النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ٣٢
٨١
سُواآ مُرَيئنًا
﴿وَبَرَّا بِوَلِدَتِ﴾ عطفٌ على ((مباركاً)) على ما قال الحوفيُّ وأبو البقاء(١). وتعقَّبه
أبو حيَّان بأنَّ فيه بعداً؛ للفصل بالجملة ومتعلقها، واختار إضمارَ فعل، أي:
وجعلَني بارًّا بها(٢). قيل: هذا كالصريح في أنَّه عليه السلام لا والدَ له، فهو أظهرُ
الجمل في الإشارة إلى براءتها عليها السلام.
وقُرِئ: ((بِرَّا) بكسْرِ الباءِ (٣). ووجه نصبه نحو ما مرَّ في القراءة المتواترة.
وجعل ذاته عليه السلام برًّا من باب:
فإنما هي إقبالٌ وإدبار (٤)
وجوِّز أنْ يكون النصبُ بفعلٍ في معنى: ((أوصاني))، أي: وألزمني، أو:
وكلَّفني برًّا، فهو من باب:
علفتُها تبناً وماءً باردا(٥)
وأقربُ منه على ما في ((الكشف))؛ لأنَّه مثل: زيداً مررتُ به، في التناسب وإنْ
لم یکن من بابه.
وجُوِّز أن يكون معطوفاً على محلٌّ: ((بالصلاة))، كما قيل في قراءة ((أرجلكم))
بالنصب(٦)، وقيل: إنَّ ((أوصى)) قد يتعدّى للمفعول الثاني بنفسه، كما وقع في
البخاري: أوصيناكَ ديناً واحداً (٧). والظاهرُ أنَّ الفعلَ في مثل ذلك مضمَّنٌ معنى
ما يتعدَّى بنفسه.
(١) إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١١٤ مصوَّرة دار الكتب العلمية.
(٢) البحر المحيط ١٨٨/٦.
(٣) القراءات الشاذة ص٨٤، والمحتسب ٤٢/٢، والبحر المحيط ١٨٨/٦.
(٤) هو عجز بيت للخنساء وصدره:
ترتع ما رتعت حتى إذا اذَّكرت
وسلف ٢٦٨/١.
(٥) سلف ٢٩١/٥.
(٦) في سورة المائدة، الآية: ٦. وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحفص من السبعة. انظر
التيسير ص٩٨. وسلف الكلام عنها في موضعها ٦/ ٧٣.
(٧): ((صحيح البخاري))، كتاب الإيمان، باب قول النبي ◌َ لهو: ((بني الإيمان على خمس)). قبل
الحديث رقم (٨). وهو من قول مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشورى: ١٣].

٨٢
الآية : ٣٣
وحكى الزهراويُّ وأبو البقاء أنه قُرِئ: ((وبِرِ)) بكسر الباء والراء (١)، وهو
معطوفٌ على الصلاة والزكاة قولاً واحداً، والتنكير للتفخيم.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَفِيًّا (﴾﴾ أي: لم يقضِ عليَّ سبحانه بذلك في علمه
الأزليّ، وقد كان عليه السلام في غاية التواضع، يأكلُ الشجر، ويلبسُ الشعر،
ويجلسُ على التراب، ولم يتّخذ مسكنًا، وكان عليه السلام يقول: سلوني فإني ليِّنُ
القلبٍ، صغيرٌ في نفسي.
تقدَّم الكلامُ في وجه
﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّالَّ
تخصيص هذه المواطن بالذكر، فتذكَّر فما في العهد من قدم.
والأظهرُ، بل الصحيح(٢) أنَّ التعريفَ للجنس، جيء به تعريضاً باللعنة على
متهمي مريم وأعدائها عليها السلام من اليهود، فإنَّه إذا قال: جنسُ السلام عليَّ
خاصَّة، فقد عرَّض بأنَّ ضدَّه عليكم، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ آَتَّبَعَ
الْمُدَى﴾ [طه: ٤٧] يعني: أنَّ العذاب على من كذَّب وتولى. وكان المقامُ مقامَ مناكرةٍ
وعناد، فهو مثنَّةٌ لنحو هذا من التعريض.
والقول بأنَّه لتعريف العهد خلافُ الظاهر، بل غيرُ صحيح، لا لأنَّ المعهودَ
سلامُ يحيى عليه الصلاة والسلام، وعينُه لا يكونُ سلاماً لعيسى عليه الصلاة
والسلام؛ لجوازٍ أن يكونَ من قبيل: ﴿هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، بل
لأنَّ هذا الكلامَ منقطعٌ عن ذلك وجوداً وسرداً، فيكون معهوداً غيرَ سابقٍ لفظاً
ومعنَى، على أنَّ المقام يقتضي التعريض، ويفوتُ على ذلك التقدير؛ لأن التقابل
إنَّما ينشأ من اختصاص جميع السلام به عليه السلام. كذا في ((الكشف))، والاكتفاءُ
في العهد به لتصحيحه بذكره في الحكاية لا يخفى حاله.
وسلامُ يحيى عليه السلام، قيل: لكونه من قول الله تعالى، أرجحُ من هذا
(١) البحر المحيط ١٨٨/٦، وإملاء ما منَّ به الرحمن ١١٤/٢.
(٢) قوله: الأظهر، بل الصحيح، وقوله الآتي: خلاف الظاهر، بل غير صحيح. فيه ترجيح
لما في «الكشاف)» ٥٠٨/٢ من تصحيح هذا القول. وردٌّ على البيضاوي في تفسيره ٤/ ٧
حيث عدل عن عبارة ((الكشاف)) بالتصحيح إلى: الأظهر، وانظر حاشية الخفاجي ١٥٦/٦ .

٨٣
الآية : ٣٤
السلام؛ لكونه من قول عيسى عليه السلام. وقيل: هذا أرجح؛ لما فيه من إقامة الله
تعالى إِيَّاه في ذلك مقامَ نفسه، مع إفادة اختصاصٍ جميع السلام به عليه السلام،
فتأمَّل.
وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌ِّ: (يوم وُلِدَتْ)) بتاء التأنيث وإسنادِ الفعل إلى والدته(١).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة على من فُصِّلَت نعوتُه الجليلة، وفيه إشارةٌ إلى علوِّ رتبتِهِ، وبعدٍ
منزلته، وامتيازِه بتلك المناقب الحميدة عن غيره، ونزوله منزلةً المحسوس
المشاهد. وهو مبتدأٌ خبره قوله تعالى: ﴿عِيسَى﴾.
وقوله سبحانه: ﴿أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ صفةُ ((عيسى))، أو خبرٌ بعدَ خبر، أو بدل، أو
عطفُ بيان. والأكثرون على الصفة.
والمراد: ذلك هو عيسى ابن مريم، لا ما يصفُه النصارى، وهو تكذيبٌ لهم
على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهانيّ، حيث جُعِل موصوفاً بأضداد ما يصفونَه،
كالعبودية لخالقه سبحانه، المضادّة لكونه عليه السلام إلهاً وابناً لله عزَّ وجل،
فالحصرُ مستفادٌ من فحوى الكلام. وقيل: هو مستفادٌ من تعريف الطرفين بناء على
ما ذكره الكرمانيّ من أنَّ تعريفهما مطلقاً يفيدُ الحصر.
وهو على ما فيه مخالفٌ لما ذكره أهلُ المعاني من أنَّ ذلك مخصوصٌ بتعريف
المسند باللام أو بإضافته إلى ما هي فيه، كـ: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ﴾ [يونس: ١] على
ما في بعض شروح ((الكشاف)).
وقيل: استفادتُه من التعريف على ما ذكروه أيضاً؛ بناءً على أنَّ عيسى مؤولٌ
بالمعرف باللام، أي: المسمَّى بعيسى، وهو كما ترى، فعليك بالأول.
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ نصب على المدح، والمرادُ بالحقِّ الله تعالى، وبالقول كلمتُه
تعالى، وأُطلقت عليه عليه السلام بمعنى أنَّه خُلِق بقول: ((كن)) من غير أب.
وقيل: نصب على الحال من ((عيسى))، والمراد بالحقِّ والقول ما سمعت.
وقيل: نصب على المصدر، أي: أقول قولَ الحق.
(١) البحر المحيط ١٨٨/٦.

