النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٨٦
١٨١
وإطلاقه على العطاش مجازٌ لعلاقة اللزوم؛ لأن من يرد الماءً، لا يردُهُ إلَّا
لعطش.
وجُوِّزَ أنْ يكون المراد من الورد: الدوابُّ التي تردُ الماء، والكلام على
التشبيه، أي: نسوقهم كالدوابُ التي تردُ الماء.
وفي ((الكشف)): في لفظ الورد تهكُّمٌ واستخفافٌ عظيم، لا سيما وقد جعل
المورد جهنّم، أعاذنا الله تعالى منها برحمته، فلينظر ما بين الجملتين من الفرق
العظيم.
وقرأ الحسن والجحدريُّ: (يحشر المتقون))، و((يساق المجرمون)) ببناء الفعلين
للمفعول(١).
واستدلَّ بالآية على أنَّ أهوال القيامة تختصُّ بالمجرمين؛ لأنَّ المتقين من
الابتداء يحشرونَ مكرمين، فكيف ينالُهم بعد ذلك شدَّة. وفي ((البحر))(٢): الظاهرُ
أنَّ حشر المتقين إلى الرحمن وفداً بعدَ انقضاء الحساب، وامتيازِ الفريقين. وحكاه
ابن الجوزيّ عن أبي سليمان الدمشقيّ(٣)، وذكر ذلك النيسابوريُّ(٤) احتمالاً بحثاً
في الاستدلال السابق.
وأنت تعلم أن ذلك لا يتأتَّى على ما سمعت في الخبر المرويِّ عن عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه، فإنَّه صريحٌ في أنَّهم يركبونَ عند خروجهم من القبور، وينتهونَ إلى
باب الجنَّة، وهو ظاهرٌ في أنَّهم لا يُحاسَبون.
وقال بعضهم: إنَّ المرادَ بالمثَّقين الموصوفونَ بالتقوى الكاملة، ولا يبعدُ أن
يدخلوا الجنَّة بلا حساب، فقد صحَّت الأخبار بدخول طائفةٍ من هذه الأمة الجنة
كذلك، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﴿ما قال: خرج إلينا رسولُ اللهِ وَّ ر ذات يوم
فقال: ((عُرِضت عليَّ الأممُ، يمرُّ النبيُّ معه الرجلُ، والنبيُّ معه الرجلان، والنبيُّ
(١) البحر المحيط ٢١٧/٦. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦ عن الحسن فقط.
(٢) ٢١٧/٦.
(٣) زاد المسير ٢٦٣/٥.
(٤) غرائب القرآن ١٦/ ٨٢.

سُؤالا مريئًا
١٨٢
الآية : ٨٦
ليس معه أحد، والنبيُّ معه الرهط، فرأيتُ سواداً كثيراً، فرجوت أن يكون أمَّتي،
فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل: انظر، فرأيت سواداً كثيراً، فقيل: هؤلاء أمتك،
ومع هؤلاء سبعونَ ألفاً يدخلون الجثّة بغير حساب)) فتفرَّق الناس، ولم يبيِّن لهم
رسول الله وَ*، فتذاكر أصحابه فقالوا: أمَّا نحنُ فولدنا في الشرك، ولكن قد آمنًا
بالله تعالى ورسوله ويسله، هؤلاء أبناؤنا، فقال رسول الله ويلي: ((هم الذين
لا يسترقُون، ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون)). الحديث(١).
وأخرج الترمذيُّ وحسَّنه عن أبي أمامة ◌َظُه قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول:
(وعدني ربي أنْ يُدخل الجنة من أمَّتي سبعين ألفاً لا حسابَ عليهم ولا عذاب، مع
كلِّ ألفٍ سبعين ألفاً وثلاثَ حثياتٍ من حثيات ربِّي)) (٢).
وأخرج الإمامُ أحمد والبزَّارُ والطبرانيُّ عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّه قال: ((إنَّ ربي أعطاني سبعينَ ألفاً من أمَّتي يدخلون الجنَّة بغير
حساب))، فقال عمر ظُله: هلَّا استزدته؟ قال: ((قد استزدتُه فأعطاني [مع كلِّ رجلٍ
سبعين ألفاً))، قال عمر: فهلَّا استزدته. قال: ((قد استزدتُه فأعطاني] هكذا)) وفرجَ بين
يديه وبسطّ باعَيْه وحَثَا. قال هشام(٣): هذا من الله عزَّ وجلَّ لا يُدْرَى ما عدده(٤).
وأخرج الطبرانيُّ والبيهقيُّ عن عمرو بن حزم الأنصاريّ ◌َّه قال: احتبَس عنَّا
رسولُ اللهِ وَّ ثلاثاً لا يخرجُ إلَّا إلى صلاةٍ مكتوبة ثم يرجع، فلمَّا كان اليوم الرابع
خرج إلينا وَّةِ، فقلنا: يا رسولَ الله احتبستَ عنَّا حتى ظننا أنَّه حدثَ حدث، قال:
((لم يحدث إلَّا خير؛ إنَّ ربِّي وعدني أنْ يدخل من أمتي الجنةَ سبعينَ ألفاً لا حساب
[عليهم]، وإني سألتُ ربِّي في هذه الثلاث أيَّام المزيد، فوجدتُ ربِّي ماجداً كريماً،
فأعطاني مع كلِّ واحد سبعين ألفاً))(٥). الخبر، إلى غير ذلك من الأخبار، وفي
(١) صحيح البخاري (٥٧٠٥)، وصحيح مسلم (٢٢٠).
(٢) سنن الترمذي (٢٤٣٧)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤٢٨٦)، وأحمد (٢٢٣٠٣).
(٣) هو هشام بن حسان من رجال الإسناد.
(٤) مسند أحمد (١٧٠٦)، ومسند البزار (٢٢٦٨)، ومسند الشاميين (٣٦١٣). وما بين
حاصرتين من المصادر، والحديث ضعيف. انظر مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٠، والتعليق عليه
في مسند أحمد.
(٥) أورده البيهقي في شعب الإيمان ١/ ٢٥٢ إثر الحديث (٢٦٨). قال الهيثمي في مجمع
=

