النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٥٩ ١٢١ عَلأمريكا ونقل الجلال السيوطيُ(١) عن الرازيّ(٢) أنَّه استدلَّ بالآية على وجوب سجود التلاوة، وهو - كما قال الكيا - بعيد(٣). وذكروا أنَّه ينبغي أن يدعوَ الساجد في سجدته بما يليقُ بآيتها، فها هنا يقول: اللهمَّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهتدين الساجدين لك، الباكينَ عند تلاوة آياتك. وفي آية ((الإسراء)): اللهمَّ اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك، وفي آية تنزيل ((السجدة)): اللهمَّ اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبّحين بحمدك ورحمتك، وأعوذُ بك من أنْ أكون من المستكبرين عن أمرك. وقرأ عبد الله وأبو جعفر، وشيبة وشبل بن عباد وأبو حيوة، وعبدُ الله بن أحمد العجليّ عن حمزة وقتيبة في رواية، وورش في رواية النَّاس، وابنُ ذكوان في رواية التغلبيّ: (يُتلى)) بالياء التحتية(٤)؛ لأنَّ التأنيثَ غيرُ حقيقيّ، ولوجود الفاصل. ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِمْ خَلْفُ﴾ أي: جاء بعدهم عقبُ سوءٍ، فإنَّ المشهورَ في الخلف ساكنَ اللام ذلك، والمشهور في مفتوح اللام ضدُّه، وقال أبو حاتم: الخلف بالسكون: الأولاد؛ الجمع والواحد فيه سواء، وبالفتح: البدل، ولداً كان أو غيره. وقال النضر بن شميل: الخلف بالتحريك والإسكان: القرنُ السوء، أمّا الصالح، فالتحريك لا غير. وقال ابن جرير: أكثرُ ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذمِّ بتسكينها، وقد يعكس(٥)، وعلى استعمال المفتوح في الذمِّ جاءَ قول لبيد: ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهم وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربٍ(٦) (١) الإكليل في استنباط التنزيل ص١٧٤. (٢) هو أبو بكر الجصاص الرازي، وانظر أحكام القرآن له ٢١٨/٣، وتفسير القرطبي ٤٧١/١٣. (٣) أحكام القرآن للكيا ٢٧١/٤. (٤) البحر المحيط ٦/ ٢٠٠. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٥، والقرطبي في تفسيره ٤٧٠/١٣ عن شبل بن عباد المكي فقط. وهي عنهم قراءة شاذة، كما صرح بذلك السمين في الدر المصون ٦٠٨/٧ . (٥) تفسير الطبري ٥٣٤/١٠. (٦) سلف ٩/ ٤٤٠. سُوالا مرئى ١٢٢ الآية : ٥٩ ﴿أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ﴾ وقرأ عبد الله والحسن وأبو رزين العقيليّ والضخَّاك وابن مقسم: ((الصلوات)) بالجمع(١)، وهو ظاهر. ولعلَّ الإفراد للاتفاق في النوع. وإضاعتُها - على ما روي عن ابن مسعود والنخعيّ والقاسم بن مخيمرة ومجاهد وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز - تأخيرُها عن وقتها. ورَوى ذلك الإماميَّةُ عن أبي عبد الله ﴾﴾. واختار الزَّجَّاج أنَّ إضاعتها الإخلال بشروطها من الوقت وغيره(٢). وقيل: إقامتها في غير جماعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظيّ أنَّ إضاعتَها تركها(٣). وقيل: عدمُ اعتقاد وجوبها. وعلى هذا الآيةُ في الكفار، وعلى ما قبله لا قطعٍ، واستظهر أنَّها عليه في قوم مسلمين؛ بناءً على أنَّ الكفّار غير مكلَّفين بالفروع، إلَّا أنْ يقال: المرادُ أنَّ من شأنهم ذلك. فتدبر، وعلى ما قبلهما في قومٍ مسلمين قولاً واحداً. والمشهور عن ابن عباس ومقاتل أنَّها في اليهود، وعن الشُّدِّيّ أنَّها فيهم وفي النصارى، واختيرَ كونُها في الكفرة مطلقاً؛ لما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً، وعليه بُنيَ حسنُ موقع حكاية قول جبريل عليه السلام الآتي. وكونها في قومٍ مسلمين من هذه الأمَّة مرويٌّ عن مجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم، قالوا: إنَّهم يأتون عند ذهاب الصالحين، يتبادرون بالزنى، ينزو بعضهم على بعضٍ في الأزقّة كالأنعام، لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله تعالى. ﴿وَتَّبَعُواْ الشَّهَوَنِّ﴾ وانهمكوا في المعاصي المختلفة الأنواع. وفي ((البحر))(٤): ((الشهوات)) عامٌّ في كلِّ مشتهَى يشغلُ عن الصلاة وعن ذكر الله تعالى. (١) البحر المحيط ٢٠١/٦. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٥ عن عبد الله بن مسعود والحسن والضحاك فقط. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٣٥/٣. (٣) الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ . (٤) ٢٠١/٦. الآية : ٥٩ ١٢٣ سؤال قرآنًا وعدَّ بعضُهم من ذلك نكاح الأخت من الأب، وهو على القول بأنَّ الآية فيما يعمُّ اليهود؛ لأنَّ من مذهبهم - فيما قيل - ذلك، وليس بحقّ. والذي صحَّ عنهم أنَّهم يجوِّزون نكاح بنت الأخ وبنت الأخت ونحوهما. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: من بنى المشيد، وركبَ المنظور، ولبس المشهور. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوَّنَ غَيًّا ( • أخرج ابنُ جرير والطبرانيُّ وغيرهما من حديث ٥٩ أبي أمامة مرفوعاً: ((أنَّه نهرٌ في أسفل جهنم، يسيلُ فيه صديدُ أهل النار)). وفيه: («لو أنَّ صخرةً زِنَةَ عشر عشراوات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً، ثمَّ تنتهي إلى غيٍّ وأثام)»(١). ويعلم منه سِرُّ التعبير بـ ((سوف يلقون)). وأخرج جماعة من طرق عن ابن مسعود أنَّه قال: الغيُّ نهرٌ أو وادٍ في جهنّم من قيح، بعيدُ القعر، خبيث الطعم، يقذف فيه الذين يتَبعون الشهوات(٢). وحكى الكرمانيُّ أنَّه آبارٌ في جهنّم يسيلُ إليها الصديدُ والقيح. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنَّ الغيَّ السوء(٣)، ومن ذلك قولُ مرقش الأصغر: فمَنْ يَلْقَ خيراً يَحْمَد الناسُ أمرَه ومن يغوِ لا يعدم على الغيِّ لائما (٤) وعن ابن زيد أنَّه الضلالُ، وهو المعنى المشهور، وعليه قيل: المراد جزاءٌ غيٍّ. ورُويَ ذلك عن الضَّحَّاك، واختارَه الزجَّاج(٥). وقيل: المراد غيًّا عن طريق الجنة. (١) تفسير الطبري ١٥/ ٥٧١ - ٥٧٢، والمعجم الكبير للطبراني (٧٧٣١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٨٩/١٠: وفيه ضعفاء قد وثقهم ابن حبان وقال: يخطئون. ووقع في المصادر: بئران. بدل: نهر، وعند الطبري: خمسين. بدل: سبعين. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٧٢/١٥-٥٧٣، والطبراني في المعجم الكبير (٩١٠٦-٩١١٣)، والحاكم في مستدركه ٣٧٤/٢-٣٧٥، والبيهقي في البعث والنشور (٥١٨) و(٥١٩). (٣) الدر المنثور ٢٧٨/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤١٣/٧ (١٣١٦٣). (٤) سلف ٣/ ٤٠٤. (٥) في معاني القرآن له ٣٣٥/٣ - ٣٣٦. الآية : ٦٠ ١٢٤ وقُرئ - فيما حكى الأخفش -: ((يُلَّقَّون)) بضمِّ الياء وفتح اللام وشدِّ القاف (١). ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ استثناءٌ منقطعٌ عند الزَّجَّاجِ(٢). وقال في ((البحر))(٣): ظاهره الاتصال، وأيّد بذكر الإيمان كون الآية في الكفر، أو عامَّةً لهم ولغيرهم؛ لأنَّ (من آمن)) لا يقال إلَّا لمن كان كافراً، إلَّا بحسب التغليظ. وحَمْلُ الإيمان على الكامل خلافُ الظاهر، وكذا كَوْنُ المراد: إلَّا من جمع التوبة والإيمان. وقيل: المراد من الإيمان الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة، وذكر العمل الصالح في مقابلة اتِباع الشهوات. ﴿فَأُؤْلَكَ﴾ المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ﴿يَدْخُلُونَ الْجُنَّةَ﴾ بموجب الوعد المحتوم. ولا يخفى ما في ترك التسويف مع ذكر ((أولئك)) من اللطف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب: (يُدْخَلون)) (٤) بالبناء للمفعول من أدخل. وقرأ ابن غزوان عن طلحة: ((سيدخلون))(٥) بسين الاستقبال مبنيًّا للفاعل. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾﴾ أي: لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً، أو لا ينقصون شيئاً من النقص، وفيه تنبيهٌ على أنَّ فعلهم السابق لا يضرُّهم، ولا ينقص أجورهم. واستدلَّ المعتزلةُ بالآية على أنَّ العملَ شرط دخول الجنة. وأجيب بأنَّ المراد: يدخلون الجنة بلا تسويفٍ، بقرينة المقابلة، وذلك بتنزيل الزمان السابق على الدخول لحفظهم فيه عمَّا ينالُ غيرَهم منزلةَ العدم، فيكون العملُ شرطاً لهذا الدخول لا للدخول مطلقاً . (١) القراءات الشاذة ص ٨٥، والبحر ٢٠١/٦. (٢) في معاني القرآن له ٣٣٦/٣. (٣) ٢٠١/٦. (٤) التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥٢/٢. وقراءة يعقوب من رواية روح عنه. وقرأ بها أيضاً من العشرة أبو جعفر. (٥) البحر المحيط ٢٠١/٦. الآية : ٦١ ١٢٥ سُؤَدلأ مرين وأيضاً يجوزُ أنْ يكون شرطاً لدخول جنَّة عدن، لا مطلق الجنة. وقيل: هو شرطٌ لعدم نقص شيءٍ من ثواب الأعمال. وهو كما ترى، وقيل غير ذلك. واعترَض بعضُهم على القول بالشرطية بأنَّه يلزمُ أن لا يكون من تاب وآمن ولم يتمكَّن من العمل الصالح ممَّن يدخل الجنة. وأجيبَ بأنّ ذلك من الصور النادرة، والأحكامُ إنَّما تناطُ بالأعمِّ الأغلب. فتأمَّل. ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ((الجنة)) بدل البعض؛ لاشتمالها عليها اشتمالَ الكلِّ على الجزء؛ بناءً على ما قيل: إنَّ ((جنات عدن)) عَلَمٌ لإحدى الجنات الثمان، كعَلَميَّةٍ: بنات أَوْبَرِ(١). وقيل: إنَّ العلَم هو جنة عدن، إلَّا أنه أقيم (٢) الثاني بعد حذف الأول مقامَ المجموع، كما في شهر رمضان ورمضان، فكان الأصل: جنَّات جنة عدن(٣). والذي حسَّن هذه الإقامةَ أنَّ المعتبرَ علميَّته في المنقول الإضافيّ هو الجزء الثاني، حتى كأنَّه نُقِل وحده، كما قُرِّر في موضعه من كتب النحو المفصلة. وفي ((الكشف)): إذا كانت التسميةُ بالمضاف والمضاف إليه جعلوا المضاف إليه في نَحوه مقدَّر العلميَّة؛ لأنَّ المعهودَ في كلامهم في هذا الباب الإضافةُ إلى الأعلام والكنى، فإذا أضافوا إلى غيرها أجروه مجراها، كأبي تراب، ألا ترى أنَّهم لا يجوِّزون إدخالَ اللام في ابن دَأْيَةَ وأبي تراب، ويوجبونَه في نحو: امرئ القيس وماء السماء، كلُّ ذلك نظراً إلى أنَّه لا يُغَيّر من حاله، كالعلم. إلى آخر ما فيه. ويدلُّ على ذلك أيضاً منعُه من الصرف في: بناتٍ أَوْبَرَ، وأبي ◌ِتْرَةً، وابنٍ دَأْيَةً(٤)، إلى غير ذلك، فـ ((جنات عدن)) على القولين معرفة، أمَّا على الأوَّل فللعلميَّة، وأمَّا على (١) بنات أوبر: ضربٌ من الكمأة صغارٌ مُزَغَّبةٌ بلون التراب. ولقيت منه بنات أوبر، أي: الداهية. القاموس (وبر). (٢) بعدها في (م): الجزء. (٣) قوله: فكان الأصل جنات جنة عدن. ليس في الأصل. (٤) أبو قِتْرَةَ: إبليس لعنه الله تعالى، وهي كنيته. وابن دَأْيَة: الغراب. القاموس (قتر) و(دأى). ١٢٦ الآية : ٦١ الثاني فللإضافة المذكورة، وإن لم يكن ((عدن)) في الأصل عَلَماً ولا معرفة، بل هو مصدر عَدَن بالمكان يعدِن ويعدُن: أقام به. واعتبار كون ((عدن) قبل التركيب عَلَماً لإحدى الجنات يَستدعي أنْ تكون الإضافة