الأمريكى
٨٤
الآية : ٣٤
وقيل: هو مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجملة، منصوبٌ بـ ((أحقّ)) محذوفاً وجوباً.
وقال شيخ الإسلام: هو مصدرٌ مؤكِّد لـ ((قال: إنِّي عبدُ الله)) إلخ. وقوله
سبحانه: ((ذلك عيسى بن مريم)) اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله(١). وفيه بعد.
و((الحقّ)) في الأقوال الثلاثة بمعنى الصدق، والإضافةُ عند جمع بيانيَّة، وعند
أبي حيان(٢) من إضافة الموصوف إلى الصفة.
وقرأ الجمهور: ((قولُ)) بالرفع(٣)، على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو قولُ
الحقِّ الذي لا ريبَ فيه، والضمير المقدَّر للكلام السابق، أو لتمام القصة.
وقيل: صفةٌ لـ ((عيسى)) أو بدلٌ منه، أو خبرٌ بعدَ خبر لـ ((ذلك))، أو هو الخبر
و(عيسى)) بدل أو عطف بيان. والمراد في جميع ذلك كلمةُ الله تعالى.
وقرأ ابن مسعود: ((قالُ الحق))، و((قالُ الله)) برفع ((قال)) فيهما(٤).
وعن الحسن: ((قُولُ الحقِّ)) بضمِّ القاف واللام(٥).
والقولُ والقَال والقُول بمعنَى واحد، كالرَّهْب والرَّهَب والرُّهْب، ونصَّ أبو حيان
على أنَّها مصادر (٦)، وعن ابن السكِّيت: القالُ، وكذا القيل: اسمٌ لا مصدر.
وقرأ طلحة والأعمش في رواية: ((قال الحقُّ)) برفع لام(٧) ((قال)) على أنَّه فعلٌ
ماض، ورفع ((الحق)) على الفاعلية، وجعل ((ذلك عيسى ابن مريم)) على هذا مقولَ
القول، أي: قال الله تعالى: ذلك الموصوفُ بما ذُكر عيسى ابن مريم ﴿الَّذِى فِيهِ
(١) تفسير أبي السعود ٢٦٥/٥.
(٢) البحر المحيط ١٨٩/٦.
(٣) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف من العشرة. وقرأ
بالنصب عاصم وابن عامر ويعقوب. التيسير ص١٤٩، والنشر ٣١٨/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ٨٤، والكشاف ٥٠٩/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص ٨٥، والكشاف ٥٠٩/٢.
(٦) البحر المحيط ١٨٩/٦.
(٧) قوله: برفع لام ((قال)) سبق قلم. فلم أَرَ من قيدها بذلك، بل مقتضى كونها فعلاً ماضياً أن
تكون بالفتح. انظر البحر المحيط ١٨٩/٦، والدر المصون ٥٩٨/٧. وروي عن الأعمش
أيضاً ضم اللام، كقراءة ابن مسعود السابقة قريباً. فلعلَّ الوهم تسرب إليه من ذلك.

٨٥
الآية : ٣٥، ٣٦
يَمْتَرُونَ (٣)﴾ أي: يشكُّون، أو يتنازعون، فيقول اليهود: هو ساحرٌ. وحاشاه.
ويقولُ النصارى: ابنُ الله. سبحانَ الله عمَّا يقولون.
والموصول صفةُ القول، أو الحق، أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو
الذي .. إلخ. وذلك بحسب اختلاف التفسير والقراءة.
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والسلميُّ وداود بن أبي هند ونافع في رواية
والكسائيُّ كذلك: ((تمترون)) بتاء الخطاب(١).
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلٍَّ سُبْحَهْ﴾ أي: ما صحَّ وما استقامَ له جلَّ شأنُه
انِّخاذُ ذلك، وهو تكذيبٌ للنصارى، وتنزيهٌ له عزَّ وجلَّ عما افتروه عليه تبارك
وتعالى، وقوله جلَّ وعلا: ﴿ إِذَا قَضَوَ أَقْرَأَ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ (٢٥)﴾ تبكيتٌ له
ببيان أنَّ شأنَه - تعالى شأنُه - إذا قضى أمراً من الأمور أنْ يوجَد بأسرع وقتٍ، فمن
يكون هذا شأنه كيف يتوهّمُ أنْ يكون له ولدٌ، وهو من أماراتِ الاحتياج والنقص.
وقرأ ابن عامر: ((فيكونَ)) بالنصب على الجواب(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللّهَ رَنِي وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ﴾ عطفٌ - على ما قال الواحديُّ(٣) -
على قوله: ((إنِّي عبدُ الله)) فهو من تمام قول عيسى عليه السلام، تقريراً لمعنى
العبودية(٤)، والآيتان معترضتان، ويؤيِّدُ ذلك ما روي عن ابن عباس
وقرأ أبيّ بغير واو(٥). والظاهرُ أنَّه على هذا بتقدير القول خطاباً لسيِّد
المخاطبين وَل#، أي: قل يا محمد: إنَّ الله. إلخ.
١٠٠
وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو: ((وأنَّ) بالواو وفتح الهمزة(٦)، وخَرَّجَه الزمخشريُّ
على حذف حرف الجرِّ، وتعلقه بـ ((اعبدوه))، أي: ولأنَّه تعالى ربي وربُّكم فاعبدوه.
(١) البحر المحيط ١٨٩/٦. وقراءة نافع والكسائي المتواترة عنهما كقراءة الجمهور.
(٢) التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢٠/٢.
(٣) انظر الوسيط ١٨٤/٣.
(٤) قوله: تقريراً لمعنى العبودية. ليس في الأصل.
(٥) القراءات الشاذة ص٨٦، والبحر المحيط ١٨٩/٦.
(٦) التيسير ص١٤٩، وقرأ بها أيضاً من العشرة خلف. النشر ٣١٨/٢.