الآية : ٨٦
١٨٣
بعضها ذكرُ من يدخل الجنة بغير حسابٍ بوصفِهِ، كالحامدينَ الله تعالى شأنُه في
السرَّاء والضَّراء، وكالذين تتجافَى جنوبُهم عن المضاجع، وكالذين لا تلهيهم تجارةٌ
ولا بيعٌ عن ذكر الله تعالى(١)، وكالذي يموتُ في طريق مَّة ذاهباً أو راجعاً (٢)،
وكطالب العلم، والمرأةِ المطيعة لزوجها، والولد البارِّ بوالديه(٣)، وكالرحيم
= الزوائد ٤١٠/١٠: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني، وذكر
الاختلاف في اسم راويه.
(١) هذه الثلاثُ الأُوَل جاءت في حديث مرفوع أخرجه هناد في الزهد (١٧٦)، وأبو الليث في
تفسيره ٣٠/٣ - ٣١ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت
يزيد، عن رسول الله وَيز قال: ((يحشر الناس يوم القيامة في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي
وينفذهم البصر، ثم يقوم منادٍ فينادي يقول: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم،
فيقول: أين الذين يحمدون الله في السَّراء والضراء؟ فيقومون وهم قليلون فيدخلون الجنة
بغير حساب ثم يعود فينادي: أين الذين ﴿رَجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية،
فيقومون وهم قليلون، فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي، فيقول: أين الذين
تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليلون، فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم سائر
الناس فيحاسبون)). وإسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي. انظر
التقريب .
وأخرجه بألفاظ قريبة عبدُ بن حميد في مسنده (١٥٨١)، والخطيب في موضح أوهام الجمع
والتفريق ٥٠٣/١-٥٠٤ من طريق أبان بن أبي عياش عن شهر بن حوشب. وأبان متروك
كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب.
وأخرج الحاكم في مستدركه ٣٩٨/٢ - ٣٩٩ نحوه مختصراً من طريق عبد الله بن عطاء عن
عقبة بن عامر له مرفوعاً وصححه. غير أن عبد الله بن عطاء لم يدرك عقبة بن عامر، كما ذكر
المزي في تهذيب الكمال ٣١٢/١٥. وله شاهد موقوف على ابن عباس أخرجه ابن المبارك
في الزهد (٣٥٣ - زوائد نعيم)، والحارث بن أبي أسامة (١١٢٢ - بغية الباحث). وحسِّن
إسناده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية ٤/ ٣٧٥، والسيوطي في الدر المنثور ٢٨٠/٤.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٣٥٣ - بغية الباحث) والأصبهاني
(١٠٣٦) عن جابر ◌ُه قال: قال رسول الله وَله: ((من مات في طريق مكة ذاهباً أو راجعاً
لم يعرض ولم يحاسب)). قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢٤٣٣): رواه الحارث
عن إسحاق بن بشر وهو ضعيف. اهـ.
وفيه أيضاً أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف أيضاً. انظر تهذيب
التهذيب ٢١٤/٤.
(٣) يشير إلى الحديث الذي أخرجه الرافعي في ((تاريخ قزوين)) ٢٥٥/١ -٢٥٦ عن أبي بكر
محمد بن الحسن النقاش عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون عن دؤاد بن أبي هند عن

سُودَةُ مُرَنِهَا
١٨٤
الآية : ٨٧
الصبور (١)، وغير ذلك. ووجهُ الجمع بين الأخبار ظاهر.
ويلزم على تخصيصٍ المثَّقين بالموصوفين بالتَّقوى الكاملة دخولُ عصاة
المؤمنين في المجرمين، أو عدمُ اشتمال(٢) الآية على بيان حالهم.
واستدلَّ بعضُهم بالآية على ما روي من الخبر على عدم إحضار المتقين جئيًّا
حولَ جهنم، فما يدلُّ على العموم مخصَّصٌّ بمثل ذلك، فتأمَّل والله تعالى الموفق.
ونصب ((يوم)) على الظرفية بفعلٍ محذوف مؤخّر، أي: يوم نحشر ونسوق نفعل
بالفريقين من الأفعال ما لا يحيطُ ببيانه نطاقُ المقال.
وقيل: على المفعوليَّة بمحذوف مقدَّم خوطب به سيدُ المخاطبين وَلِّ، أي:
اذكر لهم بطريق الترغيب والترهيب يومَ نحشر .. إلخ.
وقيل: على الظرفية بـ ((نَعُدُّ) باعتبار معنى المجازاة. وقيل: بقوله سبحانه
وتعالى: ((سيكفرون بعبادتهم)) وقيل: بقوله جلَّ وعلا: ((يكونون عليهم ضدًّا)).
وقيل: بقوله تعالى شأنه: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ﴾.
والذي يقتضيه مقامُ التهويل وتستدعيه جزالةُ التنزيل أنْ ينتصبَ بأحد الوجهين
الأوَّلين، ويكون هذا استئنافاً مبيِّناً لبعض ما في ذلك اليوم من الأمور الدالّة على
هوله.
الشعبي عن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً: («مسألة واحدة يتعلمها المؤمن خير
=
له من عبادة سنة، وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، وإن طالب العلم والمرأة المطيعة
لزوجها والولد البار بوالديه يدخلون الجنة مع الأنبياء بغير حساب)». قال الألباني في السلسلة
الضعيفة ٣٠١/٦: وهذا موضوع ظاهر البطلان، كل رجال إسناده ثقات رجال الصحيح،
وضعه عليهم النقاش هذا؛ فإنه كذاب كما قال الذهبي تبعاً لبعض من سلف من الأئمة.
(١) يشير إلى ما أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٢٧١) قال: حدثنا أحمد بن
محمد بن شيبة، حدثنا محمد بن عمرو بن حنان، حدثنا بقية، عن معاوية بن يحيى، عن
سفيان الثوري، عن رجل، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، هل من رجل
يدخل الجنة بغير حساب؟ قال: ((نعم، كل رحيم صبور) وواضح أن في الإسناد مبهماً،
إضافة إلى أنه فيه بقية بن الوليد الحمصي، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء - كما ذكر
ابن حجر في التقريب - وقد عنعن هنا. فالحديث ضعيف.
(٢) في (م): احتمال. وهو تصحيف.

الآية : ٨٧
١٨٥
سُؤالمزنى
وضميرُ الجمع لما يعمُّ المتقين والمجرمين، أي: العباد مطلقاً، وقيل:
للمتقين، وقيل: للمجرمين من أهل الإيمان وأهل الكفر. و((الشفاعة)) على الأوَّلين
مصدرُ المبنيِّ للفاعل، وعلى الثالث ينبغي أنْ يكون مصدرَ المبنيِّ للمفعول.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾﴾ استثناءٌ منَّصلٌ من الضمير على
الأول(١)، ومحلُّ المستثنى إمَّا الرفعُ على البدل، أو النصب على أصل الاستثناء،
والمعنى: لا يملكُ العبادُ أنْ يشفعوا لغيرهم، إلَّا من اتَّصفَ منهم بما يستأهلُ معه أنْ
يشفع، وهو المرادُ بالعهد. وفسَّره ابنُ عباس بشهادةٍ أن لا إله إلا الله.
والتبرِّي من الحول والقوة عدمُ رجاء أحدٍ إلَّ الله تعالى، وأخرج ابنُ أبي شيبة
وابنُ أبي حاتم والطبرانيُّ وابنُ مردويه والحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود أنَّه قرأ
الآية وقال: إنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهدٌ فليقم، فلا يقوم
إلَّا من قال هذا في الدنيا: ((اللهمَّ فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب
والشهادة، إنِّي أعهدُ إليك في هذه الحياة الدنيا أنَّك إنْ تكلني إلى نفسي تقرِّبني من
الشر وتباعدني من الخير، وإنِّي لا أثقُ إلَّا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤدِّيه
إليَّ يوم القيامة، إنَّك لا تخلفُ الميعاد))(٢).
وأخرج ابنُ أبي شيبة عن مقاتل أنه قال: العهدُ الصلاح(٣). وروي نحوه عن
السُّدِّيّ وابن جريج(٤).
وقال الليث: هو حفظ كتاب الله تعالى.
وتسميةُ ما ذكر عهداً على سبيل التشبيه.
(١) أي: على القول بأن ضمير الجمع يعمُّ المتقين والمجرمين.
(٢) الدر المنثور ٢٨٦/٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٢٩/١٠ - ٣٣٠، والمعجم الكبير للطبراني
(٨٩١٨)، والمستدرك ٣٧٧/٢ - ٣٧٨. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٤/١٠: رواه
الطبراني، وفيه المسعودي، وهو ثقة، ولكنه قد اختلط، وبقية رجاله ثقات.
(٣) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور ٢٨٦/٤. ووقع في مصنف ابن أبي شيبة ٥٧٣/١٣:
الصلاة، بدل: الصلاح.
(٤) قول السدي أورده أبو حيان في البحر المحيط ٢١٧/٦، بلفظ: العهد: الطاعة، وقول ابن
جريج أخرجه الطبري في تفسيره ٦٣٣/١٥. ونصه: ﴿عَهْدًا﴾: عملاً صالحاً.

