، فاشتدَّ عند ذلك عجبه، وفكّر في أمرها فقال: هي نارٌ ممتنعةٌ، لا يُقتبس منها، ولكنَّها تتضرَّم في جوف شجرةٍ فلا تحرقها، ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين، فلمَّا رأى ذلك قال: إنَّ لهذه لشأناً، ثم وضع أمرها على أنها مأمورةٌ أو مصنوعةٌ، لا يُدرى من أمرها، ولا بم أُمِرت، ولا من صَنَعها، ولا لم صُنِعت، فوقف متحيِّراً لا يدري أيرجعُ أم يقيم، فبينما هو على ذلك إذا رمى بطرفه نحو فرعها، فإذا(٣) أشدُّ مما كان خضرةٌ(٤) ساطعة في السماء ينظر إليها تغشي الظلام، ثمَّ لم تزل الخضرةُ تنور وتصفرُّ(٥) وتبيضُّ حتى صارت نوراً ساطعاً، عموداً بين السماء والأرض، عليه مثل شعاع (١) في المصادر: فرع. (٢) في المصادر: موقد. (٣) بعدها في الزهد والدر المنثور: هو. (٤) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور. وبعدها في الزهد: وإذا الخضرة. وبعدها عند ابن أبي حاتم: وإذا بخضرة. (٥) في الزهد وتفسير ابن أبي حاتم: تسفر. سُوَالطَّيْ ٢٥٢ الآية : ١١ الشمس، تكلُّ دونَه الأبصار، كلَّما نظر إليه يكاد يخطفُ بصره، فعند ذلك اشتدَّ خوفه وحزنه، فردَّ يده على عينيه ولصق بالأرض، وسمع حينئذٍ شيئاً لم يسمع السامعون بمثله عِظَماً، فلما بلغ موسى عليه السلام الکرب واشتدّ عليه الهول، كان ما قصَّ الله تعالى(١). وروي أنَّه عليه السلام كان كلَّما قرب منها تباعدت، فإذا أدبر اتبعته، فأيقن أنَّ هذا أمرٌ من أمور الله تعالى الخارقة للعادة، ووقف متحيِّراً، وسمع من السماء تسبيحَ الملائكة، وألقيت عليه السكينةُ، وكان ما كان. وقالوا: النار أربعةُ أصناف؛ صنفٌ يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا، وصنفٌ يشربُ ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنفٌ يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنفٌ لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه السلام. وقالوا أيضاً: هي أربعة أنواع؛ نوعٌ له نور وإحراق وهي نار الدنيا، ونوعٌ لا نورَ له ولا إحراق وهي نار الأشجار، ونوع له إحراق بلا نور وهي نار جهنم، ونوعٌ له نورٌ بلا إحراق وهي نار موسى عليه السلام. بل قال بعضهم: إنَّها لم تكن ناراً، بل هي نورٌ من نور الربِّ تبارك وتعالى، وروي هذا عن ابن عباس ﴿ه، وذكر ذلك بلفظ النار بناءً على حسبان موسى عليه السلام، وليس في إخباره عليه السلام حسب حسبانه محذور كما توهِّم، واستظهر ذلك أبو حيان(٢)، وإليه ذهب الماورديُّ (٣). وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها. وهي إحدى حُجب الله عزَّ وجلَّ، واستُدِلَّ له(٤) بما روي عن أبي موسى الأشعريِّ عن النبيِّ وَلّه قال: ((حجابُه النار، لو کشفها لأحرقت سبحاتُ وجهه ما انتھی إلیه بصره مِن خَلْقه»، ذکر ذلك (١) الدر المنثور ٢٩٠/٤ - ٢٩١، وأخرجه أحمد في الزهد ص٧٩ - ٨٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢٨٤٣/٩ - ٢٨٤٤ (١٦١٢٢) مطولاً، وسيذكر المصنف أجزاء أخرى من هذا الخبر يفرقها على مواضعها من التفسير. (٢) في البحر ٦/ ٢٣٠. (٣) في النكت والعيون ٣٩٦/٣. (٤) لفظة: له. ليست في الأصل. الآية : ١٢ ٢٥٣ سُورَةٌ طَّة البغوي(١)، وذكر في ((تفسير الخازن))(٢) أنَّ الحديثَ أخرجهُ مسلم(٣). وظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّه عليه السلام حين أتاها ﴿نُورِىَ﴾ من غیر ریثٍ، وبذلك رَدَّ بعضُ المعتزلة الأخبارَ السابقة الدالَّة على تخلُّل زمانٍ بين المجيء والنداء، وأنت تعلمُ أنَّ تخلُّل مثل ذلك الزمان ممَّا لا يضرُّ في مثل(٤) ما ذكر. وزعمَ أيضاً امتناع تحقّق ظهور الخارق عند مجيئه النار قبل أنْ ينبَّأ إلَّا أن يكون ذلك معجزةً لغيره من الأنبياء عليهم السلام، وعندنا أنَّ ذلك من الإرهاص الذي ينكرهُ المعتزلة. والظاهرُ أنَّ القائم مقام فاعل ((نودي)) ضمير موسى عليه السلام. وقيل: ضمير المصدر، أي: نودي النداء: هو قوله تعالى: ((يا موسى)) إلخ. وكأنَّ ذلك على اعتبار تضمين النداء معنى القول، وإرادةٍ هذا اللفظ من الجملة، وإلّا فقد قيل: إنَّ الجملة لا تكون فاعلاً، ولا قائماً مقامه في مثل هذا التركيب، إلا بنحو هذا الضرب من التأويل. وفي ((البحر))(٥): مذهبُ الكوفيين معاملة النداء معاملة القول، ومذهب البصريين إضمارُ القول في مثل هذه الآية، أي: نودي فقيل: ﴿يَمُوسَى * إِّ أَنَّأْ رَبُّكَ﴾، ولذلك كُسِرت همزةُ ((إن)) في قراءة الجمهور. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها(٦) على تقدير حرف الجرِّ، أي: بأنِّي، والجارُّ والمجرور - على ما قال أبو البقاء(٧) وغيره - متعلِّق بـ ((نودي))، والنداءُ قد يوصَل بحرف الجرِّ، أنشد أبو عليّ(٨): (١) في تفسيره ٢١٣/٣. (٢) ٤ / ٢٦٤. (٣) برقم (١٧٩): (٢٩٣). وسلف عند تفسير الآية ١٠٣ من سورة الأنعام. (٤) في الأصل: بمثل. (٥) ٢٣٠/٦. (٦) التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢. وهي أيضاً قراءة أبي جعفر من العشرة. (٧) الإملاء ١١٩/٢ . (٨) في كتاب الشعر ٣٩٥/٢. سُورَلا ◌َّفْ ٢٥٤ الآية : ١٢ إنَّ المنوَّه باسمِه الموثوقُ(٢) ناديتُ باسم ربيعةً بن مكرم(١) ولا يخفى على ذي ذوقٍ سليم حالُ التركيب على هذا التخريج، وأنَّه إنَّما يحلو لو لم یکن المنادی فاصلاً. وقيل: على تقدير حرف التعليل، وتعلُّقه بفعل الأمر بعد، وهو كما ترى. واختير أنَّ الكلام على تقدير: العلم، أي: اعلم أني .. إلخ. وتكرير ضمير المتكلم لتأكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة، واستظهر أنَّ علمه عليه السلام بأنَّ الذي ناداه هو الله تعالى حصلَ له بالضرورة خلقاً منه تعالى فيه. وقيل: بالاستدلال بما شاهد قبل النداء من الخارق. وقيل: بما حصلَ له من ذلك بعد النداء، فقد روي أنَّه عليه السلام لمَّا نودي: ياموسى، قال عليه السلام: من المتكلّم؟ فقال: أنا ربُّك، فوسوس إليه إبليسُ اللعين: لعلك تسمعُ كلام شيطان، فقال عليه السلام: أنا عرفتُ أنَّه كلام الله تعالى بأنِّي أسمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. والخارقُ فيه أمران سماعُه من جميع الجهات، وكونُ ذلك بجميع الأعضاء التي من شأنها السماع، والتي لم يكن من شأنها . وقيل: الخارقُ فيه أمرٌ واحد، وهو السماع بجميع الأعضاء، وهو المراد بالسماع من جميع الجهات، وأيًّا ما كان فلا يخفى صحةُ الاستدلال بذلك على المطلوب، إلَّا أنَّ في صحة الخبر خفاءً، ولم أرَ له سنداً يعوَّل عليه، وحضورُ الشيطان ووسوستُه لموسى عليه السلام في ذلك الوادي المقدَّس والحضرة الجليلة