سُؤَدلاً مُرِسَا
٨٦
الآية : ٣٧
وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وهو قول
الخليل وسيبويه(١).
وأجاز الفرَّاء(٢) أنْ يكون ((أن)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ عطفاً على ((الزكاة))،
أي: وأوصاني بالصلاة والزكاة، وبأنَّ الله ربِّي وربُّكم .. إلخ.
وأجاز الكسائيُّ أن يكونَ ذلك خبر مبتدأ محذوف، أي: والأمر أنَّ الله ربِّي
وربكم.
وحكى أبو عبيدة(٣) عن أبي عمرو بن العلاء أنَّه عطف على ((أمراً)) من قوله
تعالى: ((إذا قضى أمراً))، أي: إذا قضى أمراً، وقضَى أنَّ الله ربِّي وربُّكم. وهو
تخبيطٌ في الإعراب، فلعلَّه لا يصح عن أبي عمرو، فإنَّه من الجلالة في علم النحو
بمكان.
وقيل: إنَّه عطفٌ على الكتاب. وأكثر الأقوال كما ترى.
وفي حرف أبيٍّ ◌َ﴿به أيضاً: ((وبأنَّ) بالواو وباءِ الجرّ(٤)، وخرَّجهُ بعضهم
بالعطف على الصلاة أو الزكاة(٥)، وبعضهم بأنَّه متعلِّق بـ ((اعبدوه)) أي: بسبب ذلك
فاعبدوه.
والخطاب إمَّا لمعاصري عيسى عليه السلام، وإمَّا لمعاصري نبيِّنَا وَّهِ.
﴿هَذَا﴾ أي: ما ذكر من التوحيد ﴿صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ لا يضلُّ سالكه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ لترتيب ما بعدَها على ما قبلها؛ تنبيهاً
(١) الكتاب ١٢٦/٣-١٢٧.
(٢) معاني القرآن له ١٦٨/٢.
(٣) لم أقف عليه في مجاز القرآن له، ونسبه له أيضاً أبو حيان في البحر ٦/ ١٩٠، والسمين في
الدر ٧/ ٦٠١. وعلَّلاه ـ كما صنع المصنف - بضعف أبي عبيدة في النحو.
ووقع في إعراب القرآن للنحاس ١٨/٣، وتفسير القرطبي ٤٥٣/١٣: أبو عبيد بدل
أبي عبيدة.
(٤) البحر المحيط ٦/ ١٩٠.
(٥) في الأصل: والزكاة.

الآية : ٣٧
٨٧
سُورَةُ مَرِمَا
على سوء صنيعهم بجعلهم ما يوجبُ الاتفاقَ منشاً للاختلاف، فإنَّ ما حُكيّ من
مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصاً قاطعةً في كونه عبدَ الله تعالى ورسوله
قد اختلفَ اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط، فالمرادُ بـ ((الأحزاب)): اليهودُ
والنصارى، وهو المرويُّ عن الكلبيّ.
ومعنى ((من بينهم)) أنَّ الاختلافَ لم يخرج عنهم، بل كانوا هم المختلفين،
و ((بین)) ظرفٌ استعمل اسماً بدخول ((من)) عليه.
ونقل في ((البحر)) القولَ بزيادة ((من))، وحكى أيضاً القول بأنَّ البينَ هنا بمعنى
البعد، أي: اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق، فتكون سبيّةٌ (١). ولا يخفى بعده.
وقيل: المرادُ بـ ((الأحزاب)) فِرَقُ النصارى، فإنَّهم اختلفوا بعد رفعه عليه السلام
فيه، فقال نسطور: هو ابنُ الله - تعالى عن ذلك - أظهره ثمَّ رفعه. وقال يعقوب:
هو الله تعالى، هبط ثم صعد. وقال ملكا: هو عبد الله تعالى ونبيُّه. وفي ((الملل
والنحل)) أنَّ الملكانيّة قالوا: إنَّ الكلمةَ - يعني: أقنوم العلم - اتَّحدت بالمسيح عليه
السلام، وتدرَّعت بناسوته.
وقالوا أيضاً: إنَّ المسيح عليه السلام ناسوتٌ كلُّ لا جزئيّ، وهو قديمٌ، وقد
ولدت مريم إلهاً قديماً أزليًّا، والقتلُ والصلبُ وقعَ على الناسوت واللاهوت
معاً(٢). وقد قدَّمنا من أمر النصارى ما فيه كفايةٌ، فليتذكَّر.
وقيل: المراد بهم المسلمون واليهود والنصارى.
وعن الحسن: أنَّهم الذين تحرَّبوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمَّا قص
عليهم قصة عيسى عليه السلام، اختلفوا فيه من بين الناس.
قيل: إنَّهم مطلق الكفار، فيشملُ اليهود والنصارى والمشركين الذين كانوا في
زمن نبينا وَ﴿ وغيرهم. ورجَّحه الإمام بأنَّه لا مخصِّص فيه(٣).
ورُجِّحَ القولُ بأنَّهم أهلُ الكتاب بأنَّ ذكرَ الاختلاف عقيب قصَّة عيسى عليه
(١) البحر المحيط ٦/ ١٩٠.
(٢) الملل والنحل ٢٢٢/١.
(٣) تفسير الرازي ٢٢٠/١ .

سُؤالٌ مرئيًا
٨٨
الآية : ٣٨
السلام يقتضي ذلك، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿فَوَيَّلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمراد بهم الأحزاب
المختلفون، وعبَّر عنهم بذلك؛ إيذاناً بكفرهم جميعاً، وإشعاراً بعلَّة الحكم، وإذا قيل
بدخول المسلمين أو الملكانية - وقيل: إنَّهم قالوا بأنَّه عليه السلام عبدُ الله ونبُّه - في
الأحزاب، فالمراد من الذين كفروا بعض الأحزاب، أي: فويل للذين كفروا منهم.
﴿مِن ◌َّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمِ ﴾ أي: من مشهود يومٍ عظيم الهول والحساب
والجزاء، وهو يوم القيامة. أو من وقت شهودِه، أوّ مكان الشهود فيه، أو من
شهادةِ ذلك اليوم عليهم؛ وهو أنْ تشهدَ الملائكة والأنبياء عليهم السلام عليهم
وألسنتهم وسائر جوارحهم بالكفر والفسوق، أو من وقتِ الشهادة أو من مكانها.
وقيل: هو ما شهدوا به في حقِّ عيسى عليه السلام وأمِّه، وعِظَمُه لعظَم ما فيه
أيضاً، كقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَّخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمْ﴾ [الكهف: ٥].
وقيل: هو يومُ قتل المؤمنين حين اختلف الأحزاب. وهو كما ترى.
والحقُّ أنَّ المرادَ بذلك اليوم يوم القيامة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ تعجيبٌ من حدَّة سمعِهم وأبصارهم يومئذٍ، ومعناه أنَّ
أسماعَهم وأبصارهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنّ﴾ للحساب والجزاء، أي: يوم القيامة: جديرٌ بأنْ
يُتَعجَّب منهما، بعد أنْ كانوا في الدنيا صمًّا وعمياً. وروي ذلك عن الحسن وقتادة.
وقال علي بن عيسى: هو وعيدٌ وتهديدٌ، أي: سوف يسمعونَ ما يخلعُ قلوبَهم،
ويبصرون ما يسوِّد وجوههم.
وعن أبي العالية أنَّه أمر حقيقة للرسول وليه بأنْ يسمِعهم ويبصِّرهم مواعيد ذلك
الیوم وما یحیقُ بهم فيه.
والجارُّ والمجرور على الأولين في موضع الرفع على القول المشهور. وعلى
الأخير في محلِّ نصبٍ؛ لأنَّ(أَسْمِع)) أمرٌ حقيقيّ، وفاعلُه مستترٌ وجوباً.
وقيل: في التعُجُّب أيضاً إنه كذلك، والفاعل ضمير المصدر.
﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ أَلْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَلٍ مُِّينِ (﴾﴾ لا يدرك غايتُه،
حيث أغفَلوا الاستماعَ والنظر بالكليّة.