سُؤَادلة فرنسا
١٨٦
الآية : ٨٧
وقيل: المرادُ بالعهد الأمر والإذن، من قولهم: عهدَ الأميرُ إلى فلانٍ بكذا، إذا
أمره به، أي: لا يملكُ العباد أنْ يشفعوا إلَّا من أذن الله عزَّ وجلَّ له بالشفاعة،
وأمرَه بها، فإنَّه يملك ذلك. ولا يأبى ((عند)) الاتخاذ أصلاً، فإنَّه كما يقال: أخذتُ
الإذنَ في كذا، يقال: اتَّخذته. نعم في قوله تعالى: ((عند الرحمن)) نوعُ إباءٍ عنه،
مع أنَّ الجمهور على الأول.
والمراد بالشفاعة على القولين ما يعمُّ الشفاعة في دخول الجنة، والشفاعةَ
في غيره، ونازعَ في ذلك المعتزلة، فلم يجوِّزوا الشفاعةً في دخول الجنة،
والأخبارُ تكذّبهم، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ
الرجلَ من أمَّتي ليشفع للفئام(١) من الناس، فيدخلونَ الجنَّة بشفاعته، وإن الرجلَ
ليشفع للرجلِ وأهل بيته، فيدخلونَ الجنَّة بشفاعته))(٢). وجَوَّزَ ابنُ عطيّة أنْ يُراد
بـ ((الشفاعة)) الشفاعةُ العامة في فصل القضاء، وبـ ((من اتَّخذ)) النبيُّ وَّهِ).
و((بالعهد)) الوعدُ بذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
تَحْمُودًا﴾ (٣) [الإسراء: ٧٩]. وهو خلافُ الظاهر جدًّا.
وعلى الوجه الثاني(٤) في ضمير الجمع الاستثناءُ من الشفاعة بتقدير مضاف،
وهو متصلٌ أيضاً. وفي المستثنى الوجهان السابقان(٥)، أي: لا يملكُ المتَّقون
الشفاعة إلَّا شفاعة من اتّخذ عند الرحمن عهداً، والمراد به الإيمان، وإضافة
المصدر إلى المفعول. وقيل: المستثنى منه محذوفٌ على هذا الوجه، أي:
لا يملك المتقون الشفاعةً لأحدٍ إلَّا من اتخذ .. إلخ، أي: إلَّا لمن انَّصف
بالإيمان.
وجُوِّزَ أنْ يكون الاستثناء من الشفاعة بتقدير المضاف على الوجه الأول في
(١) جاء عند هذه الكلمة في الأصل ما نصه: بالفاء، أي: الجماعة. اهـ منه.
(٢) أخرجه أحمد (١١٦٠٥).
(٣) المحرر الوجيز ٣٣/٤.
(٤) وهو أن ضمير الجمع للمتقين.
(٥) أي: إما الرفع على البدل، أو النصب على أصل الاستثناء.

الآية : ٨٧
١٨٧
الضمير أيضاً، وأن يكونَ المصدرُ مضافاً لفاعِله، أو مضافاً لمفعوله.
وجُوِّز عليه أيضاً أن يكون المستثنى منه محذوفاً كما سمعت.
وعلى الوجه الثالث(١): الاستثناءُ من الضمير، وهو متَّصلٌ أيضاً، وفي
المستثنى الوجهان، أي: لا يملكُ المجرمونَ أنْ يشفع لهم إلَّا من كانَ مؤمناً، فإنَّه
يملك أن يشفع له.
وقيل: الاستثناءُ على تقدير رجوع الضمير إلى المجرمين منقطعٌ؛ لأنَّ المراد
بهم الكفار، وحملُ ذلك على العصاةِ والكفَّار بعيدٌ، كما قال أبو حيان(٢)،
والمستثنى حينئذٍ لازم النصب عند الحجازيين، جائزٌ نصبُه وإبدالُه عند تميم. وجَوَّزَ
الزمخشريُّ أنْ تكون الواو في («لا يملكون)» علامةَ الجمع کالتي في: أكلوني
البراغيث، والفاعل ((من اتخذ)) لأنَّه في معنى الجمع(٣).
وتعقّبه أبو حيان بقوله: لا ينبغي حملُ القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح
جعل الواو ضميراً، وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنَّها لغةٌ ضعيفة، وأيضًا
فالواو والألف والنون التي تكونُ علاماتٍ لا يحفظُ ما يجيء بعدها فاعلاً إلَّا
بصريح الجمع وصريح التثنية، أو العطف؛ أمَّا أنْ تأتي بلفظ مفردٍ يطلق على جمعٍ
أو مثنى، فيحتاج في إثباته إلى نقل، وأمَّا عود الضمائر مثناةً ومجموعةً على مفردٍ
في اللفظ يرادُ به المثنى والمجموع، فمسموعٌ معروفٌ في لسان العرب، فيمكن
قياسُ هذه العلامات على تلك الضمائر، ولكن الأحوط أن لا يقال ذلك إلَّا
بسماع (٤). انتهى.
وتعقّبُهُ أيضاً ابنُ المنير بأنَّ فيه تعسُّفاً؛ لأنَّه إذا جعل الواوَ علامةً لـ ((من)) ثمَّ
أعاد على لفظها بالإفراد ضمير ((اتخذ» كان ذلك إجمالاً بعد إيضاح، وهو تعكيسٌ
في طريق البلاغة التي هي الإيضاح بعد الإجمال، والواو على إعرابه وإنْ لم تكن
(١) أي: على القول بأن ضمير الجمع للمجرمين من أهل الإيمان وأهل الكفر.
(٢) البحر المحيط ٢١٨/٦.
(٣) الکشاف ٥٢٤/٢ - ٥٢٥.
(٤) البحر المحيط ٢١٧/٦.

