النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ٧٥
١٦١
سُوَالا مريكى
فسيعلمون حينئذٍ ﴿مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَانًا﴾ من الفريقين، بأنْ يشاهدوا الأمرَ على عكس
ما كانوا يُقَدِّرونه، فيعلمون أنَّهم شرِّ مكاناً، لا خير مقاماً.
وفي التعبير بالمكان هنا دون المقام المعبَّر به هناك مبالغةٌ في إظهار سوء حالهم.
﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٥﴾ أي: فئةً وأنصاراً، لا أحسن نديًّا، ووجه التقابل أنَّ
حُسن النديّ باجتماع وجوه القوم وأعيانهم، وظهور شوكتهم واستظهارهم.
وقيل: إنَّ المرادَ من النديّ هناك من فيه، كما يقال: المجلسُ العالي للتعظيم،
وليس المراد أنَّ له ثمَّة جنداً ضعيفاً، كلا ﴿وَلَمْ يَكُن(١) لَُّ فِتَّةٌ يَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مُنَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣]، وإنَّما ذكر ذلك ردًّا لما كانوا يزعمونه من أنَّ لهم أعواناً
من شركائهم.
والظاهر أنَّ (مَن)) موصولة، وهي في محل نصب مفعول (يعلمون))، وتعدَّى إلى
واحد؛ لأنَّ العِلْمَ بمعنى المعرفة. وجملة ((هو شرِّ) صلة الموصول. وجَوَّز
أبو حيان(٢) كونَها استفهاميَّةً، والعِلْمُ على بابه، والجملة في موضع نصبٍ سادَّةٌ
مسدَّ المفعولين. و((هو)) عند أبي البقاء فصلٌ لا مبتدأ (٣).
وجوَّزَ الزمخشريُّ - وظاهرُ صنيعه اختياره - أنْ يكون ما تقدَّم غايةً لقولِ
الكفرة: ((أيُّ الفريقين خيرٌ)) إلخ، وقولُه تعالى: ((كم أهلكنا)) إلخ، و«قل من
كان)) إلخ جملتان معترضتان للإنكار عليهم، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول
ويتولعون به، لا يتكافّون عنه، إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين، إما العذاب في
الدنيا بأيدي المؤمنين، وإمَّا يومَ القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنکال، فحينئذٍ
يعلمونَ أنَّ الأمرَ على عكس ما قدَّروه(٤). وتعقّبه في ((البحر)) بأنَّه في غايةِ البعد،
الطول الفصل بين الغاية والمغيَّى، مع أنَّ الفصلَ بجملتي اعتراض فيه خلافُ
أبي عليّ، فإنَّه لا يجيزه(٥).
(١) كذا قراءة حمزة والكسائي. وقرأها باقي السبعة بالتاء. التيسير ص ١٤٣ .
(٢) في البحر ٢١٢/٦.
(٣) الإملاء ٢/ ١١٧ .
(٤) الكشاف ٢/ ٥٢١.
(٥) البحر المحيط ٢١٢/٦.
سُوالا مرئى
١٦٢
الآية : ٧٦
وأنت تعلم أيضاً بعد إصلاح أمر انقطاع القول حين الموت وعدم امتداده إلى
يوم القيامة أنَّ اعتبارَ استمرار القول وتكرُّرِهِ لا يتمُّ بدون اعتبار استمرارِ التلاوة؛
لوقوع القول في حيِّز جواب ((إذا)). وهو كما ترى.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا مُدَئ﴾ كلام مستأنفُ سیق لبيان حال المهتدين إثر
بيان حال الضالِّين، كما اختاره أبو السعود(١).
واختار الزمخشريُّ - وتبعه أبو البقاء - أنَّه عطف على موضع ((فليمدد)) إلخ(٢).
ولم يجوِّزه أبو حيان سواء كان ((فليمدد)» دعاءً أو خبراً في صورة الطلب؛ لأنَّه
في موضع الخبر إن كانت ((من)) موصولة، وفي موضع الجزاء إن كانت شَرطية،
وموضع المعطوف موضع المعطوف عليه، والجملةُ التي جعلت معطوفةً خاليةٌ من
ضمير يربط الخبر بالمبتدأ، والجواب بالشرط(٣).
وقيل عليه أيضاً: إنَّ العطف غير مناسبٍ من جهة المعنى، كما أنَّه غير مناسبٍ
من جهة الإعراب، إذ لا يتّجه أن يقال: من كان في الضلالة يزيدُ الله الذين اهتدوا
هدی .
وأجيب عن هذا بأنَّ المعنى: من كان في الضلالة زيد في ضلالته، وزيد في
هداية أعدائه؛ لأنَّه مما يغيظه. وعمّا سبق بأنَّ (من)) شرطية لا موصولة، واشتراطُ
ضميرٍ يعود من الجزاء على اسم الشرط غيرِ الظرف ممنوعٌ، وهو غير متَّفْقٍ عليه عند
النحاة كما في ((الدر المصون)»(٤)، مع أنَّه مقدَّر كما سمعت. ولا يخفى أنَّ هذا
العطف لا يخلو عن تكلُّف.
واختار البيضاويُّ(٥) أنَّه عطفٌ على مجموع قوله تعالى: ((من كان في الضلالة
فليمدد)) إلخ؛ ليتمَّ التقابل، فإنه وَّ أَمِرَ أن يجيبهم عن قولهم للمؤمنين: ((أي
الفريقين)) إلخ، فليأت بذكر القسمين أصالةً.
(١) في تفسيره ٢٧٨/٥ .
(٢) الكشاف ٥٢٢/٢، وإملاء ما من به الرحمن ١١٦/٢ .
(٣) البحر المحيط ٦/ ٢١٢.
(٤) ٧/ ٦٣٤.
(٥) في تفسيره ٤/ ١٤ .
الآية : ٧٦
١٦٣
سُوَلاَ مَرَيسى
قال الطيبيُّ: فكأنَّه قيل: قل من كان في الضلالة من الفريقين فليمهله الله
تعالى، وينفس في مدة حياته؛ ليزيد في الغيّ، ويجمع الله تعالى له عذابَ الدارين،
ومن كان في الهداية منهما يزيدُ الله تعالى هدايته، فيجمع سبحانه له خير الدارين.
وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم، وفيه معنى قول حسان:
أتهجوه ولستَ له بكُفءٍ فشرُّكما لخيركما فداءٌ(١)
في الدعاء والاحتراز عن المواجهة.
وفي ((الكشف)) أنَّ هذا أولى ممَّا اختاره الزمخشريّ.
﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ قد تقدَّمت الأقوال المأثورة في تفسيرها، واختيرَ أنَّها
الطاعات التي تبقى فوائدُها وتدوم عوائدها؛ لعمومه، وكلُّها ﴿خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾
بمعناه المتعارَف. وقيل: عائدةٌ ممَّا مُتِّع به الكفرةُ من النعم المخدجة الفانية التي
يفتخرون بها ﴿وَخَيْرٌ﴾ من ذلك أيضاً ﴿مَرَدًّا ﴾﴾ أي: مرجعاً وعاقبةً، لأنَّ عاقبتَها
المسرَّة الأبديَّة والنعيم المقيم، وعاقبة ذلك الحسرة السرمديَّة والعذابُ الأليم.
وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره وَّ من اللطف والتشريف
ما لا يخفى. وتكرير الخير لمزيد الاعتناء ببيان الخيريَّة(٢) وتأكيدٌ لها.