الآية : ٣٩
٨٩
ووضع ((الظالمين)) موضعَ الضمير؛ للإيذان بأنَّهم في ذلك ظالمون لأنفسهم.
والاستدراك ـ على ما نُقِل عن أبي العالية - يتعلَّق بقوله تعالى: ((فويلٌ للذين
کفروا)».
﴿وَذِرْهُمْ﴾ أي: الظالمين على ما هو الظاهر. وقال أبو حيَّان (١): الضميرُ
لجميع الناس، أي: خوِّفهم ﴿يَوْمَ الَْسْرَةِ﴾ يوم يتحسَّرُ الظالمون على ما فرَّطوا في
جنب الله تعالى. وقيل: الناسُ قاطبةً، وتحسُّر المحسنين على قلَّة إحسانهم.
﴿إِذْ قُضِىَ آلْأَمْرُ﴾ أي: فرغ من الحساب، وذهبَ أهل الجنة إلى الجنة، وأهلُ
النار إلى النار، وذبح الموت، ونودي كلٌّ من الفريقين بالخلود.
وعن السُّدِّيّ وابن جريج: الاقتصارُ على ذبح الموت، وكان ذلك لما رَوى
الشيخان والترمذيُّ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ له: ((يؤتَى بالموت كهيئة
كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبُّونَ وينظرون، فيقول: هل تعرفونَ
هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رأوه، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أهل النار،
فيشرئبُّونَ وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلَّهم
قد رأوه، فيذبَح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهلَ
النار خلودٌ فلا موت)). ثم قرأ: (وَأَنَذِرْهُمْ) الآية(٢).
وفي روايةٍ عن ابن مسعود أنَّ يوم الحسرة حين يرى الكفارُ مقاعدهم من الجنّة
لو كانوا مؤمنين.
وقيل: حين يقال لهم وهم في النار: ﴿أَخَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
وقيل: حين يقال: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].
وقال الضحاك: ذلك إذا برزت جهنّم ورَمَت بالشرر.
وقيل: المراد بذلك يوم القيامة مطلقاً، وروي ذلك عن ابن زيد، وفيه حسراتٌ
في مواطن عديدة، ومن هنا قيل: المرادُ بالحسرة جنسُها، فيشمل ذلكَ حسرتهم
(١) في البحر المحيط ٦/ ١٩١.
(٢) صحيح البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩): (٤٠) (٤١)، وسنن الترمذي (٣١٥٦). وهو
عند أحمد (١١٠٦٦).

سؤالا مرئًا
٩٠
الآية : ٣٩
فيما ذُكر، وحسرتَهم عند أخذ الكتب بالشمائل، وغير ذلك، والمراد(١) بقضاء
الأمر الفراغُ من أمر الدنيا بالكليّة، ويعتبر وقتُ ذلك ممتدًّا.
وقيل: المرادُ بـ ((يوم الحسرة) يومُ القيامة، كما روي عن ابن زيد، إلَّا أنَّ
المرادَ بقضاء الأمر الفراغُ ممَّا يوجبُ الحسرة. وجوَّزَ ابنُ عطية (٢) أنْ يُرادَ بـ ((يوم
الحسرة» ما يَعمُّ یوم الموت.
وأنتَ تعلم أنَّ ظاهرَ الحديث السابق - وكذا غيره كما لا يخفى على
المتتبِّع - قاضٍ بأنَّ يوم الحسرة يوم يذبح الموت، وينادَى بالخلود، ولعلَّ
التخصيصَ لما أنَّ الحسرةَ يومئذٍ أعظمُ الحسرات؛ لأنَّه هناك تنقطعُ الآمال، وينسدُّ
باب الخلاص من الأهوال.
ومن غريب ما قيل: إنَّ المراد بقضاء الأمر سدُّ باب التوبة حين تطلعُ الشمس من
مغرِبها. وليس بشيء. و((إذا على سائر الأقوال بدلٌ من ((يوم))، أو متعلّقٌ بـ ((الحسرة))،
والمصدرُ المعرَّفُ يعمل بالمفعول الصريح عند بعضهم، فكيف بالظرف.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ غَقْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ قال الزمخشريُّ: متعلِّقٌ بقوله
تعالى شأنه: ((في ضلال مبين)) عن الحسن(٣).
ووجّه ذلك بأنَّ الجملتين في موضع الحال من الضمير المستتر في الجارِّ
والمجرور، أي: مستقرُّون في ذلك، وهم في تينك الحالتين.
واستظهر في ((الكشف)) العطف على قوله تعالى: ((الظالمون في ضلال مبين))
أي: هم في ضلال وهم في غفلة. وعلى الوجهين تكونُ جملة: ((أنذرهم)) معترضةً،
والواو اعتراضيَّة، ووجه الاعتراض أنَّ الإنذار مؤكِّدٌ ما هم فيه من الغفلة والضلال.
وجوِّز أنْ يكون ذلك متعلِّقًا بـ ((أنذرهم)) على أنَّه حالٌ من المفعول، أي:
أنذرهم غافلین غير مؤمنين.
وتُعقِّب بأنَّه لا يلائم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَنَهَا﴾ [النازعات: ٤٥].
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: داخل في حيز قيل. اهـ. منه.
(٢) المحرر الوجيز ٤ /١٧ .
(٣) الكشاف ٥١٠/٢.