١٨٨
الآية : ٨٨، ٨٩
عائدةً على ((من)) إلَّا أنَّها كاشفةٌ لمعناها كشفَ الضمير العائد لها، ثم قال: فتنبّه
لهذا النَّقد (١) فإنه أروج من النَّقْد:
وفي عنق الحسناء يستحسنُ العقد(٢)
انتھی .
ومنه يعلم أنَّ القول بجواز رجوع الضمير لها أولاً باعتبار معناها، وثانياً باعتبار
لفظها لا يخلو عن كدر.
· حكايةٌ لجناية القائلين: عزيرٌ ابن الله، وعيسى
﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (َ}
ابن الله، والملائكةُ بنات الله، من اليهود والنصارى والعرب، تعالى شأنه عمَّا
يقولونَ علوًّا كبيراً = إثرَ حكايةٍ جناية من عَبد ما تُبِد من دونه عزَّ وجلَّ، بطريق
عطفٍ القصّة على القصَّة، فالضمير راجعٌ لمن علمت، وإنْ لم يُذكر صريحاً؛
لظهور الأمر. وقيل: راجعٌ للمجرمين. وقيل: للكافرين. وقيل: للظالمين. وقيل:
للعباد المدلول عليه بذكر الفريقين المتقين والمجرمين، وفيه إسنادُ ما للبعض إلى
الكلِّ، مع أنَّهم لم يرضوه، وقد تقدم البحث فيه.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (®﴾ ردٌّ لمقالتهم الباطلة وتهويلٌ لأمرها؛
بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب المنبئ عن كمال السخط وشدَّة الغضب،
المفصحِ عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيلٌ عليهم بنهاية الوقاحة والجهل
والجراءة.
وقيل: لا التفات، والكلامُ بتقدير: قل لهم: ((لقد جئتم)) إلخ.
والإِدُّ بكسر الهمزة، كما في قراءة الجمهور، وبفتحِها كما قرأ السلميُّ(٣):
العَجَب، كما قال ابنُ خالويه(٤). وقيل: العظيم المنكر، والإدَّة: الشدّة، وأَدَّني
الأمرُ وآدني: أثقلني وعَظُمَ عليَّ.
(١) في مطبوع الانتصاف ٢/ ٥٢٥: العقد.
(٢) هو عجز بيت للمتنبي كما في ديوانه ٢/ ١١١، وصدره: وأصبح شعري منهما في مكانه.
(٣) المحتسب ٤٦/٢ .
(٤) القراءات الشاذة ص٨٦. ونسبة القراءة فيه لعليٍّ بن أبي طالب.

الآية : ٩٠
١٨٩
سُالا مريكى
وقال الراغب(١): الإِدُّ: المنكر فيه جَلَبة، من قولهم: أدَّتِ الناقةُ تَهِدُّ، أي:
رجَّعت أنينَها(٢) ترجيعاً شديداً. وقيل: الأدُّ بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، أي:
فعلتم أمراً عجباً، أو منكراً شديداً، لا يُقَادرُ قدرُه، فإنَّ: جاء وأتى، يستعملان
بمعنى: فعل، فيتعدَّیان تعديته.
وقال الطبرسيُّ: هو من باب الحذف والإيصال، أي: جئتم بشيءٍ إدّ(٣).
﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ في موضع الصفة لـ ((إِذًّا))، أو استئنافٌ لبيان
عظم شأنه في الشدَّة والهول، والتفظُّر - على ما ذكره الكثير - التشقُّقُ مطلقاً، وعلى
ما يدلُّ عليه كلام الراغب: التشقُّق طولاً، حيث فسَّر الفَطْر - وهو منه - بالشَّقِّ
كذلك(٤).
ومواردُ الاستعمال تقتضي عدم التقييد بما ذُكر. نعم قيل: إنَّها تقتضي أنْ يكون
الفطر من عوارضٍ الجسم الصلب، فإنَّه يقال: إناءٌ مفطور، ولا يقال: ثوبٌ مفطور،
بل: مشقوق، وهو عندي في أعراف الردِّ والقبول، وعليه يكون في نسبة التفّر إلى
السماوات، والانشقاق إلى الأرض في قوله تعالى: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرَضُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ
السماءَ أصلبُ من الأرض، والتكثيرُ الذي تدلُّ عليه صيغة التفعُّل، قيل: في الفعل؛
لأنَّه الأوفقُ بالمقام، وقيل: في متعلَّقه، ورُجِّحَ بأنَّه قد قرأ أبو عمرو وابن عامر
وحمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب(٥) وأبو بحريَّة والزهريُّ وطلحة وحميد
واليزيديُّ وأبو عبيد: ((ينفطرن)) مضارعُ: انفطرَ (٦)، وتوافقُ القراءتين يقتضي ذلك،
وبأنَّه قد اختير الانفعال في ((تنشق الأرض)) حيثُ لا كثرة في المفعول، ولذا أُوِّلَ:
(من الأرض مثلهنّ)) بالأقاليم ونحوه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ووجَّه بعضهم اختلاف الصيغة على القول بأنَّ التكثيرَ في الفعل بأنَّ السماوات
(١) المفردات: (أدد).
(٢) في (م) والمفردات: حنينها.
(٣) مجمع البيان ١٦/ ٧٥.
(٤) المفردات (فطر).
(٥) التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢. وقرأ بها أيضاً خلف من العشرة.
(٦) البحر المحيط ٢١٨/٦.
؛

سُؤَدَآ مُرآنِمَا
١٩٠
الآية : ٩٠
لكونها مقدَّسةً لم يُعْصَ الله تعالى فيها أصلاً نوعاً ما من العصيان لم يكن لها إلفٌ
ما بالمعصية، ولا كذلك الأرض، فهي تتأثَّر من عظم المعصية ما لا تتأثَّر الأرض.
وقرأ ابن مسعود: ((يتصدَّعنَ)) (١)، قال في ((البحر)): وينبغي أن يجعلَ ذلك
تفسيراً لا قراءةً، لمخالفته سوادَ المصحف المجمع عليه، ولروايةِ الثقات عنه أنَّه
قرأ کالجمهور(٢). انتهى.
ولا يَخفى عليك أنَّ في ذلك كيفما كان تأييداً لمن ادَّعى أن الفَظْر من عوارض
الجسم الصلب، بناء على ما في ((القاموس)) من أنَّ الصدعَ شقٌّ في شيءٍ صلب(٣).
وقرأ نافعٌ والكسائيُّ وأبو حيوة والأعمش: ((يكاد)» بالياء من تحت(٤).
﴿وَتَّخِزُ لْخِبَالُ﴾ تسقط وتنهدُّ ﴿هَذَّا ﴾﴾ نُصب على أنَّه مفعول مطلق لـ ((تَخِرُّ»،
لأنَّه بمعنى تنهدُّ، كما أشرنا إليه، وإليه ذهب ابن النَّحاس(٥).
وجُوِّز أن يكون مفعولاً مطلقاً لـ ((تنهدُّ) مقدَّراً. والجملةُ في موضع الحال.
وقيل: هو مصدرٌ بمعنى المفعول، منصوبٌ على الحال، من هَدَّ المتعدِّي،
أي: مهدودةً.
وجُوِّز أنْ يكون مفعولاً له، أي: لأنَّها تنهدُّ، على أنَّه من هَدَّ اللازم بمعنى
انهدم، ومجيتُه لازماً ممَّا صرَّح به أبو حيَّان(٦)، وهو إمامُ اللغة والنحو، فلا عبرةً
بمن أنكره، وحينئذ يكون الهدُّ من فعل الجبال، فيتَّحدُ فاعل المصدر والفعلِ
المعلَّل به. وقيل: إنَّه ليس من فعلها، لكنَّها إذا هذَّها أحد يحصل لها الهدُّ، فَصَحّ
أن یکون مفعولاً له.
وفي الكلام تقرير لِكَوْنِ ذلكَ إذًّا، والكيدودةُ فيه على ظاهرها من مقاربةٍ
(١) في مطبوع القراءات الشاذة ص٨٦: ينصدعن.
(٢) البحر المحيط ٢١٨/٦.
(٣) القاموس (صدع).
(٤) البحر المحيط ٢١٨/٦. وقراءة نافع والكسائي في التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢.
(٥) في إعراب القرآن له ٢٩/٣.
(٦) البحر ٢١٩/٦.
٠