في ((جَنَّةِ عدن)) من إضافة الأعمِّ مطلقاً إلى الأخصِّ؛ بناءً على أنَّ المتبادرَ من الجنَّة المكان المعروف، لا الأشجار ونحوها، وهي لا تحسُن مطلقاً، بل منها حسنٌ كشجر الأراك ومدينة بغداد، ومنها قبيحٌ كإنسان زيد، ولا فارق بينهما إلَّا الذوق، وهو غير مضبوط. وجوِّز أنْ يكون ((عدن)) عَلَماً للعَدن بمعنى الإقامة (١)، كسَحَر علمٌ للسَّحَر، وأمس للأمس. وتعريف ((جنات)) عليه ظاهرٌ أيضاً، وإنَّما قالوا ما قالوا تصحيحاً للبدليَّة؛ لأنَّه لو لم يعتبر التعريف لزم إبدالُ النكرة من المعرفة، وهو على رأي القائل لا يجوز إلَّا إذا كانت النكرةُ موصوفةً، وللوصفيَّة بقوله تعالى: ﴿أَلَّتِ وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾. وجَوَّز أبو حيان(٢) اعتبارَ ((جنات عدن)) نكرةً على معنى جنات إقامةٍ واستقرار، وقال: إنَّ دعوى أنَّ ((عدناً)) علمٌ لمعنى العدن تحتاج إلى توقيفٍ وسماعٍ من العرب، مع ما في ذلك مما يوهم اقتضاء البناء، وكذا دعوى العلميَّة الشخصيّةَ فيه، وعدم جواز إبدال النكرة من المعرفة إلَّا موصوفة شيءٌ قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع. ومذهبُ البصريين جوازُ الإبدال، وإن لم تكن النكرةُ موصوفةً(٣) . وقال أبو علي: يجوز ذلك إذا كان في إبدال النكرة فائدة لا تستفاد من المبدَل منه، مع أنَّه لا تتعيّن البدلية؛ لجواز النَّصب على المدح، وكذا لا يتعيّن كون الموصول صفة لجواز الإبدال. انتهى بأدنى زيادة. وتعقب إبدال الموصول بأنه في حكم المشتقِّ، وقد نَصّوا على أنَّ إبدال المشتَقّ (١) قوله: علماً للعدن بمعنى الإقامة. ليس في الأصل. (٢) البحر ٢٠٢/٦. (٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: وقال الرضي: الوصف شرط إذا كان البدل بدل كل. اهـ منه. الآية : ٦١ ١٢٧ ضعيف، ولعلَّ أبا حيان لا يُسلِّم ذلك، ثم إنَّه جَوَّز كون ((جنات عدن)) بدل كلّ، وكذا جوَّز كونه عطف بيان، وجملة: ((لا يظلمون)) على وجهي البدلية والعطف اعتراض أو حال. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر والأعمش وأحمد بن موسى عن أبي عمرو: ((جناتُ عدٍ)) بالرفع، وخرَّجه أبو حيان على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: تلك جنات، وغيره على أنَّها مبتدأ، والخبر الموصول. وقرأ الحسن بن حيّ وعلي بن صالح: ((جنةَ عدن)) بالنصب والإفراد، ورويت عن الأعمش، وهي كذلك في مصحف عبد الله. وقرأ اليمانيُّ والحسن في رواية وإسحاق الأزرق عن حمزة: ((جنةُ عدن)» بالرفع والإفراد (١)، والعائد إلى الموصول محذوف، أي: وعدَها الرحمن، والتعرُّضُ لعنوان الرحمة؛ للإيذان بأنَّ وعدها وإنجازه؛ لكمال سعة رحمته سبحانه وتعالى. والباء في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿بِالْغَيَبٍ﴾ للملابسة، وهي متعلِّقةٌ بمضمرٍ هو حال من العائد، أو ((من عباده)) أي: وعدها إيَّاهم ملتبسةً أو ملتبسين بالغيب، أي: غائبةً عنهم غير حاضرة، أو غائبين عنها لا يرونها. أو للسببيَّة، وهي متعلِّقة بـ ((وعد)) أي: وعدها إيَّاهم بسبب تصديق الغيب والإيمان به. وقيل: هي صلة ((عباده)) على معنى: الذين يعبدونه سبحانه بالغيب، أي: بالسِّرِّ (٢). وهو كما ترى. ﴿إِنَُّ﴾ أي: الرحمن. وجُوِّز كونُ الضمير للشأن ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ أي: موعوده سبحانه، وهو الجنات، كما روي عن ابن جريج. أو موعوده كائناً ما كان، فيدخلُ فيه ما ذُكر دخولاً أوليًّا، كما قيل. وجوِّزَ إبقاءُ الوعد على مصدريَّته، وإطلاقه على ما ذكر للمبالغة، والتعبير بـ ((كان)) للإيذان بتحقُّق الوقوع، أي: كان ذلك ﴿مَأْيًّا ﴾﴾ أي: يأتيه من وُعد له لا محالة. وقيل: ((مأتيًّا)) مفعول بمعنى فاعل، أي: آتياً . وقيل: هو مفعولٌ من: أتى إليه إحساناً، أي: فعل به ما يعدُّ إحساناً وجميلاً، (١) البحر ٢٠١/٦ - ٢٠٢. وقراءة أبي عمرو وحمزة المتواترة عنهما كقراءة الجمهور. (٢) في (م): في السر. الآية : ٦٢ ١٢٨ والوعد على ظاهره. ومعنى كونه مفعولاً كونه منجَّزاً، لأنَّ فعل الوعد بعد صدوره وإيجاده إنَّما هو تَنجيزُه، أي: إنَّه كان وعدُه عبادَه منَجَّزاً. يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ فضولَ كلام لا طائل تحته، بل هو جارٍ مجرى اللَّغا، وهو صوتُ العصافير ونحوها من الطير. والكلامُ كنايةٌ عن عدم صدور اللغو عن أهلها، وفيه تنبيهٌ على أنَّ اللغو ممَّا ينبغي أن يُجتنب عنه في هذه الدار ما أمكن. وعن مجاهد تفسيرُ اللغو بالكلام المشتملِ على السَّبِّ، والمراد لا يتسابُون. والتعمیم أولى. ﴿إِلَّا سَلَمَا﴾ استثناءٌ منقطع، والسلام إمَّا بمعناه المعروف، أي: لكن يسمعون تسليمَ الملائكة عليهم السلام عليهم، أو تسليمَ بعضهم على بعض، أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص، أي: لكن يسمعون كلاماً سالماً من العيب والنقص. وجُوَّزَ أن يكون مثَّصلاً، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذَّمَّ، كما في قوله: ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفَھم بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ(١) وهو يفيد نفيَ سماع اللغو بالطريق البرهانيّ الأقوى، والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير، ولولا ذلك لم يقع موقعَه من الحسن والمبالغة. وقيل: اتِّصال الاستثناء على أنَّ معنى السلام: الدعاء بالسلامة من الآفات، وحيثُ إنَّ أهل الجنة أغنياء عن ذلك، إذ لا آفةً فيها، كان السلام لغواً بحسب الظاهر، وإن لم يكن كذلك نظراً للمقصود منه، وهو الإكرام وإظهار التحابب، ولذا كان لائقاً بأهل الجنَّة. ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكّرَةً وَعَشِيًّا (٧)﴾ واردٌ على عادة المتنعمين في هذه الدار، أخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال: كانت العرب في زمانها إنَّما لها أكلةٌ واحدةٌ، فمن أصاب أكلتين سُمِّي: فلانٌ الناعم، فأنزل الله تعالى هذا يرغِّب عبادَه فیما عنده. وروي نحو ذلك عن الحسن. (١) سلف ٥/ ٤٠٧. الآية : ٦٣ ١٢٩ مُقَدلا مريكا وقيل: المراد: دوامُ رزقهم ودُروره، وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشيّ، لكن جاء في بعض الآثار أنَّ أهل الجنة يعرفونَ مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفونَ مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب. وأخرج الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَله فقال: يارسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: ((وما هيَّجك على هذا))؟ قال: سمعتُ الله تعالى يذكر في الكتاب: ((ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشيًّا)) فقلت: الليلُ من البكرة والعشيّ. فقال رسول الله وَل: ((ليس هناك ليلٌ، وإنَّما هو ضوء ونور، يَرِدُ الغدوُّ على الرواح، والرواحُ على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلُّون فيها في الدنيا، وتسلّم عليهم الملائكة عليهم السلام»(١). استئنافٌ جيء به لتعظيم شأن ﴿يَلْكَ اَلَّْةُ الَِّى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَّقِيًّاً الجنة وتعيين أهلها، فاسمُ الإشارة مبتدأ، ((والجنة)) خبرٌ له، والموصول صفةٌ لها، والجملةُ بعده صلته، والعائد محذوفٌ، أي: نورثها، وبذلك قرأ الأعمش(٢). وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ورويس وحميد وابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو: ((نورِّث)) بفتح الواو وتشديد الراء (٣)، والمراد: نبقيها على من كان تقيًّا من ثمرة تقواه، ونمتِّعه بها، كما نبقي على الوارث مال مورِّته، ونمتِّعه به، فالإيراث(٤) مستعارٌ للإبقاء، وإيثاره على سائر ما يَدُلُّ على ذلك كالبيع والهبة؛ لأنَّه أتُّ أنواع التمليك، من حيث إنَّه لا يعقب بفسخ ولا استرجاع ولا إبطال. وقيل: يورَّث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: ليس من أحدٍ إلَّا وله في الجنة منزلٌ وأزواج، فإذا كان يوم القيامة وَرَّث اللهُ تعالى المؤمنَ كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار، وذلك قوله تعالى: ((تلك الجنة التي نورث)) الآية (٥). (١) الدر المنثور ٢٧٨/٤. ولم أقف عليه في مطبوع نوادر الأصول. (٢) البحر المحيط ٢٠٢/٦. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢٠٢، وقراءة رويس عن يعقوب - من العشرة - في النشر ٣١٨/٢. (٤) جاء في هامش الأصل ما نصه: وقيل: يحتمل الكلام التمثيل. اهـ منه. (٥) الدر المنثور ٢٧٨/٤. وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤١٣/٧ (١٣١٦٨). سُؤَادَلاَ مُرآنسرا ١٣٠ الآية : ٦٤ ولا يخفى أنَّ هذا إن صحَّ فيه أثرٌ عن رسول الله وَّ فعلى العين والرأس، وإلّا فقد قيل عليه: إنَّه ضعيف؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ بعض الجنَّة موروث، والنظم الجليل يدلُّ على أنها كلَّها كذلك، ولأنَّ الإيراثَ ينبئُ عن ملكِ سابق لا على فرضه، مع أنَّه لا داعي للفرض هنا. لكن تعقِّب بأنَّه يكفي في الإيراث كون الموروث كان موعوداً (١)، لكن بشرط التقوى، بناءً على ما ذهب إليه بعضهم في قوله تعالى: ((جنات عدن التي وعدَ الرحمنُ عبادَه))، حيث قال: المرادُ من العباد ما يعمُّ المؤمن التقيَّ وغيره، ووعدُ غير المؤمن التقيّ مشروط بالإيمان والتقوى. نعم اختارَ الأكثرون أنَّ المراد من العباد هناك المتقون، والمراد منهم هنا الأعمّ. والمراد من التقيِّ من آمن وعمل صالحاً، على ما قيل. ولا دلالةَ في الآية على أنَّ غيره لا يدخل الجنةَ مطلقاً، وأخرج ابنُ أبي حاتم عن داود بن أبي هند: أنَّه الموحّد(٢). فتذكّر ولا تغفل. ﴿وَمَا نَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ﴾ حكاية قول جبرائيل صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه، فقد روي أنَّه احتبس عنه وَّر أياماً حين سُئِل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فلم يدرِ عليه الصلاة والسلام كيف يجيب، حتى حزنَ واشتدّ عليه ذلك، وقال المشركون: إنَّ ربَّه ودَّعه وقلاه، فلمّا نزل قال له عليه الصلاة والسلام: (يا جبريل احتبستَ عنِّي حتى ساءَ ظِنِّي واشتقتُ إليك)) فقال: إِنِّي كنتُ أشوق، ولكني عبدٌ مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست، وأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الضحى. قاله غيرُ واحد(٣). فهو من عطف (١) في (م): موجوداً. (٢) الدر المنثور ٢٧٨/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤١٤/٧ (١٣١٦٩). (٣) أسباب النزول للواحدي ص ٣١٠ من قول عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٧ : ذكره الثعلبي عن عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي فقالوا: احتبس ... فذكره