وفي الآية - على ما ذكره الزمخشريُّ - ضربٌ من التهكُّم بالكفرة حيث أشارت
إلى تسمية جزائهم ثواباً. والمفاضلة ــ على ما قال ــ على طريقة: الصيفُ أحرُّ من
الشتاء. أي: أبلغُ في حرِّه من الشتاء في برده(٣) .
وليست على التهكُّم؛ لأنك لو قلت: النارُ خير من الزمهرير، أو بالعكس
تهكُّماً. كان التهكُّم على بابه في المفضل والمفضل عليه، وذلك مما لا يتمشَّى
فیما نحن فيه .
وحاصل ما أراده أنَّ المراد: ثوابُ هؤلاء أبلغُ من ثواب أولئك، أي: عقابهم(٤).
(١) ديوان حسان ص٦٤ .
(٢) في الأصل: الخبرية.
(٣) الكشاف ٢/ ٥٢٢.
(٤) في الأصل: عقباهم. والمثبت من (م) وهو موافق الحاشية الخفاجي ١٧٩/٦.
سُوالا مرتكزًا
١٦٤
الآية : ٧٦
وقول صاحب ((التقريب)) فيه: إنَّه غيرُ معلوم، جوابهُ: كيف لا ، وقد سبقت الرحمةُ
الغضب، وفي الجنَّة من الضِّعف والإفضال ما لا يُقَادر قدره، والنار من عدله تعالى.
وقوله(١): إنَّه غيرُ مناسبٍ لمقام التهديد. مع ما فيه من المنع يَرِدُ عليه أنَّ الكلامَ مبنيٌّ
على التقابل، وأنَّه على المشاكلة في قولهم: ((أيُّ الفريقين خيرٌ مقاماً وأحسن نديًّا))
فوعدُ هؤلاء ليس لمجرد تهديد أولئك، بل مقصودٌ لذاته، قاله في ((الكشف)).
وقال صاحب ((الفرائد)): ما قاله الزمخشريُّ بعيدٌ عن الطّبع والاستعمال، وليس
في كلامهم ما يشهدُ له، ويمكنُ أن يقال: المراد ثوابُ الأعمال الصالحة في
الآخرة خيرٌ من ثوابهم في الدنيا، وهو ما حصلَ لهم منها من الخير بزعمهم، وممًّا
أوتوا من المال والجاه والمنافع الحاصلة منهما. اهـ.
ورُدَّ إنكاره له بأنَّ الزَّجَّاج(٢) ذكرَه في قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٍّ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ
الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥] وأنَّ له نظائر، والبعد عن الطبع في حيِّز المنع.
وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ (أفعل)) في الآية للدلالة على الاتِّصاف بالحدث،
وعلى الزيادة المطلقة، كما قيل في يوسف عليه السلام: أحسنُ إخوته، وهي إحدى
حالاته الأربع التي ذكرها بعضُ علماء العربيَّة، فالمعنى أنَّ ثوابَهم ومردَّهم مُتَّصفٌ
بالزيادة في الخيريَّة على المتَّصفِ بها، بقطع النظر عن هؤلاء المفتخرين بدنياهم،
فلا يلزم مشاركتهم في الخيريَّة. فتأمَّل.
والجملةُ - على ما ذهب إليه أبو السعود(٣) - على تقديري الاستئناف والعطف
فيما قبلها: مستأنفةٌ واردةٌ من جهته تعالى لبيان فضل أعمال المهتدين، غيرُ داخلةٍ
في حيِّز الكلام الملقَّن لقوله سبحانه: ((عند ربك)).
وقال العلّامة الطيبيّ: الذي يقتضيه النظمُ الكريم أنَّ هذه الجملة تتميمٌ لمعنى
قوله سبحانه: ((ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)) ومشتملة على تسلية قلوب المؤمنين ممَّا
(١) أي: صاحب التقريب، وتمام عبارته كما صرح بها الخفاجي في حاشيته ١٧٩/٦ :
الاعتراض بأن كون ثوابهم في بابه أبلغ من عقابهم في بابه غير محقق ولا مناسب للتهديد،
فالأولی حمله على التھگّم.
(٢) في معاني القرآن له ٦٠/٤.
(٣) في تفسيره ٢٧٨/٥.
الآية : ٧٧
١٦٥
سُودافرنسا
عسى أن يختلجَ فيها من مفاخرة الكفرة شيء، كما أنَّ قوله تعالى: ((حتى إذا رأوا))
إلى «جنداً) تتميمٌ لوعيدهم، وكلاهما من تتمَّة الأمر بالجواب عن قولهم: ((أيُّ
الفريقين خيرٌ مقاماً وأحسنُ نديًّا))، وجعل التعبير بـ ((خير)) وارداً على طريق المشاكلة.
وما ذكره من كون ذلك من تتمَّة الجواب هو المنساق إلى الذهن، إلَّا أنَّ ظاهرَ
الخطاب يأباه، وقد يُتَكلَّف له. ولعلَّنا قد أسلفنا في هذه السورة ما ينفعُك في
أمره، فتذگَّر.
﴿أَفَرَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَايَئِنَا﴾ أي: بآياتنا التي من جملتها آياتُ البعث. أخرج
البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والطبرانيُّ وابنُ حبّان وغيرهم عن خبّاب بن الأرتّ قال:
كنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاصي بن وائل دينٌ، فأتيتُه أتقاضَاه، فقال:
لا والله، لا أقضيكَ حتى تكفر بمحمد مرَّله، فقلت: لا والله، لا أكفر بمحمدٍ المول
حتى تموت ثم تبعث، قال: فإِنِّي إذا متُّ ثم بعثتُ جئتني ولي ثَمَّ مالٌ وولدٌ،
فأعطيك. فأنزل الله تعالى: ((أفرأيت)) إلخ(١). وفي روايةٍ: أَنَّ خبَّاباً قال له: لا والله
لا أكفرُ بمحمد ﴾ حيًّا ولا ميتاً ولا إذا بعثت، فقال العاصي: فإذا بعثت
جئتني .. إلخ (٢).
وفي رواية: أنَّ رجالاً من أصحاب النبيِ وَأتوه يتقاضَونَ ديناً لهم عليه،
فقال: ألستم تزعمون أنَّ في الجنَّة ذهباً وفضَّةً وحريراً ومن كلِّ الثمرات؟ قالوا:
بلى. قال: موعدكم الآخرة، والله لأوتينَّ مالاً وولداً، ولأوتينَّ مثل كتابكم الذي
جئتُم به، فنزلت(٣) .
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقد كانت له أقوالٌ تشبه ذلك.
وقال أبو مسلم: هي عامَّةٌ في كلِّ من له هذه الصفة.
والأول هو الثابت في كتب الصحيح.
(١) صحيح البخاري (٢٠٩١)، وصحيح مسلم (٢٧٩٥)، وسنن الترمذي (٣١٦٢)، والمعجم
الكبير للطبراني (٣٦٥١)، وصحيح ابن حبان (٤٨٨٥)، وهو أيضاً عند أحمد (٢١٠٦٨).
(٢) الكشاف ٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣، وتفسير البيضاوي ١٤/٤.
(٣) تفسير الطبري ٦١٨/١٥.