الآية : ٩٠
١٩١
الشيء. وفسَّرها الأخفشُ هنا (١) وفي قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] بالإرادة،
وأنشدَ شاهداً على ذلك قول الشاعر:
كادت وكِدْتُ وتلك خيرُ إرادةٍ
لو عادَ من زمن الصبابةِ ما مضى (٢)
ولا حجّة له فیه.
والمعنى: أنَّ هولَ تلك الكلمة الشنعاء وعظمَها بحيثُ لو تَصوَّر بصورةٍ
محسوسةٍ لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفرَّقتْ أجزاؤها من شدَّتها، أو أنَّ حقَّ
تلك الكلمة لو فهمتها تلك الجماداتُ العظام أنْ تتفطّر وتَنْشَقَّ وتخرَّ من فظاعتها.
وقيل: المعنى: كادت القيامةُ أنْ تقوم، فإنَّ هذه الأشياء تكونُ حقيقةً يوم
القيامة .
وقيل: الكلامُ كنايةٌ عن غضب الله تعالى على قائل تلك الكلمة، وأنَّه لولا حلمه
سبحانه وتعالى لوقعَ ذلك، وهلكَ القائلُ وغيره، أي: كدتُ أفعل ذلك غضباً
لولا حلمي.
وأخرج ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ما قال: إنَّ
الشرك فزعت منه السماواتُ والأرض والجبال وجميعُ الخلائق إلَّا الثقلين، وكدن
أنْ يَزُلْنَ منه تعظيماً لله تعالى(٣).
وفيه إثباتُ فهم لتلك الأجرام والأجسام لائقٍ بهنّ، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك.
وفي ((الدر المنثور))(٤) في الكلام على هذه الآية: أخرجَ أحمدُ في ((الزهد))
وابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو الشيخ في ((العظمة)) وابن
أبي حاتم والطبرانيُّ والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) من طريق عون عن ابن مسعود
(١) في معاني القرآن له ٦٢٧/٢.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٥٩٦/٢، ووقع في مطبوعه عند تفسير الآية العاشرة من سورة
الرعد. وحقه أن يذكر - كما ذكره الآلوسي - عند قوله تعالى: ﴿أَكَدُ أُغْفِيهَا﴾، والبيت أيضاً
في تفسير الطبري ٣٩/١٦، والأضداد للأنباري ص٩٧، والمحتسب ٣١/٢ دون نسبة.
وفيها: لهو الصبابة، بدل: زمن الصبابة.
(٣) تفسير الطبري ١٥/ ٦٣٧.
(٤) ٢٨٦/٤ - ٢٨٧.

سُوالا مُرْآنِسًا
١٩٢
الآية : ٩٠
قال: إنَّ الجبلَ لينادي الجبلَ باسمه: يا فلان هل مرَّ بكَ اليومَ أحدٌ ذاكرٌ لله تعالى؟
فإذا قال: نعم، استبشرَ. قال عون: أفلا يسمعنَ الزور إذا قيل، ولا يسمعن الخير؟
هنَّ للخير أسمع، وقرأ: ((وقالوا)) الآيات(١). اهـ. وهو ظاهرٌ في الفهم.
وقال ابن المنير: يظهر لي في الآية معنّ لم أَرَهُ لغيري، وذلك أنَّ الله سبحانه
وتعالى قد استعارَ لدلالة هذه الأجرام على وجوده عزَّ وجلَّ موصوفاً بصفات الكمال
الواجبة له سبحانه أنْ جعلَها مسبحةً بحمده، قال تعالى: ﴿تَُحُ لَهُ الَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ
وَمَنْ فِنٌّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وممَّا دلَّت عليه السماوات والأرض
والجبال بل وكلُّ ذرةٍ من ذرَّاتها أنَّ الله تعالى مقدَّسٌ عن نسبةً الولد إليه:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحد (٢)
فالمعتقدُ نسبةَ الولد إليه عزَّ وجلَّ قد عطّل دلالة هذه الموجودات على تنزيه الله
تعالى وتقديسه، فاستعير لإبطال ما فيها من روح الدلالة التي خلقت لأجلها، إبطالُ
صورها بالهدِّ والانفطار والانشقاق(٣). اهـ.
واعترضَ عليه بأنَّ الموجودات إنما تدلُّ على خالقٍ قادرٍ عالم حكيم؛ لدلالة
الأثر على المؤثِّر، والقدرة على المقدور، وإتقانُ العمل يدلُّ على العلم والحكمة،
وأمَّا دلالتها على الوحدانيَّة فلا وجه له، ولا يثبتُ مثله بالشعر.
ورُدَّ بأنَّها لو لم تدلّ جاء حديث التمانع، كما حقَّقه المولى الخياليّ في
(حواشيه)) على (شرح عقائد النسفيّ)) للعلامة الثاني.
وقال بعضهم: إنها تدلُّ على عظم شأنه تعالى، وأنه لا يشابهه ولا يدانيه
شيءٌ، فلزمَ أنْ لا يكون له شريكٌ ولا ولد؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان نظيراً لله عزَّ
وجلَّ، ولذا عبَّر عن هذه الدلالة بالتسبيح والتنزيه. ولعلَّ ما أشرنا إليه أولى وأدقّ،
وليس مراد من نسبَ الولد إليه عزَّ وجل إلَّ الشرك، فتأمَّل.
(١) الزهد لابن المبارك (٣٣٣)، وابن أبي شيبة ٣٠٥/١٣، والعظمة (١١٩١)، والمعجم الكبير
(٨٥٤٢)، وشعب الإيمان (٥٣٨). ورواية عون عن عبد الله بن مسعود مرسلة، كما في
تهذيب التهذيب ٣٣٨/٣.
(٢) سلف ٢٧١/١.
(٣) الانتصاف ٥٢٥/٢ - ٥٢٦.