سواء. وكأنه ملفَّقٌ عندهم، فقد ذكره ابن إسحاق في السيرة، قال: حدثني شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشاً جاؤوا فقالوا: يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، فذكر القصة. وفيها: فمكث فيما يذكرون خمسة عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك، وصار لا يأتيه جبريل ... فذكره الآية : ٦٤ ١٣١ سُؤَالآمرين القصة على القصة على ما قاله الخفاجيّ(١). وفي ((الكشف)»: وجهُ وقوع ذلك هذا الموقع أنَّه تعالى لمَّا فرغ من أقاصيص الأنبياء عليهم السلام تثبيتاً له وَّه، وذَّب بما أحدث بعدَهم الخُلُوف، واستثنى الإخلاف، وذكر جزاءَ الفريقين، عقَّبَ بحكاية نزول جبريل عليه السلام، وما رماه المشركون به من توديع ربِّه سبحانه إِيَّاه؛ زيادةً في التسلية، وأنَّ الأمر ليس على ما زعم هؤلاء الخُلُوف، وأدمجَ فيه مناسبته لحديث التقوى بما دلَّ على أنَّهم مأمورون في حركةٍ وسكون، منقادون، مفوَّضون لطفاً له ولأمته وَّه، ولهذا صرَّح بعده بقوله تعالى: ((فاعبده واصطبر لعبادته)). وفيه أنَّك لا ينبغي أنْ تكترثَ بمقالة المخالفين إلى أن تلقى ربَّك سعيداً، وعطف عليه مقالةَ الكفّار بياناً لتباين ما بين المقالتين، وما عليه الملَكُ المعصوم، والإنسان الجاهل الظلوم، فهو استطرادٌ شبيهٌ بالاعتراض حسنُ الموقع. انتھی. ولا يأبى ما تقدَّم في سبب النزول ما أخرجه أحمد والبخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وجماعة في سببه عن ابن عباس ◌ًّا قال: قال رسول الله وَليه لجبريل عليه الصلاة والسلام: ((ما يمنعُك أن تزورَنا أكثر ممَّا تزورنا))؟ فنزلت: (وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمَرِ رَبٌِّ)(٢)؛ لجواز أنْ يكون ◌َ ﴿ قال ذلك في أثناء محاورته السابقة أيضاً، واقتصر في كلِّ روايةٍ على شيءٍ ممَّا وقعَ في المحاورة. وقيل: يجوزُ أنْ يكون النزول متكرِّراً. نعم ما ذكر في التوجيه إنَّما يحسنُ على بعض الروايات السابقة في المراد بالخَلْف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وقال بعضهم: إنَّ التقدير: هذا، وقال جبريل: وما نتنزل إلخ، وبه يظهرُ حسن العطف ووجهه. انتهى. وتُعقّب بأنّه لا محصّل له. وحكى النّقَّاش عن قوم أنَّ الآيةَ متَّصلةٌ بقول جبريل عليه السلام أوَّلاً(٣): ﴿قَالَ = بتغير وزيادة ونقص. ورواه أبو نعيم في ((الدلائل)) من طريقه، ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نحوه. وقال: أبطأ عليه خمسة عشر يوماً لتركه الاستثناء. اهـ. (١) في حاشيته ٦/ ١٧٠ . (٢) مسند أحمد (٢٠٤٣)، وصحيح البخاري (٤٧٣١) و(٧٤٥٥)، وسنن الترمذي (٣١٥٨)، وسنن النسائي الكبرى (١١٢٥٧). (٣) بعدها في الأصل: بقوله. سُودا قرنًا ١٣٢ الآية : ٦٤ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]. وهو قولٌ نازلٌ عن درجة القَبول جدًّا. والتنزُّل: النزول على مَهْل؛ لأنَّه مطاوع نَزَّل، يقال: نَزَّلته فتنزَّل، وقد يطلقُ بمعنى النزول مطلقاً، كما يطلق نَزَل بمعنى أنزل، وعلى ذلك قوله: فَلَسْتَ لإِنسيِّ ولكن لِمَلْأَكِ تَنَزَّل من جوِّ السماء يصوبُ(١) إذ لا أثرَ للتَّدرُّج في مقصود الشاعر، والمعنى: ما نتنزَّل وقتاً غِبَّ وقتٍ إلَّا بأمر الله تعالى، على ما تقتضيه حكمته سبحانه. وقرأ الأعرج: ((وما يتنزَّل)) بالياء(٢)، والضميرُ للوحي بقرينة الحال وسبب النزول، والكلامُ لجبريل عليه السلام. وقيل: إنَّ الضمير له عليه السلام، والكلام له عزَّ وجلَّ، أخبر سبحانه أنَّه لا يتنزَّلُ جبريلُ إلَّا بأمره تعالى قائلاً: ﴿لَهُ، مَا بَيْنَ أَيَدِينَا﴾ ما قُدَّامنا من الزمان المستقبل ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ من الزمان الماضي ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المذكور من الزمان الحالِّ، فلا تنزل في زمانٍ دونَ زمان إلَّا بأمره سبحانه ومشيئته عزَّ وجلَّ. وقال ابن جريج: ما بين الأيدي هو ما مرَّ من الزمان قبل الإيجاد، وما خلف هو ما بعدَ موتهم إلى استمرار الآخرة، وما بين ذلك هو مدَّةُ الحياة. وقال أبو العالية: ما بين الأيدي الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى، وما خلفَ ذلك الآخرة من وقت البعث، وما بين ذلك ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. وفي كتاب ((التحرير والتحبير)): ما بين الأيدي الآخرة، وما خلف الدنيا. ورواه العوفيُّ عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير وقتادة ومقاتل وسفيان. وقال الأخفش(٣): ما بينَ الأيدي هو ما قبل الخَلْق، وما خلف هو ما بعدَ الفناء، وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة، فالماءات على هذه الأقوال من (١) سلف ٣١٢/١٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٥، والبحر المحيط ٢٠٤/٦. (٣) معاني القرآن له ٦٢٦/٢. الآية : ٦٤ ١٣٣ الزمان. وقال صاحب ((الغنيان)): ما بين أيدينا السماءُ، وما خلفنا الأرض، وما بين ذلك ما بين الأرض والسماء. وقيل: ما بين الأيدي الأرض، وما خلف السماء. وقيل: ما بين الأيدي المكان الذي ينتقلون إليه، وما خلف المكانُ الذي ينتقلون منه، وما بين ذلك المكان الذين هم فيه، فالماءات من الأمكنة. واختارَ بعضُهم تفسيرها بما يعمُّ الزمان والمكان، والمراد أنَّه تعالى المالكُ لكلِّ ذلك، فلا ننتقل من مكانٍ إلى مكان، ولا ننزلُ في زمان دون زمان إلَّا بإذنه عزَّ وجلَّ. وقال البغويُّ: المراد: له علمُ ما بينَ أيدينا ... إلخ (١)، أي: فلا نقدِمُ على ما لم يكن موافقَ حكمته سبحانه وتعالى. واختار بعضهم التعميم، أي: له سبحانه ذلك ملكاً وعلماً. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (®﴾ أي: تاركاً أنبياءَه عليهم السلام، ويدخلُ وَّ في ذلك دخولاً أوَّليًّا، أي: ما كان عدمُ النزول إلَّا لعدم الأمر به، ولم يكن عن تركِ الله تعالى لك وتوديعه إِيَّاك، كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة بالغةٍ. وقيل: النسيان على ظاهره، يعني أنه سبحانه بإحاطة علمه وملكه لا يطرأ عليه الغفلة والنسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك، وإنَّما كان تأخيرُ الإيحاء لحكمةٍ علمها جلَّ شأنه. واختير الأوَّل لأنَّ هذا المعنى لا يجوزُ عليه سبحانه، فلا حاجة إلى نفيه عنه عزَّ وجلَّ، مع أنَّ الأولَ هو الأوفقُ لسبب النزول. ورُجِّح الثاني بأنَّه الأوفقُ(٢) بصيغة المبالغة، فإنَّها باعتبار كثرةٍ من فرض التعلُّق به، وهي أتمُّ على الثاني، مع ما في ذلك من إبقاء اللفظ على حقيقته، وكثيراً ما جاء في القرآن نفيُ ما لا يجوز عليه سبحانه وتعالى. وفيه نظر. نعم لا شبهةً في أنَّ المتبادر الثاني، وأمر الأوفقيَّة لسبب النزول سهلٌ. (١) تفسير البغوي ٢٠٢/٣. (٢) في (م): أوفق. ١٣٤ الآية : ٦٥ وفي إعادة اسم الربَّ المعرِب عن التبليغ إلى الكمالِ اللائق، مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، من تشريفه وَّلجر والإشعار بعلَّة الحكم ما لا يخفى. وقال أبو مسلم وابن بحر: أوَّلُ الآية إلى ((وما بين ذلك)) من كلام المتَّقين حين يدخلون الجنة، والتنزُّل فيه من النزول في المكان، والمعنى: وما نَحِلُّ الجنَّة ونتخذُها منازلَ إلَّا بأمر ربِّك تعالى ولطفِه، وهو سبحانه مالكُ الأمورِ كلها؛ لسالفها ومترقَّبها وحاضرها، فما وجدنا وما نجدُه من لطفه وفضله، وقوله سبحانه: (ما كان ربُّك نسيًّا)) تقريرٌ من جهته تعالى لقولهم، أي: وما كان سبحانَه تاركاً الثواب العاملين، أو: ما كان ناسياً لأعمالهم والثوابِ عليها حسبما وعدَ جلَّ وعلا . وفيه أنَّ حملَ التنزّل على ما ذكر خلافُ الظاهر، وأيضاً مقتضاه بأمر ربنا؛ لأنَّ خطابَ النبيِّ وَّر كما في الوجه الأول غيرُ ظاهر، إلّا أنْ يكون حكاه الله تعالى على المعنى؛ لأنَّ ربَّهم وربَّه واحد، ولو حكي على لفظهم لقيل: ربنا. وإنَّما حُكي كذلك؛ ليُجعل تمهيداً لما بعده، وكونُ ذلك خطابَ جماعة المتقين لواحدٍ منهم بعيدٌ، وكذا: ((وما كان ربك نسيًّا)) إذا لم يقل: ربُّهم. وأيضاً لا يوافقُ ذلك سببَ النزول بوجه، وكأنَّ القائل إنَّما اختارَه ليناسبَ الكلامُ ما قبلَه، ويظهر عطفه عليه. وقد تحقَّق أنَّا في غنّى عن ارتكابه لهذا الغرض. وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الشَّمَوَتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بيانٌ لاستحالة النسيان عليه تعالى، فإنَّ من بيده ملكوتُ السماوات والأرض وما بينهما، كيف يُتصوَّرُ أنْ يحومَ حول ساحة عظمته وجلاله الغفلةُ والنسيان، أو تركُ وقلاء من اختاره واصطفاه لتبلیغ رسالته. ودربّ)) خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو ربُّ السماوات. إلخ، أو بدلٌ من ((ربك)» في قوله تعالى: ((وما كان ربُّك نسيًّا)). والفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَأَضْطَبِرْ لِمِدَتٍِ﴾ لترتيب ما بعدَها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى ربَّ السماوات والأرض وما بينهما. وقيل: من كونه تعالى غيرَ تاركٍ له عليه الصلاة والسلام، أو غيرَ ناسٍ لأعمال العاملين. الآية : ٦٥ ١٣٥ والمعنى: فحين عرفتَه تعالى بما ذُكر من الربوبيَّة الكاملة، فاعبده ... إلخ، فإِنَّ إيجابَ معرفته سبحانه كذلك لعبادته ممَّا لا ريب فيه. أو: حين عرفتَ أنَّه عزَّ وجلَّ لا ينساك، أو لا ينسى أعمالَ العاملين، فأقبل على عبادتِه، واصطبر على مشاقٌّها ولا تحزن بإبطاء الوحي، وكلام الكفرة؛ فإنَّه سبحانه يراقبُك ويراعيك، ويلطفُ بك في الدنيا والآخرة. وَجوَّزَ أبو البقاء (١) أن يكون (ربُّ السماوات)) مبتدأ، والخبرُ («فاعبده))، والفاء زائدة على رأي الأخفش. وهو كما ترى. وجَوَّز الزمخشريُّ أن يكون قوله تعالى: ((وما كان ربك نسيًّا)) من تتمَّة كلام المتقين، على تقدير أن يكون ((رب)) خبرَ مبتدأ محذوف(٢). ولم يجوِّز ذلك على تقدير الإبدال؛ لأنَّه لا يظهرُ حينئذٍ ترتّب قوله سبحانه: ((فاعبده)) إلخ عليه؛ لأنَّه من كلام الله تعالى لنبيه * في الدنيا بلا شكّ. وجعلُه جواب شرطٍ محذوف، على تقدير: ولمّا عرفت أحوالَ أهل الجنة وأقوالهم فأقبل على العمل = لا يلائمُ - كما في (الكشف)) - فصاحةَ التنزيل؛ للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي. وتعديةُ الاصطبار باللام مع أنَّ المعروف تعديته بـ ((على))، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَصْطَّبِرْ عَلَيْهًا﴾ [طه: ١٣٢] لتضمُّنه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاقِّ، كقولك للمبارز: اصطبر لقَرْنِكَ، أي: اثبت له فيما يورد عليك من شدَّاته. وفيه إشارةٌ إلى ما يكابد من المجاهدة، وأنَّ المستقيم من ثَبت لذلك، ولم يتزلزل وَشْمَةً(٣)، من معنى: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))(٤). ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُمُ سَمِيًّا (6﴾ أي: مثلاً، كما جاء في رواية جماعةٍ عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة. وأصله الشريك في الاسم، وإطلاقه على ذلك؛ لأنَّ الشركة في الاسم تقتضي المماثلة. وقال ابن عطية: السميُّ على هذا بمعنى المسامي والمضاهي(٥). وأبقاه بعضُهم على الأصل. (١) إملاء ما منَّ به الرحمن ١١٥/٢ . (٢) الكشاف ٥١٦/٢ - ٥١٧. (٣) يقال: ما عصاهُ وشمةً، أي: طرفة عين. انظر اللسان (وشم). (٤) سلف ٢٣٦/٦. (٥) المحرر الوجيز ٤/ ٢٥. سُوالا مرپرا ١٣٦ الآية : ٦٦ واستُظهِر أنْ يُراد ها هنا الشريك في اسم خاصٌّ، قد عبَّر عنه تعالى بذلك، وهو ربُّ السماوات والأرض. وقيل: المراد هو الشريك في الاسم الجليل، فإنَّ المشركين مع غلوّهم في المكابرة لم يسمُّوا الصنم بالجلالة أصلاً . وقيل: المرادُ هو الشريك فيما يختصُّ به تعالى، كالاسم الجليل والرحمن، ونقل ذلك عن ابن عباس ﴾ أيضاً. وقيل: هو الشريكُ في اسم الإله، والمراد بالتسمية التسمية على الحق، وأما التسميةُ على الباطل فهي كلا تسمية. وأخرج الطستيُّ عن ابن عباس أنَّ نافع بن الأزرق سأله عن ذلك فقال: السميُّ الولد، وأنشد له قول الشاعر: والمال مالٌ يغتدي ويروحُ(١) أمَّا السميُّ فأنت منه مكثِّرٌ وروي ذلك أيضاً عن الضَّحَّاك. وأيًّا ما كان، فالمرادُ بإنكار العلم ونفيه إنكارُ المعلوم ونفيُه على أبلغ وجه وآكده. والجملة تقريرٌ لوجوب عبادته عزَّ وجلَّ، وإن اختلفَ الاعتبارُ حسب اختلاف الأقوال. فتدبّر. وقرأ الأخوان وهشام، وعلي بن نصر وهارون كلاهما عن أبي عمرو، والحسن، والأعمش، وعيسى، وابن محيصن: ((هل تَّعْلَمُ)) بإدغام اللام في التاء(٢)، وهو - على ما قال أبو عبيدة - لغةٌ كالإظهار، وأنشدوا لذلك قول مزاحم العقيليّ: فذرذا ولكن هتّعين متيَّماً على ضوء برقٍ آخرَ الليل ناصبٍ(٣) ﴾ أخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿وَيَقُولُ آلْإِنَنُّ أَوِنَا مَا مِتُّ ◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّ ◌َـ (١) الدر المنثور ٢٧٩/٤. (٢) البحر المحيط ٢٠٤/٦. وهي عن الأخوين حمزة والكسائي في السبعة ص ٤١٠، والنشر ٧/٢. (٣) كتاب سيبويه ٤٥٩/٤، وسر صناعة الإعراب ٣٤٨/١، وشرح المفصل ١٤١/١٠ - ١٤٢. الآية : ٦٦ ١٣٧ أنَّها نزلت في العاصي بن وائل(١). وعن عطاء عن ابن عباس أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي جهل. وعن الكلبيّ أنَّها في أبيّ بن خلف، أخذَ عظماً بالياً، فجعل يفُّه بيده ويذريه في الريح، ويقول: زعم فلانٌ أنَّا نبعثُ بعد أن نموتَ ونكونَ مثل هذا، إنَّ هذا شيءٌ لا يكون أبداً. فـ ((أل)) في ((الإنسان)) - على ما قيل - للعهد، والمراد به أحد هؤلاء الأشخاص. وقيل: المراد بـ ((الإنسان)) جماعةٌ معيَّنون، وهم الكفرة المنكرون للبعث. وقال غيرُ واحد: يجوز أن تكون ((أل)) للجنس ويكون هناك مجازٌ في الطرف؛ بأن يطلق جنسُ الإنسان ويراد بعضُ أفراده، كما يطلق الكلُّ على بعض أجزائه، أو يكون هناك مجازٌ في الإسناد بأنْ يسند إلى الكلِّ ما صدرَ عن البعض، كما يقال: بنو فلانٍ قتلوا قتيلاً، والقاتل واحدٌ منهم، ومن ذلك قوله: فسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا به نبا بيدَيْ ورقاءَ عن رأس خالدٍ(٢) واعترض هذا بأنَّه يُشترط لصحَّة ذلك الإسناد رضا الباقين بالفعل، أو مساعدتهم عليه، حتى يعدَّ كأنَّه صدر منهم، ولا شكَّ أنَّ بقيَّة أفراد الإنسان من المؤمنين لم يرضوا بهذا القول. وأجاب بعض مشترطي ذلك للصحة بأنَّ الإنكار مركوزٌ في طبائع الكلِّ قبل النظر في الدليل، فالرضا حاصلٌ بالنظر إلى الطبع والجبلَّة. وقال الخفاجيُّ: الحقُّ عدمُ اشتراط ذلك لصحَّته، وإنما يشترطُ لحسنه نكتةٌ يقتضيها مقامُ الكلام حتى يعدَّ الفعلُ كأنَّه صدرَ عن الجميع، فقد تكون الرِّضا، وقد تكون المظاهرة، وقد تكون عدم الغوث والمدد، ولذا أوجبَ الشرعُ القَسَامة والدِّية، وقد تكون غيرَ ذلك، وكأنَّ النكتة هنا أنَّه وقع بينهم إعلانُ قولٍ لا ينبغي أن يقالَ مثلُه، وإذا قيل لا ينبغي أن يُتْرَك قائلُه بدون منع أو قتل، جعل ذلك بمنزلة الرضا حثًّا لهم على إنكاره قولاً أو فعلاً(٣). انتهى. (١) الدر المنثور ٢٧٩/٤. (٢) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ١/ ١٥٧. (٣) حاشية الخفاجي ٦/ ١٧٢. سُوالأمريسرا ١٣٨ الآية : ٦٦ وقيل: لعلَّ الحقَّ أنَّ الإسنادَ إلى الكلِّ هنا للإشارة إلى قلَّة المؤمنين بالبعث على الوجه الذي أخبر به الصادقُ: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ خَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] فتأمل. وعبَّر بالمضارع؛ إمَّا استحضاراً للصورة الماضية لنوع غرابة، وإمَّا لإفادة الاستمرار التجدُّديّ، فإنَّ هذا الأمرَ (١) لا يزال يتجدَّد حتى يُنْفخَ في الصور. والهمزةُ للإنكار، و((إذا)) ظرف متعلق بفعلٍ محذوف دلَّ عليه ((أُخْرَج))، ولم يجوِّزوا تعلُّقه بالمذكور؛ لأنَّ ما بعد اللام لا يعملُ فيما قبله. وعدَّ ابنُ عطيّة توسط ((سوف)) مانعاً من العمل أيضاً، ورُدَّ عليه بقوله: فلمَّا رأته أمُّنا هانَ وَجْدُها وقالت أبونا هكذا سوف يَفْعَلُ (٢) وغير ذلك ممَّا سمع. ونقل عن الرضيّ أنه جعل ((إذا)) هنا شَرطيّة، وجعلَ عاملَها الجزاء، وقال: إنَّ كلمةَ الشرط تدلُّ على لزوم