:
سُؤَال ڤرپرَا
١٦٦
الآية : ٧٧
والهمزةُ للتعجيب من حال ذلك الكافر، والإيذانِ بأنَّها من الغرابة والشناعة
بحيث يجبُ أن تُرى، ويقضى منها العجب. والفاءُ للعطف على مقدَّر يقتضيه
المقام، أي: أَنَظَرْتَ فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقُّها أنْ يؤمِن بها كلٌّ من
وَقف عليها ﴿وَقَالَ﴾ مستهزءاً بها، مصدِّراً كلامه باليمين الفاجرة: والله ﴿لَأُوتَيَ﴾
في الآخرة. وإرادةُ في الدنيا - كما حكاه الطبرسيُّ(١) عن بعضِهم - تأباهُ الأخبارُ
الصحيحة، إلّا أنْ يُحملَ الإيتاء - على ما قيل - على الإيتاء المستمرِّ إلى الآخرة،
أي: لأوتينَّ إيتاءً مستمرًّا ﴿مَالًا وَلَدًا (٨)﴾ والمراد: انظر إليه، فتعجب من حالته
البديعة، وجرأته الشنيعة.
وقيل: إنَّ الرؤية مجازٌ عن الإخبار، من إطلاق السبب وإرادة المسبّب،
والاستفهامُ مجازٌ عن الأمر به؛ لأنَّ المقصودَ من نحو قولك: ما فعلتَ: أخبرني.
فهو إنشاءٌ تجوِّز به عن إنشاءٍ آخر، والفاء على أصلها. والمعنى: أخبر بقصة هذا
الكافر عقيب حديث أولئك الذين قالوا: ((أيُّ الفريقين خيرٌ مقاماً)) الآية.
وقيل: عقيبَ حديث من قال: ((أئذا ما متُّ)) إلخ. وما قدَّمنا في معنى الآية هو
الأظهر، واختاره العلّامة أبو السعود. وتَعقَّبَ الثاني بقوله: أنتَ خبيرٌ بأنَّ المشهورَ
استعمال ((أرأيت)) في معنى: أخبرني، بطريق الاستفهام جارياً على أصله، أو مخرَّجاً
إلى ما يناسبه من المعاني، لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره(٢). وإرادة: أخبرني، هنا ممَّا
لا يكاد يصحُّ، كما لا يخفى. وقيل: المراد: لأوتينَّ في الدنيا. ويأباه سببُ النزول.
قال العلّامة: إلَّا أن يحمل على الإيتاء المستمرِّ إلى الآخرة، فحينئذٍ ينطبق على ذلك.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ والأعمش وطلحةُ وابن أبي ليلى وابن عيسى الأصبهاني:
(وُلْدَا)) بضمِّ الواو وسكون اللام(٣)، فقيل: هو جمع: وَلَد، كأَسَد وأُسْد، وأنشدوا
له قوله :
ولقد رأيتُ معاشراً قد ثمَّروا مالاً ووُلْدَا(٤)
(١) مجمع البيان ٦٩/١٦.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٧٩/٥.
(٣) البحر المحيط ٢١٣/٦. وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٤٩ - ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢.
(٤) هو الحارث بن حلزة. ديوانه ص١١٦. وفيه: جمعوا، بدل: ثمروا.
الآية : ٧٨
١٦٧
وقيل: هو لغةٌ في ولد، كالعَرَب والعُرْب، وأنشدوا له قوله:
وليت فلاناً كان وُلْدَ حمارٍ(١)
فليتَ فلاناً كان في بطن أمِّه
والحقُّ أنَّه وردَ في كلام العرب مفرداً وجمعاً، وكلاهما صحيحٌ هنا.
وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر: ((ولداً)) بكسر الواو وسكون اللام(٢)، وهو
بمعنى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ ردٌّ لكلمته الشنعاء، وإظهارٌ لبطلانها إثرَ ما أشير إليه
بالتعجيب منها، فالجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وقيل: إنَّها في محلٌ
نصب، واقعةٌ موقع مفعولٍ ثانٍ لـ ((أرأيتَ)) على أنَّه بمعنى: أخبرني، وهو كما ترى.
والهمزة للاستفهام؛ والأصل: أَاطّلع، فحذفت همزة الوصل تخفيفاً.
وقرئ ((اطّلع)) بكسر الهمز وحذف همزة الاستفهام لدلالة ((أم)) عليها، كما في
قوله:
بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانٍ(٣)
والفعل مُتَعدٍّ بنفسه، وقد يتعدَّی بـ ((على)) وليس بلازم حتى تكون الآية من
الحذف والإيصال.
والمراد من الطُّلوع الظهور على وجه العلوِّ والتملُّك، ولذا اختيرَ على التعبير
بالعلم ونحوه، أي: أقد بلغ من عظمة الشأن إلى أن ارتقَى علم الغيب الذي استأثَر به
العليمُ الخبير جلَّ جلاله، حتى ادَّعى علم أن يُؤْتَى في الآخرة مالاً وولداً وأقسمَ عليه.
وعن ابن عباس أنَّ المعنى: أَنَظَرَ في اللوح المحفوظ ﴿أَمِ لَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا (٨) قال: لا إله إلا الله يرجو بها ذلك.
وعن قتادة: العهد: العملُ الصالح الذي وعد الله تعالى عليه الثواب.
فالمعنى: أعلمَ الغيب أم عملَ عملاً يرجو ذلك في مقابلته.
(١) سلف ٣٣٦/١٣ بلفظ: فليت زياداً ... وليت زياداً.
(٢) البحر المحيط ٢١٣/٦.
(٣) هو لعمر بن أبي ربيعة. شرح ديوانه ص٢٦٦. وصدره فيه: فوالله ما أدري وإنِّي لحاسب.
الآية : ٧٩
١٦٨
وقال بعضهم: العهد على ظاهره. والمعنى: أعلمَ الغيبَ أم أعطاه الله تعالى
عهداً وموثقاً، وقال له: إنَّ ذلك كائنٌ لا محالة. ونُقِل هذا عن الكلبيّ. وهذه
مجاراةٌ مع اللعين بحسب منطوق مقاله، كما أنَّ كلامه كذلك.
والتعرُّض لعنوان الرحمانية؛ للإشعار بعليَّة الرحمة لإيتاء ما يدعيه.
﴿كَلَّاً﴾ُ ردعٌ وزجر عن التفوُّه بتلك العظيمة، وفي ذلك تنبيهٌ على خطئِه.
وهذا مذهبُ الخليل وسيبويه(١) والأخفش والمبرِّد وعامَّة البصريين في هذا الحرف،
وفيه مذاهب، لعلَّنا نشيرُ إليها إنْ شاء الله تعالى.
وهذا أوَّلُ موضعٍ وقعَ فيه من القرآن، وقد تكرَّر في النصف الأخير، فوقع في
ثلاثةٍ وثلاثین موضعاً.
ولم يجوِّز أبو العباس الوقف عليه في موضع(٢).
وقال الفرَّاء: هو على أربعة أقسام:
أحدها : ما يحسنُ الوقفُ عليه، ويحسنُ الابتداءُ به.
والثاني: ما يحسنُ الوقف عليه، ولا يحسنُ الابتداء به.
والثالث: ما يحسنُ الابتداء به، ولا يحسن الوقف عليه.
والرابع: ما لا يحسنُ فيه شيءٌ من الأمرین.
أمَّا القسمُ الأول، ففي عشرة مواضع؛ ما نحن فيه، وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونُواْ لَهُمْ
عِزّاً * كلََّ﴾ [مريم: ٨١ ٨٢]، وقوله سبحانه: ﴿لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلََّ﴾
[المؤمنون: ١٠٠]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ. شُرَكَاءَ كَلَّا﴾ [سبأ: ٢٧]،
يَدْخَلَ جَنَّةَ
وقوله تبارك وتعالى:
[المعارج: ٣٩٫٣٨]، وقوله جَلَّ
نَعِي
وعلا: ﴿أَنَّ أَزِيدَ * كَلَّ﴾ [المدثر: ١٥-١٦] وقوله عزَّ اسمه: ﴿مُحُفًا مُنَكَّرَةَ * لَلَّ
[الفجر: ١٦ - ١٧]،
[المدثر: ٥٢ - ٥٣]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿رَقُّ أَمَثَنٍ * كَ﴾
[الهمزة: ٣- ٤]، وقوله تعالى شأنه: (ثُمَّ يُچِهِ *
وقوله تبارك اسمه:
(١) الكتاب ٢٣٥/٤.
(٢) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٤٢٥.
الآية : ٧٩
١٦٩
سُوالآ فرنسا
[المعارج: ١٤ - ١٥]، فمَن جعله في هذه المواضع ردًّا لما قبلَه وقفَ عليه، ومن
كلّا
جعلَه بمعنى ((ألا)) التي للتنبيه، أو بمعنى: حقًّا: ابتدأ به، وهو يحتمل ذلك فيها.
وأمَّا القسمُ الثاني، ففي موضعين؛ قوله جلَّ جلاله حكايةً: ﴿فَأَغَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
* قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ١٤- ١٥]، وقوله عزَّ شأنه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ * قَالَ كَّ﴾
[الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وأمَّا الثالث، ففي تسعة عشر موضعاً؛ قوله تعالى شأنه: ﴿فَلَّ إِنََّا نَذْكِرَةٌ ﴾
﴿ثَلَّ
[عبس: ١١]، ﴿كَلَّ وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢]، ﴿كَلَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِأَلِدِينِ﴾ [الانفطار: ٩]،
إِذَا بَلَغَتِ التََّافِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]، ﴿كَلَّا لَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١]، ﴿كََّ بَّ تُحِبُونَ الْعَاِلَةَ﴾
[القيامة: ٢٠]، ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤]، ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣]، ﴿كَلََّ بَلْ رَانَ
عَلَى قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: ١٤]، ﴿كَلََّّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَنِيِمَ﴾ [الفجر: ١٧]، ﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ
اٌلْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧]، ﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ الْأَبْرَارِ﴾ [المطففين: ١٨]، ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن ◌َّيِهِمْ﴾
[المطففين: ١٥] ﴿كَلََّ إِذَا ذُكَتِ الْأَرْضُ﴾
[الفجر: ٢١]، ﴿كَلَّ إِنَّ اَلْإِنسَانَ لَفَ﴾
[العلق: ٦]، ﴿كَلَّا لَبِنْ لَّ بَهِ﴾ [العلق: ١٥]، ﴿كَلَّا لَ تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]، ﴿كَلَّا سَوّفَ
تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣]، ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٥]؛ لأنَّه ليس للردِّ في ذلك.
وأمَّا القسم الرابع، ففي موضعين؛ ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]، ﴿ثَُّ كَلَّا
سَيَمْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٥]، فإنَّه لا يحسن الوقف على ((ثمَّ))؛ لأنه حرف عطف، ولا على
((كلّا))؛ لأنَّ الفائدةَ فيما بعد.
وقال بعضهم: إنَّه يحسنُ الوقف على (كلّا)) في جميع القرآن؛ لأنه بمعنى:
انْتَهِ، إلَّا في موضعٍ واحد، وهو قوله تعالى: ﴿كَلَّ وَالْقَمَرٍ﴾ [المدثر: ٣٢]؛ لأنَّه
موصول باليمين، بمنزلة قولك: إي ورِّي.
﴿سَنَّكْنُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: ستُظهِر أنَّا كتبنا قوله، كقوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ ولم تجدي من أن تُقِرِّي به بُدًّا (١)
أي: إذا انتسبنا علمتٍ وتبيّن أنِّي لست بابن لئيمة.
(١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٦١/١، والطبري في تفسيره ٢/ ٥٧ دون نسبة، ونسبه عبد القادر
البغدادي في شرح أبيات مغني اللبيب ١٢٥/١ الزائد بن صعصعة الفقعسي.
سُؤَدَلاَ مَرَمَا
١٧٠
الآية : ٧٩
أو: سننتقم منه انتقام من كتبَ جريمة الجاني وحفظَها عليه، فإنَّ نفس كِتبةٍ.
ذلك لا تكاد تتأخّرُ عن القول؛ لقوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عِيدٌ﴾
[ق: ١٨]، وقوله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَرُسُلْنَا لَدَتِهِمْ يَكْثُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، فمبنَى
الأول تنزيلُ إظهار الشيء الخفيِّ منزلةَ إحداث الأمر المعدوم، بجامع أنَّ كلَّا
منهما إخراجٌ من الكمون إلى البروز، فيكون استعارةً تبعيَّةً مبنيَّةً على تشبيه إظهار
الكتابة على رؤوس الأشهاد بإحداثها .
ومدار الثاني: تسميةُ الشيء باسم سببه، فإنَّ كِتبة جريمة المجرم سببٌ لعقوبته
قطعاً؛ قاله أبو السعود(١).
وقيل: إنَّ الكتابة في المعنى الثاني استعارةٌ للوعيد بالانتقام. وفيه خفاء.
وقال بعضهم: لا مجاز في الآية، بَيْدَ أنَّ السين للتأكيد، والمراد: نكتب في
الحال.
ورُوَّ بأن السين إذا أَكَّدَت فإنَّما تؤكّد الوعد أو الوعيد، وتفيد أنَّه كائنٌ لا محالةً
في المستقبل، وأمَّا أنها تؤكّدُ ما يراد به الحال، فلا. كذا قيل، فليراجع.
وقرأ الأعمش: ((سيُكتَب)» بالياء التحتية والبناء للمفعول، وذكرت عن
(٢)
عاصم(٢).
﴿وَنَعُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَا (3﴾ مكانَ ما يدَّعيه لنفسه من الإمداد بالمال
والولد، أي: نطوِّل له من العذاب ما يستحقُّه، أو نزيدُ عذابه ونضاعفه له من
المدد، يقال: مدَّه وأمَدَّه بمعنى، وتدلُّ عليه قراءة عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه:
(ونُمِدُّ) بالضم (٣)، وهو بهذا المعنى يجوزُ أن يستعملَ باللام وبدونها، ومعناه على
الأول: نفعل المدَّ له، وهو أبلغُ من: نمدُّه، وأُكِّد بالمصدر إيذاناً بفرطِ غضب الله
تعالى عليه؛ لكفره وافترائه على الله سبحانه، واستهزائه بآياته العظام، نعوذ بالله عزَّ
وجلَّ ممَّا يستوجبُ الغضب.
(١) في تفسيره ٢٧٩/٥ - ٢٨٠.
(٢) البحر المحيط ٢١٤/٦. وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٣) القراءات الشاذة ص٨٦، والكشاف ٥٢٣/٢، والبحر ٢١٤/٦.
الآية : ٨٠
١٧١
سُؤَالَ فَرِسَ
﴿وَزَرِثُهُ، مَا يَقُولُ﴾ أي: نسلب ذلك ونأخذُه بموته أخذَ الوارث ما يرُه، والمراد
بـ (ما يقول)) مسمَّاه ومصداقه، وهو ما أوتيه في الدنيا من المال والولد، يقول
الرجل: أنا أملك كذا، فتقول: ولي فوق ما تقول، والمعنى على المضيّ، وكذا
في ((يقول)) السابق. وفيه إيذانٌ بأنَّه ليسَ لما قال مصداقٌ موجودٌ سوى ما ذكر،
و((ما)) إمَّا بدلٌ من الضمير بدل اشتمال، وإمَّا مفعولٌ به، أي: نرث منه ما آتيناه في
الدنيا .