الآية : ٩١ ، ٩٢
١٩٣
سُؤَالأُ مَرَنِمَا
والجمهورُ على أنَّ الكلام لبيان بشاعة تلك الكلمة، على معنى أنَّها لو فَهمتْها
الجماداتُ لاستعظمتها، وتَفَّتَت من بشاعتها، ونحو هذا مهيعٌ للعرب، قال الشاعر:
سورُ المدينة والجبالُ الخشَّعُ(١)
لما أتى خبرُ الزبير تواضعتْ
وقال الآخر:
فأصبح بطنُ مَّة مقشعرًّا كأنَّ الأرضَ ليس بها هشامُ(٢)
وقال الآخر:
ألم ترَ صدعاً في السماء مبينا على ابن لبينى الحارث بن هشام(٣)
إلى غير ذلك، وهو نوعٌ من المبالغة، ويقبل إذا اقترنَ بنحو ((كاد»، كما في
الآية الكريمة، وقد بيِّن ذلك في محلِّه.
﴿أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّْنِ وَلَدًا (﴾﴾ بتقدير اللام التعليليَّة، ومحلُّه بعد الحذف نصبٌ عند
سيبويه(٤)، وجٌّ عندَ الخليل والكسائي(٥)، وهو علَّة للعليَّة التي تضمَّنها ((منه)) لكن
باعتبار ما تدلُّ عليه الحال، أعني قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلَّحْمَنِ أَنْ يَخِذَ وَلَدًا
٠
٩٣
وقيل: علَّةٌ لـ ((تكاد)» إلخ.
واعتُرِض بأنْ كون ((يكاد» إلخ معلَّلاً بذلك قد عُلِم من ((منه))، فيلزم التكرار.
وأجيبَ بما لا يخلو عن نظر.
وقيل: علةٌ لـ ((هدًّا))، وهو علَّةٌ للخرور. وقيل: ليس هناك لامٌ مقدَّرة، بل ((أن))
وما بعدَها في تأويل مصدرٍ مجرورٍ بالإبدال من الهاء في ((منه))، كما في قوله:
على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً على جودِه لضنَّ بالماء حاتم(٦)
(١) هو لجرير. ديوانه ٩١٣/٢.
(٢) هو الحارث بن أمية الصغري، كما في الاشتقاق لابن دريد ص١٠١، وشرح أبيات مغني
اللبيب ١٧٠/٤ - ١٧١. وهو في الكامل ٦٧١/٢ دون نسبة.
(٣) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤/٤، وأبو حيان في البحر ٢١٨/٦ دون نسبة.
(٤) الكتاب ١٢٦/٣ - ١٢٨.
(٥) نقله عنه الفراء في معانيه ١٧٣/٢ .
(٦) سلف ٥/ ١٢٣.

١٩٤
الآية : ٩٢
بجرِّ: حاتم، بالإبدال من الهاء في: جوده.
واستبعدَه أبو حيَّان؛ للفصل بجملتين بين البدل والمبدل منه(١).
وقيل: المصدرُ مرفوعٌ على أنَّه خبرٌ محذوف، أي: الموجب لذلك دعاؤهم
للرحمن ولداً، وفيه بحث.
وقيل: هو مرفوعٌ على أنَّه فاعل ((هذَّا))، ويعتبر مصدراً مبنيًّا للفاعل، أي:
هذَّها دعاؤُهم للرحمن ولداً. وتعقّبه أبو حيان بأنَّ فيه بعداً؛ لأنَّ الظاهرَ كونُ هذا
المصدر تأكيديًّا، والمصدر التأكيديُّ لا يعمل، ولو فرض غير تأكيديٍّ لم يعمل
بقياسٍ إلَّا إذا كان أمراً، كـ: ضَرْباً زيداً، أو بعد استفهام، كـ: أَضَرْباً زيداً؟
وما هنا ليس أحدَ الأمرين، وما جاء عاملاً وليس أحدَهما، كقوله:
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم
نادر(٢).
والتزامُ كون ما هنا من النادر لا يدفع البعد.
ولعلَّ ما ذكرناه أدنى (٣) الأوجه وأولاها، فتدبّر والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
و(دَعوا)) عند الأكثرين بمعنى: سمَّوا، والدعاءُ بمعنى التسمية يتعدَّى
لمفعولين بنفسه، كما في قوله:
أخاها ولم أرضع لها بلبانِ(٤)
دعتني أخاها أمُّ عمرٍو ولم أكن
وقد يتعذَّى للثاني بالباء، فيقال: دعوتُ ولدي بزيدٍ، واقتصرَ هنا على الثاني
(١) البحر المحيط ٢١٩/٦.
(٢) البحر المحيط ٢١٩/٦. والشعر صدر بيت لامرئ القيس، عجزه:
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
وسلف ٧/ ٤٥٧ .
(٣) في الأصل و(م): أدق. والمثبت من مسودة المصنف.
(٤) هو لعبد الرحمن بن أم الحكم كما نسبه ابن عبد ربه في العقد الفريد ٣٤٤/٦. وذكره المبرد
في الكامل ١٦١/١ دون نسبة.

الآية : ٩٢
١٩٥
مُدلا فرنسا
وحذف الأوَّل دلالةً على العموم والإحاطة لكلِّ ما دُعي له عزَّ وجلَّ ولداً من عيسى
وعزير عليهما السلام وغيرهما .
وجُوّزَ أن يكونَ من: دعا، بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله {وَّهِ: ((من
ادَّعى إلى غير مواليه))(١). وقول الشاعر:
عنه ولا هو بالأبناء يشرينا(٢)
إنَّا بني نهشلٍ لا ندَّعي لأبٍ
فیتعدَّی لواحد.
والجارُّ والمجرور ◌ُوِّزَ أنْ يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً من ((ولداً))، وأن
يكون متعلِّقاً بما عنده. وجملة ((ما ينبغي)) حالٌ من فاعل ((دعوا))، وقيل: من فاعل
((قالوا)). و((ينبغي)) مضارع انبغى، مطاوع بغى بمعنى طَلَب، وقد سُمع ماضيه، فهو
فعلٌ متصرِّفٌ في الجملة. وعدَّه ابنُ مالك في ((التسهيل))(٣) من الأفعال التي
لا تتصرَّف، وغلَّطهُ في ذلك أبو حيان(٤). ويمكن أن يقال: مرادُه أنَّه لا يتصرَّف
تامًّا، و((أن يتخذ)) في تأويل مصدر فاعله، والمراد: لا يليقُ به سبحانه اتخاذٌ
الولد، ولا ينطلبُ(٥) له عزَّ وجلَّ؛ لاستحالة ذلك في نفسه، لاقتضائه الجزئيَّة أو
المجانسة، واستحالةُ كلِّ ظاهرة.
ووضع الرحمن موضع الضمير؛ للإشعار بعلَّة الحكم بالتنبيه على أنَّ كلَّ
ما سواه تعالى إمَّا نعمةٌ أو مُنعَمُ عليه، وأين ذلك ممن هو مُبدئ النعم ومُولي
(١) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط (٨٤٩٧) عن أبي هريرة أن رسول اللهمص لي قال:
((لعن الله سبعة من خلقه ... )) وعدَّ منهم من ادعى إلى غير مواليه. وأخرجه الطبري في تهذيب
الآثار مسند علي (٣٣٠) من حديث سعد قال: قال رسول الله: ((من ادعى إلى غير أبيه أو
ادعى إلى غير مواليه فقد كفر)). وهذا المعنى ورد في صحيح البخاري (٣١٧٢)، وصحيح
مسلم (١٣٧٠) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعاً، بلفظ: ((من انتمى إلى غير مواليه)).
(٢) نسبه ابن قتيبة في الشعر والشعرء ٦٣٧/٢ - ٦٣٨ لنهشل بن حري النهشلي، ونسبه المبرد في
الكامل ١٤٥/١ لأبي مخزوم رجل من بني نهشل. وأورده البغدادي في الخزانة ٣٠٢/٨،
وذكر الخلاف في قائله، ورجح أنه لبشامة بن حزن. انظر الخزانة ٣١١/٨ - ٣١٢.
(٣) ص٢٤٧ .
(٤) البحر ٢١٩/٦.
(٥) في (م): يتطلب.