في غاية البعد. والمعتزلة أوجبوا أن يكون العلم بالاستدلال بالخارق، ولم يجوِّزوا أنْ يكون بالضرورة؛ قالوا: لأنَّه لو حصلَ العلمُ الضروريُّ بكون هذا النداء كلامَ الله تعالى لحصل العلمُ الضروريُّ بوجود الصانع القادر العالم؛ لاستحالة أنْ تكون الصفةُ معلومةً بالضرورة، والذات تكونُ معلومةً بالاستدلال، ولو كان وجودُ الصانع تعالى (١) كذا في الأصل و(م). وفي المصادر: مكدم. (٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٣٤/٢: وصدره فيه: أصبحتُ قد نزلت بحمزةً حاجتي. الآية : ١٢ ٢٥٥ معلوماً بالضرورة لخرج موسى عليه السلام عن كونه مكلَّفاً؛ لأنَّ حصولَ العلم الضروريّ ينافي التكليف، وبالاتِّفاق أنَّه عليه السلام لم يخرج عن التكليف، فعلمنا أنَّ الله تعالى عرَّفه ذلك بالخارق، وفي تعيينه اختلاف. وقال بعضهم: لا حاجةَ بنا إلى أن نعرف ذلك الخارق ما هو، وأخرج أحمد وغيره عن وهب أنه عليه السلام لمّا اشتدّ عليه الهول نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعاً، وما يدري من دعاه، وما كان سرعة إجابته إلا استئناساً بالأنس، فقال: لبيك، مراراً، إنِّي لأسمعُ صوتك، وأحسُّ حسَّك(١)، ولا أرى مكانك، فأين أنت: قال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فلمَّا سمع هذا موسى عليه السلام علم أنَّه لا ينبغي ذلك إلَّا لربِّه تعالى، فأيقن به، فقال: كذلك أنت يا إلهي، فكلامك أسمع أم رسولك؟ قال: بل أنا الذي أكلمك(٢). ولا يخفى تخريجُ هذا الأثر على مذهب السلف ومذهب الصوفية، وأنَّه لا يحصل الإيقان بمجرد سماع ما لا ينبغي أن يكون إلَّا لله تعالى من الصفات إذا فتح أبواب(٣) الوسوسة. ثم إنَّ هذا الأثر ظاهرٌ في أنَّ موسى عليه السلام سمعَ الكلام اللفظيَّ منه تعالى بلا واسطة، ولذا اختصَّ عليه السلام باسم الكليم، وهو مذهبُ جماعةٍ من أهل السنة، وذلك الكلامُ قديمٌ عندهم، وأجابوا عن استلزام اللفظ الحدوثَ؛ لأنَّه لا يوجد بعضه إلَّا بتقضي بعضٍ آخر: بأنَّه إنَّما يلزمُ من التلفُّظ بآلة وجارحة، وهي اللسان، أما إذا كان بدونها، فيوجد دفعةً واحدةً، كما يشاهد في الحروف المرسومة (٤) بطبع الخاتم دون القلم، ويلزمهم أن يؤوِّلوا قوله تعالى: ((فلمَّا أتاها نودي)) إلخ، بأن يقولوا: المراد: فلمَّا أتاها أسمع النداء، أو نحو ذلك، وإلَّا فمجيء النار حادثٌ، والمرتَّبُ على الحادث حادث، ولذا زعم أهل ما وراء النهر من أهل السنة القائلين بقدم الكلام أنَّ هذا الكلام الذي سمعه (١) في الزهد لأحمد ص ٨٠: وأوجس وجسك. وعند ابن أبي حاتم ٢٨٤٣/٩ (١٦١٢٢): وأحس وجسك. (٢) الزهد ص ٨٠. وهو تتمة خبر موسى السالف ص٢٥١ من هذا الجزء. (٣) في (م): باب. (٤) في الأصل: الموسومة. سُولَلا ◌َّة ٢٥٦ الآية : ١٢ موسى عليه السلام حادثٌ، وهو صوتٌ خلقه الله تعالى في الشجرة، وأهلُ البدعة أجمعوا على أنَّ الكلامَ اللفظيَّ حادثٌ، بيد أنَّ منهم من جوَّز قيام الحوادث به تعالى شأنه، ومنهم من لم يجوِّز، وزعم أنَّ الذي سمعه موسى عليه السلام خلقه الله عزَّ وجلَّ في جسم من الأجسام، كالشجرة أو غيرها. وقال الأشعريّ: إنَّ الله تعالى أسمعَ موسى عليه السلام كلامه النفسيَّ الذي ليس بحرف ولا صوت، ولا سبيلَ للعقل إلى معرفة ذلك. وقد