﴿وَيَأْنِينَا﴾ يوم القيامة ﴿فَرْدًا ﴾﴾ لا يصحبه مالٌ ولا ولدٌ كان له، فضلاً أن
يؤتَى ثمَّة زائداً.
وفي حرف ابن مسعود: ((ونرثه ما عندَه ويأتينا فرداً لا مال له ولا ولد)) (١)،
وهو ظاهرٌ في المعنى المذكور.
وقيل: المعنى: نحرمُه ما زعم أنَّه ينالُه في الآخرة من المال والولد ونعطيه
لغيره من المستحقِّين. وروي هذا عن أبي سهل، وتفسيرُ الإرث بذلك تفسيرٌ
باللازم. و((ما يقول)) مرادٌ منه مسمَّاه أيضاً.
والولد الذي يُعطى للغير ينبغي أنْ يكون ولدَ ذلك الغير الذي كان له في الدنيا،
وإعطاؤه إيَّاه بأنْ يجمع بينه وبينه حسبما يشتهيه، وهذا مبنيٌّ على أنّه لا توالد في
الجنَّة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال جمعٌ منهم مجاهد وطاوس وإبراهيم
النخعيّ بعدم التوالد، احتجاجاً بما في حديث لقيط ربه الطويل الذي عليه من
الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته، وقال فيه أبو عبد الله ابن
منده(٢): لا ينكرُه إلَّا جاحدٌ أو جاهل، وقد خرَّجه جماعةٌ من أئمة السنة، من قوله:
قلت يا رسولَ الله أوَلنا فيها أزواجٌ، أوَ منهنَّ مُصْلحات؟ قال ◌َّ: ((المصلحات
للمصلحين تلذّذونهنَّ ويلذذونكم مثل لذَّاتكم في الدنيا، غيرَ أن لا توالد)»(٣)،
(١) الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ .
(٢) ونقله عنه ابن القيم في زاد المعاد ٣/ ٥٩٢ بتمامه مطولاً. فانظره ثمة.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (١٦٢٠٦)، وسيأتي عند المصنف في سورة
الزخرف، الآية: ٧١ التوسعُ في ذِكر من خرَّجه فينظر ثمة.
سُوالآفرنسى
١٧٢
الآية : ٨٠
وبما روي عن أبي رزين(١) العقيليّ عن النبيِّ وَّ قال: ((إنَّ أهل الجنة لا يكون لهم
ولد))(٢).
وقالت فرقة بالتوالد احتجاجاً بما أخرجه الترمذيُّ في ((جامعه)) عن أبي سعيد
الخدريّ ◌َُّه قال: قال رسول الله وَله: ((المؤمنُ إذا اشتهى الولد في الجنة كان
حمله ووضعُه وسِتُّه في ساعةٍ واحدة كما يشتهي)). وقال: حسن غريب(٣).
وبما أخرجه أبو نعيم عن أبي سعيد أيضاً؛ قيل: يا رسول الله، أيولد لأهل
الجنَّة، فإنَّ الولَد من تمام السرور؟ فقال عليه الصلاة السلام: ((نعم، والذي نفسي
بيده، وما هو إلَّا كَقَدْرٍ ما يتمنَّى أحدُكم، فيكون حملُه ورضاعه وشبابه))(٤).
وأجابت عمَّا تقدَّم بأنَّ المراد نفيُ أن يكون توالدٌ أو ولدٌ على الوجه المعهود
في الدنيا .
وتُعقِّبَ ذلك بأنَّ الحديثَ الأخيرَ ضعيفٌ، كما قال البيهقيُّ(٥). والحديثُ
الأول قال فيه السفارينيّ(٦): أجودُ أسانيده إسنادُ الترمذيّ، وقد حكم عليه
بالغرابة، وأنه لا يُعرف إلَّا من حديث أبي الصديق النَّاجي(٧)، وقد اضطربَ لفظُه،
فتارةً يُروى عنه: ((إذا اشتهى الولد)) وتارةً: ((إنه يشتهي الولد))، وتارةً: ((إنَّ الرجل
من أهل الجنة ليولد له)) (٨)، وإذا قلنا بأنَّ له على الرواية السابقة سنداً حسناً،
(١) في الأصل و(م): أبي ذر. والمثبت من المصادر. وسيذكره المصنف على الصواب عند
تفسير الآية ٧١ من سورة الزخرف.
(٢) أورده الترمذي تعليقاً إثر الحديث (٢٥٦٣) من حديث أبي رزين العقيلي - وهو لقيط بن
عامر - قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ٢٨٦/٧: لم أقف على من أخرج هذا الحديث
بهذا اللفظ، وروى أحمد في ((مسنده)) عن أبي رزين العقيلي حديثاً طويلاً وفيه: ((الصالحات
للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذذن بكم غير أن لا توالد)». اهـ. وهو حديث
لقيط بن عامر أبي رزين السالف آنفاً.
(٣) سنن الترمذي (٢٥٦٣). وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤٣٣٨)، وأحمد (١١٠٦٣).
(٤) صفة الجنة لأبي نعيم (٢٧٥)، وأخرجه أيضاً البيهقي في البعث (٤٤٠).
(٥) في البعث والنشور إثر الحديث (٤٤٠).
(٦) في البحور الزاخرة، كما صرح بذلك المصنف عند تفسير الآية ٧١ من سورة الزخرف.
(٧) في الأصل و(م): التاجي. والمثبت من المصادر.
(٨) هو بهذا اللفظ في أخبار أصبهان لأبي نعيم ٢٩٦/٢ .
الآية : ٨٠
١٧٣
كما أشار إليه الترمذيُّ، فلقائل أن يقول: إنَّ فيه تعليقاً بالشرط، وجازَ أن لا يقع،
و ((إذا)) وإنْ كانت ظاهرةً في المحقَّق، لكنَّها قد تُستعملُ لمجرَّد التعليق الأعمّ.
وأمَّا الجوابُ عن الحديثين السابقين بما مرَّ فأوهنُ من بيت العنكبوت،
كما لا يخفى.
وبالجملة المرجّحُ عند الأكثرين عدمُ التوالد، ورجَّح ذلك السفاريني بعشرةٍ
أوجه، لكن للبحث في أكثرها مجال، والله تعالى أعلم.
وقيل: المراد بـ((ما يقول)) نفس القول المذكور، لا مسمَّاه، والمعنى: إنَّما يقول
هذا القول ما دام حيًّا، فإذا قبضناه حُلْنَا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضاً له مفرداً عنه.
وتُعقّبَ بأنَّ هذا مبنيٌّ على صدور القول المذكور عنه بطريق الاعتقاد، وأنه
مستمرٌّ على التفوه به، راجٍ لوقوع مضمونه، ولا ريب في أنَّ ذلك مستحيلٌ ممَّن كفر
بالبعث، وإنَّما قال ما قالَ بطريق الاستهزاء.
وأجيبَ بأنّا لا نسلم البناء على ذلك؛ لجواز أنْ يكون المراد: إنَّما يقولُ ذلك
ويستهزئُ ما دام حيًّا، فإذا قبضنَاه حُلْنَا بينه وبين الاستهزاء بما ينكشف له ويحلُّ
به. أو يقال: إنَّ مبنَى ما ذُكر على المجاراة مع اللعين، كما تقدم.