سُؤَادَلاَ مَننسى
١٩٦
الآية : ٩٣ ، ٩٤
أصولها وفروعها! وقد أشير إلى ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما منهم أحدٌ من الملائكة والثقلين ﴿إِلَّ ◌َِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٣)﴾ أي:
إلَّا وهو مملوكٌ له تعالى، يأوي إليه عزَّ وجلَّ بالعبودية والانقياد لقضائه وقدره
سبحانه، فالإتيانُ معنويّ. وقيل: هو حسيّ، والمراد: إلَّا آتي محلَّ حكمه، وهو
أرضُ المحشر، منقاداً لا يدَّعي لنفسه شيئاً ممّا نسبوه إليه. وليس بذاك كما لا يخفى.
و(من)) موصولة بمعنى ((الذي))، و((كل)) تدخل عليه؛ لأنَّه يُراد منه الجنس،
كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقوله:
وكلُّ الذي حمَّلتني أتحمَّلُ(١)
وقيل: موصوفةٌ لأنَّها وقعت بعد ((كل)) نكرة وقوعَها بعد ((ربّ)) في قوله:
ربَّ من أنضجتُ غيظاً صدرَه قد تمنَّى لي موتاً لم يطع(٢)
ورجّح في ((البحر))(٣) الأولَ بأنَّ مجيئها موصوفةً بالنسبة إلى مجيئها موصولة
قليل. وقرأ عبد الله وابن الزبير وأبو حيوة وطلحة وأبو بحريَّة وابن أبي عبلة
ويعقوب: ((آتٍ)) بالتنوين، ((الرحمنَ)) بالنصب على الأصل(٤). ونصب ((عبداً)) في
القراءتين على الحال.
واستُدِل بالآية على أنَّ الوالد لا يملكُ ولدَه، وأنه يَعتقُ عليه إذا ملكه.
﴿لَّقَدْ أَخْصَهُ﴾ حصرهم وأحاطَ بهم بحيث لا يكاد يخرجُ أحدٌ منهم من حيطة
علمه وقبضة قدرته جلَّ جلاله.
﴿وَعَذَّهُمْ عَذّا (٣)﴾ أي: عدَّ أشخاصَهم وأنفاسَهم وأفعالَهم، فإنَّ كلَّ شيءٍ
عنده تعالى بمقدار.
(١) هو في البحر المحيط ٦/ ٢٢٠، والدر المصون ٦٥١/٧ هكذا ودون نسبة.
(٢) البيت لسويد بن أبي كاهل، وهو في الشعر والشعراء ٤٢١/١، والأغاني ١٠١/١٣،
وخزانة الأدب ٦/ ١٢٣.
(٣) ٢٢٠/٦.
(٤) البحر المحيط ٢٢٠/٦، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦ عن ابن مسعود
ويعقوب وأبي حيوة.

الآية : ٩٥ ، ٩٦
١٩٧
سُؤَدَآ مَرَمَا
﴾﴾ أي: منفرداً من الأتباع والأنصار، منقطعاً
﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِيِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا
إليه تعالى غاية الانقطاع، محتاجاً إلى إعانته ورحمته عزَّ وجل، فكيف يجانسه
ويناسبه ليتَّخذه ولداً وليشرك به سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً.
وقيل: أي: كلُّ واحدٍ من أهل السماوات والأرض العابدين والمعبودين آتيه
عزَّ وجلَّ منفرداً عن الآخر، فينفردُ العابدون عن الآلهة التي زعموا أنَّها أنصارٌ أو
شفعاء، والمعبودون عن الأتباع الذين عبدوهم، وذلك يقتضي عدمَ النفع، وينتفي
بذلك المجانسةُ لمن بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ تبارك وتعالى.
وفي ((آتيه)) من الدلالة على إِتيانهم كذلك ألبتَّة ما ليس في: يأتيه، فلذا اختير
عليه، وهو خبر ((كلهم))، و((كل)) إذا أضيفَ إلى معرفةٍ ملفوظِ بها نحو: كلّهم، أو
كلّ الناس، فالمنقول أنَّه يجوزُ عود الضمير عليه مفرداً؛ مراعاةً للفظه، فيقال:
كلُّكم ذاهب، ويجوز عودُه عليه جمعاً مراعاةً لمعناه، فيقال: كلَّكم ذاهبون.
وحكى إبراهيم بن أصبغ في كتاب ((رؤوس المسائل)» الاتفاقَ على جوازٍ
الأمرين. وقال أبو زيد السهيليّ: إنَّ (كُلَّا)) إذا ابتدئ به وكان مضافاً لفظاً - أي:
إلى معرفة - لم يحسن إلَّا إفرادُ الخبر؛ حملاً على المعنى؛ لأنَّ معنى: كلكم
ذاهبٌ، مثلاً: كلٌّ واحدٍ منكم ذاهبٌ، وليسَ ذلك مراعاةً للفظ، وإلّا لجازَ: القومُ
ذاهبٌ؛ لأنَّ كلَّا من ((كل)) والقوم اسمُ جمعِ مفردُ اللفظ. اهـ.
وفي ((البحر)): يحتاج في إثبات: كلُّكم ذاهبون، بالجمع، إلى نقل عن
العرب(١). والزمخشريُّ في تفسير هذه الآية استعملَ الجمع(٢)، وحسنُ الظنِّ فيه
أنّه وجد ذلك في کلامهم.
وإذا حذف المضاف إليه المعرفة، فالمسموعُ من العرب الوجهان، ولا كلام
في ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا
أي: مودةً في
(١) البحر المحيط ٦/ ٢٢٠.
(٢) بقوله في الكشاف ٥٢٧/٢: وكلهم متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره. وانظر البحر
المحيط ٢٢٠/٦.

سُولا مرێکا
١٩٨
الآية : ٩٦
القلوب لإيمانهم وعملهم الصالح. والمشهورُ أنَّ ذلك الجعلَ في الدنيا، فقد أخرج
البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وعبد بن حميد وغيرهم عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله وَله
قال: ((إذا أحبَّ الله تعالى عبداً نادى جبريل: إنِّي قد أحببتُ فلاناً فأحبَّه، فينادي
في السماء، ثم تنزلُ له المحبَّة في الأرض، فذلك قولُ الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُوا) الآية))(١).
والتعرُّض لعنوان الرحمانيَّة لما أنَّ الموعودَ من آثارها، والسين لأنَّ السورةَ
مگیةٌ وکانوا ممقوتین حينئذٍ بین الکفرة، فوعدهم سبحانه ذلك، ثم نجزه حین کثر
الإسلام وقويَ بعد الهجرة. وذكر أنَّ الآية نزلت في المهاجرين إلى الحبشة مع
جعفر بن أبي طالب ﴿ه، وَعَدَ سبحانه أنْ يجعلَ لهم محبَّةً في قلب النجاشيّ.
وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنَّه لمَّا هاجرَ
إلى المدينة وَجَدَ في نفسه على فراق أصحابه بمَّة، منهم شيبة بن ربيعة وعتبة (٢) بن
ربيعة وأميَّة بن خلف، فأنزلَ الله تعالى هذه الآية(٣) .
وعلى هذا تكونُ الآية مدنية.
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال: قال رسول الله وَّ لعليٍّ كرَّم الله
تعالى وجهه: ((قل: اللهمَّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين
ودًّا)) فأنزلَ الله سبحانه هذه الآية(٤).
وكان محمدُ بن الحنفية وظَبه يقول: لا تجدُ مؤمناً إلَّ وهو يحبُّ عليًّا كرَّم الله
تعالی وجهه وأهل بيته.
(١) الدر المنثور ٤/ ٢٨٧، وصحيح البخاري (٧٤٨٥)، وصحيح مسلم (٢٦٣٧)، وسنن الترمذي
(٣١٦١). وهو أيضاً عند أحمد (٧٦٢٥). ولم يرد ذكر الآية إلا في رواية الترمذي.
(٢) في الأصل و(م): عقبة، والتصويب من المصادر.
(٣) الدر المنثور ٢٨٧/٤، وتفسير الطبري ٦٤٤/١٥.
(٤) الدر المنثور ٢٨٧/٤، وهو في الفردوس للديلمي (١٩٣٢) دون ذكر سبب النزول. وقال
ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٨: أخرجه الثعلبي والطبراني في ((مسند حمزة الزيات))
وابن مردويه من حديث البراء بن عازب ﴾. وفيه إسحاق بن بشر عن خالد بن زياد.
وهما متروكان. اهـ.