سُودُ هُرَيْنَا
٩١
التفسير الإشاري (١-٤٠)
وقال في ((الكشف)): إنَّه غير واردٍ؛ لأنَّ ذلك بالنسبة إلى النفع، وهذا بالنسبة
إلى تنبيه الغافل؛ لبيان أنَّ النفع في الآخرة، وهذه وظيفةُ الأنبياء عليهم السلام عن
آخرهم. ثمَّ لو سلِّم لا مناقضة، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَّكْرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَ نَنَفَعُ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، كيف وقد تكرَّر هذا المعنى في القرآن، إلى قوله تعالى:
﴿لِنُنْذِرَ قَوْمَا مَّا أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ﴾ [يس: ٦].
وأمَّا أن قوله سبحانه: ((وهم لا يؤمنون)) نفيٌ مؤكِّد يشتملُ على الماضية
والآتية، فلا يسلّم لو جعل حالاً، ولو سلِّم فقد عُلِم جوابُه مما سبق، وما على
الرسول إلا البلاغ.
نعم لا نمنع أنَّ الوجه الأول أرجحُ وأشدُّ طباقاً للمقام، وحاصلُ المعنى على
الأخير (أنذرهم) لأنّهم في حالة يحتاجون فيها للإنذار.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ اَلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ لا يبقى لأحدٍ غيرِه تعالى مِلْك ولا مُلْك، فيكونُ
كلُّ ذلك له تعالى استقلالاً ظاهراً وباطناً، دون ما سواه، وينتقل إليه سبحانه انتقالَ
الموروث من المورِّث إلى الوارث، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ
اٌلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك توفِّيَ الوارثِ
لإرثه، واستيفاءه إِيَّاه.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾﴾ أي: يردُّون إلى الجزاء، لا إلى غيرنا استقلالاً أو اشتراكاً.
وقرأ الأعرج: ((ترجعون)) بالتاء الفوقيَّة. وقرأ السلميُّ وابنُ أبي إسحاق وعيسى
بالياء التحتية مبنيًّا للفاعل، وحَكى عنهم الدانيُّ أنَّهم قرؤوا بالتاء الفوقية(١). والله
تعالى أعلم.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿كَهيعَصّ﴾ هو وأمثاله على الصحيح سرٍّ من
أسرار الله تعالى، وقيل في وجه افتتاح هذه السورة به: إنَّ الكاف إشارةٌ إلى الكافي
الذي اقتضاه حالُ ضعف زكريا عليه السلام وشيخوخته وعجزه، والهاءَ إشارةٌ إلى
(١) البحر المحيط ٦/ ١٩١.

سُوءَةُ قرِهَا
٩٢
الآية : ٤١
الهادي الذي اقتضاه عنايته سبحانه به وأدائه مطلوبَه له، والياء إشارةٌ إلى الواقي
الذي اقتضاه حالُ خوفه من الموالي، والعين إشارةٌ إلى العالم الذي اقتضاه إظهاره
لعدم الأسباب، والصاد إشارة إلى الصادق الذي اقتضاه الوعد.
والإشارة في القصتين إجمالاً إلى أنَّ الله تعالى شأنه يهبُ بسؤالٍ وغير سؤال.
وطبق بعضُ أهل التأويل ما فيهما على ما في الأنفس، فتكلَّفوا وتعسَّفوا.
وفي نذر الصوم - والمرادُ به الصمت - إشارةٌ إلى ترك الانتصار للنفس، فكأنَّه
قيل لها عليها السلام: اسكتي ولا تنتصري، فإنّ في كلامك وانتصارك لنفسك مشقَّةً
عليك، وفي سكوتك إظهار ما لنا فيك من القدرة، فلزمتِ الصمتَ، فلمَّا علم الله
سبحانه صدقَ انقطاعها إليه، أنطقَ جلَّ وعلا عيسى عليه السلام ببراءتها .
وذكر أنَّه عليه السلام طَوى كلَّ وصفٍ جميلٍ في مطاوي قوله: ﴿إِنِ عَبْدُ
اُللَّهِ﴾، وذلك لما قالوا من أنه لا يُذْعَى أحدٌ بعبد الله إلَّا إذا صار مظهراً لجميع
الصفات الإلهية المشير إليها الاسم الجليل، وجعل على هذا قولُه: ﴿َاتَنِىَ
آلکِنبَ﴾ إلخ، كالتعلیل لهذه الدعوى.
وذكروا أنَّ العبدَ مضافاً إلى ضميره تعالى أبلغُ مدحاً مما ذُكر، وأنَّ صاحبَ
ذلك المقام هو نبيُّنَا وَّهِ. وكأنَّ مرادهم أنَّ العبد مضافاً إلى ضميره سبحانه كذلك
إذا لم يُقْرن بعلم، كـ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِنََّ﴾ وإلَّا فدعوى الاختصاص لا تتمّ، فليتدبَّر.
وذكر ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أنَّ الجبار الذي
لا ينصح، والشقيَّ الذي لا ينتصح، نعوذُ بالله سبحانه من أن يجعلنا كذلك.
﴾ عطف على ((أنذرهم)) عند أبي السعود (١). وقيل: على (((ذكر))
السابق، ولعلَّه الظاهر. ﴿فِ الْكِتَبِ﴾ أي: هذه السورة، أو في القرآن ﴿إِبْرَهِيمُ﴾
أي: اتلُ على الناس قصَّته، كقوله تعالى: ﴿وَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِنَزَّهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]
وإلَّا فَذَاكِرُ ذلك في الكتاب هو الله تعالى كما في ((الكشاف))(٢).
(١) تفسير أبي السعود ٢٦٦/٥.
(٢) ٢ /٥١٠.

الآية : ٤١
٩٣
وفيه أنَّه عليه الصلاة والسلام لكونه الناطقَ عنه تعالى، ومبلغ أوامره ونواهيه،
وأعظم مظاهره سبحانه ومجاليه، كأنَّه الذاكر في الكتاب ما ذكره ربُّه جلَّ وعلا(١).
ومناسبة هذه الآية لما قبلها اشتمالُها على تضليل من نسب الألوهية إلى الجماد
اشتمالَ ما قبلها على ما أشار إلى تضليل من نسبها إلى الحيّ، والفريقان وإن
اشتركا في الضلال إلَّا أنَّ الفريق الثاني أضلّ.
ويقال على القول الأول في العطف: إنَّ المراد: أنذرهم ذلك، واذكر لهم قصة
إبراهيم عليه السلام، فإنَّهم ينتمون إليه ◌َّه، فعساهم باستماع قصَّته يقلعون عمَّا هم
فيه من القبائح.
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ أي: ملازمَ الصدق لم يكذب قطّ ﴿نَّبًا ﴾﴾ استنبأه الله تعالى،
وهو خبر آخر لـ ((كان))، مقيِّدٌ للأول، مخصِّص له، أي: كان جامعاً بين الوصفين.
ولعلَّ هذا الترتيبَ للمبالغة في الاحتراز عن توهُّم تخصيص الصدِّيقيَّة بالنبوّة، فإنَّ
كل نبيٍّ صدِّيق، وقيل: الصدِّيق: من صَدَقَ بقوله واعتقاده، وحقَّقَ صدقَه بفعله. وفي
((الكشاف)»: الصِّدِّيق من أبنية المبالغة، والمراد فرط صدقه، وكثرةُ ما صدَّق به من
غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله، وكأن الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب
والرسل، أي: كان مصدِّقاً بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبيًّا في نفسه، كقوله تعالى:
﴿بَلَ بَّءَ بِالْحَقِّ وَصَدَقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] أو كان بليغاً في الصدق؛ لأنَّ ملاك أمر
النبوّة الصدق، ومصدّقُ الله تعالى بآياته ومعجزاته حريٌّ أن يكون كذلك(٢). انتهى.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المبالغة تَحتملُ أن تكون باعتبار الكمِّ، وأن تكون باعتبار
الكيف، ولك أنْ تُريد الأمرين؛ لكون المقام مقام المدح والمبالغة، وقد ألمَّ بذلك
الراغب(٣).
وأما أنَّ التكثير باعتبار المفعول، كما في: قطعت الحبال، فقد عدَّه في
((الكشف)) من الأغلاط. فتأمَّل.
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: لم يقصد به الاعتراض. اهـ. منه.
(٢) الكشاف ٢/ ٥١٠.
(٣) في المفردات (صدق).