وقيل: المعنى: نحفظُ قوله لنضرب به وجهه في الموقف ونعيِّرهُ به، ویأتینا
على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد، لم نولِه سؤلَه، ولم نؤته متمنَّاه، فيجتمع
عليه أمْرَان أمَرَّان؛ تبعةُ قوله ووباله، وفقدُ المطموع فيه.
وإلى تفسير الإرث بالحفظ ذهبَ النخَّاس(١)، وجعلَ من ذلك: ((العلماءُ ورثة
الأنبياء))(٢)، أي: حفظةُ ما قالوه. وأنتَ خبيرٌ بأنَّ حِفظَ قوله قد عُلِمَ من قوله
تعالى: ((سنكتب ما يقول)).
وفي ((الكشاف)»: يحتملُ أنَّه قد تمنَّى وطمع أن يؤتيه الله تعالى مالاً وولداً في
الدنيا، وبلغت به أشعبيَّتهُ أنْ تألَّى على ذلك، فقال سبحانه: هب أنَّا أعطيناه
(١) في معاني القرآن له ٣٥٨/٣.
(٢) سلف ٣٤١/٥.
سُودَةُ فَرُسَا
١٧٤
الآية : ٨١، ٨٢
ما اشتهاه؛ أمَا نرتُه منه في العاقبة ويأتينا غداً فرداً بلا مال ولا ولد، كقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَى﴾ [الأنعام: ٩٤] فما يجدي عليه تمنِّه وتألِّيه(١). انتهى.
ولا يخفى أنَّه احتمالٌ بعيدٌ جدًّا في نفسه ومن جهة سبب النزول، والتكلُّف
لتطبيقه علیه لا يُقَرِّبُه کما لا يخفى.
و((فرداً)) حالٌ على جميع الأقوال، لكن قيل: إنَّه حالٌ مقدَّرة حيث أريد حرمانه
عن المال والولد وإعطاء ذلك لمستحقّه؛ لأنَّ الانفرادَ عليه يقتضي التفاوت بين
الضالِ والمهتدي، وهو إنَّما يكون بعد الموقف، بخلاف ما إذا أريد غير ذلك
مما تضمَّنته الأقوالُ؛ لعدم اقتضائه التفاوت بينهما، وكفايةٍ فردية الموقف في
الصحة، وإن كانت مشتركة.
وزعم بعضُهم أنَّ الحال مقدَّرة على سائر الأقوال؛ لأنَّ المرادَ دوامُ الانفرادِ
عن المال والولد، أو عن القول المذكور، والدوام غيرُ محقَّق عند الإتيان، بل
مقَدَّرٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ولا يخفى ما فيه.
﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ﴾ حكايةٌ لجنايةٍ عامَّةٍ للكلِّ مستتبعةٍ لضدٍّ ما يرجون
ترتّبه عليها، إثر حكاية مقالةِ الكافر المعهود واستتباعِها لنقيض مضمونها، أي:
أنَّخذَ الكفرةُ الظالمون الأصنام، أو ما يعمُّهم وسائر المعبودات الباطلة آلهةً،
متجاوزين الله تعالى ﴿ِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّا ﴾﴾ أي: ليتعزّزوا بهم بأن يكونوا لهم وصلةً
إليه عزَّ وجلَّ وشفعاءَ عنده.
﴿كلََّ﴾ُ ردعٌ لهم وزجر عن ذلك، وفيه إنكارٌ لوقوع ما علَّقوا به أطماعهم
الفارغة ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: ستجحدُ الآلهةُ عبادةَ أولئك الكفرة إيَّاها،
ويُنطِقُ الله تعالى من لم يكن ناطقاً منها، فتقول جميعاً: ما عبدتمونا كما قال
سبحانه: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ شُرَكَاءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا
مِن دُونٌِ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوّلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]. أو: ستنكر الكفرة حين
يشاهدونَ عاقبة سوء كفرهم عبادتَهم إِيَّاها، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ
إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنََّ مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
(١) الكشاف ٢/ ٥٢٣ .
الآية : ٨٢
١٧٥
سُؤَدَّ مَرَنِهَا
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيِّهِمْ ضِذًّا (٨) على الأول - على ما قيل -:.
تكون الآلهة التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزَّا ضدًّا للعزِّ، أي: ذَلَّا وهوانًا، أو
أعواناً عليهم، كما روي عن ابن عباس ﴿هَا، وهو أظهرُ من التفسير السابق،
وكونهم أعواناً عليهم؛ لأنَّهم يلعنونَهم. وقيل: لأنَّ عبادتَهم كانت سبباً للعذاب.
وتعقِّبَ بأنَّ هذا لم يحدث يوم القيامة، وظاهرُ الآية الحدوث ذلك اليوم.
والأمر فیه ھیِّن.
وقيل: لأنَّهم يكونونَ آلَةً لعذابهم، حيثُ يجعلونَ وَقود النار وحصبَ جهنم،
وهذا لا يتسنَّى إلَّا على تقدير أنْ يُرَاد بالآلهة الأصنام.
وإطلاقُ الضدِّ على العون؛ لما أنَّ عونَ الرجل يضادُّ عدوَّه وينافيه بإعانته له
علیه .
وعلى الثاني يكون الكفرةُ على الآلهة، أي: أعداءً لها، من قولهم: الناسُ
عليكم، أي: أعداؤكم. ومنه: اللهمَّ كن لنا ولا تكن علينا(١). ((ضدًّا)) أي: منافينَ
ما كانوا عليه كافرين بها بعد ما كانوا يعبدونَها، فـ ((عليهم)) - على ما قيل - خبرُ
يكون، و((ضدًّا)) حالٌ مؤكدة، والعداوةُ مرادةٌ ممَّا قبله. وقيل: إنَّها مرادةٌ منه، وهو
الخبر، و((عليهم)) في موضع الحال. وقد فسَّره بأعداء الضَّحَّاكُ، وهو - على ما نقل
عن الأخفش - كالعدوِّ يستعملُ مفرداً وجمعاً. وبذلك قال صاحب ((القاموس))
وجعل ما هنا جمعاً(٢).
وأنكر بعضُهم كونَه ممَّا يطلق على الواحد والجمع، وقال: هو للواحد فقط،
وإنمَّا وُحِّد هنا لوحدة المعنى الذي يدورُ عليه مضادتهم، فإنَّهم بذلك كالشيء
الواحد، كما في قوله {وَ ﴿ فيما رواه النسائيُّ: ((وهم يدٌ على من سواهم))(٣).
وقال صاحبُ ((الفرائد)): إنَّما وحّد؛ لأنَّه ذكر في مقابلة قوله تعالى: ((عزَّا))،
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢٨٧/١٠ من دعاء الجنيد.
(٢) القاموس (ضدد).
(٣) قطعة من حديث علي اله أخرجه النسائي في المجتبى ١٩/٨، ٢٠، ٢٤، والسنن الكبرى
(٦٩١٠) و(٨٦٢٨)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٥٣٠)، وأحمد (٩٥٩). وانظر الكافي
الشاف ص١٠٧ .
سُودا قرآنا
١٧٦
الآية : ٨٢
وهو مصدرٌ يصلحُ لأنْ يكون جمعاً، فهذا وإنْ لم يكن مصدراً، لكن يصلح لأنّ
يكونَ جمعاً نظراً إلى ما يُراد منه، وهو الذل.