الآية : ٩٦
١٩٩
وروى الإماميَّة خبرَ نزولها في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس
والباقر ﴿ًا، وأيَّدوا ذلك بما صحَّ عندهم أنَّه كرَّم الله تعالى وجهه قال: لو ضربت
خيشومَ المؤمن بسيفي هذا على أنْ يبغضني ما أبغضني، ولو صببتُ الدنيا بجملتِها
على المنافق على أنْ يحبّني ما أحبَّني، وذلك أنَّه قضي فانقضى على لسان النبيِّ وَّلـ
أنه قال: ((لا يبغضكَ مؤمنٌ، ولا يحبُّك منافق))(١). والمراد المحبَّة الشرعيَّة التي
لا غلوَّ فيها .
وزعم بعض النصارى حبّه كرم الله تعالى وجهه، فقد أنشد الإمام اللغوي رضيُّ
الدين أبو عبد الله محمد بن عليّ بن يوسف الأنصاريّ الشاطبيّ(٢) لابن إسحاق
النّضْرانيّ الرسغنيّ(٣):
بسوءٍ ولكني محبٌّ لهاشمٍ
عديٌّ وتيمٌ لا أحاولُ ذكرهم
إذا ذُكروا في الله لومة لائم
وما تعتريني في عليٍّ ورهطِه
وأهل النهى من أعربٍ وأعاجم
يقولون ما بالُ النصارى تحبُّهم
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم
فقلت لهم إنِّي لأحسب حبَّهم
وأنت تعلم أنَّه إذا صحَّ الحديث ثبتَ كذبه، وأظنُّ أنَّ نسبةَ هذه الأبيات
للنصرانيّ لا أصل لها، وهي من أبيات الشيعة بيت الكذب، وكم لهم مثل هذه
المكايد، كما بين في ((التحفة الإثني عشرية)).
والظاهر أنَّ الآيةَ على هذا مدنيّةٌ أيضاً، ثمَّ العبرةُ على سائر الروايات في سبب
النزول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وذهب الجبائيُّ إلى أنَّ ذلك في الآخرة؛
(١) نص الحديث المرفوع أخرجه مسلم (٧٨)، وأحمد (٧٣١).
(٢) شيخ أبي حيان، وروى عنه هو والمزي والقطب الحلبي وآخرون، له حواشٍ على الصحاح
وتوفي سنة ٦٨٤ هـ. بغية الوعاة ١٩٤/١، والأعلام ٢٨٣/٦.
(٣) وقع في البحر المحيط ٢٢١/٦ - وعنه نقل المصنف -: أن الأبيات لزبينا بن إسحاق
النصراني الرسغي. وفي نفح الطيب ٣٧٧/٢ - نقلاً عن البحر -: لزينب بنت إسحاق
النصراني الرسعني، بالمهملة. وذكر الأبيات صاحب المحاسن والمساوئ ص٦٩، ونسبها
للموصلي النصراني. وأوردها ابن عبد البر في بهجة المجالس ١/ ٧٥٧، ونسبها لزيبا
النصراني.

الآية : ٩٧
٢٠٠
فقيل: في الجنَّة إذ يكونون إخواناً على سُرُرٍ متقابلين. وقيل: حين تعرضُ حسناتهم
على رؤوس الأشهاد. وأمر السين على ذلك ظاهر.
ولعلَّ إفراد هذا الوعد من بين ما سيولون يوم القيامة من الكراماتِ السنية؛
لما أنَّ الكفرةَ سيقعُ بينهم يومئذٍ تباغضٌ وتضادٌ وتقاطعٌ وتلاعن.
وذُكر في وجه الربط أنَّه لما فُصِّلت قبائحُ أحوال الكفرة عَقَّبَ ذلك بذکر محاسنِ
أحوال المؤمنين، وقد يقال فيه - بناءً على أنَّ ذلك في الآخرة -: إنَّه جلَّ شأنه
لما أخبر بإتيان كلٍّ من أهل السماوات والأرض إليه سبحانه يوم القيامة فرداً آنسَ
المؤمنين بأنَّه جلَّ وعلا يجعلُ لهم ذلك اليوم ودًّا، وفَسَّرَه ابنُ عطية على هذا الوجه
بمحبَّه تعالى إيَّاهم، وأراد منها إكرامَه تعالى إيَّاهم ومغفرته سبحانه ذنوبَهم(١).
وجُوِّز أنْ يكون الوعد بجعل الودِّ في الدنيا والآخرة، ولا أراه بعيداً عن
الصواب. ولا يأبَى هذا ولا ما قبلَه التعرُّضُ لعنوان الرحمانية؛ لجواز أن يدَّعَى
العموم، فقد جاء ((يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما))(٢). وقرأ أبو الحارث
الحنفي: ((وَدَّا)) بفتح الواو (٣). وقرأ جناح بن حبيش: ((وِدًّا)) بكسرها (٤). وكلُّ ذلك
لغةٌ فیه، وكذا في الوداد.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ﴾ أي: القرآن، بأن أنزلناه ﴿يِلِسَانِكَ﴾ أي: بلغتك، وهو في
ذلك مجازٌ مشهور. والباء بمعنى ((على))، أو على أصله وهو الإلصاق؛ لتضمين
(يسَّرنا)) معنى أنزلنا، أي: يسَّرناه منزلين له بلغتك. والفاءُ لتعليل أمرٍ ينساقُ إليه
النظم الكريم، كأنَّه قيل: بعد إيحاء هذه السورة الكريمة بَلِّغ هذا المنزَّل، أو بشِّر
به(٥) وأنذر، فإنَّما يسَّرناه بلسانك العربيِّ المبين. ﴿لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ المتَّصفينَ
بالتَّقوى؛ لامتثال ما فيه من الأمر والنهي، أو الصائرين إليها، على أنَّه من مجاز
الأَوْل.
(١) المحرر الوجيز ٣٤/٤.
(٢) سلف ٢٣٣/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٤/٤، والبحر المحيط ٢٢١/٦.
(٤) القراءات الشاذة ص٨٦، والبحر المحيط ٢٢١/٦.
(٥) في (م): وأبشر به.