سُؤَال فرنسا
٩٤
الآية : ٤٢
واستُظهِر أنَّه من الصدق لا من التصديق، وأُيِّد بأنَّه قرئ: (إِنَّه كان صادقاً)(١)،
وبأنَّه قلَّما يوجدُ فعيل من مفعِّل، والكثيرُ من الفاعل.
وفسَّر بعضُهم النبيَّ هنا برفيع القدر عند الله تعالى وعند الناس. والجملة
اسئناف مسوق لتعليل موجبِ الأمر؛ فإنَّ وصفَه عليه السلام بذلك من دواعي ذكرِهِ،
وهي - على ما قيل - اعتراضٌ بين المبدل منه وهو ((إبراهيم))، والبدل وهو ((إذ)) في
قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ﴾. وتعقَّبه صاحبُ ((الفرائد)) بأنَّ الاعتراضَ بين البدل والمبدل
منه بدون الواو بعيدٌ عن الطبع، وفيه منعٌ ظاهر(٢). وفي ((البحر)) أنَّ بدلية ((إذ)) من
(إبراهيم)) تقتضي تصرُّفها، والأصحُّ أنَّها لا تتصرف(٣). وفيه بحث.
وقيل: ((إذ)) ظرفٌ لـ ((كان))، وهو مبنيٌّ على أنَّ ((كان)) الناقصة وأخواتها تعملُ
في الظروف، وهي مسألةٌ خلافية.
وقيل: ظرف لـ ((نبيًّا))، أي: منبئٌّ في وقت قوله ﴿لِأَبِهِ﴾. وتُعقِّب بأنَّه يقتضي
أنَّ الاستنباءَ كان في ذلك الوقت.
وقيل: ظرف لـ ((صدِّيقاً)). وفي ((البحر)): لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّه قد نُعِتَ، إِلَّا
على رأي الكوفيين(٤). وفيه أن ((نبيًّا)) خبرٌ كما ذكرنا، لا نعت.
نعم تقييد الصديقيّة بذلك الوقت لا يخلو عن شيء.
وقيل: ظرف لـ ((صدِّيقاً نبيًّا)) وظاهرُه أنَّه معمولٌ لهما معاً. وفيه أنَّ تواردَ
عاملين على معمولٍ واحدٍ غيرُ جائز على الصحيح، والقول بأنَّهما جُعلا بتأويل اسم
واحدٍ، كتأويل: حلو حامض، بمزّ، أي: جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء
عليهم السلام حين خاطب أباه = لا يخفى ما فيه.
والذي يقتضيه السياق ويشهدُ به الذوق البدليَّةُ، وهو بدل اشتمال.
(١) هي قراءة أبي البَرَهْسم كما في البحر ٦/ ١٩٣.
(٢) وتعقب الشهاب صاحبَ الفرائد فقال: لا وجه له، وليس الردُّ والقبول بالتشهي. حاشية
الشهاب ١٦٠/٦.
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٩٣.
(٤) البحر المحيط ١٩٣/٦.

الآية : ٤٢
٩٥
سُؤَدَةُ فَزَئها
وتعليقُ الذكر بالأوقات مع أنَّ المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث قد مرّ
سرُّه مراراً، فتذكر.
﴿وَأَبَتٍ﴾ أي: يا أبي، فإنَّ التاء عوضٌ عن(١) ياء الإضافة، ولذلك لا يُجمَع
بينهما إلَّا شذوذاً، كقوله:
يا أبتي أرّقني القِذَّان(٢)
والجمع في ((يا أبتا)) قيل: بين عوضين، وهو جائزٌ كجمع صاحبِ الجبيرة بين
المسح والتيمُّم، وهما عوضان عن الغسل، وقيل: المجموع فيه عوض. وقيل:
الألف للإشباع، وأنت تعلم حال العلل النحوية.
وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر: ((يا أبتَ)) بفتح التاء(٣)، وزعم هارون أنَّ
ذلك لحنٌّ. والحقُّ خلافه. وفي مصحف عبد الله: ((وا أبت)) (٤) بواو بدل ياء،
والنداءُ بها في غير الندبة قليل. وناداه عليه السلام بذلك استعطافاً له.
وأخرج أبو نعيم والديلميُّ عن أنسٍ مرفوعاً: ((حقُّ الوالد على ولده أن لا يسمِيه
إلا بما سمَّى إبراهيم عليه السلام به أباه؛ يا أبت، ولا يسميه باسمه))(٥).
وهذا ظاهرٌ في أنَّه كان أباه حقيقةً.
وصحّح جمعٌ أنَّه كان عمّه، وإطلاق الأب عليه مجاز.
﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ﴾ ثناءَك عليه عند عبادتك له، وجؤارك إليه ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾
خضوعَك وخشوعك بين يديه، أو: لا يسمعُ ولا يبصرُ شيئاً من المسموعات
والمبصَرات، فيدخلُ في ذلك ما ذكرَ دخولاً أوَّليًّا .
(١) في (م): من.
(٢) الرجز لرؤية بن العجاج، وانظر المؤتلف والمختلف للآمدي ص١٧٦، وخزانة الأدب ١/ ٩٢.
وفيهما : يا أبتا .
والقِذَّان جمع قذذ، كصُرَد، وهو البرغوث. انظر تاج العروس (قذذ). وذكره الخفاجي في
حاشيته ٦/ ١٦٠ بمثل الرواية التي ذكرها المصنف.
(٣) التيسير ص١٢٧، والنشر ٢٩٣/٢. وقراءة الأعرج في البحر المحيط ٦/ ١٩٣.
(٤) البحر المحيط ٦/ ١٩٣.
(٥) الدر المنثور ٢٧٢/٤، وهو عند أبي نعيم في الحلية ٥/ ١٤٢ لكن عن عبد الله بن محيريز
بنحوه موقوفاً .