وهذا إذا تمَّ فإِنَّما يتمُّ على المعنى الأول، وقد صرَّح في ((البحر)) أنَّه على ذلك
مصدرٌ يوصف به الجمع، كما يوصف به الواحد، فليراجع(١).
وقرأ أبو نهيك هنا وفيما تقدَّم: (كَلَّا)) بفتح الكاف والتنوين(٢)، فقيل: إنَّها
الحرف الذي للردع، إلَّا أنَّه نوي الوقفُ عليها، فصار ألفها كألف الإطلاق، ثم
أبدلت تنويناً، ويجوز أن لا يكون نوى الوقف، بل أجريت الألف مجرى ألف
الإطلاق؛ لما أنَّ ألف المبنيِّ لم يكن لها أصل، ولم يجز أن تقعَ رويًّا، ويسمَّى
هذا تنوين الغالي وهو يَلحقُ الحروفَ وغيرها، ويجامعُ الألِفَ واللام، كقوله:
وقولي إنْ أصبتُ لقد أصابنُ(٣)
أقلّي اللومَ عاذل والعتابنْ
وليس هذا مثل ﴿قَوَارَِا﴾ [الإنسان: ١٥] كما لا يخفى، خلافاً لمن زعمه(٤).
وفي ((محتسب)) ابن جني(٥) أنَّ ((كَلَّا)) مصدرٌ من كلَّ السيف إذا نبا، وهو منصوبٌ
بفعلٍ مضمٍ من لفظه، والتقدير هنا: كَلَّ هذا الرأيُ والاعتقاد كَلَّا، والمراد ضعُف
ضعفاً، وقيل: هو مفعولٌ به بتقدير: حملوا كَلَّا. ويقال نظير ذلك فيما تقدَّم.
(١) البحر المحيط ٢١٥/٦.
(٢) البحر المحيط ٢١٣/٦، ٢١٤، والدر المصون ٦٣٨/٧.
(٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٨١٣/٢. ولفظه فيه: والعتابا ... أصابا. بألف الإطلاق،
وأنشده بالتنوين بنو تميم، كما ذكر ذلك الزمخشري في المفصل مع شرحه لا بن یعیش ٢٩/٩،
وابن هشام في المغني ص ٤٤٧. وتبع المصنفُ الخفاجيَّ ١٨٢/٦ في إيراد هذا البيت
شاهداً على التنوين الغالي، وإنما ذكروا هذا البيت شاهداً على تنوين الترنم، وهو الذي
يلحق القوافي المطلقة بدلاً من حرف الإطلاق، وهو الألف والواو والياء، والترنم يحصل
بهذه الأحرف لقبولها مد الصوت، فإذا أنشدوا ولم يترنموا جاؤوا بالنون في مكانها.
أما التنوين الغالي، وهو الذي يلحق القوافي المقيدة، فذكروا شاهداً عليه قول رؤية:
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن
انظر الكتاب ٢٠٦/٤ - ٢٠٧، ومغني اللبيب ص٤٤٧، وأوضح المسالك ص١٢، وشرح
ابن عقيل ١٨/١ - ٢٠.
(٤) هو الزمخشري في الكشاف ٢/ ٥٢٣.
(٥) ٤٥/٢.
الآية : ٨٣
١٧٧
سُولاً مرِّسًا
وقال ابن عطية: هو نعتٌ لـ ((آلهة))(١)، والمراد به الثقيل الذي لا خيرَ فيه،
والإفرادُ لأنه بزنة المصدر، وهو كما ترى.
والأوفق بالمعنى ما تقدَّم، وإنْ قيل: فيه تعسُّف لفظيٌّ، وأنه يلزم عليه إثباتُ
التنوين خطًّا، كما في أمثال ذلك. وحكى أبو عمرو الدانيّ عن أبي نَهيك أنَّه قرأ:
(كُلَّا)) بضم الكاف والتنوين(٢)، وهي على هذا منصوبةٌ بفعل محذوف دلَّ عليه
(سيكفرون)) على أنَّه من باب الاشتغال، نحو: زیداً مررتُ به، أي: يجحدون ◌ُلًّا،
أي: عبادة كلٌّ من الآلهة، ففيه مضافٌ مقدَّرٌ، وقد لا يقدر.
وذكر الطبريُّ عنه أنه قرأ: ((كُلّ)(٣) بضمِّ الكاف والرفع، وهو على هذا مبتدأ،
والجملةُ بعده خبره.
﴿أَلَ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَِّينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ قَيَّضناهم وجعلناهم قرناءَ لهم مسلّطين
علیھم، أو سلّطناهم عليهم ومگَّنَّاهم من إضلالهم.
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا ﴾﴾ تغريهم وتهيِّجُهم على المعاصي تهييجاً شديداً بأنواع
التسويلات والوساوس، فإنَّ الأزَّ والهزَّ والاستفزاز أخواتٌ، معناها شدَّة الإزعاج.
وجملة ((تؤزهم)) إمَّا حالٌ مقدَّرةٌ من الشياطين، أو استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ
من صدر الكلام، كأنه قيل: ماذا تفعل الشياطينُ بهم؟ فقيل: تؤزُّهم .. إلخ.
والمراد من الآية تعجيب رسول الله ول﴾ مما تضمَّنته الآياتُ السابقة الكريمة من
قوله سبحانه: ((ويقول الإنسان أئذا ما مت)) إلى هنا، وحَكَتْهُ عن هؤلاء الكفرة
الغواة والمردة العتاة، من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل، والتمادي في
الغيِّ، والانهماك في الضلال، والإفراط في العناد، والتصميم على الكفر، من غير
صارفٍ يلويهم ولا عاطف يثنيهم، والإجماع على مدافعة الحقِّ بعد إيضاحه وانتفاءِ
الشرك عنه بالكليَّة، وتنبيهٌ على أنَّ جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، لا لأنَّ
(١) المحرر الوجيز ٣١/٤.
(٢) المحرر الوجيز ٣١/٤، وانظر القراءات الشاذة ص٨٦.
(٣) كذا في الأصل و(م) والبحر المحيط ٢١٤/٦، والدر المصون ٧/ ٦٣٩، ونسخة من تفسير
الطبري كما في هامشه ٦٢٦/١٥. ووقع في مطبوعه: كُلَّا.
سُوَالأُ مَرَمَا
١٧٨
الآية : ٨٤
هناك قصوراً في التبليغ أو مسوِّغاً في الجملة، وفيها تسليةٌ لرسول اللهِ وَّر، فهي
تذييلٌ لتلك الآيات لما ذكر. وليس المرادُ منها تعجيبَه عليه الصلاة والسلام من
إرسال الشياطين عليهم، كما يوهمه تعليقُ الرؤية به، بل ممَّا ذُكِر من أحوالهم من
حيثُ كونها من آثار إغواء الشياطين، كما ينبئُ عن ذلك قوله سبحانه: ((تؤزُّهم
أزّا)».
﴿فَلَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَهلكوا حسبما تقتضيه جناياتهم، ويَبيدوا عن آخرهم،
وتُطهّر الأرضُ من خبائاتهم. والفاء للإشعار بكون ما قبلَها مظنَّةً لوقوع المنهيِّ عنه
محوجةً إلى النهي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوِْكَ فَلَا يُخْرِجَنَُّهَا مِنَ
اُلْجَنَّةِ﴾ [طه: ١١٧].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا ®﴾﴾ تعليلٌ لموجب النهي ببيان اقتراب
هلاكهم، فإنَّه لم يبقَ لهم إلَّا أيامٌ وأنفاسٌ نعدُّها عَدًّا، أي: قليلة، كما قيل في قوله
تعالى: ﴿دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ولا ينافي هذا ما مرَّ من أنَّه يمدُّ لمن كان في
الضلالة، أي: يطوِّل؛ لأنَّه بالنسبة لظاهر الحال عندهم، وهو قليلٌ باعتبار عاقبته
وعند الله عزَّ وجل.