حقَّقه بعضهم بأنَّه عليه السلام تلقَّى ذلك الكلام تلقِّياً روحانيًّا كما تتلقى الملائكة عليهم السلام كلامَه تعالى لا من جارحة، ثم أفاضته الروحُ بواسطة قوَّة العقل على القوى النفسيَّة، ورسمته في الحسِّ المشترك بصور ألفاظٍ مخصوصة، فصار لقوَّة تصوُّره كأنَّه يسمعه من الخارج وهذا كما يرى النائم أنَّه يكلّم ويتكلّم. ووجهُ وقوف الشيطانِ المارّ في الخبر الذي سمعتَ ما فيه على هذا بأنَّه يَحتملُ أنْ يكون كذلك، ويحتمل أنْ يكون بالتفرُّس من كون هيئته عليه السلام على هيئة المصغي المتأمِّل لما يسمعه، وهو كما ترى. وقد تقدَّم لك في المقدمات ما عسى ينفعك مراجعتُه هنا، فراجعه وتأمَّل، واعلم أنَّ شأن الله - تعالى شأنه - كلَّه غريب، وسبحان الله العزيز الحكيم. ﴿فَأَخْلَعْ نَعَلَيْكَ﴾ أزلهما من رجليك، والنعلُ معروفةٌ، وهي مؤنثةٌ، يقال في تصغيرها: نُعيلة، ويقال فيها: نَعَل، بفتح العين، أنشد الفرَّاء: له نَعَلٌ لا يَطَّبي الكلبَ ريحُها وإن وُضِعَت بين المجالس شُمَّتٍ(١) وأُمِرِ له بذلك لما أنَّهما كانتا من جلد حمارٍ مَيِّتٍ غيرِ مدبوغ، كما روي عن الصادق ضه وعكرمة وقتادة والسُّدِّيّ ومقاتل والضَّحَّاك والكلبيّ. وروي كونُهما من جلد حمارٍ في حديثٍ غريب، فقد أخرج الترمذيُّ بسنده عن النبيِّ وَّر قال: ((كان على موسى عليه السلام يومَ كلَّمه ربُّه سبحانه كساءُ صوفٍ (١) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص٨٥، وروايته فيه: إذا طُرِحت لم تَطَّبٍ الكلب ريحها وإن وضعت في مجلس القوم شمَّت واطبى: جَذَب واستمال. الآية : ١٢ ٢٥٧ الأط وجُبَّةُ صوفٍ وكَّة صوف)) أي: قلنسوة صغيرة(١) ((وسروايلُ صوفٍ، وكانت نعلاه من جلدٍ حمار))(٢). وعن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وابن جريج أنَّهما كانتا من جلد بقرة ذُكِّيت، ولكن أُمرَ عليه السلام بخلعهما؛ ليباشرَ بقدميه الأرضَ، فيصيبَه بركةُ الوادي المقدس. وقال الأصمُّ: لأنَّ الحُفوة أدخلُ في التواضع وحسن الأدب، ولذلك كان السلف الصالحون يطوفون بالكعبة حافين. ولا يخفى أنَّ هذا ممنوعٌ عند القائل بأفضليّة الصلاة بالنعال، كما جاء في بعض الآثار(٣)، ولعلَّ الأصمَّ لم يسمع ذلك، أو یجیب عنه. وقال أبو مسلم: لأنَّه تعالى أمَّنه من الخوف، وأوقفه بالموضع الطاهر، وهو عليه السلام إنَّما لبسهما اتقاءً من الأنجاس، وخوفاً من الحشرات. وقيل: المعنى: فرِّغ قلبك من الأهل والمال. وقيل: من الدنيا والآخرة. ووجه ذلك أن يراد بالنعل كلّ ما يرتفق به، وغلبَ على ما ذكر تحقيراً؛ ولذا أُطلق على الزوجة نعل، كما في كتب اللغة. ولا يخفى عليك أنّه بعيد، وإن وُجّه بما ذكر، وهو أليق بباب الإشارة. والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها، فإنَّ ربوبيَّته تعالى له عليه السلام من موجبات الأمر ودواعيه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ تعليلٌ لموجب الخلع المأمور به، وبيانٌ (١) قوله: أي: قلنسوة صغيرة. هو من كلام الترمذي. (٢) بعدها في سنن الترمذي (١٧٣٤): ((ميت)). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو ابن عليّ الأعرج: منكر الحديث ... . (٣) منها ما أخرجه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥) من حديث أبي مسلم سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي ◌َّه يصلي في نعليه؟ قال: نعم. ومنها ما أخرجه أبو داود (٦٥٢) أن شداد بن أوس به قال: قال رسول الله وَطاهر: ((خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». الآية : ١٢ ٢٥٨ لسبب ورود الأمر بذلك من شرف البقعة وقدسها. روي أنّه عليه السلام حين أُمِر خَلَعَهُمَا وألقاهما (١) وراءَ الوادي. ﴿طُوَى ﴾﴾ بضمِّ الطاء غير منون. وقرأ الكوفيون وابنُ عامر بضمِّها منوناً (٢). وقرأ الحسن والأعمش وأبو حيوة وابن أبي إسحاق وأبو السمَّال وابن محيصن بكسرها منوناً. وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسرها غير منون(٣). وهو عَلَمٌ لذلك الوادي، فيكون بدلاً، أو عطف بيان، ومن نوَّنَه فعلى تأويل المكان، ومن لم ينوِّنه فعلى تأويل البقعة، فهو ممنوعٌ من الصرف للعلميَّة والتأنيث. وقيل: ((طوى)) - المضموم الطَّاء الغير المنوَّن - ممنوعٌ من الصرف؛ للعلميَّة والعدل، كزُفَر وقُثَم. وقيل: للعلمية والعجمة. وقال قطرب: يقال: طوّى من الليل، أي: ساعة، أي: قُدِّس لك ساعةً من الليل، وهي ساعة أنْ نوديَ. فيكون معمولاً لـ ((المقدَّس)). وفي ((العجائب)) للكرمانيّ: قيل: هو معرَّبٌ معناه: ليلاً، وكأنه أراد قول قطرب. وقيل: هو رجلٌ بالعبرانية، وكأنَّه على هذا منادى. وقال الحسن: طِوّى بكسر الطاء والتنوين مصدر، كثِنى، لفظاً ومعنى، وهو عنده معمول لـ ((المقدَّس)) أيضاً، أي: قُدِّسَ مرةً بعد أخرى. وجُوِّز أن یکون معمولاً لـ «نودي»، أي: نودي نداءین. وقال ابن السِّيد: إنَّه ما يطوى من جلد الحيَّة، ويقال: فعل الشيء طِوى، أي: مرتين، فيكون موضوعاً موضعَ المصدر، وأنشد الطبرسيُّ (٤) لعديٍّ بن زيد: (١) في الأصل: خلعها وألقاها. والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٧/٦. والكلام منه. (٢) التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢. (٣) البحر المحيط ٢٣١/٦. وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه بضم الطاء من غير تنوين. (٤) مجمع البيان ٨٨/١٦. الآية : ١٣ ٢٥٩ أعاذل إنَّ اللومَ في غير كنهه عليَّ طِوَى من غيِّك المتردِّدِ (١) وذكر الراغب أنَّه إذا كان بمعنى مرتين يفتح أوَّله ويكسر(٢) . ولا يخفى عليك أنَّ الأظهر كونه اسماً للوادي في جميع القراءات. ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ﴾ أي: اصطفيتُك من الناس، أو من قومك للنبوَّة والرسالة. وقرأ السلميُّ وابن هرمز والأعمش في رواية: ((وإنَّا)) بكسر الهمزة وتشديد النون مع ألف بعدها ((اخترناك)) بالنون والألف، وكذا قرأ طلحةُ وابن أبي ليلى وحمزةٌ وخلف والأعمش في روايةٍ أخرى، إلَّا أنَّهم فتحوا همزة ((إن))(٣)، وذلك بتقدير: اعلم، أي: واعلم أنَّا اخترناك، وهو - على ما قيل - عطفٌ على ((اخلع))، ويجوز عند من قرأ: ((أنّ أنا ربك))(٤) بالفتح أنْ يكون العطفُ عليه، سواء كان متعلِّقاً بـ ((نودي)) كما قيل، أو معمولاً لـ ((اعلم)) مقدَّراً كما اختير. وجوَّزَ أبو البقاء أنْ يكون بتقدير اللام، وهو متعلِّقٌ بما بعده، أي: لأنَّا اخترناك فاستمع(٥). وهو كما ترى. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعْ﴾ لترتيب الأمر والمأمور به على ما قبلها، فإنَّ اختياره عليه السلام لما ذكر من موجبات الاستماع والأمر به، واللام في قوله سبحانه: ﴿لِمَا يُوحَى ﴾﴾ متعلِّقة بـ ((استمع))، وجُوِّز أنْ تكون متعلِّقةً بـ ((اخترتك)). وردَّه أبو حيان(٦) بأنَّه يكون حينئذٍ من باب الإعمال، ويجب أو يختار حينئذٍ إعادةُ الضمير مع الثاني بأن يقال: فاستمع له لما يوحى. وأجيب بأنَّ المرادَ جوازُ تعلَّقها بكلٍّ من الفعلين على البدل، لا على أنَّه من الإعمال. (١) وهو منسوب أيضاً لعدي بن زيد في مجاز القرآن ٢/ ٢٨٥، وتفسير الطبري ٢٧/١٦، وجمهرة أشعار العرب ٤٩٨/١، وزاد المسير ٢٧٤/٥، ومعجم البلدان ٤٥/٤، واللسان (طوي). ونسبه الزجاج في معاني القرآن ٢٧٩/٥، والفارسي في الحجة ٣٧٢/٦ لطرفة بن العبد. (٢) المفردات (طوى). (٣) البحر المحيط ٢٣١/٦، والقراءة عن حمزة متواترة. انظر التيسير ص١٥١، والنشر ٣٢٠/٢. (٤) وهي قراءة ابن كثير وأبي جعفر وأبي عمرو كما سلف قريباً. (٥) إملاء ما من به الرحمن ١١٩/٢ . (٦) في البحر المحيط ٢٣١/٦. ٢٦٠ الآية : ١٤ واعترضَ على هذا بأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَِّى أَنَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾ بدلٌ من (ما يوحى))، ولا ريبَ في أنَّ اختياره عليه السلام ليس لهذا فقط، والتعلُّق بـ ((اخترناك)) كيفما كان يقتضيه. وأجيبَ بأنَّه من باب التنصيص على ما هو الأهم والأصل الأصيل، وقيل: هي سيف خطيبٍ، فلا متعلَّق لها كما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]. و ((ما)) موصولة، وجُوِّز أنْ تكونَ مصدريَّةً، أي: فاستمع للذي يوحى إليك، أو للوحي. وفي أمره عليه السلام بالاستماع إشارةٌ إلى عظم ذلك، وأنَّه يقتضي التأمُّب له، قال أبو الفضل الجوهري: لما قيل لموسى عليه السلام: استمع لما يوحى، وقف على حجرٍ واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدرِه، وأصغى بشَراشره(١). وقال وهب: أدبُ الاستماع سكونُ الجوارح، وغضُّ البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع لما يحبُّ الله تعالى. وحذف الفاعل في ((يوحى)) للعلم به، ويحسِّنُه كونه فاصلة، فإنَّه لو كان مبنيًّا للفاعل لم یکن فاصلة. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَعْبُدْنِ﴾ لترتيب المأمور به على ما قبلها، فإنَّ اختصاص الألوهيَّة به تعالى شأنه من موجبات تخصيص العبادة به عزَّ وجلَّ، والمراد بها(٢) غايةُ التذلّل والانقياد له تعالى في جميع ما يكلفه به. وقيل: المراد بها هنا التوحيد، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لِلْمِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. والأول أولى. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ﴾ خُصَّت الصلاة بالذكر، وأفرِدت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة؛ لفضلها وإنافتها على سائر العبادات بما نيطت به من ذكر المعبود، وشُغل القلب واللسان بذكره، وقد سمّاها الله تعالى إيماناً في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ [البقرة: ١٤٣]. لِيُضِيعَ إِيمَنَّـ واختلف العلماء في كفر تاركها كسلاً، كما فُصِّل في محلِّه. (١) الشراشر: النفس. (٢) في الأصل: به.