٩٦
الآية : ٤٣
و((ما)) موصولةٌ، وجوّزوا أن تكون نكرة موصوفة.
﴿وَلَا يُغْنِى﴾ أي: لا يقدرُ على أنْ يغني ﴿عَنْكَ شَيْئًا ﴾﴾ من الأشياء، أو شيئاً
من الإغناء، فهو نصب على المفعوليَّة أو المصدريَّة.
ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج، واحتجَّ عليه أبدع احتجاج؛
بحسن أدبٍ وخُلقٍ ليس له مِن هاج؛ لئلا يَرْكَبَ متن المكابرة والعناد، ولا ينكب
بالكليّة عن سبيل الرشاد، حيث طلب منه علَّ عبادته، لما يستخفُّ به عقل كلِّ عاقل
من عالمٍ وجاهلٍ ويأبى الركون إليه، فضلاً عن عبادته التي هي الغايةُ القاصية من
التعظيم، مع أنَّها لا تحقُّ إلَّا لمن له الاستغناء التامُّ، والإنعام العامُّ، الخالق
الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، ونبّه على أن العاقل يجب أنْ يفعل
كلَّ ما يفعل لداعيةٍ صحيحة، وغرضٍ صحيح، والشيءُ لو كان حيًّا مميِّزاً، سميعاً
بصيراً، قادراً على النفع والضر، لكن كان ممكناً، لاستنكف ذو العقل السليم عن
عبادته، وإن كان أشرف الخلائق؛ لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة
الواجبية، فما ظُّك بجمادٍ مصنوع، ليس له من أوصاف الأحياء عينٌ ولا أثر. ثم
دعاه إلى أن يتَّبعه ليهديه إلى الحقِّ المبين، لما أنَّه لم يكن محظوظاً من العلم
الإلهيّ، مستقلًّا بالنظر السويّ، مُصَدِّراً لدعوته بما مرَّ من الاستعطاف، حيث قال:
﴿يَأَبَتِ إِنِىِ قَدْ جَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولم يَسِم أباه بالجهل المفرط، وإن كان
في أقصاه، ولا نفسَه بالعلم الفائق، وإن كان كذلك، بل أبرزَ نفسه في صورة
رفیقٍ(١) له، يكون أعرفَ بأحوال ما سلكاه من الطريق، فاستماله برفق حيث قال:
﴿فَتَّعْنِىِّ أَهْدَِ صِرَطًا سَوِيًا ﴾﴾ أي: مستقيماً موصِلاً إلى أسنى المطالب، منجياً
عن الضلال المؤدِّي إلى مهاوي الردى والمعاطب.
وقوله: ((جاءني) ظاهرٌ في أنَّ هذه المحاورة كانت بعد أن نُبِّئ عليه السلام.
والذي جاءه، قيل: العلم بما يجبُ لله تعالى وما يمتنع في حقِّه وما يجوز،
على أتمٍّ وجه وأكمله. وقيل: العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها. وقيل: العلم
بما يعُّ ذلك.
(١) في (م): رقيق.

٩٧
الآية : ٤٤، ٤٥
ثم تَبَّطَّه عمَّا هو عليه بتصويره بصورةٍ يستنكرها كلُّ عاقل، ببيان أنَّه مع عرائه
عن النفع بالمرَّة مستجلِبٌ لضررٍ عظيم، فإنَّه في الحقيقة عبادةُ الشيطان؛ لما أنَّه
الآمر به فقال: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ﴾ فإنَّ عبادتك الأصنام عبادة له، إذ هو
الذي يسوِّلها لك ويغريكَ عليها. وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّاً ﴾﴾ تعليلٌ
لموجب النهي وتأكيدٌ له، ببيان أنَّهُ مستعصٍ على من شملتكَ رحمتُه وعمَّتك نعمته.
ولا ريب في أنَّ المطيعَ للعاصي عاصٍ، وكلُّ من هو عاصٍ حقيقٌ بأن تُستَردً
منه النعم ويُنْتَقمَ منه. وللإشارة إلى هذا المعنى جيء بـ ((الرحمن)). وفيه أيضاً إشارةٌ
إلى كمال شناعة عصيانه. وفي الاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته؛
لأنَّه ملاكها، أو لأنَّه نتيجةُ معاداته لآدم عليه السلام، فتذكيره داعٍ لأبيه عن(١)
الاحتراز عن موالاته وطاعته، والإظهارُ في موضع الإضمار لزيادة التقرير.
وقوله: ﴿يَأَبَتِ إِنَّ أَغَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ تحذيرٌ من سوء عاقبة ما هو
فيه من عبادة الأصنام.
والخوفُ - كما قال الراغب -: توقُّع المكروه عن أمارةٍ مظنونة، أو معلومة(٢).
فهو غير مقطوعٍ فيه بما يخاف، ومن هنا قيل: إنَّ في اختياره مجاملة.
وحمله الفرَّاء والطبريُّ على العلم (٣)، وليس بذاك.
وتنوين ((عذاب)) . على ما اختاره السعد في ((المطول)) - يحتملُ التعظيم
والتقليل، أي: عذابٌ هائل، أو أدنى شيء منه. وقال: لا دلالة للفظ المسِّ
وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح الثاني - كما ذكره بعضهم -؛ لقوله تعالى:
﴿لَمَشَكُرْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] ولأنَّ العقوبةَ من الكريم الحليم
أشدّ. اهـ. واختار أبو السعود أنَّه للتعظيم، وقال: كلمة ((من))متعلِّقةٌ بمضمرٍ وقع
صفةً للعذاب، مؤكّدةٌ لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتيّة بالفخامة الإضافيَّة،
وإظهار ((الرحمن)) للإشعار بأنَّ وصف الرحمانيَّة لا يدفعُ حلولَ العذاب، كما في
(١) كذا في الأصل و(م). ووقع في تفسير أبي السعود ٢٦٧/٥ - وعنه نقل المصنف: إلى.
(٢) المفردات (خوف).
(٣) معاني القرآن للفراء ١٦٩/٢، وتفسير الطبري ٥٥١/١٥ .

٩٨
الآية : ٤٥
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿مَا غَرِّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]. انتهى (١).
وفي ((الكشف)) أنَّ الحمل على التفخيم في ((عذاب)» - كما جوَّزه صاحب
((المفتاح))(٢). مما يأباه المقام، أي: لأنَّه مقام إظهار مزيد الشفقة ومراعاة الأدب
وحسن المعاملة، وإنَّما قال: ((من الرحمن)) لقوله أوَّلاً: ((كان للرحمن عصيًّا))،
وللدلالة على أنَّه ليس على وجه الانتقام، بل ذلك أيضاً رحمةٌ من الله تعالى على
عباده، وتنبيهٌ على سَبْقِ الرحمة الغضب، وأن الرحمانيَّة لا تنافي العذاب، بل
الرحيمية على ما عليه الصوفية؛ فقد قال المحقق القونويّ في ((تفسير الفاتحة)):
((الرحيم)) - كما بيَّنا - لأهل اليمين والجمال، والرحمن الجامعُ بين اللطف والقهر
لأهل القضية(٣) الأخرى والجلال. إلى آخر ما قال(٤).
وأُيِّد الحملُ على التفخيم بقوله: ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ®﴾ أي: قريناً تليه ويليك
في العذاب، فإنَّ الولاية للشيطان بهذا المعنى إنَّما تترتَّب على مسِّ العذاب العظيم.
وأجيبَ عن كون المقام مقام إظهارٍ مزيد الشفقة - وهو يأبى ذلك - بأنَّ القسوة
أحياناً من الشفقة أيضاً، كما قيل:
فليقسُ أحياناً على من يرحم(6)
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً
وقد تقدَّم هذا مع أبياتٍ أخر بهذا المعنى(٦).
ويكفي في مراعاة الأدب والمجاملة عدمُ الجزم باللحوق والمسّ، وإن كان
مُشعِراً بالقِلَّةِ عند الجلَّة، لكن قالوا: إنَّ الكثرةَ والعظمةَ باعتبار ما يلزمُه ويتبعه،
لا بالنظر إليه في نفسه، فإنَّه غيرُ مقصودٍ بالذات، وإنَّما هو كالذوق مقدمةٌ
للمقصود، فيصحُّ وصفه بكلِّ من الأمرين باعتبارين. وكأنِّي بك تختار التفخيم؛
لأنَّه أنسب بالتخويف، وتدَّعي أنَّه ها هنا من معدن الشفقة. فتدبّر.
(١) تفسير أبي السعود ٢٦٧/٥.
(٢) مفتاح العلوم ص ١٩٤ .
(٣) في تفسير سورة الفاتحة ص١٥٠: القبضة. وهي الصواب الموافق لسياق الكلام ثمة.
(٤) تفسير سورة الفاتحة ص١٤٩ - ١٥٠ .
(٥) سلف ٨٨/٥.
(٦) ١٠/ ٥٨٣.