وقيل: إنَّ التعليلَ بما ذُكر دلَّ على أنَّ أنفاسَهم وأيَّامهم تنتهي بانتهاء العدِّ،
ولا شكَّ أنَّها على كثرتها يُستوفَى إحصاؤها في ساعة، فعبَّر بهذا المعنى عن
القليل، فكأنَّه قيل: ليس بينك وبين هلاكهم إلَّ أيَّامُ محصورةٌ، وأنفاسٌ معدودةٌ،
كأنَّها في سرعة تقضِّيها الساعة التي تُعَدُّ فيها لو عُدَّت، وهذا ليس مبينًا على أنَّ كلَّ
ما يُعدُّ فهو قليل. انتهى.
والأول هو الظاهر، وهذا أبعدُ مغزّى.
وعن ابن عباس ﴿هًا أنَّه كان إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: آخرُ العدد خروجُ
نفسك، آخرُ العدد فراقُ أهلك، آخرُ العدد دخول قبرك.
وعن ابن السمَّاك أنَّه كان عند المأمون فقرأها، فقال: إذا كانت الأنفاسُ
بالعدد، ولم يكن لها مَدد، فما أسرعَ ما تنفد.
ولله تعالى درٌّ من قال:
الآية : ٨٥
١٧٩
سؤالا قرآنًا
لا يمنعُ الموتَ بوابٌ ولا حَرَسُ
إنَّ الحبيبَ من الأحباب مختلَسُ
فتّى يُعَدُّ عليه اللفظُ والنفسُ (١)
وكيفَ يفرحُ بالدنيا ولذَّتِها
وقيل: المرادُ: إنَّما نعدُّ أعمالهم لنجازيهم عليها .
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا ﴾﴾﴾ أي: ركباناً، كما أخرجه جماعةٌ عن
ابن عباس ﴿يا، وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) وابنُ أبي حاتم وابن مردويه
من طرقٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: سألتُ رسول الله وَّر عن هذه الآية،
فقلت: يا رسول الله، هل الوفدُ إلَّ الركب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((والذي
نفسي بيده، إنَّهم إذا خرجُوا من قبورهم استُقبِلوا بنوقٍ بيض، لها أجنحةٌ وعليها
رحالُ الذهب، شركُ نعالِهِم نورٌ، يتلألأ كلَّ خطوة منها مثل مدِّ البصر، وينتهون إلى
باب الجنَّة)). الحديثُ(٢)، وهذه النوقُ من الجنَّة كما صرَّح به في حديث أخرجَه
عبد الله بن الإمام أحمد وغيره موقوفاً على عليّ كرَّم الله تعالى وجهه(٣). وروي عن
عمرو بن قيس أنَّهم يركبونَ على تماثيل من أعمالهم الصالحة، هي في غاية الحسن.
ويُروى أنَّه يَركبُ كلٌّ منهم ما أحبَّ من إبلٍ أو خيلٍ أو سفنٍ تجيءُ عائمةً بهم.
وأصل الوفد جمع وَافد، كالوفود والأوفَاد، والوفدُ من وفد إليه وعليه، يفدُ
وَقْداً ووُفوداً ووفادةً وإفادة. قَدِمَ، ووَرَدَ.
وفي ((النهاية)): الوفدُ: هم القومُ يجتمعون ويَرِدُون البلاد، واحدُهم: وافدٌ،
وكذلك الذين يقصدونَ الأمراء لزيارةٍ واسترفادٍ وانتجاعِ وغير ذلك(٤).
(١) أوردهما النيسابوري في غرائب القرآن ٨٢/١٦، والخفاجي في حاشيته ١٨٣/٦. وذكر ابن
عبد البر في بهجة المجالس ٢/ ٧٠ البيت الأول منهما، ونسبه للحسن البصري.
(٢) الدر المنثور ٢٨٥/٤. وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣٩٥/٤ - ٣٩٧ وقال:
ورواه ابن أبي الدنيا أيضاً والبيهقي وغيرهما عن عاصم بن ضمرة عن عليٍّ موقوفاً بنحوه،
وهو أصح وأشهر. اهـ. وكذا رجح الحافظ ابن كثير في تفسيره ٢٦٤/٥ الموقوف، وقال
في ١٢٥/٧ : هذا حديث غريب وكأنه مرسل.
(٣) مسند الإمام أحمد (١٣٣٣). قال محققوه: إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن
إسحاق، وهو أبو شيبة الواسطي، وجهالة النعمان بن سعد.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (وفد).
١٨٠
الآية : ٨٦
وقال الراغب: الوفدُ والوفود هم الذين يَقدَمون على الملوك مستنجزِينَ
الحوائج، ومنه الوفد من الإبل، وهو السابق لعيرِها(١)، وهذا المعنى الذي ذكره
هو المشهور، ومن هنا قيل: إنَّ لفظة الوفد مشعرةٌ بالإكرام والتبجيل، حيثُ آذنت
بتشبيه حالة المتقين بحالة وفودِ الملوك، وليس المراد حقيقةَ الوفادة من سائر
الحيثيات؛ لأنَّها تتضمَّن الانصرافَ من الموفود عليه، والمثَّقون مقيمونَ أبداً في
ثواب ربِّهم عزَّ وجلَّ.
والكلام على تقدير مضاف، أي: إلى كرامة الرحمن أو ثوابه، وهو الجنَّة، أو
إلی دار کرامته، أو نحو ذلك.
وقيل: الحشر إلى الرحمن كنايةٌ عن ذلك، فلا تقدير. وكان الظاهر الضمير،
بأن يقال: يومَ نحشرُ المتَّقين إلينا، إلّا أنَّه اختير ((الرحمن)) إيذاناً بأنهم يجمعون من
أماكنَ متفرقة وأقطارٍ شاسعة إلى من يرحمهم.
قال القاضي: ولاختيار ((الرحمن)) في هذه السورة شأن، ولعلَّه أنَّ مساقَ
الكلام فيها لتعداد النعم الجسام، وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها، فكأنَّه
قيل: هنا يومَ نحشر المتقين إلى ربِّهم الذي غمرهم من قبلُ برحمتِهِ، وشملَهم
برأفته، وحاصله: يوم نحشرهم إلى من عَوَّدهم الرحمة، وفي ذلك من عظيم
البشارة ما فيه(٢).
وقد قابل سبحانه ذلك بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِينَ﴾ كما تساق البهائم
﴿﴿إِلَى جَهَتَّمَ وِرْدًا ﴾﴾ أي: عطاشاً، كما روي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن
وقتادة ومجاهد. وأصله مصدر وَرَدَ، أي: سار إلى الماء، قال الراجز:
رِدي رِدي وِردَ قطاةٍ صمَّا
كُذْرِيَّةٍ أعجبها بردُ الما(٣)
(١) المفردات (وفد)، وفيه: ومنه: الوافد من الإبل، وهو السابق لغيره. ومثله في القاموس
واللسان (وفد).
(٢) تفسير البيضاوي ٤/ ١٥ .
(٣) الرجز دون نسبة في كتاب الحيوان للجاحظ ٣٨٦/٤، وديوان المعاني الكبير لابن قتيبة
٣١٤/١، والوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني ص٤٠٢.