الجزاء للشرط، ولتحصيل هذا الغرض عمل في ((إذا)) جزاؤه، مع كونه بعد حرفٍ لا يعمل ما بعده فيما قبله، كالفاء في ﴿فَسَيِّحْ﴾ [النصر: ٣]، و((إنَّ) في قولك: إذا جئتني فإنِّي مكرم، ولام الابتداء في قوله تعالى: ((أئذا ما متُّ لسوف أُخرَجُ حيًّا)). ومختارُ الأكثرين أنَّ ((إذا)) هنا ظرفيَّة، وما ذكره الرضيُّ ليس بمثَّفقٍ عليه، وتحقيقُ ذلك في كتب العربية. وفي الكلام معطوفٌ محذوف؛ لقيام القرينة عليه، أي: أئذا ما متُّ وصرتُ رميماً لسوف .. إلخ. واللامُ هنا لمجرد التوكيد، ولذا ساغَ اقترانها بحرف الاستقبال، وهذا على القول بأنَّها إذا دخلت المضارع خلَّصته للحال، وأمَّا على القول بأنَّها لا تخلِّصه، فلا حاجةً إلى دعوى تجريدها للتوكيد، لكن الأول هو المشهور. و((ما)) في ((إذا ما)) للتوكيد أيضاً. والمراد من الإخراج الإخراجُ من الأرض، أو من حال الفناء، والخروج على الأول حقيقة، وعلى الثاني مجازٌ عن الانتقال من حالٍ إلى أخرى. (١) في (م): القول. (٢) هو للنمر بن تولب كما في ديوانه ص٣٧١ (شعراء إسلاميون). الآية : ٦٧ ١٣٩ سؤالافرنسا وإيلاءُ الظرف همزةَ الإنكار دون الإخراج؛ لأنَّ ذلك الإخراج ليس بمنكرٍ مطلقاً، وإنَّما المنكر كونُه وقت اجتماع الأمرين، فقُدِّم الظرف؛ لأنَّه محلُّ الإنكار، والأصل في المنكر أن يلي الهمزة. ويجوزُ أن يكون المراد إنكار وقت ذلك بعينه، أي: إنكار مجيء وقتٍ فيه حياةٌ بعد الموت، يعني أنَّ هذا الوقتَ لا يكونُ موجوداً، وهو أبلغُ من إنكار الحياة بعد الموت؛ لما أنَّه يفيدُ إنكاره بطريقٍ برهانيّ. وبعضهم لم يقدِّر معطوفاً، واعتبر زمانَ الموت ممتدًّا، لا أول زهوق الروح كما هو المتبادر. وقيل: لا حاجةً إلى جميع ذلك؛ لأنَّهم إذا أحالوه في حالة الموت عُلِم إحالتُه إذا كانوا رفاتاً بالطريق الأولى. وأيًّا ما كان فلا إشكال في الآية. وقرأ جماعةٌ منهم ابن ذكوان بخلافٍ عنه: ((إذا)) بدون همزة الاستفهام(١)، وهي مقدَّرة معه؛ لدلالة المعنى على ذلك. وقيل: لا تقدير، والمراد الإخبار على سبيل الهزء والسخرية بمن يقول ذلك. وقرأ طلحة بن مصرف: (سَأُخْرج)) بسين الاستقبال وبغير لام(٢)، وعلى ذلك تكون ((إذا)) متعلِّقةً بالفعل المذكور على الصحيح. وفي رواية أخرى عنه: (لَسَأُخْرج)) بالسين واللام(٣). وقرأ الحسن وأبو حيوة: ((أَخْرُجُ)) مبنيًّا للفاعل (٤). ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَهُ﴾ من الذكر الذي يُراد به التفكّر. والإظهارُ في موضع الإضمار لزيادة التقرير، والإشعار بأنَّ الإنسانية من دواعي التفكّر فيما جرى عليه من شؤون التكوين المانعةِ عن القول المذكور، وهو السرُّ في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان على ما قيل. (١) التيسير ص١٤٩، والنشر ٣٧٢/١. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٥، والبحر المحيط ٢٠٦/٦. (٣) الكشاف ٢/ ٥١٧، والبحر المحيط ٢٠٦/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٨٥، والبحر المحيط ٦/ ٢٠٧. سُؤَالا فرنسا ١٤٠ الآية : ٦٨ والهمزة للإنكار التوبيخيّ، وهي على أحد المذهبين المشهورين في مثل هذا التركيب داخلةٌ على محذوفٍ معطوفٍ عليه ما بعد، والتقدير ها هنا: أيقول ذلك ولا يذكرُ ﴿أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل الحالة التي هو فيها، وهي حالة بقائه. وقيل: أي: من قبل بعثه ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٣)﴾ أي: والحالُ أنَّه لم يكن حينئذٍ موجوداً، فحيث خلقناه وهو في تلك الحالة المنافية للخلق بالكليّة، مع كونه أبعد من الوقوع، فَلَأَنْ نبعثَه بإعادة ما عُدِم منه وقد كان متَّصفاً بالوجود في وقت، على ما اختاره بعض أهل السنة، أو بجمع الموادِّ المتفرِّقة وإيجاد مثلٍ ما كان فيها من الأعراض، على ما اختاره بعضٌ آخرُ منهم أيضاً = أولى وأظهر، فما له لا يذكرُه فیقع فیما يقع فيه من النكير؟! وقيل: إنَّ العطف على ((يقول)) المذكور سابقاً، والهمزة لإنكار الجمع؛ لدخولها على الواو المفيدة له، ولا يخلُّ ذلك بصدارتها؛ لأنها بالنسبة إلى جملتها، فكأنه قيل: أيجمعُ بين القول المذكور وعدم الذكر، ومحصَّله: أيقول ذلك ولا يذكر أنَّا خلقناه .. إلخ. وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة: (يَذَّكَّر)) بفتح الذال والكاف وتشديدهما(١)، وأصله: يتذَكَّر، فأدغم التاء في الذال، وبذلك قرأ أبيّ (٢). ﴿فَوَرَيِّكَ﴾ إقسامه باسمه - عزَّت أسماؤه - مضافاً إلى ضميره وَّهِ؛ لتحقيق الأمر بالإشعار بعلَّته، وتفخيم شأنه عليه الصلاة والسلام، ورفع منزلته. ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: لنجمعنَّ القائلين ما تقدَّم بالسَّوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم أحياء. وفي القَسَم على ذلك دون البعث إثباتٌ له على أبلغ وجه وآكده، كأنَّه أمرٌ واضحٌ غنيٌّ عن التصريح به بعد بيان إمكانه بما تقدَّم من الحجَّة البالغة، وإنَّما المحتاجُ إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال. (١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي. انظر التيسير ص١٤٩. وقرأ بها أيضاً أبو جعفر ويعقوب وخلف - من العشرة - انظر النشر ٣١٨/٢. (٢) القراءات الشاذة ص٨٦، والبحر المحيط ٢٠٧/٦. قال النحاس في إعراب القرآن ٢٣/٣: وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفةٌ لخط المصحف.