الآية : ٤٦
٩٩
وجوِّز أنْ يكون ((فتكون)) إلخ مترتِباً على مسِّ العذاب القليل.
و((الولي)) من الموالاة، وهي المتابعة والمصادقة، والمراد: تفريع الثبات على
حكم تلك الموالاة، وبقاء آثارها من سخط الله تعالى وغضبه، ولا مانع من أنْ
يتفرَّع من قليلٍ أمرٌ عظيم.
ثمَّ الظاهر أنَّ المرادَ بالعذاب عذابُ الآخرة، وتأوَّله بعضُهم بعذاب الدنیا،
وأراد به الخذلان، أو شيئاً آخر ممَّا أصابَ الكفرة في الدنيا من أنواع البلاء.
وليس بذاك.
وزعم بعضُهم أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصل: إنّ أخافُ أن تكون
وليًّا للشيطان، أي: تابعاً له في الدنيا؛ فيَمسَّك عذابٌ من الرحمن، أي: في
العقبى. وكأنَّه أشكل عليه أمرُ التفريع، فاضطر لما ذكر، وقد أغناكَ الله تعالى عن
ذلك بما ذكرنا .
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيُّ على سؤال نشأ من صدر الكلام، كأنَّه قيل: فماذا قال
أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذا النصائحَ الواجبة القبول؟ فقيل: قال مصرًّا
على عناده، مقابلاً الاستعطافَ واللطفَ بالفظاظة والغلظة: ﴿أَرَاغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى
يَاِبْرَهِيمٌ﴾ اختار الزمخشريُّ كون ((راغب)) خبراً مقدَّماً ((وأنت)) مبتدأ، وفيه توجيه
الإنكار إلى نفس الرغبة، مع ضَرْبٍ من التعجيب(١).
وذهب أبو البقاء(٢) وابن مالك وغيرهما إلى أنَّ ((أنت)) فاعلُ الصفة؛ لتقدُّم
الاستفهام، وهو مغنٍ عن الخبر، وذلك لئلا يلزمَ الفصل بين ((أراغب)) ومعموله
وهو (عن آلهتي)) بأجنبيٍّ هو المبتدأ.
وأجيبَ بأنَّ ((عن)) متعلِّقٌ بمقدَّر بعد ((أنت)) يدلُّ عليه ((أراغب)). وقال صاحب
((الكشف)) المبتدأ ليس أجنبيًّا من كل وجه، لاسيما والمفصول ظرف، والمقدم في
نيةِ التأخير، والبليغ يَلتفتُ لِفتَ المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجهٌ مساٌ في
العربية، وإن كان مرجوحاً. ولعلَّ سلوك هذا الأسلوب قريبٌ من ترجيح
(١) الكشاف ٥١١/٢.
(٢) إملاء ما من به الرحمن ١١٤/٢ .

الآية : ٤٦
١٠٠
الاستحسان لقوَّة أثره على القياس. ولا خفاء أنَّ زيادة الإنكار إنَّما نشأ من تقديم
الخبر، كأنَّه قيل: أراغبٌ أنت عنها لا طالبٌ لها راغبٌ فيها؟ منبِّهاً له على الخطأ
في صدوفه ذلك، ولو قيل: أترغب. لم يكن من هذا الباب في شيء. انتهى.
ورجّح أبو حيَّان إعراب أبي البقاء ومن معه بعدم لزوم الفصل فيه، وبسلامة
الكلام عليه عن خلاف الأصل في التقديم والتأخير(١).
وتوقّف البدرُ الدمامينيُّ في جواز ابتدائية المؤشّر في مثل هذا التركيب، وإن
خلا عن فصلٍ أو محذورٍ آخر، كما في: أطالعٌ الشمس، وذلك نحو: أقائم زيدٌ؛
للزوم التباس المبتدأ بالفاعل، كما في: ضرب زيد. فإنه، لا يجوز فيه ابتدائية زيد.
وأجابَ الشُّمُني بأنَّ زيداً في الأول يحتملُ أمرين؛ كلٌّ منهما بخلاف الأصل،
وذلك إجمالٌ لا لبس، بخلافه في الثاني. فتأمَّل.
﴿لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكٌ﴾ تهديدٌ وتحذيرٌ عمَّا(٢) كان عليه من العظة والتذكير،
أي: والله لئن لم تَنْتَهِ عما أنت عليه من النهي عن عبادتها، والدعوة إلى ما دعوتني
إليه، لأرجمنّك بالحجارة، على ما روي عن الحسن. وقيل: باللسان، والمرادُ
لأشتمنَّك، وروي ذلك عن ابن عباس والسديِّ والضخَّاك وابنُ جریج.
وقدَّر بعضُهم متعلَّق النهي الرغبةَ عن الآلهة، أي: لئن لم تَنْتَهِ عن الرغبة عن
آکھتي لأرجمنَّك. وليس بذاك.
﴿وَأَهْجُرْنِ﴾ عطفٌ على محذوف يدلُّ عليه التهديد، أي: فاحذرني واتركني،
وإلى ذلك ذهب الزمخشريُ(٣). ولعلَّ الداعيّ لذلك وعدم اعتبار العطف على
المذكور = أنَّه لا يصحُّ أو لا يحسنُ التخالف بين المتعاطفَين إنشائيَّةً وإخباريَّة،
وجوابُ القسم غير الاستعطافيّ لا يكونُ إنشاءً، وليست الفاء في ((فاحذرني)) عاطفةً
حتى يعود المحذور.
ومن الناس من عطفَ على الجملة السابقة؛ بناءً على تجويز سيبويه العطفَ مع
(١) البحر المحيط ١٩٤/٦ - ١٩٥.
(٢) في الأصل: لما.
(٣) الكشاف ٢/ ٥١١ .